← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فذهب علي وابن عباس والشعبي ومالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين دون إذنهما ما يريان فيه المصلحة، مثل أن يطلق الرجل، أو تفتدي المرأة بشيء من مالها. فهما عندهم حاكمان موليان من قبل الإمام. وقال الحسن وأبو حنيفة وأصحابه: ليس للحكمين أن يفرّقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين. وللشافعي في المسألة قولان. وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرأيين: فالشهادة للرأي الأول أنّ الله تعالى سمّى كلا منهما حكما، والحكم هو الحاكم، وإذا جعلهما الله حاكمين فقد مكّنهما من الحكم. والشهادة للرأي الثاني أنه تعالى لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوّض إليهما، ولما كانت الآية محتملة للرأيين، ولم يصحّ في المسألة شيء عنه ﷺ كانت المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر، فالترجيح للرأي والقياس، والذي يظهر لنا أنّ القياس يقتضي ترجيح الرأي الثاني، لأنه لا خلاف أنّ الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها لم يجبرها الحاكم على الطلاق، وأنّ الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملكها من غير رضاها. والضمير في قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يجوز أن يكون للحكمين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله تعالى يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما والأوفق جعل الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن يقصد الحكمان إصلاح ذات البين بنية صحيحة، مع إخلاص النصيحة لوجه الله تعالى، إن يقصدا ذلك يوفق الله بين الزوجين بالألفة والمحبة، ويلقي في نفسيهما الموافقة وحسن العشرة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق، فإنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها، فيعلم ما يريده كلّ واحد منهم، وسيجازيهم على حسب ما علم. قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) لما أرشد الله كلا من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وندب الحكّام إلى إزالة ما

стр. 282

بينهما من الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى طائفة من خلال الخير، وبيّن لهم أنواعا من الأخلاق الحسنة التي تعلمهم كيف يعامل بعضهم بعضا، وقد ذكر من ذلك في هذه الآية ثلاثة عشر نوعا ما بين مأمور به ومنهي عنه: ١- أمرنا أن نعبده، والعبادة: المبالغة في الخضوع، ويكون ذلك بفعل ما أمر الله به لمجرد أنه أمر به، وترك ما نهى عنه لمجرد أنه نهى عنه، سواء في ذلك أعمال القلوب- ومنها التوحيد- وأعمال الجوارح. ٢- ونهانا أن نشرك به شيئا: والإشراك ضد التوحيد، فيفهم من النهي عن الإشراك الأمر بالتوحيد، فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقدم في هذه التكاليف ما يتعلّق بحقه تعالى لأمرين: الأول: أنّ هذا الذي تعلق بحقه تعالى وهو العبادة والإخلاص فيها أساس الدين، ومداره الأعظم، ومن دونه لا يقبل الله من العبد عملا ما. والثاني: أن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن الأمور الآتية وإن كانت متعلقة بحقوق العباد، لأن قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها رفعة شأن وعظم قدر عند الله. ٣- وأمرنا بالإحسان إلى الوالدين: وقد قرن الله تعالى إلزام برّ الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع من القرآن منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: ٢٣] وقوله جلّ شأنه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: ١٤] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما، ووجوب برهما، والإحسان إليهما. وقد ورد في وجوب بر الوالدين آيات كثيرة، وأحاديث مشهورة، وبر الوالدين طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما. ٤- وإلى ذي القربى: وهو صلة الرحم، على نحو ما ذكر في أول السورة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ والإحسان إلى الأقارب يكون بمودتهم ومواساتهم. ٥- وإلى اليتامى: كما وصّى في أول السورة وفي غيرها، قال ابن عباس: يرفق بهم يربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم. ٦- وإلى المساكين: والإحسان إلى المسكين إما بالتصدق عليه، وإما برده ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ١٠] . ٧- وإلى الجار ذي القربى: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين.

стр. 283

٨- وإلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره، أو من ليس له مع الجوار قرابة. أخرج البخاري «١» في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» . وأخرج الشيخان «٢» أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» . وتحديد الجوار موكول إلى العرف، والإحسان إلى الجار يكون من وجوه: منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة، وكف الأذى عنه، والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه، وقد عد بعض العلماء من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه. ٩- وإلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق في كل أمر حسن كالتعلم والسفر والصناعة، وكمن جلس بجنبك في مسجد، أو مجلس، وغير ذلك. وعن علي كرم الله وجهه: الصاحب بالجنب المرأة. ١٠- وإلى ابن السبيل: وهو المنقطع عن ماله، أو الضعيف، ومعنى ابن السبيل صاحب الطريق، كما يقال لطير الماء ابن ماء، فالمسافر للزومه الطريق سمّي ابن السبيل، والضيف كالمجتاز غير المقيم، فسمّي ابن السبيل تشبيها بالمسافر. ١١- وإلى ما ملكت أيماننا: قال قتادة: هم العبيد والإماء، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» «٣» . وقال بعض العلماء: كلّ حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة. ١٢- ونهانا عن الاختيال: فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً معناه: أنه يكره المختال الفخور، أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره، والمختال: ذو الخيلاء والكبر، قال الزجاج: إنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال

стр. 284

أنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن عشرتهم. ١٣- ونهانا عن الفخر: والفخور هو الذي يعدّد مناقبه على الناس تطاولا وتعاظما. أخرج الطبراني عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ إلخ، فذكر الكبر، وعظّمه، فبكى ثابت. فقال له رسول الله ﷺ : «ما يبكيك» ؟ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي. قال: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحقّ، وغمط الناس» «١» . قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) اختلف في سبب نزول الآية، فأخرج أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وصححه، عن علي كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت «٢» . وفي رواية ابن جرير «٣» وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن بن عوف، وكانت الصلاة صلاة المغرب، كان ذلك لما كانت الخمر مباحة. وقد فهم الصحابة من النهي في أول الأمر أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السّكر، فكانوا لا يتناولون مسكرا حتى إذا صلّوا العشاء شربوا، فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت آية المائدة فتركوا الشراب كله. وقيل: إنّ سبب النزول هو ما رواه ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله ﷺ جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى

стр. 285

النبي ﷺ فنزلت، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس «١» النبي ﷺ ليلة، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والمسلمين على غير ماء فنزلت «٢» . فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر. والسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب، بدليل ما ورد في سبب النزول، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة، وهم على هذا الحال، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون، ولقد أثّر فيهم النهي أثره، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى. ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال: إنها نسخته. وقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي ﵁، والكلام إذا على حذف مضاف، وهو مجاز شائع، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن، كما في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود. ويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن الله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات، فحملناه على المسجد، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء، سواء لفقده، أو عدم القدرة على استعماله كذلك، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم. وأيضا فقد ذكر الله في الآية حكم المسافر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ

стр. 286

إلخ. فيكون ذلك تكرارا، فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد. وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب، إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا، ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء، فكأنه قيل: فإن لم تقدروا على استعمال الماء فإني مبيّن حكم ذلك بقولي: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى آخره. ويقرب لهؤلاء ما ذهبوا إليه أن الله يقول: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فإنّه يدل على أنّ المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة يمنع السكر منها، وهي القراءة والدعاء والذكر، فكان حملها على ما يقتضيه ظاهر اللفظ أولى. وقد ترتب على هذا خلافهم في حكم اجتياز المسجد للجنب، فمن ذهب إلى أن المراد من الصلاة موضعها، وهو المسجد، أخذ من الاستثناء أن الجنب ممنوع من المسجد إلا في حال العبور، فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث. وأما على القول الثاني فيكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة في حال السكر، ولا في حال الجنابة حتى تغتسلوا، إلا إذا كنتم مسافرين، وحكم ذلك سأقصه عليكم، أما حرمة دخول المسجد للجنب فيستدل عليها بمثل ما روت عائشة ﵂ قالت جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد وقال: وجّهوا هذه البيوت فإني لا أحلّ المسجد لجنب ولا حائض» «١» وغير هذا من الأدلة. بقي أنّ بعض المفسرين يريد أن يأخذ من قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وجوب القراءة في الصلاة، لأن الآية تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلّي ما يقول: فلا بد أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة. ولكنا إذا عرفنا أنّ الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي مالك يوم الدين، العزيز القهار، كان معنى النهي لا تصلحوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكّنكم وتؤهّلكم للوقوف بين يدي ملك الملوك، وليس بنا حاجة لأن نلتمس دليلا على وجوب القراءة في الصلاة، لأن ذلك أمر متفق عليه، وأدلته كثيرة.

стр. 287

والجنب: اسم يستوي في الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة: جنب، لأنّ جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطّهر. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً. ذكرت هذه الآية والآية التي في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] الآية للتيمم أسبابا أربعة: المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، وملامسة النساء، ورتبت عليها تيمم الصعيد الطيّب عند عدم وجود الماء فهما بظاهرهما تفيدان أنّ كلا من هذه الأسباب بمجرده يبيح التيمم عند عدم الماء. فالسفر عند عدم الماء مبيح للتيمم، والمرض أيا كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط، وقد جاء بيان السنة العملية كذلك موافقا لما يفيده النظم الكريم، حيث أجاز التيمم عند فقد الماء حقيقة لكل هؤلاء، غير أنّه زاد أن المريض إذا كان مرضه يمنعه من استعمال الماء جاز له التيمم، كما روي في حديث عمرو بن العاص ﵁ أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبيّ ﷺ ولم ينكر، وقد اتفقوا على جوازه. بقي أنه ما الفائدة إذا في ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح سواء، لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟ قال المفسرون في هذا: أما المسافر فلما كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء وأما المريض فإنّ تعليق الحكم به مشعر بأن مرضه له مدخل في السببية، ولذلك ترى ابن عباس ﵄ وجماعة من التابعين يقولون في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أنه المجدور، ومن يضره الماء، وذلك أنّ المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء. وعلى هذا يكون قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا راجعا إلى الأخيرين فقط، وهما المجيء من الغائط، وملامسة النساء، وتكون أسباب التيمم المذكورة في الآية ثلاثة على الحقيقة: المرض، والسفر، وفقد الماء في حال الإقامة والصحة. غير أنّ عطف هذه الأسباب بعضها على بعض بأو يقتضي أنها متقابلة، ومن قضية تقابلها أن يكون المسافر غير المريض، وكل منهما غير الجائي من الغائط

стр. 288

والملامس، وذلك يقتضي أنّ السفر مبيح للتيمم، ولو من غير حدث، وكذلك المرض، مع أن التيمم لا يطلب إلا من المحدث. وأجاب عن ذلك بعض العلماء بأن السبب في عدم ذكر الحدث مع المرض والسفر أنّ الكلام في الجنابة في السفر، حيث قال: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فحال الجنابة معهما ملحوظ، حيث هذا بيان للحكم إذا لم يتيسر الغسل من الجنابة لفقد الماء، وأما الحدث الأصغر فيهما فيعلم حكمه من حكم الجنابة لدلالة النص. ومن العلماء من اختار في تأويل الآية رأيا آخر: فذهب إلى أنّ أَوْ في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، ويكون المعنى عليه: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ويكون ذلك في معنى قولك: إن كنتم مرضى أو مسافرين محدثين حدثا أصغر أو أكبر، وفقدتم الماء حقيقة أو حكما، بأن لم تقدروا على استعماله مع وجوده، فتيمموا صعيدا طيبا. وقد جاءت أَوْ بمعنى الواو كثيرا كما في قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات: ١٤٧] فإن معناه ويزيدون، وكقوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: ١٣٥] معناه إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بهما. ونقل صاحب «روح المعاني» «١» عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم من الغائط أو لامسا، يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر: فتيمموا وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف عليه من غير نكتة. وأقرب هذه التأويلات هو ما حملنا عليه الآية في أول الأمر، وما ورد عليه- من أن ذلك يقتضي أن السفر بنفسه سبب، وكذا المرض ولو من غير حدث- يندفع متى روعي الكلام في أمر الطهارة من الأحداث، وأنها الغسل، انظر إلى قوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فأمر الحدث أمر مقرّر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، وفقد الماء له مظاهر، فمن مظاهره السفر، وعدم الماء فيه غالب، وإن وجد فأغلب أمره أن يكون محتاجا إليه، ومن مظاهره المرض، وجعل المرض من أسباب التيمم مشعر بأن ذلك إنما يكون في مرض لا يمكن معه استعمال الماء، والمظهر الحقيقي لفقد الماء أن يكون خاليا من هذه الأعذار، ثم لا تجد الماء وأنت محدث حدثا أصغر أو أكبر. على هذا الوجه يصح أن تفهم الآية، ولا شيء في فهمها حينئذ من التكلف،

стр. 289

ويليه أن تكون أَوْ في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، والمعنى عليه قد عرفته. ولنرجع إلى تفسير مفردات الآية: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فإن المعنى أنه لا يحل لكم القرب من الصلاة وأنتم جنب إلا بأن تكونوا عابري سبيل، وإلا أن تغتسلوا، ولما كان الغسل قد لا يمكن، شرع في بيان الطهارة الواجبة حينئذ، والأعذار التي تبيحها. وفسر بعضهم قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ بمعنى إلا معذورين بعذر شرعي، وقد تقدم أن المراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا، سواء كان لتعذر الوصول إليه أم لتعذر استعماله. وقد أخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي رخص له في التيمم الكسير والجريح، فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها. أَوْ عَلى سَفَرٍ أو مسافرين، والسفر الطويل هنا كالقصير، فإنّك عرفت أن ذكر السفر هنا لا دلالة له على شيء، إذ المدار على فقد الماء، وإنما ذكر لأن فقد الماء معه غالب. وبذكر المسافر هنا يستدلّ من ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة المسجد، وقد تقدم، وهو ظاهر، ومن ذهب إلى أن المراد الصلاة بحقيقتها الشرعية يقول: إنه إنما ذكر هنا مع فهمه مما تقدم لبناء الحكم الشرعي عليه، وبيان أن المريض مثله ومساو له في ذلك. أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث، لأنّ العادة كانت أنّ من يريد قضاء الحاجة يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اختلف السلف رضوان الله عليهم أجمعين في المراد من الملامسة هنا، فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: هي كناية عن الجماع، وكانوا لا يوجبون الوضوء ولا التيمم لمن مس امرأة. وقال عمر وابن مسعود: المراد من الملامسة المسّ باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء. وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والثوري والأوزاعي: لا وضوء على من مسّ امرأة، سواء أكان المس بشهوة، أو بغير شهوة. وقال مالك: إن مسها بشهوة تلذّذا فعليه الوضوء، وكذا إن مسته بشهوة تلذذا.

стр. 290

وقال الحسن بن صالح: إن قبل بشهوة فعليه الوضوء، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليه. وقال الشافعي: إذا مس جسدها فعليه الوضوء، سواء أكان المس لشهوة أو لغير شهوة. استدل القائلون بأنّ المسّ ليس بحدث بما روي عن عائشة من طرق مختلفة أنّ النبيّ ﷺ كان يقبل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ «١» . وكان يقبلهن وهو صائم . ومن ذلك حديث عائشة أنها طلبت النبيّ ﷺ ليلة. قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد، يقول: «أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك» «٢» فثبت بذلك أن المس ليس بحدث. ثم إن ظاهر مادة المفاعلة فيما يكون فيه الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك في الجماع دون اللمس باليد، وأيضا فإنّ اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد، إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] بل هذا اللفظ قد اشتهر في هذا المعنى، تسمعهم يقولون في المرأة البغي، لا تردّ يد لا مس «٣» ، يريدون أنها ليست عفيفة. وأيضا فالظاهر أن المراد في هذه الآية من الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى الجماع، لأجل أن تكون شاملة للحدثين الأصغر في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والأكبر في قوله: أَوْ لامَسْتُمُ أما إذا أريد منه اللمس باليد مثلا، فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد. وأما من يرى أن الملامسة هي لمس البدن فهو يقول: إنّ اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مفاعلة، وهو في الجماع مجاز أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة. والواقع أنّ اللمس حقيقة في المس باليد كما في قوله: لمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ولكنه قد تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، ويكاد يكون ظاهرا

стр. 291

فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع. وروى ابن جرير «١» عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي ليس الجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع! فقال: من أي فريق كنت؟ فقال: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي إن المسّ واللمس والمباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. وفي رواية، ولكنّ الله يكني ويعفّ. وقد اختار ابن جرير «٢» أن الملامسة في الجماع، وإليك نصّ عبارته، قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قبل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ «٣» ، وساق في ذلك أخبارا كثيرة بنحو ما قلناه آنفا. فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً. أي إذا أصابكم ما تقدّم من موجبات الطهارة، فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه، بأن عدمتموه، أو وجدتموه ولكن بثمن لا تقدرون على دفعه، أو وجدتموه ولكنكم تحتاجون إليه، ولا تقدرون على استعماله فتيمموا: أي اقصدوا صعيدا طيبا. وقد اختلف العلماء في المراد بالصعيد ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس، وقال بعضهم: إنه الأرض المستوية، وقال بعضهم: بل الصعيد التراب، وقال آخرون: هو وجه الأرض، وقال بعضهم: هو الأرض ذات التراب والغبار. ومعنى الطيب: الحلال الطاهر. ومعنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فأردتم أن تصلّوا، ففقدتم الماء، فاعمدوا إلى الأرض الطاهرة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. وظاهر الآية يفيد أنّ وجود ماء أي ماء لا يصح معه التيمم، إذ قد رتبت الآية الأمر بالتيمم على نفي وجود ماء. وذلك يقتضي أنه لو وجد ماء، وكان في حاجة شديدة إليه، أو لا يقدر على

стр. 292

استعماله أنه لا يتيمم، ولكن لما قاله الله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: ٦] وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] فهم منه أن الغرض من شرع التيمم هو التيسير على الناس، والتيسير على الناس لا يكون بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العطب من جرّاء العطش أو الجوع. وكذلك فهم من ترتيب التيمم على عدم الماء أن المراد ماء يكفي للطهارة، وأما ما لا يكفي لها فوجوده غير معتدّ به. وقد اختلف فقهاء الأمصار في جواز التيمم بالحجر وما ماثله من كل ما كان من الأرض، فجوّزه أبو حنيفة، واشترط أبو يوسف أن يكون المتيمم به ترابا أو رملا وقال مالك: يتيمّم بالحصا والجبل: وحكي عن أصحابه عنه أنه أجاز التيمم بالزرنيخ والنّورة ونحوهما، وروى أشهب عنه أنه يجيز التيمم بالثلج. وقال الشافعي ﵁: إنما التيمم من التراب. ومنشأ الخلاف في فهم الطيّب، فمن حمله على الطاهر قال: المراد كلّ ما كان من جنس الأرض، بشرط الطهارة. وقد أطلق الطيب وأريد به الحلال الطاهر، كما في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ٥٧] . ومن فهم أنه ينبت قال: إنّ المراد الأرض الصالحة للإنبات، وهي ذات التراب، وقد أطلق الطيب وأريد منه ذلك كما في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] ، للأولين أن يقولوا: إنّ هذا الإطلاق غير مراد هنا، لأنّ المراد بالطيّب في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ البلد الذي ليست أرضه سبخة، ونحن مجمعون على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة، فعلمنا أنّ الطيّب بهذا المعنى غير مراد هنا. وهذا وظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦] يدلّ على أنّ المراد بالصعيد: شيء يصل أثر منه إلى الوجه واليدين عند المسح. وهل المسّ على الحجر الأملس يصل منه شيء إلى الوجه واليدين؟ فنحن نرى أنّ الظاهر قول من قال: بأن المراد بالصعيد تراب الأرض، والسنة تؤيّد هذا، فقد روي عن النبي ﷺ من طرق صحيحة «١» ، جعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا ، وروي و «ترابها طهورا» نعم قد ورد في هذا المعنى «جعلت لي

стр. 293

الأرض مسجدا وطهورا» «١» ولكنّ هذا يجب أن يحمل على ما جاء في الروايتين الأخريين جمعا بين الروايات. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً. هذا بيان لكيفية التيمم، وقد اختلف فيها فقهاء الأمصار، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية والثوري والليث إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه يمسحه بها، وضربة لليدين يمسحهما بها إلى المرفقين، وهو مرويّ عن جابر وابن عمر. وقال الأوزاعي: تجزئ ضربة واحدة للوجه والكوعين. وقال الزهري: ويمسح يديه إلى الإبط. وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: يتيمم بضربتين، يمسح بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، وقد نقل أبو جعفر الطحاوي فيما رواه الجصاص عنه أنّ هذا الرأي لم يعرف عن غيرهما. وقد جاء في السنة ما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور، فقد روي عن ابن عمر «٢» وابن عباس «٣» عن النبي ﷺ في صفة التيمم أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. وقد يقال: إنّ ظاهر قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ يقتضي مسح البعض كما دلّ على ذلك قوله في الوضوء: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: ٦] إذ الباء تقتضي التبعيض، إلا أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل، وأن عليه مسح الكثير، بل ذكر الكرخي من الحنفية أنه إن ترك شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزئه، وقد جاءت الباء في قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] ولا يجوز الاقتصار في الطواف على بعض البيت فما هنا من هذا القبيل. هذا وقد عرض المفسرون هنا إلى أنّ التيمم هل يكفي لصلوات متعددة ما دام فاقدا للماء أم لا؟ ونحن نرى أنّ الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا يستفاد منها شيء من هذا لا نفيا ولا إثباتا، وإنما ذلك يستفاد من أدلة أخرى تطلب في كتب الفقه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعفو عما كان منكم من قيامكم للصلاة وأنتم سكارى، ويستر ذنوبكم، فلا تعودوا لمثلها فيعود عليكم إثمه وعذابه.

стр. 294

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) الأمانة مصدر سمّي به المفعول وهو ما يؤتمن عليه. روي في سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وكان سادنها. وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفتح، ودخل رسول الله ﷺ ، وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر النبيّ عليا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق! فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فهبط جبريل ﵇ وأخبر النبي ﷺ أنّ السدانة في أولاد عثمان أبدا «١» . نزلت الآية على هذا السبب الخاص، وليس ذلك بمخرج اللفظ عن عمومه، فهو عام يتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق نفسه أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه، فكلّ ذلك يجب رعاية الأمانة فيه، فرعاية الأمانة فيما هو من حقوق الله أن تمتثل أوامره. وتجتنب نواهيه، قال ابن مسعود ﵁: الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم. وقال ابن عمر ﵁: خلق الله فرج الإنسان وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها. وأما رعاية الأمانة في حقّ النفس، فهو ألا يقدم الإنسان إلا على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : «كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» «٢» . وأما رعاية الأمانة في حقّ الغير فهو رد الودائع والعارية، وعدم غش الناس في كل ما يتصل بالمعاملة، من بيع وشراء، وجهاد ونصيحة، وألا يفشي عيوب الناس، وينشر الفاحشة.

стр. 295

وقد اعتنى القرآن بشأن الأمانة، وبيّن خطرها وعظيم قدرها في مواضع كثيرة، فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب: ٧٢] وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) [المؤمنون: ٨] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧] وقال ﵊: «لا إيمان لمن لا أمانة له» «١» وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» . قد رأيت أنّ الأمانات عامة واجبة الأداء، لا فرق بين واحدة منها وواحدة، ولا بدّ من دفعها إلى أهلها عند طلبهم إياها، وأما حكم الأمانة في حال الهلاك، وأنها مضمونة أو غير مضمونة، أو بعضها مضمون وبعضها الآخر غير مضمون، فنحن لا نعرض له، لأنّا نراه لا يتصل بالآية، ومردّه إلى أدلته في كتب الفقه. وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة العمران، وتشهد به بداية العقول، ولا بد للمجتمع الإنساني منه، حتّى يأمن الضعيف سطوة القوي، ويستتبّ الأمن والنظام بين النّاس. ومن أجل هذا تجد الشرائع السماوية تنادي بوجوب إقامة العدل، قال تعالى في كتابه الحكيم: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وقال: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [الأنعام: ١٥٢] وقال: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] وقال: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦] . قال النبي ﷺ فيما رواه أنس عنه: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت. وإذا استرحمت رحمت» . وقد ذمّ الله الظلم والظالمين في آيات كثيرة قال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢] وقال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢] وقال في عاقبة الظلم: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] ومن الظلم الحكم بغير ما أنزل الله. وقوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ مشعر بأنّه لا بدّ للناسي أن يوجد فيهم من يحكم بينهم. وقد دلت الأدلة على أنّ الحكم لإمام المسلمين، يقضي بين الناس بما يراه موافقا للشرع فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) [النساء: ٦٥] .

стр. 296

إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم شيء يعظكم، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يبصر ما يكون منكم من أداء الأمانات وخيانتها فيحاسبكم عليه، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس فيجازيكم به. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) لمّا أمر الله الولاة بأن يسيروا في حكمهم بين الناس على مقتضى العدل، وكان العدل لا يتحقّق إلا أن يلتزمه الناس، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إلخ وقد اختلف المفسّرون في المراد بأولي الأمر، فذهب بعضهم إلى أنهم أمراء المسلمين، فيدخل فيهم الخلفاء الراشدون، والملوك والسلاطين، والقضاة وغيرهم، وذهب بعضهم: إلى أنّهم أمراء السرايا، وقال آخرون: إنّهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، ويعلمون الناس دينهم. وذهب الروافض إلى أنهم الأئمة المعصومون، بل لقد غلت طائفة منهم وزعمت أن المراد من أولي الأمر علي بن أبي طالب وحده. ونحن نرى أنه ليس ما يمنع أن يكون الجميع مرادا عدا ما ذهب إليه الخوارج، فالخلفاء واجبو الطاعة، وأمراء السرايا واجبو الطاعة، والعلماء واجبو الطاعة، كل ذلك واجب، ما لم يكن إلمام بمعصية، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويرى الفخر الرازي أنّ المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويريد من ذلك أن يستدل بالآية على حجية الإجماع، وهو يدعم رأيه هذا بأنّ الله ذكر ثلاثة، واجبة طاعتهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهم، فوجب أن يكون أولوا الأمر كذلك، ولا نجد من أولي الأمر على ما ذكره المفسرون من هو واجب العصمة إلا أهل الحل والعقد عند اجتماعهم على أمر من الأمور، «لن تجتمع أمتي على ضلالة» فينبغي أن يكون المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويكون ذلك دليلا على حجية الإجماع. وقد ذكر الله الأمر بطاعة الله والأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر، ثم أمر برد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول، جعل ذلك محقّقا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ووصفه بأنه خير وأحسن مآلا، وذلك يقتضي أن يكون الردّ إلى الله والرسول غير طاعة الله والرسول، وإلا كان ذلك تكرارا محضا، إذ يؤول الكلام إلى أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله والرسول وذلك لغو ينزّه القرآن عن

стр. 297

مثله إذ لو اقتصر على قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لفهم الأمر بالطاعة في كل الأحوال. وأيضا فإنّه كيف يتأتّى النزاع في أمر علم حكم الله ورسوله نصا فيه؟ إن ذلك يكون خروجا عما يقضي به الأمر بالطاعة، ومن أجل ذلك قيل: إنه يجب أن يكون الأمر بطاعة الله ورسوله فيما ثبت نصا عنهما أنه حكم الله في كتابه أو سنة رسوله، فأما ما لم ينصّ فيهما على حكمه فهذا الذي يصحّ أن يتنازع الناس في حكمه، لأنهم لا يجدون نصّا يلزمهم طاعته، وبما أنه لا يمكن أن يحوي الكتاب ولا أن تحوي السنة نصوص الأحكام في أشخاص المسائل، إذ أشخاص المسائل لا تتناهى. فجاز أن تكون حوادث لا نجد لها حكما في كتاب ولا سنة، فهذه هي التي قال الله لنا فيها: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فارجعوا فيه إلى ما في الكتاب والسنة من أحكام- حيث يكون الحكم قد ورد من أجل حكمة ناط الشارع بها الحكم، ورتّبه عليها، وحيث تجدون هذه الحكمة فيما جدّ لديكم من الحوادث- تعلموا أنّ هذا الحكم الذي في الكتاب أو السنة مرتبا على هذه العلة هو حكم الله في كتابه أو سنة رسوله فيما جدّ من الحوادث. وهذا هو القياس الذي فهمه معاذ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأقرّه الرسول عليه، حيث روي أنه قال: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟» . قال: «أقضي بكتاب الله» . قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» . قال: «أقضي بسنة نبي الله» . قال: «فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسول الله؟» . قال: «أجتهد رأيي لا آلو» . قال: فضرب على صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله» «١» . وإذا جرينا على ما رآه الفخر الرازي من تفسير أولي الأمر: بأهل الحل والعقد تكون الآية دالّة على حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وفي قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ما يشعر بكون المتنازع فيه مما لا نص فيه، وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع كما قدمنا.

стр. 298

وقد يقال: كيف قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وطاعة رسوله هي طاعة الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ؟ [النساء: ٨٠] . قيل: ذلك إيماء إلى الكتاب والسنة، فالكتاب إلى الله، والسنة إلى الرسول، وإن كان الكلّ من عند الله. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ التنازع: الاختلاف مأخوذ من النزع، الذي هو الجذب، لأنّ كلا من المتنازعين يجذب الحجة من صاحبه. إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعيد من الله لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند الاختلاف، وهو في معنى قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] . ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، اسم الإشارة يرجع إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند المنازعة. والتأويل: المآل والعاقبة. قد يؤخذ من الآية التي معنا أنّ أدلة الأحكام الشرعية أربعة لا غير، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإنّ غيرها لا يصحّ التعويل عليه في إثبات الأحكام، ولا الردّ إليه عند النزاع، لأنّ الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة، وذلك قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وإما مجمع عليها من أولي الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه، وذلك قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوص ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد، والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس، فما أثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذي يراه الحنفية دليلا، وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذي يقول به المالكية، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية كلّ ذلك إن كان غير الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها، فقد ثبت أنّ الأدلة أربعة. قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) تحرير رقبة: التحرير عبارة عن جعل العبد حرا، والحرّ في الأصل الخالص، وإنما سمي به من ليس رقيقا لأنّه خالص مما يكدر إنسانيته.

стр. 299

الدية: قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية، فحذفت الواو، يقال ودى فلان فلانا أدى ديته إلى وليه، ثم إنّ الشرع خصّص هذا اللفظ بما يؤدّى في بدل النفس دون ما يؤدّى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدّى في بدل الأطراف. وقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً. معناه: وما كان جائزا لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والاستثناء فيه قيل: إنه منقطع بمعنى لكن، كقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: ٢٩] وقيل: إنه متصل، وهو مستثنى مما يستلزمه وقوع المنهي عنه من الإثم، كأنّه قيل: لا يقتل المؤمن المؤمن فإنه إثم، إلا الخطأ فلا إثم عليه. وقيل: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل: وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ [مريم: ٣٥] وقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] . وإنما حملت هاتان الآيتان على خلاف الظاهر، لأنّ الله لا يحرم عليه شيء، وإنما ينفى عنه ما لا يليق به، ولأنّ الله لم يحرّم عليهم أن ينبتوا شجرها، وإنما ينفي عنهم إمكان أن ينبتوا شجرها، والذي حدا بالقائلين إنه استثناء منقطع إلى القول به أنه لو كان متصلا، وما قبله نفي لجواز القتل، لكان مقتضيا أنّ القتل خطأ جائز. وانتصاب خطأ إما على أنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنّه صفة لمصدر محذوف، أي قتلا خطأ، أو على أنه حال بتأويله بمخطئ. ثم لما ذكر الله قتل الخطأ بيّن حكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه تحرير رقبة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا بالدية، أي إلا أن يعفوا، وسمي العفو صدقة، لأنه معروف، وقال النبي ﷺ : «كلّ معروف صدقة» «١» . وسبب نزول هذه الآية ما كان من عيّاش بن أبي ربيعة، أخرج ابن جرير «٢» عن السدي وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله ﷺ ، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام، ومعهما رجل

стр. 300

من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إنّ أمك قد حلفت ألا يظلّها بيت حتى تراك، وهي مضطجعة في الشمس، فإنها لتنظر إليك، ثم أرجع وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا، وقال: إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامريّ، فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري، وقد أسلم، ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فيتركوا الدية. قد أوجب الله القصاص في القتل في آية البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، لا ما يشمل الخطأ، وقد رأى مالك في بعض الروايات عنه أنّ القتل إما عمد وإما خطأ، ولا ثالث لهما، لأنّه إما أن يقصد القتل فيكون عمدا، أو لا يقصده فيكون خطأ، ولا واسطة، والكتاب يساعده. أما سائر فقهاء الأمصار فقد أثبتوا واسطة بين العمد والخطأ، وهو شبه العمد، وإلى ذلك ذهب عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وحجتهم في إثباته أن النيات مغيّبة عنا، لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا حكمنا بأنه عامد، لأنّ الغالب أنّ من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبا كان مترددا بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إما عمد وإما خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وقد أشبه الخطأ من جهة أنّ الآلة لا تقتل غالبا. وقد استدلوا أيضا بما روي أنّ النبي ﷺ قال: ألا إنّ قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها ، وهو حديث مضطرب عند أهل الحديث «١» ، ذكر أبو عمر بن عبد البر «٢» أنه لا يثبت من جهة الإسناد. ومالك ﵀ يرى أنّ ما يسمى شبه عمد هو عمد يجب

стр. 301

فيه القصاص، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة، أشهرها ثلاثة: ١- قال أبو حنيفة: العمد ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد. ٢- قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله. ٣- قال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولّد عنه القتل، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا. وما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله، لأنّ الله شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم، ونجوا من القصاص. والفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل، وما أحاط به من ملابسات، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل: أهو عامد أم مخطئ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها. لكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة. وقد أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها: لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما. حجة الأولين أن الله شرط الإيمان فلا بد من تحققه، والصبيّ لم يتحقق منه. وحجة الآخرين: أنّ الله قال وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً فيدخل فيه الصبيّ، فكذلك يدخل في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل، فأما الدية فهي على العاقلة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة «١» ، والعاقلة قال الحجازيون: هم قرابته من جهة أبيه، وهم عصبته.

стр. 302

وقال الحنفية: العاقلة هم أهل ديوانه. وحجة الحجازيين أنه تعاقل الناس في زمن رسول الله ﷺ ، وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان، وإنما كان الديوان في زمن عمر بن الخطاب، فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته فيحملون الدية، والله يقول: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] وقال النبي ﷺ : «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه» وقال لأبي رمثة وابنه: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» «١» . قلنا: إنّ هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأنّ الدية على القاتل ابتداء. وتحميل العاقلة إياها من باب المعاونة، وكما تعاونه العاقلة فتدي عنه، يعاونها هو فيدي عنها، وكما تتعاون القبيلة في النّصرة، فتدفع بنفسها العدوّ المغير، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض، وقد كان تحمّل العاقلة الدية معروفا عند العرب، وكانوا يعدّونه من مكارم الأخلاق، والنبي ﷺ بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، والمعاونة والتناصر وتحمّل المغارم مما يقوّي الألفة، ويزيد في المحبة، وقد ورد من الأحاديث ما يدلّ على أنّ العاقلة تحمل الدية. وروى المغيرة أنّ امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل. فقال النبي ﷺ : «هذا من سجع الجاهلية» «٢» . وقد ورد أنّ عمر ﵁ قضى على عليّ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعليّ كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها «٣» . وقد ذهب أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج إلى أن الدية على القاتل لا على العاقلة، اعتمادا على ما ذكرناه من العمومات، وعلى أنّ قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يقتضي أنّ من يجب عليه هو القاتل، والذي يناسب أن يكون كذلك في الدية، وقد علمت أنّ الآثار مجمعة على أنّ الدية على العاقلة.

стр. 303

بقي أن يقال: إذا اختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمدا على نفسه دون قبيلته، كما في النظام الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج أم برأي الجمهور؟ هذا محل اجتهاد، والحكمة في إيجاب الله الدية أن القاتل قد فوّت على أهل القتيل منفعتهم به، ولم يتعمّد قتله حتى يكون القصاص، فأوجب الله الدية مالا يدفع لورثة المقتول عوضا عما فاتهم من منافعه، وتطييبا لخواطرهم، فلا تتطلع نفوسهم للانتقام. ومقدار دية الخطأ مختلف فيها فأما على أهل الإبل فمائة، منها- وهي مخمّسة- عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، عند مالك والشافعي. وكذلك عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل ابن اللبون ابن مخاض، وهي تؤجّل، تؤخذ نجوما على ثلاث سنين، وأما دية شبه العمد فهي مثلثة: منها أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد لولده. وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور من قوله. وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وأما على أهل الذهب فألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند مالك، وعند العراقيين على أهل الورق عشرة آلاف درهم. قال الشافعي بمصر: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت، وقوله بالعراق مثل قول مالك. ويدل للشافعي في قوله الأول ما روي «١» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: كانت الديات على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفع فيها شيئا. وقد روى أهل السنن الأربعة «٢» عنه ﷺ : «إن دية المعاهد نصف دية المسلم» ولفظ

стр. 304

ابن ماجه «١» : قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى. واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد، وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد، وحجة مالك حديث عمرو بن شعيب، وحجة الشافعي أنّ عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم، وراعى أبو حنيفة أصله وهو جريان القصاص بين المسلم والذمي، فكما سوّى بينهما في القصاص سوّى بينهما في الدية. والدية تأخذها ورثة المقتول، وهي كميراث يقضى منها الدين، وتنفّذ منها الوصية، وتقسّم على الورثة. روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض الصحابة أنّ رسول الله ﷺ أمره أن يورّث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك. فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أوجب الله في المؤمن الساكن بدار الحرب إذا قتله مؤمن تحرير رقبة مؤمنة، دون الدية، وإنما حملنا الآية على ذلك، ولم تحملها على المؤمن الذي يتّصل نسبه بقوم عدو، وهو ساكن ببلاد الإسلام، لانعقاد الإجماع على وجوب الدية فيه. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ جعل الله في قتل المعاهد ما جعله في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة. وحمل بعضهم الآية على المسلم الذي هو في قوم معاهدين، وليس بظاهر، لأنّه يكون تكرارا، إذ حكمه داخل في قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً. ولا معنى لإفراده، لأنه لم يخالف حكمه بخلاف المؤمن الذي هو في قوم عدو، فإنه أفرده، لأنّ حكمه يخالف الأول. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول الله: فمن لم يملك رقبة، ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله، أي قبولا ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته، والعامل فيه محذوف. إما (شرع) أو (نقلكم) من العتق عند العجز إلى الصوم. وفي التعبير بالتوبة إشارة إلى أنّ القاتل ملوم، وأنه كان ينبغي له أن يتحرّى، وقد أوجب الله في صيامه الشهرين التتابع، فلو أفطر يوما وجب الاستئناف، إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس أو مرض يمتنع معه الصوم.

стр. 305

وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً فقد علم أنّ القاتل خطأ لم يتعمّد، فلذلك لم يؤاخذه، وعلم أنه فوّت على ورثة المقتول مصلحتهم بقتله، ففرض الدية تعويضا لهم، وهذا غاية في الحكمة والمصلحة. قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) يقول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا عامدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنّم باقيا فيها، وغضب الله عليه لما ارتكبه من هذا الجرم الفظيع، وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما. بعد أن ذكر الله حكم من قتل المسلم خطأ، ذكر هنا حكم من قتله عامدا، واقتصر على ذكر عقوبته في الأخرى، لأنّه ذكر عقوبته في الدنيا وهي القصاص في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] . وقد استدلّ المعتزلة بهذه الآية على القطع بعذاب الفسّاق، وخلودهم في النار، إن لم يتوبوا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة شتّى. منها أنّ هذه الآية نزلت في كافر قتل مسلما، ويرد عليه أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا قد ثبت في الأصول أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبذلك علمنا من قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] إن السرقة علة القطع. ومنها أنّ هذا وعيد بأنه سيفعل ذلك في المستقبل، والخلف في الوعيد كرم، وهذا مردود، لأنّ الوعيد قسم من الخبر، فإذا جوّز على الله الخلف فيه، فقد جوّز عليه الكذب، وهو باطل. ومنها أن هذه الآية دلّت على أن جزاء القاتل هو ما ذكر، وليس فيها ما يدلّ على أنه سيوصل هذا الجزاء إليه، وهذا مثل ما يقول السيد لعبده، جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، ولكن لا أفعله. وهذا ضعيف أيضا، لأنّ الله ذكر في هذه الآية أنّ جزاءه ما ذكر، وذكر في آيات أخرى أنه سيوصل جزاء عاملي السوء إليهم، قال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٨] . واختار الرازي في الجواب أنّ هذه الآية قد خصّصت في موضعين: أحدهما: القتل العمد، إذا لم يكن عدوانا، كقتل القصاص. والثاني: القتل الذي تاب عنه القتل وإذا دخلها التخصيص في هاتين المسألتين فنحن نخصّص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] .

стр. 306

وقد ذهب ابن عباس إلى أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا تقبل له توبة. أخرج ابن جرير «١» عن سالم قال: كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟ قال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن هو تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى. قال: وأنّى له الهدى ثكلته أمّه والذي نفسي بيده لسمعته يقول- يعني النبي ﷺ : «يجيء يوم القيامة معلّقا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن، يقول: يا ربّ سل عبدك هذا علام قتلني» «٢» فما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم. وقال جمهور العلماء: إنّ توبة القاتل تقبل، ويدل له أن الكفر أعظم من هذا القتل، والتوبة عن الكفر تقبل، فالتوبة عن القتل أولى بالقبول. وأيضا آيات الفرقان تدل على قبول توبته، وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٦٨- ٧٠] . وأيا ما كان الأمر، فالآية تعدّ قتل المؤمن من الكبائر، وتهدّد القاتل بأنواع من التهديد والعقاب. وقد ورد في الأحاديث من التغليظ في قتل المسلم ما هو قريب مما في الآية: قال رسول الله ﷺ : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» «٣» . وقال أيضا: «لو أنّ رجلا قتل بالمشرق، وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» . وقال أيضا: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» . وقال أيضا: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» «٤» .

стр. 307

فعلى من ينشد الحيطة لنفسه في آخرته، ألا يقتل مسلما، ولا يعين على قتل مسلم بشهادة باطلة ونحوها. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) ضَرَبْتُمْ له معان منها السفر، وكأنه سمي به، لأنّ المسافر يضرب دابّته بعصاه ليصرفها كما يريد، ثم سمي به كلّ مسافر، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره. فَتَبَيَّنُوا وقرئ فتثبتوا وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتعجلوا فيه من غير روية. السَّلامَ وقرئ السلم وهما الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التسليم أي تحية أهل السلام. معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا سرتم سيرا لله تعالى في جهاد الكفار، ورأيتم من تشكّون أهو سلم لكم أم حرب، فاطلبوا بيان أمره، ولا تعجّلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم لكم لست مؤمنا، أو لمن أظهر إليكم الإسلام لست مؤمنا، تبتغون متاع الحياة الدنيا، فإنّ عند الله مغانم كثيرة من رزقه ونعمته، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم. كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كهذا الذي كان مستخفيا بالإسلام من قومه- ولما وجدكم أظهر لكم دينه- كنتم من قبل مستخفين بدينكم من كفار قريش، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينه، وتقوية شوكة الإسلام، فأظهرتم دينكم، فتبينوا أمر من أشكل عليكم أمره إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ومنه تعجيلكم بقتل من لم يتبيّن لكم شأنه ابتغاء عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني. وقال الزمخشري «١» : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاستقامة، والاشتهار بالإيمان، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلّما إلى استباحة دمه وماله، وقد حرمهما الله.

стр. 308

سبب نزول هذه الآية: قد اختلف فيه، ونحن نقتصر هنا على رواية واحدة «١» : قيل: إنّ مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد، فلما تلاحقوا وكبّروا، كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله ﷺ ، فوجد وجدا شديدا، وقال: «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال: «فكيف بلا إله إلا الله» قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: أعتق رقبة. ويؤخذ مما تقدم أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، حرم قتله، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله. وقد قال الفقهاء: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة لأنّه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا، وأنّ العاصم قولها مطمئنا. وقد ورد الحديث الصحيح «٢» مبينا أنّ قول لا إله إلا الله عاصم كيفما كان، قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» . قال الله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) الضرب في الأرض: السير فيها- قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل: ٢٠] . وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: ٩٤] . القصر: من الشيء الحدّ منه وجعله أنقص مما كان، وهو بهذا المعنى في الصلاة يحتمل النقص من عددها، ويحتمل النقص من صفتها وهيئتها، فالأول أن تصير الرباعية ثنتين، والثاني التخفيف في هيئتها كأن تكون ذات ركوع وسجود، يمتنع المشيء فيها، فتصير ذات إيماء يباح الانتقال فيها، وكأن يصلي المأموم خلف الإمام الصلاة كاملة فيقتصر على جزء منها مع الإمام، ثم ينتظر حتى يجيء مأموم آخر فيصلي مع الإمام ما بقي من صلاة الإمام ثم ينصرف، ويتم كل من المأمومين صلاته

стр. 309

منفردا، كلّ ذلك حطّ من الصلاة، ونقص لها، وتخفيف على فاعلها. وقد اختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها، والقائلون بأنّ القصر نقص عدد الركعات اختلفوا في المراد من الصلاة أهي صلاة المسافر أم هي الصلاة في حال الخوف من العدو، فعلى الأول يكون القصر للصلاة في السفر بالنظر لما كانت عليه في الحضر. وذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله إلى الثاني، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم، وهذا القول ليس بظاهر، لأنّ القرآن صريح في أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم القوم أنفسهم طائفتين، يصلّي الإمام بطائفة منهما شيئا من الصلاة، ثم تأتي طائفة أخرى لم يصلّوا فيصلون مع الإمام، ونحن متفقون على أنّ المأموم عليه أن يؤدي مثل ما يؤدي الإمام، فما معنى قولهم: إن صلاة الخوف ركعة؟ إن أرادوا أنها ركعة بجماعة مع الإمام بالنظر لكل من الطائفتين فهو مسلم، ولا يثبت لهم ما قالوا من أنّ صلاة الخوف ركعة، وإن قالوا: إن كل طائفة ليس عليها إلا الذي صلت مع الإمام، فهو مخالف لما حكينا من الاتفاق على أن المأموم عليه أن يفعل مثل ما فعل الإمام، وقد دلّت كلّ الأخبار التي رويت في صلاة النبي ﷺ لصلاة الخوف أنها ركعتان، يصلّي بكل طائفة ركعة، وعلى هذا يجب أن يحمل قول ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهما أن صلاة الخوف ركعة، أنها ركعة لكل طائفة مع الإمام، وتقضي كل منهما ركعة دون الاقتصار على ركعة واحدة. وقد استدلّ القائلون بأنّ القصر قصر عدد الركعات بما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف تقصر وقد أمّنا، وقد قال الله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبيّ ﷺ فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» «١» . وهذا يدلّ على أنّ المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات، لأنّ السائل فهم أنّ ذلك لا يكون إلا في الخوف، وقد فعل في الأمن فقال النبي ﷺ : «هو صدقة» فدلّ على أنّ القصر الذي في الآية من جنس القصر الذي يكون في الأمن، وذلك نقص في الركعات دون الصفة، وأيضا فإنّ القصر أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير، لا إتيان بالبعض، لأنه جعل الإيماء بدل الركوع

стр. 310

والسجود مثلا. وأيضا: فإنّ (من) في قوله: مِنَ الصَّلاةِ للتبعيض، وذلك في الاقتصار على بعض الركعات أظهر. وأما دليل الذين قالوا: إنّ المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة دون نقصان أعداد الركعات فهو أنّ الآية في صلاة السفر. أليس الله يقول: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﵊» «١» فقد أخبر أنّ صلاة السفر سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر. فإذا معنى القصر في الآية قصر الصفة لا قصر عدد الركعات، وهم يحملون قول عمر: «عجبت مما عجبت منه» على أنه لعله كان قد ظن في بادئ الأمر أنّ القصر في صلاة الخوف قصر عدد الركعات، فلما سمع من النبي ﷺ : «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر» علم أن القصر في الآية إنما هو في الصفة. وقد اختلف الفقهاء في أنّ فرض المسافر في الظهر والعصر والعشاء أهو ثنتان، أم هو مخيّر بين القصر والإتمام، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلا في المغرب، فإنها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن قعد بعدهما مقدار التشهد تمت صلاته مع الكراهية، لتركه السلام، بمنزلة من صلّى الفجر أربعا بتسليمة، وقال حماد بن سليمان: إذا صلّى أربعا أعاد. وقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعا أعاد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه. وقال الشافعي ﵁: القصر رخصة، فإن شاء قصر وإن شاء أتمّ. احتجّ الشافعي ﵀ بأن ظاهر الآية نفي الجناح عنهم في القصر، وهذا اللفظ مشعر بأنّه رفع عنهم لزوم الإتمام من غير إلزام لهم بالقصر. وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: «قصر رسول الله وأتمّ» . وكان عثمان ﵁ يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وأيضا فقد جرى الشرع في رخص السفر على التخيير كالصوم والفطر فالقصر كذلك. واحتجّ الحنفية بما روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر تمام غير قصر على لسان نبيكم، وبأن النبي ﷺ التزم القصر في أسفاره كلها فقد روي عن ابن عباس رضي الله

стр. 311

عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسافرا صلّى ركعتين حتى يرجع «١» . وروي عن عمران بن حصين حججت مع النبي ﷺ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة: «صلوا أربعا فإنّا قوم سفر» «٢» . وقال ابن عمر: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين، حتى قبضهم الله «٣» ، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨] وقال النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٤» وقد كانت صلاته في السفر ركعتين فوجب اتباعه، وذلك لأننا متفقون على أن لفظ الصلاة في القرآن مجمل يلتحق به البيان، والبيان فعل الرّسول أو قوله، وهذا فعله، وهذا قوله. وأيضا لو كان مراد الله التخيير بين القصر والإتمام لبيّن ذلك كما بينه في الصوم، وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهّل، فإنّه حين أتم بمنى أنكر عليه الصحابة، قال: إنما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تأهّل ببلد فهو من أهله» «٥» . وقد قالت عائشة فيما روي عنها: أول ما فرضت الصلاة وأتمّ فيحمله الحنفية على قصر الفعل، وإتمام الحكم جمعا بين الروايات. وأما ظاهر قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فهم يتأوّلون القصر على قصر الصفة. وقد ذكر صاحب «الكشاف» «٦» وجها آخر في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فقال: إنهم لما ألفوا الإتمام فربما خطر ببالهم أنهم نقصوا في قصر الصلاة، فنفي الجناح من أجل ذلك. وظاهر تعليق القصر على الضرب في الأرض يدلّ على القصر في مطلق السفر، سواء في ذلك السفر للحج والجهاد والتجارة وغيرها، وأيضا قوله: «صلاة السفر ركعتان» يدل على ذلك.

стр. 312

وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تقصر إلا في حج أو جهاد» . وعن عطاء قال: لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله. لكن هذا مخالف لظاهر الآية، ولا تمسك لهم بما روي أن النبيّ ﷺ لم يقصر إلا في حج أو جهاد، فإنما ذلك لأنّه لم يسافر إلا في حج أو جهاد. وقد تمسك داود الظاهري بهذا الظاهر، وقال: إن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر، فالمدار في تحقيق القصر عندهم على تحقق شرطه، وهو الضرب في الأرض. وأما الجمهور فقد قالوا: إنّ الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أنّ مجرد الانتقال من مكان إلى مكان لا يكون سببا في الرخصة، فلا بدّ أن يكون الضرب المرخّص ضربا مخصوصا، ولما كان ذلك لا يعرف إلا ببيان السنة لمقدار الانتقال المرخّص، ولم يرد في بيان السنة ترخيص في القصر في أقل من سفر يوم، وذلك أنه حصل في المسألة روايات: ١- روي عن عمر ﵁ أنه قال: يقصر في يوم تامّ، وبه قال الزهري والأوزاعي. ٢- قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر. ٣- قال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ. ٤- قال الحسن: مسيرة ليلتين. ٥- قال الشعبيّ والنخعيّ وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وعنهم: يومان وأكثر الثالث. ٦- قال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ. فهذه الأقوال على ما بينها من الاختلاف تدلّ على إجماعهم على أنّ السفر المرخّص مقدّر بقدر مخصوص هو الذي فيه الاختلاف. وقد عول الحنفية في مذهبهم على قوله ﵊: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام «١» ، وعلى ما ورد في منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم» فدلّ هذا على أنّ ما دون الثلاث ليس سفرا، بل هو في حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج دون محرم وعدمه. وأما الشافعية فإنهم عوّلوا في مذهبهم على ما روي عن مجاهد وعطاء عن ابن

стр. 313

عباس أن النبيّ ﷺ قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان» . وقد تقدم الكلام على أدلة الحنفية والشافعية في الصوم، إنما الذي يعنينا الآن هو ما ذهب إليه الظاهرية، فنحن نقول لهم: إن الآية مجملة، وقد أجمع السلف على أن السفر مقدّر، وقد بينت السنة أنه مقدر على خلاف في الروايات مرجعه إلى الترجيح، فهو عند الترجيح يثبت أحد الأقوال في التقدير، وهو خلاف ما يدّعون. وقد زعم الظاهرية أيضا أنّ القصر في السفر إنما يكون عند الخوف تمسكا بالشرط في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذ هو يفيد أن القصر إنما يحصل عند الخوف، فما لم يكن خوف لم يكن قصر، ولكنّا نقول: إنّ الآية لا تدل على أكثر من أنه عند الخوف يصح القصر، أما في حال عدم الخوف فهل يصح أم لا؟ ذلك ما لم تعرض له الآية، بل هي ساكتة عنه، وهذا السكوت عنه قد بينته السنة، وفائدة التقييد بالخوف في الآية بيان حال السفر الذي كانوا عليه وقتئذ إذ غالب أسفارهم إنما كان في حرب العدو، على أنّ لنا أن نقول إنّ القصر الذي في الآية هو قصر صفة في إحدى صلوات السفر، وهي الصّلاة في حال الخوف. ثم ماذا يقول الظاهرية في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هل يقولون: السفر المرخّص إنما يكون في حال الخوف من الكفار فقط وأما من العدو مطلقا فلا، ما نظنهم يقولون بالتزامه، إذ المعقول أن الذي يصلح أن يكون علة هو خوف الفتنة مطلقا، وحيث كان الأمر كذلك فهم محجوجون بما احتجوا به. إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن خفتم أن يتخذ أعداؤكم اشتغالكم بالصلاة وطولها فرصة لتغلّبهم عليكم فتفتنون وتغلبون. فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة، ويصحّ أن يكون المراد إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم فصلوا راجلين أو راكبين آمنين. والفتنة: الشدة والمحنة والبلية. إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً فهم يتربّصون بكم الدوائر ليوقعوا بكم، وتتمّ لهم الغلبة عليكم، وقد سهلت لكم الطريق في قتالهم، فلا تدعوا لهم فرصة لينفذوا منها إلى غرضهم، ولو كانت تلك الفرصة هي الصلاة التي لا تترك بحال، فقد جعلت لكم أن تقصروا منها. قال الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ

стр. 314

مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) هذا شروع في بيان كيفية صلاة الخوف. وقبل الكلام على معنى الآية نقول: قد ذهب الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في إحدى الروايات عنه والحسن بن زياد إلى أنّ ما اشتملت عليه الآية من الأحكام كان خاصا بوجود النبيّ ﷺ في الجيش أخذا من ظاهر قوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ثم هو يقول: إن هذا الحكم في حال وجود النبي ﷺ كان معقول المعنى، مراعاة لوجوب التسوية بين أفراد الجيش في إحراز فضيلة الصلاة مع النبيّ ﷺ ، ولذلك اغتفر لهم في الصلاة ما لم يغتفر في غيرها من الصلوات، من إباحة المشي، والسير مع الإمام، ثم مفارقته قبل تمام الصلاة معه، وحمل السلاح إلى غير ذلك. وأما بعد زمن النبيّ فلا داعي إلى أعمال من شأنها أن تفسد الصلاة في غير ضرورة، إذ من الممكن أن تتعدد الأئمة في الجيش، فيصلّي بكل فرقة إمام في أوقات مختلفة، مع بقاء العدة والحذر من العدو، وبعد رسول الله ﷺ لا يفضل إمام إماما، وفي الإمكان اختيار أئمة على سواء، فالضرورة التي كانت في إحراز فضل الصلاة مع الرسول ﷺ قد زالت، فلا حاجة إلى صلاة الخوف بكيفية من كيفياتها التي وردت وذهب إليها الفقهاء. ولكنّ جمهور الفقهاء على خلاف هذا، وأن صلاة الخوف لا تزال مشروعة، وهم مختلفون فيما بينهم على الكيفية التي تصلّى بها صلاة الخوف، وقد تقرّر عندهم أن خطاب النبيّ ﷺ خطاب لأمته: فلا مستمسك لأبي يوسف بالخطاب. وأما الشرط (إذا) فهو لا يدل على أكثر من ترتب وجود قسمة المصلين طائفتين على وجوده فيهم، ولكن لا دلالة على أنه إذا عدم الوجود فيهم انعدمت هذه القسمة. بعد هذا نقول: إنه ورد أنّ النبيّ ﷺ قد صلّى صلاة الخوف على هيئات مختلفة، في مواضع مختلفة، وقد يكون صلاها في كلّ مرة على هيئة تخالف ما صلاها عليه في المرات الأخرى، وقد اتخذ الفقهاء من هذه الروايات على هذه الأوضاع المختلفة أدلة على مذاهبهم المختلفة وقد يكون في مخالفة النبي ﷺ بين الأوضاع وفي الأماكن المختلفة: ما يصح أن يكون دليلا على أن الأمر فيها متروك لإمام الجيش، يصلّي بالناس حسبما تقضي المصلحة الحربية، وقد قال هذا أو ما يقرب من هذا كلّ من أبي بكر الرازي وابن جرير الطبري «١» .

стр. 315

ولنذكر أقوال الفقهاء في كيفية صلاة الخوف مع ما يوافق كلّ قول منها من الروايات التي رويت عن رسول الله ﷺ فيها بحسب الاستطاعة فنقول: ١- ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام القوم طائفتين، تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدو، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويسلّم هو، وينصرفون إلى أصحابهم، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو، وتقضي ركعة بغير قراءة وتتشهد، وتسلم، وتذهب إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة بقراءة. فقد جاء في السنة ما يدل على أن النبيّ ﷺ صلاها على هذا الوجه. روى الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ صلّى بإحدى الطائفتين ركعة: والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أولئك. وجاء أولئك، فصلّى بهم ركعة أخرى، ثم سلّم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم «١» . وروي مثله عن نافع وابن عمر وابن عباس. ٢- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا معه، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك. وإذا كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صفّ مستقبل القبلة، والصف الآخر يستقبل العدوّ، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعا، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدو، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعا. وعن أبي يوسف ﵀ روايتان غير التي ذكرناها في مفتتح الكلام إحداهما يوافق فيها أبا حنيفة، والأخرى يوافق فيها ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة، ويوافق فيها أبا حنيفة إذا كان العدو دبر القبلة.

стр. 316

وقد روي في السنة ما يوافق قول ابن أبي ليلى. روى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلّى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم، لو أغرتم عليه ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإنّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلّى رسول الله ﷺ العصر، وكانوا قبالته في القبلة، فجعل المسلمين خلفه صفين، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا معه جميعا، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده، وقام، سجد الصف الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله ﷺ وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله ﷺ فلما ركع ركعوا معه جميعا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده، وقعد الذين يلونه، سجد الصف المؤخّر، ثم قعدوا فتشهدوا مع رسول الله ﷺ جميعا فلما سلّم سلّم عليهم جميعا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض ينظر إليهم قالوا: قد أخبروا بما أردنا. ٣- وقال مالك ﵁: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائما، وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون، ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون، ويسلّم، ويقومون، فيتمّون لأنفسهم الركعة التي بقيت. ٤- وقال الشافعي ﵁ مثل قول مالك إلا أنه قال: لا يسلّم الإمام حتى تتمّ الطائفة الثانية لأنفسها، ثم يسلّم معهم، قال ابن القاسم: وكان مالك يقول بهذا لحديث رومان، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم، وفيه أنّ الإمام يسلّم، ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون. أما حديث رومان الذي أشرنا إليه فهو ما روى يزيد عن رومان عن صالح بن خوّات مرسلا عن النبي ﷺ «١» ، وذكر فيه أنّ الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها النبيّ ﷺ .

стр. 317

وأما حديث القاسم فهو ما روى ابنه عنه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة أنّ رسول الله ﷺ صلّى بهم صلاة الخوف فصفّ صفّا خلفه، وصف مصافّ العدو، فصلّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة، وقد كان ذلك في غزوة ذات الرقاع. وقد رويت روايات أخرى بغير هذه الأوضاع لا نطيل بذكرها. فأنت ترى الروايات عن الرسول ﷺ مختلفة، ولعلّ السبب في الاختلاف ما أشرنا إليه سابقا. والآية التي نحن بصددها يمكن إرجاعها إلى هذه الروايات على تفاوت بينها، وسترى شيئا من ذلك. وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي إذا كنت أيها النبيّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم، فأقمت لهم الصلاة، فاجعلهم طائفتين، تقوم طائفة منهم معك في الصلاة، وظاهر هذا يخالف مذهب ابن أبي ليلى، لأنّ نص الآية مشعر بأنّ قيام طائفة منهم معه يكون حال قيامه هو في الصلاة، بأن تفتتح الصلاة بعد افتتاحه، ومن مقتضى قوله: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أنّ الطائفة الأخرى لا تقوم معه، وابن أبي ليلى يقول: يكبرون جميعا، ويركعون جميعا، ثم تنفرد طائفة منهم بالسجود معه. وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فاعل الأخذ إما المصلون، وإما غيرهم، فإن كان ضمير الفاعل للمصلين فإنّ المراد من السلاح المأخوذ حينئذ ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، والأمر بأخذ ذلك حينئذ للاحتياط ودفع الطوارئ، وأما إن كان ضمير الفاعل لغير المصلين، فالأمر بالأخذ لأنهم الذين يكونون في قبالة العدو. فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي إذا سجد المصلون مع الإمام فليكن غير المصلين من ورائهم، يدفعون عنهم العدوّ إذا أراد الإيقاع بهم، وربما تعلّق بهذا ابن أبي ليلى حيث ترتّب الأمر بالكون من ورائهم على السجود، فدلّ ذلك على أنه قبل السجود لا يطلب منهم أن يكونوا من ورائهم، وما ذلك إلا لأنهم مشتركون معهم في الصلاة، ولكننا نقول: إن ذلك غير لازم، إذ كثيرا ما تسمّى الصلاة سجودا، أو نقول: خصّ الأمر بالكون من ورائهم بحال السجود تنبيها على وجوب اليقظة والاحتراس في هذه الحال، لأنّها التي يظنّ العدوّ فيها انشغالهم بالصلاة، وربما كانت مباغتة لهم فيها. وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ هذا ظاهر أيضا في أنّ الطائفة الثانية لم تكن مع الأولى، بدليل أنه أمرها بالإتيان، وعلى مذهب ابن أبي ليلى لا يكون إتيان، بل تأخّر من التي سجدت مع الإمام أولا، وليس في هذا اللفظ دليل على أنّ الطائفة الأولى تقضي في مكانها قبل مبارحته، أو على أنها تذهب قبالة العدو قبل

стр. 318

القضاء، ولا على أنّ الطائفة الثانية تقضي في مكانها، بل اللفظ صالح للجميع، وليس فيه دليل أيضا على أنّ الإمام يسلّم بمجرد انتهائه من الركعة الثانية، ولا أنه ينتظر حتى تفرغ الثانية من قضاء ما فاتها. وإنما يطلب ذلك من السنة، وأنت تعلم أنّ السنة قد جاءت بالجميع. وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ هذا أمر للجميع بعد انتهاء الصلاة، وضم هذا الأمر بأخذ الحذر وهو التيقظ إلى الأمر بأخذ السلاح فقط عقب الركعة الأولى، لأنّ العدو في أول الصلاة لا يقوى عنده باعث المباغتة، لأنهم كانوا قياما في أولها، وإنما يقوى عنده ذلك في آخرها حين يتكرر منهم السجود، فمن أجل ذلك أمر في الأول بأخذ الأسلحة فقط، وهنا بأخذها وأخذ الحذر. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً. أي أنّ أعداءكم يتربّصون بكم الدوائر، ويتحيّنون لقتالكم الفرصة، ويودون لو تمكنوا منكم، فتغفلون عن عدتكم وما تقاتلونهم به، فتكون حربهم إياكم وغلبتهم عليكم سهلة ميسورة، ولن يمنعكم منهم إلا الحذر والرباط وإعداد العدة، فاحذروهم، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي أنّه لا يمنعكم من عدوكم إلا الاستعداد له، فإن تعذّر عليكم حمل الميرة والسلاح للمطر أو المرض أو غير ذلك من الأعذار، فليس عليكم إثم في أن تضعوا أسلحتكم التي حالت الضرورة بينكم وبين حملها، ولكن يجب أن تكونوا على حذر وتيقظ من مباغتة العدو ومفاجأته، فبثوا له العيون والأرصاد، واتخذوا من فنون الدفاع في الحرب وأساليبه ما لا يجعل عدوكم على علم بما أنتم عليه من ضرورة حتى لا يفاجئكم، فتتم الهزيمة عليكم. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إنما عقّب الله تعالى الأمر بأخذ الحذر والسلاح بهذا الوعيد، لأنّ الأمر قد يتوهّم منه أنّ العدو شديد، وذلك قد يعقب وهما في النفوس، فإزالة لهذا الوهم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إذا كان ذلك خبرا منه تعالى بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم البتة، ليعلم المؤمنون أنّ الأمر بالحذر منهم، إنما هو لما جرت به سنة الله من إتباع المسببات الأسباب حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا. وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب، فقال الحنفية ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعية: يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إنّ الإمام ينتظر قائما حتى تتمّ الطائفة

стр. 319

الأولى لنفسها، وتجيء الثانية على ما بينهما من خلاف في سلام الإمام. واختلفوا أيضا في الصلاة حال اشتباك القتال أتجوز أم لا؟ فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتل فيها فسدت صلاته. وقال مالك: يصلي بالإيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن فسدت صلاته، والأدلة تلتمس في غير الآية. قال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) يقول الله تعالى: فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم التي بينا لكم كيفيتها، فاذكروا الله قياما وقعودا ومضطجعين على جنوبكم، واذكروه معظمين خاشعين، سائليه النصر والظفر، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً. وقد طلب الله تعالى من عباده أن يذكروه دائما، والذكر أداة الفلاح، إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة، واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة. روى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أنه كان يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما، ثم عذر أهلها في حال غير الذكر، فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقيل: إنّ معنى الآية: إن أردتم أداء الصلاة، واشتد الخوف إذا اشتبكتم في القتال، فصلوا كيفما كان. وهذا يوافق ما ذهب إليه الشافعيّ، ﵁ من وجوب الصلاة حال المحاربة، وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، وأنت ترى أنّ ذلك بعيد من لفظ قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي أقمتم، وهو مقابل لقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سميت الإقامة طمأنينة لما فيها من السكون والاستقرار، ويصح أن يكون المراد فإذا أمنتم وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر صفة الصلاة وهيئتها. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها على وجهها الذي كانت عليه قبل هذا، وأتموها، وعدّلوا أركانها، وراعوا شروطها، وحافظوا على حدودها.

стр. 320

وقيل: إنّ معنى ذلك فإذا اطمأننتم، وأمنتم في الجملة: فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي قال صاحب «روح المعاني» : وليست هذه النسبة صحيحة. إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً فرضا محدودا بأوقات لا تجوز مجاوزتها، بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا، وقيل: المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدّرا في الحضر بأربع ركعات، وفي السفر بركعتين، فلا بدّ أن تؤدّى في كلّ وقت حسبما قدّر فيه، وقد ورد القرآن هكذا في توقيتها مجملا، ومرجع البيان فيه إلى السنة، فما ذكرت السنة أنه وقت وحد للصلاة وجب اتباعه. قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) بعد أن بيّن الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون في قتال عدوهم من أخذ الحذر أثناء الصلاة عاد إلى بعث المؤمنين على نحو آخر من المذهب الكلامي، وسوق الدعوى يحدوها الدليل. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ لا تضعفوا في قتالهم، ولا تتواكلوا، ولا يمنعكم منه ما يظن أن يصيبكم في قتال أعدائكم من ألم القتل والجرح، فإنّ ذلك أمر مشترك من شأنه أن يقع بكم، ويقع بأعدائكم ما دام لم ينثن أعداؤكم عن قتالكم، فما بالكم تخافونه دونهم. وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ بل إنّ أعداءكم إذا جاز لهم أن يخافوا فهم حقيقون بأن يخافوا، فإنّهم لا حجة لهم في الإقدام على أمر هو مظنة هلاكهم، فإنّهم على الباطل، والباطل مهما مدّ الله له في الأجل فهو في النهاية مدفوع. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، ولا ثمرة تعود عليهم من قتالهم هذا، فإنهم وإن تمّت لهم الغلبة أمامهم جهنم مفتحة الأبواب، عميقة الغور، أعدت للكافرين المعاندين لكم، وقد وعدكم نصره، وضمن لكم الجنة، وأنتم الفائزون في الحالين، وأنتم بما تعبدون الله وتوحدونه لا تشركون به شيئا، تطمعون في نصره ورحمته، وهم بما يعبدون من الأصنام، وما هم عليه من العناد: ليس عندهم مثل هذا الطمع، أليس يكفي هذا وحده باعثا لكم على القتال دونهم؟ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته.
следующие страницы →