← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بين وجودها في مثل هذا التركيب وعدم وجودها، لأنّك إذا قلت مسحت يدي بالحائط كان المفهوم مسح اليد ببعض الحائط لا بجميعه، وإذا قلت مسحت الحائط بيدي كان المفهوم مسح جميع الحائط، ومتى ظهر الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها وجب أن يحمل قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ على بعض الرأس وفاء بحق الحرف. إلا أن الحنفية استندوا في تقدير البعض بثلاث أصابع على رأي، وبربع الرأس على رأي آخر إلى ما رواه المغيرة بن شعبة كما تقدم. وأما الشافعية فقالوا: إن أقل ما ينطبق عليه اسم المسح داخل بيقين، وما عداه لا يقين فيه، فلا يكون فرضا. وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب معطوف على وجوهكم، فيجب غسل الأرجل إلى الكعبين، يؤيّد ذلك عمل النبي ﷺ وعمل أصحابه في حياته وبعد مماته، فكان الحكم مجمعا عليه. وأما قراءة الجر فمحمولة على الجوار، كما في قوله في سورة هود إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦] بجر الميم لمجاورة يوم المجرور، وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك لأنها مظنة الإسراف، لما يعلق بها من الأدران. والكعبان تثنية الكعب، وهو العظم الناتئ بين الساق والقدم، ولكل رجل كعبان يجب غسلهما. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أصل الفعل تطهّروا، أدغمت التاء في الطاء فسكنت، فأتى بالهمزة، أي فاغسلوا بالماء أبدانكم جميعها، فإنّ الأمر بالتطهير لما لم يتعلق بعضو دون عضو كان أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن، يدل على ذلك أنّ الوضوء لما تعلّق بعضو دون عضو نص الله تعالى في الأمر به على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها، وإنما حملت الطهارة بالماء لأنّ الماء هو الأصل فيها، كما يشير قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: ١١] . والجنابة معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب. وقد بيّن النبي ﷺ لحصول الجنابة سببين: الأول: نزول المني، فإنه ﵊ يقول في هذا الشأن «الماء من الماء» «١» أي يجب استعمال الماء للغسل من أجل الماء، أي المني.

стр. 352

والثاني: التقاء الختانين، فإنه ﵊ يقول: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» «١» . وكما يجب الغسل للجنابة يجب عند انقطاع حيض ونفاس، لقوله تعالى في الحيض: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] ولحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﵊ قال لها: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري «٢» . وللإجماع على أن النفاس كالحيض. واختلف الفقهاء في المضمضة والاستنشاق في الغسل، فقال المالكية والشافعية: لا يجبان فيه، وقال الحنفية والحنابلة: يجبان. حجة المالكية والشافعية: ما ورد من أنّ قوما كانوا يتحدثون في مجلس رسول الله ﷺ في أمر الغسل وكلّ يبين ما يعمل، فقال ﵊: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات، فإذا أنا قد طهرت» «٣» . وحجة الحنفية والحنابلة أنّ الأمر بالتطهير يعمّ جميع أجزاء البدن الظاهرة والباطنة، ولكنّ الباطنة التي لا يمكن غسلها سقطت للحرج، فبقيت الطهارة متعلقة بالظاهرة والباطنة التي يمكن غسلها، وهي الفم والأنف، فكانت المضمضة والاستنشاق من الواجبات في الغسل، وأيضا رأينا أنه تعلقت بهما أحكام تدلّ على اعتبارهما من الأعضاء الظاهرة، وأحكام تدلّ على اعتبارهما من الأعضاء الباطنة، فمن الأول ما قالوه من أنه إذا تمضمض الصائم أو استنشق لا يفسد صومه، وهو دليل اعتبارهما من الظاهرة، ومن الثاني ما قالوه من أنّه إذا خرج القيء من الجوف إلى الفم ثم عاد، لا يفسد صومه وهو دليل اعتبارهما من الباطنة، وحيث اجتمع فيه شبه الأعضاء الظاهرة والباطنة كان الاحتياط في باب الطهارات في وجوب غسلهما. وأجيب عما تمسك به المالكية والشافعية بأن الغرض من الحديث بيان أنّه لا يجب الوضوء بعد الغسل كما فهم ذلك كثير من الصحابة فبيّن ﵊ أنّ الواجب الغسل فقط، وأنّ الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ.

стр. 353

بعد أن بيّن الله تعالى وجوب استعمال الماء في الوضوء والغسل عند إرادة الصلاة بيّن هنا أنّ وجوب استعمال الماء مقيّد بأمرين: الأول: وجود الماء. والثاني: القدرة على استعماله من غير ضرر. أما إذا انعدم الماء أو وجد ولكنّ مريد الصلاة مريض يضره الماء، فالوجوب ينتقل من استعمال الماء إلى التيمم في حالتي الحدث الأصغر والأكبر. فالتيمم رخصة مبنية على أعذار العباد، وهو حكم سقط به حكم آخر هو وجوب استعمال الماء لعذر، وهو عدم القدرة على استعمال الماء، فهو رخصة إسقاط في المحل، لاقتصاره على الوجه واليدين، وفي الآلة لقيامة مقام الماء عند عدم القدرة على استعمال الماء. وظاهر النص جواز التيمم للمريض مطلقا، ولكنّه مقيّد بمن يضره الماء، كما روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين من أنّ المراد بالمريض المجدور، ومن يضره الماء كما تقدم في سورة النساء، ولذلك رأى الفقهاء أنّ المرض أنواع: الأول: ما يؤدي استعمال الماء فيه إلى التلف في النفس أو العضو بغلبة الظن، أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، وفي هذه الحالة يجوز التيمم باتفاق. والثاني: ما يؤدي استعمال الماء معه إلى زيادة العلة، أو بطء المرض، وفي هذه الحالة يجوز التيمم عند الحنفية والمالكية، وهو أصح قولي الشافعي لما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه فشجّه، ثم احتلم، فخاف من زيادة العلة إن استعمل الماء، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على استعمال الماء. فاغتسل، ثم ازدادت علته ومات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ علم بما حصل فقال ﵊: «قتلوه، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم» «١» . الثالث: ما لا يخاف معه تلفا ولا بطأ، ولا زيادة في العلة من استعمال الماء، وفي هذه الحالة لا يجوز التيمم عند الحنفية والشافعية، لأنّه لم يخرج عن كونه قادرا على استعمال الماء، فلا يرخّص له في التيمم وعند المالكية يجوز التيمم لإطلاق النص. الرابع: أن يكون المرض حاصلا لبعض الأعضاء، فإن كان الأكثر صحيحا وجب غسل الصحيح ومسح الجريح، ولا يجوز التيمم، وإن كان الأكثر جريحا يجوز التيمم، وهذا مذهب الحنفية. وعند الشافعية: يغسل الصحيح، ثم يتيمم مطلقا. وعند المالكية: جاز له التيمم مطلقا.

стр. 354

ومن ذلك يتبيّن أن المريض يترخّص بالتيمم، ولو كان الماء موجودا، بخلاف المسافر كما سيأتي، فإنّ ترخّصه مقيّد بعدم الماء. وقوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ وإن كنتم مستقرين على سفر لا تجدون معه الماء وكنتم محدثين فَتَيَمَّمُوا أي فيلزمكم التيمم إلخ. وليس المراد سفر القصر وإنما المراد السير خارج العمران، سواء وصل إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه في قوله تعالى في سورة البقرة فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] فإنّ المراد به سفر القصر. وإنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء، لأنّ السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء، بخلاف الحضر، ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية. أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وتقدم في [النساء: ٤٣] أنّ هذه كناية في قضاء الحاجة، وكل ما يخرج من السبيلين ملحق بقضاء الحاجة بدلالة الأحاديث الواردة عليه، و (أو) هذه بمعنى الواو، فإنّ الأمر بالتيمم للوجوب، ولا يجب التيمم في المرض أو السفر إلا عند الحدث مع إرادة الصلاة أو وجوبها، ولأنها إذا لم تكن بمعنى الواو لزم أن تكون قسما ثالثا مغايرا للمريض والمسافر، فلا يكون وجوب الطهارة عليهما متعلقا بالحدث، مع أنّ الوجوب لا يتعلق بهما إلا إذا كانا محدثين، فوجب أن تكون (أو) بمعنى الواو، ولذلك نظائر كما تقدم. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ تقدم الكلام على تفسير هذه الجملة مستوفى [النساء: ٤٣] وملخّصة أنّ الملامسة هنا يحتمل أن يراد بها الجماع، كما تأولها علي وابن عباس وغيرهما من السلف، وكانوا لا يوجبون الوضوء على من مسّ امرأة باليد، ويحتمل أن يراد بها المس باليد، كما تأولها بذلك عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود من السلف، وكانا يوجبان الوضوء على من مس امرأة باليد، وقد تقدّم ترجيح القول بأن المراد بها الجماع، كما تقدم تفصيل الخلاف بين الفقهاء في ذلك أيضا. فَلَمْ تَجِدُوا ماءً المراد بعدم وجدان الماء عدم القدرة على استعماله، سواء كان لعدم وجوده، كما في السفر، أو للضرر الذي يخشى من استعماله كما في حالة المرض، أو لمانع يمنع من استعماله كما إذا وجد الماء، ولكنه يخاف عطشا أو سبعا، أو وجده بأكثر من قيمته، فمثل هذا لا يعد واجدا للماء عند الحنفية والمالكية والشافعية. وقد وقع الخلاف بين الأئمة في المراد من وجود الماء الذي يمنع من التيمم، فقال المالكية: المراد بوجود الماء الوجود الحكمي، بمعنى أن الشخص يتمكن شرعا من استعماله من غير ضرر، والحنفية يقولون بالمراد الوجود الحسي، بمعنى أنه يتمكن

стр. 355

تمكنا حسيا من استعماله من غير ضرر، وينبني على هذا الخلاف أنّ من وجد الماء وهو في الصلاة يتمادى ولا يقطع الصلاة عند المالكية، لأنه لا يتمكن شرعا من استعماله من غير إبطال الصلاة، وهو لا يجوز له أن يبطل الصلاة، وعند الحنفية يبطل تيممه، فتبطل الصلاة ويجب استعمال الماء. وإطلاق الماء يدل على عدم جواز التيمم عند وجود الماء الذي تغيّر بطول المكث، فإنه لم يخرج عن أنه ماء. والمراد لم تجدوا ماء كافيا للوضوء أو للغسل، فلو وجد ماء كافيا لبعض الوضوء أو للغسل يتيمم عند الحنفية والمالكية، ولا يستعمل الماء في شيء من أعضائه. وعند الشافعية والحنابلة: يستعمل الماء في بعض الأعضاء، ثم يتيمم، لأنه لا يعدّ فاقدا للماء مع وجود هذا القدر. فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ تقدّم أنّ الصعيد: هو التراب على القول المختار الظاهر. والتيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير، والعضوان هما: الوجه واليدان إلى المرفقين عند الحنفية، وهو أرجح القولين عند الشافعية وإلى الرسغين عند المالكية والحنابلة. وحجة الحنفية أن الأيدي في قوله: وَأَيْدِيَكُمْ تشمل العضو كله إلا أنّ التيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، وقد جعل المرفق غاية في الأصل، فليكن غاية في البدل بدلالة النص، وأنه روى جابر بن عبد الله أنّ النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للذّراعين إلى المرفقين» . وكان مقتضى التعبير بالباء في قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ جواز مسح بعض الوجه كما سبق مثله في وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إلا أن الحنفية والشافعية أوجبوا الاستيعاب لما روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله أنهما حكيا تيممه ﵊، وفيه استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين، ولأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل واجب، فيكون البدل كذلك ما لم يدل دليل على خلافه، ولم يوجد. واختلف الفقهاء في لزوم إيصال التراب إلى الوجه واليدين وعدمه، فقال الحنفية والمالكية: لا يلزم، وقال الشافعية: يلزم، وسبب اختلافهم الاشتراك الواقع في حرف (من) في قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فإنّها ترد للتبعيض، وترد للابتداء، وتمييز الجنس، فرجّح الشافعية حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء، وفي الوضوء يجب استعمال بعض الماء، فيجب في التيمم استعمال بعض التراب.

стр. 356

ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء، وتمييز الجنس، لما ورد في الأحاديث الكثيرة التي ترشد إلى آداب التيمم من أنّ المتيمم ينفض يديه، ليتناثر التراب، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث، ولما ورد من أنه ﵊ تيمم على حائط بضربتين للوجه واليدين «١» والظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب. ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ. الحرج: الضيق، ولما بيّن الله تعالى فيما سبق أنه متى لم يتمكن المتطهر من استعمال الماء جاز له أن يتيمم، وكان في هذا تيسير عظيم على المسلمين، أعقبه بهذه الآية ليدل على فضله تعالى وعظيم إحسانه بطريق الصراحة، والمعنى أنّ الله وسّع عليكم فأمركم بالطهارة بالماء عند وجوده، وبالطهارة بالتراب عند عدمه، لأنّه تعالى لم يرد أن يضيّق عليكم بالتزام حال واحدة في حال اليسر والعسر، وَلكِنْ يُرِيدُ هذه التكاليف لِيُطَهِّرَكُمْ من الأدران، وينظفكم من الضعف والكسل والفتور الذي يعتري الجسم من حين لآخر، كالذي يكون عند القيام من النوم، وعند اندفاع الخبث وسيلان الدم والقيء، وما أشبه ذلك. وينظفكم أيضا من الأدران النفسية، كالتمرد وعدم الامتثال، فإنّ المتمرد ربما يزعم أنّ أعضاء الوضوء مثلا نظيفة لم تصب بشيء من النجاسات، أو أنّ التراب لم يخلق مطهّرا، وإنما خلقه الله ملوّثا، فلا ينقاد لهذه الأوامر. أما الذي يشعر بالعبودية، ويستحضر جلال الله تعالى فلا يسعه عند عدم إدراك حكمة التشريع إلا الانقياد والامتثال لأمره تعالى. فإنّ الله يريد هذه التكاليف ليطهركم من الأدناس الحسية والمعنوية. وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ باليسر في الدين، وبإرشادكم إلى التمتع بنعمة الأعمال الدينية بعد إرشادكم إلى التمتع بنعمة الدنيا بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي كي تشكروه لإنعامه عليكم، فلعل للتعليل، أو المعنى ليتم نعمته عليكم حال كونكم متلبسين بحالة ترجون معها شكر الله تعالى، فتكون (لعل) للترجي الواقع من المخاطبين. وهاهنا أمور الأول: يؤخذ من الآية أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، لأنّه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند إرادة الصلاة، وبيّن أنه إذا انعدم الماء وجب التيمم، فدل ذلك على أن المأمور به أداء الصلاة مع الطهارة، فأداؤها دون الطهارة لا يكون أداء للمأمور به، فلا يسقط الفرض به، فتكون الطهارة شرطا لصحة الصلاة.

стр. 357

الثاني: التيمم بدل عن الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق، وأما كونه بدلا عن الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف، فالمروي عن عليّ وابن عباس والحسن وأبي موسى والشعبي، وهو قول أكثر الفقهاء أنه بدل عنه أيضا، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر. والمرويّ عن عمر وابن مسعود أنه ليس بدلا عن الغسل، فلا يجوز التيمم له لرفع الحدث الأكبر. الثالث: يؤخذ من الآية أنّ الطهارة لا تجب إلا عند الحدث، لأنها تضمنت أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وقد أوجبه الله على مريد الصلاة متى جاء من الغائط، أو لامس النساء، ولم يجد الماء، وهو يدلّ على أن الطهارة بالماء واجبة على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو لامس النساء أيضا، لأنّ البدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، ولم يوجد فلا تجب الطهارة إلا عند الحدث. ودلت الآثار الصحيحة على أنّ الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول والغائط. قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) لما ذكر الله فيما سبق التكاليف التي كلّف بها المؤمنين أردفه بما يوجب عليهم القبول والثبات، عليه، وهو منحصر بحسب ما ذكره في أمرين: الأول: نعمة الله عليهم. والثاني: الميثاق الذي أخذ عليهم بالسمع والطاعة لكل ما يلقى عليهم، والتزموا قبوله والعمل به. أما الأول: فلأنّ الإنعام يوجب على المنعم عليه تعظيم المنعم، وإجلاله، والتودد إليه بفعل ما يرضيه، واجتناب ما يغضبه، خصوصا إذا كان الإنعام وافرا، والإحسان جما. وإنما وحّد النعم ليشير إلى أنّ التأمل في جنس النعم كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات، فجنس هذه النعم لا يقدر عليه غير الله تعالى، فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل. وإنما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وهو يشعر بنسيانها، مع أن مثلها لا ينسى، خصوصا إذا لوحظ أنها متواترة في جميع الأزمان، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل المرء عنه.

стр. 358

وأما الثاني: فالظاهر أن المراد بالميثاق المواثيق التي جرت بينه ﵇ وبين المؤمنين ليكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه، مثل مبايعته الأنصار ليلة العقبة، ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، وغيرهما من المواثيق التي أعطى فيها المؤمنون العهد بالسمع والطاعة في حالتي اليسر والعسر، وإنما أضيف الميثاق إليه تعالى مع أنه كان الرسول ﷺ ، لأنّ الله تعالى هو المرجع، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] وبقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] . ثم إنّه تعالى أكد على المؤمنين وجوب العمل بهذه المواثيق، فذكّرهم بأنهم التزموها وقبلوها، وقالوا: سمعنا وأطعنا، ثم حذرهم من نقضها ونسيان النعم بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اتخذوا وقاية من عذاب الله الذي أعدّه لمن نقض العهد أو جحد النعم ولم يشكر الله عليها إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور، المستقرة فيها استقرارا يصحح إطلاق اسم الصاحب عليها، وكما يعلم الله خفيات الأمور يعلم جليات الأمور من باب أولى، وهذه الجملة تعليل لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ. الأحكام يؤخذ من الآية ما يأتي: ١- وجوب تذكّر نعم الله التي يتمتع بها المرء مع اعتقاد أنها بتيسير الله ومحض إحسانه، لينشط في واجب الشكر عليها. ٢- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يفيد تنفيذها في الصالح العام وخير المجتمع. ٣- وجوب تقوى الله فيما أمر به ونهى عنه. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) لما ذكر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بما يوجب عليهم الانقياد لأوامره ونواهيه أقبل عليهم يخاطبهم، ويطالبهم بالانقياد لتكاليفه، سواء منها ما تعلق بجانبه تعالى وما تعلق بجانب عباده فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ أي قوموا قياما كثير العد لله تعالى بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر واجتنابه. وكونوا شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أي أدوا الشهادات في حقوق الناس بالعدل كما في قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥] .

стр. 359

وقيل: المراد الشهادة على الناس بمعاصيهم يوم القيامة كما في قوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] أي كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأنهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة وقيل المراد الشهادة لأمر الله بأنّه الحق، والظاهر الأول، وإن كان الثاني أنسب بكون الآية نزلت في يهود بني النضير، ومعنى كونه يشهد لله أنه لا يحابي بشهادته أهل وده وقرابته، ولا يمنع شهادته عن أعدائه وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي لا يحملنّكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم في معاملتهم، وأن تظلموهم في محاكمتكم لهم، وأن تعتدوا عليهم في أنفسهم وأولادهم. قيل: نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول الله ﷺ ، فأوحى الله إليه بذلك، ونجّاه من كيدهم، فأرسل ﵊ إليهم يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة، فامتنعوا وتحصنوا بحصونهم، فخرج ﵊ إليهم بجمع من أصحابه، وحاصرهم ستّ ليال، اشتد الأمر فيها عليهم، فسألوا النبيّ ﷺ أن يكتفي منهم بالجلاء، وأن يكفّ عن دمائهم، وأن يكون لهم ما حملت الإبل. وكان البعض من المؤمنين يرى لو يمثل النبيّ ﷺ بهم، ويكثر من الفتك فيهم فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في المعاملة بالتمثيل والتشويه، فقبل النبي ﵊ من اليهود ما اقترحوه «١» . وقيل: نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ليخفّف من حدة المسلمين ورغبتهم في الفتك بالمشركين بأيّ نوع من أنواع الفتك. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى نهاهم أولا عن أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم صرّح لهم بالأمر بالعدل، للتأكيد، ثم ذكر علة الأمر بالعدل بقوله: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء المعاصي على الوجه العام، أو المعنى: أن العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء عذاب الله على الوجه العام أيضا، وبه يندفع ما قد يقال: إن العدل من التقوى، فكيف يقال هو أقرب للتقوى. ثم أمر بالتقوى على الوجه العام فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اتخذوا وقاية من عذابه في جميع أعمالكم، فإنّ الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. الأحكام يؤخذ من الآية ما يأتي: ١- وجوب القيام لله تعالى بكل التكاليف التي وجهها إلينا.

стр. 360

٢- وجوب أداء الشهادات على وجهها من غير محاباة ولا ظلم. ٣- وجوب العدل في معاملة الأعداء والأحباب. ٤- وجوب تقوى الله على الوجه العام. قال الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) نص الله تعالى في الآية السابقة على تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض حيث قال: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وبيّن في هذه الآية أنّ الفساد الذي يوجب القتل ما هو؟ فإن بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب القتل كشهادة الزور والسرقات وهتك الأعراض من غير المحصن، فقال: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ إلخ. نزلت هذه الآية في قطّاع الطريق لا في المشركين ولا في المرتدين، فإنّ كلّا منهما إذا تاب قبلت توبته، سواء أكانت التوبة قبل القدرة عليهم أم بعدها، أمّا قطّاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم. قيل: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه، وأنه إن أتاه أحد من المسلمين أو مرّ عليه من يقصد النبيّ ﷺ لا يتعرض له بسوء، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم من بني هلال، وكان هلال غائبا، فقطعوا عليهم الطريق، وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم. وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا الطريق على المسلمين. وعلى كلّ فقوله: يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يتناول كلّ من اتصف بهذه الصفة سواء أكان كافرا أم مسلما، غاية الأمر أن يقال: إنّ الآية نزلت في الكفار، ولكنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومحاربة الناس لله على وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل أو تقاتل، ولأنّ المحاربة تستلزم أن يكون كلّ من المتحاربين في جهة ومكان، والله منزّه عن ذلك، فيكون مجازا، إما من المخالفة والإغضاب مع التلبس بحالة تشبه حالة المحاربين، فإنّ قطّاع الطريق يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق، أو المعنى يحاربون أولياء الله

стр. 361

ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧] . والمحاربون هم الذين يجتمعون بقوة وشوكة يحمي بعضهم بعضا، ويقصدون المسلمين، أو أهل الذمة في أرواحهم وأموالهم. والسعي في الأرض بالفساد عبارة عن إخافة الطرق بحمل السلاح، وإزعاج الناس، سواء أصحبه قتل النفوس وأخذ الأموال أم لا. واتفق العلماء على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطّاع الطريق، وأما إذا حصلت في المصر ففيها الخلاف، فقال أبو حنيفة: لا يكون قاطعا للطريق، لأنّ المجني عليه يلحقه الغوث في الغالب، فلا يتمكن المجتمعون من المقاتلة، وروي عن مالك أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية، وروي عنه أيضا إذا كابر في المصر باللصوصية كان محاربا، تجري عليه أحكام قطاع الطريق، وهو مذهب الإمام الشافعي، لإطلاق قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلخ. واختلفوا في الحكم المستفاد من هذه الآية، فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية، فمتى خرجوا لقطع الطريق وقدر عليهم الإمام خيّر بين أن يجري عليهم أيّ نوع من هذه الأحكام، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح وهو مذهب المالكية. وقال قوم آخرون من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطّعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السّبل ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفي من الأرض، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس، وذهب إليه قتادة والأوزاعي، وهو مذهب الشافعية والصاحبين من الحنفية وأكثر العلماء. وأبو حنيفة يحمل الآية على التخيير، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص، وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فالإمام مخيّر في أمور أربعة: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم. وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم. وإن شاء صلبهم فقط. وإن شاء قتلهم فقط. ولا يجوز إفراد القطع في هذه الحالة، بل لا بدّ من انضمام القتل أو الصلب إليه، لأنّ الجناية قتل وأخذ مال، والقتل وحده فيه القتل، وأخذ المال وحده فيه القطع، ففيهما مع الإخافة والإزعاج لا يعقل القطع وحده، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة. وقال صاحباه: في هذه الصورة يصلّبون ويقتلون ولا يقطعون، واتفق أبو حنيفة

стр. 362

مع أصحابه على أنهم إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف لا غير، وإن أخافوا الطريق ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا نفسا ينفون من الأرض. حجة المالكية ظاهر الآية، فإنّ الله تعالى ذكر هذه الأجزية بكلمة (أو) وهي موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف ما لم يدل الدليل على خلافه، ولم يوجد، فيثبت التخيير. حجة الشافعية والصاحبين وأكثر العلماء: أنّ الآية لا يمكن إجراؤهما على ظاهر التخيير في مطلق المحارب لأمرين: الأول: أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية، يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وقد وردت الشريعة بهذا الذي يراه العقل حيث قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] فالتخيير في جزاء الجناية القاصرة بما يشمل جزاء الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بما يشمل جزاء القاصرة خلاف المشروع، يؤيّد هذا إجماع الأمة على أنّ قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال لا يكون جزاؤهم المعقول النفي وحده، وهو يدل على أنّه لا يمكن العمل بظاهر التخيير. والثاني: أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، أما إذا كان السبب مختلفا، فإنّه يخرج التخيير عن ظاهره، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وقطع الطريق متنوع، وبين أنواعه تفاوت في الجريمة، فقد يكون بأخذ المال فقط، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الأمرين، وقد يكون بالتخويف لا غير، فكان سبب العقاب مختلفا، فلا يحمل ظاهر النص على التخيير، بل يحمل على بيان الحكم لكل نوع، فيقتلون ويصلبون إن قتلوا وأخذوا، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير، وينفون من الأرض إن أخافوا الطريق ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا. ونظير ذلك قوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف: ٨٦] فإنّه ليس الغرض التخيير، وإنما المعنى ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا، فلما اختلف السبب لم تحمل الآية على التخيير، بل على بيان الحكم لكل نوع. ويؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة أنّ الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير بالمرة، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين

стр. 363

الأجزية الثلاثة، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص، وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى، لأن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير، وبما هو المعقول المؤيد بما وردت به الشريعة. وقوله: وَيَسْعَوْنَ معطوف على يُحارِبُونَ وقوله: فَساداً حال من فاعل يَسْعَوْنَ بتأويله باسم الفاعل، أو هو مصدر مؤكّد ل يَسْعَوْنَ فإنّه بمعنى يفسدون إفسادا، فهو مصدر حذفت زوائده، أو هو اسم مصدر مؤكد. وقوله: أَنْ يُقَتَّلُوا خبر عن المبتدأ الذي هو (جزاء) والمراد يقتلون حدا، أي من غير صلب إن أفردوا القتل، ولا يسقط القتل حينئذ بعفو الأولياء، ولا فرق بين أن يكون القتل بآلة جارحة أو بغيرها، والإتيان بصيغة التفعيل لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم لا يسقط، ولو عفا الأولياء. وقوله: أَوْ يُصَلَّبُوا أي مع القتل إن قتلوا النفس وأخذوا المال. وقوله: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي إن أخذوا المال لا غير، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ إن أخافوا الطريق، ولم يقتلوا نفسا، ولم يأخذوا مالا. وكيفية الصلب أن يصلب حيا على الطريق العام يوما واحدا، أو ثلاثة أيام لينزجر الأشقياء، ثم يطعن برمح حتى يموت، وهو مرويّ عن أبي يوسف، وذكره الكرخي أيضا. وقيل: يقتل ويصلّى عليه، ثم يصلب، وهو مذهب الشافعية، والنفي من الأرض هو الحبس عند الحنفية، والعرب تستعمل النفي بهذا المعنى كثيرا، لأنّ الشخص إذا نفي فارق بيته وأهله، فكأنّه نفي من الأرض، وقيل: النفي هو طلبهم عند الفرار، وعدم تمكينهم من الإقامة في مكان خاص، بمعنى أنه إذا طلبهم الإمام، فإن قدر عليهم أقام عليهم الحد، وإن هربوا طلبهم في البلدة التي ينزلون بها، فإن هربوا إلى بلدة أخرى طلبهم أيضا، وهكذا. وكيفية القطع أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، سواء أكانوا أخذوا المال من مسلم أم من ذمي، بشرط أن يكون المال بحيث لو قسم يخص كل واحد: قدر عشرة دراهم عند الحنفية، أو ربع دينار عند الشافعية كما في السرقة، ولم يعتبر الإمام مالك هذا الشرط، لأنّه يرى إجراء الحكم عليهم بأي نوع من أنواعه بمجرد الخروج، ولو لم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا. ذلِكَ الذي فصل من الأحكام لَهُمْ خِزْيٌ كائن فِي الدُّنْيا أي ذل وفضيحة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم جناياتهم، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أنّ لهم فيها عذابا أيضا، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزيا أيضا، لأن

стр. 364

الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها. ويؤخذ من الآية أن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة حيث قال: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ فالحدود من الزواجر لا من الجوابر، كما هو صريح الآية، وقيل: إن الحدود تجبر الذنوب وتكفرها، بدليل قوله ﵊ في الحديث الصحيح «من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» «١» . وأجيب عن الحديث بأن الآية قطعية فيجب أن يقيّد الحديث الذي هو ظني بما لا يتنافى مع الآية، وقد قالوا: يجب حمل الحديث على ما إذا تاب عن الذنب، فتوبته تكفّر إثم الجريمة، وإنما أضاف الكفارة إلى العقاب في الحديث باعتبار أنّ الظاهر أن من يقع في يد الحاكم، ويرى أنّ الحد واقع عليه لا محالة يندم على ما فعل، ويتوب منه، فيكفّر الله عنه إثم الجريمة، فيكون العقاب سببا في الكفارة بواسطة. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء لإخراج بعض ما تناول اللفظ، ولكنّه مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما يدل عليه قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أما ما هو من حقوق الأولياء من قصاص أو مظلمة في مال أو غيره فهو ثابت لهم، إن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استوفوا. والمراد أنّ التوبة قبل القدرة عليهم لا تسقط عنهم القتل حدا، الذي من آثاره أنه ينفّذ عليهم ولو عفا الأولياء، ولا تسقط عنهم القتل قصاصا، الذي أمره مفوّض إلى رأي الأولياء، إن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استوفوا. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) سبق هذه الآية بيان خطر القتل والفساد وحكمهما، والإشارة إلى الغفران للتائبين، فكان من المناسب أن يأمر الله المؤمنين أن يتقوه في كل ما يأتون وما يذرون، فيتركوا المعاصي ومن جملتها القتل والفساد، ويفعلوا الطاعات ومنها السعي في إحياء النفوس، ودفع الفساد، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار. فقال جلّ شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ. ثم قال: وَابْتَغُوا أي اطلبوا لأنفسكم إِلَيْهِ أي إلى ثوابه ورضاه الْوَسِيلَةَ أي افعلوا الطاعات، واتركوا ما نهاكم عنه، فذلكم وحده هو الطريق

стр. 365

المقرّبة من رضاه، الموصلة إلى ثوابه. والوسيلة فعلية بمعنى ما يتوسل به، أي يتقرب، وليست مصدرا، ولذا تعلّق بها ما قبلها، وهو (إليه) . قال العلامة أبو السعود «١» : ولعلّ المراد بها الاتقاء المأمور به، فإنّه ملاك الأمر كله، كما أشير إليه، وذريعة لنيل كل خير، ومنجاة من كل ضير. فالجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد، أو مطلق الوسيلة وهو داخل فيها دخولا أولياء. وقيل: الجملة الأولى أمر بترك المعاصي، والثانية أمر بفعل الطاعات. ولما كان فعل الحسنات وترك السيئات شاقا على النفس الداعية إلى اللذات الحسية، المخالفة للعقل الداعي إلى الفضائل أردف الله تعالى هذا التكليف بقوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قال الإمام فخر الدين «٢» : وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو: أن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر، والمقام الأول هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته، والمقام الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه، والفوز بالمحبوب. قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أوجب الله تعالى في الآية السابقة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، وبيّن في هذه الآية أنّ أخذ المال على سبيل السرقة يوجب القطع أيضا، وإن كان بينهما اختلاف ما. قيل: نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له، يدعى قتادة بن النعمان في جراب دقيق، به خرق، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد، فلما تنبه قتادة للسرقة التمسها عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر، فتتبعوه حتى وصل إلى بيت زيد، فأخذوها منه، فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهمّ رسول الله ﷺ أن يجادل عن طعمة، لأنّ الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى، وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ١٠٧] ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة، وفرّ طعمة، ومات أثناء فراره.

стр. 366

وَالسَّارِقُ مبتدأ خبره محذوف، والمعنى حكم السارق والسارقة مما يتلى عليكم، وقوله: فَاقْطَعُوا جملة مبينة لحكمهما، فهما جملتان، ويحتمل أن تكون جملة فَاقْطَعُوا خبرا عن المبتدأ، وحسّن اقترانها بالفاء أنّ الألف واللام في المبتدأ قائمة مقام الاسم الموصول، وخبره يقترن بالفاء كثيرا، خصوصا إذا روعي أنه جزاء، والجزاء يقترن بالفاء. ولما كانت السرقة معهودة كثيرا من النساء كالرجال صرّح بالسارقة للزجر، ومزيد العناية بالبيان، وإن كان المعهود إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال. والسرقة في اللغة: أخذ المال مطلقا في خفاء وحيلة، ولكنه ورد عن النبي ﷺ ما يبيّن أنّ قطع الأيدي لا يكون في مطلق السرقة، بل في سرقة شخص معيّن مقدارا معينا من حرز المثل، ولذلك عرف الفقهاء السرقة بأنها: أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصا خفية من حرز بمكان، أو حافظ، ودون شبهة. أما العقل والبلوغ فلأنّ السرقة جناية، وهي لا تتحقق دونهما. وأما المقدار فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا، أو قيمتها من غيرها، وروي عن الصاحبين أنه لا قطع إلا فيما يساوي عشرة دراهم مضروبة. وقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا قطع إلا في ربع دينار. حجة الحنفية ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» «١» . وما روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم من أنهم كانوا يقولون: لا قطع إلا في عشرة دراهم. وحجة المالكية والشافعية: ما روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» وما روي عن عائشة أيضا من أنه ﵊ قال: «لا تقطع يد السّارق إلا في ربع دينار فصاعدا» «٢» وهذا القول منقول عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وإذا لوحظ أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأنّ الاحتياط أمر لا يجوز الإغضاء عنه، وأنّ الحظر مقدّم على الإباحة أمكن ترجيح مذهب الحنفية، لأنّ المجنّ المسروق في عهده

стр. 367

عليه الصلاة والسلام الذي قطعت فيه يد السارق، وهو الأصل الذي تقطع في مثله يد السارق قدّره بعضهم بثلاثة دراهم، وبعضهم بأربعة، وبعضهم بخمسة، وبعضهم بربع دينار، وبعضهم بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح، لأنّ الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والشبهة تدرأ الحدود، ولأنّ التقدير بالأقل يبيح الحد في أقل من العشرة، والتقدير بالعشرة يحظر الحد فيما هو أقل منها، والحاظر مقدّم على المبيح. فالاحتياط في عقوبة القطع يقضي بأنّ اليد لا تقطع إلا في سرقة عشرة دراهم فما فوقها. وأما اعتبار الحرز، فلما ورد من أنه ﵊ سئل عن حريسة الجبل فقال: «فيها غرامة مثلها، وجلدات نكالا، فإذا آواها المراح، وبلغ ثمن المجن، ففيها القطع» «١» . ولما ورد من أنه ﵇ قال: «ليس في الثمر المعلّق قطع حتى يؤويه الجرين، فإذا آواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن» «٢» ومنه يعلم أنّ الإحراز شرط في القطع. والحرز قد يكون بما بني للسكنى وحفظ الأموال، ومثله المضارب والخيم والفسطاط مما يسكن الناس فيه، ويحفظون به أمتعتهم. وقد يكون الحرز بالحافظ في الصحراء والمساجد والرحاب والطرقات أما النوع الأول من الحرز فهو ظاهر، وأما الثاني فالأصل في كون الحافظ حرزا حديث صفوان بن أمية حين دخل المسجد ونام فيه، وتوسّد رداءه، فاستل اللص الرداء من تحت رأسه، واستيقظ صفوان، فأدرك اللص وساقه إلى رسول الله ﷺ ، فأمر ﵊ بقطعه، فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة. فقال ﵊: «فهلا قبل أن تأتيني به» «٣» . وأما اعتبار عدم الشبهة، فلما روي واشتهر من قوله ﵊: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» «٤» . فلا يقطع من سرق من مال له فيه شركة أو سرق من مدينة مثل دينه، ولا يقطع

стр. 368

العبد إذا سرق من مال سيده، ولا الأب من مال ابنه، وما أشبه ذلك لوجود الشبهة، ولا قطع معها. وتثبت السرقة بالإقرار مرّة، وبشهادة رجلين على السرقة للقطع، فإن شهد رجل وامرأتان على السرقة لا تقبل للقطع، ولكنّها تقبل لضمان المسروق، وهذا مذهب الحنفية والمالكية الشافعية. وإطلاق السارق يشمل الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، والمسلمين والذميين. وفي قوله: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما مقابلة الجمع بالجمع، وهي تقتضي القسمة آحادا، فيدلّ التركيب على أنّ كل سارق تقطع منه يد واحدة، واليد التي تقطع هي اليمنى للإجماع على ذلك، ولقراءة عبد الله بن مسعود ﵁ (فاقطعوا أيمانهما) . واليد تطلق على العضو المخصوص إلى المنكب، وعلى هذا العضو إلى مفصل الكف، كما في قوله تعالى لموسى ﵊: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: ١٢] والمراد ما كان إلى مفصل الكفّ، ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول، ولا بين فقهاء الأمصار في أنّ قطع يد السارق يكون إلى مفصل الكفّ لا إلى المرفق ولا إلى المنكب، وقال الخوارج، تقطع إلى المنكب، وقال قوم: تقطع الأصابع فقط. حجة الجمهور ما رواه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قطع يد السارق من الرسغ ، وما روي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرّسغ ، فكان هو المعوّل عليه. وإذا عاد السارق إلى السرقة ثانيا قطعت رجله اليسرى باتفاق الحنفية والمالكية والشافعية لما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قطع الرجل بعد اليد. ولما روي عن علي وعمر أن كلا منهما كان يقطع يد السارق اليمنى، ولما عاد السارق إلى السرقة قطع كل منهما رجله اليسرى ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر على كل منهما أحد، فكان إجماعا. ولما رواه الدارقطني من أنه ﵊ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله» «١» .

стр. 369

وإذا عاد إلى السرقة ثالثا وقف القطع عند الحنفية، فلا يقطع منه عضو بعد ذلك، ولكنّه يضمّن المسروق، ويعزّر بالحبس حتى تظهر توبته، لما روي عن علي بن أبي طالب أنه أتي بسارق للمرة الثالثة فقال: لا أقطع، إن قطعت يده فبأيّ شيء يأكل، وبأي شيء يستنجي، وإن قطعت رجله فبأيّ شيء يمشي، إني لأستحيي من الله، ثم ضربه بخشبة وحبسه «١» . وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وعند المالكية والشافعية: تقطع يده اليسرى، وإن عاد إلى السرقة رابعا تقطع رجله اليمنى. وإذا كانت العين المسروقة قائمة، وردّت إلى مالكها، وقطعت يد السارق ثم عاد إلى سرقتها مرّة ثانية فلا يقطع فيها عند الحنفية، وأما المالكية والشافعية فيقولون بالقطع، وهو رواية عن أبي يوسف لإطلاق قوله ﵊: «فإن عاد فاقطعوه» . تمسّك الحنفية بما يؤخذ من قوله ﵊: «لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه» «٢» فإنّ عدم ضمان المال يدلّ على أنّ المال أصبح غير معصوم في حق السارق بعد قطع يده، لأنّه لو كان معصوما مع قطع يده لوجب ضمانه، وحيث لم يجب الضمان تبيّن أن المال غير معصوم في حقه، فإذا كانت العين المسروقة قائمة، وردت إلى المالك، فلا نزاع في أنّ العصمة عادت إليها، ولكن مع هذا لا زالت شبهة سقوط العصمة قائمة، فأشبهت المباح في حقه، فلا تقطع يده في سرقتها ثانية فإنّ الحدود تدرأ بالشبهات. وإذا قطعت يد السارق، وكانت العين المسروقة قائمة وجب ردها إلى صاحبها، وإذا كانت هالكة أو مستهلكة فلا ضمان عليه عند الحنفية، وقال المالكية: يضمّنها إن كان موسرا، ولا شيء عليه إن كان معسرا. وقال الشافعية: يضمنها مطلقا، أما ردها وهي قائمة فلما ورد من أنه عليه الصلاة السلام ردّ رداء صفوان إليه حين قطع يد السارق، وأما عدم الضمان عند عدمها فلقوله ﵊: «لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه» . وحجة القائلين بالضمان قياسه على سائر الأموال الواجبة، فإنّهم أجمعوا على رد العين المسروقة إذا كانت موجودة، وهو يستلزم أنها إذا لم تكن موجودة تكون في ضمانه، كما في سائر الأموال الواجبة، ترد بنفسها إن كانت قائمة، ويرد مثلها إن

стр. 370

كانت هالكة، ويدلّ على ذلك أيضا ما ورد من قوله ﵊: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» «١» . وقوله: جَزاءً مفعول له، أو مصدر مؤكد لفعله الدال عليه قوله: فَاقْطَعُوا أي فجازوهما جزاء وقوله: بِما كَسَبا متعلق (بجزاء) على الإعراب الأول، وبقوله: فَاقْطَعُوا على الإعراب الثاني، و (ما) مصدرية، أي بسبب كسبهما، أو موصولة، أي بسبب الذي كسباه. وقوله: نَكالًا مفعول له للإشعار بأنّ القطع للجزاء. والجزاء للنكال فيكون مفعولا له متداخلا كالحال المتداخلة. والنكال: الإهانة والتحقير للمنع من العودة. وقوله: مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة لنكالا. وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب في تنفيذ أوامره، يمضيها كيف يشاء من غير منازع ولا ممانع، وهو حَكِيمٌ في تشريعه، لم يشرع إلا ما فيه المصلحة، فمن تاب من السرّاق من بعد ظلمه بما وقع منه من السرقة، وأصلح في توبته بأن تكون التوبة عند الجمهور، وقيل: تسقطه، لأن ذكر الغفور الرحيم يدل على سقوط العقوبة، والعقوبة المذكورة هي القطع. قال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) السحت: الاستئصال من سحته إذا استأصله، ومنه قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: ٦١] أي يستأصلكم، ويطلق السّحت على الحرام الخسيس الذي يعيّر به الإنسان، لأنّه يستأصل فضيلة الإنسان وشرفه، ويستأصل جسده في النار في الآخرة، ويطلق أيضا على شدة الجوع، لأنّ من كان شديد الجوع يستأصل ما يصل إليه من الطّعام. وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد أنّ السحت الرشوة ، وأجر البغي وعسب الفحل، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، والاستئجار في المعصية، ويرجع أصل ذلك كله إلى الحرام الخسيس الذي يعيّر به الإنسان ويخفيه.

стр. 371

ونزلت «١» هذه الآية في اليهود، كان الحاكم منهم إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه، وعوّل عليه، ولا يلتفت لخصمه، فكان يأكل السّحت، ويسمع الكذب، وكان الفقراء منهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، ويسمعوا منهم الأكاذيب لترويج اليهودية والطعن على الإسلام، فالفقراء كانوا يأكلون السحت الذي يأخذونه منهم، ويسمعون الكذب، فهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وقيل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ للربا، كما قال تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء: ١٦١] . والرشوة قد تكون في الحكم، وهي محرمة على الراشي والمرتشي، وقد روي أنه ﵊ لعن الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما «٢» ، لأنّ الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقا من جهة أنّه قبل الرشوة على أن يحكم بما يفترض عليه الحكم به، وإن حكم بالباطل كان فاسقا من جهة أنه أخذ الرشوة، ومن جهة أنه حكم بالباطل. وقد تكون الرشوة في غير الحكم، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرّمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما روي عن الحسن قال: لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه، وكما روي عن جابر بن زيد والشعبي: أنهما قالا: لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. وقد ورد أنه ﵊ حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك في نظره فقال شعرا يتضمن التعجب من هذا التصرف فقال ﵊: «اقطعوا لسانه» فزادوه حتى رضي ، فهذا نوع من الرشوة رخّص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه، يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه. فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قيل: نزلت هذه الآية في أمر خاص هو رجم اليهوديين اللذين زنيا، وأراد اليهود الترخيص لهما، فأنكروا الرجم، وتحاكموا إلى رسول الله ﷺ ، فبحث ﵊ في كتبهم، وأطلعهم على آية الرجم، وبيّن لهم كذبهم وتحريفهم في كتاب الله، ثم رجم اليهوديين وقال: «اللهم إني أول

стр. 372

من أحيا سنة أماتوها» «١» وإنما بحث ﵊ في هذه الحادثة في كتبهم لأنّ الحدود الإسلامية لم تكن نزلت، فأقام الرجم على شريعة موسى ﵊، وأما ما نزل حكمه في الشريعة الإسلامية فلا يجوز للمسلم المحكّم أن يحكم فيه بغير حكم الإسلام. وقيل: نزلت في أمر خاص هو الدية بين بني قريظة وبني النضير، فكان بنو النضير يرون أنّ لهم شرفا يقضي بأن دية النضيري ضعف دية القرظي فغضب بنو قريظة، وتحاكموا إلى رسول الله ﷺ فحكم بينهم بالحق وجعل الدية سواء، وإذا لوحظ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أمكن القول بأنّ الآية عامة في كل من جاء إلى الرسول ﷺ يتحاكم إليه. وظاهر الآية أنّه ﵊ مخيّر بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم، ولكنّ المتقدمين اختلفوا فقال النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبو بكر الأصم وأبو مسلم أنّ حكم التخيير الذي تدل الآية عليه ثابت غير منسوخ. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة: إن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وبعضهم وفق بين المختلفين بأنّ التخيير ورد في أهل العهد الذين ليسوا من أهل الذمة كبني قريظة والنضير، فلا يجب على الحاكم المسلم أن يجري عليهم أحكام المسلمين، وإن ترافعوا إليه كان مخيّرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم، وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ورد في أهل الذمة الذين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وعلى هذا فلا نسخ في الآية، وهذا هو أساس قول الحنفية: إن أهل الذمة والمسلمين سواء في إجراء الأحكام الإسلامية عليهم، كعقود المعاملات والتجارات والمواريث والحدود، إلا أنهم لا يرجمون، لأنّهم غير محصنين، ويجوز لهم الاتجار في الخمر والخنزير دون المسلمين. وقد ورد أنه ﵊ قال في كتابه إلى أهل نجران: «إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله» فجعلهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم. وقال الشافعية: إنّ أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا وجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وأما المعاهدون فلا يجب عليه ذلك إذا تحاكموا إلينا، بل هو مخيّر بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم. وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً الغرض من هذه الجملة بيان حال الأمرين

стр. 373

اللذين خيّر فيهما ﵊، وكانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف، كالجلد بدل الرجم، فإذا أعرض عنهم شق ذلك عليهم، وتغيظوا منه، وربما يقصدونه بالأذى، فأخبره الله تعالى بأنه إن رأى الإعراض عنهم فلا بأس عليه، فإنّهم لا يضرونه بشيء أبدا، وقدم حال الإعراض للمسارعة إلى أنه لا ضرر عليه فيه، وإن كان مظنة الغيظ والحقد، ثم قال: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل الذي جاءت به الشرائع، أو جاء به الإسلام إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي العادلين الذين يحاربون المظالم. وهاهنا أمور: الأول: أنّ المحكّم ينفذ حكمه فيما حكّم فيه، فإنّ اليهود حكّموا رسول الله ﷺ ، ونفذ حكمه فيهم. الثاني: أنه ﵊ حكم بينهم بشريعة موسى ﵊، ولكن كان ذلك قبل أن تنزل عليه الحدود، أما الآن وقد أكمل الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية، لا فرق بين المسلمين وغيرهم. والثالث: قال الإمام الشافعي: التحكيم جائز، ولكن الحكم غير لازم، وإنما هو فتوى، فإن شاء المستفتي عمل بها أو تركها. قال الله تعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) قال النيسابوري: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجيب من الله لرسوله ﷺ من تحكيمهم لوجوه: منها عدولهم عن حكم كتابهم. ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلا. ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكّموه، وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد. والواو في قوله: وَعِنْدَهُمُ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب. أما قوله: فِيها حُكْمُ اللَّهِ فإما أن ينتصب حالا من التوراة على ضعف وهي مبتدأ، خبره عِنْدَهُمُ. وإما أن يرتفع خبرا عنها، والتقدير وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطقة بحكم الله، فيكون عِنْدَهُمُ متعلقا بالخبر.

стр. 374

وإما ألا يكون له محل، ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره. وأنّثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث. ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يُحَكِّمُونَكَ و (ثم) لتراخي الرتبة، أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم. وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون اه. قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) نبه الله بهذه الآية اليهود الذين أنكروا ما تضمن كتابهم من مثل وجوب رجم الزاني والاقتصاص من القاتل المعتدي، ووبخهم على مخالفة الأحبار المتقدمين، والأنبياء المبعوثين إليهم. والمراد (بالهدى) بيان الأحكام والتكاليف، والمراد (بالنور) بيان ما ينبغي أن يعتقد من توحيد الله وأمور النبوة والمعاد. والنَّبِيُّونَ من بعثهم الله في بني إسرائيل من بعد موسى لإقامة التوراة، ومعنى إسلامهم انقيادهم لحكم التوراة، وعن قتادة: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا محمدا ﵊، فقد حكم على من زنى من اليهود بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وذكر بلفظ الجمع تعظيما، ونظيره قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] . وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى، وتقرير أنّ الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية ولا بالنصرانية كما زعموا، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه. ولِلَّذِينَ هادُوا أي تابوا من الكفر متصل ب (يحكم) يعني أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا، أي لأجلهم، وفيما بينهم، أو هو مؤخّر من تقديم، فيكون التقدير: فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا. وَالرَّبَّانِيُّونَ العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم. وَالْأَحْبارُ جمع حبر، بكسر الحاء أو فتحها، والمراد العلماء المتقنون الصالحون.

стр. 375

وقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ معناه بما استودعوا من علمه، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه على وجهين: أحدهما: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم. والثاني: ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. ويتعلق قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا بالأحبار على معنى العلماء أو (يحكم) . وقوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ خطاب لليهود الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ ، وقد أقدموا على تحريف التوراة خائفين أو طامعين، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدّم الله ذكره فقال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ والمعنى: إياكم أن تحرفوا كتابي خوفا من الناس والملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم، وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم، فإنما يخشى العاقل عقاب ربّه وحده. ثم أتبع أمر الخوف بأمر الطمع والرغبة فقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي من أجل الرهبة أنهاكم عن التغيير للطمع في المال أو الجاه، فمتاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها سحت، لا بقاء لها، ولا منفعة، فلا ينبغي أن تضيّعوا بها الدّين والثواب الدائم. وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وعيد شديد، المقصود منه تهديد اليهود الذين أقدموا على تحريف حكم الله في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي، ومعناه أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة، وقالوا: إنّه غير واجب، أصبحوا كافرين، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة، ولا بمحمد والقرآن. هذا وقد احتج جماعة بهذه الآية على أنّ شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا، لأنّ الله تعالى يقول: فِيها هُدىً وَنُورٌ والمراد بيان أصول الشرع وفروعه، ولو كانت التوراة منسوخة غير معتبرة الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط للزوم التكرار، على أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلا بد أن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها، لأنا- وإن اختلفنا في أنّ غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا- غير مختلفين في أنّ سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها. وأيد الخوارج أيضا بآخر هذه الآية قولهم: كلّ من عصى الله فهو كافر، فقالوا إنها نص في أنّ كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله. ولم يوافقهم جمهور الأئمة، بل دفعوا شبهتهم بأن قوله تعالى:

стр. 376

وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا تتناوله الآية. قال الله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) لما جعل اليهود ديّة النضيري أكثر من دية القرظي، ومنعوا أن يقتل به، مخالفين في هذا ما في التوراة، وما حكم به رسول الله ﷺ حين سألوه، نزلت هذه الآية. ومعنى (كتبنا) فرضنا. وقد أخذ أبو حنيفة من الآية أن يقتل المسلم بالذمي. وقالت الشافعية: الآية خبر عن شرع من قبلنا، وشرعهم ليس شرعا لنا. وقرأ البعض (النفس) وجميع ما عطف عليه منصوبا، ونصب فريق الكلّ ما عدا الجروح فقد رفعه على القطع، ورفع آخرون ما سوى (النفس) على جعل ذلك ابتداء الكلام. وتدلّ الآية على جريان القصاص في جميع ما ذكر فيها، ويرى العلماء أنّ المراد بقوله: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ استيفاء ما يماثل فعل الجاني منه، فلا يجوز التعدي، وعليه فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى وإن رضي المقتص منه. وقالوا: إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمّدا، فإن أصابها خطأ ففيها نصف الدية، فإن أصاب العينين معا خطأ ففيهما الدية كاملة، ورأى البعض أن في عين الأعور الدية كلّها، لأنّ منفعته بها كمنفعة ذي العينين أو قريبة منها. وإذا فقأ الأعور عين الصحيح فعليه القصاص عند أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية كاملة دية عين الأعور، وقال أحمد بن حنبل: لا قود عليه، وعليه الدية كاملة. واختار ابن العربي الأول، لأنّ الله تعالى قال: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأخذ بعموم القرآن أولى، فإنّه أسلم عند الله، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس، ومتمسّك مالك أنّ الأدلة لما تعارضت خيّر المجني عليه. وحجة ابن حنبل أنّ في القصاص من الأعور أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة. والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء، وكذلك يقتص من صالم الأذن وقالع السن. وقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ معناه أنها ذات مقاصة، وهو تعميم للحكم

стр. 377

بعد ذكر بعض التفاصيل، والمراد منه: كل ما تمكن المساواة فيه من الأطراف كالقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة- مثلا- وهي التي توضح العظم، أي تكشفه. أما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم، أو كسر في عظم ففيه حكومة. وفي قوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ الضمير في (به) يعود إلى القصاص وقوله: فَهُوَ راجع إلى التصدق الدال عليه الفعل، والضمير في (له) يحتمل أن يعود إلى العافي المتصدق. روى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «من تصدق من جسده يشيء كفّر الله تعالى عنه مثل ما تصدّق» ويحتمل رجوعه إلى الجاني المعفوّ عنه، أي لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما المتصدق فأجره على الله تعالى. ثم ذيل الله تعالى هذه الأحكام بما يوجب العمل بها، وهو قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي ومن لم يحكم بما أنزل الله من الأحكام والشرائع فقد تعدّى حدود الله، ووضع الشيء في غير موضعه. قال الرازي: وفيه سؤال، وهو أنه تعالى قال أولا: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وثانيا هُمُ الظَّالِمُونَ والكفر أعظم من الظلم، فلما ذكر أعظم التهديدات أولا فأي فائدة في ذكر الأخف بعده. وجوابه: أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى، وجحود لها، فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه «١» اه. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) قد أمر الله تعالى في أول السورة بإيفاء العقود، وقد قالوا في تفسيره: إنّ ذلك شامل للوقوف عند حدود الله، والتزام ما أحله الله، واجتناب ما حرمه، وعدم تعدّي تلك الحدود، وقد نص بعد ذلك على عدم إحلال ما حرم الله في قوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ إلخ. وهو نوع من إيفاء العقود، وفي هذه الآية يقول الله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وهو بيان للنوع المقابل لما ذكر أولا. أي كما نهيتكم عن إحلال ما حرّم الله أنهاكم عن تحريم ما أحل الله.

стр. 378

والطيبات اللذائذ التي تشتهيها النفوس، ولا تعافها الطباع، لا شتمالها على ما ينفع، وتجردها عما يضر. وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن النبيّ ﷺ جلس إلى أصحابه يوما في بيت عثمان بن مظعون يعظهم، فوصف لهم يوم القيامة، وبالغ، وأشبع الكلام في الإنذار والتحذير، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا، ويحرّموا على أنفسهم المطاعم الطيبة، والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، وأن لا يناموا في فراش النساء، بل لقد عزم بعضهم على أن يجبّ مذاكيره، ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض فوصل خبرهم إلى النبي ﷺ فسألهم فقالوا: ما أردنا إلا خيرا، فقال لهم: «إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» «١» . وليس في ذلك شيء من الحض على الاستزادة من أسباب الشهوات، بل ذلك نهي عن الرهبانية الموصلة إلى هدم الأجسام، وانحلال القوى، ومتى انهدمت الأجسام، وانحلت القوى، تسرب الخراب والاضمحلال إلى الأمة، قلا تقوى على العمل. وأيضا فالناس مطالبون أن يعملوا عقولهم في مصلحة المجتمع، وأنّى لهم ذلك وقد انهدمت أجسامهم فضاعت عقولهم. والعقل السليم في الجسم السليم، ومع ذلك فالله لما نهانا عن تحريم الطيبات نهانا عن الاعتداء، وقال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فهو يأمرنا أن نكون وسطا، وأن نلتزم التوسط في الأمور. وقد ذهب المفسرون مذاهب في المراد من قوله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فمنهم من ذهب إلى أن المراد لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله. ومنهم من قال: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحل الله. ومنهم من قال: لا تجتنبوا ما أحل الله اجتنابا يشبه اجتنابكم لما حرم الله. ومنهم من قال: لا تحرّموا على غيركم بالتقوى ما أحل الله. ومنهم من قال: لا تحرّموا على أنفسكم بنذر أو يمين، وهو حينئذ في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] . ومنهم من يرى أن المراد النهي عن أن يغصب شيئا ويخلطه بماله فيحرم ماله، لعسر تمييزه عن المخلوط به. وأنت ترى أنه لا مانع من إرادة كل هذه الوجوه من الآية، فهي تحتملها جميعا، ولا داعي لتخصيصها بالبعض.

стр. 379

وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. أي: لا تعتدوا بتحريم الطيبات، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحملنكم النهي عن تحريم الطيبات إلى استعمالها على وجه الإسراف، على حد قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] ويحتمل أن يكون المراد: اقتصروا على ما أحل الله لكم من الطيبات، ولا تجاوزوها إلى ما حرّم عليكم. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) أي كلوا ما أحلّ لكم وطاب مما رزقكم الله. (فحلالا) مفعول (لكلوا) و (مما رزقكم الله) حال منه، وسوغ مجيئها من النكرة تقدّمها عليها. ويستدل بالآية على أن الرزق اسم يتناول الحلال والحرام، ولو كان خاصا بالحلال لما كان لوصفه به كبير فضل. وتذييل الآية بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ بعث على المحافظة على ما أوصاهم به، والمداومة عليه، وقد أمر الله بالتقوى عقب النهي عن تحريم الطيبات، والأمر بالأكل من الرزق الطيب الحلال، ليشعرنا أنه لا منافاة بين التلذذ بالطيبات من الرزق وبين. التقوى، غير أنّه يجب أن تكن تقوى الله رائدنا فيما نقدم عليه من عمل، فلا نسرف، ولا نقتر، ولا نضارّ أحدا. والآية بعمومها دليل على حرمة الرهبانية. وقد جاء النهي عنها صريحا في «القرآن» وفي السنة، فقد صرح «القرآن» بأن الرهبانية مبتدعة. وجاء في السنة من طرق كثيرة عن النبي ﷺ : «من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس مني» والآية على هذا في معنى قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] . قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) قيل في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ أنهم لما حرّموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس. حلفوا على ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .

стр. 380

واللغو من القول الساقط الذي لا يعتدّ به، وهو في اليمين الذي لا يتعلق به حكم. وقد اختلف السلف في تعيينه شرعا، فعن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته، لا والله، وبلى الله» «١» . وروي عنها أنّها قالت: لغو اليمين لا والله، بلى والله «٢» . روي عن ابن عباس في لغو اليمين أن يحلف على الأمر أنه كذلك. وروي عنه أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وذهب بعض العلماء إلى أن اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد بسبق اللسان. ويرى بعضهم أنّ اللغو أن تحلف على المعصية تفعلها، فينبغي ألا تفعلها، ولا كفارة فيه، واستدل له بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها. فليتركها، فإنّ تركها كفارة» «٣» . واختلف فقهاء الأمصار فيها أيضا فذهب الحنفية إلى أن اللغو هو: الحلف على شيء مضى وأغلب ظنه الصدق. وحكى الجصاص أنّ ذلك مذهب مالك والليث والأوزاعي. ونقل عن الربيع عن الشافعي أنّ من حلف على شيء أنّه وقع وهو يظنه كذلك فعليه كفارة، وكأن الشافعي ﵁ لا يرى اليمين في مثل هذا المثال لغوا، بل يراها يمينا معقودة. وقد تقدم الكلام في سورة البقرة في بيان مذاهب الفقهاء في اليمين اللغو والغموس والمنعقدة، وهي أيضا معروفة في الفقه، وكذلك أحكامها، حيث يجعل الحنفية الأقسام الثلاثة متباينة في الحكم، فاللغو لا شيء فيه، وكذلك يقول جميع الفقهاء. إنما الكلام عندهم فيما هو حكم اللغو والغموس: يرى الحنفية أن جزاء الغموس الغمس في جهنم، وأنّها لا تكفر. والشافعية يقولون: إنّ الغموس تكفّر، لأنّ الله يقول: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، ومن تعمّد الكذب في يمينه فقد كسب بقلبه إثما، وهو مؤاخذ به، لأنّه عقد قلبه على الكذب في اليمين، وقد قال الله فَكَفَّارَتُهُ إلخ. والحنفية يقولون: إنّ اليمين الغموس هي المذكورة في قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]

стр. 381

والمؤاخذة بها هو عقاب الآخرة. ويدل له قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [آل عمران: ٧٧] فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة. وقد روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين آثمة على منبري هذا فليتبوأ مقعده من النار» «١» ولم يذكر الكفارة. والمسألة مبسوطة في كتب الفروع. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي بتعقيدكم الأيمان، وتوثيقها بالقصد والنية. ويحتمل أن تكون (ما) موصولة، والعائد محذوف، أي بما عقدتم الأيمان عليه. والمعنى: لكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم الأيمان عليه، أو بنكث تعقيدكم اليمين. ويحتمل أن يكون المعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم اليمين إذ حنثتم، وحذف الشرط للعلم به، وقد عرفت أنّ الشافعية يدخلون الغموس في اليمين المعقودة، ففيها الكفارة عندهم، والحنفية يقولون: لا كفارة في الغموس. فَكَفَّارَتُهُ أي فكفارة يمينكم إذا حنثتم، أو فكفارة نكثه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالا، وأما إذا كانت صوما فلا، حتى يتحقّق السبب بالحنث، واستدلوا بظاهر هذه الآية، حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين، من غير ذكر الحنث، وقال الله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وقاسوها أيضا على إخراج الزكاة قبل الحول. وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله، ولا يتحقق العجز إلا بعد الحنث ووجوب التكفير. والحنفية يرون أنّ الآية فيها إضمار الحنث، وهو متعيّن، إذ لم يقل أحد ولا الشافعية بوجوب الكفارة قبل الحنث، فالحنث وإن لم يذكر إلا أنه معلوم، فهي على حد قوله تعالى: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٥] حيث كان وجوب العدة مرتبا على الإفطار المقدّر. ونحن نرى أنّ الآية لا تصلح شاهدا لواحد من الطرفين. مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ لا من جيده فيقع الحيف عليكم، ولا من رديئه فتبخسوا المسكين حقه، ويجوز أن يكون المراد من أوسطه في المقدار، أي: إذا كان فرد يأكل كثيرا، أو فرد يأكل قليلا فتوسطوا بين المقدارين، وأطعموا المسكين هذا

стр. 382

الوسط. وقدّره الشافعية بمدّ لكل مسكين، والحنفية قدّروه بما يجب في صدقة الفطر. والجار والمجرور مِنْ أَوْسَطِ متعلّق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي إطعاما كائنا من أوسط. أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على (إطعام) إما باعتبار أن الكسوة مصدر، أو على إضمار مصدر. أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وقد اشترط الشافعية فيها الإيمان، لأنّ النص لم يقيّد هنا، وقيّد في مواضع أخر كالقتل مثلا، فدل ذلك على أنّ القيد حيث وجد فهو مقصود. والحنفية لا يرون هذا. إلى هنا نصّت الآية الكريمة على أنّ كفارة اليمين الإطعام، أو الكسوة، أو التحرير. وقد اختلف العلماء في متعلّق خطاب التكليف، فذهب بعض المعتزلة إلى أنّ الواجب الجميع، ويسقط بالبعض. وقيل: الواجب واحد بعينه عند الله، ويتعين بفعل المكلف، فيختلف بالنسبة للمكلفين. وقيل غير هذا، والمسألة معروفة في علم الأصول، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ واشترط الحنفية فيها التتابع، وهو مذهب ابن عباس ومجاهد، وأخرج الحاكم وابن جرير وغيرهم من طريق صحيح أنّ أبي بن كعب كان يقرأ الآية هكذا (ثلاثة أيام متتابعات) «١» وروي هذا أيضا عن ابن مسعود، وقال سفيان: نظرت في مصحف الربيع فرأيت فيه: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات) . وأما الشافعي فلا يشترط التتابع، لأنه يرى أن هذه قراءات شاذّة لا يحتجّ بها، ولعلها لم تثبت عنده. ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم. وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي احفظوا أنفسكم من الحنث فيها، أو لا تبذلوها وأقلوا من الحلف، فإنّ ذلك مسقط لهيبتكم، وهو حينئذ في معنى قوله: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] ومنه قول الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الأليّة برّت وقيل: إنّ معنى ذلك راعوها حتى لا تحنثوا فيها، فتلزمكم الكفارة. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي مثل هذا البيان الشافي بيّن الله لكم أحكامه، لتشكروه على ما أنعم عليكم.

стр. 383

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) الخمر: اسم لما خامر العقل وغطّاه من الأشربة، أيا كان نوعها، أو هو خاصّ بما كان من ماء العنب النيّئ الذي غلى واشتد وقذف بالزبد. يرى الحنفية أنّ الخمر حرّمت، ولم يكن العرب يعرفون الخمر في غير المأخوذ من ماء العنب، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط، وما وجد فيه مخامرة العقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا، لأنّ اللغة لا تثبت من طريق القياس، والحرمة عندهم تتعدى إلى المسكر لأنها معلولة بالإسكار، لا لأن المسكر خمر. ويرى غيرهم أنّ الخمر اسم لكل ما خامر العقل وغلبه، فغير ماء العنب حرام بالنص إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلخ. والواقع: أنه قد وردت آثار مختلفة في معاني الخمر، فقد روي عن ابن عمر أنّه قال: «حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء..» . ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر، فدل ذلك على أن ابن عمر وهو عربي ما كان يرى أنّ اسم الخمر يتناول هذين ... وفي مقابل هذا روى عكرمة عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ نقيع البسر، وهذا يدل على أنّ ابن عباس يرى أنّ غير العنب يسمى خمرا. وروى ثابت عن أنس قال: حرمت علينا الخمر يوم حرّمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل، وعامة خمورنا البسر والتمر. وروي عنه أنّه سئل عن الأشربة، فقال: حرّمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فكان عنده أنّ ما أسكر من هذه الأشربة فهو خمر. وروي عن عمر أنه قال: إنّ الخمر حرّمت وهي من خمسة أشياء من: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من الزبيب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا» «١» . وروي عنه ﷺ أنه قال: «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب» «٢» . ولقد أطلنا بذكر هذه الآثار لمعرفة منشأ الخلاف، والحنفية يقولون فيما خالف

стр. 384

مذهبهم من هذه الأخبار: إنها لبيان الحكم الشرعي، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة، وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه الأشياء. وأنت تعلم أن النزاع لو اقتصر على هذا يكون نزاعا في التسمية، والكلام إنما هو في الحكم، والمسلمون جميعا بحمد الله متفقون في الحكم من حيث الحرمة إلا شيئا يروى عن أبي حنيفة في حل القليل من غير الأصناف الأربعة، وهو ما لم يبلغ حدّ الإسكار، وقد نص بعض المتأخرين من الحنفية على أنّ هذه الرواية لا يجوز العمل بها ولا الفتوى، حتى في خاصة النفس، وأنّ الحكم أنّ ما أسكر كثيره فقليله حرام. غير أنّه يتبع الكلام في الحرمة كلام في الأحكام الأخرى كالنجاسة والحدّ، فمن يرى أنّ هذه الأشياء خمر، وأنها يشملها اسم الخمر يقول: إنها نجسة بقوله تعالى: رِجْسٌ وأنّ فيها الحد الذي ثبت بدليله المعروف في الفقه. ومن يرى أنها حرام من طريق القياس لإسكارها. هل يرى أنّ النجاسة ووجوب الحد ثبت للخمر للإسكار ومخامرة العقل، فينقل الحكم، وهو النجاسة ووجوب الحد، كما نقل الحرمة بالقياس للإسكار، أم هو يرى أنّ الذي ثبت بعلة الإسكار إنما هو الحرمة فقط، فلا يعدي النجاسة ووجوب الحد إلى غير ماء العنب والأشربة المعدودة عنده. وهل يورث الخلاف الذي رويناه فيما تقدم شبهة تسقط الحد؟ ذلك يجب الرجوع فيه إلى الفقه وقواعده، فإنّ ذلك لا ارتباط له بالآية التي معنا. والميسر: أصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار في توزيعه. وقد بيّن ذلك عند تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩] . وقد روي عن الإمام علي أنّه الشطرنج. وعن عثمان وجماعة أنّه النرد، وقال جماعة من أهل العلم: القمار كله من الميسر. ويراد منه: تمليك المال بالمخاطرة، فكل مخاطرة بالمال قمار، وهو من الميسر، وهو حرام. رِجْسٌ أي قذر تعافه العقول. وعن الزجاج: الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح، وقد يطلق الرجس على النجس. مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ من تسويله وتزيينه. فَاجْتَنِبُوهُ أي اجتنبوا الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ راجين الفلاح بهذا الاجتناب. ولقد شدد الله في الآية الكريمة أمر الخمر والميسر تشديدا يصرف النفوس عنه إلى غير عود، فصدّرت الجملة (بإنما) وقرنا بالأصنام والأزلام وهما ما هما من الشناعة، وسميا رجسا من عمل الشيطان، وذاك غاية القبح، ثم أمر باجتنابهما، وأضاف

стр. 385

الاجتناب إلى أعيانهما، حتى كأنهم مما يفرّ منهما، ثم جعل اجتنابهما سببا للفلاح والفوز، فهل مع هذا كله يعود الناس إليهما، إن ذلك لحسرة؟! ولقد أردف الله ذلك ببيان المضار التي تنجم من جراء الخمر والميسر، عسى أن يكون في ذلك ذكرى لمن ألقى السمع فقال: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي بسبب تعاطيهما، أما الخمر فإنّها تذهب العقل، ومتى ذهب العقل جاءت العربدة وأفعال المجانين، ولو كان مجنونا لغفر الناس له ما يكون منه من أذى، فيتأذى الناس منه ويبغضونه لما يلحقهم من شره، ولا عذر له، فيغرس في قلوبهم الغل والضغينة، وما جر عليه ذلك إلا الخمر. وأما الميسر فإنه في حال انشغاله بالقمار يكون فاقد الإحساس والشعور، لا يبالي بالمال يخرج من يده إلى غير رجعة، طمعا في أن ينال أكثر منه، فإذا رجع خاسرا أكل قلبه الحسد، وامتلأت نفسه حقدا وحفيظة، وربما أداه ذلك إلى قتل من ظن أنّه سبب خسارته إن أمكنته الفرصة، وإن لم تمكنه رجع إلى نفسه بالقتل، أو بالهم والاكتئاب، وإن صادفه الحظ وكان رابحا امتلأ قلب صاحبه عليه غلا وضغينة. والحوادث منا في السمع والبصر كل يوم أصدق شاهد. دع ما يتخذه كل المتقامرين من وسائل خسيسة، وأيمان كاذبة يستعملونها في سبيل تحقيق أطماعهم، وكثيرا ما أودت تلك الوسائل بأصحابها. وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ بعد أن بيّن الأضرار التي تعود على المتقامرين والمخمورين في الدنيا بيّن أنّ ضررهما ليس قاصرا على الدنيا فقط، بل هما ضارّان بالدين أيضا، فإنّهما يمنعان من الذكر ومن الصلاة، ومتى منعا من الذكر والصلاة فقد صار الشخص فاجرا، لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، فهو مستهتر، لا يبالي ما يرتكب من الآثام، فماذا يمنعه، وقد بعد من الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ في هذه الجملة من الردع والزجر والتهديد ما بلغ الغاية، وأنّ الأمر من الشدة والهول بحيث لا يمنعه إلا انتظار الجواب (انتهينا) انظر كيف قال عمر حين سمعها، وقد كان طلب البيان الشافي بعد آية البقرة قولة الخائف الوجل: انتهينا يا رب. ولقد سبق القول في سورة البقرة أن آية الخمر [٢١٩] التي فيها، كانت أول ما نزل في الخمر، ثم نزلت آية النساء، ثم هذه. وأخرج الربيع أنه لما نزلت آية البقرة قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ثم نزلت آية النساء. فقال النبي ﷺ : «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ثم نزلت آية المائدة فحرّمت الخمر عند ذلك.

стр. 386

قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) أمر بالطاعة في كل ما جاء عن الله والرسول ﷺ ويدخل فيه ما جاء في الخمر والميسر دخولا أوليا، وتحذير عن المخالفة، فإنّها موقعة في المهالك فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم ولم تعملوا بما أمرتم به فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وقد بلّغكم فانقطعت حجتكم، وانسد أمامكم سبيل الاعتذار، ولم يعد لكم مطمع في التعلّة، وإن ذلك لتهديد شديد. قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) روي عن ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك وغيرهم في سبب نزول هذه الآية: أنه لما حرّمت الخمر قالت الصحابة: كيف بمن ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» . وقد فهم عمر بن الخطاب هذا المعنى من الآية. وقد أراد أن يقيم الحد على قدامة بن مظعون حين شهد عليه الشهود بأنه شربها. روى الزهري أن الجارود سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، وأراد عمر أن يجلده. فقال قدامة: ليس لك ذلك، لأن الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرّم الله. والطعم يطلق في اللغة على التذوق والتلذذ بما يؤكل ويشرب وهو هنا بهذا المعنى. وبحسب ما ذكرنا من سبب النزول يكون معنى الآية: ليس على من آمن بالله واتقاه وعمل صالحا جناح فيما تناوله من المحرمات قبل تحريمها إذا ما اتقى الله في محارمه، وآمن به، وعمل صالحا، ثم استمر على هذه التقوى وهذا الإيمان في المستقبل، ثم اتقى الله فيما أحل له، وأحسن في استعماله. ومن هذا الذي قلنا تعرف معنى التقوى والإيمان المكرّرين في الآية، وتعرف معنى الإحسان الذي زيد فيها، وهو وجه من وجوه كثيرة أوردها المفسّرون لبيان أنه لا تكرار في الآية، ولنذكر بعضا منها، فقد قال بعضهم: إن التقوى والإيمان الأولين يراد بهما حصول أصل التقوى، وأصل الإيمان، والثانيين يراد منهما الثبات والدوام، والتقوى الثالثة اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه. وذهب بعضهم إلى أن التقوى الأولى تقوى المحرمات قبل نزول هذه الآية،

стр. 387

والثانية: اتقاء الخمر والميسر، والثالثة اتقاء ما يحدث بعد هذه الآية. وذهب بعضهم إلى أنّ التقوى الأولى اتقاء الكفر، والثانية اتقاء الكبائر، والثالثة اتقاء الصغائر. وذهب بعضهم إلى أنّ المراد من هذا التأكيد في الحثّ على الإيمان والتقوى. يبقى أن يقال: كيف شرط الله في رفع الجناح عن المطعومات والمشروبات الإيمان والتقوى مع أنّ الجناح مرفوع عن المباح من المطعومات حتى عن الكافرين، ولكن متى عرف أن ذلك كان جوابا عن سؤال بشأن مؤمنين خيف أن ينالهم شيء من الإثم على ما تناولوا من المحرمات قبل التحريم، وأن الآية بصدد طمأنة السائل على أصحابه، وأنهم ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأنّها مثل قول الله تعالى في شأن من مات قبل الصلاة إلى الكعبة وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] متى عرف ذلك ظهرت فائدة الشرط وتذييل الآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ للإشادة بشأن الإحسان في ذاته، وشأن هؤلاء الذين نزلت الآية فيهم. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) تقدّم الكلام غير مرة في معنى الابتلاء، وأنّ المراد منه في مثل هذا المقام أن يعامل العباد معاملة المبتلي المختبر، ليتعرف حالهم وهل يثبتون على المحن والشدائد أو لا يثبتون. أخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل أنها نزلت في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم، وطعنا، برماحهم، وذلك قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ فهموا بأخذها، فنزلت هذه الآية، وخص الأيدي والرماح، لأن الصيد يكون بهما غالبا. والتنكير في قوله تعالى: بِشَيْءٍ للتحقير، وإنما امتحنوا بهذا الشيء الحقير تنبيها على أنّ من لم يثبت أمام هذه الأشياء التافهة كيف يثبت عند شدائد المحن، ويمكن أن يقال: إنّ التنوين للتعظيم، باعتبار جزاء الاعتداء عليه فإنّه عظيم، و (من) في قوله: مِنَ الصَّيْدِ للتبعيض، إما باعتبار أن المراد صيد البر لا صيد البحر، أو صيد الحرم دون صيد الحل. لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي ليظهر ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته حاصلا منهم فيما لا يزال فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي فمن تجاوز حدّ الله في الصيد بعد هذا التنبيه فله عذاب أليم، لأنّ المخالفة بعد الإنذار مكابرة وعدم مبالاة، والمراد

стр. 388

بالعذاب عذاب الآخرة، وقيل: بل وعذاب الدنيا، فقد روي عن ابن عباس. قال: هو أن يوسع ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ النهي عن القتل يدلّ على تحريم إزهاق روح الصيد مطلقا، سواء كان من طريق الفعل أو من طريق التسبب، كالإشارة والدلالة مثلا، ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسالم لبعض أصحابه: «هل أشرتم، هل دللتم» ، قالوا: لا. قال: «إذن فكلوا» «١» . فدل هذا على أنّ للإشارة والدلالة مدخلا في التحريم، وأنّهما مما يتناوله النهي في قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ فكان النهي متناولا للقتل من طريق المباشرة والتسبب. والمراد بالصيد المصيد، وقد اختلف في المراد بمدلوله، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه الحيوان المتوحش مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول، وخصّه بعضهم بالمأكول، وبالأوّل قال الحنفية، وبالثاني قال الشافعية، وانبنى على هذا الخلاف أن من قتل سبعا وهو محرم فهل يجب عليه الجزاء أو لا يجب، قال الحنفية: يجب، وقال الشافعية: لا يجب. استدل الحنفية لمذهبهم بأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول، وهو اسم عربي واضح الدلالة على معناه، وقد كانت العرب تصطاد، وتطلق اسم الصيد على كل ما تناولته أيديهم ورماحهم. ولم تنحصر فائدة حل الاصطياد في الأكل، بل قد تكون الفوائد التي هي غير الأكل أجدى من الأكل، ومغرية بالصيد أكثر منه، كصيد الفيلة للانتفاع بسنها مثلا، فيبقى اسم الصيد عاما في الحلال والحرام، لا يخرج منه شيء إلا ما أخرجه الدليل. وقد فهم الصحابة هذا فامتنعوا من فعله مطلقا، حتى أذن لهم ﷺ في الخمس الفواسق، فهي خارجة من هذا العام بهذا الإذن. وقد قال الإمام علي ﵁: صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال فسمى الثعلب، صيدا، وهو مما لا يؤكل، إذ هو من السباع ذات الناب. وذكر الفخر الرازي حجة الشافعية فقال: حجة الشافعي القرآن والخبر. أما القرآن فهو أنّ الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن. إنما قلنا: إنه ليس

стр. 389

بصيد، لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى: بعد هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الإحرام، فثبت أنّ الصيد ما يحل أكله، والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيدا، وإذا ثبت أنه ليس بصيد، وجب أن لا يكون مضمونا، لأنّ الأصل عدم الضمان. تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية. فبقي ما ليس بصيد على وفق الأصل. هذه عبارة الفخر الرازي أوردناها بنصها. ونحن لا نظن أن الإمام الشافعي وهو من هو يسلك هذا الطريق في الحجاج، فإنه يقال: ما الذي تدل عليه آية أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ إنها إن دلت على شيء فليس الذي تدل عليه أن الصيد هو المأكول. إذ هي قد أحلت شيئين صيدا وطعاما، فهما شيئان عامّ وخاصّ، فالأول الصيد مطلقا، والثاني طعامه، فهي تبيح الصيد انتفاعا وطعاما. انظر إلى مَتاعاً لَكُمْ أي نفعا، وهو أعمّ من أن يكون من طريق الأكل أو طريق الحلية مثلا، وأما قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً فهو كقوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فإن دلت هذه على حل صيد غير المأكول دلت الأخرى، فنحن نرى أنّ هذه الآية التي ساقها الفخر دليلا لا تنهض دليلا على الدعوى. قال الفخر بعد ذلك: وأما الخبر فهو الحديث المشهور، وهو قوله ﵊: «خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهنّ في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والحية، والعقرب، والكلب العقور» «١» وفي رواية أخرى: «السبع العادي» «٢» قال والاستدلال به من وجوه: أحدها: أن قوله: «والسبع العادي» نص في المسألة. ثانيها: أنه ﵊ وصفها بكونها فواسق، ثم حكم بحلّ قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلّلا بذلك الوصف. وهذا يدل على أنّ كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الإيذاء في السباع أقوى، فوجب جواز قتلها. ثم أتى بوجه ثالث لا يخرج في المعنى عن الثاني وهو أن الشارع خصها بهذا الحكم لا ختصاصها بمزيد الإيذاء، وصفة الإيذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها، وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة.

стр. 390

وما ندري إذا أراد الفخر أن يستدل للحنفية فماذا يقول: إنه لا يقول ولا يفعل أكثر من أن يقول: وحجة الحنفية، ثم يذكر هذا الدليل، فإنك قد عرفت أن الحنفية يقولون: إن الصيد اسم عام يتناول المأكول وغير المأكول لا يخرج عنه شيء إلا ما أخرج الدليل، وقد أخرج الدليل الخمس الفواسق، لأنها فواسق، لا لأنها ليست بصيد، أو لأنها غير مأكولة، فهذا دليل للحنفية لا عليهم. وأما ما ذكر من الرواية الأخرى التي صرح فيها باسم «السبع العادي» فالحنفية لهم أن يقولوا: بل هم قد قالوا فعلا: إن صح هذا الحديث فنحن نقول بموجبه، فقد جاء في الحديث وصف السبع بالعادي، والعادي معناه الضاري، وهم يقولون بقتل كل ما يكون منه عدوان دفعا لعدوانه، وإضافة هذا الوصف دليل على أنه من غير الفواسق، وفي ذلك دليل على أنه إنما يحل قتله في حال ضراوته وعدوانه. والحنفية يقولون: إن السبع لو قتل في هذه الحال لا جزاء فيه، فأنت ترى أنّ هذه الحجة التي ساقها الفخر الرازي للتدليل على مذهب الشافعية لا تصلح دليلا على الدعوى. وإنما يصلح دليلا لهم أن يقوم الدليل على أنّ الصيد خاصّ بالمأكول، فإن ثبت هذا كانت الآية حجة لهم، وإلا فهي ظاهرة في العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، وقد قال الفخر الرازي في الرد على بيت الإمام علي الذي استدل به الحنفية: إنه غير وارد، لأن الثعلب مأكول، فهو صيد، ونحن نقول به، والرد من هذه الجهة مقبول له أنه ثبت أنه إنما سماه صيدا لأنه مأكول، وهذه هي محل النزاع «١» . وعلى أي حال فالآية ظاهرها العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص. وَأَنْتُمْ حُرُمٌ حرم جمع حرام، وقد قيل: إن المراد وأنتم محرمون بالحج، وقيل: بل المراد وقد دخلتم بالحرم، وقيل: هما مرادان بالآية، وعلى هذا المعنى الأخير فهذه الآية تدلّ على أنّ المحرم ممنوع من الصيد مطلقا داخل الحرم وخارجه، وعلى أنّ الحلال ممنوع من الصيد داخل الحرم. وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ظاهر الآية ترتيب الجزاء المخصوص على القتل العمد، وقد اختلف السلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فالجمهور على أنّ الجزاء يترتب على قتل الصيد مطلقا، سواء تعمّد القاتل قتله أو أخطأ فيه، وسواء كان ذاكرا لإحرامه أو ناسيا. وإنما خصّ العمد بالذكر لأجل أن يرتّب عليه الانتقام عند العود، لأنّ العمد هو الذي يترتب عليه ذلك، دون الخطأ.
следующие страницы →