قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) أمر بالطاعة في كل ما جاء عن الله والرسول ﷺ ويدخل فيه ما جاء في الخمر والميسر دخولا أوليا، وتحذير عن المخالفة، فإنّها موقعة في المهالك فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم ولم تعملوا بما أمرتم به فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وقد بلّغكم فانقطعت حجتكم، وانسد أمامكم سبيل الاعتذار، ولم يعد لكم مطمع في التعلّة، وإن ذلك لتهديد شديد.
قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) روي عن ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك وغيرهم في سبب نزول هذه الآية: أنه لما حرّمت الخمر قالت الصحابة: كيف بمن ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .
وقد فهم عمر بن الخطاب هذا المعنى من الآية. وقد أراد أن يقيم الحد على قدامة بن مظعون حين شهد عليه الشهود بأنه شربها. روى الزهري أن الجارود سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، وأراد عمر أن يجلده.
فقال قدامة: ليس لك ذلك، لأن الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرّم الله.
والطعم يطلق في اللغة على التذوق والتلذذ بما يؤكل ويشرب وهو هنا بهذا المعنى.
وبحسب ما ذكرنا من سبب النزول يكون معنى الآية: ليس على من آمن بالله واتقاه وعمل صالحا جناح فيما تناوله من المحرمات قبل تحريمها إذا ما اتقى الله في محارمه، وآمن به، وعمل صالحا، ثم استمر على هذه التقوى وهذا الإيمان في المستقبل، ثم اتقى الله فيما أحل له، وأحسن في استعماله.
ومن هذا الذي قلنا تعرف معنى التقوى والإيمان المكرّرين في الآية، وتعرف معنى الإحسان الذي زيد فيها، وهو وجه من وجوه كثيرة أوردها المفسّرون لبيان أنه لا تكرار في الآية، ولنذكر بعضا منها، فقد قال بعضهم: إن التقوى والإيمان الأولين يراد بهما حصول أصل التقوى، وأصل الإيمان، والثانيين يراد منهما الثبات والدوام، والتقوى الثالثة اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه.
وذهب بعضهم إلى أن التقوى الأولى تقوى المحرمات قبل نزول هذه الآية،
стр. 387
والثانية: اتقاء الخمر والميسر، والثالثة اتقاء ما يحدث بعد هذه الآية.
وذهب بعضهم إلى أنّ التقوى الأولى اتقاء الكفر، والثانية اتقاء الكبائر، والثالثة اتقاء الصغائر.
وذهب بعضهم إلى أنّ المراد من هذا التأكيد في الحثّ على الإيمان والتقوى.
يبقى أن يقال: كيف شرط الله في رفع الجناح عن المطعومات والمشروبات الإيمان والتقوى مع أنّ الجناح مرفوع عن المباح من المطعومات حتى عن الكافرين، ولكن متى عرف أن ذلك كان جوابا عن سؤال بشأن مؤمنين خيف أن ينالهم شيء من الإثم على ما تناولوا من المحرمات قبل التحريم، وأن الآية بصدد طمأنة السائل على أصحابه، وأنهم ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأنّها مثل قول الله تعالى في شأن من مات قبل الصلاة إلى الكعبة وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] متى عرف ذلك ظهرت فائدة الشرط وتذييل الآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ للإشادة بشأن الإحسان في ذاته، وشأن هؤلاء الذين نزلت الآية فيهم.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) تقدّم الكلام غير مرة في معنى الابتلاء، وأنّ المراد منه في مثل هذا المقام أن يعامل العباد معاملة المبتلي المختبر، ليتعرف حالهم وهل يثبتون على المحن والشدائد أو لا يثبتون.
أخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل أنها نزلت في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم، وطعنا، برماحهم، وذلك قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ فهموا بأخذها، فنزلت هذه الآية، وخص الأيدي والرماح، لأن الصيد يكون بهما غالبا.
والتنكير في قوله تعالى: بِشَيْءٍ للتحقير، وإنما امتحنوا بهذا الشيء الحقير تنبيها على أنّ من لم يثبت أمام هذه الأشياء التافهة كيف يثبت عند شدائد المحن، ويمكن أن يقال: إنّ التنوين للتعظيم، باعتبار جزاء الاعتداء عليه فإنّه عظيم، و (من) في قوله: مِنَ الصَّيْدِ للتبعيض، إما باعتبار أن المراد صيد البر لا صيد البحر، أو صيد الحرم دون صيد الحل.
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي ليظهر ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته حاصلا منهم فيما لا يزال فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي فمن تجاوز حدّ الله في الصيد بعد هذا التنبيه فله عذاب أليم، لأنّ المخالفة بعد الإنذار مكابرة وعدم مبالاة، والمراد
стр. 388
بالعذاب عذاب الآخرة، وقيل: بل وعذاب الدنيا، فقد روي عن ابن عباس. قال: هو أن يوسع ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ النهي عن القتل يدلّ على تحريم إزهاق روح الصيد مطلقا، سواء كان من طريق الفعل أو من طريق التسبب، كالإشارة والدلالة مثلا، ويؤيد هذا المعنى
قوله عليه الصلاة والسالم لبعض أصحابه: «هل أشرتم، هل دللتم» ، قالوا: لا. قال: «إذن فكلوا» «١»
. فدل هذا على أنّ للإشارة والدلالة مدخلا في التحريم، وأنّهما مما يتناوله النهي في قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ فكان النهي متناولا للقتل من طريق المباشرة والتسبب. والمراد بالصيد المصيد، وقد اختلف في المراد بمدلوله، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه الحيوان المتوحش مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول، وخصّه بعضهم بالمأكول، وبالأوّل قال الحنفية، وبالثاني قال الشافعية، وانبنى على هذا الخلاف أن من قتل سبعا وهو محرم فهل يجب عليه الجزاء أو لا يجب، قال الحنفية: يجب، وقال الشافعية: لا يجب.
استدل الحنفية لمذهبهم بأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول، وهو اسم عربي واضح الدلالة على معناه، وقد كانت العرب تصطاد، وتطلق اسم الصيد على كل ما تناولته أيديهم ورماحهم.
ولم تنحصر فائدة حل الاصطياد في الأكل، بل قد تكون الفوائد التي هي غير الأكل أجدى من الأكل، ومغرية بالصيد أكثر منه، كصيد الفيلة للانتفاع بسنها مثلا، فيبقى اسم الصيد عاما في الحلال والحرام، لا يخرج منه شيء إلا ما أخرجه الدليل.
وقد فهم الصحابة هذا فامتنعوا من فعله مطلقا، حتى أذن لهم ﷺ في الخمس الفواسق، فهي خارجة من هذا العام بهذا الإذن.
وقد قال الإمام علي ﵁: صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال
فسمى الثعلب، صيدا، وهو مما لا يؤكل، إذ هو من السباع ذات الناب.
وذكر الفخر الرازي حجة الشافعية فقال: حجة الشافعي القرآن والخبر. أما القرآن فهو أنّ الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن. إنما قلنا: إنه ليس
стр. 389
بصيد، لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى: بعد هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الإحرام، فثبت أنّ الصيد ما يحل أكله، والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيدا، وإذا ثبت أنه ليس بصيد، وجب أن لا يكون مضمونا، لأنّ الأصل عدم الضمان. تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية.
فبقي ما ليس بصيد على وفق الأصل.
هذه عبارة الفخر الرازي أوردناها بنصها. ونحن لا نظن أن الإمام الشافعي وهو من هو يسلك هذا الطريق في الحجاج، فإنه يقال: ما الذي تدل عليه آية أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ إنها إن دلت على شيء فليس الذي تدل عليه أن الصيد هو المأكول. إذ هي قد أحلت شيئين صيدا وطعاما، فهما شيئان عامّ وخاصّ، فالأول الصيد مطلقا، والثاني طعامه، فهي تبيح الصيد انتفاعا وطعاما.
انظر إلى مَتاعاً لَكُمْ أي نفعا، وهو أعمّ من أن يكون من طريق الأكل أو طريق الحلية مثلا، وأما قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً فهو كقوله تعالى:
لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فإن دلت هذه على حل صيد غير المأكول دلت الأخرى، فنحن نرى أنّ هذه الآية التي ساقها الفخر دليلا لا تنهض دليلا على الدعوى.
قال الفخر بعد ذلك: وأما الخبر فهو الحديث المشهور، وهو
قوله ﵊: «خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهنّ في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والحية، والعقرب، والكلب العقور» «١»
وفي رواية أخرى: «السبع العادي» «٢»
قال والاستدلال به من وجوه:
أحدها: أن قوله: «والسبع العادي» نص في المسألة.
ثانيها: أنه ﵊ وصفها بكونها فواسق، ثم حكم بحلّ قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلّلا بذلك الوصف.
وهذا يدل على أنّ كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الإيذاء في السباع أقوى، فوجب جواز قتلها.
ثم أتى بوجه ثالث لا يخرج في المعنى عن الثاني وهو أن الشارع خصها بهذا الحكم لا ختصاصها بمزيد الإيذاء، وصفة الإيذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها، وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة.
стр. 390
وما ندري إذا أراد الفخر أن يستدل للحنفية فماذا يقول: إنه لا يقول ولا يفعل أكثر من أن يقول: وحجة الحنفية، ثم يذكر هذا الدليل، فإنك قد عرفت أن الحنفية يقولون: إن الصيد اسم عام يتناول المأكول وغير المأكول لا يخرج عنه شيء إلا ما أخرج الدليل، وقد أخرج الدليل الخمس الفواسق، لأنها فواسق، لا لأنها ليست بصيد، أو لأنها غير مأكولة، فهذا دليل للحنفية لا عليهم. وأما ما ذكر من الرواية الأخرى التي صرح فيها باسم «السبع العادي» فالحنفية لهم أن يقولوا: بل هم قد قالوا فعلا: إن صح هذا الحديث فنحن نقول بموجبه، فقد جاء في الحديث وصف السبع بالعادي، والعادي معناه الضاري، وهم يقولون بقتل كل ما يكون منه عدوان دفعا لعدوانه، وإضافة هذا الوصف دليل على أنه من غير الفواسق، وفي ذلك دليل على أنه إنما يحل قتله في حال ضراوته وعدوانه. والحنفية يقولون: إن السبع لو قتل في هذه الحال لا جزاء فيه، فأنت ترى أنّ هذه الحجة التي ساقها الفخر الرازي للتدليل على مذهب الشافعية لا تصلح دليلا على الدعوى.
وإنما يصلح دليلا لهم أن يقوم الدليل على أنّ الصيد خاصّ بالمأكول، فإن ثبت هذا كانت الآية حجة لهم، وإلا فهي ظاهرة في العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، وقد قال الفخر الرازي في الرد على بيت الإمام علي الذي استدل به الحنفية: إنه غير وارد، لأن الثعلب مأكول، فهو صيد، ونحن نقول به، والرد من هذه الجهة مقبول له أنه ثبت أنه إنما سماه صيدا لأنه مأكول، وهذه هي محل النزاع «١» .
وعلى أي حال فالآية ظاهرها العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص.
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ حرم جمع حرام، وقد قيل: إن المراد وأنتم محرمون بالحج، وقيل: بل المراد وقد دخلتم بالحرم، وقيل: هما مرادان بالآية، وعلى هذا المعنى الأخير فهذه الآية تدلّ على أنّ المحرم ممنوع من الصيد مطلقا داخل الحرم وخارجه، وعلى أنّ الحلال ممنوع من الصيد داخل الحرم.
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ظاهر الآية ترتيب الجزاء المخصوص على القتل العمد، وقد اختلف السلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فالجمهور على أنّ الجزاء يترتب على قتل الصيد مطلقا، سواء تعمّد القاتل قتله أو أخطأ فيه، وسواء كان ذاكرا لإحرامه أو ناسيا.
وإنما خصّ العمد بالذكر لأجل أن يرتّب عليه الانتقام عند العود، لأنّ العمد هو الذي يترتب عليه ذلك، دون الخطأ.
стр. 391
بقي أن يقال: هذا حكم العمد قد عرف من الآية وأنّ فيه الجزاء، فمن أين الجزاء في الخطأ.
قيل: إن جزاء الخطأ معروف من الدليل الذي يقرّر التسوية في ضمان المتلفات. إذ إنّ من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ في غير الحرم، أو أتلف مالا مملوكا لإنسان عمدا أو خطأ فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام في جميع المتلفات. بل قد عرف في باب جنايات الإحرام بوجه خاص أنه لا فرق بين معذور وغير معذور في وجوب الفدية، وما الخطأ إلا عذر من الأعذار، غاية ما يؤثر في العقوبة الأخروية فيسقطها.
وإذا ثبت أن جناية الإحرام يستوي فيها المعذور وغير المعذور علمنا أن القتل العمد والخطأ في وجوب الجزاء سواء، وليس ذلك إثباتا للكفّارة بالقياس، بل بما ثبت به أن ضمان المتلفات يستوي فيه العمد والخطأ.
وذهب ابن عباس فيما رواه قتادة عنه: أنه لا شيء في الخطأ، وهو قول طاوس وعطاء ومجاهد في إحدى الروايتين عنه.
والرواية الأخرى أنّه إن قتله عامدا ناسيا لإحرامه، أو قتله خطأ ذاكرا لإحرامه فهذا الذي يحكم عليه بالجزاء. أما من قتله عامدا ذاكرا لإحرامه فهذا لا ينفعه الجزاء.
فقد أخرج ابن جرير «١» عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا غير ناس لحرمه، ولا مريد غيره، فقد حل، وليس له رخصة، ومن قتله ناسيا إحرامه، أو أراد غيره، فذلك العمد المكفر.
وروى ابن أبي نجيح عنه أيضا في هذا المعنى قال: من قتله ناسيا لإحرامه متعمّدا لقتله، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكرا لإحرامه متعمّدا قتله لا يحكم عليه، ولا حجّ له.
وفي رواية: هذا لا يحكم عليه. هذا أجلّ من أن يحكم عليه. وقال ابن زيد:
أما الذي يتعمّد فيه، وهو ناس لحرمه، أو جاهل أن قتله غير محرّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله، وهو يعلم أنّه محرم، وأنه حرام، فذلك يوكل إلى نقمة الله.
فهذه أقوال ثلاثة في قتل الصيد، وقد علمت أن الجمهور على الأوّل وعلمت وجهه. فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قرئ فَجَزاءٌ بالرفع والتنوين، والمعنى على هذه القراءة فالواجب جزاء مماثل للمقتول.
стр. 392
وقرئ فجزآء مثل برفع جزاء مضافا إلى مِثْلُ ما قَتَلَ وظاهر هذه القراءة أنّ الجزاء إنما هو جزاء مثل المقتول لا جزاء المقتول.
قالوا: إن ذلك خارج مخرج: مثلك جدير بالإكرام، والمعنى أنت جدير بالإكرام، ومن ذلك قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢] إذ المعنى كمن هو في الظلمات، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى (من) والمعنى فجزاء من مثل ما قتل.
ومِنَ النَّعَمِ يحتمل أن يكون حالا من الجزاء، والمعنى فجزاء مماثل للمقتول حال كون الجزاء من النعم، وجوّز بعضهم أن يكون بيانا لما في قوله: ما قَتَلَ والمعنى عليه: فجزاء مماثل للمقتول حال كون المقتول من النعم، وأنت تعلم أن ذلك إنما يتم على رأي أبي عبيد والأصمعي اللذين يقولان: إن النعم كما يكون من الأهلي يكون من الوحشي، وهو خلاف المشهور، إذ إنّ المشهور أن النعم يطلق على الإبل وحدها، وعلى البقر والغنم مضمومة إلى الإبل، ويصح أن يكون حالا من الضمير في (قتل) وهو قريب من هذا المعنى.
وقد اختلف العلماء في المراد بالمثل، فقد روي عن ابن عباس أن المثل النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير، وكذا كل صيد قتل يجب فيه نظيره في المنظر، وهو مذهب محمد بن الحسن والشافعي ومالك والإمامية، وحجتهم أن الله أوجب مثل المقتول مقيّدا بكونه من النعم، فلا بد أن يكون الجزاء مثلا من النعم، وذلك لا يكون إلا بأن يكون من الحيوانات التي تماثل المقتول، فلا تجب القيمة لأنّها ليست من النعم.
وقد أوجب الصحابة رضوان الله عليهم كعلي وعمر وعبد الله بن مسعود وغيرهم في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى غير ذلك. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الواجب هو قيمة الصيد المقتول باعتبار كونه صيدا قبل الصيد، يقوّم في المكان الذي صيد فيه، أو في أقرب الأماكن إليه، وفي زمان الصيد، لأنّ القيمة تتفاوت باعتبار المكان والزمان، وخلاف محمد إنما هو فيما له مثل، أما ما لا مثل له فالواجب القيمة عنده كما هي عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وأما الشافعي فقد روي عنه أنه يعتبر المماثلة ولو في الصفات، فأوجب في الحمامة شاة، لأنّ الحمامة تشبه الشاة في عب الماء وفي الهدير.
احتج أبو حنيفة وأبو يوسف: بأن الله أوجب مثل المقتول مطلقا، والمطلق ينصرف إلى الفرد الكامل منه، وذلك يكون فيما هو مماثل في الصورة والمعنى، وذلك طنما هو من المشارك في النوع، وإيجاب ذلك متعذر، لأنّ نوع الصيد صيد، وهو محذور، فننتقل منه إلى ما يقاربه، وهو المثل في المعنى، فوجب المصير إليه،
стр. 393
وذلك لأنّه قد عهد في الشرع عند إطلاق المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة، فقد قال الله تعالى في ضمان العدوان: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ والمراد من المثل النظير بالنوع في المثليات، والقيمة في القيميات، فهو مشترك معنوي، والحيوانات قد اعتبرها الشارع من القيميات للاختلاف الباطني في أبناء النوع الواحد، فأولى أن يراد بالمثل القيمة فيما اختلف نوعه.
وقد أهدر الشارع في ضمان المتلفات المماثلة الحاصلة في الصورة الظاهرة في أبناء النوع الواحد، فعدم اعتبارها فيما اختلف نوعه أظهر، ولسنا نقول إننا نعتبر القيمة ونصرفها نقدا، بل نحن نعتبرها معيارا تعرف بها قيمة الصيد، ثم يشترى بها ما يساويها من النعم إن بلغت هديا، وإلا أطعم بها مساكين، أو صام بمقدارها. فالمدار في الجزاء على المثل الذي هو القيمة، ليمكن أن يلجأ الحكمان إليها في تعيين الواجب من النعم.
ويستشهد الحنفية لمذهبهم بقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فإن الالتجاء إلى حكمين اثنين من عدول المسلمين إنما يكون في شيء تختلف أنظار الناس فيه، وذلك ليس إلا القيمة. فإنّ مقابلة الصفات الظاهرة من العبّ والهدير قد لا تخفى على أحد.
وللشافعي ومحمد ﵄ أن يقولا: بل الأمر على العكس، فلم يوجب الله في ضمان سائر المتلفات غير الصيد الالتجاء إلى الحكمين، لأنّ الوقوف على القيمة سهل، فأما الوقوف على المضاهاة والمشاكلة في صفات الحيوانات وهيئاتها وطبائعها مما لا يهتدي إليه إلا الخبير بهذه الصفات والطبائع، والخبير بهذه الأشياء في الناس قليل. وما نظن أحدا يشعر أنّ بين الحمامة والشاة شبها في العب والهدير إلا من درس طبائع الحيوان وخواصه، فمن أجل ذلك احتجنا إلى الحكمين.
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أي أنّ الجزاء الواجب يحكم به حكمان عدلان من المسلمين حال كون المحكوم به هديا بالغ الكعبة. أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أي من قتل صيدا فالواجب عليه جزاء مثله من النعم يبينه الحكمان، أو كفارة هي طعام مساكين أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً أو ما يساوي ذلك، أي الجزاء المماثل صياما يقدر لكل ما يساوي طعام مسكين صوم يوم، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما، لأنّ الصيام لم يعهد في أقل من يوم.
وأنت ترى في الآية (أو) التي للتخيير، فأين التخيير يا ترى: أهو لمن وجب عليه الجزاء، أم هو للحكمين، ومتى حكما بشيء التزمه قاتل الصيد لا يتعداه.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن الحكمين يقدران قيمة الجزاء، وأنه يساوي كذا من الهدي، وكذا من طعام المساكين، وكذا من الصيام، وقاتل الصيد مخيّر بين أيّها يفعل.
стр. 394
وقال محمد وهو محكيّ عن الشافعي أيضا: بل الخيار للحكمين، ومتى حكما بشيء والتزمه القاتل لا يتعداه.
ويريد أبو حنيفة: أن يأخذ من قوله: (هديا) دليلا على أنّ الواجب في الجزاء القيمة، لأن الهدي لم يعرف إلا فيما تجوز به الضحايا، وهو الجذع من الضأن، والثني من غيره، لأنّ مطلق اسم الهدي ينصرف إليه، كما في هدي المتعة والقران.
ولمحمد والشافعي أن يقولا: إن اسم الهدي قد يطلق على كل ما يهدى، وقد تأيّد هذا المعنى عندهما بما روي من أن الصحابة أوجبوا عناقا وجفرة.
وأبو حنيفة يجيب عما ورد من فعل الصحابة: بأنهم إنما أوجبوه طعاما لا هديا، وأبو حنيفة يجيز أن يكون الإطعام من الصغار التي لا تصلح للضحايا على أنها طعام لا هدي.
هذا وقد دلت الآية الكريمة على أنّه إذا كان الجزاء هديا فلا بدّ أن يبلغ الكعبة، فيذبح هناك.
قال العلماء: والمراد من الكعبة الحرم، وإنما خصّت بالذكر للتعظيم، فلو ذبحه في غير الحرم كان إطعاما. والإطعام كما يكون في الحرم يكون في غيره، وقد نقل عن الشافعي أنّ الإطعام كذلك اعتبارا بالهدي.
ومحلّ إثبات ذلك أو نفيه في الفقه، لأنّ الآية لم تقيّد الإطعام بكونه بالغ الكعبة.
لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي شرعنا ما شرعنا من الجزاء على قتل الصيد ليذوق القاتل وبال أمره.
والوبال في الأصل الثقل، ومنه الوابل للمطر الكثير، والوبيل للطعام الثقيل الذي يعسر هضمه، والمرعى الوخيم.
والمعنى شرعنا ذلك ليذوق من قتل الصيد ثقل فعله وسوء عاقبته.
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ لكم من الصيد وأنتم محرمون، فلم يجعل فيه إثما، ولم يوجب فيه جزاء، ولم يؤاخذكم على ما كان منكم في الجاهلية من ذلك، مع أنه ذنب عظيم، حيث كنتم على شريعة إسماعيل، وقد كان الصيد فيها محرّما.
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أي ومن عاد إلى قتل الصيد بعد ورود النهي فالله ينتقم منه، وهو العزيز الذي لا يغالب، المنتقم الذي لا يدفع انتقامه.
والمراد بالانتقام الانتقام في الآخرة.
وأما الكفارة فقد أوجبها الجمهور على العائد، فيتكرر الجزاء عندهم بتكرر القتل، وهو مذهب عطاء والنخعي والحسن وابن جبير.
стр. 395
وروي عن ابن عباس وشريح أنه إن عاد لم يحكم عليه بكفارة، حتى إنهما كانا يسألان المستفتي هل أصبت شيئا قبله؟ فإن قال: نعم، لم يحكم عليه، وإن قال: لا، حكم عليه. وهم في هذا الذي ذهبوا إليه يتمسكون بظاهر الآية.
والجمهور يقولون: إن عذابه والانتقام منه في الآخرة لا ينافي وجوب الجزاء عليه، وإنما لم ينصّ عليه لعلمه مما تقدم.
قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) أي أحل لكم أيها المحرمون ما يصاد من الماء بحرا كان أو نهرا، أو غيره، والمراد به الحيوان الذي يكون توالده ومثواه في الماء، سواء أكان مأكولا، أم غير مأكول.
وقد قيل: إنّ هذا الترخيص خاصّ بالسمك، أما طير البحر فلا يتناوله الترخيص وَطَعامُهُ المراد منه ما يطعم منه ويحل أكله، فهو من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المراد منه حل الانتفاع مطلقا، ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة امتنانا بالإنعام بما هو قوام الحياة، وهو الأكل.
ولا شكّ أنّ الصيد من البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كأخذ زيته، وما يحويه بعض حيوان البحر من العظم والسن والعنبر وغير ذلك.
وذهب ابن أبي ليلى إلى أنّ المراد من الصيد والطعام المعنى المصدري، فكأنه قيل: أحل لكم الاصطياد من البحر، وأن تطعموا ما صدتموه، ومن أجل ذلك ذهب هو إلى أنّ جميع حيوان البحر مأكول.
وقيل: بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر أو جزر عنه الماء.
غير أنّ هذا ربما يعكّر على الحنفية الذين يقولون بحرمة ما طفا على وجه الماء من السمك الميت، وإن كان لهم أن يقولوا في الجواب: إن ما طفا ليس مما ألقاه البحر، بل هو ميت لعلة أخرى غير الصيد وغير إلقاء البحر وانحسار الماء عنه، وهو حينئذ ميتة يشملها قول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] وقد تقدّم الكلام فيه في سورة البقرة.
وقيل: المراد بصيد البحر السمك الطري: وبطعامه السمك المملوح، وسميّ طعاما لأنه يدّخر للاقتيات؟ قالوا: وهذا بعيد، لأنه داخل تحت قوله: صَيْدُ الْبَحْرِ لأنّه قبل أن يملّح كان طريا.
مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ أي أحللنا لكم ذلك لتتمتعوا به مقيمين ومسافرين، ولا
стр. 396
شكّ أنّ صيود البحر فيها متعة ومنفعة في السفر والحضر، سواء بالأكل أو بالادخار، أو بما يخرج منه مما ينتفع به.
ويرى بعضهم أنّ التمتع به على التوزيع، فالطريّ منه للمقيمين، والقديد للمسافرين. وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ هو ما يكون توالده ومثواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته، والتحريم هنا إما منصبّ على ذات المصيد، أو على الفعل، فإن كان الثاني فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط، وأما الأكل منه بأن ما يصيده حلال فلا تدل الآية على منعه، فمن يرى منعه فليلتمس له دليلا من غير الآية. وأما إذا كان التحريم منصبا على ذات المصيد فهو يقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد، إلا ما يخرجه الدليل على ما تقرّر في الأصول، فيشمل تحريم الصيد والأكل وغيرهما، وقد عرفت أن قتل الصيد يخرج منه أشياء كالكلب العقور والذئب والسبع الضاري، لأنها من الخمس الفواسق:
أما الذئب فلأنه عدّ نصا في بعض الروايات من الخمس الفواسق، وفي بعضها قيل: إنّه المراد من الكلب العقور، وأما السبع الضاري فلضراوته، والشافعي يخرج هذه الثلاثة، لأنها ليست بصيد، لأنّ الصيد عنده ما يؤكل على ما تقدّم.
ما دُمْتُمْ حُرُماً أي محرمين، وظاهر الآية تحريم كلّ الصيد على المحرم، سواء أصاده هو أم محرم آخر أم حلال، سواء كان للمحرم دخل في صيده، أم لم يكن له دخل.
والمسألة خلافية عند السلف، فمذهب ابن عباس وابن عمر وجماعة أنّ الصيد مطلقا حرام على المحرم عملا بظاهر الآية، وأيضا
فقد أخرج مسلم «١» عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا، أو بعضه، أو بعض لحمه، أو عضوا من لحم صيد على اختلاف في الروايات، وهو ﵊ بالأبواء أو بودان، فردّه ﷺ ، قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» .
ويرى أبو هريرة وعطاء ومجاهد وابن جبير وعمر وطلحة وعائشة أنه يحل له أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله ما دام لم يدل عليه، ولم يشر إليه، ولم يأمره بصيده «٢» ، وهو رواية الطحاوي عن أبي حنيفة، ووجهه أنّ الخطاب للمحرمين، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم، والمراد ما يصيدونه حقيقة أو حكما بأن يدلّوا عليه، أو يشيروا إليه، أو يأمروا به.
стр. 397
وقد روى محمد عن أبي حنيفة عن ابن المنكدر عن طلحة بن عبيد الله تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم والنبي ﷺ نائم، فارتفعت أصواتنا، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «فيم تتنازعون» .
فقلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم، فأمرنا بأكله.
وروى مسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ حاجا، وخرجنا معه، فصرف نفرا من أصحابه فيهم أبو قتادة، فقال: «خذوا ساحل البحر حتى تلقوني» . قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا قبل رسول الله ﷺ أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، فإنّه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فأصاب منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها قال: فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون إلخ القصة، وفيها أنهم استفتوا رسول الله ﷺ فقال: «هل معكم أحد أمره أو أشار عليه بشيء» . قالوا: لا، قال: «فكلوا» «١»
. وعن مالك والشافعي وأحمد وداود ﵏ أنه لا يباح ما صيد له لما
رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيد البر لكم حلال وأنتم محرمون، ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم» «٢» .
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اتقوه فيما نهاكم عنه من الصيد وفي جميع المعاصي فإنكم ستعرضون عليه يوم الحشر، ويحاسبكم حسابا عسيرا.
قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) سمّي البيت الحرام كعبة لعلوّه، وارتفاع شأنه، ومن ذلك الكعبان، للعظمين الناتئين بجانبي القدمين، ويقال: كعب ثدي المرأة إذا نتأ وبرز الْبَيْتَ الْحَرامَ بيان الكعبة على جهة التمدح، فإنّه معظّم عندهم منذ القدم، لحرمته وقِياماً لِلنَّاسِ مفعول جعل الثاني، ومعنى كون البيت الحرام قياما للناس أنّ به قوامهم في صلاح أمورهم دينا ودنيا. حيث جعله الله مثابة للناس وأمنا، فيه يأمن الخائف، وينجو اللاجئ، وبه يطعم البائس الفقير، مما جعل الله في الحج من مناسك بها عمارة واد غير ذي زرع،
стр. 398
ولولا ما فرض الله من الحج والنّسك ما استطاع أحد أن يقيم فيه، وقد جعل الله الدعاء فيه مقبولا، والحسنات فيه مضاعفة، لتشتد رغبة الناس فيه، فيزيد الخير، وتعم البركة. هذا إلى ما في اجتماع الناس ومجيئهم من البلاد النائية، والأقطار المختلفة من منافع دونها منافع المؤتمرات التي يلجأ إليها الناس اليوم لتعرّف وجوه مصلحة المجتمع، انظر كيف قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج: ٢٧، ٢٨] ولا تنس ما في أعمال الحج من منافع، حيث يتجرد الناس عن أمور الدنيا، لا يحملهم شيء على هذا التجرد إلّا تقوى الله، والمبادرة إلى امتثال أمره. يتذكرون باجتماعهم وتجرّدهم هول المحشر، والوقوف بين يدي ربهم، فتشتد خشيتهم، ويعظم خوفهم، فيتجنبون الموبقات والآثام.
قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه.
وأخرج ابن جرير «١» عن ابن زيد قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك كذلك. فجعل الله لهم البيت الحرام قياما يدفع به بعضهم عن بعض. فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله.
وتعظيم البيت وجعله أمنا للخائف وملجأ للعائذ، أمر أودعه الله في قلوب الناس منذ القدم، وليس هناك ما يمنع الناس من الاعتداء غير ما أودعه الله في القلوب من الهيبة والجلال، وتعظيم البيت. وقد طبع الناس على الشر، فلا يكبح جماحهم في نفوسهم إلا امتثال أمر الله. وبذلك أمكن أن يعيش الناس في هذه الأرض الجرداء.
فسبحان المدبر الحكيم.
وَالشَّهْرَ الْحَرامَ معطوف على الكعبة، والمعنى وجعل الشهر الحرام قياما للناس، والمراد منه الشهر الذي يؤدّى فيه الحج، أو الجنس فيشمل الأشهر الأربعة، وقد عرفت أنّ المراد من القيام الصلاح في الدنيا والآخرة. ولا شكّ أنّ الشهر الحرام كذلك حيث يقوم فيها الحاج ممتثلا أمر ربه، ويقدم النسك، فينتفع، وينتفع الناس، ويأمن الخائف، حيث إنهم كانوا يأمنون فيها، ويتصرفون في معايشهم، فهو قيام للناس أيضا وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ معطوف على ما قبله أيضا وَالْهَدْيَ ما يهدى إلى الحرم ولا شك أنّه قيام للناس، به يقيم الفقر صلبه وَالْقَلائِدَ جمع قلادة والمراد بها ما يقلّد به البعير، وما كانوا يفعلونه من تقليد أنفسهم ومطيّهم بلحاء الشجر، حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء، وقيل: بل المراد من القلائد ذوات القلائد، وخصت بالذكر لأنّ بها يعرف كون الهدي هديا، فلا يتعرّض له أحد بسوء حتى يبلغ محلّه، فيؤدي الغرض
стр. 399
الذي من أجله شرع ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فإنّ شرع الحج وما فيه من مناسك ومنافع يقتضي حكمة وتدبيرا يستلزمان العلم بتفاضل الأشياء، وما ينطوي عليه من الأسرار، وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وذكر العامّ بعد الخاصّ ليكون الخاصّ كالدليل على العام.
قال الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)
(البحيرة) : فعيلة بمعنى مبحورة، أي مشقوقة، قال الزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنيها، وشقوها، وامتنعوا من نحرها، ولا تطرد من ماء ولا مرعى، وقيل فيها غير ذلك.
و (السائبة) : فاعلة من سيبته فساب، إذا تركته فهو سائب، روي عن ابن عباس أنها التي تسيّب للأصنام، فتعطى للسدنة، وقيل غير ذلك.
و (الوصيلة) : قال الزجاج: هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قيل وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وقيل غير ذلك.
و (الحامي) : قال أبو عبيدة والزجاج: إنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقيل غير ذلك.
والمعنى: ما شرع الله هذه الأشياء وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ حيث كانوا يفعلون ما يفعلون وينسبونه إلى شرع الله، وهم لا يعقلون أنّ ذلك افتراء على الله، وهو تنديد بهم لتعطيلهم العقل والنظر، إذ لو نظروا لعلموا أنّ هذه وثنية وشرك. والله لا يأمر بالكفر، ولا يرضاه لعباده.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ: يجوز أن يكون مبتدأ وخبره اثنان، على حذف مضاف أي شهادة بينكم شهادة اثنين، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، أي فيما أمرتم أن
стр. 400
يشهدوا اثنان، ويكون اثنان فاعلا بالشهادة، وقرئ شَهادَةُ بالنصب والتنوين، أي ليقم شهادة بينكم اثنان، وعلى القراءة الأولى تكون إضافة شهادة إلى الظرف، وهو بينكم على التوسع.
وإِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: شارفه، وظهرت أمارته، وهو ظرف متعلّق بشهادة وحِينَ الْوَصِيَّةِ بدل منه، وفي هذا الإبدال تنبيه على أنّ الوصية لا ينبغي أن نتهاون فيها.
ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ صفتان لاثنان أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ عطف على اثنان، وظاهر الآية أنّ المراد اثنان من المؤمنين، أو آخران من غير المؤمنين، لأنّ الله وجّه الخطاب للمؤمنين جميعا، فإذا قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فهما من غير المؤمنين.
وقال بعضهم: مِنْكُمْ أي من قبيلتكم، ومن غيركم، أي من غير قبيلتكم إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي قاربتم الأجل، فليس المراد الموت بالفعل، وإنما المراد مشارفته، والعرب قد تعبّر بالفعل عن مقاربته ومشارفته تَحْبِسُونَهُما تقفونهما، وتصبرونهما، للحلف مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ صلاة العصر، وإنما فهمت صلاة العصر مع أن الصلاة مطلقة، لأنّها كانت معهودة للحلف عندها، وكان أهل الحجاز يقعدون للحكومة بعدها، وقيل: أي صلاة كانت، وقوله:
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ جوابه محذوف دلّ عليه ما قبله، أي إن أنتم ضربتم في الأرض فآخران من غيركم، وجملة الشرط وجوابه اعتراضية، فائدتها التنبيه على أنّ شهادة اثنين من غير المسلمين إنما هي عند الضرورة، وقوله: تَحْبِسُونَهُما إما صفة لآخران، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا نفعل بهما، فقال:
تحبسونهما من بعد الصلاة.
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي شككتم في أمرهما، وجوابه محذوف علم مما قبله، أي فحلّفوهما لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً الضمير في به يرجع إلى القسم المفهوم من فَيُقْسِمانِ والمعنى لا نشتري بصحة القسم ثمنا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي لو كان المقسم له ذا قربى، قال الزمخشري «١» : أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان المقسم له قريبا على معنى أنّ هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء: ١٣٥] .
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ لا نكتم شهادة الله، أي الشهادة التي أمر الله بحفظها.
стр. 401
وروي عن الشعبي أنه وقف على شَهادَةُ وابتدأ اللَّهِ بمد الهمزة وتأويلها أنه حذف حرف القسم، وعوّض عنه همزة الاستفهام، والمعنى على القسم. وقرئ اللَّهِ بدون مد على القسم أيضا، وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يطرح حرف القسم ولا يعوض منه حرف الاستفهام، فيقول: الله لقد كان كذا.
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي اطّلع على أنهما فعلا ما أوجب إثما، واستوجبا أن يقال: إنهما من الآثمين.
فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ قرئ استحقّ على البناء للمفعول، والمعنى فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم، أي من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته، والْأَوْلَيانِ خبر لمبتدأ محذوف.
أي هما الْأَوْلَيانِ كأنّه قيل: من هما؟ فقيل: الْأَوْلَيانِ أو بدل من الضمير في يقومان، ومعنى الْأَوْلَيانِ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت، ويجوز أن يكون الْأَوْلَيانِ نائب فاعل اسْتَحَقَّ على حذف مضاف، أي استحق عليهم انتداب الأولين.
وقرئ على البناء للفاعل والمعنى من الذين استحق عليهم الأوليان أو يجرّد وهما للشهادة، ويقدموهما لها، ويظهروا بهما كذب الكاذبين فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي ما اعتدينا في طلب هذا المال وفي نسبتهما إلى الخيانة، إنا إذا اعتدينا وخوّناهما وهما ليسا خائنين لمن الظالمين!.
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي ما تقدم من الحكم أقرب أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة بالشهادة على وجهها الذي تحمّلوها عليه خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المتقدم.
وقوله تعالى: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ بيان لحكمة ردّ اليمين على الورثة، وهو معطوف على مقدّر ينبئ عنه المقام، كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة، أو يخافوا أن تردّ أيمان على الورثة بعد أيمانهم، فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا إلى أن ينزجروا عن الخيانة التي تؤدي إليه، فأي الخوفين كان وجد المطلوب، وهو تأدية الشهادة دون تحريف ولا تبديل.
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا سمع إجابة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
يؤخذ من الآية أنّ الله طلب أن يشهد الموصي على وصيته اثنين عدلين من المؤمنين فإن كان في سفر، وأشرف على الموت، ولم يجد من المؤمنين، أشهد من غير المؤمنين على وصيته، فإذا أديا الشهادة، وارتاب ورثة الميت في شهادتهما حلف
стр. 402
الشاهدان بعد صلاة العصر على أنهما صادقان فيما شهدا به. فإن اطّلع على خيانة من هذين الشاهدين، فليقم اثنان من ورثة الميت الموصي، ويقسمان بالله على كذبهما، وهذا الحكم أقرب إلى أن يؤتى بالشهادة على وجهها، خوفا من الله، أو خوفا من العار.
سبب نزول هاتين الآيتين أنّ تميم بن أوس الداري وعدي بن زيد خرجا إلى الشام للتجارة، وكانا حينئذ نصرانيين، ومعهما بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه جميع ما معه، وطرحه في متاعه، ولم يخبرهما بذلك، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ففتشاه، فوجدا فيه إناء من فضة منقوشا بالذهب، فأخفياه، ودفعا المتاع إلى أهله، فأصابوا فيه الكتاب، فطلبوا منهما الإناء، فقالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء، وأمرنا أن ندفعه إليكم، ففعلنا، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ ، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية، واستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يأخذا شيئا مما دفع إليهما، ولا كتما، فحلفا على ذلك، فخلّى ﵊ سبيلهما، ثم إنّ الإناء وجد بمكة، فقال من بيده الإناء: اشتريته من تميم وعدي، وقيل لما طالت المدة أظهراه، فبلغ ذلك بني سهم فطلبوه منهما، فقالا: كما اشتريناه من بديل. فقالوا: ألم نقل لكما هل باع صاحبنا من متاعه شيئا؟ فقلتما: لا. قالا: ما كان لنا بينة فكرهنا أن نقرّ به، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ ، فنزل قوله : فَإِنْ عُثِرَ
الآية، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كذبا وخانا فدفع الإناء إليهما «١» ، وفي الآية سؤالات:
أ- يؤخذ من ظاهر الآية أنّ غير المسلم تجوز شهادته على المسلم.
اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ والآيات الأخرى تدلّ بعمومها على عدم صحة شهادة غير المسلمين. وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] وغير المسلمين ليسوا بعدول. ولمكان هذا السؤال اختلف العلماء في الجواب عنه، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم من غير قبيلتكم، ويبين فساد هذا الجواب أنّ الله خاطب المؤمنين عامّة في أول الآية. فإذا قال: مِنْكُمْ أو مِنْ غَيْرِكُمْ كان الظاهر من المؤمنين أو من غير المؤمنين.
وذهب آخرون إلى أنّ هذه الآية قد نسخت وبطل حكمها، ويبعد هذا الجواب
стр. 403
أن دعوى النسخ لا تقبل إلا بحجة، وليس مع القائلين بالنسخ إلا مجرّد الدعوى، كيف وقد عمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده.
روي أنه شهد رجلان من أهل دقوقا على وصية مسلم فاستحلفهما أبو موسى بعد العصر ما اشترينا به ثمنا ولا كتمنا شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين، ثم قال: إن هذه القضية ما قضي بها من زمان رسول الله إلى اليوم.
وقد قالت السيدة عائشة ﵂: إنه لا منسوخ في المائدة.
وروي أيضا: المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها.
وذهب آخرون إلى أن المراد من الشهادة أيمان الأوصياء للورثة، فما في الآية ليس شهادة، بل هو وصية، ويذهب إلى أنّ الأيمان قد سميت شهادة في القرآن وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور: ٦] .
وهذا الجواب أيضا بعيد عن ظاهر الآية لأنه قال: اثْنانِ، واليمين لا تختص بالاثنين، وقال: ذَوا عَدْلٍ واليمين لا يشترط فيها ذلك، وقال: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ [النساء: ١٠١] هو ليس شرطا أيضا في اليمين.
وأحسن الأجوبة عن ذلك ما ذهب إليه علماء الحديث، وقاله الإمام أحمد: من أنه أجيزت شهادة الكفار في السفر للضرورة، قال صالح بن أحمد قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في مواضع: في السفر الذي قال الله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فأجازها أبو موسى الأشعري.
وقد روي عن ابن عباس أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من أهل الكتاب، وهذا موضع ضرورة لأنّه في سفر، ولا نجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت في هذا المعنى وهو مذهب شريح، وقول سعيد بن المسيب، وحكاه عن ابن عباس.
وبقي في المسألة بحث، وهو أتجوز شهادتهم عند أحمد في كل ضرورة أم لا تجوز إلا في ضرورة السفر؟ قال ابن تيمية: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع هو ضرورة يقتضي هذا التعبير قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا، ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه.
هذا في شهادة الكفار على المسلمين، وأما شهادة بعضهم على بعض فذهب كثير من العلماء إلى منعها، واحتجوا بظواهر من القرآن مثل قوله: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: ١٥] وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وقوله:
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] .
وذهب آخرون إلى جوازها، وأجابوا عن هذه الآيات بأنّ هذا إنما هو في الحكم بين المسلمين، فإنّ السياق كله في ذلك، فإن الله تعالى قال: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ
стр. 404
مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
إلى قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فلا تعرض في شيء من ذلك لحكم أهل الكتاب البتة.
واحتجوا بقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] فأخبر أنّ منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، فكونه أمينا على قرابته وأهل ملته أولى، وبقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: ٧٣] فأثبت لهم الولاية بعضهم على بعض. وهي أعلى رتبة من الشهادة وغاية الشهادة أن تشبّه بها، فإذا كان له أن يزوّج ابنته وأخته، ويلي مال ولده: فقبول شهادته عليه أولى وأحرى.
واحتجوا أيضا بما
روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله ﷺ : «ائتوني بأربعة منكم يشهدون»
وبما
ثبت في «الصحيح» «١» : مرّ على رسول الله ﷺ بيهودي وقد حمم فقال: «ما شأن هذا» ؟ فقالوا: زنى، فقال: «ما تجدون في كتابكم» إلخ.
فأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب اعترافهما، وهذا هو الفقه. فإنّ أهل الذمة يتعاملون فيما بينهم بالبيع والإجارة والمداينة، وتقع بينهم الجنايات، ويتعدّى بعضهم على بعض، ولا يكون لهم شهداء إلا من أنفسهم، ويتخاصمون إلى قضاء المسلمين، فإذا لم يحكموا بينهم بشهودهم المرضيين عندهم ضاعت حقوقهم، وأدّى ذلك إلى الظلم والفساد، فالحاجة ماسّة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض، وقد يكون بينهم الصادق الذي يتحرّى الصدق في أخباره، فيطمئن القاضي إلى قبول قوله.
وإذا كان القصد من الشهادة الحكم بينهم بالعدل، ورفع التظالم، وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه: فكل شهادة منهم أوقعت في نفس القاضي ظنّا بصدقها وجب العمل بها للعدل والحق.
ب- إنّ هذه الآية تجيز شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم، وهذا يخالف ما علم من الشريعة من أنّ
«البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» «٢»
وما علم من الشريعة هو محض العدل، لأنه
«لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم» «٣»
أما جواب الجمهور عن هذا فمعروف وهو أن هذه الآية منسوخ حكمها.
стр. 405
وأما على ما ارتضيناه من أنه لا نسخ فيها فالجواب هو ما يأتي: إنّ اليمين جعلت في جانب المدّعى عليه بقوة جانبه، بأن الأصل يشهد له، فإذا قوي جانب المدّعي بشاهد حلف معه فاليمين تكون بجانب أقوى المتداعيين شبهة. وهنا قد قوي جانب المدعي بالعثور على أنهما استحقا إثما، فلا جرم كانت اليمين في جانبهم، فليس هذا مخالفا للأصول، وإنما هو متفق معها، فقوة جانبهم بالعثور على الخيانة، كقوة جانب المدعي بالشاهد، وقوة جانبه بنكول خصمه عن اليمين، وقوة جانبه باللوث، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين وغير ذلك.
ج- هذه الآية تقتضي بتحليف الشاهد، والشاهد لا يحلف وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] والجواب أنّ هذه الشهادة بدل عن شهادة المسلم للضرورة، فطلب الاحتياط فيها.
على أنّ بعض السلف ذهب إلى تحليف الشاهد المسلم إذا ارتاب فيه الحاكم، وقد حلّف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع.
стр. 406
من سورة الأنعام
قال الله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)
لما قال المشركون: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال ﵊: «الله قتلها» ، قالوا: فتزعم أنّ ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الصقر والكلب حلال، وما قتله الله حرام فأنزل الله قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلخ.
وجمهور المفسّرين على أنّ في الآية الأولى حصرا مستفادا من عدم اتباع المضلين المشار إليه بقوله تعالى قبل هذه الآية: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ومستفاد أيضا من الشرط إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ فيكون المعنى: اجعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه، ولا تتعدوه إلى الميتة، ولولا هذا القصر لم يلاق الجواب الاعتراض، ويكون الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه، وساكتا عما يحتاج إليه.
وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه من البحائر والسوائب ونحوها. وفي ذلك إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يعولوا على عوائد الجاهلية في تحريم ما لم يحرّمه الله، ولا أن يعولوا على اعتراضاتهم وشبههم الواهية.
وقوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ حال مؤكدة للإنكار، أي أنه ليس هناك سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، والحال أنه قد بيّن المحرّم عليكم في قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى إلخ فبقي ما عدا ذلك على الحل.
وقوله تعالى: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ معناه لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرّم عليكم حلال لكم حال الضرورة.
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ معناه أن كثيرا من الكفار ليضلون الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كما حرموا البحيرة والسائبة،
стр. 407
وأحلوا الميتة بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، وسيجازيهم الله على هذا الاعتداء لا محالة.
قال الله تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) قيل: المراد اتركوا جميع المعاصي ما أعلنتم وما أسررتم. وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقيل: ظاهِرَ الْإِثْمِ أفعال الجوارح وَباطِنَهُ أفعال القلوب.
وقيل: اتركوا الزنى في الحوانيت واتخاذ الأخدان.
وقد روي أنّ أهل الجاهلية كانوا يرون أنّ الزنى إذا ظهر كان إثما، وإذا استتر فلا إثم فيه. ثم أخبر الله أنه لا بدّ سيجازي مرتكبي المعاصي على عصيانهم.
قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) المتبادر من المقام تخصيص ما لم يذكر اسم الله عليه بالحيوان، فيكون ذلك نهيا عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه، فتحرم الميتة وما ذكر عليه اسم غير الله ومتروك التسمية عمدا كان تركها أم سهوا، وإلى ذلك ذهب داود، وروي عن الحسن وابن سيرين.
وقال الشافعي: متروك التسمية حلال مطلقا، وهو رواية عن مالك.
وذهب الحنفية إلى التفرقة بين العمد والنسيان، فحرموا متروك التسمية عمدا، وأحلّوا متروك التسمية نسيانا. وهذا هو الصحيح من مذهب مالك. وعن أحمد ثلاث روايات أصحها عندهم وهي المشهورة عنه: أن التسمية شرط للإباحة، فإن تركها عمدا أو سهوا في صيد فهو ميتة، وفي الذبيحة إن تركها سهوا حلّت، وإن تركها عمدا فعنه روايتان.
وحجة داود ومن قال بقوله هذه الآية الكريمة، وهي ظاهرة في ذلك.
وللحنفية في تقرير مذهبهم من الآية طريقان:
الأول: أن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسيانا، إلا أنّ الشارع جعل الناسي ذاكرا، لعذر من جهته، وفي ذلك رفع للحرج، فإنّ الإنسان كثير النسيان، فيكون متروك التسمية سهوا مخصوصا من حكم الآية.
والثاني: أنّ الناسي ليس بتارك التسمية، بل هي في قلبه على ما
روي عنه ﷺ أنه قال: «تسمية الله على كل مسلم»
وحينئذ يكون متروك التسمية عمدا أو سهوا بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة: ٣] إلى قوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
стр. 408
[المائدة: ٣] فأباح المذكى، ولم يذكر التسمية، وليست التسمية جزءا من مفهوم الذكاة، فإنّ الذكاة لغة الشق والفتح وقد وجدا.
وبحديث البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: إنهم قالوا: يا رسول الله إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا أفنأكل منها؟
فقال رسول الله ﷺ : «سموا وكلوا» «١»
قال أصحاب الشافعي هذه التسمية المستحبة عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب.
وأجابوا عن هذه الآية بأنّ المراد فيها ما ذبح للأصنام، يدل على ذلك وجوه:
الأول: أنّ من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، وقد قال الله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ.
والثاني: أن قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يدل على أن المراد ما ذبح على اسم الأصنام، فإن معناه إنّكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأصنام فقد رضيتم بألوهيتها، وذلك يوجب الشرك.
والثالث: أن قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ لا يجوز أن يكون معطوفا على النهي قبله، لأنّ عطف الخبر على الإنشاء ضعيف إن لم يكن ممنوعا، فكان قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ قيدا في النهي، فصار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان الأكل فسقا، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يكون الأكل فسقا فوجدناه مفسّرا في آية أخرى، وهي قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلى أن قال: رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فصار الفسق في هذه الآية مفسّرا بما أهلّ به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله:
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ مخصوصا بما أهلّ به لغير الله.
وأجاب بعض الشافعية بجواب آخر وهو حمل النهي على كراهة التنزيه جمعا بين الأدلة. ومع هذا فالأولى بالمسلم أن يجتنب متروك التسمية، لأنّ ظاهر هذا النص قوي.
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ أي وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدا وأصحابه في أكل الميتة، كما سبق.
وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة المجوس من أهل فارس، وكانوا قد كتبوا إلى قريش أنّ محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتّبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال، وما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله هذه الآية «٢» .
стр. 409
وقوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يعني وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في تحليل الميتة، أو في تحليل ما أهلّ به لغير الله إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وفيه دليل على أنّ من استحل الحرام واتبع غير الله في دينه كان كافرا، لأنه أشرك بالله غيره، بل آثر حكمه على حكم الله. وهذا الكلام على تقدير القسم وحذف اللام الموطئة، أي ولئن أطعتموهم إنّكم جواب القسم أغنى عن جواب الشرط، وأجاز المبرّد أن يكون الجواب للشرط بلفظ الماضي.
قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)
المعروشات من الكرم: ما يحمل على العريش، وهو عيدان تصنع كهيئة السقف، ويوضع الكرم عليها.
وغير المعروشات: الملقيات على وجه الأرض من الكرم أيضا. وقيل المعروش ما يحتاج إلى عريش يحمل عليه من الكرم وما يجري مجراه. وغير المعروش: الشجر المستغني باستوائه على سوقه عن التعريش. والأكل: الثمر المأكول.
والحصاد: حصد الزرع إذا انتهى وجاء زمانه.
سيقت هذه الآية هي ومثيلتها السابقة في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ الآية لإقامة الدلائل على تقرير التوحيد.
المعنى: أنّ الله وحده هو الذي خلق وأظهر هذه الجنات من غير أن يكون معه شريك.
وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أمر إباحة، وفائدة التقييد بقوله: إِذا أَثْمَرَ الترخيص للمالك في الأكل منه قبل أداء حقّ الله تعالى.
واختلف العلماء في الحق الواجب في الثمر المفهوم من قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ فعن ابن عباس أنه الزكاة الواجبة، وهي العشر، أو نصفه. وفي رواية أخرى على الخبر أيضا أنه ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار، ثم نسخ بالزكاة، واختار هذه الرواية بعض العلماء، لأنّ الزكاة فرضت بالمدينة، وهذه السورة مكية.
وأجاب الإمام الرازي «١» عن ذلك بأنّا لا نسلّم أنّ الزكاة لم تكن واجبة بمكة، وكون آيتها مدنية لا يدلّ على ذلك. على أنه قد قيل: إنّ هذه الآية من سورة الأنعام مدنية. وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
стр. 410
لما أباح الله للمالك أن يأكل من الثمر قبل أداء حق الله تعالى فيه نهى عن الإسراف في الأكل المرخّص فيه قبل الحصاد، كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء، وقال الزهري: المعنى لا تنفقوا في معصية الله، ويروى نحوه عن مجاهد، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا، ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا.
ومن هنا قال بعض الحكماء: لا سرف في الخير، ولا خير في السرف. وقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام «إنّ الله لا يحب المسرفين» بل يبغضهم من حيث إسرافهم ويعذّبهم عليه إن شاء.
قال الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)
روي عن طاوس أنّ أهل الجاهلية كانوا يستحلّون أشياء، ويحرمون أشياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .
وقد ذكر الله قبل هذه الآية ما كانوا يحرمون من الأنعام، وذمّهم على تحريم ما أحله، وعنّفهم، وأبان عن جهلهم، لأنّهم حرّموا بغير وحي من الله، ثم أتبع ذلك البيان الصحيح فقال: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلخ فبيّن بذلك أنّ التحليل والتحريم لا يثبت كلّ منهما إلا بالوحي.
وإذ ليس في الوحي محرّم غير أربعة أشياء: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والفسق الذي أهل لغير الله به: ثبت أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة.
واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات في هذه الأربعة، ولا شك أنها أكثر من ذلك. وأجيب عن ذلك بأجوبة:
الأول: أن المعنى لا أجد محرّما مما كان أهل الجاهلية يحرّمونه من البحائر والسوائب كما يشير إلى ذلك سبب النزول والآيات السابقة على هذه الآية. وعلى هذا المعنى يكون الاستثناء منقطعا، أي لا أجد ما حرّموه، لكن أجد الأربعة محرّمة، والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في إفادة الحصر، كما نبهوا على ذلك.
والجواب الثاني: أن المعنى لا أجد إلى الآن محرّما على طاعم يطعمه إلا الأربعة، ولم يرتض الإمام الرازي «٢» هذين الجوابين، لأنّه ورد في القرآن الكريم غير
стр. 411
هذه الآية ثلاث آيات كلّها تفيد حصر المحرمات في هذه الأربعة ففي سورة النحل قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل: ١١٥] وفي سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة: ١٧٣] وإنما تفيد الحصر، فالآيتان تفيدان الحصر وفي سورة المائدة قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ٢] وهذه جملة حاصرة، وأجمع المفسرون على أنّ مراد الله بما يتلى هو قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] إلخ. وليس فيه إلا الأربعة، وأما المنخنقة وما معها فإنما هي من أقسام الميتة، وخصّت بالذكر لأنّهم كانوا يستحلّونها، وإذ كانت الآيات الثلاث تدل على حصر المحرم في الأربعة وجب القول بدلالة الآية التي معنا على الحصر، لتطابق الآيات التي ذكرنا، لأنّها كلها في موضوع واحد، وإن من هذه الآيات ما نزل بعد استقرار الشريعة، فآية البقرة مدنية، وليس قبلها ذكر ما كانوا يحرّمون من البحائر والسوائب، وكذلك آية المائدة مدنية، وهي من آخر القرآن نزولا، ولا شيء قبلها يقتضي تقييدها، والأصل عدم التقييد، فيدل ذلك على أنّ الحكم الثابت في الشريعة من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء.
والجواب الثالث: وهو المرضي أنّ الآية وإن دلت على الحصر مخصوصة بالآيات والأخبار الدالّة على تحريم ما حرّم من غير الأربعة، مثل قوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فذلك يقتضي تحريم كلّ الخبائث المستقذرة، كالنجاسات وهوام الأرض، ومثل ما
رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية «١» .
وما روياه «٢» عن أبي ثعلبة الخشني أنّ النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
وفي رواية ابن عباس: وأكل كل ذي مخلب من الطير «٣» . وما
روياه «٤» عن عائشة وحفصة وابن عمر من قوله ﷺ : «خمس من الدواب كلّهن فاسق يقتلن في
стр. 412
الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب والفأر، والكلب العقور»
ففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ، لأنّها لو كانت مما يؤكل لأمر بالتوصل إلى دفع أذاها بذكاتها، فلما أمر بقتلها، والقتل إنما يكون لا على وجه الذكاة، ثبت أنها غير مأكولة.
وكذلك ما نهى رسول الله ﷺ عن قتله، لأنّ ما يؤكل لا ينهى عن قتله.
والشافعية يخصّصونها أيضا بما
روي عنه ﷺ أنه قال: ما استخبثته العرب فهو حرام.
وشنع عليهم الإمام الرازي «١» في ذلك، ولكن كلامه لا يخلو عن وهن، ورأي الشافعية في ذلك أن الحيوان الذي لم يرد فيه بخصوصه نصّ بالتحليل أو بالتحريم، ولم يؤمر بقتله، ولم ينه عن قتله، فإن استطابته العرب فهو حلال، وإن استخبثته فهو حرام. ومعتمدهم في ذلك قوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [المائدة: ٤] قالوا: وليس المراد بالطيب هنا الحلال، لأنّه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال، وليس فيه بيان، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب، وبالخبائث ما يستخبثونه، قالوا: ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس، وينزل كل قوم على عادتهم في الاستطياب والاستخباث، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها، وذلك يخالف قواعد الشرع، فيجب اعتبار العرب، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم، لأنهم المخاطبون أولا، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات، ولا العفافة المتولدة من التنعم.
قالوا: وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف، دون سكان البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز، وتعتبر عادة أهل اليسار والثروة، وحال الخصب والرفاهية.
وبعد فقد احتجّ بظاهر الآية: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلخ كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها.
فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت: قُلْ لا أَجِدُ إلخ.
وعن ابن عباس أنه قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: قُلْ لا أَجِدُ الآية.
هذا واستدل بقوله سبحانه: عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ على أنه إنما حرّم من الميتة ما
стр. 413
يتأتى فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ والشعر ونحوه، وقد فهم النبيّ ﷺ من النظم الكريم ذلك.
أخرج أحمد «١» وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة- وفي بعض الروايات أنها كانت لميمونة- فقال رسول الله ﷺ : «لو أخذتم مسكها» فقالت:
نأخذ مسك شاة قد ماتت! فقال ﵊: «إنما قال الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» .
وقوله تعالى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يدلّ على أنّ المحرم من الدم ما كان سائلا. قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا الدم المختلط باللحم في المذبح، ولا ما يبقى في العروق من أجزاء الدم، فإنّ ذلك كله ليس بسائل.
واستدل الشافعية بقوله سبحانه: فَإِنَّهُ رِجْسٌ على نجاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير، لأنّه أقرب مذكور.
стр. 414
من سورة الأعراف
قال الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)
أي إذا قرأ أيّ قارئ غيركم فاستمعوا له سماع تدبر وتذكر.
واللام في قوله لَهُ قيل: إنها لام الأجل، وقيل: إنّها صلة، والمعنى فاستمعوه، وقيل: إنّها بمعنى (إلى) .
والإنصات السكوت يقال: نصت وأنصت إذا سكت وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ما تبتغون.
وقد وردت الآية هكذا عامة في وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال، وعلى جميع الأوضاع خارج الصلاة وداخلها، كلّ ذلك يجب فيه الاستماع والإنصات للقرآن الكريم إذا قرئ.
وقد اختلف العلماء في الحكم إذا كان الناس خلف الإمام هل يجب عليهم الاستماع والإنصات، ويسقط عنهم فرض القراءة، أم لا يجب عليهم؟ بل عليهم أن يقرؤوا سواء في ذلك جهريّة الإمام وسرّيته، أو ذلك خاص بالسرية دون الجهرية.
ذهب الحنفية إلى أنّ المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقا جهرا كان يقرأ الإمام أو سرا.
وذهب جماعة إلى أنّ المأموم يقرأ إذا أسرّ الإمام، ولا يقرأ إذا جهر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والزهري ومالك وابن المبارك وأحمد.
وذهب الشافعي ﵁ فيما رواه المزني عنه إلى أن المأموم يقرأ مطلقا أسرّ الإمام أو جهر، وروى البويطي عنه أنّه يقرأ في السرية أمّ القرآن، ويضم السورة، وفي الجهرية أمّ القرآن فقط.
قال الآلوسي: والمشهور عند الشافعي أنّه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية، بل يستمع، فإن بعد بأن لم يسمع، أو سمع صوتا لا يميز حرفه، أو كانت سرّيّة قرأ في الأصح.
تلك هي آراء العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام، والحنفية يحتجون بظاهر
стр. 415
هذه الآية، يقولون: إن الله تعالى طلب ممن قرئ القرآن بمحضر منه شيئين: الاستماع والإنصات، وذلك عام في كل الأحوال والأوقات، لا يخرج منه شيء إلا ما أخرجه الدليل، فإن أخرج الدليل مثلا ما إذا كان المصلي يصلي وآخر ليس معه في الصلاة يقرأ، كان ذلك خارجا، وبقي ما عداه على وجوب الاستماع والسكوت، وإذا كانت سرية اكتفينا منه بالإنصات، لأنه الممكن، وهو يعلم أنّ الإمام يقرأ، فعليه أن يلزم الصمت عملا بهذه الآية.
والحنفية في هذا الذي ذهبوا إليه يشاركون كثيرا من جلة الصحابة رضوان الله عليهم، فهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد، وجابر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي سعيد، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس.
بل لقد روي عن بعضهم ذمّ من قرأ خلف الإمام،
فقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي كرم الله وجهه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا.
وروي عنه أنّ من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.
وقال الشعبي: أدركت سبعين بدريا كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام.
ويروي الحنفية تأييدا لمذهبهم أخبارا كثيرة بعضها مرفوع وفي رفعه مقال، وبعضها مرسل.
من ذلك ما أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله ﷺ في الصلاة فنزلت: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ إلخ.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» «١» .
وأخرج أيضا عن جابر أنّ النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» .
وكل ما قيل في هذا الحديث أنّه مرسل، والحنفية يحتجون بالمراسيل.
على أنه قد رواه أبو حنيفة مرفوعا بسند صحيح.
روى محمد بن الحسن في «موطئه» قال: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى ابن أبي عائشة عن عبد الله بن
стр. 416
شداد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من صلّى خلف إمام فإنّ قراءته له قراءة»
والروايات في ذلك كثيرة، وفي بعضها عن أبي حنيفة أنّ رجلا قرأ خلف النبي في الصلاة فنهاه آخر فتنازعا، وكان ذلك في الظهر أو العصر، فذكرا ذلك للنبي فقال الذي قدمنا لك.
هذا طرف مما يحتج به الحنفية لمذهبهم.
وأما حجة المالكية ومن يرى رأيهم: فما
رواه مالك وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ أحد منكم آنفا» ، فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: «إني أقول ما لي أنازع في القرآن» قال فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ «١» .
وروى مسلم «٢» عن عمران بن حصين قال: صلّى رسول الله ﷺ بنا صلاة الظهر أو العصر، فقال: «أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى» ؟ فقال رجل: أنا، فقال رسول الله ﷺ : «قد علمت أنّ بعضكم خالجنيها» .
وروي عن عبادة بن الصامت قال: صلّى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إنّي لأراكم تقرءون وراء إمامكم» قال قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن» «٣»
وأنت ترى أن هذين الحديثين يدلان على مذهب الشافعية لا على مذهب المالكية.
والشافعية يستدلون بهذين الحديثين وبما ثبت من أنّه لا صلاة إلا بقراءة، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وبقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وقد جمع البخاري في المسألة جزءا كاملا، وكان رأيه ﵀ أنّ المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك ﵀، وعلى كلّ حال فإنّ أدلة هذه المسألة متعارضة، وقد سلك كلّ إمام طريقا في الجمع بينها، وموضع ذلك كتب الفقه.
قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) قيل: الخطاب للنبي ﷺ ، وهو أمر بإخفاء كلّ ذكر، لأنّ الإخفاء أدخل في
стр. 417
الإخلاص، وقيل: المراد بالذكر في النفس أن يكون عارفا بمعاني الأذكار التي يردّدها على لسانه، مستحضرا لصفات الكمال والعظمة والجلال، وذلك لأنّ المراد من الذكر أثره، وهو الخشية، فما لم يكن ذاكرا بقلبه فكيف يخشى.
وقيل: الخطاب لمستمع القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سرّا بعد فراغ الإمام من قراءته تَضَرُّعاً وَخِيفَةً أي متضرعا خائفا وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي ذاكرا متكلما بكلام هو دون الجهر من القول.
قال ابن عباس هو أن يسمع نفسه. وقيل: المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، على حدّ قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء: ١١٠] .
بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.
الغدو جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
والآصال: جمع الجمع لأصيل، وقيل: غير هذا، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنما خصّ هذين الوقتين بالذكر، قيل: لأنهما وقتا هجوع وسكون، فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكر الله إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) هم الملائكة، فهم ينزّهونه، ويخصّونه بغاية العبودية.
وهذه آية من آيات السجدة المعدودة في القرآن، طلب السجود ممن قرأها، أو سمعها،
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» «١» .
стр. 418
تفسير آيات الاحكام لفضيلة الشيخ محمّد علي السايس تحقيق ناجي إبراهيم سويدان المجلّد الثاني المكتبة العصريّة
стр. 419
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 420
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سورة الأنفال
قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)
هذه السورة كلّها مدنية، وقيل: هي مدنية إلا قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقيل: إلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وبعضهم استثنى خمس آيات بعد آية وَإِذْ يَمْكُرُ.
ومناسبتها لسورة الأعراف: أنها في بيان حال الرسول ﷺ مع قومه، وسورة الأعراف مبينة لأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم.
وسبب نزول هذه الآية ما
أخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم من حديث عبادة بن الصّامت ﵁ أنّ المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا الرسول ﷺ كيف تقسم، ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت «١» .
والسؤال إمّا لاستدعاء معنى في نفس المسئول، وهذا يتعدّى بنفسه تارة، وبعن أخرى، كما في هذه الآية. وإما لاقتضاء مال، فيتعدّى لاثنين بنفسه، نحو سألت زيدا مالا، وقد يتعدّى بمن، وفاعل السؤال يعود على معلوم، وهو من حضر بدرا.
والأنفال جمع نفل كسبب وأسباب، وهو في أصل اللغة من النّفل بفتح فسكون- أي الزيادة- ولذا سمي التطوع وولد الولد نافلة، ثم صار حقيقة في العطية لكونها تبرعا غير لازم. وتسمّى الغنيمة نفلا لأنّها منحة من الله من غير وجوب، أو لأن المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم التي لم تحلّ لهم، أو لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له، وهو إعلاء كلمة الله: كذلك يسمّى بالنفل ما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه. وبعضهم فرّق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص: فالغنيمة ما حصل
стр. 421
مستغنما ببعث كان أو بغير بعث، قبل الظفر أو بعده. والنفل ما كان قبل الظفر أو ما كان بغير قتال، وهو الفيء، أو ما يفضل عن القسم.
إذا تبين هذا فاعلم أن الراجح هنا كون السؤال سؤال استفتاء لا استعطاء، وأنّ المراد بالأنفال الغنائم لا المشروط للغازي زيادة على سهمه، ويؤيد ذلك الراجح أمور:
١- أنّ هذا أول تشريع للغنيمة.
٢- ما تقدّم من سبب النزول.
٣- قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ فإنّه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه.
ومن ذهب إلى المرجوح وهو أن السؤال سؤال استعطاء، وأن النفل ما يشترط للغازي فقد التزم زيادة (عن) أو جعلها بمعنى (من) وهو تكلّف لا ضرورة إليه.
ويبعده أيضا الجواب بقوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فإنّ المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله، فيقسمها النبي ﵊ كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال سؤال استعطاء، و (عن) زائدة لما كان هذا جوابا له، فإنّ اختصاص حكم ما شرط لهم بالله ورسوله لا ينافي إعطاءه إياهم، بل يحققه، لأنّهم إنما يسألون بموجب شرط الرسول ﵊ الصادر عنه بإذن الله، لا بحكم سبق أيديهم إليه مما يخل بالاختصاص المذكور.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ولمن الحكم فيها قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى.
وهذه الآية محكمة بيّن فيها إجمالا أنّ الأمر مفوّض لرسول الله، وآية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ إلخ فصّلت هذا الإجمال ببيان مصارف الغنيمة، فلا تكون ناسخة لها فَاتَّقُوا اللَّهَ أي وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوه سبحانه، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون، فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض، وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق، وبالإيثار أيضا، فذات بمعنى حقيقة الشيء ونفسه مفعول به، وقيل: إنّ (ذات) بمعنى صاحبة، صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم، ولما كانت
стр. 422
الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه، جعل كأنه صاحبه.
والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:
فو الله لولا البين لم يكن الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغنائم، وفي كل أمر ونهي، وقضاء وحكم، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع الله تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأنّ طاعته ﵊ طاعة الله تعالى: وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف.
وأيا ما كان، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه، لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.
والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك، لا أنه لازم له حقيقة.
وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل، والأعمال شرط فيه، أو شطر، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ .
ما يستنبط من الآية
يستفاد منها أمور:
١- حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم.
٢- إنّ الأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله، لا إلى غيرهما.
٣- اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها، ولحفظ وحدتها به.
٤- إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان. والله أعلم.
стр. 423
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
(الزحف) قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يقوم. وشبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فتمشي كلّ فئة مشيا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضّراب.
وقال الزمخشري «١» : الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي يدبّ دبيبا، من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع زحوف.
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ المتحرّف للقتال هو الذي يفرّ موهما قرنه أنه منهزم، فإذا تبعه عطف عليه فقتله، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، وهو حال من فاعل يُوَلِّهِمْ والاستثناء مفرّغ، أو منصوب على الاستثناء أي وَمَنْ يُوَلِّهِمْ إلا رجلا متحرفا لقتال.
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ التحيّز التنحي. والفئة: الجماعة.
نهى الله عن الفرار، وتوعّد عليه أشدّ الوعيد، وهو أن يرجع بغضب من الله، وأنّ مقره في جهنم، ولم يبح الفرار إلا لاثنين:
أحدهما: المتحرّف للقتال، وهو الذي يفرّ، ثم يكرّ مكيدة منه وخدعة.
والثاني: الرجل الذي يرى أنّه كالمنفرد، ويرى جماعة من المسلمين تحميه إذا انحاز إليها.
روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: خرجت سرية وأنا فيهم، ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون؟ فقال: «بل أنتم العكارون وأنا فئتكم» «٢» والعكارون الكرّارون العطّافون.
وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! هلكت فررت من الزحف، فقال عمر ﵁: أنا فئتك.
وهذه الآية حرّمت الفرار من القتال، وأما كم عدد العدو الذي يحرم الفرار منه فقد بينته آية الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] .
стр. 424
قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)
هذه الآية بيّنت أن غنائم الحرب تخمّس، فيجعل خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنّها تقسّم على الجيش، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، أو سهمان على خلاف في الروايات.
وقد اختلف العلماء فيما هي الغنيمة والفيء. فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عنوة من الكافرين في الحرب، والفيء ما أخذ عن صلح، وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول، والفيء الأرضون. وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد، وزعموا أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر، فإنّ آية الحشر [٧] جعلت الفيء كلّه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه الآية جعلت لهم الخمس فقط، فتكون هذه ناسخة لتلك، والظاهر أن الغنيمة والفيء مختلفان ولا نسخ.
وقد ذكرت الآية أنّ الخمس لستة:
أولها: الله ، وقد اختلف المفسرون فيه على قولين:
١- أن قوله: لِلَّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام لم يقصد به أنّ الخمس يقسم على ستة منها الله، فلله الدنيا والآخرة، بل يقسّم الخمس على خمسة للرسول ولذي القربى إلخ. ويكون الغرض من ذكر الله تعليمنا التبرك بذكره، وافتتاح الأمور باسمه.
أو يكون معناه أنّ الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله.
ثم بيّن تلك الوجوه فقال: للرسول ولذي القربى، فأجمل أولا، ثم فصّل.
فإن قيل: لو أراد ذلك لقال: فإنّ لله خمسه للرسول دون (واو) .
قيل: إن العرب قد تذكر الواو والمراد إلغاؤها، كما قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣] والمراد فلما أسلما تله للجبين، لأنه جواب لما.
وكما قال الشاعر:
لي شيء يوافق بعض شيء ... وأحيانا، وباطله كثير
والمعنى يوافق بعض شيء أحيانا.
٢- إنّ المراد لبيت الله، فسهم الله يصرف في الكعبة نقل عن أبي العالية والظاهر القول الأول لإجماع الحجة عليه.
ثانيها: رسول الله، وقد ذكر بعضهم أنه افتتاح كلام كما قالوه في الله، والغنيمة تقسم على أربعة. وقال الأكثرون: إن الغنيمة تقسم على خمسة أولها سهم الرسول ﷺ يضعه حيث رأى.
стр. 425
ثالثها: ذوو القربى والمراد بها قرابة رسول الله ﷺ ، وقد اختلف في ذوي القربى: فقيل: هم قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم، وقيل: هم قريش كلها، وقيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب وهو الراجح،
فقد أخرج ابن جرير «١» عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثم شبّك رسول الله يديه إحداهما بالأخرى.
وقيل: إن سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله- هذا كله إذا كان رسول الله حيا- فأما بعد وفاته، فقد اختلف العلماء في سهمه وسهم ذوي قرباه، فقيل: يصرفان في معونة الإسلام وأهله وفي الخيل والسلاح.
وقيل: هما للإمام من بعده روي عن قتادة أنه سئل عن سهم ذوي القربى، فقال: كان طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيّا فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده.
وقال العراقيون: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم على اليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقال لهم: سهم رسول الله ﷺ سقط بموته فما الذي أسقط سهم ذوي القربى ولا يلزم من سقوط حق أحد المستحقين سقوط الآخرين.
وقال بعضهم: سهم النبي لقرابة النبيّ ﷺ ، وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، ثم اجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄. وكأنّهما كانا يريان أنّ سهم ذوي القربى كان طعمة لرسول الله ﷺ في حياته، وهو لا يورث «٢» فجعلا هذين السهمين في سبيل الله.
رابعها: اليتامى، وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.
خامسها: المساكين، وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
سادسها: ابن السبيل، وهو المجتاز سفرا قد انقطع به.
وقد خالفت المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعها، ورأوا أنّ خمس الغنيمة