وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي حرّم نكاحهن، وحذف لدلالة الكلام عليه، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم الميتة تحريم أكلها، ولأنّ قوله:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يدل عليه.
أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.
وأخرج «٢» أيضا عنه قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ حتى بلغ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.
السبع اللاتي حرّمن من النسب
١- الأم: وهي كل امرأة لها عليك ولادة، ويرتفع نسبك إليها بالبنوه، سواء أكانت منك على عمود الأب أو على عمود الأم، فتحرم عليك أمك وجداتك وإن علون من جهة الأب، أو من جهة الأم.
٢- البنت: وهي كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أو بواسطة، فتشمل البنات، وبنات الأولاد وإن سفلن.
٣- الأخت: وهي كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك، أو في أحدهما، ولا تحرم أخت أختك إذا لم تكن أختا لك، كأن تكون لك أخت من أبيك لها أخت لأمها من رجل آخر.
٤- العمة: كل امرأة شاركت أباك ما علا في أصليه أو في أحدهما.
٥- الخالة: كل امرأة شاركت أمك مهما علت في أصليها أو في أحدهما.
٦- بنت الأخ: كل امرأة لأخيك عليها ولادة.
٧- بنت الأخت: كل امرأة لأختك عليها ولادة.
فإن قيل: تحريم الجدّات وبنات الأولاد، هل أخذ من الآية أم من دليل آخر؟
стр. 247
قلنا: إن الأم إذا كانت حقيقة في الأم المباشرة مجازا في الأم غير المباشرة فتحريم الأم من الآية، والجدات من الإجماع.
وقال بعضهم: إنّ إطلاق الأم على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي، وعلى ذلك يكون تحريم الجدات من الآية، وكذا القول فيما ماثله.
وقد اختلف في البنت من الزنى أهي داخلة في قوله: وَبَناتُكُمْ فتكون حراما، ولها حرمة البنت الشرعية، أم ليست داخلة، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية؟
بالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي.
ولعل أبا حنيفة نظر إلى الحقيقة، وأنها مختلقة من مائه، وبضعة منه فحرمها عليه.
أما الشافعي فنظر إلى أن الشارع لم يعطها حكم البنتية، فلم يورّثها منه، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها،
وقال ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «١» .
والوجه ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحرمة قياسا على ولد الزنى، فإنّه تحرم عليه أمه، وليس بينهما إلا أنه متخلق منها، وبضعة منها، فكذلك بنت الزنى مع أبيها، ونفي بعض لوازم البنت عنها للعقوبة لا يقتضي نفي البقية، وجواز نكاحها.
السبع المحرمات بغير النسب
١- الأم من الرضاع: وهي كل امرأة أرضعتك، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب، أو من جهة الرضاع.
٢- الأخت من الرضاع: وهي ثلاث:
أخت لأبيك وأمك، وهي المرأة التي رضعت من أمك بلبن أبيك.
أخت لأبيك، وهي المرأة التي أرضعتها امرأة أبيك رضاعا بلبنه.
أخت لأمك، وهي المرأة التي أرضعتها أمك بلبن غير لبن أبيك.
ولم يذكر من المحرّم بالرضاع في القرآن سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع.
стр. 248
وأيضا لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه أجرى الرضاع مجرى النسب، وقد جاءت السنّة مؤكدة بصريح العبارة لهذا المفهوم،
فقد ثبت أن النبيّ ﷺ قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «١» .
وثبت في «الصحاح» «٢» عن علي أنه قال: قلت يا رسول الله مالك تنوّق في قريش وتدعنا؟
قال: «وعندكم شيء» ؟
قلت: نعم، ابنة حمزة فقال رسول الله ﷺ : «إنها لا تحلّ لي إنّها ابنة أخي من الرضاعة» وذلك لأنّ ثويبة أرضعت حمزة والنبيّ ﷺ .
وظاهر قوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يقتضي أنّ مطلق الرضاع محرّم، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة.
وذهب الشافعي إلى أنه لا تحرّم إلا خمس رضعات، واستدل بما
رواه مسلم «٣» وغيره أن النبيّ ﷺ قال: «لا تحرّم المصة ولا المصتان» «٤» «لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان» «٥»
وبما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ مما يقرأ من القرآن.
وهذا الحديث الأخير لا يصحّ الاستدلال به، لاتفاق الجميع أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول ﷺ ، ولا إسقاط شيء منه، وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته.
وأما الحديث الأول، فكان مقتضى مذهب الشافعي أن يحرّم بما زاد على الرضعتين، لأنه يقول بالمفهوم.
وقد رأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد، لأنها محكمة، ظاهرة المعنى، بينة المراد، لم يثبت خصوصها بالاتفاق، وما كان هذا وصفه، فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.
стр. 249
وقد أخرج أبو بكر الرازي «١» عن طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت: إن الناس يقولون: لا تحرّم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم.
فقد عرف ابن عباس خبر العدد في الرضاع، وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة.
اختلف العلماء في لبن الفحل أيحرّم أم لا يحرّم؟ وصورته: أن يتزوج رجل امرأتين، فتلدا منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرّم حرّم الصبية على الغلام، لأنهما أخوان من الرضاع لأب، وهذا هو المتصوّر، لما
ثبت في البخاري «٢» عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليّ فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: «إنه عمك فليلج عليك»
وهو مذهب أكثر الأئمة.
يقتضي قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أنّ الرضاع يحرّم ولو في سن الكبر، إلا أن قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] بيّن زمن الرضاعة، فذهب العلماء إلى أنّ من أرضع خارج الحولين لا يكون ابنا من الرضاعة، وأكد هذا ما
روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان قبل الفطام» رواه الترمذي والنسائي «٣» .
وقد رأت عائشة أنّ رضاع الكبير محرّم،
للحديث الصحيح «٤» عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله فيهم ما علمت، فكيف ترى يا رسول الله فيهم؟
فقال النبي ﷺ : أرضعيه خمس رضعات يحرم بها، فكانت تراه ابنا من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأخذ.
стр. 250
وأباه سائر أزواج النبي ﷺ وقلن: والله ما نرى ذلك إلا رخصة من رسول الله ﷺ لسهلة.
٣- أمهات نسائكم: وهنّ أمهات الزوجات.
٤- ربائبكم: اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن:
والرائب جمع ربيبة، فعيلة بمعنى مفعولة، من قولك ربّها يربّها، إذا تولّى أمرها، وهي بنت الزوجة من غيرك، وسميت بذلك لأنّ زوج أمها في الغالب يتولّى أمرها. ومقتضى ظاهر التلاوة أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا بشرطين:
أولهما: كونها في حجره.
ثانيهما: أن يكون دخل بأمها.
أما الأول: فلم يشترطه جمهرة العلماء، قالوا: إنه خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم.
والربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت في حجره أو لم تكن في حجره.
وروى مالك بن أوس عن علي أنها لا تحرم حتى تكون في حجره،
أخذا بظاهر القرآن.
ولكنّ سائر الصحابة وعامة الفقهاء على القول الأول.
وأما الثاني فهو متفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في الدخول فقال الطبري والشافعي:
إنه الجماع، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التمتع من اللمس والقبلة، وقال عطاء وعبد الملك بن مروان: هو النظر إليها بشهوة.
وقد اختلف العلماء في الدخول: أهو شرط في تحريم أمهات النساء، كما هو شرط في الربيبة، أم ليس شرطا فيهن؟
فروي عن علي، وجابر، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، ومجاهد، أنه شرط فيهن، فلا تحرم أمّ الزوجة بالعقد، بل بالدخول بها.
قال سائر العلماء: إنه ليس شرطا فيهن.
وسبب الخلاف اختلافهم في قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أهو وصف لنسائكم من قوله: مِنْ نِسائِكُمُ فقط أم هو وصف لها ولنسائكم من قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.
وقد احتجّ الأولون بأنه لو كان لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين، لأنّ إحداهما العامل فيها الإضافة، والأخرى العامل فيها حرف الجر، وذلك منعه البصريون كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا الاستدلال لا يصح، لأنّ هذا أجازه الكوفيون.
стр. 251
والأولى أن يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك شرطا في تحريم الربيبة فقط، وأن يكون شرطا في تحريم أمهات النساء أيضا، ولا تحلّ الفروج بالاحتمال، فالاحتياط يقضي أن يجعل شرطا في الربيبة فقط.
٥- حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم:
الحلائل جمع حليلة، فعيلة بمعنى مفعلة أي محلة.
حرم الله على الأب زوجة ابنه، كما حرم على الابن زوجة أبيه وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.
وقد أرسلها الله فلم يقيدها بالدخول، فيعلم أنها تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها، وقيد الله الأبناء بالذين من أصلابكم ليخرج الابن الدعيّ، فهذا تحل حليلته لمن تبناه، وذلك فائدة التقييد.
وقد كانت العرب تحرّم زوجة الابن بالتبني على من تبنّاه، فأحلّها الإسلام، وتزوّج النبيّ ﷺ زينب بنت جحش زوج زيد بن حارثة الذي تبناه رسول الله ﷺ ، تزوجها بعد أن طلقها زيد، فقالت العرب: تزوّج محمد امرأة ابنه، فنزل: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥] ونزل في ذلك أيضا:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ.
فإن قيل: إنّ هذا القيد يخرج الابن من الرضاع كما يخرج الابن بالتبني.
قيل: إن الابن بالرضاع حرمت حليلته
بقوله ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .
وقد رأى الفخر الرازي أنّ اسم الحليلة كما يشمل الزوجة يشمل الأمة، لأنها أيضا تحلّ، فقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يفيد حرمة أمة الابن أيضا.
وذهب الحنفية إلى أن اسم الحليلة خصّ عرفا بالزوجة، فلا تكون داخلة في الآية، ولا تحرم على الأب بمجرد ملك الابن إياها، بل بالوطء.
٦- وأن تجمعوا بين الأختين:
حرّم الله أن يجمع الرجل بين الأختين في النكاح، وقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا ...
في تأويل مصدر معطوف على أُمَّهاتُكُمْ.
وقد رأى علي في بعض الروايات عنه أنه يحرم الجمع بينهما بملك اليمين أو إحداهما بنكاح والأخرى بملك اليمين، وحجته أن الله حرم الجمع بين الأختين، وهذا يشمل الجمع بينهما بملك اليمين.
стр. 252
وذهب الفقهاء إلى جواز الجمع بينهما بملك اليمين، أو بزواج من إحداهما وملك الأخرى، ولا يجوز له إلا وطء إحداهما، فإذا وطئها حرمت عليه الأخرى، وحجتهم أنّ الجمع المذكور هنا هو الجمع في النكاح.
ذهب مالك والشافعي إلى أنه إذا طلّق الأخت طلاقا بائنا حلّت له أختها، ولو لم تخرج من عدتها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا تحلّ له أختها حتى تخرج الأولى من عدتها.
ودليل الأولين أنّ الله قد حرم الجمع، ولا جمع إذا أبان الأولى، لأنها بإبانتها انتفت الزوجية، بدليل أنه لا يصح له وطؤها، وإذا وطئها حدّ.
ودليل أبي حنيفة أن الأولى محبوسة عليه للعدة، والثانية محبوسة عليه أيضا بالزوجية، فقد جمع بينهما في الحبس.
والظاهر ما ذهب إليه الإمامان مالك والشافعي، لأنّ الله حرّم الجمع في الزوجية، ولا زوجية للبائن.
وقوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ يقال فيه ما قلناه في مثلها قريبا.
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ولذلك لم يؤاخذهم بما كان منهم من الجمع بين الأختين فيما سلف في الجاهلية، وحكمة تحريم من حرّمن وأبّد تحريمهنّ. إما من النسب، فإنّه لما اقتضت طبيعة الوجود تكوين الأسرة، وكانت الأسرة محتاجة إلى الخلطة والمعاشرة، فلو أبيح من ذكرنا من المحارم، لتطلعت إليهنّ نفوس محارمهنّ، وكان فيهنّ طمع، والخلطة تسهل السبيل، فيكثر الوقوع في الفاحشة، والطبائع جبلت على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وأخته، ووقوع الفاحشة يدعو للمنازعات والمخاصمات والشغب وحدوث القتل، وحجز بعض المحارم عن بعض فيه مشقة وغير متيسر، فأبّد الله تحريم الزواج بالمحرمات من النسب ليسد باب الطمع، وإذا سدّ باب الطمع انتفت خواطر السوء، فلا يقع الفسوق الداعي إلى النزاع والخصام.
ولمثل هذه العلة حرّمت المحرمات من الصهر، فإنّ المرأة تحتاج أمّها وبنتها أن تزورها في بيت الزواج، لو لم يجعلا محارم لتطلعت إليهنّ نفس الزوج وكان ما يترتب على ذلك من المفاسد.
وأيضا الضرورة داعية إلى أن يتزوج الأباعد من الأباعد، لأنّه ليس لكل امرأة قريب ذكر يتزوج بها، فلو لم تكن هذه الحرمة مؤبدة لشغلت الخطيب الوساوس أن يكون أبوها أو أخوها هتك عفتها، ولهذه الحرمة المؤبدة يتزوج الرجل امرأة وهو مطمئن إلى عفافها، وآمن من أن يكون أبوها أو أخوها أو من هو شديد الخلطة بها من أبناء إخوتها سلب عفتها.
стр. 253
وإنما حرّم الجمع بين الأختين لأنّ الضرائر يكون بينهن من الكراهة والبغضاء ما هو معلوم، فلم يشأ الله أن يعرّض أرحام الأختين للقطيعة بتجويز كونهما ضرتين، يتغايران ويتباغضان، وكذلك القول في المرأة والخالة، والمرأة والعمة، وكذلك كل امرأتين لو جعلت إحداهما ذكرا حرّمت على الأخرى.
تحريم ذوات الأزواج
قال الله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) المحصنات عطف على أُمَّهاتُكُمْ فهنّ من المحرمات.
مادة (ح ص ن) تدلّ على المنع، ومنه الحصن، لأنه يمنع من فيه، ويقال: أحصن الرجل إذا تزوّج، وأحصن إذا أسلم، وأحصن إذا صار حرّا، وأحصن إذا عف، وفي جميع ذلك معنى المنع، فالرجل إذا تزوّج منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم منع نفسه من القتل، وإذا عتق فقد منع نفسه من الاستيلاء، والعفيف يمنع نفسه من الفحش.
فمن وروده بمعنى تزوج
قوله ﷺ : «أحصنت؟» يعني تزوجت.
قال: نعم.
وقال ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن» «١» .
ومن وروده بمعنى أسلم قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ومن وروده بمعنى الحرية قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ.
ومن وروده بمعنى العفاف قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤] .
والمراد بالمحصنات في الآية المتزوجات، فهي تحرّم ذوات الأزواج، واستثنى المملوكات، وقد استشكل هذا الاستثناء، فإنّ ذوات الأزواج إذا كنّ من إمائه محرمات على مالكيهن، ولأجل هذا اختلف في تأويل الآية: فذهب بعضهم إلى أن ذلك في بيع الأمة، فهو يقول: حرّمت عليكم ذوات الأزواج إلا ما طرأ على ملكهن ببيع، فيحللن، وذلك لأنّ بيع الأمة طلاقها، فمن باع أمة متزوجه كان ذلك البيع طلاقا
стр. 254
لها، وهذا ليس براجح، لأنّ الزواج كما جامع الملك السابق يجامع الملك الطارئ،
وقد ورد أن النبيّ ﷺ خيّر بريرة لما بيعت «١»
، ولو كان بيعها طلاقها لما خيّرها.
وقيل- وهو المختار- إنّ ذلك في حق المسبيات إذا كنّ ذوات أزواج، فهو يقول: وحرّم عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهنّ هادم لنكاحهن.
ويؤيد هذا ما ذكر في سبب نزول الآية.
روى مسلم في «صحيحه» «٢» عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، وكأنّ ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله في ذلك: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
أي فهنّ حلال لكم إذا انقضت عدتهن.
فتضمّن هذا الحكم إباحة وطء المسبية بالملك، وإن كان لها زوج من الكفار.
وقيل: إنّ المراد بالمحصنات الحرائر، وقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلا ما ملكتموهنّ بعقد زواج صحيح، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: ٥، ٦] فجعل ما ملكت أيمانهم مقابلا للأزواج، والقرآن يفسّر بعضه بعضا.
(كتب الله عليكم) مصدر مؤكّد أي: كتب الله ذلك- وهو تحريمه ما حرّم عليكم- كتابا، وفرضه فرضا.
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً.
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عطف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ومن قرأها بالبناء للفاعل عطفها على كتب المقدر.
محصنين: أعفّاء.
стр. 255
مسافحين: زناة، من السفاح وهو الزنى، مأخوذ من السفح، وهو صب الماء، لأنّ الزاني لا غرض له من فعلته إلا ذلك.
أَنْ تَبْتَغُوا مفعول لأجله، أي: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إرادة أَنْ تَبْتَغُوا السناء بِأَمْوالِكُمْ حالة كونكم أعفّاء غير زناة، فلا تضيّعوا أمولكم في الزنى، فتذهب أموالكم، وتفتقروا، ويجوز أن يكون قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بدلا من قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ، واسم الإشارة في قوله: ذلِكُمْ يرجع إلى المحرّمات المذكورة قبل، وقد اعترض على ذلك بأنّ هذا يقتضي أنّ المحرمات هي من ذكرن، وأنّ من عداهن حلال، مع أنه قد ثبت حرمة نساء غير من ذكرن، وذلك كالمبتوتة، وما زاد على الرابعة، والملاعنة، والجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
أما الجمع بين المرأة وعمتها فقد فهم تحريمه من قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بطريق القياس، لأنّ العلة في تحريم الجمع هي القرابة القريبة، فكلّ من بينهما قرابة قريبة حرم الجمع بينهما، فجاز أن يقال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي من ذكرن أي إما بطريق النص، أو بطريق القياس.
ومن يجوّز تخصيص القرآن بخبر الواحد المشهور يقول: إنّ آية الحلّ خصّصت
بقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا المرأة على خالتها» «١» .
وأما البقية: غير الملاعنة فقد خصّصت آيات تحريمهن آية وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ.
وأما الملاعنة فقد خصّص الآية
قوله ﷺ فيها: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان قبل موته» .
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (ما) واقعة على الاستمتاع، والعائد في الخبر محذوف، أي فآتوهن أجورهن عليه. كقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) [الشورى: ٤٣] أي منه، ويجوز أن تكون واقعة على النساء، وأعاد الضمير في (به) عليها باعتبار اللفظ، وفي مِنْهُنَّ باعتبار المعنى، وقوله: فَرِيضَةً معمول لفرض محذوف، والمراد بالأجور المهور، لأنها في مقابلة الاستمتاع، فسميت أجرا.
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من حطّ لكله أو بعضه، أو زيادة عليه.
стр. 256
أمر بإيتاء الأزواج مهورهن، وأجاز الحط بعد الاتفاق برضا الزوجين وعلى ذلك تكون الآية نزلت في النكاح المتعارف.
وقيل: نزلت في المتعة، وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين، وكان الرجل ينكح امرأة وقتا معلوما ليلة، أو ليلتين، أو أسبوعا بثبوت أو غير ثبوت، ويقضي منها وطرا، ثم يتركها.
واتفق العلماء على أنها كانت جائزة، ثم اختلفوا، فذهب الجمهور إلى أنها نسخت، وذهب ابن عباس إلى أنها لم تنسخ، وهناك رواية عنه أنها نسخت، وروي أنه رجع عن القول بها قبل موته.
والراجح أنّ الآية ليست في المتعة، لأنّ الله ذكر المحرّمات في النكاح المتعارف، ثم ذكر أنه أحلّ ما وراء ذلكم، أي في هذا النكاح نفسه.
والراجح أنّ حكم المتعة الثابت بالسنة قد نسخ، لما أخرج مالك «١» عن علي أنّ الرسول ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول الله ﷺ ، فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: «يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإنّ الله قد حرّمها عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها، لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٢» .
وروي عن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمتهما بالحجارة.
ويدل على تحريم المتعة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ والمستمتع بها ليست ملك يمين بالاتفاق، وليست زوجة لانتفاء خصائص الزوجية عنها، لأنها لا ترثه، ولا يلحق به ولدها.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح عباده حَكِيماً فيما شرع لكم من الأحكام، ولذلك شرع لكم هذه الأحكام اللائقة بحالكم.
قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
стр. 257
وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
أصل الطّول الفضل والزيادة، والمراد به هنا الزيادة في المال والسّعة.
والمراد بالمحصنات: الحرائر، بدليل مقابلتهن بالمملوكات.
لما بيّن الله من لا يحل من النساء ومن يحل منهن، بيّن لنا فيمن يحل أنه متى يحل؟ وعلى أي وجه يحل؟ فقال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ يقول: ومن لم يستطع منكم زيادة في المال، وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة: فلينكح أمة من الإماء المؤمنات، وإذا ضممت إلى هذا القدر قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ كان ظاهر الآية يدلّ على أنّ الله شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة:
الأول: ألا يجد الناكح مالا يتزوّج به حرّة.
والثاني: أن يخشى العنت، وسيأتي بيانه.
والثالث: أن تكون الأمة التي يريد نكاحها مؤمنة، لا كافرة.
وإنما ضيّق الله في نكاح الإماء باشتراط هذه الشروط لما في نكاحهم من أضرار، أهمّها تعريض الولد للرق، لأن الولد يتبع الأمّ في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علقت بالولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حقّ الوالد وولده- وسنذكر بعض الأضرار عند قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ- وبهذا الظاهر تمسك الشافعيّ ﵁، وهو أيضا قول ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير ومكحول وآخرين.
وروي أنّ مسروقا والشعبيّ قالا: نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر.
وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن المسيّب وآخرين أنهم قالوا:
ينكح الأمة وإن كان موسرا.
وذهب الإمام أبو حنيفة ﵁ إلى جواز نكاح الأمة لمن ليس تحته حرّة، سواء أكان واجدا طول حرة أم لا، وسواء أخشي العنت أم لا، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا، واحتج الحنفية على ذلك بالعمومات الكثيرة، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: ٣٢] وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] ، وجميع ذلك يتناول الإماء الكتابيات، ولم يشترط فيه عدم الطول، ولا خوف العنت، فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب
стр. 258
التخصيص، ولم تنتهض هذه الآية التي معنا حجة مخصّصة! أما أولا: فلأنّها ما دلت على ما ذهب إليه المخالف إلا بمفهوم الشرط، ومفهوم الصفة، وهما ليسا بحجة عند الإمام ﵁.
وأما ثانيا: فعلى تقدير الحجّيّة يكون مقتضى المفهومين عدم الإباحة إذا اختلّ الشرط أو عدمت الصفة، وعدم الإباحة أعمّ من ثبوت الحرمة أو الكرامة، ولا دلالة للأعم على ما خص بخصوصه، فيجوز ثبوت الكراهة عند فقدان الشرط، كما يجوز ثبوت الحرمة سواء بسواء، والكراهة أقلّ في مخالفة العمومات، فتعيّنت، فقلنا بها.
وقالوا في قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ: إنه ليس بشرط، وإنما هو إرشاد للإصلاح، لعموم مقتضى الآيات.
وأجاب الشافعية: بأن هذه العمومات لا تعارض الآية التي معنا إلا معارضة العامّ للخاص، والخاص مقدّم على العام، وبأن الحنفية خصصوا عموم هذه الآيات فيما إذا كان تحته حرة، فقالوا: لا يجوز له نكاح الأمة، وإنما خصّصت لصون الولد عن الإرقاق، وهذا المعنى قائم في محل النزاع، فيجب أن يعطى حكمه، وهو عدم الجواز، وبأن صون الولد عن الإرقاق يمنع من نكاح الأمة، ولكن الآية أباحته لضرورة من خشي العنت، وفقد الطّول إلى الحرة، وشرطت أن تكون الأمة مسلمة، ففيما عدا ذلك يرجع إلى الأصل وهو المنع من النكاح.
روي عن أبي يوسف ﵀ أنه تأوّل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا على عدم وجود الحرة في عصمته، وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته، وعليه يكون المراد بالنكاح في قوله: أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الوطء، ويكون التقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة. إلخ. والذي لا يستطيع وطء الحرة هو من لا يكون تحته حرة، فيكون منطوق الآية مساويا لقولنا: ومن ليس تحته حرة فلينكح أمة، وبذلك تنقلب الآية حجة للحنفية.
قال الفخر الرازي: وجوابه أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. اه.
نزيد على ذلك تأويل أبي يوسف ﵀ مع مخالفته رأي الجمهور من المفسرين لم ينه الإشكال بتمامه، إذ لا يزال الوصف في قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ محل خلاف، وكذلك قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ لا يزال أيضا محل خلاف. ألهما مفهوم يعمل به أم ليس لهما مفهوم؟ ويعود الكلام من أوله، وتعود الشبهة جذعة:
وللحنفية دليل خاص بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهو قياسها على الحرة والمملوكة الكتابيتين.
стр. 259
وأجاب الشافعي بأنه إذا تزوّج الحرة الكتابية، أو وطئ مملوكته الكتابية، فهناك نقص واحد، أما إذا تزوّج الأمة الكتابية فهناك نقصان الرق والكفر، فظهر الفرق.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان، فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر، فالإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة، ولا يشترط فيه العلم بالإيمان علما يقينيا، إذ لا سبيل لكم إليه.
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فيه تأويلان:
الأول: أنكم وفتياتكم من جنس واحد، وكلكم أولاد آدم، فلا تستنكفوا أن تنكحوا الإماء عند الضرورة.
والثاني: أنكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فالتفاوت فيما وراءه لا ينبغي الالتفات إليه. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وهذا التأويل يقوّي قول الشافعي إن الإيمان شرط في نكاح الأمة، وعلى كلا التأويلين الجملة معترضة لتأنيس قلوبهم، وإزالة النفرة عن نكاح الإماء، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالأنساب، ويضعون من شأن الابن الهجين، فأعلمهم الله بهذه الكلمة أنّه لا فضل لأحد على أحد إلا بالدّين، وأنه لا ينبغي التخلّق بأخلاق الجاهلية الأولى.
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أعيد فيه الأمر- مع فهمه مما قبله- لزيادة الترغيب في نكاح الإماء، والمراد بالإذن هنا الرضا، وبالأهل أهل المولى.
اتفق العلماء على أنّ نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز، عملا بظاهر هذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا
كقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» «١»
فالسلم ليس بواجب، لكنّه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط.
وكذلك اتفقوا على أنّ نكاح العبد بغير إذن سيده غير جائز إلا قولا حكيناه فيما سبق عن الإمام مالك، ونفى بعض علماء المالكية نسبة هذا القول إلى الإمام ﵁.
وقد روينا لك
حديث جابر: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»
وقلنا:
إن في تنفيذ نكاح الرقيق تعييبا له، فلا يملكه إلا بإذن مولاه.
والمراد بعدم جواز نكاح الرقيق بغير إذن مولاه عند الشافعي أنه نكاح باطل غير صحيح، ويشهد له ظاهر الآية والحديث.
стр. 260
والمراد بعدم الجواز عند الحنفية عدم النفاذ، لا عدم الصحة، بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك، وهو رواية عن أحمد كما قال صاحب «روح المعاني» «١» .
وادّعى بعض الحنفية أنّ الآية تدلّ على أنّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنّه اعتبر فيها إذن الموالي لا عقدهم، وهو غير سديد لوجهين:
أمّا أولا: فلأنّ الآية دلت على أن رضا المولى لا بد منه، فأما أنه كاف في النكاح فليس في الآية دليل عليه، لأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم، فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل، فلا يلزم جواز مباشرتهن العقد بأنفسهن.
وأما ثانيا: فلأنّه وإن يكن المراد من الأهل الموالي، لكن الفقهاء حملوا ذلك على من له ولاية للتزويج، وذلك إما المولى إن كان رجلا، أو ولي مولاه إن كان مولاه امرأة.
ولو سلّم أن المراد بالأهل الموالي لا غير فهو عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة، والخاص مقدّم على العام.
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أكثر المفسرين على أن المراد بالأجور المهور، وعلى هذا التأويل تكون الآية دالّة على وجوب مهر الأمة إذا نكحها، سواء أسمي المهر في العقد أم لم يسمّ، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ مرادا منه مهر المثل، أو إيصال المهر إليها على العادة عند المطالبة من غير مطل ولا تأخير.
والآية على ظاهرها تؤيّد ما حكاه بعض العلماء عن الإمام مالك أن مهر الأمة لها. وهذا يوجب كون الأمة مالكة، مع أنه لا ملك للقن، فلعله أراد أنها مالكة لمهرها يدا، كالعبد المأذون له في التجارة، لأن الإذن في نكاحها إذن لها في أن تضع يدها على المهر، فيجب التسليم إليها كما هو ظاهر الآية.
وأكثر الأئمة على أنّ المهر للسيّد، لأنّه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيد: وهو الذي أباحها للزوج بعقد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها، ولأنه لا ملك للقن، لقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٥] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا.
ولقوله ﷺ : «العبد وما في يده لمولاه» .
وأجاب الجمهور عن ظاهر الآية بأن المراد: وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن، وهذا القيد مقدّر في الكلام، لتقدم ذكره، أو أنّ المراد وآتوا: أهلهن مهورهن، وإنما
стр. 261
أضاف إيتاء المهور إليهن لتأكيد إيجاب المهر، والتنبيه على أنه حقّهن من جهة أنه ثمن بضعهن، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين.
واختار بعض العلماء أنّ المراد من أجورهن النفقة عليهن، فكأنّه تعالى بيّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها إذا سلمت إليه كالحرة، وحصلت التخلية من المولى بينه وبينها، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ هنا معناه آتوهن نفقتهن بالمعتاد المتعارف فيما بينكم، كقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] وعلى هذا التأويل لا يكون في الآية دلالة على ما حكي عن الإمام مالك أن المهر للأمة لا لسيدها.
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ.
المحصنات هنا العفائف.
والمرأة المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها. والتي تتخذ الخدن هي التي تتخذ صاحبا معينا.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بأنها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم، أفرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونصّ على حرمتهما معا، ونظير ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] .
وهذه الكلمات واقعة حالا من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ أو وَآتُوهُنَّ وظاهر ذلك يمنع من نكاح الأمة الزانية، لكنه
روي أنّ النبيّ ﷺ سئل عن نكاح الزانية فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح»
لذلك، ولأنّ الحرام لا يحرّم الحلال حمل العلماء هذه الآية على الندب والاستحباب.
وسيأتي حكم نكاح الزانية عند قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣] .
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ، يقول الله: فإذا أحصنّ بالتزوج فإن زنين فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وظاهر هذا أنّ الأمة لا تحدّ إذا زنت ما لم تتزوّج، وحكي هذا الظاهر مذهبا لمجاهد وطاووس. قال الزهري: المزوّجة محدودة في القرآن، وغيرها بالسنة،
روى الشيخان «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال:
«إن زنت اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» .
стр. 262
فهذا الحديث الشريف دلّ على أنّ قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ لم يجر مجرى الشرط، بل جيء به لدفع فتوهم أنّ التزويج يزيد في حدّهن، فلا مفهوم له.
ومعلوم أنّ حدّ الحرائر الثيبات الرجم، وهو لا يتنصّف، فلا يكون مرادا هنا، وحدّ الحرائر الأبكار جلد مئة، ونصفه خمسون جلدة، فهو حد الأمة مطلقا كما علمت.
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ الإشارة إلى نكاح الإماء، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، ثم توسّع فيه، فاستعمل في كل جهد ومشقة، والمراد به هنا الزنا، وقد علمت أنّ خشية الزنى شرط آخر في جواز نكاح الإماء عند الشافعي ﵁، وأن أبا حنيفة ﵁ لا يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح.
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يقول الله تعالى: وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، وإن رخص لكم فيه بشروطه السابقة: ذلك لما فيه من إضرار بعد تعريض الولد للرق، فإنهنّ ممتهنات مبتذلات خرّاجات ولاجات، وذلك ذلّ ومهانة لا يكاد يتحملها غيور، ولأنّ حق الموالي فيهن أقوى من حق الزوجية، فقد يستخدمونهن أكثر الأوقات، ولا يسلمونهن لأزواجهن إلا قليلا، وقد يسافرون بهن، أو يبيعونهن لحاضر أو باد، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سيما إذا كان لهم منهنّ أولاد.
وفي مسند الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت» .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه» وعن ابن عباس أنه قال: ما تزحف ناكح الأمة عن الزنى إلا قليلا، وعن أبي هريرة وابن جبير مثله.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: والله واسع المغفرة، كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وفي ذلك تنفير عنه حتى كأنه ذنب، وهو واسع الرحمة كثيرها، فلذلك رخص لكم في نكاحهن.
قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) مثل هذا التركيب يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وقع في كلام العرب قديما، ومعلوم أنّه يمتنع أو يضعف دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي، وقد خرّجه النحاة على مذاهب، فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أن مفعول يُرِيدُ محذوف، واللام للتعليل. والتقدير: يريد الله تحليل ما أحل، وتحريم ما حرم، ليبين لكم.
стр. 263
وذهب بعض البصريين إلى أنّ الفعل مؤوّل بمصدر من غير سابك، على حد «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين.
وذهب الكوفيون إلى أنّ اللام ناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام أن في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، وعليه قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [الصف: ٨] يعني يريدون أن يطفئوا، ومثله وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام: ٧١] أي أمرنا أن نسلم.
والمعنى: يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف، ويميّز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح.
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يهديكم مناهج من تقدّمكم من الأنبياء الصالحين، لتقفوا أثرهم، وتهتدوا بهداهم، وليس المراد أنّ جميع ما شرع لنا من الحلال كان مشروعا بعينه للأمم السابقين كذلك، بل المراد أنّ الله كما قد شرع للأمم السابقين من الأحكام ما بهم حاجة إليه، وما اقتضته مصالحهم، كذلك شرع لنا ما بنا الحاجة إليه، وما تدعو إليه مصالحنا، فإنّ الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في أنفسها إلا أنها متفقة في باب المصالح.
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ التوبة ترك الذنب، مع الندم والعزم على عدم العود، وذلك مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى، فلا بد من تأويل فيه، فإما أن يراد من التوبة المغفرة مجازا لتسببها عنها، وذلك مراد من قال: معنى وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يقبل توبتكم، وإما أن يراد من التوبة الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي أو الإرشاد إلى ما يكفّرها.
واختار المحققون من العلماء أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معيّنة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات، وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت لهم هذه التوبة بالفعل.
والذي دعاهم إلى تخصيص هذا الخطاب أنه لو كان عاما لعارضه تخلف المراد عن الإرادة، وهي علّة تامة، فلا يدفع هذا التعارض إلى تخصيص الخطاب.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعني والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم من الأحكام، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم، وهو حكيم يراعي في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة، فيبيّن لمن يشاء، ويهدي من يشاء، ويتوب على من يشاء.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) الجملة الأولى مؤكّدة لقوله تعالى: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والمراد بالذين يتبعون
стр. 264
الشهوات الفسقة المنهمكون في المعاصي. وقيل: هم اليهود والنصارى، وقيل: هم المجوس كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرّمهنّ الله تعالى قالوا: إنكم تحلون بنت الخالة والعمة، مع أنّ الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فكانوا يريدون أن يضل المؤمنون فنزلت هذه الآية.
والميل العظيم هو الانحراف عن الحق إلى الباطل، ولا شكّ أنه عظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنّها خطيئة، ولم يستحلّها.
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في جميع التكاليف إحسانا منه إليكم، ونظيره قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] وقوله:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]
وقوله ﵊: «جئتكم بالحنيفية السمحة» «١»
وذلك لأنه وإن حرّم علينا ما ذكر تحريمه من النساء، فقد أباح لنا غيرهن من سائر النساء، تارة بالنكاح، وتارة بملك اليمين، وكذلك جميع المحرمات، قد أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر، فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال.
وهذه الآيات يحتجّ بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء، وسوّغوا فيه الاجتهاد، ومن شمائله ﷺ أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما «٢» .
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً يستميله هواه وشهوته، ويستشيطه خوفه وحزنه، فهو عاجز عن مخالفة الهوى، وتحمّل مشاق الطاعة، فلذلك خفّف الله عنه في التكاليف، ورخّص له في كثير من الأحكام.
وروي عن ابن عباس «٣» أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ.
стр. 265
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) ينهى الله كل أحد من المؤمنين عن أكل مال غيره بالباطل، وعن أكل مال نفسه بالباطل، لأنّ قوله تعالى: أَمْوالَكُمْ يقع على مال نفسه ومال غيره، وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في المعاصي، وأكل مال غيره بالباطل فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله السدي: وهو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم. فالباطل ما يخالف الشرع.
وثانيهما: ما قاله ابن عباس والحسن وهو أن يأكل بغير عوض، فالباطل كل ما يؤخذ بغير عوض.
وقد تضمن الأكل بالباطل أكل أبدال العقود الفاسدة، كبيع ما لا يملك، وكمن اشترى شيئا من المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به، كالجوز والبيض والبطيخ، فيكون أكل ثمنه أكل مال بالباطل. وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقردة والخنازير والذباب والزنابير والميتة والخمر، وكذلك أجرة النائحة وآلة اللهو.
هذا يدلّ على أنّ من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه، وعليه رده.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً الاستثناء فيه منقطع.
وقرأ الكوفيون بنصب تجارة، وعليها يكون اسم تَكُونَ عائدا على الأموال، أي: إلا أنّ تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم.
وقرأ الباقون برفع تجارة، وحاصل المعنى: لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل، لكن اقصدوا كون الأموال تجارة عن تراض، أو لكن اقصدوا وقوع تجارة عن تراض.
والتجارة اسم يقع على عقود المعاوضات، المقصود بها طلب الأرباح، وخصّها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعا، وأوفق لذي المروءات.
أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل: قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أطيب الكسب كسب التجار: الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» .
وقد دلّ ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ على إباحة جميع أنواع التجارات ما حصل التراضي بين المتعاقدين، إلا أنه قد خص منها أشياء بنصّ الكتاب، وأشياء بسنة الرسول ﷺ : فالخمر والميتة ولحم الخنزير
стр. 266
وسائر المحرمات في الكتاب لا يجوز الاتجار فيها، لأنّ إطلاق لفظ التحريم يقتضي أنّ سائر وجوه الانتفاع محرّمة، ولأنّ رسول الله ﷺ جعل النهي عن الشحوم نهيا عن أكل ثمنها،
ففي الحديث: «لعن الله اليهود حرّم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها» «١» .
ونهى رسول الله ﷺ عن بيع المنابذة، والملامسة «٢» ، وبيع الحصاة وبيع الغرر، «٣» وبيع العبد الآبق «٤» ، وبيع ما لم يقبض «٥» ، وبيع ما ليس عند الإنسان «٦» ، ونحوها من البيوعات المجهولة والمعقودة على غرر. كل ذلك ونحوه مخصوص من ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ.
وظاهر الآية يشهد للحنفية والمالكية ومن نفى خيار المجلس، لأنّ الآية تقتضي حلّ التصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء تفرّق المتبايعان أم لم يتفرقا، فإنّ الذي يسمى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول. وليس التفرّق والاجتماع من التجارة في شيء.
والقائلون بخيار المجلس ومنهم الشافعي والثوري والليث وغيرهم يقولون: إن الآية مخصوصة بما رواه البخاري «٧» وغيره من
قوله ﷺ : «البيّعان كلّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار»
كما خصصت بأحاديث النهي عن البيوع الباطلة، فيما تقدم.
стр. 267
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها، وبه صلاحها، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال، والتوصية بحفظ النفس.
وظاهر قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النهي عن أن يقتل المؤمن نفسه، وعلى هذا الظاهر اقتصر البلخي فقال: المراد النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر.
ونظير ذلك
قوله ﷺ : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم» «١» .
ولكن جمهور المفسرين على أن المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وإنما قال:
أَنْفُسَكُمْ مبالغة في الزجر،
وقد ورد في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحدة» «٢»
ولأنّ العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم، لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم.
وأنكر بعض الناس قول البلخي، وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه، وذلك لأنّ الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب الشديد.
وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يقتل نفسه، وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة.
وهذا غير سديد، لأنّ قتل النفس ما لم ينه عنه لا يعلم أنه يوجب العذاب الأليم في الآخرة، وربما تخيّل الإنسان أن نفسه ملكه، فإذا بخع نفسه فلا عقوبة عليه، إذ هو لم يعتد على غيره.
وكم من مؤمن بالله واليوم الآخر يلحقه من الغم والأذية ما يظنّ معه أن القتل عليه أسهل، وإذا كان كذلك كان في النهي عن قتل الإنسان نفسه فائدة أي فائدة، لا سيما في عصرنا الحاضر، حيث ضعف إيمان الناس، وغلب عليهم حبّ الدنيا، واستهوتهم الشهوات، وسرت إليهم عدوى الانتحار، فترى الواحد منهم يفضّل أن يقتل نفسه لدريهمات خسرها في تجارته، أو لخلاف بينه وبين زوجته، أو لضيق ذات
стр. 268
يده أو لأنّ فلانا رفض خطبته أو ما أشبه ذلك من توافه الأمور.
ولا مانع من أن تكون الآية نهيا عن قتل أنفسهم، وعن قتل بعضهم بعضا، وعما يؤدي إلى ذلك: كتناول المخدرات، واستعمال السموم الضارة بالجسم، والمجازفة فيما يخشى منه الهلاك.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود «١» عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: لما بعثني النبي ﷺ عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكر ذلك له، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» ؟
قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.
ففهم عمرو ﵁ أنّ الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل للنهي، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، لأنه لم يزل بكم رحيما.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) .
المشار إليه أقرب مذكور، وهو قتل النفس. روي ذلك عن عطاء، وقيل: هو وما قبله.
وقيل: مجموع ما تقدم من المحرّمات من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: ١٩] إلى هنا، وقيل: من أول السورة إلى هنا.
والعدوان: الإفراط في مجاوزة الحد، وأصل الظلم النقص والجور ومجاوزة الحد، فقيل: المراد بالظلم هنا قصد التعدي على حدود الله، وهو كفر.
وقيل المراد: بالعدوان والظلم معنى واحد، ودفع التكرار بأن المراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب.
والمعنى: أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك في الآخرة بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وإدخاله النار أمر هيّن على الله، لا يمنعه منه مانع.
стр. 269
قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) واجتناب الشيء تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته.
والتكفير الغفر والمحو.
والمراد بالسيئات: الصغائر لوقوعها في مقابلة الكبائر.
والمدخل الكريم: الجنة.
واختلف العلماء في الذنوب أهي متفاوتة، فيها كبائر وفيها صغائر، أم لا؟
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ كل شيء عصي الله به فهو كبيرة. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية قد فصلت بين الكبائر وما يكفّر باجتناب الكبائر. فلو كانت الذنوب بأسرها كبائر لم يصح هذا الفصل.
والجمهور على أن الذنوب متفاوتة منقسمة إلى كبائر وصغائر، قال العلامة ابن حجر الهيتمي: إنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق، لإجماع الكل على أنّ من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من التسمية، فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى، وشدة عقابه، وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة، لأنها إلى باهر عظمته كبيرة أيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك، لأنه معلوم، بل قسّموها إلى قسمين كما تقتضيه صرائح الآيات والأخبار، ولا سيما هذه الآية اه.
والقائلون بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فريقان:
فريق يقول: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها.
وفريق يقول: هذا الامتياز إنما يكون بحسب حال فاعليها، فربّ ذنب يكون صغيرة بالنسبة لشخص وكبيرة بالنسبة لآخر، ولذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
والذين ذهبوا إلى أنّ الكبيرة تمتاز في نفسها عن الصغيرة اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا شديدا، فمنهم من ضبطها بالعد، ومنهم من ضبطها بالحد.
فقيل في عدها عن ابن عباس في إحدى الروايات: إنّها ما ذكره الله من أول هذه السورة إلى هنا، وقيل: هي سبع كما
في «الصحيحين» «١»
«اجتنبوا السبع الموبقات» .
«الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم،
стр. 270
وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .
وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال:
إلى السبعمائة أقرب.
والذين ضبطوا الكبيرة بالحد ذكروا لها عدّة تعاريف، فمنهم من قال: هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل: هي كل ذنب قرن بالوعيد الشديد في الكتاب أو السنة.
وقيل: هي كل معصية أوجبت الحد أو قرنت بالوعيد الشديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة.
قال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكنّ الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وساعة الإجابة اه.
يريد أنّ الله تعالى لو بيّن لنا أنّ الكبائر ليست إلا كذا وكذا عدا أو حدا، وانضم إلى ذلك ما عرفناه من هذه الآية أنه متى احترزنا عن الكبائر صارت صغائرنا مكفّرة، لكانت الآية إغراء لنا بالإقدام على الصغائر، والإغراب بالقبيح لا يليق. ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة ولا يكون في ذلك إغراء إذ لم يبيّن جميع الكبائر لا عدّا ولا حدّا.
وبعد فقد استشكلت الآية مع ما رواه مسلم «١» من
قوله ﷺ : «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»
ووجه الإشكال أنّ الصلوات إذا كفّرت لم يبق ما يكفره غيرها، فلم يتحقق مضمون الآية، وأن اجتناب الكبائر إذا كفّر لم يبق ما تكفره الصلوات، فلم يتحقق مضمون الحديث.
وأجيب عنه بأجوبة أصحها أن الآية والحديث بمعنى واحد، فمضمون الحديث أنّ من اجتنب ترك الصلاة، واجتنب الكبائر كفّرت سيئاته الصغائر، وهذا هو معنى الآية، فيكون الحديث بيانا وتنبيها على أنّ ترك الصلاة من الكبائر فتدبّر.
قال الله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) التمني: طلب ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
ينهى الله المؤمنين عن فعل من أفعال القلوب، وهو الحسد، ليطهّر باطنهم. بعد
стр. 271
أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وذلك من أفعال الجوارح ليطهّر ظاهرهم.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها أشهرها ما روي عن مجاهد أنّ أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعفنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية «١» .
روي عن ابن عباس في معنى الآية: لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإنّ ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله.
وعلى هذا التأويل تكون الآية على ظاهرها، ويكون معناها، ولا تتمنوا ما ميّز الله به بعضكم من المال والجاه، وكل ما يجري فيه التنافس، فإنّ هذا التفضيل قسمة صادرة من حكيم خبير نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: ٣٢] وعلى من كان حظه من الدنيا قليلا أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأنّ الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.
وقدّر بعضهم في الكلام مضافا ينساق إليه الذهن، ويقتضيه المقام فقال: المعنى ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض، لأنّ المقام ليس مقام طلب زوال النعمة عن الغير، بل إنما هو طلب نعمة خاصّة أن تكون له، وأما أن تزول عن غيره أو لا تزول فليس من القصد في شيء.
وعلى هذا التأويل يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه، لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، ولأنّ تلك النعمة التي تمناها بخصوصها ربما كانت مفسدة له في دينه، ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرّض لمن فضل عليه.
ويؤيد تأويل ابن عباس في الآية ما
روي عنه ﷺ أنه قال: «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله» .
وقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ تعليل للنهي السابق، أي لكل من فريقي الرجال والنساء حظّ مقدّر في الأزل من نعيم الدنيا في التجارات والزراعات، وغير ذلك من المكاسب، فلا يتمنّ أحد خلاف ما قسم له.
وقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. حذف منه مفعوله لإفادة العموم، أي:
стр. 272
واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج» «١» .
وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي.
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.
قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
شرح المفردات
التنوين في كلمة كُلِّ عوض عن مضاف إليه مفرد، سيأتي بيانه.
والموالي جمع مولى، لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق: مولى، لأنه ولي النعمة في عتقه، ويسمّى مولى النعمة، ويقال للعبد المعتق: مولى، ويقال للحليف: مولى، ويقال للناصر: مولى، ويقال للعصبة، موالي، وهذا الأخير هو الأليق بهذه الآية الكريمة، ويؤيده ما
روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه» «٢» .
والأيمان جمع يمين، ومعناه هنا اليد اليمنى، وإسناد العقد إلى الأيمان مجاز، لأنه كان من عادتهم أن يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.
واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ فذكروا لذلك أوجها نجملها لك فيما يلي:
١- ولكلّ إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك، وهنا تمّ الكلام ويكون قوله تعالى: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ جوابا عن سؤال مقدّر نشأ من الجملة السابقة، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، أو قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون إما أن يكونوا الوارثين أو المورثين، وعلى كل فالكلام جملتان.
стр. 273
٢- ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين، فالجار والمجرور في قوله: مِمَّا تَرَكَ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و (ما) بمعنى من، والكلام جملة واحدة.
٣- ولكل قوم جعلناهم وارثا نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون في الكلام مبتدأ محذوف، ويكون قوله: مِمَّا تَرَكَ صفة ذلك المبتدأ، وقوله: لِكُلٍّ خبره، والكلام جملة واحدة.
٤- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يلونه ويحوزونه، وعليه يكون لِكُلٍّ متعلقا بجعلنا، مِمَّا تَرَكَ صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا.
وأما قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فالراجح فيه أنه جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلّفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على وجوه نذكرها فيما يلي:
١- أنّ المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث، ثم نسخ.
أخرج ابن جرير «١» وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسّم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٨] وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره.
٢- أن المراد بهم الأدعياء، وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب، ثم نسخ بآية الأنفال.
٣- أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبيّ ﷺ يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بما تلونا «٢» .
٤- يرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بهم الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.
٥- يرى الجبائي أنّ المراد بهم الموالي، وأنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ
стр. 274
معطوف على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ويختار الوجه الرابع في تأويل قوله تعالى:
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إلخ أي ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم موالي، أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى الوارث.
٦- أنّ المراد بهم الحلفاء، يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة.
أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي لهم، وروي عن مجاهد مثله.
٧- يرى الأصم أن المراد بهم الحلفاء، يؤتون من التركة على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أي أن يعطى شيئا.
وبعد فقد اختلف فقهاء الأمصار في توريث موالي الموالاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.
وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين.
احتج الحنفية بهذه الآية وبالحديث، أما وجه الدلالة في الآية فهو أنّ قوله تعالى:
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقتضي ظاهره نصيبا ثابتا لهم، والنصرة والنصيحة والوصية ليست بنصيب ثابت، فتأويل الآية على النصيب الثابت المسمى في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب من تأويل الآخرين، فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيبا من الميراث، وقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم، إنما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث ابن لمن له أخ، لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلا أن الابن أولى منه، وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له.
وأما
الحديث فهو ما روي عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» «١» فقوله: «هو أولى الناس بمماته»
يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.
وقال المالكية والشافعية: لا دلالة في الآية على أنّ الحليف يرث، لأن دلالتها على ذلك موقوفة على ثلاثة أمور.
стр. 275
أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء.
وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث.
وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة.
وقد علمت اختلاف المفسرين من السلف في تأويل الآية، وأن الذين أوّلوا الموصول بالحلفاء قالوا بنسخ الحكم، أو حمل النصيب على غير الميراث، على أنّ الآية في بعض وجوه التأويل تدل على عدم توريثهم، كما تقدم قريبا عن الجبائي.
وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث، فإنّه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومعونته وحفظه بعد موته يكونان بحفظ أولاده ورعاية مصالحهم ومعونتهم، ومع ذلك فهو معارض بما
رواه جبير بن مطعم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» «١»
فهذا الحديث يقتضي بطلان حلف الإسلام، ومنع التوارث به، فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة وجوه فالأشبه الرجوع بها إلى ما قاله أئمة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإنّهم أعرف منا بالناسخ والمنسوخ، وقد قالوا: إنها منسوخة بآية الأنفال، وظاهر قول ابن عباس: «وقد ذهب الميراث» أن الحليف كان له على حليفه النصرة والنصيحة، وكان له نصيب في تركته، فلما نزلت آية الأنفال نسخت نصيبه من الميراث وبقي ما كان له من النصرة والمشورة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي أنه سبحانه لم يزل عالما بجميع الأشياء، مطلعا على جليها وخفيها، فيعلم من آتى الوارثين حقهم ومن منعهم، وسيجازي كلّا من المؤتي والمانع على حسب ما عمل، فهي في هذه الحالة وعد للطائعين ووعيد للعاصين.
قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) قوّام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوّام على امرأته، كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي والحفظ والصيانة.
والقنوت: دوام الطاعة.
стр. 276
وأصل النشز بسكون الشين وفتحها المكان المرتفع، فالنشوز الترفع الحسي، ثم توسّع فيه، فاستعمل في الترفع مطلقا، والمراد بالنشوز هنا العصيان والترفع عن المطاوعة.
والعظة: النصيحة والزجر.
المضاجع: مواضع الاضطجاع.
وروى مقاتل أن سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ فقال: أفرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي ﷺ : لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي ﷺ : ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية، وتلاها النبي ﷺ .
جعل الله للرجال حقّ القيام على النساء بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة، وعلّل ذلك بسببين:
أولهما: ما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، ولذلك خصّ الرجال بالرسالة، والنبوة، والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر:
كالأذان، والإقامة، والخطبة، والجمعة، والجهاد، وجعل لهم الاستبداد بالفراق والرجعة وإليهم الانتساب، وأباح لهم تعدد الأزواج، وخصهم بالشهادة في أمهات القضايا، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب، إلى غير ذلك.
وثانيهما: ما ألزمه الله إياه من المهر والسكنى والنفقة.
وقد دلت الآية على أمور:
١- تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.
٢- أنّ للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج.
٣- أن له حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأن الله جعله قوّاما عليها بصيغة المبالغة، والقوّام الناظر على الشيء، الحافظ له، والمالكية يقولون بهذا المبدأ على تفصيل فيه، محلّه كتب الفروع.
٤- وجوب النفقة على الزوج لزوجته.
٥- أنّ على الزوجة طاعة زوجها إلا في معصية الله،
وفي الخبر: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» .
٦- أنّ لها حق المطالبة بفسخ النكاح عند إعسار الزوج بالنفقة أو الكسوة، لأنه
стр. 277
إذا خرج عن كونه قواما عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وهذا مذهب المالكية والشافعية.
أما الحنفية فيقولون: ليس لها حق الفسخ لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] .
فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ هذا شروع في تفصيل أحوال النساء، وكيفية القيام عليهن، بحسب اختلاف أحوالهن، وقد قسّمهن الله قسمين:
طائعات، وناشزات.
فالمرأة القانتة التي تطيع ربها، وتطيع زوجها، وتحفظه في نفسها وعفتها، وفي ماله وولده في حال غيبته- وهي في حضوره أحفظ- مثل هذه يقال لها امرأة صالحة وكفى.
وأما المرأة الناشز فطريق القيام عليها بالتأديب والتقويم هو ما قال الله تعالى:
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ إلخ.
وظاهر قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ إلخ أنه خبر، وبعض العلماء يقول المراد به الأمر بالطاعة، فالمعنى: لتطع المرأة زوجها، ولتحفظه في نفسها وفي ماله، حتى تكون امرأة صالحة للحياة الزوجية، تستحق جميع حقوق الزوجة الصالحة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ فإنّ معناه، أنّ عليهن أن يطعن أزواجهن، ويحفظنهم، في مقابلة ما حفظه الله لهن من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، فهو جار مجرى قولهم: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك، وعليه تكون (ما) اسم موصول.
وقيل: معنى بِما حَفِظَ اللَّهُ إن السبب في طاعتهن وحفظهن أزواجهن هو حفظ الله لهن، وعصمته إياهن، ولولا أنّ الله حفظهن وعصمهن ما حفظن أزواجهن، وعليه تكون (ما) مصدرية.
وقد أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى قوله تعالى:
حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ.
وفي «الصحيح» «١»
«نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده» .
стр. 278
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.
هذا هو القسم الثاني من قسمي النساء اللاتي جعل الله للرجال حق القيام عليهن، كما سبق، وهو خطاب للأزواج، وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن.
وأصل الخوف فزع القلب عند الشعور بحدوث أمر مكروه في المستقبل، وقد يتوسع فيه، فيستعمل بمعنى العلم، لأنّ خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه، وقد علمت أنّ النشوز هو العصيان، وظاهر الآية ترتب العقوبات المذكورة على خوف النشوز، وإن لم يقع النشوز بالفعل، وهو بعيد، لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدر مضافا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن.
ومنهم من قدر معطوفا محذوفا: تخافون نشوزهن ونشزن.
ومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتى ظهرت هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل كان ذلك نشوزا محققا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب.
والمراد بالوعظ أن يقول لها مثلا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك.
واختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبيتهن، فيكون في ذلك ترك جماعهن وترك مكالمتهن، ولا يزيد في هجر الكلام عن ثلاثة أيام.
وفسر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرح،
أخرج الجصاص «١» عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وأن لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .
وأخرج ابن جرير «٢» نحوه، وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه، ومثله عن ابن عباس، وقال سعيد عن قتادة: ضربا غير شائن «٣» .
стр. 279
وقال العلماء: ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب على أبلغ الوجوه.
ومع أنّ الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أنّ تركه أفضل.
أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق ﵁ قالت: كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهنّ إلى رسول الله ﷺ فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: «ولن يضرب خياركم» «١» .
وروي نحوه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ وفيه: «ولا تجدون أولئكم خياركم» «٢»
ومعناه أن الذين يضربون أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا، فدل الحديث على أن الأولى ترك الضرب.
واختلف العلماء في هذه العقوبات أهي مشروعة على الترتيب أم لا؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى عدم الترتيب يقول: الواو لا تقتضيه، والفاء في قوله: فَعِظُوهُنَّ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع على النشوز، فله أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع من غير ترتيب بينها.
ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ وإن دلّ على مطلق الجمع، فإنّ فحوى الآية تدل على الترتيب، إذ الواو داخلة على جزاءات مختلفة متفاوتة واردة على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي إلى الأقوى، فإنّه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بأنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد.
وروي عن علي ﵁ ما يؤيد ذلك فإنه قال: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
تبغوا: تطلبوا، أي: فإن رجعن إلى طاعتكم بعد هذا التأديب فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدّي عليهن. أو: فلا تظلموهن بطريق من طرق التعذيب والتأديب.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً قيل: المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء، والمعنى أنه تعالى قاهر كبير قادر ينتصف لهن، ويستوفي حقهن، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة.
стр. 280
وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج، وبعثهم على قبول توبة النساء، والمعنى:
أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.
قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) المراد بالخوف هنا: العلم.
والشقاق: الخلاف والعداوة، وأصله من الشق، وهو الجانب، لأنّ كلّا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر.
و (بين) من الظروف المكانية غير المتصرفة، وإضافة الشقاق إليها توسّع، والأصل شقاقا بينهما، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزّل الظرف منزلة الفاعل أو المفعول، وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، فقيل شِقاقَ بَيْنِهِما.
وقيل: الإضافة بمعنى (في) والضمير في (بينهما) للزوجين لدلالة النشوز- وهو عصيان المرأة زوجها- عليهما.
والخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأنّ للزوج أن يعظها، ويهجرها في المضجع، ويضربها، بيّن أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم منهما، ويتوجه حكمه عليهما.
وظاهر الأمر في قوله تعالى: فَابْعَثُوا أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي.
وظاهر وصف الحكمين بأن أحدهما يكون من أهله، والثاني يكون من أهلها أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، لكنّ العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا:
إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، وذلك لأنّ فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ طلبا للإصلاح، وأبعد عن الظنّة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كلّ من حب وبغض، وإرادة صحبة أو فرقة، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة.
واختلف العلماء فيما يليه الحكمان: أيليان الجمع والتفريق دون إذن الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون إذن منهما؟
стр. 281
فذهب علي وابن عباس والشعبي ومالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين دون إذنهما ما يريان فيه المصلحة، مثل أن يطلق الرجل، أو تفتدي المرأة بشيء من مالها.
فهما عندهم حاكمان موليان من قبل الإمام.
وقال الحسن وأبو حنيفة وأصحابه: ليس للحكمين أن يفرّقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين.
وللشافعي في المسألة قولان.
وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرأيين:
فالشهادة للرأي الأول أنّ الله تعالى سمّى كلا منهما حكما، والحكم هو الحاكم، وإذا جعلهما الله حاكمين فقد مكّنهما من الحكم.
والشهادة للرأي الثاني أنه تعالى لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوّض إليهما، ولما كانت الآية محتملة للرأيين، ولم يصحّ في المسألة شيء عنه ﷺ كانت المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر، فالترجيح للرأي والقياس، والذي يظهر لنا أنّ القياس يقتضي ترجيح الرأي الثاني، لأنه لا خلاف أنّ الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها لم يجبرها الحاكم على الطلاق، وأنّ الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملكها من غير رضاها.
والضمير في قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يجوز أن يكون للحكمين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله تعالى يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما والأوفق جعل الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن يقصد الحكمان إصلاح ذات البين بنية صحيحة، مع إخلاص النصيحة لوجه الله تعالى، إن يقصدا ذلك يوفق الله بين الزوجين بالألفة والمحبة، ويلقي في نفسيهما الموافقة وحسن العشرة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق، فإنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها، فيعلم ما يريده كلّ واحد منهم، وسيجازيهم على حسب ما علم.
قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) لما أرشد الله كلا من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وندب الحكّام إلى إزالة ما
стр. 282
بينهما من الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى طائفة من خلال الخير، وبيّن لهم أنواعا من الأخلاق الحسنة التي تعلمهم كيف يعامل بعضهم بعضا، وقد ذكر من ذلك في هذه الآية ثلاثة عشر نوعا ما بين مأمور به ومنهي عنه:
١- أمرنا أن نعبده، والعبادة: المبالغة في الخضوع، ويكون ذلك بفعل ما أمر الله به لمجرد أنه أمر به، وترك ما نهى عنه لمجرد أنه نهى عنه، سواء في ذلك أعمال القلوب- ومنها التوحيد- وأعمال الجوارح.
٢- ونهانا أن نشرك به شيئا: والإشراك ضد التوحيد، فيفهم من النهي عن الإشراك الأمر بالتوحيد، فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقدم في هذه التكاليف ما يتعلّق بحقه تعالى لأمرين:
الأول: أنّ هذا الذي تعلق بحقه تعالى وهو العبادة والإخلاص فيها أساس الدين، ومداره الأعظم، ومن دونه لا يقبل الله من العبد عملا ما.
والثاني: أن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن الأمور الآتية وإن كانت متعلقة بحقوق العباد، لأن قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها رفعة شأن وعظم قدر عند الله.
٣- وأمرنا بالإحسان إلى الوالدين: وقد قرن الله تعالى إلزام برّ الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع من القرآن منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: ٢٣] وقوله جلّ شأنه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: ١٤] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما، ووجوب برهما، والإحسان إليهما.
وقد ورد في وجوب بر الوالدين آيات كثيرة، وأحاديث مشهورة، وبر الوالدين طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما.
٤- وإلى ذي القربى: وهو صلة الرحم، على نحو ما ذكر في أول السورة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ والإحسان إلى الأقارب يكون بمودتهم ومواساتهم.
٥- وإلى اليتامى: كما وصّى في أول السورة وفي غيرها، قال ابن عباس:
يرفق بهم يربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.
٦- وإلى المساكين: والإحسان إلى المسكين إما بالتصدق عليه، وإما برده ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ١٠] .
٧- وإلى الجار ذي القربى: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين.
стр. 283
٨- وإلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره، أو من ليس له مع الجوار قرابة.
أخرج البخاري «١» في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» .
وأخرج الشيخان «٢» أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .
وتحديد الجوار موكول إلى العرف، والإحسان إلى الجار يكون من وجوه: منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة، وكف الأذى عنه، والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه، وقد عد بعض العلماء من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه.
٩- وإلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق في كل أمر حسن كالتعلم والسفر والصناعة، وكمن جلس بجنبك في مسجد، أو مجلس، وغير ذلك.
وعن علي كرم الله وجهه: الصاحب بالجنب المرأة.
١٠- وإلى ابن السبيل: وهو المنقطع عن ماله، أو الضعيف، ومعنى ابن السبيل صاحب الطريق، كما يقال لطير الماء ابن ماء، فالمسافر للزومه الطريق سمّي ابن السبيل، والضيف كالمجتاز غير المقيم، فسمّي ابن السبيل تشبيها بالمسافر.
١١- وإلى ما ملكت أيماننا: قال قتادة: هم العبيد والإماء، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» «٣» .
وقال بعض العلماء: كلّ حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.
١٢- ونهانا عن الاختيال: فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً معناه: أنه يكره المختال الفخور، أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره، والمختال: ذو الخيلاء والكبر، قال الزجاج: إنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال
стр. 284
أنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن عشرتهم.
١٣- ونهانا عن الفخر: والفخور هو الذي يعدّد مناقبه على الناس تطاولا وتعاظما.
أخرج الطبراني عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ إلخ، فذكر الكبر، وعظّمه، فبكى ثابت. فقال له رسول الله ﷺ : «ما يبكيك» ؟ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي.
قال: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحقّ، وغمط الناس» «١» .
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
اختلف في سبب نزول الآية، فأخرج أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وصححه، عن علي كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت «٢» .
وفي رواية ابن جرير «٣» وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن بن عوف، وكانت الصلاة صلاة المغرب، كان ذلك لما كانت الخمر مباحة.
وقد فهم الصحابة من النهي في أول الأمر أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السّكر، فكانوا لا يتناولون مسكرا حتى إذا صلّوا العشاء شربوا، فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت آية المائدة فتركوا الشراب كله.
وقيل: إنّ سبب النزول هو ما رواه ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله ﷺ جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى
стр. 285
النبي ﷺ فنزلت، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس «١» النبي ﷺ ليلة، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والمسلمين على غير ماء فنزلت «٢» .
فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر.
والسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب، بدليل ما ورد في سبب النزول، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة، وهم على هذا الحال، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون، ولقد أثّر فيهم النهي أثره، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى. ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال: إنها نسخته.
وقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي ﵁، والكلام إذا على حذف مضاف، وهو مجاز شائع، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن، كما في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود.
ويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن الله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات، فحملناه على المسجد، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء، سواء لفقده، أو عدم القدرة على استعماله كذلك، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم.
وأيضا فقد ذكر الله في الآية حكم المسافر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ