← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والرواية تذكر موقفا للزعيم الكافر ولا تذكر أن الآيات نزلت بسببه. ولا يذكر المفسرون الآخرون مناسبة لنزولها. ويتبادر لنا أنها ليست منفصلة عن السياق السابق. ففي هذا السياق تنديد بالذين أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فجاءت هذه الآيات لتذكر موقفا من مواقف هؤلاء الجحودين بالآخرة. على أننا نلحظ من ناحية أخرى أن الآيات الآتية احتوت حكاية بعض أقوال ومواقف الكفار مثلها بحيث يسوغ القول أيضا أن هذه الآيات بداية الشطر الثاني من السورة من حيث إن الشطر الأول تناول ذكر الأنبياء والتعقيب عليه، في حين أن هذه الآيات وما بعدها تناولت أقوال ومواقف كفار العرب والتعقيب عليها. هذا مع التنبه أولا على أننا نرجح أن هذه الآيات وما بعدها لم تنزل منفصلة عن بعضها وفور صدور كل موقف وقول حكتهما عن الكافر وإنما احتوت عرضا لهذه المواقف والأقوال جملة واحدة، لأن وحدة روي الفصول تلهم أنها نزلت متلاحقة. وثانيا: إن قولنا إن الآيات بداية لشطر ثان للسورة لا يعني أن الشطرين منفصلان عن بعضهما أيضا حيث يلمح التساوق بينهما من حيث إن الشطر الأول حكى قصص الأنبياء وأخلافهم والشطر الثاني حكى مواقف الكفار وقصصا متناسبة مع مواقف أولئك الأخلاف. ووحدة الروي إلى هذا جامعة بين الشطرين. ومع أن الإنذار الموجه لهذه الفئة بخاصة ولكفار العرب في زمن النبي بعامة فإن المتبادر أن ما احتوته الآيات من تقرير وتنديد وإنذار هو عام التوجيه مستمر المدى لكل متمرد على الله ورسالة رسوله ومناوئ لها وصادّ عنها وكافر بها. وقد استثني المتقون من المصير الرهيب المنذر به. ومع ما في هذا الاستثناء من تطمين وبشرى للذين استجابوا للدعوة النبوية في زمن النبي فهو كذلك عام مستمر المدى لكل مؤمن متّق. ونقول هنا ما قلناه في مناسبة سابقة إن الآيات تسجل واقع الكفار وزعمائهم حين نزولها. وإن الإنذار الرهيب إنما يظل قائما بالنسبة لمن أصرّ ومات على كفره وتمرده منهم.

стр. 1297

واختصاص الذين اتقوا بالنجاة ذو مغزى كبير سواء في تطمين هذه الفئة وبثّ الاغتباط فيها أم في الحث على التقوى التي هي أبرز مظاهر الإيمان. لأنها تجعل المؤمن مراقبا لله في جميع أعماله وتعصمه من الوقوع في الأمم على ما شرحناه في سياق سورة العلق. تعليق على جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها لقد تعددت الأحاديث والروايات والتأويلات في كتب التفسير في صدد هذه الجملة. ففي معنى كلمة (الورود) إنها بمعنى الدخول وإن الضمير في كلمة (واردها) يرجع إلى جهنم. أو إنها بمعنى المرور عليها دون الدخول فيها. وفي مدى جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إنها خطاب لجميع الناس أبرارهم وفجارهم. ومؤمنيهم وكافريهم، وقد استدل القائلون بدخول جميع الناس جهنم بالآية [٧٢] آخر الآيات التي نحن في صددها، وبأحاديث نبوية عديدة منها حديث رواه الطبري عن حفصة قالت «قال رسول الله ﷺ لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية. قالت فقلت يا رسول الله أليس الله يقول وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها. فقال رسول الله أفلم تسمعيه يقول ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» وهذا الحديث لم يرد في كتب الصحاح. وهناك أحاديث أخرى يوردها المفسرون من بابه لم ترد كذلك في هذه الكتب. وهناك قولان متناقضان معزوان إلى ابن عباس: واحد مؤيد للقول السابق، وواحد يفيد أن الخطاب في (منكم) للكفار ومنكري البعث. وأن المؤمنين لا يردون النار. وأورد بعض المفسرين اعتراضا على القول الأول بآية سورة الأنبياء هذه إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) وأجابوا على الاعتراض بأن القصد يمكن أن يكون ذلك وهم في الجنة أو يمكن أن يكون القصد من ذلك أن

стр. 1298

النار تكون عليهم حينما يردونها بردا وسلاما. وهناك أحاديث عديدة نبوية تفيد أن الناس جميعهم يمرون على صراط فوق جهنّم يهوي فيها من يستحقها وينجو المتقون. من هذه الأحاديث ما لم يرد في كتب الصحاح ومنها الوارد في هذه الكتب. ومما ورد في هذه الكتب حديثان طويلان في الشفاعة، روى واحدا الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ جاء فيه «ثمّ يضرب الصّراط بين ظهراني جهنّم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمّته، ولا يتكلم أحد يومئذ إلا الرسل. وكلام الرسل اللهمّ سلّم اللهمّ سلّم» «١» . وروى ثانيهما مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ جاء فيه «وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبي الصراط يمينا وشمالا فيمرّ أوّلكم كالبرق. ثم كمرّ الريح. ثم كمرّ الطير. وتجري بالرجال أعمالهم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا. قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلّقة مأمورة تأخذ من أمر الله بأخذه. فمخدوش ناج ومكدوس في النار» «٢» . ولقد صوب الطبري تأويل الورود في الآية بالمرور على الصراط فوق النار فيسقط الظالمون وينجو المتقون بناء على هذه الأحاديث. والمستفاد من أحاديث الشفاعة المشار إليها أن الذين في قلوبهم إيمان لا يخلدون في النار إذا ارتكبوا آثاما. فهم يسقطون فيها عن الصراط ليقضوا مدة عذابهم ثم يخرجون إلى الجنة بشفاعة النبي ﷺ ولا يخلد في النار من الساقطين فيها إلا الكفار. ومهما يكن من أمر فالإيمان واجب بما جاء في القرآن وبما صحّ عن النبي ﷺ من المشاهد الأخروية. مع تكرار القول أنها من المتشابهات التي يجب إيكال تأويلها إلى الله تعالى واستشفاف ما في ذكرها بالأسلوب الوارد من حكمة. والملموح من الآيات والأحاديث أن من هذه الحكمة الترهيب للكفار والآثمين

стр. 1299

والترغيب للمؤمنين المتقين وحفز الأولين على الارعواء عن كفرهم آثامهم، والآخرين على الاستكثار من الأعمال الصالحة المنجية واجتناب الآثام. ولسنا نرى هذا مانعا من القول بالنسبة للعبارة القرآنية ذاتها إن القول المعزو إلى ابن عباس بأنها خطاب للكفار لا يخلو من وجاهة. قد يؤيدها مجموع الآيات روحا ونصا. ولا سيما أن الآيات الثلاث الأخيرة قد جاءت بمثابة تعقيب استطرادي على الآيتين اللتين تحكيان قول الزعيم المشرك وتردان عليه. والله تعالى أعلم. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٤] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) (١) النديّ: مجلس القوم ومجتمعهم. (٢) أحسن أثاثا: أحسن متاعا. (٣) رئيا: منظرا وهيئة وحالا. في الآية الأولى حكاية لموقف آخر من مواقف الكفار حيث كانوا حينما تتلى عليهم آيات القرآن يبدون استكبارا وزهوا وخيلاء على المسلمين الذين كانت غالبيتهم ضعفاء وفقراء، ويسألونهم سؤال المعتدّ المزهوّ عن الأفضل مركزا، والأحسن حياة ومقاما ومجتمعا من الفريقين. وقد ردت الآية الثانية ردّا إنذاريّا قويّا عليهم فلقد أهلك الله قبلهم كثيرا من الأمم والأجيال الذين كانوا أحسن منظرا وأكثر مالا ومتاعا منهم كأنما تريد أن تقول لهم إن الله الذي قدر على هؤلاء هو قادر عليكم وإن ما تتبجحون وتزهون به ليس برادّ عنكم قدر الله وعذابه.

стр. 1300

والصلة ملموحة بين هذه الآيات وسابقاتها في حكاية موقف الكفار وأقوالهم وفي وحدة السبك والروي. ولم نطّلع على رواية تذكر مناسبة نزول هذه الآيات. ونرجح مع ذلك أن الآية الأولى تحكي موقفا تجادل فيه بعض الكفار مع بعض المسلمين، فقال الكفار ما حكته الآية على سبيل التفاخر والتبجح وردت الثانية عليهم بردها القوي. وواضح من هذا أن الكفار والمؤمنين في مكة كانوا يختلطون وكان يقع بينهم نتيجة لذلك مشادّات ومناظرات ومماحكات ومفاخرات متنوعة مما حكته آيات عديدة أخرى. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) (١) فليمدد له الرحمن مدّا: فليتمتع في الحياة ما شاء الرحمن له أن يتمتع. (٢) مردّا: عاقبة. الآيات استمرار للسياق كما هو المتبادر. والمتبادر كذلك أن الآية الأولى احتوت ردّا آخر على تبجح الكفار المحكي عنهم في الآيات السابقة وتحديا حيث أمرت النبي ﷺ بأن يقول لهم على سبيل التحدي: ليمدد الله تعالى من كان منا ومنكم في الضلالة وليجعله يتمتع بما شاء له أن يتمتع، وحينما يحل وقت تحقيق وعيد الله للضالين بالعذاب الدنيوي أو الأخروي سيرون من هو شرّ مكانا ومنزلة ومن هو أضعف جندا وناصرا. وقد تكرر هذا المعنى في آيات عديدة منها آيات سورة سبأ هذه قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)

стр. 1301

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) . وواضح من روح الآية أنه انطوى في التحدي يقين بأن الكفار هم الضالون الذين سوف يكونون شرّا مكانا وأضعف جندا، وأن هذا هو ما أشعرهم به التحدي حيث ينطوي في ذلك تنديد وإنذار لاذعان. أما الآية الثانية فهي تعقيب على الأولى وتوكيد لما انطوى فيها. فالكفار هم الذين ارتكسوا في الضلالة، دون المؤمنين الذين يكونون موضع رحمة الله فيزدادون بإيمانهم بآيات الله المتجددة وبأعمالهم الصالحة المتجددة هدى على هدى. وقد انطوت الفقرة الأخيرة منها على تحريض قوي على صالح الأعمال بأسلوب مطلق، كأنما تهتف بالناس جميعهم أن كل شيء إلى زوال إلا العمل الصالح، فهو الباقي كل البقاء النافع كل النفع. وفي هذا ما فيه من نداء وتلقين مستمري المدى. تعليق على جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ولقد روى المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم أقوالا عديدة في مدى هذه الجملة «١» . منها أنها في معنى الأعمال الصالحة وطاعة الله إطلاقا، ويدخل في ذلك الحج والصلاة والزكاة والجهاد إلخ. ومنها أنها في معنى الصلوات المكتوبة وحسب. ومنها أنها ذكر الله وتسبيحه وحمده. ورووا في صدد القول الأخير أحاديث عديدة منها الوارد في كتب الصحاح ومنها غير الوارد. فمن غير الوارد في هذه الكتب حديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال «استكثروا من الباقيات الصّالحات. قيل وما هي يا رسول الله قال التّكبير والتّهليل والتّسبيح والحمد ولا قوّة إلّا بالله» ومنها حديث عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ قال «إنّ قول لا إله إلّا الله والحمد لله وسبحان الله تحطّ الخطايا كما تحطّ ورق هذه الشّجرة الرّيح. خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهنّ. هنّ

стр. 1302

الباقيات الصّالحات، وهنّ من كنوز الجنّة» «١» ومما ورد في كتب الصحاح حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال «أكثر من قول لا حول ولا قوّة إلّا بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة» «٢» وننبه على أن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح لا تذكر الصيغ التي وردت فيها أنها الباقيات الصالحات أو هي منها. ومهما يكن من أمر فإن الأسلوب المطلق الذي جاءت به الجملة يسوّغ القول إنها تعني كل عمل صالح مع القول إن تسبيح الله وحده وتكبيره من جملة ذلك. ونقول من جهة أخرى إن المتبادر على ضوء الآيات والأحاديث أن الخطايا التي يمكن أن يكفرها التسبيح والتهليل وذكر الله هي التي تكون من نوع الهفوات واللمم دون الآثام والفواحش والكبائر والبغي. وهناك حديث رواه مسلم عن عثمان بن عفان قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلّا كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب ما لم يأت كبيرة» . حيث يصح أن يكون ذلك ضابطا والله أعلم. ويتبادر لنا كذلك أن من الحكمة المنطوية في الأحاديث النبوية جعل المؤمنين يكثرون من ذكر الله تعالى لما يؤدي ذلك إليه من مراقبتهم الله ووقوفهم عند حدود أوامره ونواهيه، وابتغائهم الوسيلة إلى رضائه. وفي ذلك ما فيه من أسباب الخير والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٨٠] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) (١) أطلع الغيب: هل اطلع على الغيب وعلم علمه.

стр. 1303

(٢) ونرثه ما يقول: نرث ما له من مال وولد لأنه سيهلك والله هو الباقي. في الآيات صورة لموقف لأحد الكفار حيث قال بصيغة التأكيد إنه سيكون له المال والولد. فردت عليه متسائلة تساؤلا استنكاريّا عما إذا كان اطلع على الغيب أم أخذ من الله عهدا حتى يقول ما يقول ثم هتفت مكذّبة قوله بقوة وحسم، وقررت أن الله سيسجل عليه قوله ويجعل عذابه ممدودا غير منقطع. وسيهلك دون ماله وولده ويبقى الله تعالى. وسيأتي إليه يوم القيامة فردا مجردا من كل شيء. ولقد روى الشيخان والترمذي حديثا جاء فيه «قال خبّاب كنت قينا بمكة- أي حدّاد أو صانع سيوف- فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك. قال فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك فنزلت الآيات» «١» . والذي يتبادر لنا أن الآيات فصل مماثل للفصول السابقة. واستمرار للسياق بسبيل حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والتنديد بهم والرد عليهم. ويجوز أن يكون الحادث المروي قد وقع قبل نزولها فشاءت حكمة التنزيل أن يشار إليه، وقد جاء التنديد قويّا مترافقا بإنذار شديد متناسب مع القول المنسوب إلى الكافر، وجاء بأسلوب مطلق ليكون التنديد والإنذار مستمري التوجيه إلى كل جاحد متمرد على ما هو المتبادر. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)

стр. 1304

(١) ضدّا: عدوا وشرّا وبلاء أو خلافا وعونا عليهم. (٢) أزّا: الأزّ هو الإزعاج والهزّ أو الإغراء بشدة. والكلمة في الآية بمعنى أن الشياطين يجرّون الكفار إليهم جرّا ويحركونهم أو يسيّرونهم أو يغرونهم بشدة ليسقطوهم في الشرك والضلال. (٣) إنما نعدّ لهم عدا: بمعنى إنما نمهلهم ونحصي عليهم أعمالهم. (٤) وفدا: أوّلها المؤولون بمعنى ركبانا. والمتبادر أن القصد من التعبير هو أنهم يأتون إلى الله مكرمين كما تكون الوفود التي تفد على الملوك فتحاط بالعناية والترحيب. في الآيات تقريع وتبكيت للكافرين وإنذار لهم وخطاب للنبي ﷺ بسبيل التثبيت والتطمين: فلقد اتخذ الكفار آلهة غير الله للانتصار والاعتزاز بهم ولكنهم سوف يتنصلون منهم وينكرون عبادتهم ويقفون منهم موقف الضد والعداء والخلاف والخذلان. ولقد كان من أمرهم أن اختاروا الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد، فتركهم الله للشياطين يجرونهم بقوة إلى الارتكاس فيما يزينونه لهم من طرق الغواية والضلال. وليس من موجب للاستعجال في أمرهم فإذا كان الله تعالى لا يعجل بعذابهم فليس ذلك عن إهمال وإنما هو إمهال يحصي خلاله عليهم أنفاسهم وأعمالهم ليحاسبهم عليها في اليوم الذي يفد فيه المتقون على الله تعالى محاطين بالرعاية والتكريم بينما يساق المجرمون فيه إلى جهنم عطاشا متعبين، وتكون لهم المقام الذي ينزلون والمنهل الذي يردون ولن تنفع الشفاعة يومئذ، إلّا الذين عاهدوا الله من قبل على الإيمان والخضوع ووفوا بعهده. والآيات غير منقطعة عن السياق السابق كما هو المتبادر، وإنما فيها انتقال من الخاص إلى العام. فالفصول السابقة حكت مواقف وأقوالا خاصة للكفار فأتبعت بهذه

стр. 1305

الآيات وما بعدها استطرادا إلى موقفهم الأصلي الذي تفرعت عنه تلك المواقف والأقوال. وفحوى الآيتين [٨١ و ٨٢] يدل على أن المقصود من الآلهة هم الملائكة الذين كان العرب يشركونهم مع الله ويتخذونهم شفعاء فيكونون يوم القيامة ضدهم وخاذلين لهم. وقد جاء هذا بصراحة في آيات سورة الفرقان [١٧- ١٩] التي سبق تفسيرها. ولقد أورد الزمخشري في صدد (العهد) الذي يتخذه الإنسان عند الله الوارد في الآية [٨٧] حديثا عن ابن مسعود عن النبي ﷺ فيه صيغة دعاء وعهد يقطعه العبد لربّه بالطاعة والعبادة وطلب الرحمة، وفيه حثّ للمسلمين على تكرار الصيغة صبحا ومساء. والحديث ليس من الصحاح. والذي يتبادر لنا أن المقصود بالعهد هو كما قلنا في الشرح الإيمان بالله وحده وطاعته ومراقبته والتزام أوامره ونواهيه قولا وفعلا. وليس صيغة يكررها الإنسان ودعاء يدعو به. والله تعالى أعلم. ولقد أورد ابن كثير في صدد وفادة المتقين على الله المذكورة في الآية [٨٥] حديثا عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ يذكر حالات التكريم والعناية التي سوف يلقاها المتقون يوم القيامة عند ما يخرجون من قبورهم متجهين إلى الله ثم إلى الجنة. والحديث ليس من الصحاح. ومعنى التكريم على كل حال ملموح في العبارة القرآنية بالنسبة للمتقين حين وفادتهم على الله تعالى بعد البعث. ومع واجب الإيمان بما جاء في الآيات [٨٥ و ٨٦] من مشهد أخروي في كيفية إحضار كل من المجرمين والمتقين، فالمتبادر أن من مقاصد ذلك بث الاغتباط في نفوس المتقين والخوف في نفوس المجرمين ليثبت الأول على تقواهم ويرعوي الآخرون عن إجرامهم. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) وقد أوّلنا الآية [٨٣] بما أوّلنا لأن ذلك هو المتسق مع روح الآيات ومضمونها. وقد قررت آيات سورة ص [٨٢- ٨٥] التي سبق تفسيرها، وآيات

стр. 1306

عديدة أخرى أن الشياطين إنما يتسلطون على الغاوين الذين يستحبون الضلال على الهدى دون المخلصين. وبهذا التأويل يتسق فحوى النصوص القرآنية ولا يبقى محل للتوهم فيها. وهذا التأويل مؤيد بآيات عديدة أوردناها وشرحناها في مناسبات مماثلة. فالله لا يضل إلّا الظالمين والفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، على ما جاء في آية سورة إبراهيم [٢٧] وآيات سورة البقرة [٢٦، ٢٧] وكثير مثلهما. وفي سورة الزخرف آيات مؤيدة أيضا، ذكر فيها تسليط الله الشيطان على الذين يعشون عن ذكر الله وحسب، وهي هذه وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) . وهذا فضلا عما في الآية من تقريع لاذع للكفار فيه إزالة للتوهّم. فهم إنما يقفون موقفهم بتأثير الشياطين الذين لا يتسلطون إلّا على أمثالهم من فاسدي النية والخلق. وضمير المخاطب في الآية التي نحن في صددها والتالية لها عائد إلى النبي ﷺ على الأرجح بقصد تثبيته وتطمينه. فإذا كان الكفار يندفعون في طريق الغواية فإنما هم مساقون بيد الشياطين فلا موجب للاغتمام والاستعجال، وعليه أن يوطن النفس على الصبر قليلا، وإذا كان الله لم يعجل بعذابهم فليس ذلك إهمالا وغفلة وإنما هو إمهال. وفي هذا أيضا ينطوي تصويب للشرح الذي شرحناه. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٦] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) (١) إدّا: عظيما أو شديدا أو فظيعا أو منكرا. (٢) يتفطرن: يتشققن ويتصدعن. (٣) تخر: تسقط. (٤) ودّا: محبة وبرّا. في الآيات حكاية لعقيدة القائلين باتخاذ الله ولدا وحملة تكذيبية وتقريعية عليهم. فهذا القول منكر شديد تكاد السموات والأرض تنشقّ والجبال تنهدّ من فظاعته. لأن الله أجل وأعظم من أن ينسب إليه هذا النقص. فكل من في السموات والأرض هم عبيده الخاضعون له. قد أحاط بهم إحاطة شاملة. وسيردون عليه يوم القيامة أفرادا مجردين من كل قوة فيقضي فيهم بحكمه القضاء النافذ ويكون للمؤمنين الصالحين عنده البر والرحمة والرعاية. وتعبير «وقالوا» يلهم أن القصد من القائلين هم العرب الذين هم موضوع الكلام في الفصل السابق وما سبقه من فصول. وقد حكت آيات قرآنية عديدة أن العرب كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله على ما شرحناه في سياق سورة المدثر والنجم والفرقان. وهكذا تكون الآيات استمرارا في السياق السابق وفصلا مماثلا للفصل السابق له مباشرة. ومما ورد على البال أن يكون أريد بهذا الفصل أن يشمل في الحملة النصارى الذين اعتقدوا بنوّة المسيح لله تعالى عودا على بدء السورة حين ختامها بالإضافة إلى العرب. فإذا صح هذا ففيه صورة من صور النظم القرآني.

стр. 1307

هذا، والمتبادر أن الآية الأخيرة بالإضافة إلى ما تضمنته من وعد رباني برعاية الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد تضمنت قصد التنويه بهم وبث الاغتباط في نفوسهم ليستمروا ويزدادوا فيما هم عليه. ولقد أورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال «قال النبي ﷺ إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل إنّي قد أحببت فلانا فأحبّه. فينادي في السّماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. فذلك قول الله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) » . والحديث لم يرد في كتب الصحاح «١» . وإذا صح فيكون فيه تطبيق لمدى الآية. ولا يخلّ بالشرح الذي شرحناه آنفا من كونها بسبيل التنويه بالرعاية التي تكون للمؤمنين الصالحين يوم القيامة وبسبيل بثّ الاغتباط في نفوسهم في الدنيا. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٧ الى ٩٨] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) (١) يسرناه بلسانك: الضمير للقرآن ومعنى الجملة جعلناه ميسور الفهم لأننا أنزلناه بلغتك التي هي لغة المخاطبين به وهي العربية كما جاء في آيات عديدة أخرى. (٢) لدّا: أشداء في الخصومة والعداء. (٣) ركزا: الصوت الخفي. أو الهمس والنأمة. هاتان الآيتان جاءتا معقبتين على السياق السابق جميعه وخاتمة قوية

стр. 1308

للسورة. وقد تجمعت في أولاهما أهداف الرسالة المحمدية في تقريرها أن القرآن إنما أنزل بلسان النبي العربي ليكون ميسور الفهم على الذين خوطبوا به لأول مرة وهم العرب، فيبشر الذين آمنوا واتقوا حتى يهنأوا ويطمئنوا، ولينذر الذين اتخذوا الخصومة والعناد والمكابرة ديدنا حتى يرتدعوا ويندمجوا في الرعيل المؤمن الصالح المتقي. وفي الآية على ما يتبادر معنى من معاني التسلية والتطمين للنبي ﷺ تكرر في آيات كثيرة، وهو أنه ليس مسؤولا عن الناس وهدايتهم وليس عليه إلّا التبشير والإنذار. أما الآية الثانية فقد أريد بها تذكير الكفار بأمثالهم الكثيرين من قبلهم الذين أهلكهم الله فلم يتحرك أحد منهم بحركة ولم ينبعث من أحد منهم صوت، كأنما أرادت الآية أن تقول إن هلاكهم كان شاملا جارفا. وتلهم روح الآية أن هذا لم يكن مجهولا عند السامعين. والآية الأولى دليل من الأدلة القرآنية القاطعة على أن لغة القرآن هي لغة العرب الموجودين في عصر النبي ﷺ وأنها كانت مألوفة ومفهومة كل الإلفة والفهم من سوادهم الأعظم وهذا هو الذي يتسق مع مهمة الرسول التي تتناول خطاب جميع الطبقات والاتصال بهم.

стр. 1309

سورة طه في السورة تسلية للنبي ﷺ وتخفيف عنه. وسلسلة طويلة تحتوي قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وقصة آدم وإبليس في معرض التسلية وضرب المثل والعظة والإنذار. وفيها حكاية لبعض مواقف الكفار وبيان لمصيرهم ومصير المتقين. وفصول السورة مترابطة منسجمة كما أن آياتها متماثلة في التسجيع وأكثر مقاطعها متوازنة مقفاة مما يسوغ القول إنها نزلت فصولا متلاحقة. وفيها آية معترضة تعلّم النبيّ ﷺ أدب تلقي القرآن. ومشابهة لآيات سورة القيامة [١٦- ١٩] . وقد روي أن الآيتين [١٣٠- ١٣١] مدنيتان. وانسجامهما مع السياق سبكا وموضوعا يسوّغ الشك في الرواية. وفي فاتحة السورة ما يمكن أن يكون قرينة على صحة نزولها بعد سورة مريم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) (١) لتشقى: لتتعذب وتتعب. (٢) الثرى: معنى الكلمة اللغوي التراب النديّ أو المبتلّ. والمتبادر من مقام

стр. 1310

ورودها أنها بمعنى ما تحت سطح الأرض وأعماقها وباطنها. (٣) وأخفى: الكلمة هنا في مقام ذكر كون علم الله تعالى لا يخفى عليه أي شيء مهما خفي واستتر. وقيل إنها حديث النفس الذي يدور في الخاطر. والسر هو الحديث أو الحادث الواقع فعلا في الخفاء. تعددت الأقوال في الحرفين اللذين بدئت بهما السورة كما هو شأن حرفي سورة يس خاصة، وسائر الحروف التي بدئت بهما السور عامة. فقيل إنهما منحوتان عن «يا هذا» أو عن «طأها» أي الأرض حيث كان النبي ﷺ يطيل الوقوف وهو يصلي حتى ورمت قدماه. وقيل إن معناهما يا رجل لأن «طا» بمعنى رجل في لهجة قبيلة عك أو في النبطية والسريانية. وقيل إنهما قسم رباني أو من أسماء النبي، كما قيل إنهما حروف هجائية مفردة مثل الحروف الأخرى التي بدئت بها السور الأخرى «١» ونحن نرجح أنهما جاءا للتنبيه والاسترعاء لما يأتي بعدهما. وقد وجه الخطاب في الآيات التي تلي الحرفين للنبي ﷺ ، فالله لم ينزل عليه القرآن ليشقى ويضنى وإنما أنزله ليكون تذكرة لمن فيه الاستعداد لخشية الله والرغبة في الإنابة إليه. وقد أنزله عليه الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، والذي له الحكم المطلق في الكون، والمالك لكل شيء والمحيط بكل شيء ظاهرا كان أو خفيّا، سرّا أو علنا، والمتفرد في الألوهية الذي له أحسن الأسماء وأكمل الصفات. تعليق على الآيات الأولى من سورة طه لقد روى المفسرون أن الآيات نزلت بمناسبة ما كان من إجهاد النبي ﷺ نفسه في العبادة والصلاة والوقوف وقراءة القرآن حتى ورمت قدماه. وليس لهذه الرواية سند وثيق، ونحن نتوقف فيها لأنها لا تنسجم مع روح الآيات بقطع النظر

стр. 1311

عن حقيقة جهد النبي ﷺ في عبادة الله واستغراقه فيها مما حكته آية سورة المزّمل الأخيرة. ورووا كذلك أن المشركين قالوا للنبي إن القرآن أوحي إليك لشقائك فأنزل الله الآيات لتكذيبهم. والرواية كذلك ليس لها سند وثيق. ونحن نتوقف فيها. لأن مقتضاها أن يكون المشركون آمنوا بالوحي أو اعترفوا به. ورووا عن قتادة أحد علماء التابعين أن الآية الأولى بسبيل تقرير كون الله تعالى لم ينزل على رسوله القرآن ليشقي به نفسه وإنما أنزله ليكون رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة. والذي يتبادر لنا من نصها وروحها أنها نزلت بسبيل تخفيف ما كان من النبي ﷺ من جهد وتعب في دعوة الناس وهدايتهم، وما يجده من غمّ وحزن وما يلقاه من عناد ومكابرة وسخرية وتعطيل، فلا ينبغي له أن يحزن ويغتم ويضني نفسه. وليس عليه إلّا التذكير. ويكفي أن ينتفع بالتذكير والدعوة أصحاب الرغبات الصادقة والنيات الحسنة. ويلحظ أن هذا المعنى قد اختتمت به السورة السابقة بعد سلسلة من صور مواقف الكفار وأقوالهم. وبدء هذه السورة به قد يدل على صحة ترتيب نزولها بعد تلك السورة كما قد يدل على أن تلك الصور كانت تثير في نفس النبي ﷺ أزمات حزن وغمّ وحسرة اقتضت حكمة التنزيل موالاة تسليته وتطمينه فيها. ومما يلحظ أن هذا المعنى قد تكرر في سورة فاطر التي سبقت سورة مريم في النزول. وهذا يعني أن أزمات حزن النبي ﷺ وحسرته ظلت تتوالى بسبب توالي مواقف الكفار وأقوالهم المثيرة وتصاممهم عن الدعوة إلى الله وحده. وهذه الأزمات التي كانت تتوالى على النبي ﷺ هي من دون ريب نتيجة لإشفاقه على قومه والرأفة بهم والرغبة الشديدة في هدايتهم والاستغراق التام في الواجب العظيم الذي انتدب إليه، والتفاني فيه وتوطين النفس على كل مكروه في سبيله من أجل خير الناس ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وفي هذا مظهر

стр. 1312

من مظاهر الأخلاق الكريمة العظيمة التي تهيأ بها محمد ﷺ للاصطفاء الرباني، كما فيه القدوة الحسنة التي يجب أن يتخذها المسلمون وبخاصة زعماؤهم وأصحاب الدعوات الإصلاحية فيهم. ولقد علقنا في سياق تفسير سورة الأعراف على تعبير اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فلا ضرورة للإعادة. وإنما ننبه إلى أن روح الآيات التي جاء فيها هنا تدل دلالة قوية على صواب ما انتهينا إليه إن شاء الله في تعليقاتنا السابقة وهو أن القصد منه تقرير شمول ملك الله لجميع الأكوان وإحاطته بها. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ٢٣] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) . (١) آنست نارا: رأيت نارا فاستأنست بها. (٢) قبس: شعلة أو جزء من النار. (٣) أجد على النار هدى: أجد عندها ما يساعدنا على الاهتداء في طريقنا ورحلتنا.

стр. 1313

(٤) المقدس: المبارك والمطهر. (٥) طوى: تعددت الأقوال في هذه الكلمة. وأوجهها عندنا أنها اسم الوادي الذي رأى موسى على حفافيه النار. والمكان قرب جبل حوريب في طور سيناء وقد ذكر ذلك في الإصحاح الثالث من سفر الخروج ثاني أسفار العهد القديم. (٦) فلا يصدّنك: فلا يصرفك ولا يلهيك. (٧) تردى: إما أنها تتردى ويكون الضمير لموسى، وإما أنها تردّى ويكون الضمير للغائب الذي لا يؤمن بها واتبع هواه، وكلا المعنيين محتمل. (٨) أهشّ: أسوق، وأصل الهش ضرب، ورق الشجر ليتساقط. (٩) مآرب: جمع مأرب وهو الحاجة. (١٠) تسعى: تجري أو تمشي بسرعة. (١١) سنعيدها سيرتها الأولى: سنرجعها عصا كما كانت. (١٢) جناحك: جانبك أو جيبك أو تحت عضدك. (١٣) بيضاء من غير سوء: بيضاء من غير مرض أو برص. تعليق على مدى السلسلة القصصية عن رسالة موسى ﵇ إلى فرعون وما بعد ذلك والحلقة الأولى من هذه السلسلة . الآيات حلقة من سلسلة قصصية طويلة في رسالة موسى ﵇ إلى فرعون. وما جرى له معه، وما كان من أمر بني إسرائيل بعد ذلك. وقد احتوت خبر مناداة الله سبحانه لموسى ﵇ لأول مرة في وادي طوى المقدس، ومعجزتي انقلاب العصا إلى حية، وابيضاض يد موسى اللتين أظهرهما الله به في هذه المناداة. وأراد بذلك أن يريه بعض آياته الكبرى. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وحرف العطف الذي يعطف السلسلة على ما قبلها والسؤال الذي بدأت به موجها إلى النبي ﷺ يسوغان القول إن السلسلة جاءت كتعقيب على الآيات السابقة

стр. 1314

التي احتوت تسلية وتطمينا للنبي ﷺ . وقد يكون من حكمة ذلك في مقامها ما احتوته السلسلة من مراحل رسالة موسى إلى فرعون وموقف فرعون، وملأه منها ليكون للنبي في ذلك الأسوة والتسلية. وبذلك يصح القول إن السلسلة كسائر القصص القرآنية لم ترد لذاتها وإنما وردت للتذكير والعبرة وضرب المثل. على أن ما تخلل السلسلة من مواعظ وتلقينات وما أعقبها من تعقيب يربط بينها وبين الرسالة المحمدية ومواقف الكفار منها يجعل السلسلة غير قاصرة على تسلية النبي ﷺ وحمله على التأسي بل شاملة ليكون فيها العبرة والعظة وضرب المثل للمؤمنين والكفار معا. ولقد ورد في سورة الأعراف السابقة النزول على هذه السورة سلسلة طويلة مثل هذه السلسلة في قصة رسالة موسى إلى فرعون وما كان من بني إسرائيل. غير أن في سلسلة سورة طه هذه أشياء لم ترد في تلك السلسلة حيث يمكن القول إن حكمة التنزيل التي اقتضت تكرار قصة رسالة موسى إلى فرعون وما كان من بني إسرائيل بعد ذلك لتجدد المناسبة اقتضت أن يكون في هذه السلسلة أشياء لم تكن في تلك حتى تتكامل نواحي القصة وما فيها من مواعظ وعبر. وما ورد في الآيات التي نحن في صددها والتي هي الحلقة الأولى من السلسلة هو مطابق إجمالا لما ورد في الإصحاحين الثالث والرابع من سفر الخروج ثاني أسفار العهد القديم المتداول اليوم باستثناء اسم (طوى) وموضوع (الساعة) فإن ذلك لم يرد فيهما. ونعتقد أن ذلك مما كان متداولا في أوساط اليهود وواردا في بعض أسفارهم وقراطيسهم. ولقد احتوى الإصحاحان المذكوران بيانات أوسع مما جاء في الآيات. ومن جملة ذلك أن المكان الذي رأى فيه موسى ﵇ وناداه الله تعالى منه هو قرب جبل حوريب في البرية القريبة من مدين. والمتبادر أن ما ورد في الآيات هو ما اقتضت حكمة التنزيل إيراده من ذلك لتحقيق الهدف القرآني الذي هو الموعظة والتذكير دون السرد القصصي.

стр. 1315

وهذا القول يطرد في كل ما جاء من قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل وأنبيائهم. كما أنه يفسر تكرر هذه القصص وغيرها بأساليب وصيغ متنوعة في سور عديدة. وفي كتب التفسير بيانات على هامش هذه الآيات معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم من عرب ويهود مسلمين. فيها ما هو المتطابع مع ما جاء في الأسفار وما هو غير متطابق. ولم نر طائلا إلى إيرادها لأنها لا تتصل بهدف الآيات المذكورة. وإن كانت تدل على أن ما احتوته الآيات كان متداولا في بيئة النبي ﷺ . ويكون في هذا دعما للهدف المذكور كما هو المتبادر. ولقد احتوت الحلقة توكيدا لبعض المبادئ والحقائق القرآنية التي وردت مرارا في السور القرآنية منها في السور التي مر تفسيرها. مثل تقرير وحدة الله ووجوب عبادته وحده. وحقيقة قيام الساعة وإخفاء الله لوقتها اختبارا للناس ليسعوا سعيهم فينالوا جزاءهم وفاقا له. ووجوب الإيمان بذلك وعدم الاستماع لوساوس المكذبين لها والمتبعين لأهوائهم لأن ذلك يؤدي إلى الخسران والهلاك. حيث يبدو من ذلك أن الآيات تهدف فيما تهدف إليه إلى إظهار التطابق بين هذه المبادئ والحقائق وبين ما وصّى الله به موسى ﵇ من مثل ذلك وتوكيد وحدة المصدر الذي صدرت عنه تلك المبادئ والحقائق والوصايا. وقد تكررت الآيات التي هدفت إلى مثل هذا الهدف. ومن ذلك آية سورة الشورى هذه شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) . ونلحظ أن الآيات هنا ذكرت انقلاب العصا إلى حية. في حين أن آيات سورة الأعراف ذكرت انقلابها إلى ثعبان. غير أن هذا الانقلاب كان أمام فرعون. وانقلاب العصا إلى حية كان حين مناداة الله إياه. فالموقفان مختلفان. وقد قال الزمخشري وغيره مع ذلك إن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير

стр. 1316

والكبير، وإن الثعبان هو ما عظم من الحيّات. وفي هذا توفيق أيضا. تعليق على مدى جملة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي لقد روى الطبري في سياق هذه الجملة حديثا رواه بطرقه عن أبي هريرة جاء فيه «قال رسول الله ﷺ من نسي صلاة فليصلّها لذكرها، قال الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» (١) . والحديث ليس من الصحاح. ولكن هناك حديثا مقاربا له رواه الترمذي «١» . حيث ينطوي في ذلك توضيح لمدى الجملة. مع أن الطبري رجح تأويلا آخر لها وهو أنها بسبيل الأمر بإقامة الصلاة لأنها وسيلة إلى ذكر الله وهو تأويل وجيه. والجملة من جملة ما أمر الله به موسى كما هو واضح. فيكون في الأحاديث تعليم نبوي مستمدّ من الجملة القرآنية. ومثل هذا كثير في أحاديث الرسول ﷺ . [سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٤ الى ٤٨] اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)

стр. 1317

(١) احلل عقدة من لساني: قيل كان ثقيل النطق. (٢) يفقهوا: يفهموا. (٣) أزري: ظهري أو أمري. (٤) مننّا: هنا بمعنى أنعمنا وتفضلنا. (٥) التابوت: كناية عن القفص أو الصندوق الذي وضع فيه موسى حينما ألقته أمه في البحر. (٦) اليمّ: الماء أو البحر أو النهر. (٧) لتصنع على عيني: لتنشأ تحت رعايتي وعنايتي. (٨) يكفله: يقوم بأوده أو يرضعه. (٩) فتناك فتونا: اختبرناك اختبارا أو خلصناك من محنة بعد محنة. (١٠) ثم جئت على قدر: ثم جئت في الوقت المقدر لمجيئك. (١١) اصطنعتك لنفسي: اخترتك أو هيأتك للقيام بالمهمة التي أردتها لك. (١٢) ولا تنيا: لا تتهاونا ولا تقصرا. (١٣) يفرط علينا: يعجل علينا بالأذى. تعليق على الحلقة الثانية من سلسلة قصص موسى ﵇ الآيات تتمة لمناداة الله سبحانه لموسى ﵇ في وادي طوى المقدس. وعبارتها واضحة. وقد احتوت خبر انتداب الله سبحانه لموسى للذهاب إلى فرعون

стр. 1318

وإنذاره وإنقاذ بني إسرائيل وما كان من تخوف موسى من المهمة ومراجعته لله في ذلك. وما كان من تثبيت الله له وإجابته إلى ما سأله. والإشارة في سياق ذلك إلى سابق رعايته له. والخطة التي يجب أن يسير عليها هو وأخوه في مخاطبة فرعون. ومحتويات الآيات لم ترد كذلك في سلسلة سورة الأعراف. وهذه المحتويات مع بيان ما كان من رعاية الله لموسى ﵇ واردة في الإصحاحات (٢ و ٣ و ٤) من سفر الخروج. وبين ما ورد في القرآن وفي هذه الإصحاحات تطابق إجمالا باستثناء طلب موسى من الله أن يجعل أخاه هرون معه حيث جاء هذا بعبارة أخرى. ونعتقد أن ما جاء في القرآن هو الذي كان متداولا عند الله وواردا في بعض قراطيسهم. ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات معزوة إلى رواة الأخبار. منها ما هو متطابق مع ما ورد في سفر الخروج ومنسجم مع دلالة الآيات. ومنها ما ليس كذلك، بل وفي بعضها تزيد وإغراب لا سند لهما. ولم نر طائلا في نقل ذلك أو تلخيصه. لأن القصص القرآنية عامة ومنها هذه السلسلة لم ترد للإخبار وإنما وردت للعظة والتمثيل بالقدر الذي اقتضته حكمة التنزيل لتحقيق هذا الهدف. وهو ما يجب الوقوف عنده فيما نرى. تعليق على أمر الله تعالى لموسى بملاينة الكلام مع فرعون وما في ذلك من تلقين ولقد احتوت الآيات [٤٣- ٤٦] التي تضمنت الخطة الربانية المرسومة لموسى وهرون ﵉ في مخاطبة فرعون تلقينات جليلة في صدد الدعوة وأسلوبها وما يجب على الدعاة من اصطناع الرفق واللين والأساليب الحسنى التي يمكن الوصول بها إلى الغاية والنجاح، وفيها درس بالغ للذين يستعملون الخشونة والقسوة بل والبذاءة أحيانا من المتصدرين للزعامة والمتصدين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يقرر الله تعالى أن فرعون طغى ومع ذلك يأمر رسوليه

стр. 1319

إليه بأن يقولا له قولا لينا لعلّه يتذكر أو يخشى. ولقد تكرر مثل هذا التلقين في آية من سورة آل عمران خاطب بها الله سبحانه نبيه محمدا ﷺ مثنيا فيها على أخلاقه السمحة ولينه منبها إلى أنه لو لم يكن كذلك ولو كان فظّا غليظ القلب لا نفض الناس من حوله، حاثّا إياه على الاستمرار في معاملتهم بالعفو والصفح والتألّف. وهي هذه فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) ومثل هذا التلقين منطو في آية سورة الأعراف خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) على ما مرّ شرحه في سياق تفسير السورة المذكورة. ولقد روى النسائي والترمذي حديثا عن طارق بن شهاب قال «إن رجلا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز أي الجهاد أفضل قال كلمة حق عند سلطان جائر» غير أننا لا نرى تعارضا بين هذا وبين التلقين الجليل الذي احتوته العبارة القرآنية والله تعالى أعلم. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٩ الى ٧٩] قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)

стр. 1320

(١) أعطى كل شيء خلقه ثم هدى: منح كل شيء مما خلق ما اقتضاه نوعه من صفات وغرائز ونواميس وقابليات وهداه إلى استعمالها والانتفاع بها. (٢) ما بال القرون الأولى: ماذا جرى للأمم المتقدمة. (٣) في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى: في علم الله الذي لا يضل ولا يغفل ولا يذهل ولا ينسى شيئا. (٤) مهدا: ممهدة قابلة للسير. (٥) أزواجا من نبات شتى: أنواعا وأصنافا شتى. (٦) مكانا سوى: مكانا مستويا أو مكانا فيه إنصاف وتسوية للطرفين.

стр. 1321

(٧) يوم الزينة: يوم العيد الذي يتزين فيه الناس. (٨) يحشر: يجتمع. (٩) فيسحتكم: يهلككم ويسحقكم. (١٠) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى: تجادلوا وتناقشوا في الأمر في اجتماع سري. (١١) إن هذان لساحران: قرئت (إن) كحرف نفي. فتكون جملة (هذان لساحران) مبتدأ وخبرا. وقرئت بتشديد النون على أنها المشبهة التي تنصب الاسم وترفع الخبر. وقرأ بعضهم (هذان) في صيغة (هذين) لتكون اسمها. ولكن قراءة الجمهور (هذان) . وقد روي عن عائشة قولها إن (هذان) من غلط الكتاب والأصح أن تكون (هذين) اسما لأنّ المشبهة. وفي القرآن آيات كثيرة ورد فيها حرف (إن) بالجزم كحرف نفي وورد بعدها مبتدأ وخبرا. ومن ذلك آية سورة إبراهيم إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [١١] فتكون جملة إِنْ هذانِ لَساحِرانِ في مقام (ما هذان إلا ساحران) ونرى هذا هو الأوجه والرواية المروية عن عائشة لم ترد في كتب الصحاح. ونحن نتوقف فيها. والله أعلم. (١٢) طريقتكم المثلى: طريقتكم الفضلى. (١٣) أجمعوا كيدكم: دبروا الأمر متضامنين. (١٤) من استعلى: من غلب وعلا على خصمه. (١٥) فأوجس: فشعر وأحس. (١٦) تلقف: بمعنى تبتلع، ومعنى تلقف في الأصل الأخذ بسرعة. (١٧) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف: من خلاف بمعنى مخالفة أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى. (١٨) جذوع النخل: الجذع بمعنى الساق. (١٩) لن نؤثرك: لن نختارك ولن نفضلك. (٢٠) الذي فطرنا: الذي خلقنا. والجملة إما أن تكون معطوفة على «ما جاءنا» أو قسما بالذي فطرنا، وكلاهما وارد.

стр. 1322

(٢١) فاقض ما أنت قاض: احكم بما تريد أن تحكم أو افعل ما تريد أن تفعل. (٢٢) إنما تقضي هذه الحياة الدنيا: إن حكمك وقضاءك علينا في الحياة الدنيا، وحسب. (٢٣) يبسا: أرضا يابسة لا بلل فيها. (٢٤) دركا: لحاقا. تعليق على الحلقة الثالثة من سلسلة قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل الآيات حلقة أخرى من حلقات السلسلة وقد احتوت حكاية موجزة لما كان بين موسى ﵇ وفرعون والسحرة إلى خروج بني إسرائيل من مصر. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وبعض ما ورد فيها ورد في سورة الأعراف التي سبق تفسيرها. وما جاء فيها متطابق إجمالا مع ما جاء بإسهاب في الإصحاحات (٥ إلى ١٥) من سفر الخروج عدا كل ما يتصل بالسحرة. ونعتقد أن ما جاء في الآيات كان متداولا بين اليهود وواردا في بعض أسفارهم وقراطيسهم. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة في نطاق ما جاء في القرآن ومن جملة ما جاء في صدد السحرة. وفيها أشياء كثيرة غير واردة في سفر الخروج حيث يكون في ذلك دعم لما نقول. ولم نر ضرورة لإيراد ما جاء في هذه الكتب لأنها لا تتصل بأهداف القرآن في السلسلة. وفي الآيات حكاية زجر موسى ﵇ للسحرة. وقول رباني بعدم فلاح الساحر في سياق وصدد ما جاء من سحرة فرعون الآيات [٦١ و ٦٩] وفي الإصحاح (٢٢) من سفر الخروج والإصحاح الثاني من سفر الأحبار والإصحاح (١٨) من سفر التثنية حكاية أوامر ربانية بإبادة السحرة ورجم أصحاب التوابع والعرافين ونهي شديد عن ذلك حيث ينطوي في هذا أن الشريعة الموسوية تشجب السحر

стр. 1323

والسحرة وترتب عليهم عقوبات زاجرة. وحيث يكون في هذا تساوق مع ما ورد في السلسلة وفي القرآن من ذلك. ولقد احتوت الآيات نقاطا كثيرة فيها العبرة والعظة والتطابق من المبادئ والتقريرات والتدعيمات الواردة في سور أخرى، منها ما مر تفسيره ومما هو هدف جوهري في الآيات مثل المحاورة الأولى التي جرت بين موسى ﵇ وفرعون في صور عظمة الله وقدرته الشاملة وعلمه المحيط ونعمه على خلقه، وإيداعه في كل شيء خلقه ما هو في حاجة إليه، وهدايته إلى استعمالها والانتفاع بها. ومثل الحملة على السحر والسحرة وتقرير كون ذلك كذبا وافتراء على الله، وأن الذين يتعاطون السحر لا يمكن أن يصيبوا فلاحا ونجاحا. ومثل انتصار رسول الله على السحرة باية الله. ومثل رؤيتهم الحق والهدى في جانب رسول الله، وإيمانهم وسجودهم لله، وثباتهم على ذلك رغم تهديد فرعون إياهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب. ورجاء غفران الله ونيل رضوانه ونعيمه الأخروي الذي هو الأفضل، لأن الذي يأتي ربّه مجرما له نار جهنم لا يموت فيستريح من العذاب ولا يخرج منها فيكون له حياة أخرى، ومن يأته مؤمنا صالح العمل له الدرجات العلى وجنات النعيم. ومثل ما كان في النهاية من عناية الله تعالى بموسى ﵇ وقومه لإخلاصهم وإيمانهم، وإنقاذهم من طغيان فرعون وغرق فرعون الذي لحق بهم مع جنوده نتيجة لمعجزة الله التي أظهرها على يد رسوله بضربه البحر بعصاه وسير موسى وقومه على الأرض اليابسة فيه وانطباقه بعد ذلك على فرعون وجنوده لأنه قاد قومه إلى الضلال دون الهدى. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٠ الى ٩٨] يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)

стр. 1324

(١) هوى: سقط وهلك. (٢) ما أعجلك عن قومك: ما لذي جعلك تترك قومك وتتعجل بالمجيء. (٣) على أثري: آتون من ورائي. (٤) فتنّا قومك: امتحناهم. (٥) أسفا: حزينا أو ساخطا. (٦) لم ترقب قولي: لم تطع قولي أو لم تحفظه أو لم تنتظر إشارة مني. (٧) بصرت بما لم يبصروا به: علمت ما لم يعلموه أو رأيت ما لم يروه. (٨) سوّلت لي نفسي: زينت لي نفسي. (٩) لننسفنه: لننثرنه أو لنذرينه.

стр. 1325

تعليق على الآيات المتضمنة حكاية بعض ما كان من أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر الآيات هي الحلقة الأخيرة من السلسلة. وقد احتوت حكاية موجز من سيرة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وأثناء مكوثهم في برية سيناء. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ومنها ما ذكر في سلسلة سورة الأعراف التي سبق تفسيرها، ومنها ما لم يذكر قبل. وما جاء فيها متطابق إجمالا مع ما جاء بإسهاب في الإصحاحات (١٦ و ١٧ و ٣٠) من سفر الخروج مع بعض فروق في المحاورات، باستثناء السامري وصنعه العجل. حيث ذكر الإصحاح (٣٠) من السفر أن هارون هو الذي صنعه نتيجة تمرد وإلحاح بني إسرائيل. ونعتقد أن اسم السامري كان متداولا بين اليهود وواردا في أسفار لم تصل إلينا كصانع للعجل. والمحاورة التي جرت بين موسى وهارون وحكتها الآيات وما حكته الآيات كذلك من تأنيب هارون لبني إسرائيل على اتخاذهم العجل مؤيد لذلك من وجهة النظر القرآنية والإسلامية. فهارون من أنبياء الله ولا يصح أن يكون صانعا للعجل. ونعتقد أيضا أن ما جاء في القرآن غير ذلك مباينا لما جاء في السفر أسلوبا وعبارة كان هو أيضا متداولا في اليهود وواردا في الأسفار الضائعة. و (سامري) صيغة عربية نسبة إلى سامر الذي هو على الأرجح معرف من كلمة شامر التي كانت تطلق على منطقة في وسط فلسطين قرب نابلس اليوم. وقد ذكرت الكلمة في أسفار عديدة من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم التي تؤرخ حقبة تاريخ بني إسرائيل قبل المسيح «١» . ولقد كان في زمن النبي ﷺ طائفة موسوية تسكن هذه المنطقة

стр. 1326

استمرارا لأمد بعيد قبله بل وقبل المسيح منسوبة إليها. ولا يزال بقية منها موجودة إلى اليوم في نابلس. وكل هذا كان معروفا متداولا بين اليهود بطبيعة الحال. ولقد أورد الطبري وغيره روايات معزوة إلى علماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول في صدد توضيح ما جاء في الآيات. منها ما هو متطابق مع الأسفار المتداولة اليوم، ومنها ما لا يتطابق، وكلها تدور في نطاق ما جاء في القرآن سواء أكان مباينا لما في الأسفار المتداولة أم لم يكن فيها بالمرة. حيث يدعم هذا ما قلناه. إن ما جاء في القرآن كان هو المتداول في بيئة النبي ﷺ . وليس من مصدر إلّا اليهود وما كان في أيديهم من أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. ومن جملة ذلك أن السامري كان من عظماء بني إسرائيل وأنه من قبيلة اسمها سامرة. وأن الحلي التي صنع السامري منها العجل قد أخذها بنو إسرائيل من المصريين حين خروجهم وهو ما عبرت عنه الآية [٨٧] . وفي الإصحاحات (٣ و ١١) من سفر الخروج خبر استعارة بني إسرائيل من المصريين جيرانهم متاعا وحليا بنية سلبها. ومما جاء في روايات المفسرين أن السامري رأى جبريل وهو قادم إلى موسى فقبض قبضة من تراب الأرض التي داستها فرسه. وأنه ألقى هذه القبضة مع الحلي في النار وقال لها كوني عجلا جسدا له خوار وهو ما عبرت عنه الآيتان [٨٨- ٨٩] . ولقد كان العجل من المعبودات المهمة في مصر. فالظاهر أن بني إسرائيل اندمجوا في ذلك إبّان إقامتهم في مصر. فلما ذهب موسى إلى مناجاة ربه وتأخر عنهم اضطربوا وثاروا وطالبوا بالعودة ثم ذكروا المعبود المذكور فصنعوا تمثالا له من الحلي التي كانوا سلبوها من المصريين وأخذوا يتعبدون له. ولقد كان هذا ديدن بني إسرائيل في إقامتهم في فلسطين فيما بعد حيث اعتنقوا عقائد أهلها القدماء وانحرفوا عن عبادة الله وحده. وكل هذا ما سجلته عليهم أسفارهم. ولقد كان يعقوب جد بني إسرائيل وأولاده الذين هم أجداد أسباط بني إسرائيل أقاموا ردحا في منطقة نابلس التي كان اسمها سابقا شكيم على ما ذكره

стр. 1327

الإصحاح (٣٣) من سفر التكوين والإصحاحات التي بعده. وقد قلنا إن هذه المنطقة هي المنطقة التي كانت تسمى سامر أو شامر. ولا ندري هل يمكن أن يكون بين هذا وبين ما رواه المفسرون من أن السامري كان من عظماء اليهود صلة ما بحيث يفرض أن بعض أبناء يعقوب أو ذريتهم نعتوا في مصر باسم السامريين نسبة إلى المنطقة التي سكنوا فيها في فلسطين قبل نزوحهم إلى مصر فظل هذا النعت متصلا إلى زمن موسى ﵇. وتأويل كلمة فَنَسِيَ موضوع اختلاف على ما رواه المفسرون عن أهل التأويل حيث قال بعضهم إنها من كلام السامري لبني إسرائيل بقصد القول إن الإله العجل الذي صنعه لهم هو إله موسى أيضا الذي نسيه. وحيث قال بعضهم إنها تعقيب رباني بقصد القول إن السامري في قوله هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى يكون قد نسي إيمانه بالله وحده. وقد يكون هذا هو الأوجه لأن الآية التي أعقبت الكلمة احتوت تعقيبا قرآنيا مباشرا من الله فيه تنديد بهم لأنهم اتخذوا العجل دون أن يدركوا أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم نفعا ولا ضرّا. ومما رووه عن أهل التأويل في توضيح كلمة لا مِساسَ أن موسى ﵇ أمر السامري بعدم مخالطته للناس وأمر الناس بعدم مخالطة السامري فصار هائما لا يمسّ ولا يمسّ. ونكتفي بما تقدم مما يرويه المفسرون لتوضيح مدى الآيات لغويا وموضوعا. ولقد شرحناه ما ورد من أوصاف المنّ والسلوى في سورة الأعراف فلم نر ضرورة للتكرار. ولقد احتوت الحلقة بدورها نقاطا عديدة فيها العبرة والعظة والتذكير والتطابق مع تقريرات القرآن المتكررة، وكل هذا من أهدافها الجوهرية. من ذلك تذكير بني إسرائيل بما كان من عناية الله بهم وإنقاذهم من عدوهم وإرسال المنّ والسلوى طعاما لهم وإباحة الطيبات لهم جزاء ما كان من إيمانهم واتباعهم موسى ﵇ وتحذيرهم من تجاوز حدود الله حتى لا يحلّ عليهم غضبه فيهلكون.

стр. 1328

وهتاف الله بأنه الغفار لمن تاب إليه وآمن واهتدى وعمل الصالحات، وما كان من افتتان بني إسرائيل بالعجل والتنديد بهم لأنهم اتخذوا إلها غير الله لا يملك لهم نفعا ولا ضرّا، وثوران غضب موسى ﵇ عليهم ومعاقبته للسامري بالمقاطعة التامة. وهتافه بأن الله هو وحده إلههم الذي وسع كل شيء علما والذي لا ينبغي أن يعبد غيره. وفي قصة السامري خاصة عظة بالغة حيث انطوت على التحذير من وساوس الأشرار وإغواء شياطين الإنس، ثم على خطة المقاطعة والحرمان والاحتقار ضد الذين يحاولون تضليل مجتمعهم وإفساد ضمائرهم وتشويه الصافي من عقائدهم وتقاليدهم. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٩ الى ١٠١] كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) الآيات جاءت معقبة على السلسلة تحمل الدليل الصريح على أن القصد من القصة التي احتوتها هو التذكير والعظة: فالله تعالى أوحى لنبيه ﷺ بما كان من أنباء السابقين وآتاه الذكر ليكون في هذا وذاك موعظة للناس وهدى. فمن أعرض عنه ولم ينتفع به فإنه يأتي يوم القيامة حاملا وزره وساء ذلك من وزر سوف يؤدي بصاحبه إلى الخلود في النار. [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٢ الى ١١٣] يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣)

стр. 1329

(١) زرقا: قيل زرقا بمعنى عميا وقيل بمعنى عطاشا وقيل إنها وصف للعيون حيث تزرق من الهلع والهول. (٢) يتخافتون بينهم: يتحاورون فيما بينهم محاورة خافتة. (٣) أمثلهم طريقة: أشدهم اعتدالا وأوفرهم عقلا. (٤) قاعا صفصفا: سهلا منخفضا ومستويا. (٥) عوجا: هنا بمعنى الانحناء أو الانخفاض أو الالتواء. (٦) أمتا: بمعنى النتوء أو البروز. (٧) يتبعون الداعي لا عوج له: يتبعون الداعي اتباعا تامّا ليس فيه زوغان ولا عوج ولا تلكؤ. (٨) عنت: ذلت وخضعت. (٩) القيوم: الدائم القيام على تدبير الكون والخلق. (١٠) ظلما: الكلمة في الآية [١١١] بمعنى اقتراف الظلم وفي الآية [١١٢] بمعنى النقص والبخس. (١١) هضما: بمعنى تضييعا. في الآيات وصف ليوم القيامة وهوله. ومصائر الناس فيه حسب أعمالهم. وعبارتها واضحة. وهي على ما هو المتبادر استمرار للايات التعقيبية السابقة التي احتوت بيان ما يكون من أمر المعرضين عن ذكر الله يوم القيامة. وبعض ما في الآيات قد جاء مثله في سور سابقة وعلقنا عليه ما فيه الكفاية. وفي الآية الأخيرة توكيد صريح لما ذكرناه غير مرة من أن من أهداف آيات الإنذار

стр. 1330

والوعيد والبشرى والترغيب في صدد الأخيرة هو تذكير الناس بالله تعالى وحقه عليهم ودعوته إلى اتقاء ما يغضبه من عقائد منحرفة وأفعال سيئة والإقبال على ما يرضيه من إيمان به وإخلاص له من الأعمال الصالحة. وقد تخلل الآيات آيتان عن الجبال ونسفها يوم القيامة بصيغة سؤال موجه للنبي ﷺ عن مصيرها. وأمر بالإجابة بأنها تنسف ويكون مكانها سهل مستولا اعوجاج فيه ولا بروز. ولقد روى البغوي عن ابن عباس أن رجلا من ثقيف سأل رسول الله ﷺ عن مصير الجبال يوم القيامة فأنزل الله الآية. وتقتضي الرواية أن تكون الآيتان نزلتا لحدتهما مع أنهما منسجمتان انسجاما تاما مع الآيات السابقة واللاحقة نظما وموضوعا. على أن هذا لا يمنع أن يكون واحد سأل النبي ﷺ ذلك في ظرف ما قبيل نزول الآيات فاقتضت حكمة التنزيل والإشارة إلى ذلك والإجابة عليه. وعلى كل حال فالجبال كانت تمثل في أذهان السامعين نموذجا من مشاهد الطبيعة العظيمة التي يحسونها ويشاهدونها والتي يمكن أن يرد لبالهم سؤال عن مصيرها ... ولقد تكررت الآيات القرآنية التي ذكر فيها مصير الجبال يوم القيامة مرّت أمثلة منها في سور المزمل والتكوير والقارعة مما يمتّ إلى ذلك. واقتصار الآية الأولى على ذكر حشر المجرمين ليس معناه قصد اقتصار البعث عليهم طبعا وإنما هو في صدد إنذار الكفار المجرمين ووصف الهول الذي يلاقونه والفزع الذي يقعون فيه وأثره فيهم. على أن الآيات لم تنس المؤمنين الصالحين حين قررت أنهم سوف ينالون جزاء أعمالهم تامة لا بخس ولا هضم فيها. وحكاية الحوار بين الكفار عن مقدار ما لبثوا في القبور انطوى فيها قصد تصوير قوة المباغتة التي سيباغتون بها وقصر موعد تحقيق الوعيد الرباني الذي يرونه مستحيلا وبعيدا للتأثير في السامعين وإثارة خوفهم وقلقهم على ما هو المتبادر. وقوة الوصف والتصوير وقوة الوعيد والإنذار والترغيب والترهيب في الآيات

стр. 1331

بمجموعها ملموحة، من شأنها إثارة الخوف والقلق في الكفار، والطمأنينة والرضاء في المؤمنين، وهو مما استهدفته فيما استهدفته. والآية [١٠٩] وهي تذكر أن الشفاعة في ذلك اليوم لا تنفع إلا الذين رضي الله تعالى عنهم ولا تكون إلا بإذنه تنطوي على قصد قطع الطريق على المشركين الذين كانوا يشركون شركاء مع الله وخاصة الملائكة في العبادة والدعاء بقصد نيل شفاعتهم عنده. بل وعلى قصد الطريق على الناس عامة الذين اعتادوا أن يقضوا رغباتهم بالاستشفاع بغير الله من أنبياء وأولياء دون السعي والعمل والقيام بالواجب نحو الله والناس مما فيه تلقين مستمر. ومما تكرر بأساليب متنوعة بسبب امتلاء ذهن المشركين الأولين والناس عامة به. وقد مرت منه بعض الأمثلة ومن ذلك في الآيات الأخيرة من سورة مريم السابقة لهذه الآية. تعليق على جملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ في الآية [١١٢] وهذه الجملة في مقامها تنطوي على تنبيه مهم وهو أن العمل الصالح الذي يفيد صاحبه وينجيه من سوء المصير في الآخرة هو الذي يجب أن يكون صادرا عن إيمان بالله واليوم الآخر. والحكمة المتبادرة من هذا هي التنبيه على أن العمل الصالح الذي لا يكون صاحبه مؤمنا لا يكون خالصا من كل شائبة ومأرب. ويكون معرضا للانتكاس والانقطاع. وعلى أن الإيمان فقط هو الذي يحفز صاحبه على العمل الصالح الخالص من الشوائب والمآرب. والمبتغى به وجه الله تعالى دون انتظار جزاء ومقابلة وشكر من أحد غير الله. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل المدى يتسامى به المؤمن عن أي جزاء دنيوي عن أعماله الصالحة. ويجعله لا يهتم إلّا برضاء الله تعالى عنه. ويقدم على التضحيات والمشاق في سبيل ذلك في كل ظرف. وقد تكرر تقرير هذا كثيرا في القرآن لما له من خطورة متصلة بحياة الإنسان والإنسانية والتربية الإسلامية السامية فضلا عن الحقيقة المنطوية فيه.

стр. 1332

تعليق على جملة وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وهذه الجملة في الآية [١١٣] وهي تقرر أن القرآن أنزل عربيا لا تعني طبعا أنه غير موجه إلى غير العرب. وإنما ذلك لأن العرب هم المخاطبون الأولون به. ولأن النبي ﷺ منهم. ولأنهم هم الذين حملوا عبء نشر رسالته بين العالمين. وعموم الرسالة المحمدية والقرآنية قد تقررت في آيات عديدة مكية ومدنية مرّت أمثلة منها بحيث يكون ذلك قضية محكمة خارجة عن نطاق الجدل والمراء. ولقد نشر العرب الرسالة الإسلامية بين غيرهم من الأمم الذين لم يعرفوا اللغة العربية. ولا ريب في أن العرب ترجموا لهم القرآن وأحاديث النبي ومبادئ الرسالة ترجمة جعلتهم يقبلون على اعتناق الدين الإسلامي ويتعلقون به ويتعلمون اللغة العربية ليقرأوا القرآن بلغته المنزلة. [سورة طه (٢٠) : آية ١١٤] فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) (١) يقضى إليك وحيه: أوجه الأقوال أن الجملة بمعنى حتى يتم وينتهي وحيه إليك. وهذا المعنى في آية البقرة فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [٢٠٠] بمعنى إذا انتهيتم منها. تعليق على الآية فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً الخطاب في الآية موجه إلى النبي ﷺ على ما هو المتبادر والمتفق عليه. وقد تضمن تقرير العلوّ لله وتوكيد كونه صاحب الملك الحقيقي المطلق ثم

стр. 1333

أمرا بعدم الاستعجال بما يوحى إليه من القرآن قبل أن يقضي إليه وحيه. وبطلب المزيد من العلم من الله تعالى. ولقد تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل في جملة وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ من ذلك أنها بمعنى لا تعجل في تلاوة ما يوحى إليك وإملائه قبل أن تبان لك معانيه. أو قبل أن نبيّن لك معانيه. ومنها أن الآية مشابهة في مداها لايات سورة القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) وأشار أصحاب هذا القول إلى الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس وأوردناه في سياق تفسير هذه الآيات. وقالوا: إن هذا الحادث لذلك الحادث أو هو نفسه. ومع ما يلحظ من صلة لفظية بين الآية السابقة التي ورد فيها ذكر القرآن أيضا فإننا نرجح أن تكون ما تضمنته مماثلا للحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة. مع القول إنه حادث ثان إذ لا تظهر الحكمة في الإشارة إليه مرة أخرى لو كان نفس الحادث. ويظهر أن النبي ﷺ عاد فكرر ما كان يوحى إليه قبل تمامه خشية التفلت منه فنبه مرة أخرى في هذه الآية. والراجح أن يكون ذلك من ظرف نزول الآيات السابقة فجاءت الآية متساوقة في سبكها ونظمها معها ووضعت في سياقها والله أعلم. ولقد علقنا على مدى الحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة وقد مرّت الإشارة إليه. وما قلناه هناك يصح قوله هنا بتمامه فلا ضرورة للتكرار. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا رواه ابن ماجه وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال «كان رسول الله ﷺ يقول اللهم انفعني بما علّمتني وعلّمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كلّ حال» وفي الحديث تعليم نبوي رفيع. وهناك أحاديث أخرى فيها تنويه بالعلم وطلبه وبالعلماء لها صلة بمدى الآية والحديث السابق أيضا. من ذلك حديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول من سلك طريقا يبتغي به علما سلك الله له طريقا إلى الجنّة. وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم. وإنّ العالم ليستغفر له من في

стр. 1334

السّموات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» «١» . وحديث رواه الشيخان عن أبي مسعود قال «قال النبيّ ﷺ لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» «٢» . وقد يكون ويقال إن التنويه في الأحاديث هو بالنسبة للعلم المتصل بدين الله وحدوده وأحكامه. غير أن هذا لا يخرج فيما يتبادر لنا أي علم من مضمون التنويه إذا كان صاحبه مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر. لأنه يزداد فيما يعلمه من علوم عقلية وكونية يقينا بالحقائق الإيمانية على ما شرحناه في سياق تفسير الآية [٢٧] من سورة فاطر والله تعالى أعلم. [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١٢٧] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)

стр. 1335

(١) عهدنا إلى آدم: بمعنى وصيناه وأمرناه وأخذنا عليه عهدا. (٢) عزما: بمعنى ثباتا وقوة عزيمة. (٣) ولا تضحى: كناية عن عدم التعرض لوهج الشمس في أول النهار أو عدم التأذي به. (٤) شجرة الخلد: الشجرة التي تجعلك مخلدا في الحياة. (٥) لا يبلى: لا يزول ولا يفنى. (٦) غوى: خالف أمر ربه أو مال إلى الغواية باستماع وسوسة الشيطان. (٧) اجتباه: عطف عليه واصطفاه. (٨) ضنكا: ضيقا. (٩) أسرف: هنا بمعنى تجاوز الحد في الجحود والضلال. في الآيات قصة آدم وإبليس. والآية الأولى جاءت تمهيدا لها كما أن الآيات الأربع الأخيرة جاءت للتعقيب والاستطراد. وعبارتها واضحة. والمتبادر أن الآيات متصلة موضوعا وسبكا بالآيات السابقة باستثناء الآية [١١٤] التي قد تلهم أنها جاءت معترضة تنطوي على تعليم خاص للنبي ﷺ ودونت في السياق لنزولها في أثنائه. فالآية [١١٣] ذكرت أن الله أنزل القرآن وصرف فيه الوعيد لعل الناس يتقون ويتذكرون. ثم جاءت هذه الآيات لتذكر بقصة آدم وإبليس وكيف أن الله أمر ووصى آدم ﵇ ببعض أوامره ووصاياه فلم يثبت ونسي ما وصى به، ومن هنا تظهر الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة. وهدف الآية الأولى التمهيدية هو التحذير من نسيان أوامر الله ووصاياه وإيجاب الثبات عليها وعدم الاستماع لوسوسة الشيطان التي ترمي إلى حمل
следующие страницы →