وما
رواه البخاري وغيره عن علي كرم الله وجهه من قوله حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
وأجاب الجمهور بأن الآية مخصوصة وخبر أبي داود متروك العمل بما
رواه الستة «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي.
فقال رسول الله ﷺ : «قل» .
فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مئة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي ﷺ فرجمت. فقد دل هذا الحديث على أنّ الرجم هو تمام الحد على المحصن، ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره النبي ﷺ .
وإنّ قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم، وكذا قصة الغامدية.
وقد تكرر الرجم في زمانه ﷺ ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا الرجم.
وأما جلد علي كرم الله وجهه شراحة، ثم رجمه إياها فهو رأي له لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله ﷺ ، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة رضوان الله عنهم. ولعل عمله هذا محمول على مثل ما رواه أبو داود عن جابر ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ برجل زنى فجلد الحد، ثم أخبر أنّه محصن فأمر به فرجم.
وأيضا فإنّ المعنى المعقول يأبى اجتماع الجلد مع الرجم، لأن الجلد حينئذ يعرى عن المقصود الذي شرع الحد لأجله، وهو الانزجار أو قصده إذ كان القتل لا حقا له.
وللشافعية قاعدة في مثل هذا وهي أن الفعل إذا كان له جهتا عموم وخصوص،
стр. 527
وكان لكل من جهتيه حكم فإنّه إذا أوجب أعظم الأمرين بجهة خصوصه لا يوجب أدونهما بجهة عمومه: مثاله خروج المني من القبل لمّا أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوص كونه خروج مني لم يوجب أدونهما وهو الوضوء بعموم كونه خارجا، كذلك زنى المحصن لما أوجب أعظم الحدين وهو الرجم بخصوص كونه زنى محصن لم يوجب أدونهما وهو الجلد بعموم كونه زنى.
أقوال الفقهاء في النفي
علمت أن الحنفية «١» يقولون: إنّ النفي ليس من الحد في شيء، وإنه مفوّض إلى رأي الإمام، وحجتهم في ذلك ظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مئة جلدة، فلو كان النفي مشروعا لكان ذلك نسخا للكتاب، وجميع ما روي عن النبي ﷺ في النفي لم يخرج عن كونه من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حدّا مع الجلد لكان من النبي ﷺ توقيف للصحابة، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أنّ الجلد هو جميع الحد، ولوجب أن يكون وروده في وزن ورود نقل الآية وشهرتها. فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد.
وقد روى الستة «٢» غير النسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» .
قال مالك: الضفير الحبل،
وفي رواية: «فليجلدها ولا تثريب عليها»
فظاهر الحديث أنّ الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره النبي ﷺ .
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه غرّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهر قل فقال عمر: لا أغرب بعدها أحدا ولم يستثن الزنى.
وروي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال في البكرين إذا زنيا: إنهما يجلدان ولا ينفيان، وإنّ نفيهما من الفتنة.
فإذا كانت الأخبار المثبتة للنفي معارضة بما سمعت، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد، فليس بجائز أن نزيد في حكم الآية بهذه الأخبار، لأنّه يوجب
стр. 528
النسخ على ما سمعت، لا سيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية، ولا يدفع حكم الأخبار، وذلك بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزيز، ويكون النبي ﷺ قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنّه أبلغ في الزجر، وأحرى بقطع العادة.
والقائلون بأن النفي من تمام الحد احتجوا بحديث عبادة بن الصامت وقد تقدم، وفيه تنصيص على أن النفي من الحد، وقد ورد مثله في قصة العسيف، وتكرّر ذكر النفي فيها على أنّه من الحد، ولا مانع من الزيادة على حكم الآية بخبر الآحاد.
على أنّه ليس ذلك زيادة في حكم الآية، فإنّ إيجاب الجلد المفهوم من الآية مشترك بين إيجاب الجلد مع التغريب، وإيجابه مع نفي التغريب، ولا إشعار في الآية بأحد القسمين، إلا أن عدم التغريب للبراءة الأصلية، فإيجابه بخبر الواحد لا يدفع حكم الآية، ولا يزيل إلا محض البراءة الأصلية.
والحاصل أنّ القائلين بالنفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بلا شرط شيء، والقائلين بعدم النفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بشرط لا شيء.
أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن
ترى الحنفية «١» أنّ حدّ الذمي المحصن هو الجلد لا الرجم، واحتجوا على ذلك بأمور:
١- منها ما
رواه إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» «٢»
ووجه الدلالة فيه أن الإحصان هنا ظاهر في إحصان الرجم، فيكون هذا الحديث معارضا لما ثبت من فعله ﷺ ، من رجم اليهوديين، وليس تاريخ يعرف به تقدم أحدهما على الآخر، فنرجع إلى الترجيح، والترجيح معنا، إذ المعلوم أنه إذا تعارض القول والفعل، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، يقدّم القول على الفعل، ولأنّ هذا القول موجب لدرء الحد، والفعل يوجب استيفاءه، والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض، لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، ورجم الذمي حدّ تمكنت فيه الشبهة، فيجب درؤه.
٢- وإن النعمة في حق المسلم أعظم، فكانت جنايته أغلظ، كقوله تعالى في أمهات المؤمنين: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] .
стр. 529
٣- وإن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فكذا إحصان الرجم، والجامع كمال النعمة.
ويرى الشافعية أنّ حد الذمي المحصن الرجم، وحجتهم في ذلك عموم
قوله ﷺ : «إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» .
وما
ثبت في «الصحيحين» «١»
من أنه النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا
، فإن كان ذلك منه ﷺ حكما بشرعه فهو ظاهر، وإن كان حكما بشرع من قبله فقد صار شرعا له، وأيضا فإنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزاجر.
ثم أجابوا عن أدلة الحنفية فقالوا في الحديث: إنه مضطرب، قال فيه إسحاق:
قد رفع هذا الخبر مرة ووقف على ابن عمر مرة أخرى، ورواه الدارقطني في «سننه» وقال: لم يرفعه غير إسحاق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عنه، والصواب تفسير الإحصان في
قوله ﷺ : «من أشرك بالله فليس بمحصن»
بالتزويج يجعل الحديث في ظاهره مصادما للواقع، فينبغي أن يكون المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتصّ له من المسلم، فيكون الذمي الثيب محصنا إحصان الرجم، فثبت رجمه لعموم
قوله ﷺ : «وزنى بعد إحصان» .
وأجابوا عن قول الحنفية: أن النعمة في حق المسلم أعظم إلخ بأنه معارض بأن الإسلام من كسب العبد، وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا في تخفيف العقوبة فلا أقل من ألا تكون سببا في زيادتها.
وأجابوا عن القياس على حد القذف بأن حد القذف ثبت لرفع العار كرامة للمقذوف، والكافر لا يكون محلا للكرامة، وصيانة العرض.
الكلام فيمن يلي الحد
الخطاب في قوله تعالى: فَاجْلِدُوا لأولياء الأمر من الحكام، لأنّ هذا حكم يتعلّق باستصلاح الناس جميعا، وكل حكم من هذا القبيل فإنما تنفيذه على الإمام.
وقد جعل الفقهاء مثل هذا الأمر من الأدلة على وجوب نصب الخليفة، لأنه تعالى أمر بإقامة الحد، ولا يقوم به إلا الإمام، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا.
ولا نعلم خلافا في أنّ الذي يلي إقامة الحد على الأحرار إنما هو الإمام أو نائبه.
أما الأرقاء ففيمن يلي حدهم خلاف. فالإمامان مالك والشافعي يجيزان للسيد أن
стр. 530
يحد عبده وأمته في الزنى والخمر والقذف. وللشافعي في السرقة قولان، والإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر يقولون لا يملك السيد أن يقيم حدا ما.
احتجّ مالك والشافعي بما
أخرجه الستة «١» غير النسائي من قوله ﷺ في الأمة: «إن زنت فاجلدوها» الحديث،
وبما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن» «٢» .
وبما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقام حدا على بعض إمائه، فجعل يضرب رجليها وساقيها، فقال له سالم ﵀: أين قول الله تعالى:
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ فقال: أتراني أشفقت عليها، إنّ الله لم يأمرني أن أقتلها.
ولم يكن ابن عمر واليا ولا نائبا عن وال. وبأنّ الإمام لما ملك إقامة الحد على العبد كان السيد بإقامته أولى، لأن تعلّق السيد بالعبد أقوى من تعلق الإمام بالرعية، إن الملك أقوى من عقد البيعة، وإقامة الحد من السيد إنما هي بطريق الملك لغرض الاستصلاح كالحجامة والفصد.
واحتج الحنفية بأنّ قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ عامّ في كل زان وزانية، والخطاب فيه لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون سائر الناس، ولم يفرّق في المحدودين بين الأحرار والعبيد «٣» ، فوجب أن تكون إقامة الحد على الأحرار وعلى العبيد للأئمة دون سائر الناس.
ثم أجاب الحنفية عن الأحاديث التي يفيد ظاهرها إثبات حد الأرقاء لمواليهم بأن المراد أن الموالي يرفعون أمر عبيدهم إلى الحكام ليجلدوهم ويقيموا الحد عليهم، وجلد ابن عمر بعض إمائه إن صحّ كان رأيا له لا يعارض العموم في الآية.
حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم
قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فخصّ هذا الحكم بالزنى، ومعلوم أنّ العرف واللغة يفرّقان بين الزنى واللواط والسحاق وإتيان البهائم، فليس واحد من هذه الثلاثة الأخيرة داخلا في حكم الآية.
ولما نقل عن الشافعي في أصح قوليه: إن حكم اللواط كحكم الزنى قال بعض أصحابه: إن اللواط زنى، لأنّه مثل الزنى في الصورة وفي المعنى، فيكون اللائط زانيا فيدخل في عموم الآية.
стр. 531
وهذا القول ليس بسديد لأنّه يصادم العرف واللغة، ألا تراه لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، وكيف يكون اللواط زنى، وقد اختلف الصحابة في حكمه، وهم أعلم باللغة وموارد اللسان.
وقال بعض آخر من الشافعية: اللواط غير الزنى، إلا أنه يقاس عليه بجامع كون الطبع داعيا إليه فيناسب الزاجر، وهذا أيضا ليس بسديد، لأنه بعد تسليم أن الطبع يدعو إلى اللواط فإنّ الزنى أكثر وقوعا، وأعظم ضررا لما يترتب عليه من فساد الأنساب، فكان الاحتياج فيه إلى الزاجر أشد وأقوى.
ولعل أقوى أدلة الشافعي فيما ذهب إليه ما
رواه أبو موسى الأشعري عنه ﷺ أنه قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» «١»
فإنّ هذا الخبر إن لم يدل على اشتراك اللواط والزنى في الاسم والحقيقة فلا أقل من اشتراكهما في الحكم، وبقول الشافعي هذا قال أبو يوسف ومحمد.
والقول الثاني من قولي الشافعي في حد اللائط: إنه يقتل: إما بحز الرقبة كالمرتد، وإما بالرجم، وهو مروي عن ابن عباس، وقول أحمد وإسحاق، ورواية عن مالك، وإما بالهدم عليه، ويروى عن أبي بكر الصديق، وإما بالرمي من شاهق، وهو مشهور مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة ﵀: ليس في اللواط «٢» حد، بل فيه تعزير، لأنه وطء لا يتعلق به المهر، فلا يتعلق به الحد، ولأنه لا يساوي الزنى في الحاجة إلى شرع الحد، لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول به طبعا، وليس فيه إضاعة النسب، وأيضا
فقوله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق» «٣»
قد حظر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث، وفاعل ذلك خارج عن ذلك، لأنه لا يسمى زانيا، وأنت تعلم أنّه لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء، لأنّ هذا المنكر لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه ﷺ حادثة منه، ولكن
ثبت عنه أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» رواه أصحاب السنن الأربعة «٤»
وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
стр. 532
وحكم أبو بكر الصديق بقتل اللائط، وكتب به إلى خالد بن الوليد بعد مشاورة الصحابة.
ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أنّ حدّ اللواط القتل، وإنما اختلفوا في كيفيته: فمنهم من قال: يرمى من شاهق، ومنهم من قال: يهدم عليه حائط، ومنهم من قال: يقتل رميا بالحجارة.
هذا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في أن السحاق لم يشرع فيه إلا التعزير.
وأما إتيان البهائم ففي رواية عن أحمد أنه كاللواط، عقوبته القتل، وهو قول مرجوح عند الشافعية. والصحيح أنّه ليس فيه إلا التعزير.
صفة الجلد
قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قد تأوّله جماعة على أنّه نهي عن التخفيف في الجلد، وتأوله آخرون على أنه نهي عن ترك الحد وإسقاطه، ولا مانع عندنا من أن يكون اللفظ منتظما للمعنيين، أي لا ترأفوا بهما فتسقطوا الحد عنهما أو تخففوه، بل الواجب استيفاؤه كاملا غير منقوص وإذا ضم ذلك إلى ما يفهم من قوله تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أي اضربوا جلدها ضربا لا يتجاوز الألم فيه الجلد إلى اللحم كان المطلوب بمجموع اللفظين أن يكون الجلد على حد الاعتدال.
روى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: أتي عمر بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشدّ من هذا، فأتي بسوط بين السوطين فقال: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وعلي وأنس بن مالك ﵃.
واتفق العلماء جميعا على أنّ الضارب يتقي الوجه والفرج. وروي عن علي كرّم الله وجهه استثناء الرأس أيضا، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وينبغي أن ينزع عن المحدود ما يمنع من الثياب أن يصل إليه ألم الضرب، كالحشو والفراء، لأنّ الضرب فوق الحشو والفرو لا يسمّى ضربا في العادة، ألا ترى أنّه لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل إليه الألم أنه لا يكون ضاربا ولم يبر في يمينه، ولو وصل إليه الألم كان ضاربا.
تحريم الشفاعة في الحدود
قلنا إن قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ معناها النهي عن تخفيف الحد وإسقاطه، فيكون في ذلك دليل على أنّه لا تجوز الشفاعة في إسقاط حد الزنى، لأنّ فيه تعطيلا لحدود الله أن تقام، وليس ذلك لخصوصية في الزنى، بل مثله سائر الحدود تحرم الشفاعة فيها، فقد صحّ أنه ﵊ أنكر على حبّه
стр. 533
أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، وكانت سرقت قطيفة أو حليا،
فقال له: «أتشفع في حد من حدود الله تعالى» ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» أخرجه الخمسة «١» .
وعن ابن عمر ﵄ أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله تعالى فقد ضادّ الله » أخرجه أبو داود «٢» .
وكما تحرم الشفاعة في الحدود يحرم على الإمام قبول الشفاعة فيها، فعن الزبير بن العوام ﵁ أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به إلى السلطان، فقال الزبير:
إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا أبلغ السلطان لعن الشافع والمشفع. أخرجه مالك «٣»
وفي رواية أنّه قال: إذا بلغ الحد إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا.
وأما قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فالغرض منه التهييج والإلهاب والحث على الامتثال كما يقال للرجل: إن كنت رجلا فافعل كذا، ولا شكّ في أنه رجل، كذلك المخاطبون لا شك في أنّهم مؤمنون، لكن قصد تهييجهم، وتحريك حميتهم، ليجدّوا في طاعة الله تعالى، ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها، وفي ذكر اليوم الآخر تذكير لهم بما فيه من العقاب ليستأصلوا عاطفة اللين في استيفاء حدود الله تعالى،
وفي الحديث: «يؤتى بوال نقص من الحد سوطا فيقال له، لم فعلت ذاك؟ فيقول:
يا رب رحمة بعبادك، فيقول له: أنت أرحم بهم مني، فيؤمر به في النار» .
حضور الحد
ظاهر الأمر في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقتضي وجوب الحضور على طائفة من المؤمنين، لكنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ حضور الجمع
стр. 534
مستحبّ لا واجب، والمقصود من حضورهم إعلان إقامة الحد للتنكيل وللعبرة والموعظة.
واختلف العلماء في هذه الطائفة: فعن مجاهد والنخعي وأحمد: هي في الآية واحد. وقال عطاء وعكرمة وإسحاق: اثنان فصاعدا، وهو القول المشهور لمالك وقال قتادة والزهري: ثلاثة فصاعدا، وعن الشافعي وزيد أربعة بعدد شهود الزنى، وقال الحسن: عشرة، وعن ابن عباس الطائفة: الرجل فما فوقه إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله، وأولى الأقوال بالصواب أنّ المراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص.
وفي قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما.. دليل على أنّ هذا الحد عقوبة لا استصلاح من قبل أنّه سماه عذابا، ولو كان الغرض منه الاستصلاح لكان الأولى به أن يسمّى تأديبا، ويمكن أن يراد من العذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال، فيصح أن يكون الغرض منه الاستصلاح.
الكلام في نكاح الزناة والمشركين
قال الله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) الظاهر أنّ المراد من النكاح هنا العقد، لأنّ أكثر استعماله في لسان الشرع بمعنى العقد، بل قال الزجّاج وغيره: إنه لم يرد في كتاب الله إلا بهذا المعنى.
وظاهر أيضا أن كلّا من الجملتين خبر، وأنّ معناهما أنّ الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، وأن الزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك، ولو أجرينا هذين الخبرين على ظاهرهما كانا غير مطابقين للواقع، فإنّا نرى الزاني قد يتزوج المؤمنة العفيفة، والزانية قد يتزوجها المؤمن العفيف. فكان إجراء الجملتين على ظاهر هما مشكلا، وللعلماء في حلّ هذا الإشكال تأويلات منها القوي، ومنها الضعيف، وسنذكرها مرتبة على حسب ترتيبها في القوة فيما نرى.
١- إن الكلام نهي جيء به في صورة الخبر للمبالغة، ويؤيده قراءة عمر بن عبيد لا يَنْكِحُ بالجزم، ويكون التحريم على ظاهره، والإشارة إلى النكاح المفهوم من الفعل، وكان الحكم كذلك في صدر الإسلام، ثم نسخ.
قال سعيد بن المسيب: كان الحكم عاما في الزناة ألا يتزوج أحدهم إلا زانية، ثم جاءت الرخصة، ونسخ ذلك بقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ والزانية من أيامى
стр. 535
المسلمين، وبهذا القول قال مجاهد والشافعي والجبّائي وغيرهم. وعلى هذا الرأي اعتراضان:
أحدهما: أنّ العام لا ينسخ الخاصّ، لا سيما على أصل الشافعي، فإنّ ما تناوله الخاص متيقّن، وما تناوله العام مظنون، فالعام المتأخر محمول على الخاص.
والثاني: أنّه يلزم عليه حلّ نكاح المسلم للمشركة الوثنية، وحلّ نكاح المشرك للمسلمة، فإنّ الجملة الأولى وردت على سبيل الحصر، فتنحل إلى جملتين:
أولاهما: تفيد أنّه يحرم على الزاني أن يتزوج المؤمنة العفيفة.
وثانيتهما: تفيد أنّه يباح له أن يتزوج الزانية، والمشركة وثنية أو من أهل الكتاب.
وكذلك الجملة الثانية تنحل إلى جملتين.
أولاهما: تفيد أنّ الزانية لا يتزوجها المؤمن العفيف. وثانيتهما: تفيد أنّ الزانية يحل لها أن تتزوج الزاني والمشرك.
ولأصحاب هذا التأويل أن يقولوا في دفع الاعتراض الأول: إنّ العام الذي اعتبرناه ناسخا قد انضمّ إليه من الآيات والأحاديث والإجماع ما صيّر دلالته على تناوله متيقنا، كدلالة الخاص على ما تناوله، قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣]
وقال رسول الله ﷺ : «الحرام لا يحرّم الحلال»
وأجمع فقهاء الأمصار على جواز أن يتزوج الزاني بالعفيفة، وأن تتزوج الزانية بالعفيف.
ولهم أيضا في دفع الاعتراض الثاني أن يلتزموا القول بأنّ نكاح المسلم للوثينة كان حلالا في صدر الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] وأن نكاح الكافر كان كذلك حلالا قبل الهجرة وبعدها إلى السنة السادسة سنة صلح الحديبية، وبعد غزوة الحديبية «١» نزلت آية التحريم: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة: ١٠] ولا مانع أن تكون الآية التي معنا نزلت قبل السنة السادسة، ففي هذه السورة آيات نزلت قبل هذه السنة، وهي آيات قصّة الإفك: بل فيما روى ابن أبي شيبة عن ابن جبير ما يفيد أنّ هذه الآية التي معنا مكيّة، وحينئذ يكون النسخ قد تناول الحكمين في الآية جميعا.
٢- إنّ هذه الآية وردت في تقبيح حال الزاني ببيان أنه بعد أن رضي بالزنى لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله، أو مشركة أسوأ
стр. 536
حالا منه. وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنى لا يليق بها أن ينكحها مؤمن عفيف، وإنما يليق بها أن ينكحها زان مثلها، أو مشرك أسوأ حالا منها، فجملة: لا يَنْكِحُ في الموضعين خبر مراد به لا يليق به أن ينكح كما تقول: الشيخ لا يصبو، والسلطان لا يكذب، والأب لا يقتل ابنه، أي لا يليق بهم أن يفعلوا ذلك، نزّل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدم الفعل، وهو كثير في الكلام.
ثم الإشارة في قوله تعالى: وَحُرِّمَ ذلِكَ إن كان الزنى المفهوم من قوله:
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلخ فالتحريم على ظاهره، وإن كانت الإشارة للنكاح المفهوم من الفعل فالمراد من التحريم معناه اللغوي، وهو المنع، مثله في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) [الأنبياء: ٩٥] .
وعلى هذا التأويل اعتراضان:
أولهما: أنه لا يتمشى مع سبب النزول فإنها نزلت:
إما
في مرثد بن أبي مرثد حين سأل رسول الله ﷺ عن نكاح عناق، وكانت من بغايا مكة، فلم يرد عليه النبيّ ﷺ شيئا حتى نزل: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية فقال رسول الله ﷺ : «يا مرثد لا تنكحها» .
وإما في جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبيّ ﷺ في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء، كنّ بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وسواء أكان سبب النزول هو الأول أم الثاني، فإنّ الظاهر من سياقه أنّ الآية وردت لتحريم العفيفة على الزاني والزانية على العفيف.
وثاني الاعتراضين أنّ الآية على هذا التأويل تفيد أنه يليق بالزاني المؤمن أن يتزوّج بوثنية، ويليق بالزانية المؤمنة أن يتزوجها مشرك.
ولأصحاب هذا التأويل أن يقولوا في دفع الاعتراض الأول: الآية على هذا المعنى لا تنافي سبب النزول، فإنّه لا مانع أن يكون
قول النبي ﷺ لمرثد: «لا تنكحها»
معناه: لا يليق بك أن تتزوجها بعد أن علمت أنّ الله جعل من صفات المؤمن العفيف أنه لا يليق به من حيث هو مؤمن عفيف أن يرضى بنكاح الزانية، ولا مانع أيضا أن يكون فقراء المهاجرين كفّوا عن نكاح البغايا لهذا المعنى.
وأن يقولوا في دفع الاعتراض الثاني: إن اللياقة إنما هي بالنظر إلى الزنى، فلا ينافي أنه لا عتبارات أخرى يحرم على المسلم أن يتزوّج المشركة الوثنية، ويحرم على المسلمة أن تتزوج مشركا.
٣- إبقاء الخبر على ظاهره وجعل الكلام مخرّجا مخرج الغالب المعتاد، جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنى. ومعناه أن الفاسق الخبيث الذي
стр. 537
من شأنه الزنى والفجور لا يرغب غالبا إلا في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة.
والزانية الخبيثة كذلك لا يرغب فيها في الأعم الأغلب إلا خبيث مثلها أو مشرك.
ونظير هذا الكلام لا يفعل الخير إلا تقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فيكون جاريا مجرى الغالب.
والإشارة في قوله تعالى: وَحُرِّمَ ذلِكَ إن كانت للزنى فالتحريم على ظاهره، وإن كانت للنكاح فالتحريم بمعنى التنزيه، أي ينبغي أن يتنزّه المؤمنون عن ذلك النكاح، وعبر عن التنزيه بالتحريم للتغليظ، فإنّ نكاح الزواني يتضمّن التشبّه بالفسّاق، والتعرّض للتهمة وسوء القالة، والطعن في النسب، إلى كثير من المفاسد.
وعلى هذا التأويل اعتراضان:
الأول: أن إطلاق الزاني والزانية على من شأنهما الزنى والفسق لا يخلو عن بعد، لأنهما فيما تقدم من قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا لم يكونا بهذا المعنى، والظّاهر اتحاد معنى اللفظ في الآيتين.
والثاني: أنه ليس بمسلّم أن الغالب في الزاني أنه لا يرغب في العفيفة، فإنّ كثيرا من الزناة يتحرّون في النكاح أكثر مما يتحرّى غيرهم.
٤- إبقاء الخبر على ظاهره، وتأويل النكاح على معنى الوطء، ويكون المراد الإخبار بأنّ الزاني لا يطأ حين زناه إلا زانية أو أخس منها، وهي المشركة.
والزانية لا يطؤها حين زناها إلا زان من المسلمين أو أخس منه، وهو المشرك. وحرم الله ذلك الزنى على المؤمنين.
وهذا القول مروي عن ابن عباس وعروة بن الزبير وعكرمة، وهو قول أبي مسلم.
وعلى هذا التأويل أيضا اعتراضان:
الأول: أن فيه إجراء لفظ النكاح على غير المعهود في القرآن.
والثاني: أن الزاني قد يزني بغير زانية، والعكس، فقد يعلم أحدهما أن هذا زنى، والآخر جاهل به يظن الحلّ، فيكون هذا الخبر غير مطابق للواقع، فإذا قالوا:
إن الغالب في الزنى أن يكون معروفا للطرفين على أنه زنى.
قلنا: إن الكلام يكون حينئذ من قبيل الإخبار بالواضحات، إذ المآل أن الزاني حين يزني بزانية لا يزني إلا بزانية، وهذا كلام خال عن الفائدة، وغاية ما تمحّلوا له أنهم قالوا: إن معنى الآية الإخبار عن اشتراكهما في الزنى، وأنّ المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيا فالمرأة مثله إذا طاوعته وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، ففائدة الخبر الحكم بمساواتهما في استحقاق الحد وعقاب الآخرة.
٥- إنّ الخبر بمعنى النهي، والتحريم على حقيقته، والحكم مخصوص بسبب
стр. 538
النزول، فتكون الآية واردة في قوم مخصوصين بأعيانهم، وفي تعيينهم خلاف يرجع إلى الخلاف في سبب النزول.
فعن ابن عباس وابن عمر أنّ جماعة من المسلمين كانوا في جاهليتهم يزنون ببغايا مشهورات متعالنات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنى، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة، إذ كان من عاداتهن الإنفاق على من تزوّجهنّ فنزلت الآية فكفوا عن زواجهن «١» .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد ﵁، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، فكانت امرأة بغيّ بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وكان وعد رجلا من أسرى مكة أن يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني، فقالت: مرثد، قلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلمّ فبت عندنا الليلة، فقلت: يا عناق قد حرم الله تعالى الزنى. قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل الذي يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، فانتهيت إلى غار فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، وبالوا، فظلّ بولهم على رأسي، وأعماهم الله تعالى عني. قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا؟ فأمسك ولم يرد عليّ شيئا حتى نزل: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) فقال رسول الله ﷺ : «يا مرثد لا تنكحها» أخرجه أصحاب السنن «٢» .
فالمراد بالزاني أحد أولئك القوم، أطلق عليه اسم الزنى الذي كان يفعله في الجاهلية للتوبيخ، فهو مجاز باعتبار ما كان، والمراد بالزانية إحدى هؤلاء البغايا، وهذا التأويل معترض من وجوه:
أولا: جعل سبب النزول حكما على العام، والمعتمد أنّ سبب النزول لا يخصّص.
ثانيا: أنه يبعد أن يعبّر في أحكام القرآن الكريم بلفظ عام ثم يراد منه قوم مخصوصون ينتهي الحكم بوفاتهم.
стр. 539
ثالثا: أنه يبعد كل البعد أن يصف الله بالزنى أحد أولئك القوم وهم مهاجرون قد أسلموا وحسن إسلامهم، ومحا الله عنهم كل أوضار الشرك وآثاره.
رابعا: عدم التوافق بين معنى الزاني والزانية هنا، ومعناها في الآية السابقة:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا إلخ وقد قلنا: إنّ الأولى اتحاد المعنى في كلّ من الآيتين.
ولعلّك تفهم من صنيعنا في ترتيب هذه التأويلات أنّ أقواها وأولاها بالصواب فيما نرى الأول والثاني.
وبعد ... فإنا ذاكرون لك هنا خلاف السلف في تزويج الزانية، فعليّ وعائشة والبراء وابن مسعود في إحدى الروايتين عنه أنّ من زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها.
وعن علي إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته، وكذلك هي إذا زنت.
وعن الحسن أنّ المحدودة في الزنى لا يتزوجها إلا محدود مثلها.
وأبو بكر، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود في الرواية الأخرى عنه، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين، وفقهاء الأمصار جميعا: على جواز نكاح الزانية، وأنّ الزاني لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب الفرقة بينهما.
ويؤيد هذا الرأي ما أخرجه الطبراني والدارقطني «١» من
حديث عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال» .
وما رواه أبو داود والنسائي «٢» وغيرهما عن ابن عباس أنّ رجلا قال للنبي ﷺ :
«إن امرأتي لا تمنع يد لا مس» . قال ﷺ : «غربها» قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال:
«فاستمتع بها»
وإسناده إسناد صحيح.
قال أبو سليمان الخطابي إمام هذا الفن في «معالم السنن» قوله: «لا تمنع يد لامس» معناه الزانية، وأنها مطاوعة من أرادها، لا ترد يده، قال:
وقوله: «غرّبها»
أي أبعدها بالطلاق، وأصل الغرب البعد، قال: وفيه دليل على جواز نكاح الفاجرة.
وقوله ﷺ : «فاستمتع بها»
أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها ومن وطرها، والاستمتاع بالشيء الانتفاع به إلى مدة، ومنه نكاح المتعة، ومنه قوله تعالى:
إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ [غافر: ٣٩] اه وهكذا فسره المحققون من الفقهاء
стр. 540
وأهل الحديث، فيكون فيه حجة على جواز نكاح الزانية، وعلى أنّ الزوجة إذا زنت لا ينفسخ نكاحها.
وأما تأويل من تأوّله على أنها سخية تعطي، ولا ترد من يلتمس منها مالا، فهو تأويل بعيد عن الصواب، إذ لو أراد هذا لقال: لا ترد يد ملتمس، ولقال له النبيّ ﷺ : أحرز عنها مالك.
وقد يقال: لماذا بدئ بالزاني هنا وبدئ بالزانية في الآية السابقة، وما السر في ذلك؟
والجواب: أنه بدئ بالزانية هناك لما علمت آنئذ وبدئ بالزاني هنا لأنّ هذه الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل فيه هو الأصل، لأنّ إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة.
قد يظن من لا يدقق النظر أنّ معنى الجملتين: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ واحد، وأنّه لا فرق بينهما، ولكن هذا ظنّ خاطئ، لأنّ معنى الجملة الأولى أنّ الزاني لا يرغب إلا في زانية أو مشركة، ولو اقتصر على هذه الجملة لم يعرف حال الزانية، فجاءت الجملة الثانية مبينة أنه لا يرغب فيها إلا زان أو مشرك، فالجملة الأولى تصف الزاني بأنّه لا يرغب في العفيفات المؤمنات، وإنما يرغب في الفواجر أو المشركات، والجملة الثانية تصف الزانية بأنّها لا يرغب فيها الأعفاء المؤمنون، وإنما يرغب فيها الفجار أو المشركون، وهذان معنيان مختلفان، لأنّه لا يلزم عقلا من كون الزاني لا يرغب إلا في زانية أنّ الزانية كذلك لا يرغب فيها غير الزاني، فجاءت الجملة الثانية مبينة لهذا المعنى.
حد القذف
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) أصل الرمي: القذف بشيء صلب، يقال: رمى فلانا بالحجر ونحوه: قذفه به، ورمى الحجر: ألقاه، واستعمال الرمي في الشتم مجاز، وهو المراد هنا، والقرينة قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ لأنّ الإتيان بالشهادة هنا في مصلحة الرامين، وليس من المعقول أن يكون من مصلحتهم الإتيان بأربعة يشهدون بأنهم رموا المحصنات بالحجر أو نحوه، فتعيّن أن يكون المراد أنّهم يشتمون المحصنات ويرمونهم بالعيب، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على صدقهم فيما رموا به المحصنات من العيب. ثم المراد بذلك العيب الزنى، ويدلّ عليه إيراد الجملة عقيب الكلام في الزنى وأحكامه.
والتعبير عن المفعول بالمحصنات، وأشهر معاني الكلمة العفيفات المنزّهات عن
стр. 541
الزنى، فكأنه قيل: يرمون المنزهات عن الزنى، ويكاد هذا يكون صريحا في أنّ المراد يرمونهم بالزنى، ثم اشتراط أربعة من الشهود مع العلم بأنه لا شيء يتوقف ثبوته على شهادة أربعة إلا الزنى يقوّي أنّ المراد الرمي بالزنى.
وأصل الإحصان: المنع، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول، وهو أحد الكلمات الثلاث التي جاءت نوادر يقال: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، وأفلح- إذا افتقر- فهو مفلح، والفاعل والمفعول في هذه الأحرف الثلاثة سواء.
والمفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان أربعة: فالمرأة تكون محصنة:
بالعفاف والإسلام، وبالحرية، وبالتزوج. وكذلك الرجل.
والصور التي يتحقق بها القذف أربع: فقد يكون القاذف والمقذوف رجلين، وقد يكونان امرأتين، وقد يكون القاذف رجلا والمقذوف امرأة، وقد يكون القاذف امرأة والمقذوف رجلا. فهل نستطيع أن نأخذ من الآية أحكام الصور الأربع؟ لا شك أنّ الآية جعلت الرامي من جنس الرجال، والظاهر أنّ المراد من المحصنات النساء المحصنات، وحينئذ تكون الآية تعرّضت بالنص لصورة واحدة من الصور الأربع، وهي أن يكون القاذف رجلا والمقذوف امرأة.
أما حكم الصور الثلاث الباقية فإنما يثبت بدلالة النص، للقطع بإلغاء الفارق، وهو صفة الأنوثة في المقذوف، وصفة الذكورة في القاذف، واستقلال دفع العار بالتأثير في شرع الحكم، وحينئذ يكون تخصيص الذكور في جانب القاذف، والإناث في جانب المقذوف لخصوص الحادثة.
وقد أخرج البخاري «١» أنّ الآية نزلت في عويمر وامرأته، وعن سعيد بن جبير أنّها نزلت في قصة الإفك. ومن قال: إنّ المراد بالمحصنات في الآية الفروج المحصنات، أو الأنفس المحصنات، لم يخل قوله عن وهن وضعف.
ولم تشرط الآية في القاذف أكثر من عجزه عن الإتيان بأربعة شهداء، لكنّ قواعد الشرع تقتضي بأنّ المخاطب بمثل هذا الحكم إنما هو أهل التكليف: البالغ العاقل المختار العالم بالتحريم حقيقة أو حكما الملتزم بالأحكام إلى آخر ما هو مبيّن في كتب الفروع.
وكذلك لم تشرط في المقذوف أكثر من أن يكون محصنا، وقد كان يكفي في تحقق الشرط أن يكون المرمي محصنا بأي معنى من معاني الإحصان الأربعة، إلا أنه لما كان ثبوت الحد يجب فيه الاحتياط، فلا يثبت إلا عن يقين: وجب اعتبار سائر
стр. 542
المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم اعتباره هنا، وهو كون المرمي زوجا أو زوجة.
وأشهر معاني الإحصان: العفّة عن الزنى، فمن أجل ذلك كانت العفة عن الزنى، معتبرة في تحقق الإحصان هنا قطعا، لا نعلم في ذلك خلافا لأحد، فمن قذف شخصا غير عفيف لا يحدّ باتفاق.
واشتراط العفة عن الزنى في تحقق الإحصان يستتبع اشتراط البلوغ والعقل في تحققه أيضا، إذ إن الصبي لا يقال فيه عفّ عن الزنى، وكذلك المجنون لا يقال فيه:
عفّ عن الزنى، كما لا يقال للمجبوب: عفّ عن الزنى، وكما لا يقال للأعمى: عفّ عن النظر إلى المحرمات، إنما يقال عفّ عن الزنى لمن كان يتصوّر الزنى منه، ثم كفّ عنه، وذلك البالغ العاقل الفحل.
ولا بد من اعتبار الحرية، لأنّها من معاني الإحصان- على ما علمت- والرقيق ليس بمحصن بهذا المعنى، وإذا كان محصنا من جهة أخرى، فغاية ما فيه أنّه محصن من وجه، وغير محصن من وجه، وذلك شبهة في إحصانه، فوجب درء الحد عن قاذفه.
وكذلك لا بد من اعتبار الإسلام أيضا في تحقيق الإحصان، فالكافر ليس بمحصن بهذا المعنى، وإذا كان محصنا من جهة أخرى، فغايته أنه محصن من وجه وغير محصن من وجه، فيكون ذلك شبهة في إحصانه، فيجب درء الحد عن قاذفه.
ولولا أنّ الإجماع قائم على عدم اعتبار الإحصان بمعنى التزوج لكان عدم التزوج شبهة في إحصان المقذوف، فلا يحد قاذفه.
والحاصل أنّه يعتبر في تحقق إحصان المقذوف العفة عن الزنى، والحرية والإسلام، وأما البلوغ والعقل فإنّهما من لوازم العفة- كما علمت- وهذا الذي ذكرناه لك هو رأي الجمهور من العلماء وفقهاء الأمصار، وأصحّ الروايتين عن أحمد، ولبعض الفقهاء خلاف في شيء من ذلك: فداود الظاهري لا يشترط الحرية في المقذوف، ويرى أنّ قاذف العبد يحد، فإن كان يكتفي في الإحصان بالعفة لشهرته فيها لزمه القول بحد من قذف كافرا عفيفا.
وروي عن ابن أبي ليلى أنّ من قذف ذميّة لها ولد مسلم يحدّ. قال بعضهم:
وكذلك يحد قاذفها إذا كانت تحت مسلم. ذهبوا إلى ذلك دفعا للعار الذي يلحق ابنها أو زوجها المسلم.
وعن أحمد في إحدى الروايتين القول بحدّ قاذف الصبي الذي يجامع مثله.
وقال مالك في الصبية التي يجامع مثلها: يحدّ قاذفها، ألحق مالك وأحمد في هذه الرواية دور المراهقة بالبلوغ، ونظرهما في ذلك إلى أنّ المراهق يلحقه العار كما يلحق
стр. 543
البالغ، فوجب الحدّ لدفع العار. وكذلك يقول مالك والليث: يحدّ قاذف المجنون لدفع العار الذي يلحقه.
والجمهور يمنعون لحوق العار للصبي والمجنون إذا نسبا إلى الزنى، ولو فرضنا لحوق العار فليس ذلك على الكمال، فيندرئ الحد عن قاذفهما، وليس معنى ذلك أنه لا عقوبة على قاذفهما، بل يجب على الإمام تعزيره للإيذاء.
وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ قد شرط في تحقق القذف المستوجب للعقوبة عجز القاذف عن الإتيان بأربعة يشهدون أنهم قد رأوا المقذوف يزني، والتاء في بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ في ظاهرها تفيد اعتبار كونهم من الرجال، والحكم كذلك، لأنّه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود باتفاق. ولم يستفد من الآية في صفة هؤلاء الشهداء أكثر من أنهم أربعة رجال من أهل الشهادة. وللعلماء خلاف في أهل الشهادة من هو فالشافعية يقولون: لا بد في أهل الشهادة أن يكون عدلا، والحنفية يقولون: الفاسق من أهل الشهادة، فإذا شهد أربعة فسّاق فهم قذفة عند الشافعية يحدون كما يحد القاذف الأول، إذ لم يأت بأربعة من أهل الشهادة. والحنفية يقولون: لا حد عليه، لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة، إلا أنّ الشرع لم يعتبر شهادتهم لقصور في الفاسق، فثبتت بشهادتهم شبهة الزنى، فيسقط الحد عنهم وعن القاذف، وكذلك عن المقذوف لاعتبار العدالة في ثبوت الزنى.
وظاهر العموم في الآية أنه يكفي أن يكون أحد الأربعة زوج المقذوفة، وبهذا الظاهر قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك والشافعي: يلاعن الزوج، ويحدّ الثلاثة، وحجتهم في ذلك أنّ الشهادة بالزنى قذف، بدليل أنّ الشاهد يحدّ إذا لم يكمل النصاب، ولفظ الآية وإن كان عاما إلا أن آية اللعان جعلت للزوج حكما يخصه، وآية اللعان أخصّ من الآية التي معنا، والخاصّ مقدّم على العام.
وظاهر الإطلاق في الآية أنّه إذا أتى بأربعة شهداء كيفما اتفق مجيئهم مجتمعين أو متفرقين فهو آت بمقتضى النص، واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية، وبهذا الظاهر قال مالك والشافعي، وأيدا قولهما بالقياس على الشهادة في سائر الأحكام، بل تفريقهم أولى، لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ.
وأيضا فليس من الممكن أن يشهدوا معا في وقت واحد، فلا بد أن يسمع القاضي شهادتهم واحدا بعد آخر، فكذلك إذا اجتمعوا عند بابه، ثم دخلوا عليه واحدا بعد آخر.
وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يسقط الحد عن القاذف، وعليهم حد
стр. 544
القذف، وحجته في ذلك أن الشاهد الواحد لما شهد صار قاذفا ولم يأت بأربعة شهداء، فوجب عليه الحد، وخرج عن كونه شاهدا، ولا عبرة بتسميته شاهدا إذا فقد المسمى، فلا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع.
وظاهر الآية أيضا أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة، بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد، ولم تتعرّض الآية لحكم الشهود إذا لم يكملوا النصاب، والمأثور أنّهم يحدون، فقد صحّ أنه رفع إلى عمر بن الخطاب حادثة شهد فيها على المغيرة بن شعبة بالزنى: شبل بن معبد وأبو بكرة وأخوه نافع وكان رابعهم زيادا، فلم يجزم بالشهادة بحقيقة الزنى، فحد الثلاثة عمر بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكروا عليه.
وقوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً المخاطب فيه هم أولياء الأمر من الحكام.
وقد سبق الكلام آنفا فيمن يلي الحدّ في تفسير قوله تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وظاهر العموم في اسم الموصول في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ إلخ أنّ الزوج وغيره في هذا الحكم سواء، وأن الزوج إذا قذف زوجته، وعجز عن البينة فعليه الحد.
لكن آية اللعان قد جعلت للزوج مخرجا إذا هو عجز عن البينة، فشرعت له اللعان كما يأتي، فتكون آية اللعان مخصّصة للعموم في الموصول هنا، وظاهر العموم أيضا أنّ الرقيق والحر في ذلك الحكم سواء، وأنّ كلا منهما يجلد ثمانين جلدة إذا وقع القذف منه بشرطه، وبهذا الظاهر قال ابن مسعود والأوزاعي، وهو أيضا مذهب الشيعة.
لكنّ فقهاء الأمصار مجمعون على أنّ حد الرقيق في القذف أربعون جلدة على النصف من حد الحر، كما في الزنى، وعلى ذلك تكون الآية خاصة بالأحرار.
وظاهر قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ أنّ الإمام يقيم الحدّ ولو من غير طلب المقذوف، وبهذا قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي: لا يحد إلا بمطالبة المقذوف.
وقال مالك: إذا سمعه الإمام يقذف حده ولو لم يطلب المقذوف، إذا كان مع الإمام شهود عدول.
ولا يخفى أنّ القول بتوقف استيفاء الحد على المطالبة ظاهر في أنّ الحد حق العبد، كما أنّ تنصيفه على الرقيق ظاهر في أنّه حق لله، ومما لا شكّ فيه أن في القذف تعديا على حقوق الله تعالى، وانتهاكا لحرمة المقذوف، فكان في شرع الحد صيانة لحق الله ولحق العبد. هذا المقدار لا خلاف فيه لأحد، إنما الخلاف بين الشافعية والحنفية في الذي يغلب من الحقين على الآخر. فالشافعية يغلّبون حق العبد باعتبار حاجته وغنى الله جلّ شأنه. والحنفية يغلبون حق الله تعالى، لأنّ ما للعبد من
стр. 545
الحقوق يتولى استيفاءه مولاه، فيصير حق العبد تابعا لحق الله تعالى، فإذا غلّبنا حق الله تعالى كان حقّ العبد مستوفى لا مهدرا، وليس العكس كذلك. فما لا تعارض فيه من الصور بين حقّ الله وحق العبد فأمره ظاهر، وكذلك ما اتفق فيه الفريقان على تغليب أحد الحقين.
فمثال ما لا تعارض فيه أن يقذف الحرّ، ويعجز عن البينة، ويطلب المقذوف إقامة الحد عليه، فيستوفيه الإمام.
ومن أمثلة ما اتفقا فيه على تغليب حق الله تعالى حدّ العبد إذا قذف، فلولا تغليب حق الله فيه ما تنصف، ومما اتفقا فيه على تغليب حق العبد أنه إذا لم يطلب المقذوف إقامة الحد فليس للإمام أن يستوفيه.
أما ما تعارض فيه الحقان واختلف الشافعية والحنفية في حكمه فمن أمثلته أنه إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد، فالحنفية يقولون بسقوطه تغليبا لحق الله تعالى، ولأنّه ليس مالا، ولا بمنزلة المال، بل هو حق محض كخيار الشرط وحق الشفعة.
وقال الشافعية: لا يسقط الحد بموت المقذوف، بل يقوم ورثته مقامه في المطالبة به، ويرثونه عنه تغليبا لحق العبد.
ومنها: أنّه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة فالحنفية يقولون بتداخل الحد، وعليه للجميع حدّ واحد تغليبا لحق الله تعالى، كمن زنى مرارا أو سرق أو شرب الخمر كذلك، وقال الشافعية: لا يتداخل الحد، فعليه لكل منهم حد تغليبا لحق العباد.
ومنها: إذا عفا المقذوف عن الحد، فإنه يصحّ العفو عند الشافعية، ويسقط الحد تغليبا لحق العبد. وقال الحنفية: لا يسقط الحد بعفو المقذوف بعد طلبه إقامته.
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ هذه ثلاث عقوبات ترتبت على القذف بشرطه، وليس في الآية ما يدلّ على أن بعض هذه العقوبات مرتب على بعض، لأنّ العطف فيها بالواو. بل غاية ما أفادته الآية أنّ المجموع مرتب على القذف بشرط، فكأنه قيل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجمعوا لهم هذه العقوبات الثلاث: جلدهم ثمانين جلدة، ورد شهادتهم، وتفسيقهم.
فظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث، ولا يتوقف رد شهادته على جلده. وبهذا الظاهر قال الشافعي والليث. وقال أبو حنيفة ومالك: لا ترد شهادته إلا بعد جلده، فما لم يجلد يكون مقبول الشهادة، وحجتهما في ذلك أنّ الواو، وإن لم تقتض الترتيب، لكنّ الظاهر من الترتيب في الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم، وأنّ الأصل قبول شهادته ما لم يطرأ مانع، وأنّ
قوله ﷺ : «المسلمون
стр. 546
عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف» «١»
صريح في شهادة القاذف لا ترد إلا بعد حده.
والخطاب في قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً لأولياء الأمر من الحكام، لأنّه على نسق الخطاب في قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً والمراد بالشهادة الإخبار بحق للغير على الغير أمام الحاكم، ولفظ (شهادة) نكرة واقعة في سياق النهي، فيكون عاما، وظاهر العموم فيه يقتضي أنّ شهادة القاذف مردودة سواء أكانت واقعة منه قبل القذف أم بعد القذف، وكذلك شهادة من قذف وهو كافر، ثم أسلم. ومن قذف وهو عبد، ثم أعتق: كل هؤلاء لا تقبل شهادتهم بمقتضى العموم في اللفظ. إلا أنّ الحنفية استثنوا الكافر إذا حدّ في القذف ثم أسلم، فإنّ شهادته بعد إسلامه تكون مقبولة.
نظروا في ذلك إلى أن الكافر الذي أسلم قد استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة من قبل، فلم تدخل تحت الرد، والذي دخل تحت الرد إنما هو شهادته التي كان أهلا لها عند القذف، وهي شهادته على أهل دينه.
واختلف العلماء في ردّ شهادة القاذف: أهو من تمام الحد أم ذلك عقوبة زائدة على الحد؟
فذهب الحنفية «٢» إلى أن ردّ شهادته من تمام حده، ويشهد لهم ظاهر الآية، فقد رتّبت على القذف بشرطه عقوبتين، وأوجبت على الإمام استيفاءهما من القاذف، فكأنّ الظاهر أن مجموعهما حد القذف، ألا ترى أن الشافعية قد فهموا من
قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة»
أنّ مجموع الجلد والتغريب حد الزاني البكر. وقال مالك والشافعي: الحد هو جلد ثمانين فقط، وأما رد الشهادة فهو عقوبة زائدة على الحد، وحجتهم في ذلك أنّ المعروف في الحدود أنها عقوبات بدنية، ورد الشهادة عقوبة معنوية، والحدود التي شرعت لحفظ الأرواح والدين والعرض والعقل والمال كلها عقوبات بدنية محسوسة، وحد القذف شرع لصيانة العرض، فكان إلحاقه بالأعم الأغلب أولى.
وأيضا
فقوله ﷺ لهلال بن أمية: «البينة أو حدّ في ظهرك»
يدلّ على أنّ الجلد هو تمام الحد، إذ لو كان رد الشهادة من تمام الحد لما صحّ بأن يقول: «أو حد في ظهرك» لأن رد الشهادة لا يكون في ظهره، بل ولا في سائر جسمه، واتفاق الصحابة على أنّ حد السكران ثمانون جلدة، وعلى أنّه مثل حد المفتري يدل على أن حدّ المفتري هو الجلد فقط، إذ لو كان ردّ الشهادة من الحد في القذف لكان من الحد في السكر، ولوجب رد شهادة من سكر، ولم يقل بذلك أحد.
стр. 547
وقد عرّفوا الحد بأنه فعل يلزم الإمام إقامته، وليس الردّ فعلا يلزم الإمام إقامته، لأنه عمل سلبي.
ويترتب على هذا الخلاف أنّ من قال بأنّ ردّ الشهادة من تمام الحد يلزمه القول بأنّ الحاكم لا يرد شهادة القاذف إلا بطلب المقذوف، فما لم يطلب المقذوف رد شهادة قاذفه لا ينبغي للحاكم أن يردها، إذ كانت من الحد، والحد لا يستوفيه الحاكم إلا بطلب المقذوف، فهل مذهب الحنفية كذلك؟ ومن قال بأن رد الشهادة ليس من الحد لا يرى رد الشهادة موقوفا على طلب المقذوف.
وقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ معناه على ما قال بعضهم الإخبار بأنّهم عند الله وفي حكمه فاسقون خارجون عن طاعته، سواء أكانوا كاذبين في قذفهم- وذلك ظاهر- أم كانوا صادقين فيه. فإنّهم هتكوا عرض المؤمن، وأوقعوا السامع في الشك والريبة من غير مصلحة دينية. فكانوا فسقة لذلك. ويؤخذ من ذلك أنّ القذف مع العجز عن البينة معصية عظيمة، سواء أكان القاذف كاذبا أم صادقا.
واختار الزمخشري «١» أنّ الجملة إنشائية في المعنى وإن كانت خبرية في اللفظ، فمعنى وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فسّقوهم. ولعل مراده اعتبروهم فسقة، واحكموا بفسقهم، وعاملوهم معاملة الفساق لأنّ الله أخبر بأنهم فاسقون. والأمر قريب.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه، وفسّره الإصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله، وقال أبو إسحاق المروزي «٢» من أصحاب الشافعي: لا يقول كذبت، لأنه ربما يكون صادقا، فيكون قوله كذبت كذبا، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على ما قلت، ورجعت عنه ولا أعود إليه.
وقال بعض العلماء: توبة القاذف كتوبة غيره، أمر بينه وبين ربه، ومرجعها إلى الندم على ما قال، والعزم على ألا يعود.
والسر في أنّ الشافعي أدخل في معنى التوبة التلفظ باللسان، مع أن التوبة من عمل القلب، أنه يرتب عليها حكما شرعيا، وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب، فلا بدّ أن يعلم الحاكم توبته حتى يقبل شهادته.
والحنفية لا يقبلون شهادة المحدود في قذف وإن تاب وأصلح، لذلك كانت
стр. 548
التوبة عندهم عملا قلبيا بين العبد وربه، ليس من الضروري اطلاعنا عليه، لأنّه ليس هناك حكم عملي يترتب على هذه التوبة، ومنشأ الخلاف في ذلك خلافهم في الاستثناء في الآية وإلام يرجع.
ومسألة رجوع الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو مسألة أصولية ذكر الأصوليون الخلاف فيها بين العلماء.
والمشهور عند الأصوليين أنّ أصحاب الشافعي يقولون برجوعه إلى جميع الجمل، وأنّ أصحاب أبي حنيفة يقولون برجوعه إلى الجملة الأخيرة، وجماعة من المعتزلة يقولون بالتفصيل، وآخرون يقولون بالاشتراك، وآخرون يقولون بالوقف، وليس هذا محل ذكر الحجج للمختلفين.
والذي ينبغي ذكره هنا أنّ الخلاف بين الشافعية والحنفية إنما هو في الكلام إذا خلا عن دليل يدل على أحد الرأيين، أما إذا كان في الكلام دليل على أحد الرأيين فإنّه يجب المصير إليه بلا خلاف. فقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء: ٩٢] قد اشتمل على قرينة تعيّن أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة وحدها. وتلك القرينة هي امتناع عود الاستثناء إلى تحرير الرقبة، لأنّه حقّ الله تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى.
وكذلك قوله تعالى في المحاربين: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة: ٣٣] إلى قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤] فيه دليل على رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها، فإنّ التقييد بقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ يمنع عود الاستثناء الأخيرة وحدها، أعني قوله سبحانه: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ١١٤] إذ لو عاد إليها وحدها لم يبق لهذا القيد فائدة، إذ من المعلوم أنّ التوبة من الذنب تسقط العذاب الأخروي سواء أكانت قبل القدرة عليهم أم بعدها، فلم يكن للتقييد بقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فائدة إلا سقوط الحدّ.
ونعود إلى الآية التي معنا قول الله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فيه ثلاث جمل متعاطفة بالواو، ومعقبة بالاستثناء، ولا خلاف بين الفريقين أنّ الاستثناء غير راجع إلى الجملة الأولى، أما على رأي الحنفية فظاهر، وأما على رأي الشافعية فلأنّ المحافظة على حقّ العبد قرينة على عدم رجوع الاستثناء إلى الجلد، فإنّ حق العبد لا يسقط بتوبة الجاني، فلم يبق إلا الجملتان الأخيرتان: رد الشهادة، والفسق، وإذ لا قرينة تعين أحد الأمرين فقد وقع الخلاف، ووجب التحاكم إلى الحجة والدليل، وأنت إذا رجعت إلى أدلة الفريقين- وهي كثيرة في كتب الأصول- فإنّك لا تجد فيها- على كثرتها- دليلا سلم من نقد.
стр. 549
وقد حاول بعض أجلاء الحنفية الانتصار لمذهبه فقال: إنّ في الآية قرينة تدل على أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة وحدها. وبيان ذلك أن قوله تعالى:
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها، جيء بها لدفع ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سببا لهذه العقوبة، لأنّه خبر يحتمل الصدق، وربما يكون حسبة، فكان ذلك الاحتمال شبهة فيه، والشبهة تدرأ الحد، فكان قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ دفعا لذلك الوهم، ومعناه أنّهم- مع قيام هذا الاحتمال- قد فسقوا بهتك عرض المؤمن بلا فائدة، حيث عجزوا عن الإثبات، فمن أجل ذلك استحقوا هذه العقوبة، وإذا كانت الجملة الأخيرة مستأنفة توجّه الاستثناء إليها وحدها.
وأنت خبير بأنّ مآل هذا التأويل أنّ العلة في هذه العقوبة فسقهم، وإذا كان الفسق الذي هو علة في ردّ الشهادة قد أثرت فيه التوبة فرفعته، ومحت أثره، فإنّه يلزم من ذلك أن يرتفع ردّ الشهادة الذي هو معلولة، وينمحي أثره، لضرورة زوال الحكم بزوال علته.
وكذلك حاول بعض أجلّاء الشافعية الانتصار لمذهبه، فجعل جملة تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً مستأنفة منقطعة عن الجملة التي قبلها، لأنّها ليس من تتمة الحدّ لما علمت آنفا، ويكون قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ اعتراضا جاريا مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة، غير منقطع عما قبله، ولهذا جاز توسطه بين المستثنى والمستثنى منه، ولا تعلّق للاستثناء به.
ولكنك تعلم أنّ القول باستئناف جملة وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ إلخ بعيد كل البعد.
ولعلّ الأولى في الاستثناء ما ذهب إليه الزمخشري «١» حيث قال: الذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، والمعنى: ومن قذف فاجمعوا لهم بين الأجزية الثلاثة إلا الذين تابوا منهم، فيعودون غير مجلودين، ولا مردودي الشهادة، ولا مفسقين اهـ. أي لكن هذا الظاهر لم يعمل به في خصوص الجلد للإجماع على أنه لا يسقط بالتوبة لما فيه من حق العبد، فبقي الاستثناء في ظاهره عائدا إلى ردّ الشهادة والتفسيق.
هذا وقد سبق أبا حنيفة إلى القول بعدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب كثير من علماء التابعين منهم الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير.
وإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول شهادته إذا تاب ذهب أكثر التابعين وجميع فقهاء الأمصار غير الحنفية. وفي «صحيح البخاري» أنّ عمر ﵁ جلد أبا
стр. 550
بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة بن شعبة. ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.
وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما يفيده الاستثناء: أي إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، ولا تفسّقوهم، لأنّ الله غفور رحيم، أو فلا تفسوقهم لأنّ الله غفور رحيم.
اللعان
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) في «القاموس» : الشهادة: الخبر القاطع ... وأشهد بكذا أحلف اهـ وفي قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] بعد قوله جلّ شأنه: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ دليل على أنّ الشهادة ترد بمعنى اليمين، وقد أجرت العرب الشهادة: أفعال العلم واليقين مجرى اليمين وتلقتها بما يتلقى القسم، وأكدت بها الكلام كما يؤكد بالقسم.
وقد شاع في لسان الشرع استعمال الشهادة بمعنى الإخبار بحقّ للغير على الغير، وتسمّى أيضا بينة.
وقد ذكر مادة الشهادة في آيات اللعان خمس مرات: أما الأولى فالمراد بها البيّنة بلا خلاف وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أي وليس لهم بينة أربعة رجال عدول يشهدون بما رموهن به من الزنى.
وأما الثانية فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ فأولى الأقوال بالصواب فيها أنّها بمعنى البينة أيضا، وأنّ المراد فبينته المشروعة في حقه أن يقول أربع مرات إلخ، ويكون الكلام على حد «ذكاة الجنين ذكاة أمه» أي الذكاة الشرعية التي تحلّ الجنين هي ذكاة أمه. فذكاة أمه ذكاة له، كذلك هنا، قول الزوج الكلمات الخمس بينة له على صدق ما يقول، وقائمة مقام أربعة رجال عدول يشهدون على صدقه.
وأما الثلاثة الباقية «أربع شهادات بالله، أن تشهد أربع شهادات بالله» فهي محتملة لأن تكون بمعنى الإخبار عن علم، وبمعنى الحلف والقسم، لأنّ معنى «أربع شهادات بالله» أن يقول أربع مرات: أشهد بالله إلخ وقول القائل: أشهد بالله على كذا يحتمل أن يكون خبرا مؤكدا بالشهادة، كما يؤكّد بالقسم، ويحتمل أن يكون قسما مؤكدا بلفظ الشهادة، والعلماء مختلفون في المراد هنا بكلمات اللعان في قول أحد المتلاعنين: أشهد بالله إلخ، فمنهم من قال: هي شهادات غلبت عليها أحكام
стр. 551
الشهادات، ومنهم من قال: هي أيمان غلبت فيها أحكام الأيمان، وسيأتي بيان ثمرة الخلاف في ذلك.
وظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أنه استثناء متصل. وقيل: إن (إلا) بمعنى (غير) ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، فإنّ (إلا) و (غير) يتعاوران الاستثناء والوصفية، فتكون (غير) للاستثناء حملا على (إلا) وصفة حملا على (غير) ومن العلماء من جعل الاستثناء هنا منقطعا لظهور أن الزوج ليس من البينة التي كان يصحّ أن يستشهدها لو وجدها. وأولى الأقوال في هذا الاستثناء أنه متصل، وأن فيه تغليب الشهداء حتى شملوا الزوج القاذف، والسر في هذا التغليب الإشارة من أول الأمر إلى اعتبار قوله، وعدم إلغائه، ليوافق ما آل إليه اللعان في آخر الأمر من اعتبار قوله في سقوط الحد عنه بكلماته وحدها.
واللعن: الطرد من رحمة الله والغضب: السخط، وهو أشد من اللعن، فلذلك أضيف الغضب إلى المرأة لما أنّ جريمتها وهي الزنى أشد من جريمة الرجل، وهي القذف.
والدرء: الدفع، ومنه فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] : تدافعتم. والعذاب: كل مؤلم، والمراد به هنا حدّ الزنى أو التعزير بالحبس ونحوه، على اختلاف الرأيين كما ستعلم.
سبب نزول آيات اللعان
ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات روايات
فأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس «١» ﵄ أنّ هلال بن أمية ﵁ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵊، وأنزل عليه.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: «الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا لها: إنّها موجبة. قال ابن عباس ﵄ فتلكأت ونكصت، وظننا أنها ترجع، ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : «أبصروها. فإن
стр. 552
جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن» .
وقيل: إنها نزلت في عاصم بن عدي، وقيل: إنها نزلت في عويمر بن نصر العجلاني، وفي «صحيح البخاري» ما يشهد لهذا القول، بل قال السّهيلي: إنه هو الصحيح، ونسب غيره إلى الخطأ.
ونحن ندع الخلاف في سبب النزول جانبا، والذي يهمنا من ذلك أن جميع الروايات متفقة على ثلاثة أمور:
أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ، وأنها منفصلة عنها.
والثاني: أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية أنّ حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء.
والثالث: أنّ هذه الآية نزلت تخفيفا على الزوج، وبيانا للمخرج مما وقع فيه مضطرا.
ونريد أن نبيّن علاقة آيات اللعان بآية القذف، فقواعد أصول الحنفية تقضي بأنّ آيات اللعان ناسخة للعموم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ لتراخي نزولها عنها.
وعلى ذلك يكون ثبوت الحد على من قذف زوجته منسوخا إلى بدل بيّنته آيات اللعان، وليس في هذه الآيات حكم يتعلق بقاذف زوجته أكثر من أنه يلاعن.
وسائر الأئمة غير الحنفية يقولون: إن آيات اللعان جعلت قاذف زوجته إذا لم يأت بأربعة شهداء- مخيّرا بين أن يلاعن أو يقام عليه الحد، فتكون آيات اللعان مخصّصة لعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ويكون نظم الآيتين هكذا: كلّ من قذف محصنة ولم يأت بأربعة شهداء. فموجب قذفه الحد لا غير، إلا من قذف زوجته، فموجب قذفه إياها الحد أو اللعان.
ولعلّك تقول: لماذا كان حكم قاذف زوجته مخالفا لحكم قاذف الأجنبية، وما السرّ في أنه قد جاء هكذا مخففا؟
والجواب ببيان حكمة مشروعية اللعان، وذلك أنّه لا ضرر على الزوج في زنى الأجنبي، والأولى له ستره، وأما زنى زوجته فيلحق به العار وفساد النسب، فلا يمكنه الصبر عليه، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة، فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى.
وأيضا فإنّ الغالب أنّ الرجل لا يرمي زوجته بالزنى إلا عن حقيقة، إذ ليس له الغرض في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أبغض إليه، وأكره شيء لديه، فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه، إلا أنّ الشارع أراد كمال
стр. 553
شهادة الحال بذكر كلمات اللعان المؤكّدة بالأيمان، فجعلها- منضمة إلى قوة جانب الزوج- قائمة مقام الشهود في قذف الأجنبي.
شروط المتلاعنين
شرط الحنفية في الزوج الذي يصحّ لعانه أن يكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، وفي الزوجة أن تكون كذلك أهلا لأداء الشهادة على المسلم، وأن تكون ممن يحد قاذفها، فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولا بين المختلفين دينا، ولا بين المختلفين حرية ورقّا، أما كون الزوج من أهل الشهادة فلقوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فإنّ الاستثناء متصل في ظاهره، والمعروف في الاستثناء المتصل أنّ يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون الزوج شاهدا يعتبر فيه ما يعتبر في أهل الشهادة، وأيضا فكلمات اللعان من الزوج في ظاهرها شهادات مؤكدات بأيمان، فيجري على قائلها ما يجري على الشهود، وكذلك جعل الله كلمات الزوج الأربع بدلا من الشهود، وقائمة مقامهم عند عدمهم، فلا أقلّ من أن يشترط في قائلهن ما يشترط في أحد الشهود.
وأما كون الزوجة من أهل الشهادة فلأن لعانها معارضة للعانه، فكما اشترطنا في الزوج أن يكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، كذل يشترط في الزوجة أن تكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، حتى يكون في لعانها قوة المعارضة للعانه.
وأما كون الزوجة ممن يحد قاذفها فلأنّ اللعان كما علمت بدل عن الحد في قذف الأجنبية، فلا يكون لعان في قذف الزوجة إلا حيث يجب الحد على قاذفها لو كان أجنبيا.
ويشهد للحنفية في اشتراطهم هذه الشروط أيضا ما
رواه ابن عبد البرّ في «١» «التمهيد» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي ﷺ قال: «لا لعان بين مملوكين ولا كافرين» .
وما رواه الدارقطني «٢» من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا «أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، ليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان»
وما
رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن شهاب قال: من وصية النبي ﷺ لعتّاب بن أسيد أن لا لعان بين أربع
، فذكر معناه، وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كان نقاد الحديث قد
стр. 554
تكلموا في كل واحد منها، فإنّ الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يحتجّ به لما عرف في موضعه.
وهذا الذي ذهب إليه الحنفية قال به الأوزاعي والثوري وجماعة، وهو رواية عن أحمد ﵀.
وذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى إلى أنّ اللعان يصحّ من كلّ زوجين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين، عدلين أم فاسقين، محدودين في قذف أم غير محدودين، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة وسليمان بن يسار. وحجتهم في ذلك عموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ قالوا: وقد سمّى رسول الله ﷺ اللعان يمينا،
فإنّه لما علم أن امرأة هلال بن أمية جاءت بولدها شبيها بشريك بن سحماء قال فيها: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» رواه أبو داود
بإسناد لا بأس به «١» . يريد ﷺ بالأيمان ما سبق من لعانها. فقد سمّى كلمات اللعان أيمانا، فلا يشترط في المتلاعنين إلا ما يشترط في أهل الأيمان.
وقالوا أيضا: إنّ حاجة الزوج الذي تصحّ منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد كحاجة من تصحّ شهادته سواء، والأمر الذي نزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذي ينزل بالعدل الحر، وليس من محاسن الشريعة أن ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا مخرج مما نزل به ولا فرج.
وأما الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فقد علمت ما فيه من الاحتمالات.
وكذلك علمت ما في حديث عمرو بن شعيب، فلم يبق إلا الكلام في ألفاظ اللعان: أهي شهادة أم يمين، فالحنفية وموافقوهم غلّبوا فيها جانب الشهادة، فشرطوا في المتلاعنين أهلية الشهادة.
والشافعية وموافقوهم غلّبوا فيها معنى اليمين، فلم يشترطوا في المتلاعنين إلا أن يكونا ممن تصح أيمانهم.
ظاهر قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية يقتضي أنّ الزوج إذا قذف امرأته بعد الطلاق أنه لا لعان بينهما، لأنها حينئذ ليست زوجة، وبهذا الظاهر قال عثمان البتي «٢» .
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا وقع القذف في عدّة طلاق رجعي جرى بينهما اللعان، لأنّ المطلقة طلاقا رجعيا في حكم الزوجة ما دامت في العدة. وقال مالك
стр. 555
رضي الله عنه: إن كان هناك نسب يريد أن ينفيه، أو حمل يتبرأ منه لا عن. وإذا لم يكن هناك حمل يرجى، ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة، فلم يحكم به، وكان قذفا مطلقا داخلا تحت قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية.
كيفية اللعان
كلمات اللعان هي على ما في كتاب الله تعالى: أن يقول الزوج أربع مرّات أشهد بالله إني لمن الصادقين، وفي المرّة الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
وشهادة الحال قرينة على تعيين متعلّق الصدق والكذب في قوله: لَمِنَ الصَّادِقِينَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي فيما رميتها به من الزنى ونفي الولد، وكذلك المرأة تقول في لعانها أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وتكتفي بدلالة الحالة عن ذكر متعلّق الصدق والكذب، هذه كلمات اللعان على ما حكاها الله سبحانه تراها قد اكتفي فيها بشهادة الحال عن بيان متعلّق الصدق والكذب.
إلا أنّ بعض العلماء اشترط أن يذكر باللفظ متعلّق الصدق والكذب لقطع احتمال أن ينوي متعلقا آخر للصدق والكذب.
وكذلك ظاهر الآية أنه لا يقبل من الرجل أقلّ من خمس مرات، ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب، وكذلك لا يقبل من المرأة أقل من خمس مرات ولا أن تبدل الغضب باللعنة.
وظاهر الآية أيضا البداءة بالرجل في اللعان، وهو مذهب الجمهور من فقهاء الأمصار. وأبو حنيفة ﵀ يعتدّ بلعانها إذا بدئ به. ومرجع الخلاف بين الإمام أبي حنيفة والجمهور من الفقهاء في هذا إلى أن الفقهاء يرون لعان الزوج موجبا للحد على الزوجة، ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من الطبيعي أن يكون لعانها متأخرا عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج موجبا لشيء قبلها، فليس من الضروري أن يتأخر لعانها عن لعانه، وسيأتي لهذه المسألة مزيد تفصيل في الكلام على فائدة اللعان.
هذه كيفية اللعان المأخوذة من القرآن، ويزاد عليها من السنة أنّه إذا كانت المرأة حاملا، وأراد الزوج أن ينفي ذلك الحمل وجب أن يذكره في لعانه، كأن يقول: وإنّ هذا الحمل ليس مني، هذا رأي الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لا لعان لنفي الحمل، وإذا نفاه في لعانه لم ينتف، وسبيله إذا أراد نفيه أن ينتظر حتّى تضع حملها، فيلاعن لنفيه، لاحتمال أن يكون ما بها نفاخ وليس بحمل.
وكذلك إذا كان هناك ولد يريد الزوج نفيه عنه وجب التعرّض لذلك في اللعان، وأخذ العلماء من أحاديث اللعان أيضا أنّه يندب أن يقام الرجل حتى يشهد، والمرأة
стр. 556
قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتّى تشهد، وأن يعظها القاضي أو نائبه بمثل قوله لكل منهما عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب: اتق الله، فإنّها موجبة، ولعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما يستحب التغليظ بالزمان والمكان، وحضور جمع من عدول المسلمين، على خلاف في ذلك بين الفقهاء، محلّه كتب الفروع.
ما يترتب على اللعان
ظاهر قوله تعالى: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ وقوله جلّ شأنه: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنّ اللعان من الزوج يسقط عنه حدّ القذف، ويوجب على الزوجة حدّ الزنى، وبيان ذلك من وجهين:
الأول: أن قوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ إلخ معناه فالشهادة المشروعة في حقه التي تعمل عمل شهادة البينة إذا كان القاذف أجنبيا أن يأتي بكلمات اللعان على الوجه المبيّن في الآية، ومعلوم أنّ مقتضى شهادة البينة من الأجنبي وموجبها هو سقوط حد القذف عنه، ووجوب حد الزنى على المقذوف، وإذ قد أقام الله كلمات اللعان من الزوج مقام البينة من الأجنبي وجب أن يكون مقتضى كلمات اللعان وعملها هو شهادة الشهود الأربعة وعملها، فكما أسقطت الشهادة من الأجنبي حدّ القذف عنه، وأوجبت حد الزنى على المقذوف، كذلك كلمات اللعان من الزوج، تأخذ هذا المقتضى، وتعمل هذا العمل بعينه، فتسقط حد القذف عن الزوج، وتوجب حد الزنى على الزوجة.
والوجه الثاني: أنّ كلمة العذاب في قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ.. لا يصح أن يراد منها عذاب الآخرة، لأن الزوجة إن كانت كاذبة في لعانها لم يزدها اللعان إلا عذابا في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في الآخرة حتى يدرأه اللعان، فتعيّن أن يراد به عذاب الدنيا، ولا يصحّ أن تكون اللام فيه للجنس، لأنّ لعانها لا يدرأ عنها جميع أنواع العذاب في الدنيا، فتعين أن تكون اللام للعهد، والمعهود هو المذكور في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهذا هو عذاب حد الزنى. ويشهد لذلك
قوله ﷺ لخولة بنت قيس كما في بعض الروايات «الرجم أهون عليك من غضب الله»
فقد فسر النبي ﷺ العذاب المدروء عنها بالرجم. وأيضا
فقوله ﷺ على ما في الروايات الأخرى التي بلغت حدّ الشهرة أو التواتر لخولة عند ما أتمت كلمات اللعان الأربع «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» «١»
يشهد بأن المراد بالعذاب الحد، إذ لو كان المراد به الحبس- وهي إنما تحبس لتلاعن- لما كان لتذكيرها بهذا القول من فائدة، فثبت من هذا أنّ لعان الزوج يسقط حد القذف عنه، ويوجب حد
стр. 557
الزنى عليها، وحينئذ يكون لعانها مسقطا للحد عنها، وبهذا قال الإمام مالك والشافعي والحجازيون، وخلائق من العلماء.
وقال أبو حنيفة ﵀: آيات اللعان نسخت الحد عن قاذف زوجته فليس عليه حد في قذف زوجته فكيف يسقط لعانه حدا لم يثبت عليه وكذلك لا يوجب لعانه حدّ الزنى على الزوجة، لأن حد الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود أو بالإقرار أربع مرات، وليس لعان الرجل في قوة الشهود الأربعة، وليس نكولها بصريح في الإقرار.
وعلى هذا الخلاف ينبني خلافهم في حكم الممتنع من اللعان من الزوجين فمالك والشافعي ومن وافقهما يقولون: الزوج الممتنع من اللعان يدخل في حكم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، فإذا كانت زوجته ممن يحدّ قاذفها حدّ، وإلا عزر، لأنّ اللعان جعل رخصة له، فلما أبى أن يلاعن فقد أضاع على نفسه هذه الرخصة، فكان حكمه وحكم غير الزوج سواء. والزوجة الممتنعة عن اللعان بعد لعان زوجها يقام عليها حدّ الزنى، وهو مختلف بإحصانها ورقها وحريتها.
والحنفية يقولون: إذا امتنع الزوج من اللعان حبس حتى يلاعن، لأن اللعان حق توجه عليه، وحكمه حكم سائر الحقوق التي لا يمكن استيفاؤها إلا بالقهر والتعزير، فللحاكم حبسه وتهديده حتى يلاعن أو يكذّب نفسه في القذف، فيقام عليه حده.
ووافق الحنفية الإمام أحمد في حكم الزوجة الممتنعة في إحدى الروايتين عنه، وفي رواية أخرى عنه لا تحبس، ويخلى سبيلها كما لو لم تكمل البينة، وهذا قول غريب جدا، إذ كيف يخلّى سبيلها ويدرأ عنها العذاب بغير لعان، وهل هذا إلا مخالفة لظاهر القرآن.
فأولى الأقوال بالصواب هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ودل عليه ظاهر القرآن من أنّ لعان الزوج يسقط عنه حد القذف، ويوجب على الزوجة حدّ الزنى. وأنّ لعانها يدرأ عنها حد الزنى، ولم تتعرض آيات اللعان لأكثر من هذه النتائج.
وأما نفي الولد، والفرقة بين المتلاعنين، والتحريم المؤبد بينهما، فإنّما مأخذها من السنة لا من القرآن الكريم. فنفي الولد مصرّح به في حادثة هلال بن أمية وغيرها، والروايات الدالة على أنه من نتائج اللعان كثيرة تكاد تبلغ حد الشهرة أو التواتر، وقد صرح العلماء بأنّ المقصود الأصلي من اللعان إنما هو نفي الولد.
وكذلك الفرقة بين المتلاعنين ثبتت بالسنة الصحيحة، وللعلماء في موجبها خلاف. فقال الشافعي: إنها تقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلاعن المرأة، وحجته في ذلك أنّها فرقة حاصلة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق، ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، كما قال تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ
стр. 558
تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ
ففيه دلالة على أنّ كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب عن الزوجة.
وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين وأهل الظاهر: لا تقع الفرقة إلا بلعانهما جميعا، فإن تمّ لعانهما حصلت الفرقة، ولا يعتبر تفريق الحاكم. واحتجوا بأنّ الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده، وأيضا لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لا عنت المرأة وهي أجنبية، ولكنّه تعالى أوجب اللعان بين الزوجين.
وقال أبو حنيفة وأحمد في روايته الأخرى: إنّ الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما، وتفريق الحاكم بينهما، والحجة في ذلك قول ابن عباس في حديثه، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وهذا يقتضي أنّ الفرقة لم تحصل قبله، وقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا، فقوله هذا يقتضي بقاء العصمة بعد اللعان، إذ لو وقعت الفرقة باللعان لكان كلامه لغوا، وتطليقه إياها عبثا، ولما أقره النبي ﷺ على شيء من ذلك.
وقال عثمان البتي وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة البتة، لأنّ أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه، وهذا لا يوجب تحريما، كما لو قامت البينة على زناها. وأما تفريق النبي ﷺ بين المتلاعنين في قصة عويمر العجلاني فذلك لأنّ الزوج كان طلقها ثلاثا قبل اللعان.
وأما التحريم المؤبد بينهما فقال به عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وجمع من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والثوري وأبو عبيد، والسنة الصحيحة صريحة في أنّ المتلاعنين لا يجتمعان أبدا.
وقال أبو حنيفة ومحمد وسعيد بن المسيّب: إن أكذب الزوج نفسه فهو خاطب من الخطاب، وقد يحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] وقوله جلّ شأنه: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] .
والذي تقتضيه حكمة اللعان أن يكون التحريم مؤبدا، فإنّ لعنة الله وغضبه قد حلّ بأحدهما لا محالة، ولا نعلم عين من حلّ به ذلك منهما يقينا، فوجب التفريق بينهما خشية أن يكون الزوج هو الذي قد وجبت عليه لعنة الله، وباء بها، فيعلو امرأة غير ملعونة، وحكمة الشرع تأبى ذلك، كما تأبى أن يعلو الكافر المسلمة. وأيضا فإنّ النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا، فإنّ الرجل إن كان صادقا عليها، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي والغضب، وإن كان كاذبا: فقد أضاف إلى ذلك أنّه بهتها، وزاد في غيظها وحسرتها.
كذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه
стр. 559
لعنة الله، وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه، وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة، وأحوجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والإساءة والوحشة ما لا يكاد يلتئم معه شملهما، وما يبعد معه أن يعود بينهما السكن والمودة والرحمة التي هي سر الحياة الزوجية الهنية الراضية، فاقتضت حكمة الله- وشرعه كلّه حكمة ومصلحة وعدل ورحمة- تأبيد الفرقة بينهما، وقطع أسباب اتصالهما بعد أن تمحضت صحبتهما مفسدة، واستحال اجتماعهما إلى ضرر وشقاق.
هذه أحكام مترتبة على قذف الرجل زوجته وحدها، فأما إذا قذف معها أجنبي فهذا موضع قد اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة ومالك: لكل منهما حكمه، فيلاعن للزوجة ويحدّ للأجنبي.
وقال أحمد: يجب عليه حد واحد لهما، ويسقط هذا الحد بلعانه، سواء أذكر المقذوف في لعانه أم لم يذكره. وقال الشافعي: إن ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد له، كما يسقط الحد للزوجة، وإن لم يذكره في لعانه حد له.
والذين أسقطوا حكم قذف الأجنبي باللعان حجتهم ظاهرة، فإنّه ﷺ لم يحد هلال بن أمية لشريك بن سحماء، وقد سمّاه صريحا، وأيضا فإنّ الزوج مضطر إلى قذف الزاني لما أفسد عليه من فراشه، وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد له على صدقه، كما استدل النبي ﷺ على صدق هلال بشبه الولد بشريك، فكان قذفه تابعا لقذف الزوجة، فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها.
وأجاب القائلون بأن اللعان لا يسقط حدّ الأجنبي عن عدم إقامة الحد لشريك بجوابين.
الأول: أن شريكا كان يهوديا، وهو باطل، والصحيح أن شريك بن عبدة، وأمه سحماء، وهو حليف الأنصار، ولم يكن يهوديا، وهو أخو البراء بن مالك لأمه.
والجواب الثاني: أنه لم يطالب به، وحد القذف إنما يقام بعد المطالبة، وهو غير سديد أيضا، لأن شريكا لما استقر عنده أنه لا حقّ له في هذا القذف لم يطالب به، ولم يتعرض لقاذفه. وإلا فغير معقول أن يسكت عن براءة عرضه وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه، والقوم كانوا أشدّ حميّة وأنفة، وأقوى تمسكا بالمحافظة على الكرامة.
هذا وقد استدلّ بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معيّن، لأنّ قول الزوج: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه، فإذا كان هذا جائزا فأولى منه بالجواز الدعاء باللعن على شخص مقطوع بكذبه.
وكذلك استدل بمشروعية اللعان على إبطال قول الخوارج: إن الزنى والكذب في القذف كفر، وذلك لأنّ الزوج الذي قذف زوجته إن كان صادقا كانت زوجته زانية، وإن لم يكن صادقا كان كاذبا في قذفه، فأحدهما لا محالة كافر مرتد، والردة توجب الفرقة بينهما من غير لعان.
стр. 560
وبهذه المناسبة ينبغي أن نذكر حكم قذف الزوج زوجته وحكم نفيه الولد:
قال العلماء: لا يحل للرجل قذف زوجته إلا إذا علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا، كأن شاع زناها بفلان، وصدّقت القرائن ذلك. والأولى به تطليقها سترا عليها ما لم يترتب على فراقها مفسدة. هذا إذا لم يكن هناك ولد، فإن أتت بولد علم أنه ليس منه، أو ظنه ظنا مؤكدا وجب عليه نفيه، وإلا كان بسكوته مستلحقا لمن ليس منه، وهو حرام، كما يحرم عليه نفي من هو منه. وإنما يعلم أنّ الولد ليس منه إذا لم يطأها أصلا، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من الوطء. فإن أتت به لستة أشهر فأكثر، فإن لم يستبرئها بحيضة حرم النفي، وإن استبرأها بحيضة كان ذلك في مجال النظر، فإن قلنا إنّ الحمل لا يمنع الحيض حرم النفي، وإن قلنا إنّ الحمل يمنع الحيض حل النفي. وإذا وطئ وعزل حرم النفي، وكذلك إذا علم زناها وجاز كون الولد منه وكونه من الزنى حرم النفي لتقاوم الاحتمالين، والولد للفراش.
قال الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) فيه التفات من الغيبة إلى خطاب الرامين والمرميات بتغليبهم عليهن، وسرّ هذا الالتفات أن يستوفي مقام الامتنان حقّه في المواجهة، وحال الحضور أتم وأكمل منه في الغيبة وعدم المواجهة، وجواب (لولا) محذوف، وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم في تقديره كل مذهب، فيكون أبلغ في البيان، وأبعد في التهويل والإرهاب، على حد قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] والمعنى أن من آثار فضل الله عليكم ورحمته بكم وتوبته على عباده وحكمته في أفعاله أن شرع اللعان بين الزوجين، ولولا ذلك لحصل لهما من الحرج ما لا يحيط به البيان، فلو لم يكن اللعان مشروعا لوجب على الزوج حدّ القذف، مع أن الظاهر كما تقدم صدقه، وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في العار والخزي، ولو جعل شهاداته موجبة لحد الزنى عليها لفات النظر لها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له. فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعا أن جعل شهادات كلّ منهما دارئة لما توجه إليه من عذاب الدنيا، وآذن الكاذب منهما أن يلج باب التوبة حتى ينجو من عذاب الآخرة، فسبحانه ما أوسع رحمته، وأجلّ حكمته.
الاستئذان في دخول البيوت
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)
الآيات التي تقدّمت في صدر الصورة كانت في حكم الزنى وبيان أنّه قبيح ومحرّم، وأنّ صاحبه يستحق العذاب والنكال، ولما كان الزنى طريقه النظر والخلوة
стр. 561
والاطلاع على العورات، وكان دخول الناس في بيوت غير بيوتهم مظنة حصول ذلك كلّه أرشد الله عباده إلى الطريقة الحكيمة التي يجب أن يتبعوها إذا أرادوا دخول هذه البيوت، حتى لا يقعوا في ذلك الشر الوبيل، وأيضا فإنّ أصحاب الإفك لم يكن لهم متكأ في رمي عائشة ﵂ إلا أنها كانت مع صفوان في خلوة أو ما يشبه الخلوة، لذلك نهى الله عن دخول البيوت بغير إذن حتّى لا يؤدي ذلك إلى القدح في أعراض البرآء الأطهار.
روي في سبب نزول هذه الآية أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي أحبّ أن لا يراني عليها أحد، ولا ولد ولا والد فيأتيني آت، فيدخل عليّ فكيف أصنع؟ فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ.
وكلمة بُيُوتاً نكرة واقعة في سياق النهي فكانت في ظاهرها شاملة البيوت المسكونة وغير المسكونة، إلا أن مقابلتها بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ يقتضي حملها على المسكونة فقط. والمراد بالبيوت المضافة إلى المخاطبين في قوله تعالى: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ البيوت التي يسكنونها. فالمعنى: لا تدخلوا بيوتا مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا إلخ.
الاستئناس: استفعال. قيل: إنه من آنس بالمد بمعنى علم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] فالاستئناس طلب العلم. فالذي يريد أن يدخل بيت غيره مكلّف قبل الدخول أن يستأنس، أي يتعرّف من أهله ما يريدونه من الإذن له بالدخول وعدمه، فهو بمعنى الاستئذان. وقد فسّره بذلك ابن عباس كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن جرير «١» وابن مردويه. وهو أيضا تفسير ابن مسعود وإبراهيم وقتادة ﵃.
ويدل على أنّ المراد بالاستئناس الاستئذان قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فإنّ المراد بالذين من قبلهم هم المخاطبون في الآية التي معنا. وقد سمّى الله تعالى استئناسهم استئذانا.
وعن ابن عباس من طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف حتى تستأذنوا ويقول: غلط الكاتب. وهذا يوافق ما رواه الحاكم وصححه والضياء في كتابه «الأحاديث المختارة» والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أخطأ الكاتب. وإنما هي حتى تستأذنوا ومن أجل أنّ هذه الرواية فيها كما ترى دلالة على أن ابن عباس ينكر وجها من وجوه القراءات المتواترة
стр. 562
للقرآن الكريم- ولا شك أنّ القول بهذا فيه شر كبير- لهذا أنكر أبو حيان هذه الرواية عن ابن عباس وقال: إنّه ﵁ يجل مقامه أن يذهب هذا المذهب الفاسد، ومن روى عنه ذلك فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين «١» .
لكن غير أبي حيان ممن لا يرى رأيه في هذه الرواية يجيب عنها بغير ما أجاب، فابن الأنباري لم ينكرها، بل قال: إنها ضعيفة ومعارضة بروايات أخرى عن ابن عباس، منها ما تقدّم لك أنه كان يفسر الاستئناس بالاستئذان، وهذا يدلّ على أنّه ما كان ينكر قراءة حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.
وبعض العلماء لم يجادل في صحة الرواية التي يقول فيها ابن عباس بخطأ الكاتب نظرا إلى أنها رويت من عدة طرق في بعضها قوة وجودة لهذا اضطر أن يؤول قوله: «أخطأ الكاتب» بأنه ينبغي أن يكون مراد به أنّ الكاتب الذي عهد إليه أن يكتب القرآن بحرف واحد يجتمع عليه الناس أخطأ في اختيار هذا الحرف حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا دون الحرف الثاني تستأذنوا وكان ينبغي أن يختار الثاني، لأنّه أبين وأوضح دلالة على المعنى، ولأنّ معناه محدود، إذ ليس في اللفظ تجوّز ولا اشتراك.
وهذا الجواب الأخير هو مختار المحققين من العلماء وأئمة التفسير.
ويصح أن يكون الاستئناس مأخوذا من الأنس بضم الهمزة، وهو سكون النفس واطمئنان القلب وزوال الوحشة، فإنّ القادم على بيت غيره مستوحش لا يدري أيؤذن له بالدخول أم لا، فعليه أن يستأنس أولا، أي يلتمس ما يؤنس ويزيل وحشته، وذلك الالتماس إنما يكون بالاستئذان.
وقيل: إنّ المراد بالاستئناس إعلام الطارق أهل البيت إعلاما تاما أنه قادم عليهم، ويدل له ما
روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قلنا يا رسول الله ما الاستئناس؟ فقال:
«يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت» «٢» .
وقيل: إنّ المراد بالاستئناس فعل ما يؤنس أهل البيت، ويدفع عنهم الوحشة التي كانت تلمّ بهم لو لم يفعل. وذلك يكون بالتنحنح وما يشبهه، فهذه معان أربعة للاستئناس:
الأول: أن القادم يطلب العلم برأي أصحاب البيت في دخوله.
والثاني: أنه يطلب منهم ما يؤنسه ويزيل وحشته.
والثالث: أنه يعلمهم إعلاما مؤكدا بقدومه.
والرابع: أنه يؤنسهم بعمل ما، كأن يسبح أو يكبر، ومنه ما تعارفه الناس اليوم من دقّ الباب دقا خفيفا دلالة على طلب الإذن.
стр. 563
وأنت ترى أنّ مآل المعنيين الأولين للاستئناس هو الاستئذان، فيكون القادم منهيا عن الدخول قبل أن يأتي بعبارة صريحة تدلّ على الاستئذان، وحينئذ لا يباح له الدخول إلا أن يؤذن له، إذ لا معنى للاستئذان دون أن ينتظر الإذن، فيكون تأويل الآية هكذا: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ويؤذن لكم، ويدل على هذا المضمر قوله تعالى بعد: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ.
أما على المعنيين الآخرين فظاهر الآية أنّه لا يتوقف دخول القادم على أن يأذن له بذلك أهل البيت ما دام قد أعلمهم وأزال وحشتهم. وبهذا قال مجاهد وعكرمة، ولعلّك ترى أنّ هذا الرأي ضعيف، فإنّ إعلامهم ودفع الوحشة عنهم لا ينبغي أن يكون كافيا في إباحة الدخول، إذ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان هي أنّ اقتحام البيوت بغير إذن قد يؤدي إلى أن يقع نظر الداخل على ما لا يحل النظر إليه، أو يطلع على ما يكره أهل الدار اطلاعه عليه.
وظاهر الآية الكريمة أنّه لا بدّ قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا، وعليه جمهور الفقهاء، فكلّ من الاستئذان والسلام مطلوب غير أنّ الطلب فيهما متفاوت، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب، والطلب في السلام على سبيل الندب، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن.
وظاهرها أيضا تقديم الاستئذان على السلام، لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان، وحجتهم في ذلك عموم
قوله ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه: «السلام قبل الكلام» «١» .
وما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب» «٢» عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلّم، قال: لا يؤذن له حتّى يسلم.
وما أخرجه ابن أبي شيبة وابن وهب عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ﵄ فجئته فقلت أألج؟ فقال: ادخل، فلما دخلت قال: مرحبا يا ابن أخي، لا تقل أألج، ولكن قل: السلام عليكم. فإذا قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل، فادخل «٣» .
стр. 564
وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال: استأذن عمر ﵁ على النبي ﷺ فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟
وبعض العلماء فصّل في المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت سلّم أولا، ثم استأذن في الدخول، وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم قدّم الاستئذان على السلام. وهذا قول جيّد، ولا ينافيه حديث الترمذي والآثار السابقة، فإنّه يمكن أن تحمل على الحالات التي يكون فيها القادم بحيث يرى أهل البيت. فالأصل أن يقدّم الاستئذان على السلام كما هو ظاهر الآية إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار، فينبغي أن يحييهم أولا بالسلام، ثم يستأذن. وفي هذا جمع بين الأدلة.
وظاهر الآية أنّ الاستئذان غير مقيّد بعدد، فإن استأذن مرة فأجيب بالإذن دخل، وإن أجيب بالرد رجع، وإن لم يجب فلا عليه أن يرجع.
وقال بعض العلماء: إنّ الاستئذان ثلاث مرات، فمن لم يؤذن له بعدهن فليرجع، إلا إذا أيقن أنّ من في البيت لم يسمع، فإنّه يجوز له الزيادة على الثلاث.
والحكمة في هذا العدد أنّ المرة الأولى لإسماع من في البيت، والثانية: ليتهيؤوا، والثالثة: ليأذنوا، أو يردوا. واستدلّ هؤلاء بما
روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الاستئذان ثلاث: بالأولى يستنصتون، وبالثانية: يستصلحون، وبالثالثة: يأذنون أو يردون»
وبما
روي عن أبي سعيد الخدري «١» قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني؟
فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقد قال ﵊: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع» فقال: لتأتيني على هذا بالبينة أو لأعاقبنك، فقال أبيّ بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: وكنت أصغرهم، فقمت معه، فأخبرت عمر أنّ النبي ﷺ قال ذلك.
والراجح أنّ الواجب إنما هو الاستئذان مرة، فأما إكمال العدد ثلاثا فهو حقّ المستأذن، إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين.
فقد روى الزهري عن عبيد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ﵄ قال:
سألت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان تظاهرتا عليه، اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] ؟
فقال: حفصة وعائشة، قال: ثم أخذ يسوق الحديث، وذكر اعتزال النبي في المشربة،
стр. 565
قال: فأتيت غلاما أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فرجعت إلى الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت. قال:
فوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك. الحديث «١» ... ففي رجوع عمر ﵁ بعد المرة الثانية دليل على أنّ إكمال الثلاث ليس مطلوبا، بل هو حقّ المستأذن.
وهذا ومن الأدب في الاستئذان أنه إذا وقف المستأذن ينتظر الإذن فلا يستقبل الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله.
فقد روي أنّ أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله ﷺ وهو مستقبل الباب، فقال ﵊: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر «٢» .
قالوا: لأنّ الدّور لم يكن عليها حينئذ ستور. ولكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك في الدور الآن، ولو كانت مغلقة الأبواب عند الاستئذان، فإنّ الطارق إذا استقبلها فقد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز، أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه.
وظاهر الآية أنّ الاستئذان واجب على كلّ طارق، ولو كان أعمى، وبذلك قال العلماء، لأنّ من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، ففي دخول مكفوف البصر على أهل بيت بغير إذنهم إيذاء لهم. فأما ما
رواه الشيخان من قوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» «٣»
فهو جار على الغالب، وليس الحصر فيه على سبيل التحقيق، بل هو حصر ادعائي مبني على المبالغة، وكمال العناية بالحث على حفظ النظر، وسياق القصة التي قال فيها النبي ﷺ ذلك يدلّ على ما ذكرناه، فقد روى سهل بن سعد أنّه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ ، ومع النبي مدرى يحكّ بها رأسه فقال: «لو أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» وإذا كان الأمر كذلك، وكان القصد المبالغة والتشديد على ذلك الرجل الذي كان يطّلع على حجرة النبي ﷺ علم الغرض من ذلك الحصر، ولم يكن في الحديث حينئذ دلالة على نفي أنه قد يكون الاستئذان من أجل السمع. فالمقصود إفادة أنّ النظر من أقوى الأسباب التي شرع لها الاستئذان.