← Тафсир

Тафсир · id 23600

تفسير التستري - ط العلمية

سهل التستري

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حياته (١): أ- اسمه ونسبه: أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التّستري (٢). ولد بمدينة تستر في سنة مائتين، وقيل: إحدى ومائتين (٣). وإلى هذه المدينة ترجع نسبته (التستري)؛ وهذه المدينة من أعظم مدن خوزستان، (وتفرد بعض الناس بجعل تستر مع الأهواز، وبعضهم يجعلها مع البصرة … وجعلها عمر بن الخطاب من أرض البصرة لقربها منها) (٤). _________ (١) انظر ترجمته وأخباره في المصادر الآتية: الأعلام ٣/ ١٤٣؛ والأنساب للسمعاني ١/ ٤٦٥؛ والبداية والنهاية ١/ ١٨٢ (حوادث سنة ٢٨٣ هـ)؛ وتاريخ الأدب لبروكلمان ٤/ ١٣؛ وتاريخ التراث العربي ٤/ ٢٩:١ - ٣٠؛ والتصوف في الإسلام ٦٦ - ٦٧؛ وحركة التصوف الإسلامي ١٠٩ - ١٢٠؛ وحلية الأولياء ١٠/ ١٩٠ - ٢١٢؛ وحياة الحيوان ١/ ٥٤٥ - ٥٤٧ (مادة السبع)؛ والرسالة القشيرية ١٥؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠ - ٣٣٣؛ وشذرات الذهب ١/ ١٨٢ - ١٨٣؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٤ - ٦٦؛ وطبقات الصوفية ١/ ١٦٦ - ١٧١؛ وطبقات الشعراني ١/ ١٣؛ والعبر ٢/ ٧٦ (حوادث سنة ٢٨٣ هـ)؛ والعصر العباسي الثاني ١٦٣؛ والكامل في التاريخ ٦/ ٣٨٩ (حوادث سنة ٢٨٣ هـ)؛ واللباب في معرفة الأنساب ١/ ٢١٦؛ واللمع للسراج ٣٩٤؛ ومرآة الجنان ٢/ ٢٤٩؛ والمعارضة والرد ١ - ٧٥؛ ومعجم المفسرين ١/ ٢١٨؛ ومعجم المؤلفين ٤/ ٢٨٤؛ ومن التراث الصوفي ١ - ١٢٥؛ والمنتظم ٥/ ٢٦٣؛ والنجوم الزاهرة ٣/ ٩٥؛ ونفحات الأنس لجامي ٧٣؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠. (٢) حلية الأولياء ١٠/ ١٩٠؛ وطبقات الصوفية ١/ ١٦٦؛ والفهرست ص ٢٦٣؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١ (تستر)؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩. (٣) الكامل في التاريخ ٦/ ٣٨٩ (حوادث سنة ٢٨٣)؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧. (٤) معجم البلدان ٢/ ٣٠.

стр. 2

أما أسرته فلم تفدنا المصادر بشيء عنها، سوى ما ذكره ابن بطوطة الذي قال إنه رأى حفدة للتستري في تستر (١). أما وفاته فكانت بالبصرة سنة (٢٨٣ هـ) (٢) وقيل سنة (٢٧٣ هـ) (٣)، وقيل (٢٩٣ هـ) (٤). ب - نشأته وتصوفه: نشأ سهل التستري في تستر، وكانت بدايات اتجاهه إلى التصوف في سن مبكرة جدا، واحتفظ لنا اليافعي بنص مروي عن سهل التستري تحدث فيه عن نشأته واتخاذه التصوف منهجا وسبيلا لحياته، فقال: (كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوّار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل، اذهب ونم، فقد شغلت قلبي. وقال لي يوما خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوما: يا سهل، من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده لا يعصيه، إياك والمعصية. حفظت القرآن وأنا ابن ست أو سبع، وكنت أصوم الدهر، وقوتي خبز الشعير اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أن يبعثوا بي إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشفني ما سمعت. فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العبادي، فسألته عنها فأجابني. وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بأدبه. ثم رجعت إلى تستر، فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم فرقان الشعير، فيطحن ويختبز، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بغير ملح ولا إدام، _________ (١) رحلة ابن بطوطة ١/ ٢٠٩،؛ وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٦/ ١٣. (٢) البداية والنهاية ١١/ ٧٤؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٨٥؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٣،؛ وشذرات الذهب ١/ ١٨٢؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٦؛ وطبقات الصوفية ١/ ١٦٧؛ والعبر ٢/ ٧٦؛ والكامل ٦/ ٣٨٩؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١؛ والمنتظم ٥/ ١٦٣؛ والنجوم الزاهرة ٣/ ٩٥؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧. (٣) البداية والنهاية ١١/ ٧٤؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٣؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٦؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١؛ والمنتظم ٥/ ١٦٣؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩. (٤) طبقات الصوفية ١/ ١٦٧.

стр. 3

وكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم جعلتها خمسا، ثم سبعا، حتى بلغت خمسا وعشرين ليلة، وكنت على ذلك عشرين سنة. ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم عدت إلى تستر، وكنت أقوم الليل كله) (١). يتضح من هذا النص أن بدايات التستري الصوفية كانت على يد خاله الذي لا تفيدنا المصادر بشيء عنه، سوى أنه لقّن التستري مبادئ التصوف، ثم تلقى التصوف على يد شيخه حمزة العبادي في عبادان. وتفيد مصادر أخرى أنه صحب ذا النون المصري الذي كان له دور - لا نعلم مداه - في رعاية بذرة التصوف لديه، فقد ذكرت بعض المصادر أن التستري لقيه في الحج وصحبه (٢). وثمت متصوف آخر هو إدريس بن أبي خولة الأنطاكي، أفادت المصادر أن التستري حكى عنه، ولم تضف إلى ذلك شيئا آخر (٣). ولا ندري كم من الزمن أقام في تستر، فإنه هجرها ورحل إلى البصرة وأقام فيها حتى وفاته (٤). وعن سبب انتقاله إلى البصرة قال ابن الجوزي: (حكى رجل عن سهل أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه، وإنه يتكلم إليهم، فأنكر ذلك عليه العوام، حتى نسبوه إلى القبائح، فخرج إلى البصرة، فمات بها) (٥). ويبدو أن ابن الجوزي كان يتحامل على التستري، فقد أنكر عليه تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦] فقد فسرها التستري على أنها القلب والنفس والجوارح (٦)، (وابن الجوزي اكتفى بإنكار هذا التفسير، دون أن يذكر مبررا لإنكاره) (٧). _________ (١) مرآة الجنان ٢/ ٢٤٩ (حوادث سنة ٢٨٣)؛ وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩ من هذا الخبر قصته مع خاله فقط؛ وانظر: التصوف في الإسلام ٦٦ - ٦٧؛ وحركة التصوف الإسلامي ص ١١٠. (٢) البداية والنهاية ١١/ ١٧٤؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١ (تستر). (٣) بغية الطلب ٣/ ١١٣٤. (٤) معجم البلدان ٢/ ٣١ (تستر)؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩. (٥) تلبيس إبليس ص ٢٠٧. (٦) تفسير التستري ص ٤٥. (٧) من التراث الصوفي ص ١٠٢.

стр. 4

ج - تلاميذه وأصحابه: (رواة أخباره) ١ - ابن درستويه: ورد في سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠: (ابن درستويه صاحب سهل قال: قال سهل … ). ٢ - أبو جعفر المصيصي المغازلي: ورد في بغية الطلب ١٠/ ٤٣٧٩: (من العباد المذكورين. حكى عن سهل التستري). ٣ - أبو الحسن البشري: ورد في تكلمة الإكمال ١/ ٤١١: (من أصحاب سهل التستري، روى عنه كثيرا). ٤ - أبو الحسن البغدادي المزين. ٥ - أبو الحسن النخاس: ورد في تاريخ بغداد ١٤/ ٤٢٨: (سمع سهل بن عبد الله التستري). ٦ - أبو علي البصري: ورد في تاريخ بغداد ١٤/ ٤٢٦: (سكن بغداد، وكان من عباد الله الصالحين، وممن صحب سهل بن عبد الله التستري، حكى عنه أبو محمد الجريري). ٧ - أبو محمد الجريري: ورد في طبقات الصوفية ١/ ٢٠٣؛ وصفوة الصفوة ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨: (أبو محمد الجريري: يقال: إن اسمه أحمد بن محمد بن الحسين، وكنية والده أبو الحسين. كان من كبار أصحاب الجنيد، وصحب أيضا سهل بن عبد الله التستري، وهو من علماء مشايخ القوم. أقعد بعد الجنيد في مجلسه لتمام حاله وصحة علمه. توفي سنة ثلاثمائة وإحدى عشرة). ٨ - أبو يعقوب السوسي: ورد في كتاب من التراث الصوفي ٧١: (ومن أصدقاء سهل أيضا أبو يعقوب السوسي الصوفي والأستاذ العظيم الذي أشرف على أبي يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري المتوفى سنة ٣٣٣/ ٩٤٤. ومن هنا نشأت علاقة الود بين النهرجوري والتستري الذي كان يقدره حق التقدير). وثمت خبر ورد في تفسير التستري يفيد أنهما كانا معا بأرجان، وهذا الخبر ورد أيضا في اللمع للسراج ١٩٣. ٩ - أحمد بن سالم: ورد في العبر ٢/ ٣٢٦؛ وشذرات الذهب ٢/ ٣٦: (أبو الحسن بن سالم الزاهد أحمد بن محمد بن سالم البصري: شيخ السالمية. وكان له أحوال ومجاهدات، وعنه أخذ الأستاذ أبو طالب صاحب القوت، وهو آخر أصحاب سهل التستري وفاة). وانظر: الحلية ١٠/ ٣٧٨؛ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٧٢. ١٠ - أيوب الحمال: ورد في صفوة الصفوة ٢/ ٢٩٣: (أيوب الحمال أبو سليمان: من ذوي الكرامات، صحب سهل بن عبد الله التستري). ١١ - البربهاري: ورد في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠: (البربهاري: شيخ الحنابلة، القدوة،

стр. 5

الإمام، أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري الفقيه. كان قوالا بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم. صحب سهل بن عبد الله التستري، وصنف التصانيف. توفي سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين وعمره سبع وسبعون سنة). وانظر: شذرات الذهب ١/ ٣١٩؛ وطبقات الحنابلة ٢٩٩؛ والعبر ٢/ ٢٢٢. ١٢ - بكر بن محمد ابن العلاء أبو الفضل القشيري: ورد في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٣٧: (حكى عن سهل، وصنف التصانيف، وسكن مصر. توفي بمصر سنة ثلاثمائة وأربع وأربعين، وجاوز الثمانين سنة). وجاء في الديباج المذهب ١/ ١٠٠: (من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث). ١٣ - الحلاج: الحسين بن منصور الحلاج أبو مغيث، توفي سنة ٣٠٩ هـ. جاء في سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣١٤ أنه (نشأ بتستر، وصحب سهل التستري، وصحب ببغداد الجنيد). وانظر ديوان الحلاج، المقدمة ص ٧. ١٤ - عبد الجبار بن شيراز بن يزيد العبدي النهربطي: ورد في تكملة الإكمال ٣/ ٤٦٥؛ ومعجم البلدان ٥/ ٣١٩ أنه (روى عن سهل التستري)؛ وجاء في اعتقاد أهل السنة ١٨٢ - ١٨٣ أنه (صاحب سهل التستري)؛ وروى عن التستري عدة أقوال وردت في الحلية أثناء ترجمة سهل التستري ١٠/ ١٩٨ - ٢١١. ١٥ - علي بن عبد العزيز الضرير الصوفي البغدادي أبو الحسن: جاء في تاريخ بغداد ١٢/ ٣٠: (من قدماء مشايخهم، صحب سهل بن عبد الله التستري). ١٦ - عمر بن واصل العنبري، أبو الحسن: جاء في تاريخ بغداد ١١/ ٢٢١: (أظنه بصريا، سكن بغداد، وروى بها عن التستري). قلت: ورد اسمه في تفسير التستري حوالي عشر مرات، انظر فهرس الأعلام بذيل التفسير. ١٧ - محمد بن الحسن بن أحمد الجوري: جاء في الإكمال ٣/ ١٠ أنه (حدث عن سهل التستري)؛ وفي معجم البلدان ٢/ ١٨٢ جور: (سمع سهل التستري قراءة). ١٨ - محمد بن الحسن: ورد في تاريخ بغداد ٥/ ٢٥٢ أنه كان (صاحب سهل بن عبد الله)، ثم ذكر قولا للتستري؛ وروى قولا للتستري في الحلية ١٠/ ٢١١. ١٩ - محمد بن أحمد بن سالم أبو عبد الله: ورد في طبقات الصوفية ١/ ٣١٢: (صاحب التستري وراوي كلامه. لا ينتمي إلى غيره من المشايخ، وهو من أهل الاجتهاد، وطريقته طريقة أستاذه سهل التستري، وله بالبصرة أصحاب ينتمون إليه، وإلى ابنه أبي الحسن). وجاء في

стр. 6

الكامل لابن الأثير ٦/ ٤٦٦، حوادث سنة ٢٩٧ هـ: (فيها توفي أبو عبد الله محمد بن سالم صاحب التستري). ٢٠ - المزين: أبو الحسن البغدادي علي بن محمد المزين، توفي سنة ٣٢٨ هـ، ورد في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٢: (الأستاذ، العارف، من أورع القوم وأكملهم حالا. صحب التستري والجنيد، وجاور بمكة). - ورد في سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠ عند ترجمة سهل التستري: (روى عنه الحكايات: عمر بن واصل وأبو محمد الجريري وعباس بن عصام ومحمد بن المنذر الهجيمي). - ورد في حلية الأولياء ١٠/ ١٩٨ - ٢١١ أسماء خمسة وعشرين رجلا سمعوا سهل التستري ونقلوا أقواله. وكذلك وردت بعض الأسماء في طبقات الصوفية ١/ ١٦٦ - ١٧١؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٤ - ٦٦. مؤلفاته: يرى بعض الدارسين أن التستري لم يقم بكتابة مؤلفاته بنفسه (١)، ولعل مرد ذلك (حرصه على أن لا يضع بين أيدي خصومه وثائق خطية تحمل فكره، وتكون سببا في عواقب قد تسوء) (٢). وقال كمال جعفر: (إن المؤرخين قد نسبوا إليه عددا من المؤلفات التي تختلف كما وكيفا. وأغلب الظن أن هذه الكتب والرسائل إنما هي خلاصة انتقاها ونقلها تلامذته من بعده، وبخاصة ابن سالم) (٣). وقام العلامة فؤاد سزكين بإحصاء مؤلفات التستري المخطوطة، مع بيان مكان وجودها، وانتهى إلى ذكر ثمانية كتب (٤)؛ كما قام كمال جعفر بإحصاء مماثل، انتهى فيه إلى ذكر اثني عشر كتابا (٥)، منها ستة كتب ذكرها سزكين، وثلاثة ذكرها النديم في الفهرست (٦)؛ وكتاب ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٧). وانفرد سزكين بذكر كتابين للتستري، لم يذكرهما جعفر، _________ (١) حركة التصوف الإسلامي ص ١٠٩؛ ومن التراث الصوفي ص ٧٩. (٢) حركة التصوف الإسلامي ص ١٠٩. (٣) من التراث الصوفي ص ٧٩. (٤) تاريخ التراث العربي: المجلد الأول، الجزء الرابع ص ١٢٩. (٥) من التراث الصوفي ص ٧٩ - ٨٣. (٦) الفهرست ص ٢٦٣. (٧) كشف الظنون ٢/ ١١٩٣.

стр. 7

وبذلك يكون مجموع عدد مؤلفات التستري هو أربع عشرة كتابا، وهي حسب ترتيبها الهجائي: ١ - تفسير القرآن العظيم: ذكر سزكين أن لهذا التفسير ست نسخ خطية موزعة كما يلي: - جوتا: ٥٢٩ (١٥٣ ق، ٨٢٥ هـ). - القاهرة ثان: ١/ ٣٨، تفسير ٦٨. - الظاهرية: ٥١٥ (١٤٦ ق)، نسخة حديثة، انظر عزة حسن ١/ ١٧٦. - فاتح: ٦٣٨ (٧٢ ق، ٨٧٢ هـ)، ٣٤٨٨/ ٢ (من ١٨١ أ- ٢٧٩ أ، ٩٦٥ هـ). - صنعاء: ٦٢. - طبع بالقاهرة ١٣٢٦ هـ/ ١٩٠٨ م، ثم أعيد طبعه ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١. ٢ - جوابات أهل اليقين: ذكره النديم في الفهرست ص ٢٦٣؛ وعنه ذكره كمال جعفر في كتابه من التراث الصوفي ص ٨١. وهو من الكتب المفقودة. ٣ - دقائق المحبين: ذكره النديم في الفهرست ص ٢٦٣، وعنه ذكره كمال جعفر في كتابه من التراث الصوفي ص ٨١، وذكر أن اسمه رقائق المحبين في الكواكب الدرية للمناوي ١/ ٢٤٣؛ وفي هدية العارفين ١/ ٤١٢؛ وفي روضات الجنان للخوانساري ص ٣٢٤. ٤ - رسالة في الحروف: ذكر سزكين ص ٣٠ أن لها نسخة خطية في تشنستربيتي ٣١٦٨/ ٣ (٨٣ - ٨٤، ٦٨٦ هـ). وذكر كمال جعفر في كتابه من التراث الصوفي ص ٨٠: (يبدو أنها الرسالة التي أشار إليها إسماعيل البغدادي في كتابه هدية العارفين ١/ ٤١٢ بعنوان «زايرجة». وربما أطلق البغدادي عليها هذا الاسم نظرا لما رأى من أرقام بهوامش المخطوط ظن أنها القيم العددية للحروف التي تمتّ بصلة وثيقة بالزايرجة، على حين أنها خاصة بأسرار الحروف التي تشرح فكرة الخلق والتأليف، بناء على التأمل في حقيقة الحروف من الجانب الميتافيزيقي). ٥ - رسالة في الحكم والتصوف: ذكر سزكين وجعفر أن لهذه الرسالة نسخة خطية في مكتبة أيا صوفيا ٤١٢٨/ ٤ (١٤٨ - ١٦٨، القرن السابع هـ). ومنها نسخة مصورة في معهد المخطوطات العربية برقم ١٩٥. وقال جعفر: (اطلعنا على هذه الرسالة فوجدناها غير كاملة وليست ذات أهمية كبيرة، بل يبدو أنها ربما لم تكن سوى مستخلصات محرفة وغير تامة، من بعض مؤلفات سهل التستري). - زايرجة: من الكتب المفقودة. ورد ذكرها في كشف الظنون ٢/ ٩٤٨، وأبجد العلوم ٢/ ٣١٣، وهدية العارفين ١/ ٤١٢. وورد في كشف الظنون أن علم الزايرجة هو من القوانين الصناعية لاستخراج الغيوب. وانظر ما تقدم برقم ٤ رسالة في الحروف.

стр. 8

٦ - سلسبيل سهلية: ذكرها جعفر قائلا: (نسب الشيخ السنوسي هذا المؤلف الصغير، الذي هو عبارة عن صيغة يظن أنها مأثورة لسهل، ولكن ماسينيون يشكك في نسبتها، ويرى أنها ذات أصل أحدث بكثير من عصر التستري. ويشير عبد الرءوف المناوي في الكواكب الدرية ١/ ٢٤٣ إلى هذه الصيغة باعتبارها الصيغة التي تعوّد سهل أداءها. ويبدو أنها نفس الصيغة التي تلقاها من خاله محمد بن سوّار). ٧ - الغاية لأهل النهاية: من الكتب المفقودة. ورد ذكرها في كشف الظنون ٢/ ٩٤٨. وقال جعفر: (ورد ذكر هذا المؤلف في كشف الظنون ٤/ ٣٠٣، كما ورد في هدية العارفين ١/ ٤١٢. ويذكر الفريابي ت ٣٠٠/ ٩١٢ أن عنوان هذا المؤلف هو «خلاصات غايات أهل النهاية». [القرشي: طبقات الحنفية ١/ ٥٣]). ٨ - لطائف القصص في قصص الأنبياء: ذكر سزكين أن له نسخة خطية في مكتبة طلعت، مجموع ٢٨٣. وقال جعفر: (أورد ذكر هذا المؤلف حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٠٧. ويبدو أن حاجي خليفة قد رأى هذا المؤلف فعلا … ولم نعثر على هذا المؤلف للآن، وإن كنا نعتقد أن أجزاء قليلة منه قد احتفظ بها في كل من التفسير وكلام سهل، في تلك المواضع التي تخدم غرضا روحيا كما كان يرى التستري). ٩ - كتاب المعارضة والرد على أهل الفرق وأهل الدعاوى في الأحوال: ذكر سزكين أنه لها نسخة خطية في كوبرلي برقم ٧٢٧/ ٣ (٢٠٥ أ- ٢٤٢ أ، القرن السابع الهجري). وهذا الكتاب حققه محمد كمال جعفر سنة ١٩٨٠ ونشره في القاهرة، دار الإنسان. ويضم هذا الكتاب بعض أقوال سهل التستري، محكية على لسان ابن سالم أحيانا، وعلى لسان غيره أحيانا أخرى. وإذا كان عنوانه يوحي بأنه كتاب كلامي مخصص للجدل حول المسائل الكلامية الخالصة، فإن الواقع غير ذلك، فهو كتاب يضم كثيرا من أوجه النقد الموجهة ضد بعض آراء الفرق الكلامية وبخاصة القدرية والمرجئة، ونقض بعض الاتجاهات أو العادات أو الفرق الصوفية. ١٠ - كتاب الميثاق: ذكره جعفر قائلا: (نصّ عليه ناسخ رسائل الجنيد وهو تلميذ ابن عربي، إسماعيل ابن سودكين الذي توفي عام ٦٤٦/ ١٢٨٤. ومن المهم أن نلاحظ أن هذا الناسخ يتخذ العنوان الذي وجده لسهل نموذجا ومثالا لعنوان رسالة مماثلة للجنيد في نفس الموضوع. ويضاف إلى ذلك أن الناسخ يؤكد أنه وجد وقرأ رسالة في «الميثاق» لسهل بن عبد الله التستري؛ وهذا المؤلف - وإن كان قد فقد - يمكن التقاط بعض نقاطه الهامة المتصلة بموضوعه فيما عثر عليه من أقوال سهل، وبخاصة في التفسير وفي كلامه المجموع، فيما يتصل بتعليقة على

стр. 9

الآية الكريمة الخاصة بالميثاق في سورة الأعراف رقم ١٧١). ١١ - كلام سهل: ذكر سزكين أن له ثلاث نسخ خطية: - كوبرلي ٧٢٧ (١ - ١٥٢ ب) وهي بعنوان: كلمات الإمام الرباني سهل بن عبد الله التستري. ومن المرجح أنها جمعت في القرن السابع الهجري. - مكتبة جامعة إستانبول ٤٠٨٩ (٣٤ ق، القرن ١١ هـ). - مكتبة أسعد ٣٥٢٧ (٢١٧ ب - ٢٤٨ ب، حوالي ١١٠٠ هـ). واكتفى جعفر بذكر نسخة كوبرلي قائلا عنها: (كتب هذا المخطوط عطاء الله المعروف بنوعي زاده القاضي في مدينة أسكوب عام ١٠٤٤ هـ/ ١٦٣٤ م. وقد نقله هذا الناسخ من أصل قديم لا يعرف تاريخه). وعلق جعفر على هذا الكتاب قائلا إنه: (يضم أقوال سهل الموجزة المركزة حول قضايا الزهد والتصوف وعلم الكلام، مقدمة على سبيل الحكاية، مما يشهد بأن التستري نفسه لم يخطه، وإنما سجل أقواله حاضر ومجلسه، وعلى رأسهم ابن سالم الأب، ثم تلقى ذلك وتناوله بالترتيب ابن سالم الابن أو أبو القاسم الصقلي نفسه، الذي كرس جهوده فيما بعد للشرح والتعليق على أقوال سهل، والدفاع عنه دفاعا حارا). ١٢ - مقالة في المنهيات: ذكر سزكين أن لها نسخة خطية في: (طهران، كلية الحقوق ٢٥١ ج (١٢ أ- ١٩ أ، ١٢٧٩ هـ، انظر الفهرس ص ٤٨٧). ١٣ - مناقب أهل الحق ومناقب أهل الله : ذكرها سزكين وحدد موضعها قائلا: (شرحها محمد الرايثني، القرن السابع الهجري: طلعت، تصوف ١٥٨١ (٣٦٧ ق، ٦٧٥ هـ). ١٤ - مواعظ العارفين: ذكره النديم في الفهرست ص ٢٦٣. ولأن كلام سهل التستري كان يشوبه الغموض ويكتنفه الإبهام، فقد قام أحد مريديه، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الصّقليّ المتوفى نحو سنة ٣٨٠ هـ/نحو ٩٩٠ م (١)، بتأليف كتاب: «الشرح والبيان لما أشكل من كلام سهل»، وذكر جعفر أن الصقلي في كتابه هذا (عرض بعض الأقوال السهلية التي أثارت التساؤل، ثم تبع كل قول بالشرح والتفسير الذي يراه) (٢). ولهذا الكتاب نسختان خطيتان: - كوبرلي: ٧٢٧ (١٥٣ أ- ٢٠٤ ب)، القرن السابع الهجري. - أسعد أفندي: ١٦٢٢ (٤٢ ق)، القرن التاسع الهجري. وتوجد منه نسخة مصورة في _________ (١) الأعلام ٣/ ٣٢٥. (٢) من التراث الصوفي ص ٨٣.

стр. 10

معهد المخطوطات العربية برقم ٢٨٧ (١/ ١٧١). وهذا الكتاب ضمن مجموع فيه أيضا كتابان لسهل، وقد تقدم ذكرهما، وهما كلام سهل، وكتاب المعارضة والرد على أهل الفرق وأهل الدعاوي في الأحوال. ويضم هذا المجموع (٢٤٢ ورقة). (إن أقوال سهل وما سجّل له من آراء قد شمل فعلا حقل التصوف برمته، وقد لمس تقريبا كل المشاكل الصوفية والكلامية التي أثارت اهتمام عصره) (١). ويرى جعفر أن النتاج الفكري للتستري (يشهد بإلمام كامل بعلم الكلام والفلسفة كما فهمتها بعض الفرق الإسلامية … وأنه لم يكن يجهل الفروع الأخرى من أبواب المعرفة كالطب والكيمياء) (٢). كلمة حول تفسير التستري أول ما يلفت النظر إلى هذا التفسير هو حجمه اللطيف، مما يعني بالتالي أنه لا يضم تفسيرا تاما لجميع الآيات القرآنية، وإنما هو تفسير لبعض آيات القرآن، وتعليقات كانت استجابة لأسئلة بعض مريديه. وليس عجيبا أن يكون تفسيره مختصرا، فتلك طريقة أهل التصوف، ومن هؤلاء السلمي صاحب طبقات الصوفية الذي وضع تفسيره المختصر «حقائق التفسير». وأثناء قيامي بتحقيق هذا التفسير، استوقفتني فيه أخبار وحوادث تتصل بسيرة التستري وحياته الروحية (٣)، حتى كدت أشك في نسبة التفسير إليه، لا سيما وأن فيه أيضا خبر احتضاره (٤)، وأحداثا وقعت بعد وفاته، كقصة عمرو بن الليث الذي توفي بعده بست سنوات، أي سنة ٢٨٩ هـ (٥)، وعلاوة على ذلك فيه شرح لبعض أقواله (٦). وما أكثر ما يرد فيه: (وسئل سهل)، و (قيل له)، و (قلت لسهل)، و (سمعته يقول) إن وجود مثل هذه الأخبار والأقوال في هذا التفسير يدل بلا شك على أن التستري لم يضع بنفسه هذا التفسير، ومع ذلك فإن ما فيه من أقوال وآراء يمثل بصدق أقواله وآراءه خير تمثيل، وتتجلى مصداقية ذلك في أن هذه الأقوال والآراء يمكن توثيقها من مصادر صوفية أخرى، وهذا ما قمت به، ويتضح ذلك في الحواشي التي ذيلت بها متن التفسير. _________ (١) من التراث الصوفي ص ٨٢. (٢) المصدر نفسه ص ٧٤. (٣) انظر في هذا التفسير على سبيل المثال الصفحات: ٨٨، ١٦٢، ١٧٠، ٢١٢. (٤) تفسير التستري ص ٧٦. (٥) المصدر نفسه ص ٥٩. (٦) المصدر نفسه ص ١٦.

стр. 11

إن أقوال التستري المتعلقة بالتفسير كانت موضع اهتمام الصوفيين الذين كانوا يجلون التستري، فأخذوا بتدوينها في مؤلفاتهم، وأشهر الكتب التي حفظت لنا بعض أقواله وآرائه كتاب قوت القلوب لابن طالب المكي، وكتاب حلية الأولياء للأصفهاني (١)، ويعد أبو بكر البلدي في أهم الرجال الذين اهتموا اهتماما فائقا بجمع أقوال التستري، ونجد اسمه يتكرر بكثرة في تفسير التستري ويمكن ملاحظة ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي ذيلت به هذا التفسير. ويرى د. كمال جعفر (أن دور أبي بكر بالنسبة للتفسير إنما هو الرواية عن طريق والده أبي النصر. ولما كان التفسير مجرد تعليقات مقتضبة على بعض آيات القرآن في مناسبات مختلفة، فلا يستبعد أن يكون أبو بكر قد بوّبه ورتبه حسب السور، مطعما إياه ببعض الروايات التاريخية أو السيرة الشخصية لسهل) (٢). ومع ترجيح القول بأن أبا بكر البلدي هو من قام بجمع أقوال التستري المتعلقة بتفسير آيات القرآن، فإنه فاته ضمّ تفسير آيات أخرى، ومن يقرأ تفسير القرطبي يجد فيه أقوالا للتستري في تفسير آيات لم ترد في تفسيره (٣). _________ (١) هذا عدا عن كتابي التستري اللذين حققهما د. كمال جعفر. حيث نجد أقوالا كثيرة للتستري، جمعها بعض مريديه بدقة وأمانة، والكتابان هما: كتاب كلام سهل الذي نشره المحقق تحت عنوان من التراث الصوفي، وكتاب المعارضة والرد. (٢) من التراث الصوفي ص ٩٣. (٣) انظر تفسير القرطبي: ١/ ٢٦٩، ٢/ ١٧٤، ٣١١، ٥/ ١٨١ - ١٨٢، ٢٥٩، ٧/ ٣٤٦، ٩/ ٢٦٩، ١٢/ ٧٣، ١٦/ ١٦٨؛ وهذه الإشارة إلى الإحالات على سبيل المثال لا الحصر.

стр. 12

خطبة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أخبرنا الشيخ الواعظ أبو نصر أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي النصر البلدي إجازة عليه، شافهني بها في دارة يوسف أن جدّه الإمام أبا بكر محمد بن أحمد البلدي أخبره قال: حدثنا الفقيه أبو نصر أحمد بن علي بن إبراهيم الطائفي الصفّار قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الوضّاحي، حدثنا أبو العباس عبد الرحمن بن الحسن بن عمر البلخي ببلخ في سكة ساسان، وقال أبو يوسف أحمد بن محمد بن قيس السجزي: سمعت أبا محمد بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى في سنة خمس وسبعين ومائتين يقول: حدثنا محمد بن سوّار عن أبي عاصم النبيل عن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فيم النجاة غدا؟ فقال: «عليك بكتاب الله ، فإنّ فيه نبأ من كان قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم من دينكم الذي تعبدكم به الله ، به تصلون إلى المعرفة، ومن يرد الهدى في غيره يضلّه الله، هو أمر الله الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الشفاء النافع، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ (١) [الجن: ١ - ٢]. هو الذي ظاهره أنيق وباطنه عميق، وهو الذي يعجز عنه كل فهم لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠] فسأله رجل عن علم الله تعالى في عباده: هل هو شيء بدا له من بعد ما خلقهم، أو كان من قبل أن يخلقوا؟ فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أي كتاب محكم ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قبل أن يخلقوا

стр. 13

وأن الله فرغ من علم عباده وما يعملون قبل أن خلقهم، ولم يجبرهم على المعصية، ولا أكرههم على الطاعة، ولا أهملهم من تدبيره، بل نبه على ما تواعد به من كذب بقدره فقال: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] على وجه التهدد، إذ لا حول لهم ولا قوة إلاّ بما سبق علمه فيهم أنه سيكون منه بهم، ولهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] فالخير من الله تعالى أمر، وإليه الولاية فيه، والشر من الله نهي، وإليه العصمة فيه. قال سهل ﵁: وما من آية في القرآن إلاّ ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحدّ ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد حلالها وحرامها، والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها من الله . فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه، والمراد به خاص، قال تعالى: ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٧٨] أي لا يفقهون خطابا. قال سهل: فلا بد للعبد من مولاه، ولا بد له من كتابه، ولا بد له من نبيه ﷺ ، إذ قلبه معدن توحيده، وصدره نور من جوهره أخذ قواه من معدنه إلى هيكله، فمن لم يكن عنده شيء يتبع به أو أضرب عنه كذلك لم تكن الجنة منزلا له، وإذا لم يكن الله معه وناصره فمن معه، وإذا لم يكن القرآن إمامه، ولم يكن النبي ﷺ له شافعا من يشفع له، وإذا لم يكن في الجنة فهو في النار. وقوله: «صدره نور» أي موضع النور. «من جوهره»: وهو أصل محل النور في الصدر الذي منه ينتشر النور في جميع الصدر. وإضافة الجوهر إلى الله تعالى ليس المراد ذاته، وإنما هي على طريق الملك. «أخذ قواه»: يعني قوى النور من معدنه، وهو الصدر وما حل مصدق. «إلى هيكله»: يعني إلى جوارحه، وإنما عنى بها نور الطاعات التي في الجوارح، فمن لم يكن عنده شيء من الهداية سمع به، أي فهم به. وقال النبي ﷺ : «القرآن شافع مشفّع وما حل مصدق، فمن شفع له القرآن نجا، ومن محل به هلك» (١). وقال سهل: إن الله تعالى أنزل القرآن على نبيه ﷺ ، وجعل قلبه معدنا لتوحيده والقرآن، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وكلفه تبليغه والبيان عنه ليعلم المؤمنون به ما أنزل إليهم، فمن آمن به وعلم تبيانه وعمل بحكمه كان كامل الإيمان لله تعالى، ومن آمن به وقرأه ولم يعمل بعلم ما فيه لم يكمل أجره. والناس في قراءة القرآن على ثلاثة مقامات؛ فقوم أعطوا الفهم بقيامهم بأداء الأمر واجتناب النهي من

стр. 14

الظاهر والباطن، وصدقهم فيه بنور بصيرة اليقين، وهو سكون القلب إلى الله تعالى في كل حال وعلى كل حال، فليس لهؤلاء همة في الألحان ولا في التطريب بطيبة الصوت تكلفا، إنما همهم التفهّم وطلب المزيد من الله تعالى فهما لأمره ونهيه. والمراد من أحكام فرضه وسنة نبيه ﷺ ، فهم بعلمه عاملون، وبالله مستعينون، وعلى آدابه صابرون كما أمرهم بقوله: ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] أي استعينوا بالله على أمر الله بالسنة فرضا، أي سنة الله، واصبروا على آدابه باطنا وظاهرا، كي يكسبكم فهما وفطنة. والمراد منه تفضلا لا يبالون بطيب حنجرة الأصوات، فهم الذين أعطاهم الله تعالى فهم القرآن، هم خاصة الله وأولياؤه، لا هم للدنيا، ولا الدنيا منهم في شيء، ولا فيما في الجنة رغبوا، أخذ منهم الدنيا فلم يبالوا، وهبها لهم فردوها كما ردها نبيهم ﷺ لمّا عرضت عليه، طرحوا أنفسهم بين يديه رضى وسكونا إليه وقالوا: لا بد لنا منك أنت أنت، لا نريد سواك، فهم المتفردون بالله كما قال النبي ﷺ : «سيروا، سبق المفردون إلى رحمة الله، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذين اهتروا بالذكر لله تعالى، يأتون يوم القيامة خفافا قد حط الذكر عنهم أثقالهم» (١). قال سهل: هم المشايخ المهترون (٢) في الذكر بالذكر لله تعالى، مجالسون كما قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى: «أنا جليس من ذكرني حيثما التمسني عبدي وجدني» (٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. باب صفات طلاب فهم القرآن قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] قال سهل: فعلى مقدار النور الذي قسمه الله تعالى له يجد هداية قلبه وبصيرته، فظهر على صفاته أنوار نوره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فالقرآن حبل الله بين الله وبين عباده، من تمسك به نجا، لأن الله تعالى جعل القرآن نورا وقال: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ومعنى جعلنا: بيّنّا ما فيه من محكم ومتشابه، وحلال وحرام، وأمر ونهي، كما قال الله :

стр. 15

﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي بينّاه بلسان عربي مبين، يعني بحروف المعجم التي بينها الله لكم، بها تعرفون ظاهرا وباطنا. وقال الله تعالى: ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يعني القرآن الذي قلب النبي ﷺ معدنه. قيل له: ما معنى قوله: «القرآن حبل الله بين الله وبين عباده»؟ قال: لا طريق لهم إليه إلاّ به، وبفهم ما خاطبهم فيه للمراد منهم به، والعمل بالعلم لله مخلصين فيه، والاقتداء بسنة محمد ﷺ المبعوث إليهم، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] يعني من يطع الرسول ﷺ في سنته فقد أطاع الله في فرائضه. وقال ابن عباس (١) ﵄: أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نجّمه الله تعالى على النبي ﷺ خمس آيات وأقل وأكثر (٢). قوله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧] وقال ابن عباس ﵄: لم ينزل القرآن في شهر ولا في شهرين، ولا في سنة ولا في سنتين، بل كان بين نزول أوله ونزول آخره عشرون سنة أو ما شاء الله من ذلك، وذلك لأن لإسرافيل مكانا في العرش خافض بصره وحوله الملائكة السّفرة الكرام البررة ولوح من زمرّد، فإذا أراد الله أمرا كان في ذلك اللوح، فقرع ذلك جبينه ينظر ما فيه، فبعث الرسل، فذلك قوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] لأن القرآن أنزل جملة واحدة على السّفرة الكرام الكاتبين، فنجّمته السّفرة الكرام الكاتبون على جبريل ﵇ عشرين سنة، فنجّمه جبريل ﵇ على النبي ﷺ كذلك (٣)، فقال المشركون: لولا نزل الله عليه القرآن جملة واحدة، فقال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أي ليكون ذلك جوابا لما يسألونك عنه. إذ لو أنزلناه جملة واحدة لم يكن عندك جواب سؤالهم. وقال سهل: أنزل الله القرآن على خمسة أخماس؛ خمس محكم وخمس متشابه وخمس حلال وخمس حرام وخمس أمثال. فالمؤمن العارف بالله تعالى يعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويحلّ حلاله،

стр. 16

ويحرّم حرامه، ويعقل أمثاله (١)، كما قال: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أي أهل العلم بالله تعالى والمعرفة به خاصة. قال سهل: في القرآن آيتان ما أشدّهما على من يجادل في القرآن، وهما قوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] أي يماري في آيات الله ويخاصم بهوى نفسه وطبع جبلّة عقله، قال تعالى: ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي لا مراء في الحج. والثانية قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. قال النبي ﷺ : «معاشر الناس، لا تجادلوا في القرآن فإن جادل به المؤمن المهتدي أصاب، وإن جادل به المنافق المفتري أقام حجّة بالقياس والهوى بغير صواب». وقال النبي ﷺ : «شرار عباد الله يتبعون شرار المسائل ليمتحنوا بها عباد الله أعناتا» (٢). والله تعالى خصمهم يوم القيامة، لأن كل سائل مسئول يوم القيامة ما أردت به. وقال سهل: العجب كل العجب لمن قرأ القرآن ولم يعمل به، ولم يجتنب ما نهاه الله عنه، أما استحيا من الله ومحاربته ومخالفته وأمره ونهيه بعد علمه به؟ فأي شيء أعظم من هذه المحاربة؟ ألم يسمع وعده ووعيده؟ ألم يسمع ما وعد الله به من النكال فيرحم نفسه ويتوب؟ ألم يسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فيجهد في الإحسان؟ ألم يسمع قوله: «ورحمتي سبقت عذابي» فيرغب في رحمته. وقال سهل: اللهم أنت أكرمتهم بالموهبة الجميلة، وخصصتهم بهذه الفضيلة، اللهم فاعف عنا وعنهم، ثم قال: إن الله تعالى ما استولى وليا من أمة محمد ﷺ إلاّ علّمه القرآن إما ظاهرا وإما باطنا، قيل له: إن الظاهر نعرفه، فالباطن ما هو؟ قال: فهمه، وإن فهمه هو المراد. قال أبو بكر السّجزي: سمع مني هذه الحكاية الجنيد (٣) فقال: صدق سهل، كان عندنا ببغداد عبد أسود عجميّ اللسان، نسأله عن القرآن آية آية، فيجيبنا عن ذلك بأحسن جواب، وهو لا يحفظ القرآن، وتلك دلالة ولايته.

стр. 17

قال سهل: روي عن ابن مسعود (١) رضي الله تعالى عنه أنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبصيامه إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يتكلمون، فينبغي أن يكون حامل القرآن باكيا حزينا حكيما عالما، لا جافيا ولا غائلا (٢)، يعني أن لا يكون كذابا. قال سهل: أخبرني محمد بن سوار (٣) أنه حج سنة من السنين فرأى أيوب السّختياني (٤) قد ابتدأ بأول القرآن مصليا، وإذا بناحية منه رجل من أهل البصرة مستقبل الكعبة قد ابتدأ بسورة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وهو يردد قوله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] قال: فبلغ أيوب السختياني إلى ثلثي القرآن وذلك الرجل يردد هذه الآية، فلما كان عند السحر بلغ أيوب «الفيل»، وانتهى الرجل إلى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وغشي عليه، فتقدمنا إلى الرجل فوجدناه ميتا. وقد اختلف الناس في طلب فهم القرآن، فقوم طلبوا فهم القرآن بتكرار درسه ليستخرجوا فهم ظاهر أحكامه، فمنهم مقلّ ومنهم مكثر عالم عامل لله تعالى بمنازل الجنة، وعامل لله تعالى إيجابا، وعالم به لا عامل له، وقوم طلبوه لحفظ التلاوة والتعليم لغيره، منهم سليم في فعله، ومنهم مغتر بربه، ورجل كثير الدرس له ومراده تعلم طلب الألحان، ويريد أن يشار إليه، ويكسب من حطام الدنيا، فهو من أخسر الثلاثة عند الله تعالى. قال سهل: وأخبرني محمد بن سوار عن عمرو بن مرداس (٥) عن أبي هريرة (٦) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 18

«اقرءوا القرآن بلحون العرب من غير تكلف لغيرها، ولا تقرءوه بلحون أهل الكنائس والبيع وأهل الأهواء والبدع، فإني وأمتي الأتقياء براء من التكلف، وإنه سيأتي أقوام من بعدي يرجّعون فيه أصواتهم ترجع القينات بالأغاني، مفتونة قلوبهم فتانة لقلب السامع، أولئك هم الغافلون» (١). قال سهل: وإني أخاف بعد ثلاثمائة إلى ما فوقها أن يندرس القرآن بالتشاغل بالألحان والقصائد والأغاني، قيل له: وكيف ذلك يا أبا محمد؟ فقال: لأنهم ما أحدثوا هذه الألحان والقصائد والأغاني إلاّ للتكسّب بها، حتى ملك إبليس قلوبهم، كما ملك قلوب شعراء الجاهلية، وحرموا فهم القرآن والعمل لله به. وقد حكى محمد بن سوار عن ابن أبي ذئب (٢) عن محمد بن عبد الرحمن (٣) عن ثوبان (٤) أنه سمع النبي ﷺ يقول: «سماع الأغاني ينسي القرآن ويشغل عن الذكر». قال أبو بكر: كان أبو سعيد الخراز (٥) مقيما بمكة، وكان من أشد الناس محبة للسماع من قصائد الجذل وأشعار الغزل، فأخبرني غلامه أبو الأذنين أنه رآه بعد موته في المنام، وقال له: ما فعل الله بك يا أبا سعيد؟ فقال: غفر لي بعد توبيخ وددت أنه أمر بي إلى النار ولم يوبخني. فقلت له: ولم ذلك؟ قال: أوقفني الحق بين يديه من وراء حجاب الخوف، وقال لي: حملت أمري على ليلى وسعدى، ولولا أنك وقفت لي وقفة أردتني بها لأمرت بك إلى النار، فلما أن زال حجاب الخوف إلى حجاب الرضا قلت: يا إلهي لم أجد من يحمل عني ما حملتني غيرك فأشرت إليك، قال: صدقت، وأمر بي إلى الجنة، والله أعلم.

стр. 19

فصل في قوله بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر: سئل سهل عن معنى: «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: الباء بهاء الله . والسين سناء الله . والميم مجد الله (١). والله: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنى غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة. لا ينال فهمه إلاّ الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قواما ضرورة الإيمان. والرحمن: اسم فيه خاصية من الحرف المكنى بين الألف واللام. والرحيم: هو العاطف على عباده بالرزق في الفرع والابتداء في الأصل رحمة لسابق علمه القديم. قال أبو بكر: أي بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمة لأنه رحيم. وقال علي بن أبي طالب ﵁: «الرحمن الرحيم» اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر (٢)، فنفى الله تعالى بهما القنوط عن المؤمنين من عباده.

стр. 20

سورة فاتحة الكتاب ﴿قال سهل: معنى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ [٢] الشكر لله، فالشكر لله هو الطاعة لله، والطاعة لله هي الولاية من الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] ولا تتم الولاية من الله تعالى إلا بالتبري ممن سواه. ومعنى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [٢] سيد الخلق المربّي لهم، والقائم بأمرهم، المصلح المدبر لهم قبل كونهم، وكون فعلهم المتصرف بهم لسابق علمه فيهم، كيف شاء لما شاء، وأراد وحكم وقدر من أمر ونهي، لا رب لهم غيره. ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] أي يوم الحساب، ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [٥] أي نخضع ونذلّ ونعترف بربوبيتك ونوحّدك ونخدمك، ومنه اشتق اسم العبد. ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [٥] أي على ما كلفتنا بما هو لك، وإليك المشيئة والإرادة فيه، والعلم والإخلاص لك، ولن نقدر على ذلك إلاّ بالمعونة والتسديد لنا منك، إذ لا حول لنا ولا قوة إلاّ من عندك. فقيل له: أليس قد هدانا الله إلى الصراط المستقيم؟ قال: بلى، ولكن طلب الزيادة منه كما قال: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فكان معنى قوله: «اهدنا»: أمددنا منك بالمعونة والتمكين. وقال مرة أخرى: «اهدنا» معناه أرشدنا إلى دين الإسلام الذي هو الطريق إليك بمعونة منك، وهي البصيرة، فإنا لا نهتدي إلاّ بك، كما قال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أي يرشدني قصد الطريق إليه. قال: وسمعت سهلا يحكي عن محمد بن سوار عن سفيان عن سالم عن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال: فإذا قال العبد: «الحمد لله ربّ العالمين» قال تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: «الرّحمن الرّحيم» قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: «مالك يوم الدّين» يقول الله: فهذه الآيات لي ولعبدي بعدها ما سأل، وإذ قال: «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين اهدنا الصّراط المستقيم» إلى آخره يقول الله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (١).

стр. 21

قال سهل: معنى قوله: «مجدني عبدي» أي وصفني بكثرة الإحسان والإنعام، وقال سهل: وروي عن مجاهد (١) أنه قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى (٢)، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما حسدتكم النصارى على شيء كما حسدتكم على قولكم آمين (٣). وحكى محمد بن سوار عن ابن عيينة (٤) عن عمرو بن دينار (٥) عن جابر بن عبد الله (٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاّ مؤمن، فإذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الله يرضى على قائلها، ويقبل صلاته، ويجيب دعاءه» (٧). وحكى الزهري (٨) عن ابن المسيب (٩) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذ قال الإمام: «ولا الضالين» قولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (١٠).

стр. 22

السورة التي يذكر فيها البقرة ﴿قال سهل: ﴿الم﴾ [١] اسم الله فيه معان وصفات يعرفها أهل الفهم به، غير أن لأهل الظاهر فيه معاني كثيرة (١)، فأما هذه الحروف إذا انفردت، فالألف تأليف الله ألف الأشياء كما شاء، واللام لطفه القديم، والميم مجده العظيم (٢). قال سهل: لكل كتاب أنزله الله تعالى سر، وسر القرآن فواتح السور (٣)، لأنها أسماء وصفات، مثل قوله: «المص، الر، المر، كهيعص، طسم، حمسق» فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض كانت اسم الله الأعظم، أي إذا أخذ من كل سورة حرف على الولاء، أي على ما أنزلت السورة وما بعدها على النسق: «الر» و «حم» و «نون» معناه الرحمن (٤). وقال ابن عباس والضحاك: «الم» معناه: أنا الله أعلم (٥). وقال علي ﵁: هذه أسماء مقطعة، إذا أخذ من كل حرف حرف لا يشبه صاحبه فجمعن كان اسما من أسماء الرحمن إذا عرفوه ودعوا به كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. وقال سهل: ﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ﴾ [١ - ٢] الألف الله، واللام العبد، والميم محمد ﷺ كي يتصل العبد بمولاه من مكان توحيده واقتدائه بنبيه. وقال سهل: بلغني عن ابن عباس أنه قال: أقسم الله تعالى أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ هو الكتاب الذي هو من عند الله تعالى فقال: ﴿الم (١)﴾ ذلِكَ الْكِتابُ﴾ الألف الله، واللام جبريل ﵇، والميم محمد ﷺ ، فأقسم الله تعالى بنفسه وجبريل ومحمد ﵉ (٦). وقال: إن الله تعالى اشتق من اسمه الأعظم الألف واللام والهاء (٧)، فقال: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] واشتق لهم اسما من أسمائه فجعله اسم نبيه ﷺ ، وآخر من اسم نبيه آدم ﵇ فقال:

стр. 23

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] إلاّ الطاغوت أي الشيطان. ومعنى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [٢] أي لا شك فيه. ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٢] أي بيانا للمتقين، والمتقون هم الذين تبرءوا من دعوى الحول والقوة دون الله تعالى، رجعوا إلى اللجا والافتقار إلى حول الله وقوته في جميع أحوالهم، فأعانهم الله ورزقهم من حيث لا يحتسبون، وجعل لهم فرجا ومخرجا مما ابتلاهم الله به. قال سهل: حول الله وقوته فعله، وفعله بعلمه، وعلمه من صفات ذاته. وحول العبد وقوته دعواه الساعة وإلى الساعة، والساعة لا يملكها إلاّ الله تعالى، فالمتقون الذين يؤمنون بالغيب فالله هو الغيب ودينه الغيب، فأمرهم الله أن يؤمنوا بالغيب وأن يتبرءوا عن الحول والقوة فيما أمروا به ونهوا عنه اعتقادا وقولا وفعلا ويقولوا لا حول لنا عن معصيتك إلا بعصمتك، ولا قوة لنا على طاعتك إلاّ بمعونتك، إشفاقا منه عليهم، ونظرا لهم من أن يدعوا الحول والقوة والاستطاعة كما ادعاها من سبقت له الشقاوة، فلما عاينوا العذاب تبرءوا من ذلك، فلم ينفعهم تبرؤهم حين عاينوا العذاب، وقد أخبر الله عمن هذا وصفهم في قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥] أي دعواهم، ﴿لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] وكما ادعى الحول والقوة والاستطاعة فرعون وقال: متى شئت إني أؤمن، فلما آمن لم يقبل منه، قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١]. قوله: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [٣] قال سهل: إن الله تعالى وصف بذلك من جبله بجبلّة متعلقا بسبب من سببه غير منفك عن مراقبته، وهم الذين لم يختاروا قط اختيارا، ولا أرادوا شيئا دونه، ولا اختيارا دون اختياره لهم كما اختاره لهم، ولا أرادوا شيئا منسوبا يغنيهم عنه، ومن غيره هم مبرءون. قال أبو بكر: قيل لسهل: لقد آتاك الله الحكمة، فقال: قد أوتيت، إن شاء الله، الحكمة، وغيبا علمت من غيب سره، فأغناني عن علم ما سواه. ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وبإتمام ما بدأني به من فضله وإحسانه. قوله : ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [٥] أي بيان من ربهم بنور هدايته القلوب مشاهدة له، وسكونا إليه من نوره الذي أفردهم به في سابق علمه، فلا ينطقون إلاّ بالهدى، ولا يبصرون إلاّ إلى الهدى، فالذين به اهتدوا غير مفارق لهم، فكانوا بذلك مشاهدين لأنهم غير غائبين عنه، ولو سئلوا عنه أخبروا، ولو أرادوا لسبقت الأشياء إرادتهم، فهم المفلحون، وهم المرشدون إلى الهدى والفلاح بهدايته لهم، والباقون في الجنة مع بقاء الحق . قال سهل: ولقد بلغني أن الله تعالى أوحى إلى

стр. 24

داود ﵇: يا داود، انظر لا أفوتك أنا، فيفوتك كل شيء، فإني خلقت محمدا ﷺ لأجلي، وخلقت آدم ﵇ لأجله، وخلقت عبادي المؤمنين لعبادتي، وخلقت الأشياء لأجل ابن آدم، فإذا اشتغل بما خلقته من أجله حجبته عما خلقته من أجلي (١). ﴿قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ [٢٢] قال سهل: أي أضدادا. فأكبر الأضداد النفس الأمّارة بالسوء المتطلعة إلى حظوظها ومناها بغير هدى من الله. وسئل عن قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [٢٥] فقال: ليس في الجنة شيء من فرش ولا آنية ولا لباس ولا طيب ولا طير، ولا شيء من النبات، ولا شيء من الفواكه كلها، فما في الدنيا يشبه ذلك إلاّ اتفاق الأسماء فقط، وذلك أن رمان الجنة لا يشبه رمان الدنيا قط إلاّ باتفاق الأسماء فقط، وكذلك التمر والعناب وأشباه ذلك، وإنما أراد بقوله: «متشابها» أي في اللون، مختلفا في الطعم، وذلك أن الملائكة تأتي الأولياء في الجنة بالتفاح في الغداء، ثم يأتون به في العشاء، فيقول الأولياء: هذا ذلك. فيقال لهم: ذوقوه. فإذا ذاقوه أصابوا له غير طعم الأول، فلا يجوز أن تدفع قدرة الله تعالى أن يؤدي طعم التفاح طعم الرمان واللوز والسفرجل (٢) قال سهل: وإني لأعرف رجلا من الأولياء رأى في الدنيا رمانة كبيرة كأكبر ما كان بين يدي رجل على شاطئ البحر، فقال له الولي: ما هذا بين يديك؟ فقال: رمانة رأيتها في الجنة فاشتهيتها، فأتاني الله بها، فلما وضعتها بين يدي ندمت على استعجالي ذلك في الدنيا. قال له ذلك الرجل: أفآكل منها؟ قال له الرجل: إن قدرت أن تأكل منها فكل، فضرب بيده إليها فأكل أكثرها، فلما رآه يأكل منها أعظمه ذلك، فقال: أبشر بالجنة، فإني لم أعرف منزلتك قبل أكلك منها، وذلك أنه لا يأكل من طعام الجنة في الدنيا إلاّ من هو من أهل الجنة. قال أبو بكر: فقلت لسهل: هل أخبرك الآكل من تلك الرمانة ما كان طعمها؟ قال: نعم، فيها طعم يجمع طعوم الفواكه، ويزيد على ذلك في طعمه لين وبرد ليس هو في شيء من طعوم الدنيا. قال أبو بكر: فلم أشك ولا من سمع هذه الحكاية من سهل إلاّ أنه هو صاحب الرمانة والآكل منها. وسئل عن قوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [٣٠] قال: إن الله تعالى قبل أن يخلق آدم ﵇ قال للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وخلق آدم ﵇ من طين العزة من نور محمد ﷺ ، وأعلمه أن نفسه الأمّارة بالسوء أعدى عدو له (٣)، وأنه خلقها

стр. 25

ليسارها عليه بمعلومه فيها خواطر وهمما، يأمرها بإدامة الافتقار واللجأ إليه، إن أبدى عليها طاعة قالت: أعني، وإن حركت إلى معصية قالت: اعصمني، وإن حركت إلى نعمة قالت: أوزعني، وإن قال لها: اصبري على البلاء، قالت: صبرني، ولا يساكن قلبه أدنى وسوسة لها دون الرجوع عنها إلى ربه، وجعل طبعها في الأمر ساكنا، وفي النهي متحركا، وأمره بأن يسكن عن المتحرك، ويتحرك عن الساكن بلا حول ولا قوة إلاّ بالله، أي لا حول له عن معصيته إلاّ بعصمته، ولا قوة له على طاعته إلاّ بمعونته، ثم أمره بدخول الجنة والأكل منها رغدا حيث شاء. ونص عليه النهي عن الأكل من الشجرة، فلما دخل الجنة ورأى ما رأى قال: لو خلدنا، وإنما لنا أجل مضروب إلى غاية معلومة. فأتاه إبليس من قبل مساكنة قلبه بوسوسة نفسه في ذلك، فقال: هل أدلك على شجرة الخلد التي تتمناها في هذه الدار، وهي سبب البقاء والخلود: ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠] فكانت دلالته هذه غرورا. وألحق الله به وسوسة العدو لسابق علمه فيه، وبلوغ تقديره وحكمه العادل عليه. وأول نسيان وقع في الجنة نسيان آدم ﵇، وهو نسيان عمد لا نسيان خطأ، يعني ترك العهد. قال سهل: بلغني عن بعض التابعين أنه قال: النسيان في كتاب الله على وجهين: الترك، كما قال في سورة البقرة: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ [١٠٦] أي نتركها فلا ننسخها، ومثله قوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [٢٣٧] أي لا تتركوا الفضل بينكم، كذلك في طه: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] يعني ترك العهد، ومثله في تنزيل السجدة: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] أي تركناكم في العذاب كما تركناكم من العصمة عند الإقامة على الإصر. قال: والوجه الآخر النسيان هو الذي لا يحفظ فيذهب من ذكره، كما قال في الكهف: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] أي لم أحفظ ذكره، وذلك أن الله تعالى جعل للشيطان شركة مع نفس الجبلة فيما هو من حظوظها الذي هو شيء غير الله تعالى، وقول موسى للخضر: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي ذهب مني ذكره، وقال في سبح: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] أي سنحفظك فلا تنسى، وهذا لإطراقه إلى تدبير نفسه. ولم تكن فكرته اعتبارا، فكانت تكون عبادة، وإنما كانت فكرة بطبع نفس الجبلة، وهذا حكم الله تعالى به قبل خلق السماوات والأرض أنه لا يرى بقلبه عنده شيئا، وهو غيره مساكنا

стр. 26

إياه، إلاّ سلط عليه إبليس يوسوس في صدره إلى نفسه بالهوى في معنى دعته إليه، أو يرجع باللجأ إلى ربه والاعتصام به، فستر الله بذكره في أوطانه عند الإقامة على النهي، حتى تم سابق علم الله إليه فيما نهاه عنه أن سيكون ذلك منه، وصار فعله علم سنّة في ذريته إلى يوم القيامة. ولم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معاني مساكنة الهمة مع شيء هو غيره، أي لا يهتم بشيء هو غيري. فآدم صلوات الله عليه لم يعتصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك. وكذلك من ادعى ما ليس له، وساكنه قلبه ناظرا إلى هوى نفسه فيه، لحقه الترك من الله مع ما حل عليه نفسه إلاّ إن رحمه، فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها، يعني إبليس، فأهل الجنة معصومون فيها من التدبير الذي كانوا به في دار الدنيا، فآدم صلوات الله عليه لم يعصم من مساكنة قلبه تدبير نفسه بالخلود لما أدخل الجنة، ألا ترى أن البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، فغلب الهوى والشهوة على العلم والعقل والبيان ونور القلب لسابق القدر من الله تعالى، حتى انتهى كما قال النبي ﷺ : «إن الهوى والشهوة يغلبان العلم والعقل» (١). وسئل عن قوله: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [٣٧] ما هذه الكلمات التي تلقاها من ربه؟ قال سهل: أخبرني محمد بن سوار عن أبيه عن الثوري (٢) عن عبد العزيز ابن رفيع (٣) عن عبد الله بن عمر (٤) ﵄ أنه قال: لما ذكر آدم صلوات الله عليه خطيئته قال: يا رب، أرأيت معصيتك التي عصيتك، أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني، أم شيء ابتدعته؟ قال: بل شيء كتبته عليك إنك ستفعله بترك العصمة مني قبل أن أخلقك بخمسين ألف عام. قال آدم صلوات الله عليه: فكما كتبته عليّ فاغفر لي، فإنا قد ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] أي

стр. 27

بالإقامة على همة النفس والسكون إلى تدبيرها، وتبنا عن الرجوع إليه، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] أي في الدنيا ﴿وَتَرْحَمْنا﴾ [الأعراف: ٢٣] في ما بقي من أعمارنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] أي من الأشقياء المعذبين في الآخرة، فكانت هذه الكلمات التي قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [٣٧]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «قال آدم لموسى ﵉: بكم تجد الخطيئة كتبت عليّ من قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين ألف عام. قال النبي ﷺ : فحج آدم وموسى ﵉» (١). وسئل عن قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [٣٠] فقال: أي نطهر أنفسنا بقولنا ما ألهمتنا تفضلا منك علينا، تباركت ربنا. وسئل عن قوله: ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [٤٠] ما هذه الرهبة التي أمرهم بها؟ فقال: أراد موضع نور النفس من بصر القلب والمعرفة من كلية القلب، لأن المكابدة والمجاهدة في الإيمان، فإذا سكن القلب من التقوى إلى الغير انكشف نور اليقين، ووصل العبد ساكنا بالإيمان لله توحيدا على تمكين. أعني سكون قلبه إلى مولاه، فصار نور اليقين يكشف عن علم اليقين، وهو الوصول إلى الله تعالى، فلا ذلك اليقين بنور اليقين إلى عين اليقين ولا مخلوق، لأنه نور من نور ذات الحق، لا بمعنى الحلول، ولا بمعنى الجمع، ولا بمعنى الاتصال، ولكن معنى اتصال العبد بمولاه من موضع توحيده وطاعته بالله ورسوله، فعلى قدر قوته من البصر بالله يدرك التقوى لله والرهبة إياه. وأصل التقوى: مباينة النفس، فيباينها في ذلك، ولا يساكنها شيئا من ملاذ هواها، ولا ما تدعوه إليه من حظوظها التي لم تتعذر فيها. اعلم أن الناس يتفاضلون في القيامة على قدر نور يقينهم، فمن كان أوزن يقينا كان أثقل ميزانا، وكان من دونه في ميزانه. قيل: بم تعرف صحة يقين العبد؟ قال: بقوة ثقته بالله تعالى، وحسن ظنه به، فالثقة بالله مشاهدة باليقين، وعين اليقين وكليته وكماله ونهايته الوصول إلى الله . فقيل له: ما معنى قوله: ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [٤١] قال (٢): أراد بذلك موضع علمه السابق فيهم، أي لا تأمنوا المكر والاستدراج، فتسكن قلوبكم إلى ملاحظة سلامتكم في الدنيا مع الإقامة على التقصير، وإلى حلمي عنكم في المعاجلة لكم في نفس أمنكم واغتراركم وغفلتكم فتهلكوا. وقال النبي ﷺ «لو زاد في اليقين عيسى بن مريم لمشى على الهواء كما مشى على الماء» (٣)، وقد مشى نبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء على الهواء لقوة نور يقينه التي أعطاه الله تعالى

стр. 28

من نوره زيادة نور إلى نور كان من الله تعالى. وقوله ﷺ : «لو ثبتت المعرفة على قلب داود صلوات الله عليه ولم يغفل ما عصى» فلعمري أن المعرفة أدرجت في أوطانها لتجري عليه ما كان من علم الله سابقا فيه، فلا بد من إظهاره على أوصافه إذا كان على حتم لا يتغير العلم إلى غير ما علم العالم جل وعز، فإنما ستر الله في أوطان داود صلوات الله عليه نور اليقين الذي به يبصر عين اليقين وكليته، ليتم حكم الله تعالى فيه، ألا ترى أن العبد إنما ينظر إلى الحق بسبب لطيفة من الحق بوصولها إلى قلبه هي من أوصاف ذات ربه ليست بمكونة ولا مخلوقة ولا موصولة ولا مقطوعة، وهي سر من سر إلى سر وغيب من غيب إلى غيب، فبالله اليقين، والعبد موقن بسبب منه إليه على قدر ما قسم الله له من الموهبة وجملة سويداء قلبه. وللإيمان وطنان، وهو ما سكن فلم يخرج، ونور اليقين خطرات، فإذا سكن واستقر صار إيمانا، واليقين خطرات بعده، فهو في المريد هكذا حاله أبدا. وسئل عن قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ [٤٢] الآية، فقال: أي لا تلبسوا بأمر الدنيا أمر الآخرة. وأراد لا يحل لأهل الحق كتمان الحق عن أهله خاصة، عمن يرجون هدايته إلى الله ، فأما أهله فإنهم يزدادون بصيرة به، وأما من كان من غير خاصة أهله فإن قول الحق لهم هداية وإرشاد إلى الله تعالى. ﴿وسئل عن قوله: ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [٤٥] الآية، فقال: الصبر هاهنا الصوم والصلاة وصلة المعرفة، فمن صحت له الصلاة، وهي الوصلة، لم يبق له على الله تهمة، إذ السؤال تهمة، ولا يبقى السؤال مع الوصلة، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ [٤٥]. وسئل عن قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [٤٨] أي لو جاءت بكل شيء من الأعمال من كبير أو صغير أو كثير أو قليل لم يتقبل ذلك منها، ولا شيء منه عند حصولهم في القيامة، والعدل: المثل، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ [المائدة: ٩٥] أي مثله وجزاءه. وسئل عن قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [٥٥] قال: الصاعقة: الموت، والصاعقة: كل عذاب مهلك ينزله الله تعالى بمن يشاء من عباده، فينظرون إلى ذلك عيانا، ويريه غيرهم فيهم اعتبارا وتحذيرا. وسئل عن قوله: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ [٧١] فقال: أي لا علامة فيها تشينها، ولا لون يخالف لون سائر جسدها. وتلك حكمة من صانعها، وعبرة لمن اعتبر بها، وزاد لإيمانه وتوحيده يقينا. قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [٧٢] أي تنازعتم فيها. قوله: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] قال سهل: هذا توبيخ من الله لهم بما كان من آبائهم من قتلهم الأنبياء. ألا ترى أنه لم يقتل المخاطبون بهذه الآية نبيا في وقت محمد ﷺ ، ولا كان في

стр. 29

وقتهم نبي غيره، فواجههم بفعل من كانوا من نسلهم ومن فوقهم، كما واجه النبي ﷺ بما خاطب به أمته، وذلك قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وكذلك معنى قوله: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢] لأي علة تسألون محمدا ﷺ وهو أعلم بذلك. وسئل عن قوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ [١٧٥] فقال: أي على الفتوى من غير علم من السنة والشرع، والعبودية بعمل أهل النار. ﴿قوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [١٠٢] أي بعلم الله السابق فيه قبل وقوع ذلك الفعل من الفاعل. قوله تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أراد فيما تعبدكم به لا فيما يستحقه الحق في ذاته . قوله: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً﴾ [٥٩] قال: الرجز هو العذاب. قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [١١٢] قال سهل: أي دينه، كما قال في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [النساء: ١٢٥] أي ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: ﴿* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] يعني يخلص دينه لله. وسئل عن قوله: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾ [٧٨] يعني أنهم يتمنون على الله الباطل ميلا إلى هوى نفوسهم بغير هدى من الله، يعني اليهود. قوله: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [٨٧] قال: القدس هو الحق، يعني الذي طهّر من الأولاد والشركاء والصاحبة. قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [١٢٨] قال: «الأمة»: الجماعة، و «مسلمة لك»، أي: مسلمة لأمرك ونهيك، بالرضا والقبول منك. قيل له: ما معنى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ﴾ [١٣٤، ١٤١] قال: أي تلك جماعة مضت لسابق علم الله فيهم. قوله: ﴿وَسَطاً﴾ [١٤٣] أي عدلا. فالمؤمن مصدّق لعباده، كما قال: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، أي: يصدق الله ويصدق المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [١٤٣] أي شديد الرحمة والرأفة بهم، يعني الرفق والحلم عنهم لعلمه بضعفهم، وأن لا حال لهم إليه لا به ولا منه. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ [١٤٨] أراد أن الله تعالى يولي أهل كل ملة إلى الجهة التي يشاء. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [١٥٥] قال: هم الذين صار الصبر لهم عيشا وراحة ووطنا، يتلذذون بالصبر لله تعالى على كل حال. قوله: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [١٥٧] قال سهل: أراد بالصلاة عليهم الترحم عليهم، أي ترحم من ربهم. وقال النبي ﷺ : «اللهم صلّ

стр. 30

على آل أبي أوفى» (١) حين أتوه بالصدقات، أي ترحم عليهم. وقال سهل: حدثنا محمد بن سوار عن أبي عمرو بن العلاء (٢) أنه قال: الصلاة على ثلاثة أوجه، أحدها: الصلاة المفروضة بالركوع والسجود كما قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي خذ شمالك بيمينك في الصلاة متذللا متخشعا بين يدي الله تعالى، كذا روي عن علي ﵁. والوجه الثاني: الترحم. والوجه الثالث: الدعاء مثل الصلاة على الميت، وقد قال النبي ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب فإن كان صائما فليصلّ» (٣) أي فليدع لهم بالبركة. وقال ﵊ في حديثه: «وصلّت عليكم الملائكة» (٤) أي ترحّمت عليكم. وقال ﵊ في حديثه: «وإذا أكل عنده الطعام صلّت عليه الملائكة حتى يمسي» أي دعت له الملائكة. قال سهل: الصلاة على وجهين أحدهما الاستغفار، والآخر المغفرة، فأما الاستغفار فقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي استغفر لهم ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] أي استغفار الرسول. وما المغفرة فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] أي يغفر لكم وملائكته، أي يستغفرون لكم، ومثله: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أي أن الله يغفر للنبي، وتستغفر له الملائكة ثم قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أي استغفروا له. وفي البقرة: ﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [١٥٧] أي مغفرة من ربهم. ﴿قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ [١٦١] أي الطرد لهم من رحمة الله والإبعاد، وكذلك كلّ ملعون مطرود. قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ [١٦٦] أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا، وتنعقد المودات بينهم من أجلها من غير طاعة الله ورسوله وغير مرضاته. قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [١٨٦] قال: بالدعاء، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [١٨٦] أي يصدقوني، فأنا حيث ما دعاني مخلصا لا آيسا ولا قنطا. قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [١٩٧] قال: هو الرفيق إلى ذكر الله تعالى خوفا، إذ لا زاد للمحب سوى محبوبه، وللعارف سوى معروفه. وقال في قوله: ﴿مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: الزاد والراحلة، ثم قال: أتدرون

стр. 31

ما الزاد والراحلة؟ فقالوا: لا. فقال: الزاد الذكر، والراحلة الصبر. قال (١): وقد صحبه رجل في طريق مكة فلم يجد يومين شيئا فقال: يا أستاذ أحتاج إلى قوت. فقال: القوت هو الله. فقال: لا بد من قوت يقوم به الجسد. فقال: الأجساد كلها بالله وأنشد: [من البسيط] يا حبّ زدني سقاك الشّوق من ديم … يزيدني صوبها الأحزان والكربا ودام لي لوعة في القلب تحرقني … إنّي متى أزداد حبّا زادني طربا ثم قال: الدنيا هي التي قطعت المنقطعين إلى الله عن الله . وقال (٢): عيش الملائكة في الطاعة، وعيش الأنبياء بالعلم وانتظار الفرج (٣)، وعيش الصديقين بالاقتداء، وعيش سائر الناس [عالما كان أو جاهلا، زاهدا كان أو عابدا] (٤) في الأكل والشرب. قوله: ﴿وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ [١٩٧] أي يا أهل الفهم عني بالعقول السليمة. وقال: إن الله تعالى أمرهم أن يتقوه على مقدار طاقات عقولهم بما خصهم به من نور الهداية بذاته، والقبول منه، وإفرادهم بالمعنى الذي ركبه فيهم، وعلمه بهم قبل خلقهم، فذكرهم تلك النعمة عليهم، ودعاهم بتلك النعمة التي سبقت لهم إلى الاعتراف بنعمة ثانية بعد الموهبة الأزلية، وهي حقيقة المعرفة، وقبول العلم بالعمل خالصا له. قيل: فما معنى التقوى وحقيقته؟ قال: الحقيقة لله أن تعاجل لدى العمل القليل بالموت، وكذا الخطايا بالعقوبة، فيعرف ذلك فيتقيه، فلا يتكل على شيء سواه. قيل له: قد اختلفت أسباب تقوى الخلق؟ قال: نعم، كما اختلف أفعالهم. قال أبو بكر: فقلت: لقد ثبت في القرآن أن تقوى كل امرئ على حسب طاقته. فقال: نعم، قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] فردهم إلى ما في طاقتهم. فقلت له: لقد قال الله تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال سهل: أما أصحابنا فيقولون إن هذا الخطاب لقوم مخصوصين بأعيانهم، لأنهم طولبوا بما لم يطالب به الأنبياء ﵈، وكما قال إبراهيم ويعقوب لأولادهما: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٣٢]. وإنما تعبد الله الخلق على حسب طاقاتهن، والذين قيل لهم: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] طولبوا بالتقوى على حسب معرفتهم بالله، فكان معنى ذلك، أي اتقوا الله حق تقاته ما قدرتم عليه، لا أنه رخص في ترك التقوى بتلك

стр. 32

الآية: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي مسلمون لأمر الله بكل حال مفوضون إليه، والآخرون ردوا إلى الاجتهاد، فافهم الفرق بين الاثنين في الخطاب، إذا كان اللفظ متفقا والمعنى مختلفا خاص وعام. قال أبو بكر: ثم قال سهل: لو دعا المتقون على المسرفين لهلك الأولون والآخرون منهم، ولكن الله جعل المتقين رحمة للظالمين ليستنقذهم بهم، فإنّ أكرم الخلق على الله المتقون كما قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فمن أراد كرامة الله فليتّقه، فإنه ينال بالتقوى كرامته، والدخول إلى جنته، ويسكن في جواره، ويفوز فوزا عظيما، وقد قال النبي ﷺ : «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن اتقى الله في سره قربه وأدناه» (١). ﴿قوله: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [٢٠١] أي العلم والعبادة خالصا ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [٢٠١] أي الرضا، كما قال: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وسئل عن قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [٢٢٤] ما هذا البر؟ فقال: يعني أن لا تصلوا القرابة لعلة اليمين. فقيل له: لقد قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [١٧٧] فقال: يعني ليس من التقوى أن لا تفعلوا غير ذلك ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [١٧٧] الآية. ألا تراه كيف قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [٤٤] يعني اليهود كانوا يأمرون إخوانهم من الرضاعة بطاعة الله تعالى واتباع النبي ﷺ ، وكانوا لا يفعلون ذلك. قوله: ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [٢٣٥] أي مناكحة. قوله: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [٢٣٥] أي علم ما في غيب أنفسكم قبل خلقه لكم من فعل حركة أو سكون بخير أمر به وأعان على فعله، وفعل ما نهى عنه، ولم يعصم من نزل به، وخلى من شاء مع الهوى لإظهار فعل ما نهى عنه، ولم يعصم عدلا منه وحكما، فكان معنى قوله: ﴿ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [٢٣٥] أي ما لم تفعلوه، و ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [٢٣٥] أي ما ستفعلونه (٢)، ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ [٢٣٥] أي اضرعوا إليه فيه حتى يكون هو الذي يتولى الأمر بالمعونة والتوفيق على الطاعة، ويعصم عن النهي بالنصر والتأييد. ألا ترون إلى قول عبد الله بن مسعود ﵄: اللهم إن كنا عندك في أم الكتاب أشقياء محرومين فامح ذلك عنا وأثبتنا سعداء مرحومين، فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت وعندك أم الكتاب.

стр. 33

قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ [٢٠٤] أي شديد الخصومة بالباطل. وقد روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدّ الخصم» (١). قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [٢١٤] أي أرادوا به وخوفوا به وحذروا مكر الله . وسئل عن قوله: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [٢١٤] أكان قولهم استبطاء للنصر؟ قال سهل: لا، ولكن لما أيسوا من تدبيرهم قالوا: ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ [٢١٤] فلما علم الله تعالى من تبريهم من حولهم وقوتهم وتدبيرهم لأنفسهم وإظهارهم الافتقار إليه، وأن لا حيلة لهم دونه أجابهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [٢١٤] قال سهل: البلاء والعافية من الله ، والأمر والنهي منه، والعصمة والتوفيق منه، والثواب والعقاب منه، والأعمال منسوبة إلى بني آدم، فمن عمل خيرا وجب عليه الشكر ليستوجب به المزيد، ومن عمل شرا وجب عليه الاستغفار ليستوجب به الغفران. والبلوى من الله على وجهين (٢): بلوى رحمة، وبلوى عقوبة، فبلوى الرحمة: يبعث صاحبه على إظهار فقره [وفاقته] (٣) إلى الله وترك التدبير، وبلوى العقوبة: يبعث (٤) صاحبه على اختيار منه وتدبيره. فسئل سهل: الصبر على العافية أشد أم على البلاء؟ فقال: طلب السلامة في الأمن أشد من طلب السلامة في الخوف. وقال في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: يؤمن بالله أن بلواه من الله يهد قلبه لانتظار الفرج منه. قوله: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] أي على أداء الفرائض، لأن البر الإيمان، وأداء الفرائض فرعه، والتقوى السنة، فلا يتم فرض إلاّ بالسنة، ونهى عن التعاون على الإثم وهو الكفر والنفاق، والعدوان وهو البدعة والخصام، وهما لعبان فنهوا عن اللعب، كما أمروا بالبر وهو الفرض والسنة، وأخذ النفس بالصبر على ذلك كله خالصا لله فيه. ﴿قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [٢٤٦] من هؤلاء الملأ؟ قال سهل: أراد بذلك الرؤساء، ألا ترون في قول رسول الله ﷺ وقد سمع رجلا بعد وقعة بدر وهو يقول: إنما قتلنا يوم بدر عجائز صلعا، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك الملأ من قريش» (٥) يعني الأشراف والسادات. وسئل عن قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [٢٥٥] فقال: هذه

стр. 34

أعظم آية في كتاب الله تعالى، وفيها اسم الله الأعظم، وهو مكتوب بالنور الأخضر في السماء سطرا واحدا من المشرق إلى المغرب، كنت رأيته كذلك في ليلة القدر مكتوبا، وأنا بعبادان لا إله إلاّ هو الحي القيوم، فمعنى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ القائم على خلقه كل شيء بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم المجازي بالإحسان إحسانا وبالسيئات غفرانا وبالنفاق والكفر والبدعة عذابا، فمن قال: لا إله إلاّ الله، فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره ونهيه، في سره وعلانيته، أو يوالي عدوه، أو يعادي وليه. قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [٢٥٥] فالسنة: النعاس، وقال: السنة ما خالط القلب من النوم. ﴿قال سهل في قول الله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٢٥٧] أي ولاية الرضا فهو المتولي لهم بما سبق لهم من هدايته ومعرفته إياهم على توحيده وذلك لعلمه بتبرئهم من كل سبب إلا من خالفهم فأخرجوا من الظلمات إلى النور ومن الكفر والضلالة والمعاصي والبدع إلى الإيمان وهو النور الذي أثبته الحق في قلوبهم وهو نور بصيرة اليقين الذي به يستبصرون التوحيد والطاعة له فيما أمر ونهى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [٢٥٧] أي الشيطان. قال سهل: ورأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء، لأن الشيطان لا يقدر على الإنسان إلاّ من طريق هوى النفس، فإن أحس منها بما تهم به ألقى إليها الوسوسة. وسئل عن قوله: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ [٢٦٠] أفكان شاكا في إيمانه حتى سأل ربه أن يريه آية ومعجزة ليصح معها إيمانه؟ فقال سهل: لم يكن سؤاله ذلك عن شك، وإنما كان طالبا زيادة يقين إلى إيمان كان معه، فسأل كشف غطاء العيان بعيني رأسه ليزداد بنور اليقين يقينا في قدرة الله، وتمكينا في خلقه، ألا تراه كيف قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾ [٢٦٠] فلو كان شاكا لم يجب ب «بلى»، ولو علم الله منه الشك وهو أخبر ب «بلى» وستر شكه لكشف الله تعالى ذلك، إذ كان مثله مما لا يخفى عليه، فصح أن طلب طمأنينته كان على معنى طلب الزيادة في يقينه. فقيل: إن أصحاب المائدة طلبوا الطمأنينة بإنزال المائدة، وكان ذلك شكا، فكيف الوجه فيه؟ فقال: إن إبراهيم ﵇ أخبر أنه مؤمن، وإنما سأل الطمأنينة بعد الإيمان زيادة، وأصحاب المائدة أخبروا أنهم يؤمنون بعد أن تطمئن قلوبهم، كما قال: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ [المائدة: ١١٣] فأخبروه أن علمهم بصدقه بعد طمأنينتهم إلى معاينتهم المائدة يكون ابتداء إيمان لهم. وقال أبو بكر: وسمعته مرة أخرى يقول: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [٢٦٠] أي لست آمن أن يعارضني عدو لك إذا قلت: ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾

стр. 35

﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [٢٥٨] فيقول: أنت رأيته يحيي ويميت، فيطمئن قلبي إلى الإجابة بنعم إذا شاهدت ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» (١)، وقال سهل: وفيها وجه آخر أنه سأله أن يريه إحياء الموتى طمأنينة له في أنه اتخذ خليلا. قال سهل: وفيه وجه آخر معناه: أن سؤالي إياك لا أستحق به عليك إلاّ ما تحققه لي، وذلك موقف الخواص من خلقه، فسؤالي إياك أن تريني إحياء الموتى ليطمئن قلبي مني، وقد كان في الجاهلية يسمى الخليل. قلنا فقوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [٢٦٠] أي خلتي، هذا لما أعلمه أنك تحيي وتميت. وسئل سهل: إذا بلغ العبد إلى كفاح العيان ما علامته في البيان؟ فقال: يغلب بطرد الشيطان، وهو أن النفس في معاينة الهوان، ولا سبيل إليه للنفس والشيطان بعزلهما عن الشيطان إلاّ بحفظ الرحمن. وقال: [من الوافر] كفايات الكفاح بحسن ظنّي … كنسج العنكبوت بباب غار وحسن الظّنّ جاوز كلّ حجب … وحسن الظّنّ جاوز نور نار علامات المقرّب وواضحات … بعيد أم قريب ليل سار فمن كان الإله له عيانا … فلا نوم القرار إلى النهار تقاضاه الإله لهم ثلاثا … فهل من سائل من لطف بار متى نجس الولوغ ببحر ود … فدع شقي النباح بباب داري ألا يا نفس والشيطان أخسوا … كبطلان الوساوس والغمار قوله: «كفايات الكفاح بحسن ظني» كأنه أشار إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ [فصلت: ٥٣] فقال رسول الله ﷺ : «بلى يا رب» وكذلك لما أنزلت ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] قال رسول الله ﷺ : «بلى يا رب» ومن طريق فهمهم القرآن: أو لم يكف بربّك يا محمد بنصرتك في الدنيا على أعدائك بالقتل والهزيمة، وفي العقبى بالمقام المحمود والشفاعة، وفي الجنة باللقاء والزيارة. وقوله: «كنسج العنكبوت بباب غار» وذلك أنّ غار العارفين هو السر، واطلاع رب العالمين إذا بلغوا إلى مقام الكفاح، وهو عيان العيان بعد البيان، فليس بينهم وبين الله تعالى إلاّ حجاب العبودية بنظره إلى صفات الربوبية والهوية والإلهية والصمدية إلى السرمدية بلا منع ولا حجاب، مثل من طريق الأمثال كنسيج العنكبوت حول قلبه، وسره فؤاده بلطف الربوبية وكمال الشفقة بلا حجاب بينه وبين الله تعالى كنسج العنكبوت بباب غار رسول الله ﷺ صرف الله به جميع أعدائه من صناديد قريش بدلالة إبليس إياهم عليه، كذلك أهل المعرفة إذا بلغوا

стр. 36

إلى مقام العيان بعد البيان انقطع وصرف وساوس الشيطان وسلطان النفس، وصار كيدهم ضعيفا، بيانه قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] يعني صار عليهم ضعيفا كما قال: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] لأن العبد إذا جاوز بحسن ظنه جميع الحجب، حتى لا يكون بينه وبين الله حجاب، فليس للنفس والشيطان والدنيا دخول على قلبه وفؤاده بالوساوس، ولذلك قال النبي ﷺ : «رأيت البارحة عجبا عبد بينه وبين الله حجاب فجاء حسن ظنه بالله فأدخله الحجاب» (١). وقوله: «وحسن الظن جاوز نور نار» كأنه أشار إلى متابعة الرسول شرفا بتفضيله على الخليل والكليم، لأن الأنبياء والأولياء في مقام رؤية النار والنور على مقامات شتى، فالخليل رأى النار وصارت عليه بردا وسلاما، والكليم رأى النار نورا بيانه قوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ [طه: ١٠] وكان في الأصل نورا مع قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ [النمل: ٨] يعني موسى في وسط النور فاشتغل بالنور فعاتبه فقال: لا تشتغل بالنور فإني منور النور، بيانه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] وأما الحبيب ﷺ فأراه النار والنور، وجاوز حجاب النار والنور، ثم أدناه بلا نار ولا نور، حتى رأى في دنوه الأدنى منوّر الأنوار، بيانه قوله: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] فرفع الحبيب عن مقام الخليل والكليم ومقامات جميع الأنبياء المقربين، حتى صار مكلما بالله بلا وحي ولا ترجمان أحد، بيانه قوله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم: ١٠] يعني قال الحبيب للحبيب سرا وعلمه وأكرمه بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. وقوله: «علامات المقرب واضحات» أراد أن جميع الأنبياء والملائكة لهم قربة، ومحمد ﷺ أقربهم قربة، على وزن أفعل، يقول قريب وأقرب، فالقريب يدخل في الفهم والوهم والتفسير، وأما الأقرب خارج عن الفهم والوهم والتفسير، وما بعده لا يدخل في العبارة ولا في الإشارة، وذلك أن موسى ﵇ لما سمع ليلة النار نداء الوحدانية من الحق فقال: إلهي أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك (٢)؟ فنادى الكليم من مكان القريب والبعيد أنه قريب. ولم يكن هذا في وصف الرسول حينئذ صيره مقربا، حتى سلّم الله عليه فقال: السلام عليكم، وإن الله تعالى مدح أمته فقال: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] ولم يقل القريبون، وعلامات المقرب واضحات من هذه الأمة، فالقريب وجد من الله المنة والكرامة، والبعيد وجد من الله العذاب والعقوبة، والمعبد وجد من الله الحجاب والقطيعة، والمقرب وجد من الله اللقاء والزيارة.

стр. 37

قوله: «فمن كان الإله له عيانا» علامات المشتاقين، فليس لهم نوم ولا قرار لا بالليل ولا بالنهار، والمخصوص بهذه الصفة صهيب (١) وبلال (٢)، لأن بلالا كان من المشتاقين، وكذلك صهيب، لم يكن لهما نوم ولا قرار. وقد حكي أن امرأة كانت اشترت صهيبا فرأته كذلك فقالت: لا أرضى حتى تنام بالليل لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي، فبكى صهيب وقال: إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه، وإذا ذكر الجنة جاء شوقه، وإذا ذكر الله تعالى طال شوقه (٣). وقوله: «تقاضاه الإله لهم ثلاثا» لأن «هل» من حروف الاستفهام، وأن الله يرفع الحجاب كل ليلة فيقول: «هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟». فإذا كانت ليلة القدر رفع الله الشرط فقال: «غفرت لكم وإن لم تستغفروني، وأعطيتكم وإن لم تسألوني، وأجبت لكم قبل أن تدعوني» (٤)، وهذا غاية الكرم. قوله: «متى نجس الولوغ ببحر ود» أشار إلى ولوغ الكلب، إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أو ثلاثا (٥)، باختلاف الألفاظ الواردة عن رسول الله ﷺ ، فكيف ولو أن ألف ألف كلب ولغوا في بحر؟ فلا اختلاف بين الأمة أن البحر لا ينجس بوساوس الشيطان، وولوغه في قلوب العارفين والمحبين في بحر الوداد متى يوجب التنجس، لأنه كلما ولغ فيه جاءه موج فطهره. وقوله: «فدع شقي النباح بباب داري» يعني دع يشقى إبليس يصيح على باب الدنيا بألوان الوساوس، فإنه لا يضرني، كقوله: ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] بالوحدانية مع قوله: ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ [الإسراء: ٤٦].

стр. 38

قوله: «اخسئوا» تباعدوا عني، يقال للكلب اخسأ على كمال البعد والطرد، وبهذا عاقبهم في آخر عقوباته إياهم، كقوله: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ [٢٣٨] أي داوموا على إقامتها. وأما قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [النور: ٥٦] فعلى وجهين أحدهما الإقرار بها من غير تصديق، كما قال في براءة: ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ [التوبة: ٥] أي من الشرك، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٥] يعني وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وكقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومواليكم، ونظيرها في السجدة (١). والوجه الثاني: الإقامة، كما قال في المجادلة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، ونظيرها في المزمل (٢). وقال في المائدة (٣): ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] أي يتمونها. وسئل عن قوله: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [٢٣٨] ما معنى ذكرها مفردة؟ قال: إنما أفردها لاختصاص من الصلوات وإن كانت داخلة في جملتها، كما انفرد جبريل وغيره بالذكر لاختصاصهم من جملة الملائكة. قال: وفيها وجه آخر، وهو أن أوقات سائر الصلوات مشهورة عند العالم والجاهل، فعلامتها واضحة، ووقت العصر أخفى، فحثّ على مراعاتها في وقتها بما خصها من الذكر. قوله: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] أي قاموا لله في الصلاة مطيعين. فكم من مصلّ غير مطيع كالمنافق ونحوه. وسئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت أي طول القيام» (٤)، وقال زيد بن أرقم (٥) ﵁: القنوت السكوت، لأنا كنا نتكلم في الصلاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] فأمسكنا عن الكلام (٦). وكان محمد بن سوار يقول: القنوت الوتر، سمي قنوتا لقيام الرجل فيه بالدعاء من غير قراءته القرآن، بل هو التعظيم بالدعاء.

стр. 39

وسئل عن قوله: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [٢٦٨] قال: هو أن يأخذوا الشيء من غير حله، ويضعوه في غير محله. وسئل عن قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [٢٦٩] قال: روى أبو سعيد الخدري (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «القرآن حكمة الله بين عباده فمن تعلم القرآن وعمل به فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلاّ أنه لا يوحى إليه يحاسب حساب الأنبياء ﵈ إلاّ في تبليغ الرسالة» (٢). وأخبرني محمد بن سوار عن عقيل (٣) عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «القرآن حكمة فمن تعلم القرآن في شبيبته خلط بلحمه ودمه (٤). ألا وإن النار لا تمس قلبا وعى القرآن (٥)، ولا جسدا اجتنب محارمه وأحل حلاله وآمن بمحكمه ووقف عند متشابهه ولم يبتدع فيه». وقال مجاهد وطاووس (٦): الحكمة القرآن، كما قال في النحل: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يعني القرآن. وقال الحسن (٧): الحكمة: الفهم في القرآن، والحكمة النبوة، كما قال في ص: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يعني النبوة، وقال لداود ﵇: ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [٢٥١] يعني النبوة من الكتاب. وقال قتادة (٨): الحكمة: هي الفقه في دين الله ، واتباع رسول الله ﷺ .

стр. 40

وقال السّدي (١): الحكمة النبوة. وقال: زيد بن أسلم (٢): الحكمة العقل. وقال الربيع ابن أنس (٣): الحكمة خشية الله تعالى. وقال ابن عمر: الحكمة ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية، ولسان ناطق بالقرآن. وقال أبو بكر: قال سهل: الحكمة إجماع العلوم، وأصلها السنة، قال الله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالآيات الفرض، والحكمة السنة. وأراد سهل من ذلك أن العرب تقول: حكمت الرجل إذا منعته من الضرر والخروج عن الحق مثل قوله: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] قال: أي تامة، كما قال: ﴿آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء: ٧٤] فهي حينئذ بلغت إلى أهلها دون غيرهم، فهم في كل حال فيها ينطقون، وإلى أحكامها يفزعون، وعن معانيها يكشفون، كما قيل: زاحم الحكماء، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكم، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر (٤). ثم قال: رأس مال الحكمة ثلاث: الأول رياض النفس في المكروهات، والثاني فراغ القلب عن حب الشهوات، والثالث القيام على القلب بحفظ الخطرات، ومن راقب الله عند خطرات قلبه عصمه عند حركات جوارحه. وقال عمر بن واصل (٥): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ [٢٦٩] أي يؤتي الإصابة في كتابه من يشاء، كما قال الله تعالى لأزواج النبي ﷺ عند تعداد النعم عليهن: ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالآيات القرآن، والحكمة ما جاء به الرسول ﷺ من المستنبط منها، كما قال علي ﵁: الآيات رجل آتاه الله فهما في كتابه. وسئل عن قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [٢٧٣] وعن الفرق بينهم وبين المساكين. فقال: الله تعالى وصف الفقير بصفة العدم من حال سؤال الافتقار واللجأ إليه،
следующие страницы →