← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والاطلاع على العورات، وكان دخول الناس في بيوت غير بيوتهم مظنة حصول ذلك كلّه أرشد الله عباده إلى الطريقة الحكيمة التي يجب أن يتبعوها إذا أرادوا دخول هذه البيوت، حتى لا يقعوا في ذلك الشر الوبيل، وأيضا فإنّ أصحاب الإفك لم يكن لهم متكأ في رمي عائشة ﵂ إلا أنها كانت مع صفوان في خلوة أو ما يشبه الخلوة، لذلك نهى الله عن دخول البيوت بغير إذن حتّى لا يؤدي ذلك إلى القدح في أعراض البرآء الأطهار. روي في سبب نزول هذه الآية أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي أحبّ أن لا يراني عليها أحد، ولا ولد ولا والد فيأتيني آت، فيدخل عليّ فكيف أصنع؟ فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ. وكلمة بُيُوتاً نكرة واقعة في سياق النهي فكانت في ظاهرها شاملة البيوت المسكونة وغير المسكونة، إلا أن مقابلتها بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ يقتضي حملها على المسكونة فقط. والمراد بالبيوت المضافة إلى المخاطبين في قوله تعالى: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ البيوت التي يسكنونها. فالمعنى: لا تدخلوا بيوتا مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا إلخ. الاستئناس: استفعال. قيل: إنه من آنس بالمد بمعنى علم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] فالاستئناس طلب العلم. فالذي يريد أن يدخل بيت غيره مكلّف قبل الدخول أن يستأنس، أي يتعرّف من أهله ما يريدونه من الإذن له بالدخول وعدمه، فهو بمعنى الاستئذان. وقد فسّره بذلك ابن عباس كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن جرير «١» وابن مردويه. وهو أيضا تفسير ابن مسعود وإبراهيم وقتادة ﵃. ويدل على أنّ المراد بالاستئناس الاستئذان قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فإنّ المراد بالذين من قبلهم هم المخاطبون في الآية التي معنا. وقد سمّى الله تعالى استئناسهم استئذانا. وعن ابن عباس من طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف حتى تستأذنوا ويقول: غلط الكاتب. وهذا يوافق ما رواه الحاكم وصححه والضياء في كتابه «الأحاديث المختارة» والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أخطأ الكاتب. وإنما هي حتى تستأذنوا ومن أجل أنّ هذه الرواية فيها كما ترى دلالة على أن ابن عباس ينكر وجها من وجوه القراءات المتواترة

стр. 562

للقرآن الكريم- ولا شك أنّ القول بهذا فيه شر كبير- لهذا أنكر أبو حيان هذه الرواية عن ابن عباس وقال: إنّه ﵁ يجل مقامه أن يذهب هذا المذهب الفاسد، ومن روى عنه ذلك فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين «١» . لكن غير أبي حيان ممن لا يرى رأيه في هذه الرواية يجيب عنها بغير ما أجاب، فابن الأنباري لم ينكرها، بل قال: إنها ضعيفة ومعارضة بروايات أخرى عن ابن عباس، منها ما تقدّم لك أنه كان يفسر الاستئناس بالاستئذان، وهذا يدلّ على أنّه ما كان ينكر قراءة حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا. وبعض العلماء لم يجادل في صحة الرواية التي يقول فيها ابن عباس بخطأ الكاتب نظرا إلى أنها رويت من عدة طرق في بعضها قوة وجودة لهذا اضطر أن يؤول قوله: «أخطأ الكاتب» بأنه ينبغي أن يكون مراد به أنّ الكاتب الذي عهد إليه أن يكتب القرآن بحرف واحد يجتمع عليه الناس أخطأ في اختيار هذا الحرف حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا دون الحرف الثاني تستأذنوا وكان ينبغي أن يختار الثاني، لأنّه أبين وأوضح دلالة على المعنى، ولأنّ معناه محدود، إذ ليس في اللفظ تجوّز ولا اشتراك. وهذا الجواب الأخير هو مختار المحققين من العلماء وأئمة التفسير. ويصح أن يكون الاستئناس مأخوذا من الأنس بضم الهمزة، وهو سكون النفس واطمئنان القلب وزوال الوحشة، فإنّ القادم على بيت غيره مستوحش لا يدري أيؤذن له بالدخول أم لا، فعليه أن يستأنس أولا، أي يلتمس ما يؤنس ويزيل وحشته، وذلك الالتماس إنما يكون بالاستئذان. وقيل: إنّ المراد بالاستئناس إعلام الطارق أهل البيت إعلاما تاما أنه قادم عليهم، ويدل له ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قلنا يا رسول الله ما الاستئناس؟ فقال: «يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت» «٢» . وقيل: إنّ المراد بالاستئناس فعل ما يؤنس أهل البيت، ويدفع عنهم الوحشة التي كانت تلمّ بهم لو لم يفعل. وذلك يكون بالتنحنح وما يشبهه، فهذه معان أربعة للاستئناس: الأول: أن القادم يطلب العلم برأي أصحاب البيت في دخوله. والثاني: أنه يطلب منهم ما يؤنسه ويزيل وحشته. والثالث: أنه يعلمهم إعلاما مؤكدا بقدومه. والرابع: أنه يؤنسهم بعمل ما، كأن يسبح أو يكبر، ومنه ما تعارفه الناس اليوم من دقّ الباب دقا خفيفا دلالة على طلب الإذن.

стр. 563

وأنت ترى أنّ مآل المعنيين الأولين للاستئناس هو الاستئذان، فيكون القادم منهيا عن الدخول قبل أن يأتي بعبارة صريحة تدلّ على الاستئذان، وحينئذ لا يباح له الدخول إلا أن يؤذن له، إذ لا معنى للاستئذان دون أن ينتظر الإذن، فيكون تأويل الآية هكذا: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ويؤذن لكم، ويدل على هذا المضمر قوله تعالى بعد: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ. أما على المعنيين الآخرين فظاهر الآية أنّه لا يتوقف دخول القادم على أن يأذن له بذلك أهل البيت ما دام قد أعلمهم وأزال وحشتهم. وبهذا قال مجاهد وعكرمة، ولعلّك ترى أنّ هذا الرأي ضعيف، فإنّ إعلامهم ودفع الوحشة عنهم لا ينبغي أن يكون كافيا في إباحة الدخول، إذ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان هي أنّ اقتحام البيوت بغير إذن قد يؤدي إلى أن يقع نظر الداخل على ما لا يحل النظر إليه، أو يطلع على ما يكره أهل الدار اطلاعه عليه. وظاهر الآية الكريمة أنّه لا بدّ قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا، وعليه جمهور الفقهاء، فكلّ من الاستئذان والسلام مطلوب غير أنّ الطلب فيهما متفاوت، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب، والطلب في السلام على سبيل الندب، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن. وظاهرها أيضا تقديم الاستئذان على السلام، لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان، وحجتهم في ذلك عموم قوله ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه: «السلام قبل الكلام» «١» . وما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب» «٢» عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلّم، قال: لا يؤذن له حتّى يسلم. وما أخرجه ابن أبي شيبة وابن وهب عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ﵄ فجئته فقلت أألج؟ فقال: ادخل، فلما دخلت قال: مرحبا يا ابن أخي، لا تقل أألج، ولكن قل: السلام عليكم. فإذا قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل، فادخل «٣» .

стр. 564

وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال: استأذن عمر ﵁ على النبي ﷺ فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟ وبعض العلماء فصّل في المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت سلّم أولا، ثم استأذن في الدخول، وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم قدّم الاستئذان على السلام. وهذا قول جيّد، ولا ينافيه حديث الترمذي والآثار السابقة، فإنّه يمكن أن تحمل على الحالات التي يكون فيها القادم بحيث يرى أهل البيت. فالأصل أن يقدّم الاستئذان على السلام كما هو ظاهر الآية إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار، فينبغي أن يحييهم أولا بالسلام، ثم يستأذن. وفي هذا جمع بين الأدلة. وظاهر الآية أنّ الاستئذان غير مقيّد بعدد، فإن استأذن مرة فأجيب بالإذن دخل، وإن أجيب بالرد رجع، وإن لم يجب فلا عليه أن يرجع. وقال بعض العلماء: إنّ الاستئذان ثلاث مرات، فمن لم يؤذن له بعدهن فليرجع، إلا إذا أيقن أنّ من في البيت لم يسمع، فإنّه يجوز له الزيادة على الثلاث. والحكمة في هذا العدد أنّ المرة الأولى لإسماع من في البيت، والثانية: ليتهيؤوا، والثالثة: ليأذنوا، أو يردوا. واستدلّ هؤلاء بما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الاستئذان ثلاث: بالأولى يستنصتون، وبالثانية: يستصلحون، وبالثالثة: يأذنون أو يردون» وبما روي عن أبي سعيد الخدري «١» قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقد قال ﵊: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع» فقال: لتأتيني على هذا بالبينة أو لأعاقبنك، فقال أبيّ بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: وكنت أصغرهم، فقمت معه، فأخبرت عمر أنّ النبي ﷺ قال ذلك. والراجح أنّ الواجب إنما هو الاستئذان مرة، فأما إكمال العدد ثلاثا فهو حقّ المستأذن، إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين. فقد روى الزهري عن عبيد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ﵄ قال: سألت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان تظاهرتا عليه، اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] ؟ فقال: حفصة وعائشة، قال: ثم أخذ يسوق الحديث، وذكر اعتزال النبي في المشربة،

стр. 565

قال: فأتيت غلاما أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فرجعت إلى الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت. قال: فوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك. الحديث «١» ... ففي رجوع عمر ﵁ بعد المرة الثانية دليل على أنّ إكمال الثلاث ليس مطلوبا، بل هو حقّ المستأذن. وهذا ومن الأدب في الاستئذان أنه إذا وقف المستأذن ينتظر الإذن فلا يستقبل الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله. فقد روي أنّ أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله ﷺ وهو مستقبل الباب، فقال ﵊: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب» . وكان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر «٢» . قالوا: لأنّ الدّور لم يكن عليها حينئذ ستور. ولكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك في الدور الآن، ولو كانت مغلقة الأبواب عند الاستئذان، فإنّ الطارق إذا استقبلها فقد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز، أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه. وظاهر الآية أنّ الاستئذان واجب على كلّ طارق، ولو كان أعمى، وبذلك قال العلماء، لأنّ من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، ففي دخول مكفوف البصر على أهل بيت بغير إذنهم إيذاء لهم. فأما ما رواه الشيخان من قوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» «٣» فهو جار على الغالب، وليس الحصر فيه على سبيل التحقيق، بل هو حصر ادعائي مبني على المبالغة، وكمال العناية بالحث على حفظ النظر، وسياق القصة التي قال فيها النبي ﷺ ذلك يدلّ على ما ذكرناه، فقد روى سهل بن سعد أنّه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ ، ومع النبي مدرى يحكّ بها رأسه فقال: «لو أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» وإذا كان الأمر كذلك، وكان القصد المبالغة والتشديد على ذلك الرجل الذي كان يطّلع على حجرة النبي ﷺ علم الغرض من ذلك الحصر، ولم يكن في الحديث حينئذ دلالة على نفي أنه قد يكون الاستئذان من أجل السمع. فالمقصود إفادة أنّ النظر من أقوى الأسباب التي شرع لها الاستئذان.

стр. 566

وظاهر التعبير في الآية باسم الموصول الخاص بجماعة الذكور أنّ النساء ليس عليهن استئذان، ولكنّك تعلم أنّ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان متحققة في الرجال والنساء معا، ولهذا قال العلماء: إنّ في الآية تغليب الرجال على النساء، كما هو المعهود في الأوامر والنواهي القرآنية المبدوءة بمثل هذا النداء. وعلى هذا يكون على المرأة إذا أرادت أن تدخل بيت غيرها أن تستأذن قبل الدخول. فإنّ الناس قد يكرهون أن يطلع بعض النساء على بيوتهم، ويظهرن على ما فيها من أسراره. أخرج ابن أبي حاتم عن أمّ إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة ﵂ فقلت: ندخل؟ فقالت: فقالت واحدة: السلام عليكم، أندخل؟ قالت: ادخلوا. ثم قالت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. والظاهر من تخصيص النهي ببيوت الغير في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أنّ بيوتهم لا يثبت فيها هذا الحكم. والحكم كذلك إذا كانت البيوت خاصة بهم، لا يسكن معهم فيها غيرهم من الأجانب أو المحارم. أما إذا كان فيها أحد من هؤلاء فإنّ الاستئذان يكون مطلوبا أيضا. فقد أخرج مالك في «الموطأ» «١» عن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ : أأستأذن على أمي؟ قال: «نعم» قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا. قال: «فاستأذن عليها» . وأخرج ابن جرير «٢» والبيهقي عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم. وروى الطبري عن طاوس قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم. وقال الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فأوجب على من بلغ من الأطفال أن يستأذن من غير تفرقة بين الأجانب والمحارم، غير أنه ينبغي أن تعلم أنّ أمر الاستئذان في الدخول على المحارم أيسر منه في الأجنبيات من حيث كان يجوز أن يطّلع من المحارم على ما لا يجوز أن يطّلع من غيرهن: كالشعر، والصدر، والساق. وكذلك الاستئذان على الزوجات والمملوكات الأمر فيه أيسر من الاستئذان على المحارم. فقد قال الفقهاء: إنه يستحب أن يستأذن

стр. 567

الرجل قبل دخوله بيته، أو يأتي بما يدلّ على قدومه كالتسبيح والتنحنح، فإنّه قد تكون المرأة في شأن لا تحب أن يطلع عليه زوجها أو سيدها. وظاهر الآية عموم النهي عن دخول البيوت بغير إذن في جميع الأزمان والأحوال، ولكن يجب أن يستثنى من ذلك ما تقضي به الضرورة، كهجوم لصوص على الدار، أو اشتعال النار فيها، فإنّ لمن يعلم ذلك أن يدخلها بغير إذن أصحابها. وبعد فإتماما للفائدة نسوق لك مسألة لها صلة كبيرة بالموضوع، وقد اختلف في حكمها الفقهاء. وذلك أنّه إذا رأى أهل الدار أحدا يطلع عليهم من ثقب في الباب، فطعن أحدهم عينه فقلعها، فهل عليه تبعة هذا الفعل من قصاص وغيره؟ قال الإمامان الشافعي وأحمد ورجال من أهل الحديث: لا شيء عليه، وحجتهم في ذلك ما أخرجه الشيخان «١» عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه» . وما رواه سهل بن سعد ﵁ أن النبيّ ﷺ قال لمن اطلع في إحدى حجراته، وكانت في يده مدرى يحكّ بها رأسه: «لو كنت أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك» «٢» . وفي رواية أنس بن مالك ﵁: أنّ رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله ﷺ ، فقام إليه رسول الله ﷺ بمشقص أو بمشاقص، قال: فكأني أنظر إليه يختله ليطعنه «٣» . وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك: إنّ من قلع عين غيره على هذا النحو كان جانيا وعليه القصاص أو الأرش، لعموم قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: ٤٥] . وأيضا فإنّ الاتفاق على أنّه إذ دخل الرجل الدار بغير إذن أهلها، فاعتدي عليه من أجل ذلك بقلع عينه فإنّ ذلك يعتبر جناية تستوجب الأرش أو القصاص، فإذا كان دخول الدار واقتحامها على أهلها مع النظر إلى ما فيها غير مبيح لقلع عين ذلك

стр. 568

الداخل، فلا يكون النظر وحده من ثقب الباب مبيحا ذلك بالطريق الأولى. وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه ضعيف وعلى فرض صحته ينبغي أن يؤول لمخالفته الأصول، وتأويله أن من اطلع في دار قوم بغير إذنهم فزجر ومنع من ذلك، فقاوم فقلعت عينه بسبب المقاومة والمدافعة فهي هدر. كما أنّه إذا حاول دخول الدار فمنع، فقاوم وغالب، فذهبت عينه فهي هدر. لكن الشافعية ومن وافقهم يقولون: إنّ هذه حادثة ورد فيها حكم يخصّها، فهي مستثناة من عموم قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. ويقولون بالفرق بين من يتجسس على أهل الدار ويطلع عليهم وعلى عوراتهم من ثقب الباب وهم لا يشعرون، وبين من دخل عليهم وبصّرهم بنفسه، وحملهم على أن يتستروا منه. فلا شك أنّ الأول أعظم جرما من الثاني، فلو قلعوا عينه فلا شيء عليهم، وذهبت عينه هدرا. واسم الإشارة في قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عائد على المذكور في الآية، وهو الاستئناس والسلام، فإفراد الإشارة إليه باعتبار أنه المذكور، ويصحّ أن تكون الإشارة للدخول المطلوب شرعا، وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا. والظاهر أن كلمة خَيْرٌ أفعل تفضيل، ولا شك أنّ الاستئذان قبل الدخول مع البدء بتحية الإسلام خير مما كان عليه العرب في الجاهلية من الدمور، وهو الدخول بغير استئذان، ومن قولهم في التحية: حييتم صباحا، أو: حييتم مساء، فإنّ أحدهم كان يدخل بغير استئذان على صاحبه في داره، فربما وجده مع امرأته في لحاف واحد، وكان كثير منهم يشقّ عليه ذلك، ويتأذّى به. والدمور وإن لم يكن فيه شيء من الخير قد فرض فيه ذلك على سبيل التنزل، أو مراعاة لاعتبارهم أن فيه خيرا، إذ كانوا يرون أن الاستئذان مذلة تأباها النفوس. ويرى بعض المفسرين أنّ كلمة خَيْرٌ صفة عارية عن معنى التفضيل وحينئذ لا تقتضي إثبات الخيرية للدخول بغير إذن، ولا لتحية الجاهلية. وكلمة لعلّ في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ للتعليل، والحكم المعلّل بها مطوي يدل عليه قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي أرشدكم الله إلى ذلك الأدب، وبيّنه لكم لتجعلوه على ذكر منكم، فتعملوا بموجبه. قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) قد تكون البيوت المسكونة خالية من أصحابها في وقت من الأوقات، وفي هذه الحال لا يحلّ أيضا لمن يجدها كذلك أن يدخلها، فإنّ خبيئات البيوت عورات لها، والدخول من غير إذن قد يؤدي إلى الاطلاع على هذه العورات، فيجب على الطارق

стр. 569

أن يمتنع عن دخولها حتى يأذن له أصحابها، وليس شيء يبيح الدخول إلا هذا الإذن الذي يصدر ممن يملكه، فإذن العبد والصبيّ والخادم لا يبيح الدخول في البيوت التي لا يوجد بها أصحابها، كما لا يبيح الدخول في البيوت التي يكونون فيها إلا أن يكون أحدهم رسولا من قبل صاحب الدار، وفي هذه الحالة لا يكون الإذن من هؤلاء، إنما هو من صاحب الدار. وإنما قيل: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً ولم يقل: فإن لم يكن فيها أحد، لأنّ التعبير الأول أشمل، إذ عدم وجود أحد فيها يصدق مع خلو البيوت من أصحابها في الواقع، كما يصدق مع كونهم فيها. فالمدار على ظن الطارق واعتقاده، فإن كان يعتقد أنه ليس بها أحد فلا يحلّ أن يدخلها، سواء أكان الأمر كذلك أم كان على خلاف ما ظنّ. وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ أي أنّه لا يليق بكم أيها المؤمنون أن تلحوا في الاستئذان، وأن تقفوا على الأبواب أو تقعدوا أمامها بعد أن تردّوا، ويقال لكم: ارجعوا، فإنّ الوقوف حينئذ فيه ذلة ومهانة لكم، وفيه إيلام لأصحاب البيوت، فالرجوع أزكى لكم، وأطهر لأخلاقكم، وأبعد بكم عن دنس الرذيلة. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ هذا وعيد لمن يعمل على خلاف ما أرشد الله إليه، فمن دخل تلك البيوت التي لا يجد فيها أصحابها، أو حاول دخولها بغير إذنهم، أو لج في الاستئذان، أو وقف على الباب بعد ما علم أنه لا يراد له الدخول: فالله عليم بهذا الذي يعمله. والقصد من هذا الإخبار إفادة لازمه، وهو المجازاة على هذه الأعمال. قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) سبب نزول هذه الآية على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أنّه لما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا إلخ قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق- يريد الخانات التي في الطرق- فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها ساكن؟ فرخّص الله سبحانه في ذلك، فأنزل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلى آخر الآية . فتكون هذه الآية مخصّصة لعموم الآية السابقة كما علمت. وقال ابن عباس فيما أخرجه عنه أبو داود في الناسخ، وابن جرير «١» ، أنّ قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قد نسخ بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلخ واستثنى منه البيوت غير المسكونة.

стр. 570

وكذلك روي عن عكرمة والحسن ما يدلّ على استثناء البيوت غير المسكونة من عموم البيوت في الآية السابقة. وقول ابن عباس: إنّ هذه الآية التي معنا قد نسخت الآية السابقة معناه أنها خصصتها. وكثيرا ما يطلب المتقدمون كلمة النسخ على معنى التخصيص. هذا- والبيوت غير المسكونة تشمل الخربات التي ليست لأحد، وتشمل البيوت العامرة التي تقصد لمنافع عامة غير السكنى كالحمامات والحوانيت والبيوت التي لا تختص بسكنى أحد، كالرباطات والفنادق، فهذه البيوت كلها لا حرج في دخولها بغير إذن، إذا كان للمرء في دخولها حاجة، كالاستحمام، والبيع والشراء، والاستكنان من الحر والبرد، وحفظ الرحال والسلع، فإنّ العرف جرى فيها بالإذن العام. والتعميم في البيوت غير المسكونة- على ما علمت- لا ينافيه ما روي عن محمد بن الحنفية وابن جبير والضحاك من أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين. ولا ما روي عن غيرهم أنّها الخربات تقصد للتبرز فيها، إذ ليس الغرض من ذلك الحصر، وإنما المراد التمثيل. وقوله تعالى: فِيها مَتاعٌ لَكُمْ يصحّ أن يكون صفة ثانية للبيوت، ويصحّ أن يكون مستأنفا سيق لتعليل الإباحة ورفع الحرج. وعلى كل حال فإذا لم تكن للإنسان حاجة تدعوه لدخول هذه البيوت فليس له دخولها، إذ إنّ ذلك يكون ضربا من العبث الذي لا خير فيه. وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون هذه البيوت لمحاولة الاطلاع على العورات أو غيرها من الأغراض السيئة. حكم النظر وإبداء الزينة قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنّ غضّ البصر أمر مستحسن، وأدب جميل ينبغي للمستأذن أن يتحلّى به عند الدخول، فإنّ دخول بيت الغير مظنة الاطلاع على العورات. وقد جيء في صورة حكم عام كلف به المؤمنين جميعا، حتّى يشمل المستأذنين وغيرهم. وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه ابن مردويه «١» عن علي كرّم الله وجهه أنّ

стр. 571

رجلا مرّ على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط، وهو ينظر إليها، إذا استقبله الحائط، فشقّ أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله ﷺ ، فأخبره أمري، فأتاه، فقصّ عليه قصته، فقال النبي ﷺ : «هذا عقوبة ذنبك» وأنزل الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ إلخ. يأمر الله نبيه أن يحث المؤمنين على أن يغضوا أبصارهم عمّا لا يحل، ويحفظوا فروجهم عن المحرمات، ويبيّن لهم أن ذلك أطهر لأخلاقهم، وأبعد بهم عن مظان الريبة وسوء السمعة. والفعل المضارع يَغُضُّوا مجزوم في جواب قُلْ ومفعول القول محذوف، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم يغضوها. وكذلك التقدير في وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وفي هذا إشارة إلى أنّ شأن المؤمنين أن يسارعوا إلى امتثال الأوامر، حتى كأنّهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره ﵊. وغضّ البصر إطباق الجفن على الجفن، أو هو خفض الجفن الأعلى وإرخاؤه، ومن الثاني قول كعب بن زهير: وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول فليس يريد أنها مغمضة عينها مطبقة أجفانها، بل إنها خافضة الطرف من الحياء والخفر. وكلمة مِنْ قيل: إنها صلة على مذهب الأخفش «١» ، والراجح أنها أصلية، وهي على ذلك تحتمل معاني أظهرها أنّها للتبعيض، أي يغضوا بعض أبصارهم، وهو كناية عن غض بصرهم عن بعض المبصرات، وهي التي لا تحلّ، أو يغضوا بعض أبصارهم عند النظر إلى المحرمات، فلا يحملقوا بأعينهم في محرّم، ويكون المعنى على هذا الوجه على إرادة توبيخ من يكثر التأمّل في المحرم، كما تقول لمن عهدت أنه يأتي نوعا من المنكر، ورأيته يسترسل فيه: بعض هذا يا فلان. فأنت لا تريد منه أن يقتصر على بعض هذا المنكر، ولا تفيد بهذا أنك ترضاه له، وأنك تقرّه عليه، بل غرضك أن تلومه وتوبخه على التمادي فيه. وربما ساعد على هذا المعنى ما سبق في نزول الآية، مما يدل على أنّ الرجل والمرأة كان كل منهما يمعن النظر في صاحبه، حتى وسوس الشيطان لهما أنّ كلّا منهما معجب بالآخر.

стр. 572

وقد يرشّح هذا المعنى أيضا تغيير النظم في هذه الآية، وصرف الخطاب فيها عن وجهه بتوجيهه إلى النبي ﷺ ، وتكليفه أن يأمر الناس بغض الأبصار، فإنّ في هذه الطريقة إشعارا بأنّ هذا الفعل قبيح، وأنّ صاحبه يستحق أن يعرض عنه، ويصرف الخطاب إلى غيره. ولا يلزم من مراعاة هذا المعنى في جانب الأمر بغضّ البصر أن يراعى أيضا في الأمر بحفظ الفروج، فإنّ أمر الفروج عظيم ينبغي أن يشدد فيه أكثر مما يشدد في غيره، فلا يستقيم مع ذلك أن يؤتى في جانب الأمر بحفظ الفروج بعبارة توهم صورتها أنّ بعض الفروج قد يتساهل فيه، [و] لا يشدد في الأمر بحفظه. وقال صاحب «الكشاف» «١» : إنما دخلت مِنْ في غضّ البصر دون حفظ الفرج للدلالة على أنّ أمر النظر أوسع، ألا ترى أنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع، وأنّ الأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها. وأمّا أمر الفرج فمضيّق، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه. وقد اختلف في المراد بحفظ الفروج، فقيل: إنّ معناه تجنب الزنى واللواطة، وقيل: إن المراد سترها، فلا يحل للمؤمن أن يكشف عن سوءته، ولا أن يلبس لباسا رقيقا يشفّ عما تحته، ويبين عورته، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا. ثم لا يخفى وجه الجمع بين أمرين: أحدهما: متعلق بحفظ الأبصار. والثاني: متعلق بحفظ الفروج فإنّ النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور، فكان حراما، لأن من شأنه أن يؤدي إلى الحرام، فإن وقع القصر على محرم من غير قصد وجب أن يصرف عنه، وليس على المرء إثم في النظرة الأولى غير المقصودة، فقد روى مسلم «٢» عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. وروى أبو داود عن بريدة قال قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة» «٣» . ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أي ما ذكر من غضّ البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم، وأنقى

стр. 573

لدينهم، وأبعد بهم عن الريبة. وأفعل التفضيل هنا للمبالغة في أنّ غضّ الأبصار وحفظ الفروج يطهّران النفوس من دنس الرذائل، أو أنّ المفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أنّ في استيفاء اللذة نفعا. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ الخبرة: العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء، ويكشف عن دخائلها، فالله خبير بما يصنعون. عليم علما تاما بظواهر أعمالهم وبواطنها، لا تخفى عليه من ذلك خافية، وهو وعيد وتهديد على مثال ما سبق. قال الله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) جرت عادة القرآن الكريم في التكاليف العامة والآداب التي تشمل نوعي الذكور والإناث أن يوجّه الأمر والنهي، ويصرف الخطاب إلى جماعة الذكور، وتكون النساء داخلات في الحكم بطريق تغليب الرجال عليهن، أو بطريق المقايسة. وقد يكون للنساء حكم يخصّهنّ، فيفردن بالذكر من أجله. وعلى هذه الطريقة جاء قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ الآية، لأنهن زدن عن الرجال أحكاما تخصهن، وهي النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى. والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن، وينبّه الناس عليها. أمرت هذه الآية الكريمة المرأة بغضّ بصرها، ولم تعين ما يجب غض البصر عنه، كما أنّ الآية السابقة لم تعيّن ما يجب على الرجال غض أبصارهم عنه، وقد تكفّلت السنة ببيان ذلك، فحظرت على المرأة أن تنظر من غير زوجها إلى ما بين السرة والركبة، سواء في ذلك الرجال والنساء، وسواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة، حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة. كلّ هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا. أما نظرها إلى ما تحت الركبة وفوق السرة فقد اختلفت الروايات فيه. فأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي ﷺ وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال

стр. 574

رسول الله ﷺ : «احتجبا منه» فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه» «١» ؟. وفي «الموطأ» عن عائشة أنّها احتجبت من أعمى فقيل لها: إنّه لا ينظر إليك، قالت: لكنّي انظر إليه. فهاتان الروايتان بظاهرهما تحظران على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي، وصححه النووي، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ. وفي «الصحيحين» «٢» وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا انظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي يسأم. ولأحمد «٣» عنها أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد قالت: فاطلعت من فوق عاتقه، فطأطأ لي منكبيه، فجعلت انظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت، ثم انصرفت. وقد صحّ أنّ النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال: «إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده» «٤» ولا شكّ أن مساكنتها له تستلزم نظرها إليه. وصحّ أيضا أنّ النبي ﷺ مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد، فذكّرهن ومعه بلال، وأمرهنّ بالصدقة «٥» . وبعيد ألا ينظرن إلى النبي ﷺ وإلى بلال حين كن يسمعن الموعظة ويتصدقن، فدلّ مجموع ذلك على أنه يباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما عدا ما بين سرته وركبته. وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار، وهو أحد قولي الشافعي كما علمت. وأجاب أصحاب هذا الرأي عن حديث أم سلمة، واحتجاب عائشة من الأعمى: بأنّ الأعمى قد يبدو من عورته المتفق على حرمة النظر إليها ما لا يشعر به فأمرن بالاحتجاب منه لذلك، فلا يلزم من ذلك عدم جواز النظر بإطلاق. كما أجاب أصحاب الرأي الأول عن نظر عائشة إلى الحبشة وهم يلعبون بأنّ

стр. 575

ذلك كان قبل نزول الحجاب، أو أنّها كانت يومئذ جارية صغيرة كما قالت هي عن نفسها. وعن سكنى فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم بأنه يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه. وكذلك يمكن أن يستمع النساء إلى النبي ﷺ مع غض أبصارهن عنه ﵊ وعن بلال ﵁. ولعل أولى ما جمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب، وكذلك احتجاب عائشة ﵂ من الأعمى كان ورعا منها وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، ويؤيد ذلك استمرار العمل على خروج النساء إلى الأسواق وإلى المساجد وفي الأسفار منتقبات حتى لا يراهن أحد من الرجال، ولم يؤمر الرجال بالانتقاب حتى لا يراهم النساء، فكان ذلك دليلا على المغايرة بين الرجال والنساء في الحكم. وليس بصحيح ما قيل من أن عائشة كانت صغيرة حينما كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، ولا أن ذلك كان قبل نزول الحجاب، لأنّ في بعض روايات الحديث تصريحا بأنّ هذه القصة كانت بعد قدوم وفد الحبشة، ومعلوم أنّ قدومهم كان سنة سبع وسن عائشة يومئذ ست عشرة سنة، وكانت هذه الحادثة بعد نزول الحجاب كما هو ظاهر. وقوله تعالى: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ يقال فيه ما قيل في نظيره في الآية السابقة، وحاصله أنّ المراد بحفظ الفروج البعد عن الزنى والسحاق، أو سترها حتى لا يراها أحد، أو أنّ المراد الأمران جميعا. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها الزينة في الأصل اسم لكل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها. وقد اختلف العلماء في المراد بالزينة في الآية، فحملها بعضهم على معناها الحقيقي، إذ كان لا يصحّ العدول عنه متى أمكنت إرادته، وقال: إنّ الكلام دائر حول الزينة نفسها، والنهي منصبّ على إبدائها ذاتها، بدليل قوله تعالى فيما سيأتي وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ومعلوم أن ليس المراد أنهن منهيات عن إبداء الزينة مطلقا، حتى ولو كانت معروضة في منديل للبيع في الأسواق، بل المراد أنهنّ منهيات عن إبداء الزينة حين التحلي بها، واستعمالها في مواقعها، وحينئذ يكون إبداء مواقع الزينة منهيا عنه من باب أولى، فإنّه ما نهي عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع، فكان إبداء المواقع نفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة. ومنهم من قال: إن المراد من الزينة مواقعها من الأعضاء، إما بطريق تقدير

стр. 576

مضاف، والأصل: ولا يبدين مواقع زينتهن. وإما بطريق إطلاق الزينة وإرادة مواقعها لقوة الملابسة بينهما. والصارف عن المعنى الحقيقي أنّ الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي، بدليل أنّ ما استنثني منها في قوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قد فسره كثير من الصحابة والتابعين بالوجه والكفين، وظاهر أنّ المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون المراد من الزينة مواقعها من البدن. يؤيّد هذا ما رواه أبو داود «١» عن عائشة أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه ، فإنّ هذا الحديث الشريف في معنى الآية. وظاهر قوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها أنّ النساء منهيات عن إبداء الزينة إلا الزينة التي ظهرت، فلسن منهيات عن إبدائها، وهو معنى لا يكاد يستقيم، لأنّ ما ظهر بالفعل فقد بدا فلا يقال فيه: إنهن غير منهيات عن إبدائه، وحينئذ فلا بد من تأويل في الكلام، وذلك بأحد وجوه ثلاثة: الأول: أن الاستثناء هنا منقطع، والمعنى عليه: ولا يبدين زينتهن أبدا، لكن ما ظهر منها بنفسه ومن غير قصد فهو عفو، كأن كشفت الريح عن نحرها أو ساقها. الثاني: أن المستثنى منه محذوف دل عليه النهي، فكأنه قيل: ولا يبدين زينتهن، وهنّ مؤاخذات على إبداء زينتهن، إلا ما ظهر منها بنفسه، فلسن مؤاخذات عليه. وعلى هذين التأويلين لا يكون ما ظهر من الزينة شيئا معيّنا. والثالث: أنّ معنى ما ظهر: ما جرت العادة وقضت الحاجة بظهوره، وكان في ستره حرج ومشقة في المتعارف بين الناس: أي ولا يبدين شيئا من زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره، فلسن منهيات عن إبدائه، وذلك هو الوجه والكفّين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين: ظاهرة وباطنة، فالله قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثني فيما يأتي، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة، لأنّ الحاجة تقضي بظهورها كما علمت. وتعميم النهي أولا، ثم الاستثناء منه ثانيا مشعر بأنّه ينبغي للنساء أن يحتطن في الستر، ولا يبدين من زينتهن الظاهرة إلا ما تدعو حاجتهن إلى إبدائه. وعلى الاختلاف في تأويل الآية انبنى خلاف الأئمة في آرائهم ومذاهبهم في عورة المرأة، فالحنفية والمالكية على أنّ الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو أحد قولي الشافعي، ويشهد لهم ما تقدم من قوله ﷺ : «يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت

стр. 577

المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه «١» . وفي رواية عن أبي حنيفة ﵁: أن القدمين ليستا من العورة أيضا. نظر في ذلك إلى أنّ الحرج في سترهما أشدّ منه في ستر الكفين، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات. وعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك، لما في سترهما من الحرج، فأنت ترى أصحاب هذا القول قد نحوا في الآية منحى التأويل الأخير، وأنّ المراد أنهنّ منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة التي لم يحظر إبداؤها. وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن الحرة كلّه عورة، فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي، وهو أصحّ قولي الشافعي، وأصحاب هذا الرأي تأولوا الآية على أحد الوجهين: الأول والثاني، وأن المراد ما ظَهَرَ: ما ظهر بنفسه من غير قصد إلى إظهاره، ويشهد لذلك من السنة: ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي «٢» عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» . وما رواه أحمد وأبو داود والترمذي «٣» عن بريدة قال قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة» . وما رواه البخاري «٤» عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه- وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية- فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النبي ﷺ بذقن الفضل، فحوّل وجهه عن النظر إليها. وقول الله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] وهو- وإن كان السبب فيه أزواج النبي ﷺ فإنّ الحكم يتناول غيرهن بطريق القياس عليهن. ولعلك إذا نظرت إلى أنّ الشريعة سهلة سمحة لا حرج فيها ولا مشقة، ترجّح القول بأنّ الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة، فإنّ في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن، لا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم، فيضطرون إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهنّ. وينبغي أن يكون القول بهذا خاصّا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة، أما في غيرها من الحالات التي نخشى فيها الفتنة، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق

стр. 578

والطرقات، فلا يجوز للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها، ولا أن تبدي شيئا من زينتها. فأما قول النبي ﷺ لجرير بن عبد الله: «اصرف بصرك» وقوله لعلي بن أبي طالب: «لا تتبع النظرة ... » فمعناها النهي عن تعمد النظر إلى شيء من بدن المرأة لغير حاجة، فإن تعمد النظر إليها حينئذ لا يخلو عن ريبة، وقد أمرنا بالبعد عن مظانّ التهم والريبة. وأما صرف النبي ﷺ وجه الفضل عن النظر إلى الخثعمية. فإنما كان ذلك لمخافة الفتنة، فقد أخرج الترمذي «١» وصححه: أنّ العباس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ : لويت عنق ابن عمك؟ فقال ﵊: «رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة» . فكان في ذلك دليل على جواز النظر عند أمن الفتنة، ولو لم يفهم العباس أنّ النظر جائز ما قال مقالته، ولو لم يكن ما فهمه صحيحا ما أقرّه عليه النبي ﷺ . وأما قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فحكمه خاصّ بأزواج النبي ﷺ لما أنّ لهن من الحرمة ما ليس لغيرهن من النساء، فلا يقاس غيرهن عليهن في ذلك. هذا وقد استثنت الشريعة حالات يباح فيها للأجنبي أن ينظر من بدن المرأة إلى ما تقضي الضرورة بالنظر إليه فللخاطب والشاهد والقاضي والعامل أن يرى الوجه، حتى على رأي القائلين بأن بدن المرأة كله عورة، وكذلك للطبيب أن يرى موضع العلاج، وللشاهد بالزنى أن يرى ما يصحح له الشهادة. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ. والضرب: معناه السدل والإرخاء. والخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، مأخوذ من الخمر بمعنى الستر والتغطية. والجيوب: جمع جيب. وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض النحر. في هذا الأمر إرشاد من الله، وتعليم للنساء كيف يسترن بعض مواضع الزينة الباطنة منهن، أمرهن أن يرخين الخمر على جيوبهن، ليسترن الصدور والنحور، ولا يكنّ كنساء الجاهلية، إذ كانت إحداهنّ تضع خمارها على رأسها، ثم تلقي أطرافه وجوانبه من خلفها. وكانت تمشي بين الرجال هكذا، يظهر منها نحرها وصدرها. وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة. لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ قد تبين مما تقدّم أنّه لا يجوز للمرأة أن تبدي من زينتها خلاف ما استثناه الله تعالى بقوله: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها فحرام عليها أن تبدي معصمها أو ساقها أو جيدها أو شيئا من مواقع الزينة الباطنة منها.

стр. 579

أما قوله سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إلخ فالمقصود منه استثناء البعولة ومن عطف عليهم من عموم من نهيت المرأة عن إبداء الزينة الباطنة له. أما البعولة وهم الأزواج، ويلحق بهم من له حق التسرّي من السادة، فالأمر فيهم ظاهر. وأما سائر من استثنى الله فللحاجة إلى مخالطتهم مع أمن الفتنة. استثنت الآية نوعين لأجل المصاهرة: آباء الأزواج وأبناء الأزواج، وليس وراء هذين النوعين من المحارم بالمصاهرة أحد. واستثنت من المحارم بالنسب خمسة أنواع: هم آباء النساء، وأبناؤهن وإخوتهن، وأبناء إخوتهن وأبناء أخواتهن. ولم تذكر من المحارم الأعمام والأخوال، كما أنها لم تذكر المحارم بالرضاع. والفقهاء مجمعون على أنّ حكم هؤلاء كحكم المذكورين في الآية. أما عدم ذكر الأعمام والأخوال فلعلّ السر فيه أنّ العمومة والخئولة بمنزلة الأبوة، فكان ذكر الآباء مغنيا عن ذكر الأعمام والأخوال، وأما المحارم من الرضاع فعدم ذكرهم للاكتفاء ببيان السنة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «١» . والأنواع الباقية: هي النساء، والمماليك، والتابعون غير أولي الأربعة، والأطفال. فأما النساء والمماليك فقد قال الله تعالى فيهم: أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وللعلماء خلاف في المراد بكل نوع من هذين النوعين، فذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء ما يعمّ الحرائر والإماء، وعليه يكون المراد بما ملكت أيمانهنّ خصوص العبيد، لأنّ الإماء قد دخلن في النساء. وحينئذ يحل للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة للنساء الحرائر والإماء، ولمن تملكه من العبيد، لأنّهم في ذلك ملحقون بذوي المحارم. وبهذا قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة وكثير من السلف وهو مذهب مالك، وأحد قولي الشافعي. ويؤيده ما رواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ أتى فاطمة ﵂ بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: «إنّه ليس عليه بأس، إنما هو أبوك وغلامك» «٢» . وذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء خصوص الحرائر، لأنّ المراد بما ملكت أيمانهن خصوص الإماء، وذلك لأنّ العبد فحل غير محرم ولا زوج، والشهوة فيه متحققة، والحاجة إلى الخلطة به قاصرة، فكان هو والحر الأجنبي في التحريم سواء،

стр. 580

وحرمة النكاح بينه وبين سيدته عارضة كحرمة أخت الزوجة، وما زاد على الأربع والأمة المزوجة بالغير، فدلّ ذلك على أنّ قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لا يشمل العبيد، وأنّه لبيان حكم الإماء لا غير، فوجب أن يكون قوله تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ مقصورا على الحرائر، لا يتناول الإماء، وإلا كان قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لغوا. وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تبدي لعبدها من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي، ولا يحلّ له أن ينظر من سيدته إلا ما يحل له أن ينظر إليه من الأجنبية، وبهذا قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين، وكذا ابن المسيّب، فقد روي أنه رجع إليه وقال: لا تغرنّكم سورة النور فإنّها في الإناث لا في الذكور. وهو مذهب الحنفية وأحد قولي الشافعي، ويؤيده قوله ﷺ : «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم» «١» والعبد ليس بذي محرم فلا يجوز لها أن تسافر معه. وحينئذ لا يجوز لها أن تبدي له من زينتها ما تبديه لمحارمها. وأجاب أصحاب هذا القول عن حديث أنس السابق بأنّ العبد كان صغيرا إذ إنّ الغلام حقيقة في غير البالغ. هذا وللعلماء خلاف أيضا في المراد بالنساء مع ناحية أخرى هي ناحية الدين: فقال جماعة: إنّ المراد بهنّ عموم النساء بلا فرق بين المسلمات والكافرات، وعلى هذا تكون الإضافة في قوله تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ للإتباع والمشاكلة، فيجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة، وهذا هو أحد قولين عند كل من الحنفية والشافعية، وصححه الغزالي من الشافعية، وأبو بكر بن العربي من المالكية، وقال آخرون: إنّ المراد بهن خصوص النساء المسلمات، فتكون الإضافة للاختصاص، أي النساء المختصات بهن في الصحبة والأخوة في الدين، وعلى هذا لا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا من زينتها الباطنة للكافرة. واعتمده جمع من الشافعية. وقال أبو السعود من الحنفية: إنّه يصح القولان في مذهبهم، هو قول أكثر السلف. أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عيبدة ﵁: أما بعد فإنّه بلغني أنّ نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، فإنّه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها. وأما التابعون غير أولي الإربة فقد قال الله فيهم: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ الإربة والأرب والأرب والمأربة: الحاجة. والمراد بالإربة هنا الحاجة إلى

стр. 581

النساء. والمراد بالتابعين إلخ الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم، من غير أن تكون لهم حاجة في النساء، ولا ميل إليهن. وفي تعيين المراد بغير أولي الأربة من الرجال أقوال كثيرة للسلف: فنقل عنهم أنّه الشيخ الذي فنيت شهوته، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا، أو المجبوب، أو الخصي، أو الممسوح، أو خادم القوم للعيش، أو المخنّث. والذي عليه المعول: أن المراد به كل من ليس له حاجة إلى النساء، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب، فتعيين نوع من الأنواع السابقة بخصوصه لا يؤدي الغرض المقصود، فربّما كان أحد هؤلاء أعرف بالنساء، وأقدر على وصفهن ممن ليس على مثل حاله. أخرج مسلم وأبو داود والنسائي «١» وغيرهم عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنّث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال ﷺ : «أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلنّ عليكنّ هذا» فحجبوه . فأنت ترى أنّ النبيّ ﷺ حظر دخول ذلك المخنث على نسائه، لأنّه وصف امرأة أجنبية بحضرة الرجال الأجانب. وقد نهي الرجل أن يصف امرأته لغيره، فكيف إذا وصفها غيره من الرجال؟. وأما الأطفال فقد قال الله فيهم: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ قال الراغب «٢» : كلمة طفل تقع على الجمع كما تقع على المفرد، فهي مثل كلمة ضيف. وقيل: هي مفرد، وصحح وصفه بالجمع أنّه محلى بأل الجنسية، فهو على حد قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. فكأنه قيل: أو الأطفال الذين لم يظهروا ... كما هو منقول عن مصحف حفصة. ويقال: ظهر على الشيء إذا طلع عليه. ويقال: ظهر على فلان إذا قوي عليه. فعلى الأول يكون المعنى: أو الطفل الذين لم يطلعوا على عورات النساء. وهو كناية عن أنّهم لم يعرفوا ما العورة، ولم يميزوا بينها وبين غيرها. وعلى الثاني يكون المعنى: أو الطفل الذين لم يقووا على النساء. أي لم يبلغوا حدّ الشهوة والقدرة على الجماع. والعورات جمع عورة، وأصلها ما يحترز من الاطلاع عليه، سواء أكان ذلك من بدن الإنسان أم من متاعه. وغلبت في سوأة الرجل أو المرأة. والمراد بها هنا سوأة المرأة.

стр. 582

استثنى الله ممن لا يصح أن تبدي لهم المرأة زينتها الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء. وقد علمت أنّ عدم الظهور على عورات النساء له معنيان: فعلى المعنى الأول لا ينبغي للمرأة أن تظهر شيئا من زينتها الباطنة للمراهق الذي لم يبلغ الحلم، لكنه يعرف عورة النساء، ويميز بين ما للرجل وما للمرأة، ويلحق به من كان قريبا من المراهقة إذا كان يميز بين العورة وغيرها، ويستطيع أن يحكي ما يراه، وعلى المعنى الثاني لا يحرم على المرأة أن تبدي زينتها لمن دون المراهقة، ولا للمراهق أيضا إلا إذا كان فيه تشوّق للنساء، والأمر على المعنى الثاني أوسع في الإباحة منه على المعنى الأول. ويؤيد المعنى الأول أنّ الطفل مأمور بالاستئذان فى أوقات ثلاثة بيّنها الله تعالى بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور: ٥٨] . ولا شك أن المأمور بذلك من الأطفال إنما هو الطفل الذي يعرف عورات النساء، ويخشى من دخوله في هذه الأوقات التي هي مظنة اختلال التستر أن يحكي ما يراه، ويصف ما يقع عليه بصره، سواء أكان مراهقا أم لا، فالطفل المأمور بالاستئذان في الأوقات الثلاثة، هو الذي يعرف العورة وهو الذي ينبغي للمرأة ألا تبدي له شيئا من زينتها، وعليه يكون المراد بالأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء: الأطفال الذين لا يعرفون ما العورة لصغرهم. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ الضرب بالأرجل الدقّ بها على الأرض في المشي، والزينة هنا الخلاخل: أي لا يجوز للمرأة أن تدقّ برجليها في مشيتها لتسمع الناس صوت خلاخلها، فإنّ ذلك يحرك في قلوب الرجال الشهوة، ويدفعهم إلى التطلع إليها، ويحملهم على أن يظنوا بها ميلا إلى الفسوق، وإذا كان السبب في تحريم هذا الفعل هو ما يؤدي إليه من الفتنة والفساد، كان كلّ ما في معناه مما يجر إلى الفتنة والفساد ملحقا به في التحريم، كتحريك الأيدي بالأساور، وتحريك الجلاجل في الشعر. فالتنصيص في الآية على الضرب بالأرجل ليس لقصر النهي عليه، بل لأنّ هذا هو ما كان عليه نساء الجاهلية، فقد كانت إحداهنّ تمشي في الطريق، حتى إذا مرت بمجلس من مجالس الرجال وفي رجلها خلخال ضربت برجلها الأرض، فصوّت الخلخال. فنهى الله سبحانه المؤمنات عن ذلك. وظاهر الآية أنهنّ منهيات عن الضرب بأرجلهن، بقصد أن يعلم الناس ما يخفين من زينة، فيقتضي بمفهومه أنّه لا إثم على المرأة أن تضرب برجلها إذا لم تقصد بذلك تنبيه الناس على زينتها، ولعلّ هذا غير مراد، وإنّ تقييد النهي عن الضرب بحالة القصد إنما هو لموافقة سبب النزول، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه. ويصحّ أن تكون اللام في قوله تعالى: لِيُعْلَمَ لام العاقبة، ويكون المعنى

стр. 583

على ذلك أنهنّ منهيات عن الضرب بأرجلهن أمام الرجال الأجانب مطلقا، سواء أقصدن إعلامهم أم لم يقصدن. فإنّ عاقبة الضرب بالأرجل وفيها الخلاخل أن يعلم الناس ما يخفين من الزينة فيفتتنوا بهن. وبالقياس على ما تقدم قال الفقهاء: إنّه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بحيث تشمّ منها الرائحة الطيبة، فقد أخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل صلاة امرأة تطيّبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة» «١» . وروى أبو داود والنسائي عن أبي موسى ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا» «٢» يعني زانية. واستدل الحنفية بهذا النهي على أنّ صوت المرأة عورة، فإنّها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى. والظاهر أنّه إذا أمنت الفتنة لم يكن صوتهنّ عورة، فإنّ نساء النبي ﷺ كنّ يروين الأخبار للرجال، وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ختم الله هذه الآية الكريمة بأمر المؤمنين أن يتوبوا من التقصير الذي لا يخلو عنه أحد منهم، لا سيما ما يتعلّق بإبداء الزينة والنظر إليها. فالآية تشير بهذا الختام إلى أنّه قلّما يسلم أحد من الوقوع في بعض جرائم هذا الباب، ولهذا فهم محتاجون إلى عفو الله ومغفرته. فأرشدهم الله تعالى إلى طريق ذلك بقوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً وخاطبهم بعنوان الإيمان، لينبههم إلى أن الإيمان الصحيح هو الذي يحمل صاحبه على الامتثال، وعلى التوبة والاستغفار مما يكون قد ارتكبه من هفوات، فإنّ التوبة سبب الفلاح والفوز بالسعادة. هذا وعن ابن عباس أنّ المراد مما سبق منهم في الجاهلية من النظر وغيره، والآثام التي وقعت منهم في الجاهلية، وإن كان الإسلام قد جبّها فهم مأمورون بالتوبة منها كلما تذكّروا. قال بعض العلماء: وهذا هو الحال في كل معصية تاب منها صاحبها أنه يلزمه أن يكرر التوبة منها كلّما ذكرها.

стр. 584

الترغيب في النكاح قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ إن الله سبحانه لم يحرّم على الناس نوعا من المتاع في الدنيا إلا جعل له نظيرا من الحلال الطيب، ليكون ذلك معينا لهم، ومقويا لعزائمهم على ترك ما حرّمه عليهم، فقد حرّم الربا وأحلّ البيع، وحرّم الميتة وأحل المذكّى، وحرّم الخنزير وأحلّ النعم، كما أنّه حرّم الزنى وأحلّ النكاح. فبعد ما زجر الله عن الزنى ودواعيه القريبة والبعيدة من النظر وإبداء الزينة ودخول البيوت بغير استئذان رغّب في النكاح، وأمر بالإعانة عليه، فالنكاح من خير ما يحقّق العفة، ويعصم المرء عن الزنى، ويبعد به عن آثامه. والْأَيامى: جمع أيم، وأصله أيايم قدّمت الميم على الياء، ثم فتحت للتخفيف، فانقلبت الياء ألفا. والأيم من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء أكان بكرا أم ثيبا، وليس خاصّا بالنساء، قال قائلهم: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ معناه: زوجوا أياماكم بعضهم من بعض. وكذلك ليس خاصا بمن يموت عنه زوجه، بل يقال أيضا لمن فارق بالطلاق. قال الشماخ: يقرّ لعيني أن أحدّث أنّها ... وإن لم أنلها أيّم لم تزوج قاله في زوجه بعد ما فارقها، هذا هو المشهور في لسان العرب. فالمراد بالأيامى في الآية من لا زوج له من الرجال والنساء، وقوله مِنْكُمْ معناه الذين هم من جنسكم في الحرية، بقرينة عطف الصالحين من العبيد والإماء عليه. والمراد بالصلاح معناه الشرعي المعروف، وهو مراعاة أوامر الدين ونواهيه، وقيل: المراد به المعنى اللغوي، وهو الأهلية للنكاح، والقيام بواجبه، والعباد: كالعبيد جمع عبد، وهو الذكر من الأرقاء. والإماء: جمع أمة، وهي أنثى الرقيقة، ففي الصالحين تغليب الذكور على الإناث. وإنما اعتبر الصلاح في جانب الأرقاء دون الأيامى من الأحرار والحرائر، لأنّ

стр. 585

تزويج العبيد والإماء يفوّت على سادتهم منافع كثيرة، لا يشجعهم على التغاضي عنها، والتهاون فيها إلا استقامة أولئك العبيد والإماء وصلاحهم، أو ظن قيامهم بموجب النكاح وحقوقه. في الآية أمر بتزويج الأيامى من الأحرار والمملوكين، وقد اختلف العلماء في المأمورين بهذا الأمر، فقيل: إنّ هذا أمر موجّه إلى الأمة جميعها. وقيل: إنّ المأمورين هم أولياء الأحرار وسادات العبيد والإماء. ولكنك قد عرفت أنّ اسم الأيامى واقع على الذكور والإناث، فلا وجه لتخصيص الأولياء بالأمر، إذ إن الأيم الكبير من الأحرار لا ولاية لأحد عليه. فالوجه القول الأول: وهو أنّ المأمور الأولياء والسادات، وغيرهم من سائر الأمة، فالأمر متوجه إليهم جميعا أن ينكحوا من لا زوج له. والإنكاح معناه الحقيقي التزويج، وهو إجراء عقد الزواج. ولو أريد بالإنكاح في الآية هذا المعنى لكان الناس مكلّفين أن يزوّجوا الأيامى، وفيهم الرجال الكبار، مع أنّه لا ولاية لأحد عليهم. فكان لا بد من التأويل. إما في كلمة وَأَنْكِحُوا باستعمالها في معنى أعم من إجراء العقد وهو المساعدة في النكاح والمعاونة عليه، وإما في الْأَيامى بحملها على غير الرجال الكبار، ولعلّ التأويل الأول أرجح، فإنّ الآية مسوقة للترغيب في النكاح، والذي يناسبه إبقاء الأيامى على عمومها. وظاهر الأمر بالإنكاح أنّه للوجوب، وبه قال أهل الظاهر، وقال السلف وفقهاء الأمصار إنّه للندب، وصرفه عن ظاهره أمور: - منها: أنه لو كان تزويج من ذكر في الآية واجبا لشاع العمل به في عصر النبي ﷺ ، وعصر الخلفاء الراشدين من بعده، ولنقل إلينا مستفيضا لعموم الحاجة إليه، مع أنّه قد كان في عصر النبي ﷺ والعصور بعده أيامى كثيرون من رجال ونساء، ولم ينكر على واحد ترك تزويجهم. - ومنها: أنّ الأيم الثيب لو أبت الزواج فلا يجبرها أحد، فلو كان تزويجها واجبا لأجبرها عليه من ثبت عليه الوجوب. - ومنها: الاتفاق على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده وأمته، فلا يكون تزويجهما واجبا عليه، والظاهر أن الحكم في المعطوف عليه، وهو الأيامى من الأحرار كذلك، إذ صيغة الطلب واحدة. واستدل الشافعية بظاهر قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ على أنّه يجوز للولي أن يزوّج البكر البالغة دون رضاها، لأنّهم تأوّلوا الآية على أنّ الخطاب فيها للأولياء، فقد جعلت للولي حقّ تزويج موليته مطلقا، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، وسواء أرضيت

стр. 586

أم لم ترض، ولولا أنّ أدلة أخرى جعلت الثيب أحقّ بنفسها لكان حكمها حكم البكر الكبيرة، أنه يجوز تزويجها دون رضاها. وأنت تعلم أنه ليس في الآية دليل على إهدار رضا الكبيرة، ولا اعتباره، لكن قوله ﷺ : «والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها» «١» يدل على وجوب استئذانها، واعتبار رضاها، فكان ذلك مخصصا للآية. وكذلك استدلّوا بها على أنّ المرأة لا تلي عقد النكاح، لأنّ المأمور بتزويجها وليّها فلو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوتت على وليها ما جعله الله حقا من حقوقه، ولكنّك قد علمت أنّ الأولى حمل الخطاب في الآية على أنّه خطاب للناس جميعا على معنى ندبهم إلى المساعدة في النكاح، والمعاونة عليه، وعلى هذا فحكم مباشرة العقد ينبغي أن يؤخذ من غير هذه الآية. واستدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ على أنه يجوز للحر أن يتزوج بالأمة مطلقا، ولو كان مستطيعا طول الحرة. ويقول الشافعية: إنّ قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ [النساء: ٢٥] أخصّ من الآية التي معنا، والخاصّ مقدّم على العام، فلا يجوز لمن وجد طول الحرة أن يتزوج أمة، كما تقدم ذلك في سورة النساء مفصّلا. وقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ يتناول بظاهره جميع الأيامى، إلا أنّهم أجمعوا على أنّه لا بد لهذا من شروط: ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ولا أخت زوجته، ولا عمتها، ولا خالتها، ولا بنت أخيها، ولا بنت أختها، إلى غير ذلك من الشروط التي تكفّلت بها الآيات والأحاديث الصحيحة. واستدلّ العلماء بقوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ على أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته دون رضاهما، لأنّ الآية جعلت للسيد حقّ تزويج كلّ منهما، ولم تشترط رضاهما. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ اختار بعض المفسرين أنّ الكناية في قوله تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء، وعلى ذلك يكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة، سواء أكان ذلك بملك ما يحصل به الغنى أم لا. واختار آخرون أنّها راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر خاصة، لأنّ قوله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ظاهر في أن يملكهم ما يحصل به الغنى، وتندفع به الحاجة، والأرقاء لا يملكون، فليسوا مرادين في الآية.

стр. 587

وظاهر الجملة الشرطية أنها وعد من الله تعالى بالغنى للمتزوج. وقد نقل عن كثير من الصحابة والتابعين ما يدلّ على أنهم أجروا الآية على ظاهرها، وأنها عدة كريمة من الله، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «المصنف» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ابتغوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف. والأخبار الدالة على وعد الناكح بالغنى كثيرة. أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حقّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله» «١» . وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج «٢» . وقد يقال: كيف تبقى الشرطية على ظاهرها، وأنها وعد من الله بإغناء الفقراء إذا تزوجوا، مع أننا نرى كثيرا من الفقراء يتزوجون، ويستمر فقرهم، ولا يبسط لهم في الرزق، ووعد الله لا يتخلف؟ والجواب: أنّ هذا الوعد مشروط بالمشيئة، كما هو الشأن في مثله. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨] ويرشد إلى إضمار المشيئة قوله تعالى: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنّ المناسب للمقام أن يقال: (واسع كريم) لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل ليفيد أنه يعلم المصلحة، فيبسط الرزق لمن يشاء، ويقدّر لمن يشاء، حسبما تقضي به الحكمة والمصلحة، «إنّ من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله» . وذهب كثير من المفسرين إلى أنّ هذا ليس وعدا من الله بإغناء من يتزوج، بل المقصود الحث على المناكحة، والنهي عن التعليل بفقر المستنكحين، فالمعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس النكاح مانعا من الغنى، ولا سببا في الفقر. وما

стр. 588

استقر في الطباع من أنّ العيال سبب في الفقر إن هو إلا ارتباط وهمي، فقد ينمّي الله المال مع كثرة العيال، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة، والواقع يشهد بهذا. وتحقيق ذلك أنّ المراد بيان أنّ النكاح ليس مانعا من الغنى، فعبّر عن ذلك ببيان أنّه سبب في الغنى مبالغة، على حدّ قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠] فإنّ ظاهره الأمر بالانتشار في الأرض إذا قضيت الصلاة، والمراد تحقيق زوال المانع وإنّ الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار في الأرض، فعبّر عن نفي المانع من الانتشار بما يقتضي طلب الانتشار مبالغة. هذا وقد استدل بعض العلماء بالآية على أنّ النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة، لأنّه تعالى لم يجعل الفقر مانعا من الإنكاح، بل حثّ على إنكاح الفقراء، ووعدهم بالغنى، فإذا كان الفقر ليس مانعا من ابتداء النكاح فلأن لا يكون مانعا من استدامته أولى. وأنت تعلم أنّ غاية ما تفيده الآية أنّه يندب ألا يردّ الخاطب الفقير ثقة بما عند الله. وهذا القدر أيضا ثابت في استدامة النكاح، فإنّه يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر وتستأني بها، وهذا لا يمنعها أن تستوفي حقها من فسخ النكاح إذا كان الشرع قد قرّر لها حق الفسخ للإعسار، فالمسألة موقوفة على ورود الشرع بالتفريق للإعسار، فإذا ورد بذلك شرع فالآية لا تنافيه. واستدل بهذا كثير من العلماء على أنّه يندب للفقير أن يتزوج، ولو لم يملك أهبة النكاح، فإنّه من البعيد أن يندب الله الولي إلى إنكاح الفقير، ثم يندب الفقير إلى ترك النكاح، وتمام البحث في الآية الآتية: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الاستعفاف: الاجتهاد في العفة وصون النفس. والمراد بالنكاح هنا ما ينكح به، فإنّ فعالا يكون اسم آلة كركاب لما يركب به. ويجوز أن يراد به حقيقته الشرعية. وبالوجدان: التمكن منه، ويصح أن يقدّر في الكلام مضاف، أي لا يجدون أسباب النكاح ومبادئه: كالمهر، والكسوة، والسكنى، والنفقة. يأمر الله الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون. وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلا لهم وتطمينا لقلوبهم. واستدلّ بعض العلماء بالآية على أنّه يندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان. وقد تقدّم أن في الآية السابقة دليلا على ندب النكاح له، فكأنّ بين الآيتين تعارض في ظاهرهما، وللعلماء في الجمع بينهما طريقان: فالشافعية يجعلون هذه مخصصة للآية السابقة، ويقولون: الفقراء قسمان: قسم

стр. 589

يملك أهبة النكاح، وقسم لا يملكها. فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم الله بهذه الآية إلى ترك النكاح وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم وأصلح لحالهم: من الاستعفاف وصون النفس إلى وجدان الغنى، وحينئذ يتزوجون، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب الله إلى إنكاحهم بقوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هم الذين يملكون أهبة النكاح، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج. والحنفية يبقون الآية السابقة على عمومها، ويؤوّلون النكاح في هذه الآية على أنّه صفة بمعنى اسم المفعول، ككتاب بمعنى المكتوب، فالأمر بالاستعفاف هنا محمول على من لم يجد زوجة له، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين، ولا يخفى أنّ الغاية في قوله تعالى: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ تجعل هذا التأويل بعيدا كل البعد. والكلام فيما يعتري النكاح من الأحكام واختلاف المذاهب فيه مرجعه إلى كتب الفروع. واستدلّ بعض الناس بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، لأنه لو كان صحيحا لم يتعيّن الاستعفاف سبيلا للتائق العاجز عن مبادئ النكاح وأسبابه، وظاهر الآية أنّه لا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف. وقد يقال: إذا صحّ هذا كان دليلا على تحريم الوطء بملك اليمين. والجواب: أن من عجز عن المهر يكون عن شراء الجارية أشد عجزا في المتعارف الأغلب عند الناس، فلا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف. مكاتبة الأرقاء وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ. الكتاب والمكاتبة: مصدرا كاتب كالعتاب والمعاتبة. والكتابة بمعنى العقد الذي يجري بين السيد وعبده على عتقه بعد أن يؤدي مالا يتفقان عليه، لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية. وسمّي هذا العقد كتابة إما لأنّ العادة جارية بكتابته لتأجيل العوض فيه، وإمّا لأنّ السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، وإما لأنّ العوض فيه يكون منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عامّ في العبيد والإماء إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً للعلماء في تفسير الخير هنا أقوال: منها أنّ المراد به الأمانة والقدرة على الكسب، وذكر البيضاوي أنّ هذا التفسير قد روي مرفوعا، وهو مروي عن ابن عباس، واختاره الشافعي، لأنّ مقصود الكتابة لا يحصل إلا بأمانة العبد، وقدرته على

стр. 590

الكسب، وقد يرشّح هذا التفسير قوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦] . وفسّره بعضهم بالحرفة، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود في «المراسيل» والبيهقي في «السنن» وتعقب هذا القول ابن حجر بأنّ العبد إذا لم يكن أمينا أضاع ما كسبه، فلم يحصل المقصود من كتابته. وعن قتادة وإبراهيم وابن أبي صالح أنهم فسروه بالأمانة، وضعّفه ابن حجر أيضا بأنّ المكاتب إذا لم يكن قادرا على الكسب كان في مكاتبته ضرر على سيده، ولا وثوق بإعانته بنحو الصدقة والزكاة. وروي عن علي وابن عباس في رواية ثانية، وابن جريج ومجاهد وعطاء أنهم فسّروا الخير بالمال، ولعلّ مرادهم القدرة على كسب المال، كما هو أحد الأقوال السابقة، وإلّا فهو ضعيف لفظا ومعنى، أمّا ضعفه من جهة اللفظ فلأنّه لا يقال: فيه مال، وإنما يقال: عنده مال أو له مال، وأما ضعفه من جهة المعنى فلأنّ العبد لا مال له، وفسّر الحسن الخير بالصلاح، وهو ضعيف، لأنّه يقتضي ألا يكاتب غير المسلم، وقريب منه تفسير بعض الحنفية إياه بألا يضر بالمسلمين بعد العتق. بعد أن أمر الله بإنكاح الصالحين من العبيد والإماء أمر جلّ شأنه بكتابة من يطلب الكتابة منهم، ليكون حرا، فيتصرّف في نفسه. وأخرج ابن السكن في سبب نزول هذه الآية «١» عن عبد الله بن صبيح قال: كنت مملوكا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إلخ. وظاهر الأمر في قوله: فَكاتِبُوهُمْ أنّه للوجوب، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، والضحاك، وابن سيرين، وداود، وحكاه بعض الناس عن عمر بن الخطاب ﵁، أخذا مما رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير «٢» عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فأقبل علي بالدّرة، وتلا قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إلخ وفي رواية أنّه قال: كاتبه، أو لأضربنّك بالدّرة، وفي أخرى أنه حلف عليه ليكاتبنّه. وجمهور العلماء على أنّ الأمر في قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ للندب والاستحباب، لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» «٣» ولأنّه لا

стр. 591

فرق بين أن يطلب الكتابة، وأن يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب هذا البيع، كذلك لا تجب الكتابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع، مرجعها إلى رضا الطرفين واختيارهما. وما روي عن عمر في قصة سيرين لا يدلّ على الوجوب، لأنّها لو كانت واجبة لحكم بها عمر على أنس، ولم يكن يحتاج أن يحلف عليه ليكاتبنّه، ولم يكن أنس أيضا يمتنع من شيء واجب عليه. وأما تهديد عمر إيّاه فإنما كان من كمال شفقته على رعيته، وحبه الخير لهم، فكثيرا ما كان يأمر الناس بما لهم فيه الحظ في الدين، وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة. وذهب بعض العلماء إلى أنّ قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ أمر ورد بعد الحظر، فهو للإباحة، لأنّ الكتابة من السيد بيع ماله بماله، وهذا محظور، فلما ورد الشرع بطلبه كان مباحا. وحينئذ يكون ندب الكتابة واستحبابها من دليل آخر، مثل قوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) [البلد: ١٢، ١٣] وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ إلى قوله: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] إلى غير ذلك من العمومات التي تندب إلى عمل البر وفعل الخير. وظاهر الإطلاق في قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ جواز الكتابة، سواء أكان البدل حالّا أم مؤجلا بنجم واحد أو أكثر، وإلى ذلك ذهب الحنفية. ومنع الشافعية الكتابة على بدل حالّ، قالوا: إنّ الكتابة تشعر بالتنجيم، فتغني عن التقييد. وأيضا لو عقدت الكتابة حالّة توجهت المطالبة على المكاتب في الحال، وليس له مال يؤدي منه، فيعجز عن الأداء، فيرد إلى الرق، ولا يحصل مقصود الكتابة. ونظيره من أسلم فيما لا يوجد عند حلول الأجل فإنّه لا يجوز. وكذلك منع الشافعية الكتابة على أهل من نجمين، وسندهم في ذلك أنها عقد إرفاق، ومن تمام الإرفاق التنجيم، ومع أنّ هذا الرأي مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر تراه خلاف ظاهر الآية، ومستند الشافعية فيه ليس بالقوي. وقوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً شرط، ومشروطه الأمر بالكتابة، فإن لم يعلموا فيهم خيرا لم تجب، أو لم تندب مكاتبتهم، على الخلاف في مقتضى الأمر كما تقدم. بل ربما تكون الكتابة حين انتفاء الشرط محرمة، كما إذا علمنا أنّ المكاتب يكتسب بطريق الفسق، أو يضيّع كسبه في الفسق، ولو استولى عليه السيد لا متنع من ذلك، ونظيره الصدقة والقرض إذا علم أنّ من أخذهما يصرفهما في محرم فإنهما يحرمان. وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قد اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطاء المكاتب من هو؟ وفي المال أي الأموال هو؟ فقال أكثر العلماء: المأمور بالإعطاء هو مولى العبد المكاتب، والمال الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة.

стр. 592

ثم اختلفوا على أنّ الربع هو المراد بالآية. وعن ابن مسعود والحسن الثلث. وعن ابن عمر السبع. وعن قتادة العشر. وقال الشافعي: لم تقدّر الآية الشيء الذي يؤتيه المولى، فيكفي في الخروج من عهدة الطلب أن يؤتيه أقلّ متمول، وفي حكمه حط شيء من مال الكتابة، بل الحط أولى من الإيتاء، لأنّه المأثور عن الصحابة، ولأنه في تحقق المقصود من الكتابة أقرب من الإيتاء. وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنّ ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابه شيئا مسمّى. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم وعمل الناس عندنا. ثم اختلف هؤلا في الإيتاء: أهو على سبيل الفرض والتحتيم أم على سبيل الندب والاستحباب؟ فقال سفيان الثوري وطائفة من العلماء: إنّه ليس بواجب، وإن يفعل ذلك حسن. وذهب الشافعي إلى أنّ الإيتاء واجب، وفي معناه الحط كما تقدم، لأنّ ظاهر الأمر في الآية الوجوب، ولا صارف عنه. وقال جماعة من العلماء: إنما هذا أمر متوجه إلى الناس كافة أن يعطوا المكاتبين سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضة بقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ [التوبة: ٦٠] وهذا هو مذهب الحنفية، وحكاه أبو بكر بن العربي عن مالك. وظاهر أنّ الأمر حينئذ يكون للوجوب. وقيل: إنّه أمر ندب للمسلمين عامة بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم. وقيل إنه أمر للموالي أن يقرضوا المكاتبين شيئا من أموالهم لاستثماره في التجارة ونحوها إعانة لهم على أداء مال الكتابة. الإكراه على البغاء قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ الفتيات: جمع فتاة، وكلّ من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة في أيّ سن كانا. والبغاء: زنى النساء. والتحصن: التعفف عن الزنى.

стр. 593

والعرض: المتاع سريع الزوال. والمراد به هنا ما يعمّ أجورهنّ التي يأخذنها على الزنى بهن وأولادهن من الزنى. أخرج مسلم وأبو داود عن جابر ﵁ «١» أنّ جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى الرسول ﷺ ، فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما على الزنى، أحدهما عبد الله بن أبي. وقيل: كان له ست جوار أكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلخ. وعن علي وابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنى، يأخذون أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام، ونزلت الآية. وعلى جميع الروايات لا سبيل إلى تخصيص الآية بمن نزلت فيه، بل هي عامة في سائر المكلّفين، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قد يقال: إنّ النهي عن الإكراه هنا مقيّد بأمرين: الأول: أنّهنّ يردن التحصن. والثاني: أنّهم يبتغون عرض الحياة الدنيا، فيلزم القائلين بالمفهوم أنّ الإكراه على الزنى جائز إذا لم يردن التحصن، أو لم يقصدوا به عرض الحياة الدنيا، والإكراه على الزنى غير جائز بحال من الأحوال إجماعا. والجواب عن ذلك من وجوه: الأول: أنّ الشرط لم يقصد به تخصيص النهي بحالة وجوده، وإخراج ما عداها من حكمه، بل قصد به النص على عادة من نزلت فيهم الآية، حيث كانوا يكرهونهنّ على البغاء، وهن يردن التعفف عنه. ومعلوم أنّه لا يعمل بمفهوم القيد إلا حيث لا يكون له فائدة غير المفهوم، فإذا ظهر له فائدة غير المفهوم، فلا اعتبار بمفهومه. وهنا قد ظهر للشرط فائدة، وهي أنّ في التنصيص على تعفف الإماء توبيخا لسادتهم، وتقبيحا لحالهم، حيث لم يبلغوا في محاسن الآداب والترفع عن الدنيا مبلغ الفتيات المبتذلات، مع وفور شهوتهن، ونقصان عقلهن، وقصور باعهن في معرفة محاسن الأمور. وكذلك قوله تعالى: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا لم يقصد به التنصيص على هذه الحالة لإخراج ما عداها من الحكم، وإنما جيء به ليسجّل عليهم عادة كانت

стр. 594

تجري فيما بينهم أيضا، زيادة في التشنيع عليهم، وتقبيحا لما كانوا عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير. والوجه الثاني: أنّ قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً شرط في تصور الإكراه وتحققه، وليس شرطا للنهي، وهذا الوجه ضعيف، لأنّ الإكراه قد يتصوّر إذا لم يردن التحصن، بأن تكره على زنى غير الذي أرادته، ولو سلّم أن الإكراه لا يتصور إلا إذا أردن التحصن، فذكر الإكراه مغني عن هذا القيد. والوجه الثالث: أن المفهوم اقتضى ذلك الحكم، وهو جواز الإكراه على الزنى عند عدم إرادتهن التحصن، لكن ذلك الذي اقتضاه المفهوم قد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع. وإيثار إِنْ في قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً على (إذا) لأنّ إرادة التحصن من الإماء كالشأن النادر، أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك، فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع. فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ اختلف أهل التأويل في المغفور له من هو، أهو المكرهون أم المكرهات؟ فأكثر العلماء من السلف والخلف على أنّ المعنى: فإنّ الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، ويؤيد هذا الرأي قراءة ابن مسعود: مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ورويت هذه القراءة عن ابن عباس أيضا. وأورد على هذا الرأي اعتراضان: أولهما: أنه يلزم عليه خلو جملة الجزاء من عائد على اسم الشرط. وثانيهما: أنه لا إثم عليهن حال الإكراه، لأنهنّ غير مكلفات، ولا إثم دون تكليف، فكيف تعلّقت المغفرة بهن؟ والجواب عن الأول: أن خلو الجزاء عن ضمير اسم الشرط لا محذور فيه، لأن اللازم لانعقاد الشرطية كون الأول سببا للثاني، وهو هنا ظاهر، على أنّ التقدير: فإنّ الله من بعد إكراههم إياهن، ففاعل المصدر هو العائد، والمحذوف كالملفوظ. والجواب عن الثاني: أن تعليق المغفرة بهن إما لأنهنّ وإن كن مكرهات لا يخلو عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلّة البشرية، وإما لتشديد المعاقبة على المكرهين، لأنّ الإماء مع قيام عذرهن إذا كنّ بصدد المعاقبة، حتى احتجن إلى المغفرة، فما حال المكرهين؟ واختار بعض العلماء أنّ المعنى: أنّ الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، أي للمكرهين، وجعل ذلك مشروطا بالتوبة. وهو تأويل ضعيف لأنّ فيه تهوين أمر الإكراه على الزنى، والمقام مقام تهويل وتشنيع على المكرهين.

стр. 595

قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) يقول الله جل ذكره: لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة آيات تبيّن لكم ما بكم الحاجة إلى بيانه من الأحكام والحدود والشرائع، وأنزلنا لكم فيها مثلا وقصة عجيبة من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم، وموعظة ينتفع بها المتقون. فما تقدم من أول السورة إلى هنا يشتمل على آيات ذكر فيها الحدود والأحكام الشرعية، وعلى قصة الإفك العجيبة المشابهة لقصة يوسف وقصة مريم ﵉، حيث اتهما بما اتهمت به عائشة ﵂ من الإفك، فبرأهما الله، وعلى مواعظ وزواجر مثل قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] وقوله جل شأنه: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [النور: ١٢] إلخ. وقال بعض العلماء المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة جميع ما في القرآن الكريم من الآيات والأمثال والمواعظ. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) روي أنّ أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فيه، فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فنزلت هذه الآية «١» . وروي أنّ رسول الله ﷺ بعث وقت الظهيرة إلى عمر ﵁ غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو، فدخل وعمر نائم قد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر: لوددت أنّ الله نهى آبائنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن، فانطلق معه إلى رسول الله ﷺ فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية، فخرّ ساجدا شكرا لله . وهذه إحدى موافقات رأي عمر للوحي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنّه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يعجبهم أن يباشروا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا، ثم يخرجون إلى الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات

стр. 596

إلا بإذن، بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية، فإذا صحّ أنّ سبب النزول قصة أسماء المتقدمة كان قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطابا للرجال والنساء بطرق التغليب، لأنّ دخول سبب النزول في الحكم قطعي كما هو الراجح في الأصول. وقد يقال: الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ للمملوكين والصغار، وكيف يؤمر الصبي الذي لم يبلغ الحلم، ولا تكليف قبل البلوغ؟ والجواب من وجهين: الأول: أن الأمر وإن كان كذلك في الظاهر، لكنّه في الحقيقة للمخاطبين، فهم أمروا أن يأمروا مماليكهم وصبيانهم بالاستئذان، وإلى هذا المعنى يرشد كلام السدي في سبب النزول كما سبق. وأمر المخاطبين صبيانهم بالاستئذان إنما هو من باب التأديب والتعليم، ولا إشكال فيه، ومثله ما روي من قوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» «١» . والثاني: أنّ الأمر للبالغين من المذكورين على وجه التكليف، ولغيرهم على وجه التأديب. وظاهر الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ أنّ للوجوب، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. ولكن الجمهور على أنّه أمر استحباب وندب، وأنّه من باب التعليم والإرشاد إلى محاسن الآداب، فلو دخل المملوك المكلّف على سيده بغير استئذان لم يكن ذلك معصية منه، وإنما هو خلاف الأولى، وإخلال بالأدب. نعم إذا كان يعلم أنّ في دخوله بغير إذن إيذاء لسيده كان دخوله حينئذ حراما، لا من حيث إنه دخل بغير إذن، بل من حيث أنه آذى غيره، وعلى كلا القولين حكم الاستئذان في الأوقات الثلاثة الآتية محكم ليس بمنسوخ ولا مؤقّت بوقت قد انتهى على الصحيح. وزعم بعض الناس أنّه منسوخ، لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جاريا على خلافه. وقال آخرون: إنّ طلب الاستئذان كان في العصر الأول إذ لم يكن لهم أبواب تغلق ولا ستور ترخى. تمسّكوا في ذلك بما أخرجه أبو داود «٢» عن عكرمة قال: إنّ نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس ﵄: كيف ترى فى هذه الآية التي أمرنا بها ولا يعمل بها أحد. قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية،

стр. 597

فقال ابن عباس ﵄: إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو اليتيمة والرجل على أهله، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور وبالخير فلم أر أحدا يعمل ذلك بعد. وظاهر قوله تعالى: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أنّ الحكم خاص بالذكور من العبيد سواء أكانوا كبارا أم صغارا، وبهذا الظاهر قال ابن عمر ومجاهد. والجمهور على أنه عام في الذكور والإناث من الأرقّاء الكبار منهم والصغار. وعن ابن عباس أنه خاص بالصغار، وهو بعيد. وأبعد منه ما روي عن السلمي من تخصيصه بالإناث. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ كناية عن أنهم قصروا عن درجة البلوغ، ولم يصلوا حدّ التكليف، فالكلام مستعمل في لازم معناه، لأنّ الاحتلام أقوى دلائل البلوغ، وسيأتي لذلك مزيد شرح عند تفسير قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ إن شاء الله. والجمهور على أنّ المراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان من الذكور والإناث، سواء أكانوا أجانب أم محارم، إلا أنّ قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ يجعل اسم الموصول هنا خاصا بالمراهقين. كما أنّ وصفه بقوله تعالى: ومِنْكُمُ يجعله خاصا بالأحرار ويشعر بذلك أيضا ذكره في مقابلة الذين ملكت إيمانكم. ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ الظهيرة وقت الظهر، وقل: شدة الحر عند انتصاف النهار. وقد اختلف العلماء في إعراب ثَلاثَ مَرَّاتٍ تبعا لاختلافهم في المراد بها. فالجمهور على أنّها منصوبة على الظرفية، للاستئذان، لأنّ المعنى: ليستأذنكم المذكورون في ثلاثة أوقات: قبل الفجر، ووقت الظهيرة، وبعد صلاة العشاء. وقال أبو حيان: إنّها مفعول مطلق مبيّن للعدد، لأنّ المعنى: ليستأذنوكم ثلاث استئذانات كما هو الظاهر، فإنّك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات، ويؤيده قوله ﵊: «الاستئذان ثلاث» وعليه يكون قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ إلخ ظرفا لثلاث مرات. وقد يقال: إنّ رأي أبي حيان يقتضي أن يكون الاستئذان ثلاث مرات واقعا في كل وقت من الأوقات الثلاثة المذكورة بعده، وليس هذا بمراد، ولعلّ هذا هو الذي حمل الجمهور على العدول عن مقتضى ظاهر اللفظ إلى القول بأنه ظرف أبدل منه الأوقات الثلاثة إبدال مفصّل من مجمل. ولأبي حيان أن يقول: إنّ مجموع

стр. 598

الاستئذانات الثلاث واقع في مجموع الأوقات الثلاثة، فلكل وقت استئذانة واحدة، والأمر قريب. وقوله تعالى: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ معناه أنّ هذه الأوقات الثلاثة السالفة الذكر هي ثلاثة أوقات يختلّ فيها تستركم عادة، فالوقت الأول: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة، وذلك مظنة انكشاف العورة. والوقت الثاني: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وقت يتجردون فيه عن الثياب لأجل القيلولة. والوقت الثالث: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وقت يخلعون فيه ثياب اليقظة ويلبسون ثياب النوم، وقد يتعاطون فيه مقدمات المباشرة. لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ الظاهر أنّ المراد من هذه الجملة أنّه لا إثم في ترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة، فذلك ترخيص في الدخول بغير استئذان في الأوقات الممتدة بين كل وقتين من الأوقات الثلاثة السابقة. أما الوقتان الواقعان فيما بين صلاة الفجر والظهيرة، وفما بين الظهيرة وصلاة العشاء، فترك الاستئذان فيهما أمر ظاهر، لأنّهما ليسا من أوقات العورة. وأما الوقت الممتد بين العشاء والفجر فترك الاستئذان فيه غير ظاهر، لأن هذا الوقت وقت نوم يختل فيه التستر عادة، فكان من حقه أن يدخل في أوقات العورة التي لا يباح فيها الدخول بغير استئذان. وللعلماء في ذلك توجيهات: منها: أن الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة السابقة يفهم منه الأمر بالاستئذان في هذا الوقت من باب أولى، وعليه يكون حكم هذا الوقت كالمستثنى من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ. ومنها: أنّه مسكوت عن حكمه لندرة الوارد فيه جدا. ومنها: أن العادة جارية بأنّ من ورد في هذا الوقت لا يرد حتى يشعر أهل البيت، ويعلمهم بوروده، لما في الدخول هذا الوقت من دون إعلام من التهمة وإساءة الظن. ولأبي حيان رأي آخر في معنى الجملة، وهو أنّ التقدير ليس عليكم ولا عليهم جناح بعد استئذانهن فيهن، فتصرّف في الكلام بالحذف والإيصال. فحذف فاعل الاستئذان، وهو الضمير المضاف إليه، وحذف حرف الجر، فصار بعد استئذانهن، ثم حذف المصدر المضاف، فصار بعدهن. وحاصل المعنى عليه: فإذا استأذنوكم في الأوقات الثلاثة، فلا جناح عليكم ولا عليهم. وهذا المعنى وإن كان يدفع الإشكال السابق، إلّا أنّه خلاف الظاهر، والتصرف في الكلمة على هذا النحو تأباه جزالة النظم الجليل. وقد علمت فيما سبق أنّ الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلخ

стр. 599

في ظاهر اللفظ موجّه لمن لم يبلغ الحلم، وهو في الحقيقة أمر لأوليائهم أن يعلّموهم الآداب الحسنة، ويأمروهم بالاستئذان في الأوقات الثلاثة السابقة، فإذا اعتبر الأمر في ظاهر اللفظ قيل: ليس عليهم جناح بعدهن، وإذا اعتبر المأمورون في الحقيقة قيل: ليس عليكم جناح، واقتصر عليهم. لكنّ النظم الجليل قد روعي فيه الاثنان، فجمعهما في نفي الجناح مبالغة في الإذن بترك الاستئذان بعد الأوقات الثلاثة. والظاهر أنّ المراد بالجناح المنفي الإثم الشرعي، أي لا إثم عليكم ولا إثم عليهم في دخولهم عليكم بغير استئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة. ويفهم منه أنّ على المخاطبين وعلى الصغار الذين لم يبلغوا الحلم إثما إذا دخل هؤلاء الصغار في الأوقات الثلاثة من دون استئذان. وهو مشكل من وجهين: الأول: أن المخاطبين حمّلوا تبعة فعل غيرهم، مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. والثاني: أنّ الصغار غير مكلّفين، فلا يتصور في حقهم الإثم الشرعي. والجواب أنّه لا مانع من تأثيم المخاطبين لتركهم تعليم الصغار، وتمكينهم إياهم من الدخول بغير استئذان في أوقات العورات. وإنّ الجناح المنفي عن الصغار الجناح العرفي، بمعنى الإخلال بالأدب والمروءة. نفت هذه الآية الحرج في دخول المماليك والذين لم يبلغوا الحلم بغير استئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها يحظر الدخول بغير استئذان في جميع الأوقات، فكان بين ظاهر الآيتين تعارض. وأصحّ ما دفع به هذا التعارض أنّ الآية السابقة خاصة بالأحرار البالغين، وفي حكمهم مماليك الأجانب. وهذه الآية في الصبيان ومماليك المدخول عليه، فلا تعارض. ويؤخذ من تعليل الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة بأنها أوقات عورة، يختل فيها تسترهم: أن العبرة بتحقق هذا المعنى، بقطع النظر عن خصوص الوقت، فلو كان أهل البيت على حال يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين عليهم فيها كانكشاف عورة ومداعبة زوجة. أو أمة. فإنّه ينبغي أن يستأذن مماليكهم وصبيانهم عليهم ولو كان ذلك في غير الأوقات الثلاثة. لأن المعنى الذي من أجله أمروا بالاستئذان، وهو خشية الاطلاع على العورات متحقق. فالأمر بالاستئذان فيها، ونفي الجناح بعدها جاريان على العادة الغالبة. طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أي وهم يطوفون عليكم بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي بعضكم طائف على بعض، فحذف متعلّق الجار، وهو كون خاصّ لدلالة ما قبله عليه. والجملة الأولى مستأنفة لبيان العذر المرخّص في ترك الاستئذان، أي إن من

стр. 600

شأنهم مخالطتكم، والتردد عليكم بالدخول والخروج، فرفع الحرج عنكم وعنهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة. والجملة الثانية مؤكّدة للأولى في بيان الحكمة التي من أجلها رخّص في ترك الاستئذان، إلا أنها أشمل من الأولى، فإنّ معناها أن كلّا منكم لا يستغني عن مخالطة الآخر، فهم طوّافون عليكم، وأنتم طوّافون عليهم. وفي هذا تسلية للماليك والخدم، بأنّ التعاون في الحياة أمر مشترك بين المالك والمملوك والخادم والمخدوم. وكان من حق المقابلة أن يقال: طوافون عليكم، وأنتم طوافون عليهم. لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ مراعاة لجانب السادة المخدومين، وتلطفا في التعبير عن حاجتهم إلى المماليك والخدم. وتدل الآية الكريمة على اعتبار العلل في الأحكام الشرعية، لأنّ الله تعالى نبّه على العلة في طلب الاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله جلّ شأنه: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ونبّه على العذر المبيح لترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة بقوله عزّ اسمه: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ. وتدلّ الآية أيضا على أنّ من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح. على وجه التأديب والتعليم، وليعتاده ويتمرّن عليه، ليكون أسهل عليه عند البلوغ. قال تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦] روي في تفسيرها أدّبوهم وعلّموهم. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ معنى تبيين الآيات إنزالها مبينة واضحة الدلالة على معانيها وما قصد منها. يكثر في القرآن أنّ الله جلّ شأنه بعد أن يذكر الآيات واضحة الدلالة مبيّنة بيانا يشفي الصدور، ويعمر القلوب باليقين والاطمئنان، ويحمل السامع على أن يستيقن أن هذا هو البيان، لا بيان بعده، يردف ذلك بقوله عزّ اسمه كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ فينبه المخاطبين على أنّ هذه عادة الله في آياته كلّها يبينها البيان الشافي لقوم يعقلون. وَاللَّهُ عَلِيمٌ ذو علم شامل لكل معلوم، فيعلم ما يصلح لكم وما لا يصلح حَكِيمٌ فيشرع لكم من الأحكام ما يناسبكم، ويكفل لكم السعادة في المعاش والمعاد. قال الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) قد يتوهّم بعض الناس أنّ الصبي وقد اعتاد الدخول والتردد على أهل بيت معين إذا بلغ مبلغ الرجال فلا حرج في دخوله بغير استئذان، كسابق عادته، فجاءت هذه
следующие страницы →