إلى مقام العيان بعد البيان انقطع وصرف وساوس الشيطان وسلطان النفس، وصار كيدهم ضعيفا، بيانه قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] يعني صار عليهم ضعيفا كما قال: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] لأن العبد إذا جاوز بحسن ظنه جميع الحجب، حتى لا يكون بينه وبين الله حجاب، فليس للنفس والشيطان والدنيا دخول على قلبه وفؤاده بالوساوس، ولذلك قال النبي ﷺ : «رأيت البارحة عجبا عبد بينه وبين الله حجاب فجاء حسن ظنه بالله فأدخله الحجاب» (١).
وقوله: «وحسن الظن جاوز نور نار» كأنه أشار إلى متابعة الرسول شرفا بتفضيله على الخليل والكليم، لأن الأنبياء والأولياء في مقام رؤية النار والنور على مقامات شتى، فالخليل رأى النار وصارت عليه بردا وسلاما، والكليم رأى النار نورا بيانه قوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ [طه: ١٠] وكان في الأصل نورا مع قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ [النمل: ٨] يعني موسى في وسط النور فاشتغل بالنور فعاتبه فقال: لا تشتغل بالنور فإني منور النور، بيانه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] وأما الحبيب ﷺ فأراه النار والنور، وجاوز حجاب النار والنور، ثم أدناه بلا نار ولا نور، حتى رأى في دنوه الأدنى منوّر الأنوار، بيانه قوله: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] فرفع الحبيب عن مقام الخليل والكليم ومقامات جميع الأنبياء المقربين، حتى صار مكلما بالله بلا وحي ولا ترجمان أحد، بيانه قوله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم: ١٠] يعني قال الحبيب للحبيب سرا وعلمه وأكرمه بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة.
وقوله: «علامات المقرب واضحات» أراد أن جميع الأنبياء والملائكة لهم قربة، ومحمد ﷺ أقربهم قربة، على وزن أفعل، يقول قريب وأقرب، فالقريب يدخل في الفهم والوهم والتفسير، وأما الأقرب خارج عن الفهم والوهم والتفسير، وما بعده لا يدخل في العبارة ولا في الإشارة، وذلك أن موسى ﵇ لما سمع ليلة النار نداء الوحدانية من الحق فقال: إلهي أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك (٢)؟ فنادى الكليم من مكان القريب والبعيد أنه قريب.
ولم يكن هذا في وصف الرسول حينئذ صيره مقربا، حتى سلّم الله عليه فقال: السلام عليكم، وإن الله تعالى مدح أمته فقال: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] ولم يقل القريبون، وعلامات المقرب واضحات من هذه الأمة، فالقريب وجد من الله المنة والكرامة، والبعيد وجد من الله العذاب والعقوبة، والمعبد وجد من الله الحجاب والقطيعة، والمقرب وجد من الله اللقاء والزيارة.
стр. 37
قوله: «فمن كان الإله له عيانا» علامات المشتاقين، فليس لهم نوم ولا قرار لا بالليل ولا بالنهار، والمخصوص بهذه الصفة صهيب (١) وبلال (٢)، لأن بلالا كان من المشتاقين، وكذلك صهيب، لم يكن لهما نوم ولا قرار. وقد حكي أن امرأة كانت اشترت صهيبا فرأته كذلك فقالت:
لا أرضى حتى تنام بالليل لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي، فبكى صهيب وقال:
إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه، وإذا ذكر الجنة جاء شوقه، وإذا ذكر الله تعالى طال شوقه (٣).
وقوله: «تقاضاه الإله لهم ثلاثا» لأن «هل» من حروف الاستفهام، وأن الله يرفع الحجاب كل ليلة فيقول: «هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟». فإذا كانت ليلة القدر رفع الله الشرط فقال: «غفرت لكم وإن لم تستغفروني، وأعطيتكم وإن لم تسألوني، وأجبت لكم قبل أن تدعوني» (٤)، وهذا غاية الكرم.
قوله: «متى نجس الولوغ ببحر ود» أشار إلى ولوغ الكلب، إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أو ثلاثا (٥)، باختلاف الألفاظ الواردة عن رسول الله ﷺ ، فكيف ولو أن ألف ألف كلب ولغوا في بحر؟ فلا اختلاف بين الأمة أن البحر لا ينجس بوساوس الشيطان، وولوغه في قلوب العارفين والمحبين في بحر الوداد متى يوجب التنجس، لأنه كلما ولغ فيه جاءه موج فطهره.
وقوله: «فدع شقي النباح بباب داري» يعني دع يشقى إبليس يصيح على باب الدنيا بألوان الوساوس، فإنه لا يضرني، كقوله: ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] بالوحدانية مع قوله: ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ [الإسراء: ٤٦].
стр. 38
قوله: «اخسئوا» تباعدوا عني، يقال للكلب اخسأ على كمال البعد والطرد، وبهذا عاقبهم في آخر عقوباته إياهم، كقوله: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ [٢٣٨] أي داوموا على إقامتها. وأما قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [النور: ٥٦] فعلى وجهين أحدهما الإقرار بها من غير تصديق، كما قال في براءة:
﴿فَإِنْ تابُوا﴾ [التوبة: ٥] أي من الشرك، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٥] يعني وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وكقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومواليكم، ونظيرها في السجدة (١). والوجه الثاني: الإقامة، كما قال في المجادلة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، ونظيرها في المزمل (٢).
وقال في المائدة (٣): ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] أي يتمونها. وسئل عن قوله:
﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [٢٣٨] ما معنى ذكرها مفردة؟ قال: إنما أفردها لاختصاص من الصلوات وإن كانت داخلة في جملتها، كما انفرد جبريل وغيره بالذكر لاختصاصهم من جملة الملائكة.
قال: وفيها وجه آخر، وهو أن أوقات سائر الصلوات مشهورة عند العالم والجاهل، فعلامتها واضحة، ووقت العصر أخفى، فحثّ على مراعاتها في وقتها بما خصها من الذكر. قوله:
﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] أي قاموا لله في الصلاة مطيعين. فكم من مصلّ غير مطيع كالمنافق ونحوه. وسئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت أي طول القيام» (٤)، وقال زيد بن أرقم (٥) ﵁: القنوت السكوت، لأنا كنا نتكلم في الصلاة، فأنزل الله تعالى:
﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] فأمسكنا عن الكلام (٦). وكان محمد بن سوار يقول: القنوت الوتر، سمي قنوتا لقيام الرجل فيه بالدعاء من غير قراءته القرآن، بل هو التعظيم بالدعاء.
стр. 39
وسئل عن قوله: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [٢٦٨] قال: هو أن يأخذوا الشيء من غير حله، ويضعوه في غير محله.
وسئل عن قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [٢٦٩] قال: روى أبو سعيد الخدري (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «القرآن حكمة الله بين عباده فمن تعلم القرآن وعمل به فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلاّ أنه لا يوحى إليه يحاسب حساب الأنبياء ﵈ إلاّ في تبليغ الرسالة» (٢). وأخبرني محمد بن سوار عن عقيل (٣) عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «القرآن حكمة فمن تعلم القرآن في شبيبته خلط بلحمه ودمه (٤). ألا وإن النار لا تمس قلبا وعى القرآن (٥)، ولا جسدا اجتنب محارمه وأحل حلاله وآمن بمحكمه ووقف عند متشابهه ولم يبتدع فيه».
وقال مجاهد وطاووس (٦): الحكمة القرآن، كما قال في النحل: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يعني القرآن. وقال الحسن (٧): الحكمة: الفهم في القرآن، والحكمة النبوة، كما قال في ص: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يعني النبوة، وقال لداود ﵇:
﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [٢٥١] يعني النبوة من الكتاب.
وقال قتادة (٨): الحكمة: هي الفقه في دين الله ، واتباع رسول الله ﷺ .
стр. 40
وقال السّدي (١): الحكمة النبوة. وقال: زيد بن أسلم (٢): الحكمة العقل. وقال الربيع ابن أنس (٣): الحكمة خشية الله تعالى. وقال ابن عمر: الحكمة ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية، ولسان ناطق بالقرآن. وقال أبو بكر: قال سهل: الحكمة إجماع العلوم، وأصلها السنة، قال الله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالآيات الفرض، والحكمة السنة. وأراد سهل من ذلك أن العرب تقول: حكمت الرجل إذا منعته من الضرر والخروج عن الحق مثل قوله: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] قال: أي تامة، كما قال:
﴿آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء: ٧٤] فهي حينئذ بلغت إلى أهلها دون غيرهم، فهم في كل حال فيها ينطقون، وإلى أحكامها يفزعون، وعن معانيها يكشفون، كما قيل: زاحم الحكماء، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكم، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر (٤). ثم قال: رأس مال الحكمة ثلاث: الأول رياض النفس في المكروهات، والثاني فراغ القلب عن حب الشهوات، والثالث القيام على القلب بحفظ الخطرات، ومن راقب الله عند خطرات قلبه عصمه عند حركات جوارحه. وقال عمر بن واصل (٥): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ [٢٦٩] أي يؤتي الإصابة في كتابه من يشاء، كما قال الله تعالى لأزواج النبي ﷺ عند تعداد النعم عليهن:
﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالآيات القرآن، والحكمة ما جاء به الرسول ﷺ من المستنبط منها، كما قال علي ﵁: الآيات رجل آتاه الله فهما في كتابه.
وسئل عن قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [٢٧٣] وعن الفرق بينهم وبين المساكين. فقال: الله تعالى وصف الفقير بصفة العدم من حال سؤال الافتقار واللجأ إليه،
стр. 41
ووصفهم بالرضا والقنوع، فقال تعالى: ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ [٢٧٣] وهم أصحاب صفة رسول الله ﷺ وهم نحو من أربعين رجلا، ليست لهم في المدينة مساكن ولا عشائر، فهذه أحوال أقوام مدحهم الله تعالى لشدة الافتقار إليه، لا استطاعة لهم ولا قوة إلا به ومنه، هو حولهم وقوتهم، نزع عنهم قوة سكون قلوبهم إلى غيره، وهو وسوسة النفس إلى شيء دون الله تعالى، فهم بهذا الوصف أعلى حالا، فمن ردّه الله تعالى إلى مساكنة نفسه فقال: ﴿لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فردهم إلى حالتهم التي قد سكنوا إليها.
وأما الفقير الذي سلمه الفقر إلى الله تعالى إن حركته في موت نفسه فهو أحسن حالا من الذي سكن إلى حال له لمتابعة نفسه. قال عمر بن واصل: وإذا كان الفقير إلى الله الراضي لا يسكن إلاّ بالرضا والتسليم، فقد كمل له الاسمان جميعا الفقر والمسكنة. قال أبو بكر سمعت سهلا يقول الفقير الفقير العاجز، وهو الفقر بلبلبة القلب إلى الله ، والسكون إليه بالطاعة والمسكنة ذل، وهي المعصية لله. قال: وحكى الحسن عن أنس (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لما أنزلت هذه الآية: «صانعوا الفقراء ليوم ملكهم. فقيل: يا رسول الله ومتى ملكهم؟ قال: يوم القيامة» (٢).
﴿وسئل عن قوله: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [٢٨١] فقال: هي آخر آية ختم الله تعالى بها القرآن، وتوفي رسول الله ﷺ بعد نزولها بثمانين يوما.
ثم قال: إذا دخلت مظالم ليلة أهل الدنيا لأهل الدنيا ذهب النوم والقرار عن أهل السجن، ما يدرون ما يصنع بهم بدعتي عليهم، فيقتلون أو يعذبون، أم يعفى عنهم فيطلقون، فهذه مظالم أهل الدنيا لأهل الدنيا، فكيف مظالم الحق لأهل العقبى؟.
قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [٢٨٦] أي طاقتها، ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ [٢٨٦] أي ثواب العمل الصالح، ﴿وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ [٢٨٦] يعني أوزار الذنوب. ثم قال: من لم تهمه الذنوب السالفة لم يعصم في أيامه الغابرة، ومن لم يعصمه الله تعالى في بقية أيامه فهو من الهالكين في معاده. قيل له: متى يعرف الرجل ذنوبه؟ قال: إذا حفظ أنوار قلبه فلم يترك شيئا
стр. 42
يدخل عليه ولا يخرج منه، إلاّ بوزن، حينئذ يعرف ذنوبه، فمن فتح على نفسه باب حسنة فتح الله عليه سبعين بابا من التوفيق، ومن فتح على نفسه باب سيئة فتح الله عليه سبعين بابا من الشر من حيث لا يعلمه العبد، وما من قلب يهم بما لا يعنيه إلاّ عوقب في الحال بتضييع ما يعنيه، ولا يعرف ذلك إلاّ العلماء بالله. وسئل عن قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ [١٨٠] ما هذا الخير عندك؟ قال: المال الحلال، كما قال الله تعالى: ﴿ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [٢١٥] أي من مال حلال في وجوهه وابتغاء مرضاته، فقال: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [٢٧٢] أي من مال حلال، ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [٢٧٢] أي توفون الجزاء من الله تعالى على فعلكم وما قصدتم به. وسئل عن قوله:
﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ [١٧٧] أي في بداية الأمر بالسنة، ﴿وَالضَّرّاءِ﴾ [١٧٧] أي في اجتناب المنهي ظاهرا وباطنا في أكل الحلال، والبأساء في الظاهر الفقر، والضراء الشدة، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [١٧٧] أي عند القتال.
وسئل عن قوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [٢٠٦] قال: يعني الحمية، كما قال في ص:
﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] أي في حمية واختلاف. وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [١٦٥] أي يحبون الأنداد كحبهم الله ، فقد وصف الله تعالى شدة كفرهم وصدقهم في حال الكفر جهلا، ووصف محبة المؤمنين وصدقهم في الإيمان بالله تعالى حقا، ثم فضل المؤمنين بالمعرفة فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [١٦٥] بمعرفتهم وسائر أسباب العبد المؤمن إلى الإقبال عليه وإقامة الذكر له، وتلك منزلة العارفين المحبين، إذ المحبة عطف من الله تعالى بخالصة الحق. فقيل له: ما علامة المحبة؟ قال: معانقة الطاعة ومباينة الفاقة.
وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أتدري لم ألقيت عليك محبتي؟ فقال:
لا يا رب. فقال: لأنك ابتغيت مسرتي. يا موسى: أنزلني منك على بال، ولا تنس ذكري على حال، وليكن همتك ذكري، فإن طريقك عليّ (١)، والله أعلم.
стр. 43
السورة التي يذكر فيها آل عمران
﴿﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [١ - ٢] قال: هو اسم الله الأعظم مكتوب على السماء بالنور الأخضر من المشرق إلى المغرب (١). قوله:
﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ [٤] يعني القرآن فيه المخرج من الشبهة والضلالة.
قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [٧] يعني الكفر. ﴿وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [٧] يعني تفسيره على ما يوافق هوى نفوسهم. ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [٧] قال ابن عباس ﵄: أنزل القرآن على أربعة أحرف، حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسيره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلاّ الله تعالى، فمن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب.
قوله: ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [٧] قال: حكي عن علي ﵁: هم الذين حجبهم العلم عن الاقتحام بالهوى والحجج المضروبة، دون الغيوب لما هداهم الله وأشرفهم على أسراره المغيبة في خزائن العلوم فقالوا: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ [٧] فشكر الله تعالى لهم وجعلهم أهل الرسوخ والمبالغة في العلم زيادة منه لهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] قال سهل: استثنى الله ﵎ الراسخين في العلم بقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ [٧] يعني الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وهم الكاشفون عن العلوم الثلاثة إذ العلماء ثلاثة: الربانيون والنورانيون والذاتيون، وبعد العلوم الأربعة: الوحي والتجلي والعندي واللدني، كما قال تعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ [الكهف: ٦٥]، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي وما يتذكر إلاّ أولو الفهم والعقول الذين يقولون: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ [٨] أي لا تمل قلوبنا عن الإيمان بعد إذ هديتنا بهداية منك، ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ [٨] لمن رجع إليك بالافتقار والتضرع والمسكنة. ثم قال سهل: ليس للعبد حيلة سوى أن يواظب في جميع عمره على قول: «رب سلم سلم، الأمان الأمان، الغوث الغوث».
стр. 44
قال الله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] يعني ينبغي للموحد أن يعلم يقينا أنه ليس كل من أحب الحق أحبه، لأن إبليس قابله بعلاء الحب فقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء: ٦١] وأنت الله لا يجوز أن يعبد غيرك، حتى لعنه. فليس كل من تقرب إليه قبله وليس كل من أطاعه قبل طاعته، إنه بصير بما في الضمير، فلا يأمن أحد أن يفعل به كما فعل بإبليس لعنه بأنوار عصمته، وهو عنده في حقائق لعنته، ستر عليه ما سبق منه إليه حتى عاقبه بإظهاره عليه، فليس للعبد إلاّ استدامة الغوث بين يديه. وقد كان الرسول ﷺ يقول: «يا ثابت المثبتين ثبتني بثباتك، يا ثابت الوحدانية لا إله إلاّ أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين». وكان يقول: «يا ولي الإسلام وأهله ثبتني بالإسلام حتى ألقاك به» (١)، قال: وموضع الإيمان بالله تعالى القلب، وموضع الإسلام الصدر، وفيه تقع الزيادة والنقصان.
﴿وقوله: ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [١٥] يعني من الأحداث التي كانت تنالهن في الدنيا من الحيض وغيره، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] أي طهرهم به من بقاء أدناس الدنيا.
قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ [١٨] قال: أي علم الله وبيّن ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [١٨] شهد لنفسه بنفسه، وهو خاص لذاته واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقهم بعلمه، فنبه به أهل معرفته أنه عالم بما يكون قبل كونه، وأن حقيقة التوحيد ما كان بدون الأكوان، كما شهد به الحق لنفسه بنفسه قبل الأكوان. وقال عبد الواحد: كنت مع أيوب السختياني فرأى حمالا يحمل الحطب، فقلت: هل لك برب؟ فقال: أمثلي يسأل عن ربه. فقلت له: إن كان لك خالق كما تزعم، فلم اشتغلت بالحطب؟ فأشار الرجل إلى السماء، فصار الحطب ذهبا، فتعجبنا منه لذلك، ثم قال: اللهم لا حاجة لي إلى هذا، فتحول الذهب حطبا كما كان، فقلنا له: ما حملك على هذا؟ فقال: لأني عبد، فأحمل هذا كي لا أنسى نفسي (٢).
قوله: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [٢٦] يعني المعرفة والتوحيد وشرائع دينك الإسلام والعاقبة المحمودة، وهو أن يتولى الله العبد ولا يكله إلى نفسه. قوله:
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [١٠٣] أي تمسكوا بعهده وهو التوحيد، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ [مريم: ٧٨] أي توحيدا وتمسكوا بما ملككم من تأدية فرضه وسنة نبيه، وكذلك قوله: ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ [١١٢] معناه إلاّ بعهد من الله ودينه، وإنما سماه
стр. 45
حبلا لأنه من تمسك به توصل إلى الأمر الذي يؤمنه.
﴿قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [٢٨] قال: أي عدله، لأن النار عدله لمن خالفه، والجنة فضله لمن أطاعه، ألا ترون إلى قوله ﵊: «يا من لا يرجى إلاّ فضله ولا يخشى إلاّ عدله».
قوله: ﴿قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [٣٥] أي حررته وأعتقته من رق الدنيا من متابعة هواه ومرادات نفسه، وجعلته خادما لعباد بيت المقدس خالصا لله تعالى،
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [٣٧] أي وقال: الملك الأعلى أولى بالمحرر عن رقّ النفس ورقّ الدنيا. ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ [٣٧] قال: بالعمل الصالح في ذكر الله تعالى وجوارحها في خدمة الله وقلبها في معرفة الله ،
﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [٤٣] أي لله فصلي، وإياه بالإخلاص فاعبدي، وإليه بالدعاء فاقنتي وتضرعي
. قوله: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [٤٧] قال: إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون، قال القائل شعر: [من الطويل].
قضى قبل خلق الخلق ما هو خالق … خلائق لا يخفى عليه أمورها
هواها ونجواها ومضمر قلبها … وقبل الهوى ماذا يكون ضميرها
قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [٦١] أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة والمبتهل الداعي، والابتهال الدعاء، والمسبح الذاكر، وهو الذي لا تكتبه إلاّ الحفظة لأنه مشاهدة المذكور في الذكر بالمذكور وهو معنى قوله: «أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني» (١).
قوله: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ [٦٤] يعني إلى طمع عدل بيننا وبينكم، لأنهم كانوا مقرين بأن خالقهم وخالق السماوات والأرض هو الله تعالى، فنوحده ولا نعبد إلاّ إياه. وأصل العبادة: التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى، ولا يحصل الأكل الحلال إلاّ بكف الأذى، ولا كف الأذى إلاّ بأكل الحلال، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم، فإنما هي الأصول. قال: حكى محمد بن سوار عن الثوري أنه قال: منزلة لا إله إلاّ الله في العبد بمنزلة الماء في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فمن لم ينفعه اعتقاد لا إله إلاّ الله والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ فهو ميت. قال سهل: وإني لأعرف رجلا من أولياء الله تعالى اجتاز برجل مصلوب وجهه إلى غير القبلة، فقال: أين ذلك اللسان الذي كنت تقول به صادقا: «لا إله إلاّ الله»، ثم قال: اللهم هب لي ذنبه. قال سهل:
стр. 46
فاستدار نحو القبلة بقدرة الله.
﴿قوله: ﴿وَجْهَ النَّهارِ﴾ [٧٢] أي أول النهار. قوله: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [٧٣] أي كثير العطاء يقدر بقدرته الأزلية أن يعطي جميع ما يسأل، وهو المحيط بكل شيء، كما قال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٨].
وسئل عن قوله: ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [٧٩] قال محمد بن سوار: الربّاني الذي لا يختار على ربه أحدا سواه، وهو اسم مشتق من الربوبية. وقال سهل: الربانيون هم العالمون في الدرجة من العلم بالعلم. كما قال محمد بن الحنفية (١)، لما مات عبد الله بن عباس ﵄: لقد مات هذا اليوم رباني هذه الأمة (٢).
وإنما نسب إلى الرب لأنه عالم من علمه. كما قال: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]، فنسبه إلى النبوة بما علمه الله . وكل من أنبأك بخبر موافق للكتاب والسنة فهو منبئ. والعلماء ثلاث: رباني ونوراني وذاتي بلا واسطة بينه وبين الله تعالى فيه بقية من الله . وقال عمر بن واصل: الربانيون هم المجموعون من العلماء، كما قال علي ﵁: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
قوله:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ [٨٥] قال: الإسلام هو التفويض كقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٠٢] أي مفوضون وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [١٩].
وسئل عن قوله: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [٩٢] أي لن تبلغوا التقوى كلها حتى تحاربوا أنفسكم، فتنفقوا بعض ما تحبون، ولا إنفاق كإنفاق النفس في مخالفتها وطلب مرضاة الله . وحكي عن عيسى ﵇ مر بثلاثة نفر نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الخوف من خالقنا، والحذر من عقوبة عصياننا فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف. قال: فجاوزهم إلى ثلاثة هم أشد نحولا، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الشوق إلى ربنا. فقال: حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم. فجاوزهم إلى ثلاثة نفر هم أشد نحولا، كأن وجوههم البدور، قال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الحب قال: أنتم المقربون ثلاثا، فمن أحب الله تعالى فهو المقرب، لأن من أحب شيئا تسارع إليه، فالمرتبة الأولى مرتبة التوابين، والمرتبة الثانية مرتبة المشتاقين، ثم يبلغ العبد المرتبة الثالثة، وهي المحبة، ألا ترون أنهم كيف اتفقوا كلهم فيمن الكل له، وأعرضوا عن الكل إلى من له الكل؟.
стр. 47
﴿وقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ [٩٦] أي أول بيت وضع للناس بيت الله بمكة هذا هو الظاهر، وباطنها الرسول يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس.
قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [١٠٦] يعني تبيض وجوه المؤمنين بنور إيمانهم، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [١٠٦] الكافرين بظلم كفرهم. وسئل عن قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] فقال: هذه الأجسام الغرض منها ما أودع الله فيها من الودائع، ابتلى الله الخليقة بها، فمنها ما هو اعتبار للطائعين وهو الكفر، ومنها ما هو حجة على الغافلين، وهو المعرفة والتصديق في الأقوال والأفعال، كما قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فباطن هذه الآية: النور العلم، والظلمات الجهل، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] أي ما يستبصر به القلب الإيمان بالله، فنور الإيمان من أعظم منن الله وكراماته. والثاني الطيب من القول، وهو قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ [٦٤] الآية.
والثالث إطاعة بالجوارح خالصا لله، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقنوع والرضا، فدعاهم بذلك إلى أطيب القول وأحسن الفعال، ولو لم يكن الإيمان بالله والقرآن الذي هو علم الله فيه الدعوة إلى الإقرار بالربوبية والتعبد إياه في الفزع، لم تعرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أجابهم من الخلق.
قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [١٤١] يعني تخليصهم من عيوب الذنوب، كما أخلصوا له بالعمل، وهو الجهاد في سبيل الله، ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [١٤١] أي وليهلك الكافرين بالذنوب عن الابتلاء.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ [١٤٩] يعني الفئة المنهزمة يوم أحد حين لم يستأصلهم جميعا. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٥٢] بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [١٥٥] فسئل ما هذا الكسب؟ فقال: هو الإعجاب الذي كان منهم بكثرة عددهم يوم حنين، وأخذهم العزة يوم بدر، وكان لشرك الشيطان إياهم بعد مساكنة قلوبهم ورؤيتهم نفوسهم بما سولت لهم أنفسهم من الإعجاب، فترك الله عصمتهم جزاء لهم. وقد قال النبي ﷺ حين سمع من أصحابه يوم حنين يقولون لن نؤتى من قلة: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية» (١) من تدبيركم إلى نفوسكم بحال، دون الافتقار إلى الله ، ألا ترى أن داود ﵇ لما
стр. 48
سأل ربه اللحوق بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق فقال له: لست هناك يا داود. فقال: ولم يا رب؟ فقال: لأن أولئك ابتليتهم فصبروا ولم يعرفوا الدنيا ولا عرفتهم وإنك عرفت الدنيا وعرفتك واتخذتها أهلا. فقال داود ﵇: فأرني من عبادك من لو ابتليته صبر. فقال الله :
فإني مبتليك. فكان هو المبتدي في طلب البلاء للامتحان من الله تعالى، يعني وذلك لعلم الله السابق في غيب مستور تفرد بمعرفته، فأتاه إبليس في صورة حمامة، وكان من قصته وقصة أوريا ابن حنان ما كان، والله تعالى لم يعصمه من الهم والقصد والفعل، وعصم يوسف من الفعل ولم يعصمه من الهم والقصد.
قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [١٥٩] يعني بتعطف من الله لنت لهم ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [١٥٩] باللسان ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [١٥٩] أي لتفرقوا من عندك ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [١٥٩] أي تجاوز عن زللهم ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [١٥٩] هزيمتهم يوم أحد، ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [١٥٩] أي لا تبعدهم بالعصيان عنك وأشملهم بفضلك فإنك بنا تعفو وبنا تستغفر وإيانا تطالع، ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [١٥٩] أي إذا أردت إمضاءه بعد المشورة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [١٥٩] أي ثق بالله مع ذلك، وفوض إليه جميع أمورك، وافتقر إليه دون غيره فلم يخرج من الدنيا حتى كشف الله تعالى في قلبه العلوم التي كانت بينه وبين الله تعالى بلا واسطة فيها، لما كان يجب من النظر والتفكر اعتبارا بقدرة ربه، كي ينال المزيد من الله تعالى كما أمره بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] وقد حث على ذلك أمته بما روي عنه ﷺ أنه قال: «شاوروا المتقين الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ويؤثرون على أنفسهم في أموركم». وقال: «شاوروا العلماء الصالحين فإذا عزمتم إلى إمضاء ذلك فتوكلوا على الله». وقال: آخ من الإخوان أهل التقى، واجعل مشورتك من يخاف الله تعالى، ولا يكن كلامك بدلا، ولا تعادين أحدا أبدا حتى تعلم كيف صنعه بينه وبين الله تعالى، فإن كان حسن الصنيع فلا تعادينه، فإن الله تعالى لا يكله إليك، وإن كان سيئ الصنيع فلا تعادينه، فإن الصنيع السوء يكفيه. وقال: من استشير فأشار بغير رأيه سلبه الله تعالى رأيه يعني غشه فيما أشار به عليه، وقال: من شاور واتكل في إمضاء ما عزم ثم ندم فقد اتهم الله تعالى.
قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [١٦٠] قال: الخذلان هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق
стр. 49
فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم ﵇ لما لم يكن بالترك مخذولا أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته،
﴿فقوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [١٧٣] أي نعم الكفيل بأرزاقنا ونعم الرب. كقوله تعالى: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٢] أي: ربا.
قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [١٨٧] أي: لم يعملوا بالكتاب ﴿وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [١٨٧] يعني اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [١٩١] قال: من أراد حفظ القرآن فليختم بثلاث ختمات على شرط الآية، ختمة قائما يصلي، وختمة قاعدا يدرس، وختمة مضجعا على جنبيه، فإنه لا ينسى إن شاء الله . ومن اشتغل بطلب العلم بالتقوى وقراءة القرآن وذكر الله واتباع السنة واجتناب اللهو لم تصبه الأمراض والأسقام.
ومن أطاع الله بالعلم وصدق النية لم يفقد عقله. وقال النبي ﷺ : «من أطاع الله فقد ذكره ومن عصاه فقد نسيه» (١).
قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٢٠٠] قال: الإيمان أربعة أركان: الأول التوكل على الله، والثاني الاستسلام لأمره، والثالث الرضا بقضائه، والرابع الشكر لنعمائه والتقوى.
باب الإيمان
اليقين قلب الإيمان، والصبر عماد الإيمان، والإخلاص كمال الإيمان، لأن العبد بالإخلاص ينال التصديق، وبالتصديق ينال التحقيق، وبالتحقيق يصل إلى الحق. والإخلاص ثمرة اليقين، لأن اليقين مشاهدة السر، فمن لم تكن له مشاهدة السر مع مولاه لم يخلص عمله لله، والله أعلم.
стр. 50
السورة التي يذكر فيها النساء
﴿سئل عن قوله: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [٤] قال: أعطوهن الصداق هبة من الله لهن. وقد قال: إن النحلة الديانة، وقال: قال النبي ﷺ : «أقذر المعاصي عند الله تعالى منع الأجير أجرته، ومنع المرأة مهرها».
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [١٧] قال: التائب يتقي المعصية ويلزم الطاعة، والمطيع يتقي الرياء ويلزم الذكر، والذاكر يتقي العجب ويلزم نفسه التقصير. وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ أن أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين (١).
قوله:
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [٢٩] يعني لا تهلكوا أنفسكم بالمعاصي والإصرار، وترك التوبة عند الرجوع إلى الاستقامة، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [٢٩] حيث حرم عليكم المعصية، كي لا تهلكوا
وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [٣١] وقال: روي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر من أول النساء إلى هذه الآية. قال سهل: الكبائر ما أوعد الله تعالى النار عليه في كتابه.
قوله: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [٣٦] قال: أما ظاهرها فالجار الجنب: البعيد الأجنبي، والصاحب بالجنب:
هو الرفيق في السفر، وقد قيل الزوجة، وابن السبيل: الضيف، أما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [٤١] قال سهل: إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكا بعدد عروقه، إن أراد خيرا أعانوه، وإن أراد شرا عاتبوه عليه، فإن عمل شيئا من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١].
стр. 51
﴿قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً﴾ [٤٧] أي يحول الله عن الهدى والبصيرة إلى طبع الجهالة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [٤٨] قال: إذا لم يكن بينه وبين أحد مظلمة، وإنما كانت ذنوبه فيما بينه وبين الله تعالى، فإنه يغفرها وهو الجواد الكريم، وقد روي عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بعبد يوم القيامة فيؤمر به إلى النار، فيقول: ما كذا كان ظني. فيقول الله : ما كان ظنك بي؟ فيقول: أن تغفر لي. فيقول الله : قد غفرت لك، فيأمر به إلى الجنة».
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [٦٣] أي مبلغا بلسانك كنه ما في قلبك بأحسن العبارة عني.
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ [٧٦] قال: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم، والمنافقون خصماء النفوس على الله ، يبتدرون إلى السؤال ولا يرضون بما يختار الله لهم وهو سبيل الطاغوت، إذ النفس أكبر الطواغيت، إذا خلا العبد معها، قيل له عن المعصية. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [٧٧] فسئل: ما الدنيا؟ فقال: الدنيا كلها جهل إلاّ موضع العلم، العلم كله حجة إلاّ موضع العمل به، والعمل كله هباء إلاّ موضع الإخلاص، والإخلاص لا يتم إلاّ بالسنة. ثم قال: دنياك نفسك، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [٨١] فسئل: ما التوكل؟ فقال: التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة. قيل له: ما حقيقة التوكل في الأصل؟ فقال (١): حقيقة التوكل في الأصل الإقرار بالتوحيد، وفي الفرع علم الساعة، وفي السكون المعاينة. ثم قال: لا تجزعوا من التوكل، فإنه عيش لأهله. قيل: من أهله؟ قال:
الذين خصوا بالخصوصية. فقيل له: لو زدت لنا وضوحا. فقال سهل: إن العلوم كلها أدنى باب من التعبد، وجملة التعبد أدنى باب من الورع، وجملة الزهد أدنى باب من ظهور القدرة، ولا تظهر القدرة إلاّ للمتوكل، وليس للتوكل غاية وصف يوصف به، ولا حد يضرب له بالأمثال، ولا غاية ينتهى إليها. فقيل له: صف لنا بعضه. فقال: إن المتوكل له ألف منزل، أول منزل منه المشي في الهواء. قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحقّ جلّ وعزّ في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلاّ للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى (٢).
стр. 52
﴿قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ، كِفْلٌ مِنْها﴾ [٨٥] يعني الحظ منها، لأنها تمنع رضا الله تعالى. قوله: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [٨٦] يعني زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي ﷺ : «السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم» (١).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ [٨٨] يعني أعادهم إلى ما جبلت عليه أنفسهم من الجهل به. وقال ﵊: «لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنه ركس» (٢)، يعني رجع من حاله الأول إلى أن صار طعام الجن. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ [٨٨] معشر المخلصين ﴿أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ [٨٨] قال سهل: الإضلال من الله ترك العصمة عما نهى عنه، وترك المعونة على ما أمر به.
قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [٩٠] أي ضاقت قلوبهم عن قتالكم وقتال قومهم، لحبهم السلامة وركونهم إلى العافية، وهم بنو مدرج.
قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ [١٠٥] يعني بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ [١١٧] يعني أصواتا وهو الحجارة والحديد.
قوله : ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ [١٢١] يعني معدلا.
قوله:
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [١٣٩] يعني المنافقين يبتغون عند اليهود المنعة والقوة، ألا ترى إلى قوله ﵊: «ما نزل من السماء شيء أعز من اليقين» (٣) أي أمنع وأعظم.
قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [١٤١] يعني نغلب ونستولي عليكم. قوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [١٤٢] أي يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار، فهذا هو المراد من قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [١٤٢]. قال سهل في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] أراد به سرعة مجازاتهم على الإقامة والنفي، فسمى قوله باسم فعلهم. وقد أخبر عنهم بالعجب في مواضع، قال في قوله في قل أوحي: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن: ١] وفي ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ٢] وفي ص: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقد ذكر في الصافات: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] أي رأيت جزاءهم عظيما، فسمى تعظيم الثواب عجبا، لأن المتعجب إنما يتعجب من أمر بلغ نهايته، فهذا هو المراد من قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢].
стр. 53
وقد حكي أن شقيقا قرأ على شريح: «بل عجبت» (١) فقال له شريح: «بل عجبت» إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم (٢). قال شقيق: فأخبرت به إبراهيم فقال: إن شريحا يعجبه علمه، وإن ابن مسعود أعلم منه، وكان يقرأ: «بل عجبت» بالضم.
﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [١٤٢] فهذه من علامات المنافقين، حيث خانوا في هذه الأمانة التي تحمّلوها في الظاهر، واعلم أن لله تعالى أمانة في سمعك وبصرك ولسانك وفرجك، وظاهرك وباطنك، عرضها عليك، فإن لم تحفظها خنت الله، و ﴿اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقد حكي عن أبي حبان أنه قال: ارتحلت إلى مكة وجئت سعيد بن جبير (٣) فقلت له: جئتك من خراسان في تأويل قوله ﵊: «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (٤). ولا أرى أنها في نفسي، فتبسم سعيد وقال: وقع في سري ما وقع في سرك، فأتيت علي بن أبي طالب (٥) وعبد الله بن عباس ﵄ وقت القيلولة، فوجدتهما عند البيت، فسألتهما عن تأويل هذا الحديث فتبسما، وقالا: لقد أشكل علينا ما أشكل عليك، فذهبنا إلى النبي ﷺ وقت القيلولة، فأذن لنا فذكرنا له ﷺ هذا، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «ألستما على شهادة أن لا إله إلاّ الله؟ قلنا: بلى. فقال: هل رجعتما عن ذلك؟ فقلنا: لا. قال: لقد قلتما وصدقتما. ثم قال: ألستما على ما قررتكما عليه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث؟ قلنا: نعم، كأنها رأي العين. فقال ﷺ : هذا من الإنجاز. ثم قال ﷺ : ألستما تصليان وتسجدان في الصلاة في الخلوة؟ فقلنا: نعم. فقال: هي الأمانة لا خيانة فيها».
стр. 54
وقال سهل: إن اليقين أوتاد قلوب العارفين وأرواح المشتاقين، كما أن جبال الدنيا مع جبل ق أوتاد الأرضين قوام للعالمين، ثم زاد قوة قلبك حيث قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر: ٢١] وقد أنزلته على قلوبهم حفظا وعليكم أمرا، فلم يؤثر حمله فيكم لحفظي إياكم ولطفي ونظري إليكم.
ثم قال: انتهت عقول المؤمنين سائرة إلى العرش فسلمت وحفت بظرائف حكمه وفنون بره، وسارت عقول المنافقين، فلما بلغت رامت الغيوب، فردت منكسة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [٨٨، ١٤٣].
قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [١٧١] قال: أي لا تجاوزوا دينكم بالبدع، وتعدلوا عن الحق، وهو الكتاب والسنة والإجماع، ميلا إلى هوى نفوسكم.
وقال: قوام الدين والدنيا في ثلاث: العلم والأدب والمبادرة، وهلاك الدين والدنيا في ثلاث: الجهل والخرق والكسل.
وسمعته مرة أخرى يقول (١): أربع من دعائم الدين: القيام بالحق على نفسك وغيرها، والقعود عن باطل نفسك وغيرها، والمودة لأهل طاعة الله، والبغض لأهل معصيته.
стр. 55
السورة التي يذكر فيها المائدة
﴿سئل عن قوله: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ [٢] فقال: البر الطاعة لله واتقاء المعصية.
قوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ﴾ [٣] يعني: فلا تخشوا الكفار في عبادتي واخشوني في اتباعهم، فقال: أعجز الناس من خشي من لا ينفعه ولا يضره، والذي بيده النفع والضر يخاطبه في قوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ﴾ [٣].
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [٥] قال:
الطيبات الحلال من الرزق. قوله: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [٦] قال: الطهارة أربعة أشياء: صفاء المطعم وصدق اللسان ومباينة الآثام وخشوع السر، وكل واحد من هذه الأربعة يقابل بكل واحد من تطهير الأعضاء الظاهرة. قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [٦] يعني يطهركم من أحوالكم وأخلاقكم وأفعالكم، لترجعوا إليه بحقيقة الفقر من غير تعلق بسبب من الأسباب. والطهارة على سبعة أوجه (١): طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية، وطهارة اليقين من الشك، وطهارة العقل من الحمق، وطهارة الظن من النميمة، وطهارة الإيمان مما دونه، ولكل عقوبة طهارة، إلاّ عقوبة القلب فإنها قسوة (٢).
قوله تعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ [٢٣] فسئل: ما هذه النعمة؟ فقال: أنعم الله عليهما بالخوف والمراقبة، إذ الخوف والهم والحزن يزيد في الحسنات، والأشر والبطر يزيد في السيئات.
قوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [٥٤] يعني غليظة عليهم. قوله:
﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٥٥] قال: ولاية الله تعالى الاختيار لمن استولاه، ثم أعلم الرسول أنه ولي المؤمنين، فيجب عليه أن يوالي من والى الله تعالى والذين آمنوا، ثم قال:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ [٥٦] يعني غالبون هوى نفوسهم.
قوله: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [٦٤] وقال: يعني حكمه وأمره ونهيه نافذ في ملكه.
стр. 56
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [٦٦] يعني لو علموا بما أنزل الله على محمد ﷺ ، فلو عملت به لبلغت هذه المنزلة كما بلغها من عمل بها، ولو أقبلت على الرازق لكفيت مئونة الرزق. ثم قال: ولست أكبر من عمرو بن الليث (١) كان يمر وبين يديه ألف راكب وألف غلام، في يد كل غلام عمود من ذهب وفضة، فآل أمره إلى أن حبس في بيت حين حمل إلى الخليفة، ومنع عنه الطعام والشراب، وفتح الباب فوجدوه ميتا، وفمه مملوء من الجص والآجر من شدة جوعه. ثم قال: إني نصحت لكم، وإني لكم من الناصحين. وقد حكى مالك بن دينار (٢) عن حماد بن سلمة (٣) وحماد بن يزيد (٤) أنهما دخلا على رابعة (٥) فذكرا شيئا من أمر الدنيا فقالت رابعة: لقد أكثرتما ذكر الدنيا، ما أظنكما إلاّ جياعا، فإن كنتما جياعا فاعمدا إلى القدر وذلك الدقيق، فاصنعا لأنفسكما ما وسوس، قال بعض من كان معها: لو كان لنا ثوم. فقال حماد: فرأيت رابعة حركت شفتيها، فما سكتت حتى جاء طير في منقاره رأس ثوم، فرمى به ومضى (٦).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [٦٧] قيل: ما هذه العصمة؟ فقال: إن الله تعالى وعده أن لا يبتليه كما ابتلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إبراهيم بالنار، وإسماعيل بالذبح، وغيرهما، إذ كان لا يشعر بما يفعل به، كما قال: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] فأعلمه الله تعالى أنه يعصمه من الناس.
стр. 57
﴿قوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [٨٣] قال: هم القسيسون والرهبان، كان الناس يتمسحون بهم لعلمهم في الدين، قدموا على النبي ﷺ فقرأ عليهم القرآن، فرقوا له، ففاضت أعينهم ولم يستكبروا، بعصمة الله إياهم عن الاستكبار، فدخلوا في دينه لما وضع الله تعالى من علمه فيهم، ثم قال: فساد الدين بثلاث:
الملوك إذا أخذوا في السرف والشهوات، والعلماء إذا أفتوا بالرخص، والقراء إذا تعبدوا بغير علم (١) وإن العلماء يحتاج إليهم الخلق في الدنيا والآخرة، وقد حكي عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، يزورون ربهم في كل جمعة فيقال لهم: تمنوا ما شئتم. فينطلقون إلى العلماء، فيقول لهم العلماء: تمنوا كذا تمنوا كذا، فيتمنون» (٢).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ [١٠٩] يعني لا علم لنا بما كان في قلوبهم من الإيمان بك وغيره، إنما علمنا بما أظهروه من الإقرار باللسان ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [١٠٩] فقيل له: يطالبهم بحقيقة ما في قلوب الأمة؟ فقال: لا، وإنما وقع السؤال بنفسه إياهم عن حقيقة الظاهر الذي لا يظهر إلاّ بحقيقة الباطن، فأجابوا بالإشارة إلى رد العلم إليه. ويحتمل أن يكون معناه: لا علم لنا بمعنى سؤالك، مع علمك بما أجبنا:
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [١٠٩].
قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ [١١٦] أي لا أعلم غيبك في سؤالك، مع علمك به. ويحتمل أن يريد: تعلم ما في سري ولا أعلم ما في نفسك المستودع في سري، لأن سرك بينك وبينها لا يطلع عليه أحد دونك، وهي العين التي ترى بها الحق، وأذن تسمع بها الحق، ولسان ينادي بالحق. والدليل عليه قوله تعالى للمنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨، ١٧١] لأنه لم يكن لهم هذه المستودعات، والله أعلم.
стр. 58
السورة التي يذكر فيها الأنعام
﴿سئل عن قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [٥٢] قال: أي يريدون وجه الله ورضاه، ولا يغيبون عنه ساعة. ثم قال: أزهد الناس أصفاهم مطعما، وأعبد الناس أشدهم اجتهادا في القيام بالأمر والنهي، وأحبهم إلى الله أنصحهم لخلقه. وسئل عن العمر قال: الذي يضيع العمر.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٥٤]. وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: يا داود من عرفني أرادني، ومن أرادني أحبني، ومن أحبني طلبني ومن طلبني وجدني، ومن وجدني حفظني (١). فقال داود صلوات الله عليه: إلهي، أين أجدك إذا طلبتك؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي (٢). فقال: إلهي، أتيت أطباء عبادك للتداوي فكلهم دلوني عليك، فبؤسا للقانطين من رحمتك، فهل لي وجه أن تداويني؟ فقال الله :
الذين أتيتهم كلهم دلوك علي؟ فقال: نعم. قال: فاذهب فبشر المذنبين، وأنذر الصديقين. فتحير داود فقال: يا رب، غلطت أنا أم لا؟ قال: ما غلطت يا داود. قال: وكيف ذلك؟ قال: بشر المذنبين بأني غفور، وأنذر الصديقين بأني غيور. فسئل: من الصديقون؟ فقال: الذين عدوا أنفاسهم بالتسبيح والتقديس، وحفظوا الجوارح والحواس، فصار قولهم وفعلهم صدقا، وصار ظاهرهم وباطنهم صدقا، وصار دخولهم في الأشياء وخروجهم عنها بالصدق، ومرجعهم إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وقوله : ﴿وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [٦٩] قال: إن الله تعالى أخذ على أوليائه التذكرة لعباده، كما أخذ التبليغ على أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين. فعلى أولياء الله أن يدلوا عليه، فمتى قعدوا عن ذلك كانوا مقصرين. قيل له: فقد رأينا كثيرا منهم
стр. 59
قعدوا عن ذلك. فقال: إنهم لم يقعدوا عنه إلاّ عند عدم الاحتياج إليه، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد كان عندنا رجل بالبصرة له منزلة رفيعة، لزمه فرض من ذلك في وقت من الأوقات، فبادر نحوه، فلقيه رجل آخر وقال له: إن الله تعالى أمرني بما عزمت عليه، وكفاك إياه، فرجع إلى منزله، وحمد الله تعالى على حسن الكفاية، والله أعلم.
﴿قوله: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي﴾ [٧٦] فقال: كان هذا القول منه تعريضا لقومه عند حيرة قلوبهم، لأنه كان أوتي رشده من قبل، كما قال: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٧٥]. قيل: ما معنى قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [٧٧] قال: يعني لئن لم يدم لي الهداية، ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [٧٧] ثم قال: كانت ملة إبراهيم ﵇ السخاوة، وحالة التبري من كل شيء سوى الله تعالى، ألا تراه حين قال جبريل ﵇:
هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. لم يعتمد على أحد سواه في كل حال.
وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [٩٨] أي مستقر في أرحام النساء و «مستودع» يعني النطفة في صلب آدم ﵇.
وقوله: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ [١٢٠] يعني اتركوا المعاصي بالجوارح، ومحبتها بالقلب، وبالإصرار عليها.
وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [١٢٥]. قال سهل: إن الله ميز بين المريد والمراد في هذه الآية، وإن كان الجميع من عنده، وإنما أراد أن يبين موضع الخصوص من العموم، فخص المراد في هذه السورة وغيرها، وذكر المريد وهو موضع العموم في هذه السورة أيضا، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [٥٢] فهو قصد العبد في حركاته وسكونه إليه، كما قال:
﴿وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [الشورى: ٣٨] فكل من وجد حال المريد والمراد فهو من فضل الله عليه، ألا ترى أنه جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣] قيل له: فما الفصل بينهما؟ فقال: المريد الذي يتكلف القصد إليه والعبادة لله تعالى ويطلب الطريق إليه، فهو في الطلب بعد، والمراد قيام الله تعالى له بها، والرجل يجد في نفسه ما يدل على المريد، والمراد يدخل في الطاعات وقتا يجد ما يحمله على الأعمال من غير تكلف وجهد نظرا من الله تعالى له، ثم يخرج بعد ذلك إلى علو المقامات ورفيع الدرجات.
قيل له: ما معنى المقامات؟ فقال: هي موجودة في كتاب الله تعالى في قصة الملائكة: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [١٣٢]، وقال في صفة المريد: شغل المريد إقامة الفرض والاستغفار من الذنب وطلب السلامة من الخلق. وقال سهل: إن الله ينظر في القلوب والقلوب عنده، فما كان أشدها تواضعا له خصه بما شاء
стр. 60
ثم بعد ذلك ما كان أسرعها رجوعا، وهما هاتان الخصلتان. وقال: ما اطلع الله على قلب فرأى فيه همّ الدنيا إلاّ مقته، والمقت أن يتركه ونفسه. والقلب لا يملكه أحد إلاّ الله تعالى، ولا يطيع أحدا إلاّ الله، فإذا ذكرت به فضع سرك مع الله، فإنه ليس من أحد وضعت سرك عنده إلاّ هتكه، إلاّ الله .
﴿قوله: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [١٢٧] قال: يعني سلم فيه من هواجس نفسه ووساوس عدوه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [١٢٩] أي ينتقم الله تعالى من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من الجميع بنفسه.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ [١٤٧] قال سهل: قيل لرسول الله ﷺ : من أعرض عنك فرغبه فيّ، فإن من رغب فينا ففيك رغب لا غير، فأطمعهم في الرحمة، ولا تقطع قلبك عنهم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ [١٤٧].
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [١٥١] ما ظهر منها ما نهى عن إتيانه بالجوارح الظاهرة، وما بطن يعني الإصرار عليه هو على ضربين: فواحد يأتي بمعصية ويبقى مصرا عليها مقيما على إتيانها، وآخر مصرّ على المعصية لمحبتها في القلب، ولا يقدر أن يفعلها متى وجدها لضعف جوارحه، وهو على أن يفعلها، وهذا من أعظم الإصرار.
وقال سهل: من أكل الحلال بالشهوة فهو مصرّ، ومن جاوز حاله إلى الغد ما لم يأت الغد فهو مصر. فسئل عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين في التفكر فيما لا يعنيهم، فقال: يجوز عليهم الفعل بالجوارح حتى تابوا إلى الله تعالى عن ذلك، فكيف الفكرة. قيل له: هل للقلب من تعبد استعبده الله به دون الجوارح؟ فقال: نعم سكون القلب. قيل له: السكون هو الغرض أم العلم الذي به السكون؟ فقال: هو علم اسميه السكون، يجر ذلك السكون إلى اليقين، فالسكون مع اليقين فريضة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [١٥٢] قال: تكلم أهل الصدق على أربعة أوجه، قوم تكلموا في الله وبالله ولله ومع الله، وقوم تكلموا في أنفسهم لأنفسهم فسلموا من آفة الكلام وقوم تكلموا في الخلق ونسوا أنفسهم وابتدعوا وضلوا، وبئس ما صنعوا إلى أنفسهم. فاتركوا الكلام للعلم، ثم تكلموا على الضرورة تسلموا من آفات الكلام. يعني أن لا تتكلم حتى تخاف من الإثم. ثم قال: من ظن [ظن السوء] (١) حرم اليقين، ومن تكلم بما لا يعنيه حرم الصدق، ومن شغل جوارحه في غير الله (٢) حرم الورع، فإذا حرم العبد هذه الثلاث هلك، وهو مثبت في ديوان
стр. 61
الأعداء. وقد حكي عن الربيع بن خيثم (١) ﵀ أنه قال: ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذم نفسي إلى ذم الناس، خافوا الله في ذنوب العباد، وتواثبوا في ذنوب أنفسهم (٢).
قوله : ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [١٥٣] قال: الطريق المستقيم هو الذي لا يكون لأصحاب الأهواء والبدع في الدين، هم ليست لهم توبة، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل ذنب توبة، إلاّ لأصحاب البدع والأهواء، وإني منهم بريء وهم مني براء، وإن الله حجز عنهم التوبة» (٣)، أي ضيق عليهم التوبة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [١٦٥] قال: يعني عقوبة القلب وهو الستر والحجاب، حتى يميل إلى من سواه، وما من عبد يطلع الله على قلبه فيرى في قلبه غيره إلاّ سلط عليه عدوه، وإنه لغفور لمن تاب منه. قال: ولا يقال لشيء من المضار عقوبة، فإنها طهارة وكفّارة، إلاّ قسوة القلب فإنها عقوبة (٤)، وعقوبات العلانية العذاب، وعقوبات القلب درجات، فالقلب للنفس فيه حظ ومراد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً﴾ [١٥٩] قال: المحجوب الذي يسلط الله عليه عدوه، لا يجول قلبه في الملكوت، ولا تظهر له القدرة، ولا يشاهد الله، والقلب القاسي أن يكله الله إلى تدبيره وأسبابه، وإنما مثل ميل القلب اللسان إذا تكلم اللسان بشيء لم يتكلم بغيره؛ كذلك القلب؛ إذا هم بشيء لم يكن معه غيره، والله أعلم.
стр. 62
السورة التي يذكر فيها الأعراف
﴿قوله : ﴿المص﴾ [١] يعني أنا الله أقضي بين الخلق بالحق (١)، ومن هذه الحروف اسم الله تعالى وهو الصمد (٢).
قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [١٦] أي شرائع الإسلام بعد أن بينها الله تعالى لهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: أو لم نبين لهم طريق الخير وهو الأمر وطريق الشر وهو النهي، فمالوا إلى حظ نفوسهم كما ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩].
قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ [٢٠] قال: الوسوسة ذكر الطبع، ثم النفس، ثم الهم والتدبير، ووسواس العدو على ثلاث مقامات: فالأول يدعوه ويوسوس له، والثاني يأمن إذا علم أنه يقبل، والثالث ليس له إلاّ الانتظار والطمع، وهو للصديقين.
قوله تعالى: ﴿وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [٢٩] فقال: اطلبوا من السر بالنية الإخلاص فإن الرياء لا يعرفه إلاّ المخلصون، واطلبوا من العلانية الفعل بالاقتداء، فإن من لم يكن اقتداؤه في جميع أموره بالنبي ﷺ فهو ضال، وغير هذين مغاليط.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [٣١] قال (٣):
الأكل على خمسة: الضرورة والقوام والقوت والمعلوم والفقد، والسادس لا خير فيه وهو التخليط، فإن الله تعالى خلق الدنيا فجعل العلم والحكمة في الجوع، وجعل الجهل والمعصية في الشبع، فإذا جعتم فاطلبوا الشبع ممن ابتلاكم بالجوع، وإذا شبعتم فاطلبوا الجوع ممن ابتلاكم بالشبع، وإلا تماديتم وطغيتم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦)﴾ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] وقال: إن الجوع سر من أسرار الله تعالى في الأرض لا يودعه عند من يذيعه.
стр. 63
﴿وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [٣٣] قال: يعني الحسد بقلبه والفعل بجوارحه، ولو أن يترك التدبير فيهما كان من أوتاد الأرض، ولكن العبد بين حالين، إما أن يدبر بقلبه ما لا يعنيه، أو يعمل بجوارحه ما لا يعنيه، ليس ينجو من أحدهما إلاّ بعصمة الله تعالى، فعيش القلوب اليقين وظلمتها التدبير. قال: وكنا مع سهل عند غروب الشمس فقال لأحمد بن سالم (١): اترك الحيل حتى نصلي العشاء بمكة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [٣٣] قال: من تكلم عن الله من غير إذن، وعلى سبيل الحرمة وحفظ الأدب، فقد هتك الستر، وقد منع الله تعالى أن يقول عليه أحد ما لم يعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [٤٣] قال: هو الأهواء والبدع.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ﴾ [٤٦] قال: أصحاب الأعراف هم أهل المعرفة.
قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [٤٨] إقامتهم لشرفهم في الدارين وأهلهما، يعرفهم الملكان كما أشرفهم على أسرار العباد في الدنيا وأحوالهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ [٥٦، ٨٥] قال: أن لا تفسدوا الطاعة بالمعصية، وذلك أن من كان مقيما على المعصية على أدنى منهيّ فجميع حسناته ممزوجة بتلك المعصية، ولا تخلص له حسناته البتة وهو مقيم على سيئة واحدة حتى يتوب وينخلع عن ذلك المنهي، ويصفيها عن كدورات المعاصي في السر والعلانية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ [٦٨] ومن لم ينصح الله في نفسه ولم ينصحه في خلقه هلك، ونصيحة الخلق أشد من النفس، وأدنى نصيحة النفس الشكر، وهو أن لا يعصى الله تعالى بنعمه. وسمعته مرة أخرى يقول: النصيحة أن لا تدخل في شيء لا تملك صلاحه.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ [٩٤] قال: يعني فقد قلوبهم بالجهل عن العلم والشدة في دنياهم حتى اشتغلوا بها عن آخرتهم ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ [٩٥] أي كثروا ليس هو العفو بعينه، قال تعالى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [١٩٩] أي الفضل في أموالهم التي هي وديعة الله عندهم، لأن الله تعالى قد ابتاعها منهم، فليس له نفس ولا مال. قيل له: فأين نفسه؟ قال: دخلت تحت مبايعة الله تعالى.
قال: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ [٩٩] قال: المكر المضاف إلى تدبيره في سابق علمه من قدرته
стр. 64
فلا ينبغي لأحد أن يأمن مكره، لأن أمن المكر لا يدفع القدر، ولا يخرج أحدا عن قدرة الله تعالى، ولا يخلو أحد من خوف وإن بلغ كل خوف، وإذا عرف منزلته عند الله تعالى ازداد علمه وتكاملت رغبته، فأما من لم يعرف منزلته فذلك عار عليه. قال عمر بن واصل: فقلت له: كيف يزداد مع علمه منزلة؟ فقال: هما رجلان، فرجل ازداد وطلب الزيادة وحرص لذلك، ورجل أضعف منه، كان ذلك منه شكرا لئلا يسلب ما أعطاه.
﴿وقوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ [١٢٨] قال: أمرهم أن يستعينوا بالله على أمر الله، فيقهروا ما فيها ويستولوا عليها وعلى مخالفتها، وأن يصبروا على ذلك تأدبا.
قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [١٤٦] قال: هو أن يحرمهم فهم القرآن (١)، والاقتداء بالرسول ﵊. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعطي فهم القرآن فقد أعطي الخير الكثير، ومن فاته فهم القرآن فقد فاته علم عظيم». وقال النبي ﷺ : «من تعظيم الله إكرام ذي الشيبة في الإسلام، وإكرام الإمام العادل، وإكرام حامل القرآن غير الغالي فيه» (٢).
قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [١٤٦] قال: ردهم إلى سابق علمه فيهم أنهم سيفعلون ذلك لخذلانه إياهم بما دلتهم عليه أنفسهم الطبيعية من الحركة في النهي، والسكون في الأمر، وادعاء الحول والقوة على ما جبلت عليه أنفسهم، والاغترار به.
قوله تعالى: ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ [١٤٨] قال: عجل كل إنسان ما أقبل عليه، فأعرض به عن الله من أهل وولد، ولا يتخلص من ذلك إلاّ بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه، كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلاّ بعد قتل النفوس.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [١٤٩] قال: يعني ندموا، يقال: سقط الرجل في يديه إذا ندم على أمر.
قوله تعالى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [١٥٦] أي تبنا إليك.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [١٦٣] قال: يعدون في اتباع الهوى في السبت.
قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ [١٦٩] أي تركوا العمل به.
وقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [١٧١] قال: يعني فتقنا وقد زعزعنا. كما قال العجاج (٣):
стр. 65
[من الرجز]
قد ربّبوا أحلامنا الجلائلا … وفتقوا أحلامنا الأثاقلا (١)
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ [١٧٢] قال: إن الله تعالى أخذ الأنبياء من ظهر آدم ﵊، ثم أخذ من ظهر كل نبي ذريته كهيئة الذر، لهم عقول، فأخذ من الأنبياء ميثاقهم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وكان الميثاق عليهم أن يبلغوا عن الله تعالى أمره ونهيه، ثم دعاهم جميعا إلى الإقرار بربوبيته لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [١٧٢] وأظهر قدرته حتى ﴿قالُوا بَلى﴾ [١٧٢]، فجمع الله مراده من خلقه، وما هم عليه من الابتداء والانتهاء في قولهم:
«بلى»، إذ هو على جهة الابتلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [هود: ٧] وأشهد الأنبياء عليهم حجة كما قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ [١٧٢] ثم أعادهم في صلب آدم ﵇، ثم بعث الأنبياء ليذكرهم عهده وميثاقه، وكان في علمه يوم أقروا بما أقروا به من يكذب به ومن يصدق به، فلا تقوم الساعة حتى تخرج كل نسمة قد أخذ الميثاق عليها، ثم تقوم الساعة. فقيل: ما علامة السعادة والشقاوة؟ قال: إن من علامات الشقاوة إنكار القدرة، وإن من علامة السعادة أن تكون واسع القلب بالإيمان، وأن ترزق الغنى في القلب والعصمة في الطاعة والتوفيق في الزهد، ومن ألهم الأدب فيما بينه وبين الله تعالى طهر قلبه ويرزق السعادة، وليس شيء أضيق من حفظ الأدب. فقيل له ما الأدب؟ قال: اجعلوا طعامكم الشعير، وحلواكم التمر، وإدامكم الملح، ودسمكم اللبن، ولباسكم الصوف، وبيوتكم المساجد، وضياءكم الشمس، وسراجكم القمر، وطيبكم الماء، وبهاكم النظافة، وزينتكم الحذر، وعملكم الارتضاء، أو قال: الرضا، وزادكم التقوى، وأكلكم بالليل، ونومكم بالنهار، وكلامكم الذكر، وصمتكم وهمتكم التفكر، ونظركم العبرة، وملجؤكم وناصركم مولاكم، واصبروا عليه إلى الممات (٢).
وقال: ثلاث من علامات الشقاوة: أن تفوته الجماعة وهو بقرب من المسجد، وأن تفوته الجماعة وهو في المدينة، وأن يفوته الحج وهو بمكة. قال سهل: والذرية ثلاث: أول وثاني وثالث:
فالأول: محمد ﷺ ، لأن الله تعالى لما أراد أن يخلق محمدا ﷺ أظهر من نوره نورا، فلما بلغ حجاب العظمة سجد لله سجدة، فخلق سبحانه من سجدته عمودا عظيما كالزجاج من
стр. 66
النور، أي باطنه وظاهره فيه عين محمد ﷺ ، فوقف بين يدي رب العالمين بالخدمة ألف ألف عام بطبائع الإيمان، وهو معاينة الإيمان ومكاشفة اليقين ومشاهدة الرب، فأكرمه الله تعالى بالمشاهدة قبل بدء الخلق بألف ألف عام. وما من أحد في الدنيا إلاّ غلبه إبليس لعنه الله فأسره، إلاّ الأنبياء صلوات الله عليهم، والصديقون الذين شاهدت قلوبهم إيمانهم في مقاماتهم، وعرفوا اطلاع الله عليهم في جميع أحوالهم، فعلى قدر مشاهدتهم يعرفون الابتلاء، وعلى قدر معرفتهم الابتلاء يطلبون العصمة، وعلى قدر فقرهم وفاقتهم إليه يعرفون الضر والنفع، ويزدادون علما وفهما ونظرا. ثم قال: ما حمل الله على أحد من الأنبياء ما حمل على نبينا محمد ﷺ من الخدمة، وما من مقام خدمة خدم الله تعالى بها من ولد آدم ﵇ إلى أن بعث نبينا ﷺ ، إلاّ وقد خدم الله بها نبينا ﷺ . وقد سئل عن معنى قوله ﷺ : «إني لست كأحدكم إن ربي يطعمني ويسقيني» (١) فقال: ما كان معه طعام ولا شراب، ولكنه كان يذكر خصوصيته عند الله تعالى، فيكون كمن أكل الطعام وشرب الشراب، ولو كان معه شراب أو طعام لآثر أهله وأهل الصفة على نفسه.
الثاني: آدم صلوات الله عليه، خلقه من نور، قال ﵇: «وخلق محمدا ﷺ ، يعني جسده، من طين آدم ﵇».
والثالث: ذرية آدم. وإن الله خلق المريدين من نور آدم، وخلق المرادين من نور محمد ﷺ ، فالعامة من الخلق يعيشون في رحمة أهل القرب، وأهل القرب يعيشون في رحمة المقرب، ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [١٧٦] يعني بلعام بن باعوراء، ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ [١٧٦] وأعرض لمتابعة هواه، وأن الله تعالى قسم الأعضاء في الهوى لكل عضو حظا منه، فإذا مال عضو من أعضائه إلى الهوى يرجع ضره إلى القلب. واعلموا أن للنفس سرا ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلاّ على فرعون ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]. فقال: كيف نسلم من الهوى؟ فقال: من ألزم نفسه الأدب سلم منه، فإنه من قهر نفسه بالأدب عبد الله بالإخلاص. قال (٢): وللنفس سبع حجب سماوية، وسبع حجب أرضية، فكلما يدفن العبد نفسه أرضا سما قلبه سماء، فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب
стр. 67
إلى العرش. وقد حكي عن كهمس (١) أنه كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكان يسلم بين كل ركعتين، ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل شر ما رضيت عنك (٢).
﴿قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ [١٨٠] قال: إن وراء الأسامي والصفات صفات لا تخرقها الأفهام، لأن الحق نار يتضرم لا سبيل إليه، ولا بد من الاقتحام فيه.
وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ [١٨٠] يعني يجورون في أسمائه يكذبون.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٨٢] قال: يعني نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها، فإذا سكنوا وحجبوا عن المنعم أخذوا.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [١٨٥] قال: ذكر الله تعالى قدرته في خلقه ووصف حاجتهم إليه، وما خلق من شيء سمعوه ولم يروه، فاغتروا به، ولو شاهدوا ذلك بقلوبهم لآمنوا بالغيب، فأداهم الإيمان إلى مشاهدة الغيب الذي غاب عنهم، وورثوا درجات الأبرار فصاروا أعلاما للهدى.
وقوله: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [١٨٧] يعني لا يجلي نفس الطبع من الهوى إلى طاعته، إلاّ هو. هذا باطن الآية. قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ [١٨٧] أي عالم بوقتها. قوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ [١٨٨] فكيف ينفع غيره من لم يملك نفعه، وإنما ذلك إلى الله تعالى.
وقوله: ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [١٩٨] قال: هي القلوب التي لم يزينها الله بأنواره والقربة، فهو أعمى عن درك الحقائق رؤية الأكابر.
وقوله: ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [٢٠٥] ما حقيقة الذكر؟ قال: تحقيق العلم بأن الله تعالى مشاهدك، وتراه بقلبك قريبا منك، وتستحي منه ثم تؤثره على نفسك في أحوالك كلها، ثم قال: ليس من ادعى الذكر فهو ذاكر. فقيل له ما معنى قوله ﷺ : «الدنيا ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله تعالى» (٣) قوله: «ذكر الله» هاهنا الزهد عن الحرام، وهو أن يستقبله حرام، فيذكر الله تعالى، ويعلم أنه مطلع عليه، فيجتنب ذلك الحرام. وقوله: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ [٢٠٥] قال سهل: حقا أقول لكم ولا باطل، يقينا ولا شك: ما من أحد ذهب منه نفس واحد في غير ذكر الله إلاّ وهو غافل عن الله . وقال: غفلة الخاص السكون إلى الشيء، وغفلة العام الافتخار بالشيء، يعني السكون، والله أعلم.
стр. 68
السورة التي يذكر فيها الأنفال
﴿قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [١] قال: التقوى ترك كل شيء تقع عليه فهو في الآداب مكارم الأخلاق وفي الترغيب أن لا يظهر ما في سره، وفي الترهيب أن لا يقف مع الجهل. ولا تصح التقوى إلاّ بالمقتدي بالنبي ﷺ وبالصحابة.
قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [٢] قال: هاجت من خشية الفراق، فخشعت الجوارح لله بالخدمة.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [١١] قال: النعاس ينزل من الدماغ والقلب حي، والنوم على القلب من الظاهر وهو حكم النوم، وحكم النعاس حكم الروح.
وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [١٩] وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر:
اللهم انصر أفضل الدينين عندك، وأرضاهما لديك، فنزل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ [١٩] يعني تستنصرون (١). وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بفقرائهم (٢).
وقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [٢٣] أي لفتح أقفال قلوبهم بالإيمان.
وقوله: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [٢٩] أي نورا في الدين من الشبهة بين الحق والباطل.
وقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [٣٧] قال: الخبيث على ضروب: الكفر والنفاق والكبائر، والطيب على ضروب: وهو الإيمان، فيه درجة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فأخبر الله تعالى أنه يميز بينهما، ثم يجعل الخبيث بعضه على بعض على مقدار ذنوبهم طبقة طبقة، كما قال: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
стр. 69
﴿وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [٤٦] أي دولتكم.
وقوله: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [٤٨] من حيث جاء.
وقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [٥٣] قال: إن الله تعالى خص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الصديقين بمعرفة أنعم الله عليهم قبل زوالها، وحلم الله عنهم (١).
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [٦٩] قال: الحلال ما لا يعصى الله فيه، والطيب ما لا ينسى الله فيه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [٧٢] قال: جميع الطاعات لله جهاد النفس، وليس جهاد أسهل من جهاد السيف، ولا جهاد أشد من مخالفة النفس.
стр. 70
السورة التي يذكر فيها التوبة
قال سهل: أخبرني محمد بن سوار عن مالك بن دينار ومعروف بن علي عن الحسن عن محارب بن دثار (١) عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ لما أنزلت سورة براءة: «بعثت بمداراة الناس» (٢).
﴿قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [٢] يعني سيروا فيها اعتبارا، وبالله إقرارا.
وقوله تعالى: ﴿إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ [١٠] قال: الإلّ هو القرابة، والذمة العهد.
قوله: ﴿وَلِيجَةً﴾ [١٦] قال عمر بن واصل العنبري: كل شيء أدخلته شيئا وليس منه فهو وليجة. وقال سهل: يعني لم يغفلوا عنه بميل القلوب إلى أنفسهم.
قوله: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [٢٩] أي لا يطيعون، ومن كان في سلطان رجل فهو في دينه، كما قال الله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي في سلطانه، كذلك إذا دخلت النفس في الإخلاص لله تعالى، كانت داخلة في سلطان القلب والعقل ونفس الروح وطاعة البدن بالذكر لله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [٣٢] يعني يريدون أن يردوا القرآن بتكذيبهم بألسنتهم، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [٣٢] أي يظهر دينه الإسلام.
قوله : ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [٦٧] قال: يعني نسوا نعم الله عندهم، فأنساهم شكر النعم.
قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [٧١] قال: موالاته مع المؤمنين كف الأذى عنهم. قال: واعلموا أن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يكون لعباد الله كالأرض، إذ هم عليها ومنافعهم منها. وقال (٣): الأصول عندنا سبع: التمسك بكتاب الله، والاقتداء برسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق.
стр. 71
﴿قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [٧٣] قال: جاهد نفسك بسيف المخالفة وحملها حمولات الندم، وسيرها في مفاوز الخوف، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره، مبهوت في شأنه، واله القلب مما جرى عليه، قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ [١١٨] الآية.
قوله: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [١٠٨] قال: هذه الطهارة أراد بها الذكر لله تعالى سرا وعلانية والطاعة له.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [١١١] يعني اشتراها من شهوات الدنيا وما يوجب الاشتغال عن ذكره، حتى تكون نفسه وماله خالصة له، فمن لم يبع من الله حياته الفانية وشهواته الزائلة، كيف يعيش مع الله تعالى؟ وكيف يحيا حياة طيبة؟ ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [١١١] بما لا خير فيه، وعوضهم ما فيه الخير كله، مع أن ما في الكونين فهو ملكه، وهذا من غاية لطفه وكرمه بعباده المؤمنين. وقد حكي عن مالك بن دينار أنه مر بقصر يعمر، فسأل الأجراء عن أجرتهم، فأجابه كل واحد منهم بما كانت أجرته، ولم يجبه واحد، فقال: ما أجرتك؟ فقال: لا أجر لي. فقال:
ولم ذلك؟ قال: لأني عبد صاحب القصر. فقال مالك: إلهي ما أسخاك، الخلق كلهم عبيدك، كلفتهم العمل ووعدتهم الأجر.
قوله: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [١١٢] قال سهل: ليس شيء في الدنيا من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة، فهي واجبة في كل لمحة ولحظة، ولا عقوبة عليهم أشد من فقد علم التوبة. فقيل: ما التوبة؟ فقال: أن لا تنسى ذنبك (١). وقال: أول ما يؤمر به المبتدئ التحويل من الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة، وهي التوبة؛ ولا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت، ولا يصح له الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصح له الخلوة إلاّ بأكل الحلال، ولا يصح له أكل الحلال إلاّ بأداء حق الله تعالى، ولا يصح له أداء الحق إلاّ بحفظ الجوارح والقلب، ولا يصح له ما وصفنا حتى يستعين بالله على جميعه. فقيل: ما علامة صدق التوبة؟ قال علامتها أن يدع ما له سوى ما ليس له. وسئل سهل عن الرجل يتوب ويقلع عن ذلك الذنب، ثم يخطر ذلك بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة ذلك الذنب السيئ كيف الحيلة فيه؟ فقال: وجدان الحلاوة من الطبع لا يتحول، فيصير المحبوب مكروها؛ ولكن يقهر عزم القلب فيرجع في ذلك إلى الله ، ويرفع إليه شكواه، ويلزم نفسه وقلبه الإنكار ولا يفارقه، فإنه إن غفل عن الإنكار طرفة عين تخوفت عليه أن لا يسلم منه (٢). قال: دعوا القال والقيل كله في هذا الزمان، عليكم بثلاث: توبوا إلى الله مما تعرفوه بينكم وبينه، وأدوا مظالم العباد
стр. 72
التي قبلكم، فإذا أصبحتم فلا تحدثوا أنفسكم بالمساء، وإذا أمسيتم فلا تحدثوا أنفسكم بالصباح، لأن الأحداث قد كثرت، والخطر عظيم، فاتقوا الله، وألزموا أنفسكم التوبة.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [١٢٢] قال:
ليتعلموا ما يحتاج إليه في أمر الدين. وقد حكي عن الحسن البصري أنه قال: الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه. وسئل سهل عن معنى قوله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (١)، فقال: يعني علم الحال (٢). قيل: وما علم الحال؟ قال: من الباطن الإخلاص، ومن الظاهر الاقتداء، فمن لم يكن ظاهره إمام باطنه، وباطنه كمال ظاهره فهو في تعب من البدن. قيل: وما تفسير ذلك؟ قال: إن الله قائم عليك في سرك وعلانيتك وحركاتك وسكونك لا تغيب عنه طرفة عين، كما قال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، وقال:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وهو العرق الذي في جوف القلب، فأخبر أنه أقرب إلى القلب من ذلك العرق. فإذا علمت ذلك، ينبغي أن تستحي منه، وما هاج في القلب شيء مما تهوى النفس. فذكر العبد قيام الله عليه، فتركه إلاّ دخل قلبه من علم حاله ما لو قسم ما أعطى ذلك العبد على أهل المدينة لسعدوا جميعا وفازوا به، وقد أشار إليه مالك بن أنس (٣) ﵄ حيث قال: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب (٤).
قيل له: كيف يعرف الرجل الحال والعلم به؟ فقال: إذا كنت تتكلم فحالك الكلام، وإذا سكت فحالك السكوت، وإذا قمت فحالك القيام، وإذا قعدت فحالك القعود، والعلم به أن تنظر أن هذا الحال لله أو لغيره، فإن كانت لله استقررت عليها، وإن كانت لغيره تركتها، وهو المحاسبة التي أمر بها عمر ﵁ حيث قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا (٥). وقد كان عمر ﵁ يضرب نفسه بالدرة في المحاسبة.
стр. 73
السورة التي يذكر فيها يونس ﵇
﴿قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [٢] قال: يعني سابقة رحمة أودعها في محمد ﷺ .
قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [٣] قال: يقضي القضاء وحده، فيختار للعبد ما هو خير له، فخيرة الله خير له من خيرته لنفسه. وقيل لسهل حين احتضر: فيما تكفن، وأين تقبر، ومن يصلي عليك بعد موتك؟ فقال: أدبر أمري حيا وميتا، وقد كفيت عنه بسابق تدبير الله تعالى لعبده.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [١٢] قال: الدعاء هو التبري مما سوى الله تعالى.
قوله: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [٢٢] قال: الإخلاص هو المشاهدة، وحياة القلب في شيئين، الإيمان في الأصل والإخلاص في الفرع، وإن الإخلاص خطر عظيم، وصاحبه منه على حذر حتى يصل إخلاصه بالموت، لأن الأعمال بالخواتيم، ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٥] قال: الدعوة عامة والهداية خاصة، فإنه رد الهداية إلى المشيئة وهي سابقة القدر من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [٥١] يعني كنتم تستعجلون بالجحود بنا، وتذكرون غيرنا، فإذا صرتم إلينا وعاينتم ما وعدناكم من عذابنا آمنتم حين لا ينفع، فلا بد للخلق كلهم من الإقرار بالتوحيد في الآخرة عند تجلي حكم الذات، ونزول الأضداد والأنداد، والدعاوي بها، لزوال الشك وخوف العذاب.
قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [٥٨] أي بتوحيده ونبيه محمد ﷺ كما قال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 74
﴿قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [٦٢] قال سهل:
هم الذين وصفهم رسول الله ﷺ : «إذا رأوا ذكر الله» (١) وهم المجاهدون في الله السابقون إليه الذين توالت أفعالهم على الموافقة ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وقال: اجتمع الخير كله في هذه الأربعة وبها صاروا أبدالا: إخماص البطون، والاعتزال عن الخلق، وسهر الليل، والصمت. قيل له: لم سمي الأبدال أبدالا؟ فقال: لأنهم يبدلون الأحوال، أخرجوا أبدانهم عن الحيل في سرهم، ثم لا يزالون ينقلبون من حال إلى حال، ومن علم إلى علم، فهم أبدا في المزيد من العلم فيما بينهم وبين ربهم.
قيل: الأوتاد أفضل أم الأبدال؟ قال: الأوتاد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الأوتاد قد بلغوا وثبتت أركانهم، والأبدال ينقلبون من حال إلى حال. وقال سهل: لقيت ألفا وخمسمائة صدّيق، فمنهم أربعون بديلا وسبعة أوتاد، وطريقهم ومذهبهم ما أنا عليه. وكان يقول: أنا حجة الله عليكم خاصة، وعلى الناس عامة. وكان من طريقه وسيرته أنه كان كثير الشكر والذكر، دائم الصمت والفكر، قليل الخلاف، سخي النفس، قد ساد الناس بحسن الخلق والرحمة والشفقة عليهم والنصيحة لهم، متمسكا بالأصل، عاملا بالفرع، قد حشى الله قلبه نورا، وأنطق لسانه بالحكمة، وكان من خير الأبدال، وإن قلنا من الأوتاد فقد كان القطب الذي يدور عليه الرحى، ولولا أن الصحابة لا يقاس بهم أحد لصحبتهم ورؤيتهم لكان كأحدهم، عاش حميدا ومات غريبا بالبصرة رحمة الله عليه. وقد كان رجل يصحب سهلا يقال له عبد الرحمن بن أحمد، فقال يوما لسهل: يا أبا محمد، إني ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يدي فيصير قضبان ذهب وفضة. فقال سهل: يا حبيبي، أما علمت أن الصبي إذا بكى يناول خشخاشة حتى يشتغل بها، فانظر أي شيء هو هذا يعمل (٢). وقال: كان في منزله بيت يقال له بيت السباع، وكانت السباع تجيء سهلا، فكان يدخلها ذلك البيت، ويضيفها فيطعمها اللحم، ثم يخليها.
قوله: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ﴾ [١٠٩] قال: أجرى الله في الخلق أحكامه، وأيدهم على اتباعها بفضله وقدرته، ودلّهم على رشدهم بقوله: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ﴾ [١٠٩] فالصبر على الاتباع ترك تدبير النفس، ففيه النجاة عاجلا من رعونات النفس، وآجلا من حياء المخالفة.
стр. 75
السورة التي يذكر فيها هود ﵇
﴿قوله تعالى: ﴿فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [١] أي بيّن فيها الوعد على الطاعة، والوعيد بالعقاب على المعصية والإصرار عليها.
قوله: ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [٣] قال: الاستغفار هو الإجابة، ثم الإنابة ثم التوبة، ثم الاستغفار؛ فالإجابة بالظاهر، والإنابة بالقلب، والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها (١).
قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً﴾ [٣] قال: ترك الخلق والإقبال على الحق.
قوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ﴾ [١٥] قال: يعني من أراد بعلمه غير الله آتاه الله أجر عمله في الدنيا، فلا يبقى له في الآخرة شيء، لأنه لم يخلص بعمله لله لما أحب له من المنزلة في الدنيا، ولو علم أن الله سخر الدنيا وأهلها لطلاب الآخرة لم يراء بعلمه. وقد قيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص. قيل: ولم ذلك؟ فقال: لأنه ليس للنفس فيه نصيب. وسئل: هل يدخل الفرائض رياء؟ فقال: نعم، قد دخل الإيمان الذي هو أصل الفرائض حتى أبطله وصار نفاقا، فكيف العمل، فكل من لم يعب أحد عليه في ظاهره، ويعلم الله خلافه من سره في أي حال كان، فهو المرائي الذي لا شك فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ [٢٣] أي خشعت قلوبهم إلى ربهم، وهو الخشية، فالخشوع ظاهر والخشية سر، كما قال الرسول ﷺ : «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» (٢). فقد حكي أن موسى صلوات الله عليه قص في بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن قل له: مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك (٣).