بمجموعها ملموحة، من شأنها إثارة الخوف والقلق في الكفار، والطمأنينة والرضاء في المؤمنين، وهو مما استهدفته فيما استهدفته.
والآية [١٠٩] وهي تذكر أن الشفاعة في ذلك اليوم لا تنفع إلا الذين رضي الله تعالى عنهم ولا تكون إلا بإذنه تنطوي على قصد قطع الطريق على المشركين الذين كانوا يشركون شركاء مع الله وخاصة الملائكة في العبادة والدعاء بقصد نيل شفاعتهم عنده. بل وعلى قصد الطريق على الناس عامة الذين اعتادوا أن يقضوا رغباتهم بالاستشفاع بغير الله من أنبياء وأولياء دون السعي والعمل والقيام بالواجب نحو الله والناس مما فيه تلقين مستمر. ومما تكرر بأساليب متنوعة بسبب امتلاء ذهن المشركين الأولين والناس عامة به. وقد مرت منه بعض الأمثلة ومن ذلك في الآيات الأخيرة من سورة مريم السابقة لهذه الآية.
تعليق على جملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ في الآية [١١٢]
وهذه الجملة في مقامها تنطوي على تنبيه مهم وهو أن العمل الصالح الذي يفيد صاحبه وينجيه من سوء المصير في الآخرة هو الذي يجب أن يكون صادرا عن إيمان بالله واليوم الآخر. والحكمة المتبادرة من هذا هي التنبيه على أن العمل الصالح الذي لا يكون صاحبه مؤمنا لا يكون خالصا من كل شائبة ومأرب. ويكون معرضا للانتكاس والانقطاع. وعلى أن الإيمان فقط هو الذي يحفز صاحبه على العمل الصالح الخالص من الشوائب والمآرب. والمبتغى به وجه الله تعالى دون انتظار جزاء ومقابلة وشكر من أحد غير الله. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل المدى يتسامى به المؤمن عن أي جزاء دنيوي عن أعماله الصالحة. ويجعله لا يهتم إلّا برضاء الله تعالى عنه. ويقدم على التضحيات والمشاق في سبيل ذلك في كل ظرف. وقد تكرر تقرير هذا كثيرا في القرآن لما له من خطورة متصلة بحياة الإنسان والإنسانية والتربية الإسلامية السامية فضلا عن الحقيقة المنطوية فيه.
стр. 1332
تعليق على جملة وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وهذه الجملة في الآية [١١٣] وهي تقرر أن القرآن أنزل عربيا لا تعني طبعا أنه غير موجه إلى غير العرب. وإنما ذلك لأن العرب هم المخاطبون الأولون به.
ولأن النبي ﷺ منهم. ولأنهم هم الذين حملوا عبء نشر رسالته بين العالمين.
وعموم الرسالة المحمدية والقرآنية قد تقررت في آيات عديدة مكية ومدنية مرّت أمثلة منها بحيث يكون ذلك قضية محكمة خارجة عن نطاق الجدل والمراء. ولقد نشر العرب الرسالة الإسلامية بين غيرهم من الأمم الذين لم يعرفوا اللغة العربية.
ولا ريب في أن العرب ترجموا لهم القرآن وأحاديث النبي ومبادئ الرسالة ترجمة جعلتهم يقبلون على اعتناق الدين الإسلامي ويتعلقون به ويتعلمون اللغة العربية ليقرأوا القرآن بلغته المنزلة.
[سورة طه (٢٠) : آية ١١٤]
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)(١) يقضى إليك وحيه: أوجه الأقوال أن الجملة بمعنى حتى يتم وينتهي وحيه إليك. وهذا المعنى في آية البقرة فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [٢٠٠] بمعنى إذا انتهيتم منها.
تعليق على الآية فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
الخطاب في الآية موجه إلى النبي ﷺ على ما هو المتبادر والمتفق عليه.
وقد تضمن تقرير العلوّ لله وتوكيد كونه صاحب الملك الحقيقي المطلق ثم
стр. 1333
أمرا بعدم الاستعجال بما يوحى إليه من القرآن قبل أن يقضي إليه وحيه. وبطلب المزيد من العلم من الله تعالى.
ولقد تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل في جملة وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ من ذلك أنها بمعنى لا تعجل في تلاوة ما يوحى إليك وإملائه قبل أن تبان لك معانيه. أو قبل أن نبيّن لك معانيه. ومنها أن الآية مشابهة في مداها لايات سورة القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
(١٩) وأشار أصحاب هذا القول إلى الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس وأوردناه في سياق تفسير هذه الآيات. وقالوا: إن هذا الحادث لذلك الحادث أو هو نفسه.
ومع ما يلحظ من صلة لفظية بين الآية السابقة التي ورد فيها ذكر القرآن أيضا فإننا نرجح أن تكون ما تضمنته مماثلا للحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة.
مع القول إنه حادث ثان إذ لا تظهر الحكمة في الإشارة إليه مرة أخرى لو كان نفس الحادث. ويظهر أن النبي ﷺ عاد فكرر ما كان يوحى إليه قبل تمامه خشية التفلت منه فنبه مرة أخرى في هذه الآية. والراجح أن يكون ذلك من ظرف نزول الآيات السابقة فجاءت الآية متساوقة في سبكها ونظمها معها ووضعت في سياقها والله أعلم. ولقد علقنا على مدى الحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة وقد مرّت الإشارة إليه. وما قلناه هناك يصح قوله هنا بتمامه فلا ضرورة للتكرار.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا رواه ابن ماجه وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال «كان رسول الله ﷺ يقول اللهم انفعني بما علّمتني وعلّمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كلّ حال» وفي الحديث تعليم نبوي رفيع. وهناك أحاديث أخرى فيها تنويه بالعلم وطلبه وبالعلماء لها صلة بمدى الآية والحديث السابق أيضا. من ذلك حديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول من سلك طريقا يبتغي به علما سلك الله له طريقا إلى الجنّة.
وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم. وإنّ العالم ليستغفر له من في
стр. 1334
السّموات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» «١» .
وحديث رواه الشيخان عن أبي مسعود قال «قال النبيّ ﷺ لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» «٢» .
وقد يكون ويقال إن التنويه في الأحاديث هو بالنسبة للعلم المتصل بدين الله وحدوده وأحكامه. غير أن هذا لا يخرج فيما يتبادر لنا أي علم من مضمون التنويه إذا كان صاحبه مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر. لأنه يزداد فيما يعلمه من علوم عقلية وكونية يقينا بالحقائق الإيمانية على ما شرحناه في سياق تفسير الآية [٢٧] من سورة فاطر والله تعالى أعلم.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١٢٧]
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)
стр. 1335
(١) عهدنا إلى آدم: بمعنى وصيناه وأمرناه وأخذنا عليه عهدا.
(٢) عزما: بمعنى ثباتا وقوة عزيمة.
(٣) ولا تضحى: كناية عن عدم التعرض لوهج الشمس في أول النهار أو عدم التأذي به.
(٤) شجرة الخلد: الشجرة التي تجعلك مخلدا في الحياة.
(٥) لا يبلى: لا يزول ولا يفنى.
(٦) غوى: خالف أمر ربه أو مال إلى الغواية باستماع وسوسة الشيطان.
(٧) اجتباه: عطف عليه واصطفاه.
(٨) ضنكا: ضيقا.
(٩) أسرف: هنا بمعنى تجاوز الحد في الجحود والضلال.
في الآيات قصة آدم وإبليس. والآية الأولى جاءت تمهيدا لها كما أن الآيات الأربع الأخيرة جاءت للتعقيب والاستطراد. وعبارتها واضحة.
والمتبادر أن الآيات متصلة موضوعا وسبكا بالآيات السابقة باستثناء الآية [١١٤] التي قد تلهم أنها جاءت معترضة تنطوي على تعليم خاص للنبي ﷺ ودونت في السياق لنزولها في أثنائه. فالآية [١١٣] ذكرت أن الله أنزل القرآن وصرف فيه الوعيد لعل الناس يتقون ويتذكرون. ثم جاءت هذه الآيات لتذكر بقصة آدم وإبليس وكيف أن الله أمر ووصى آدم ﵇ ببعض أوامره ووصاياه فلم يثبت ونسي ما وصى به، ومن هنا تظهر الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة.
وهدف الآية الأولى التمهيدية هو التحذير من نسيان أوامر الله ووصاياه وإيجاب الثبات عليها وعدم الاستماع لوسوسة الشيطان التي ترمي إلى حمل
стр. 1336
الإنسان على نسيانها ونقضها، ثم جاءت الآيات التالية مذكرة بقصة آدم الذي لم يثبت على أوامر الله ونسيها بتأثير تلك الوسوسة. وهدف الآيات التعقيبية الاستطرادية هو بيان مصير الناس يوم القيامة نتيجة لاتباعهم لما أنزل الله ووصى به من الهدى وعدم اتباعه، توكيدا للتحذير التمهيدي وبقصد تنبيه السامعين وإثارة الرهبة والرغبة فيهم.
ووصف مصير المعرض عن ذكر الله بخاصة مفزع رهيب. وقد يكون من حكمة ذلك التشديد في الإنذار والترهيب.
وجملة فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) بالنسبة لمن اتبع هدى الله يصحّ أن تكون شاملة المدى للدنيا والآخرة معا وهو ما يتبادر لنا أن الآية قصدت إليه. من حيث إن الذي يتبع هدى الله ويلتزم حدوده يكون له من ذلك ما يضمن له العصمة من الضلال والشفاء فيهما. وفي هذا تطمين رباني قوي وحافز على اتباع هدى الله.
ويتبادر لنا أن جملة فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً جاءت لمقابلة جملة فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وأنها هي الأخرى شاملة المدى مثلها للدنيا والآخرة من حيث إن الذي يعرض عن ذكر الله ودينه الحق يفقد أسباب تلك العصمة ويتعرض لسوء الحياة ونكدها في الدنيا والآخرة معا.
نقول هذا مع القول إن المفسرين يروون عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن الجملة تعني عذاب القبر بل رووا أحاديث عن النبي ﷺ في ذلك حيث رووا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «إن المعيشة الضّنك هي عذاب القبر» وهذا التفسير النبوي لم يرد في كتب الصحاح. ومع ذلك فإن الطبري استدل على صحته بالآية [١٢٧] التي فيها وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى وقال إن المعيشة الضنك لو كانت عذاب الآخرة لما كان لهذه الآية مفهوم ومعنى.
غير أن هذا لا يخل بما تبادر لنا وأوردناه آنفا من الجملة بصورة عامة. والله تعالى أعلم.
стр. 1337
وننبه على أن هناك أحاديث عديدة في عذاب القبر سوف نوردها ونعلق عليها في مناسبة أخرى أكثر ملاءمة.
تعليق على الجديد في قصة آدم وإبليس في هذه السورة
ولقد علقنا على موضوع قصة آدم وإبليس بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورتي ص والأعراف فلا حاجة إلى الإعادة. والسياق ومناسبته يفسر أن حكمة تكرار إيراد القصة حيث يقتضي ذلك تكرار المواقف وتجدد المناسبات مما هو متسق مع طبيعة محمد النبي ﷺ على ما ذكرناه قبل، ومما يصح أن يورد في صدد متكررات القرآن المتنوعة الوعظية والقصصية والتدعيمية والترغيبية والترهيبية.
وإذا كان من شيء نقوله هنا تعليقا على القصة فهو أن القصد في ضرب المثل والموعظة والتحذير والتنبيه أوضح. ثم إن فيها شيئا جديدا وهو الإشارة إلى توبة آدم ﵇ وقبولها. ولعل في هذا على ما يتبادر ردّا على ما كان النصارى وما يزالون يعتقدونه من عقيدة تسلسل خطيئة آدم في ذريته من بعده، وعقيدة الفداء التي أرسل الله ابنه- تنزه وتقدس- ليقوم بها. فجميع بني آدم من لدن آدم إلى يوم صلب المسيح على ما يعتقده النصارى بما فيهم الأنبياء طبعا آثمون بخطيئة آدم ولم يخلصوا من هذا الإثم تجاه الله تعالى إلّا بصلب ابن الله الذي هو الله كما أراد الله تعالى وتقدس. وسورة طه قد نزلت بعد سورة مريم.
فلعل اعتراضا أو احتجاجا أو كلاما وقع بمناسبة قصة مريم في هذا الصدد فاقتضت حكمة التنزيل تضمين هذا الأمر في السورة التي تلتها على سبيل الردّ والتوضيح.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٨ الى ١٣٠]
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)
стр. 1338
(١) أفلم يهد لهم: بمعنى أولم يتبين لهم، أو أولم يظهر لهم، أو أولم يهدهم ويقنعهم.
(٢) أولي النهى: أولي العقل.
في الآية الأولى سؤال استنكاري عما إذا لم يتبين للكافرين ويعرفوا أن الله أهلك كثيرا قبلهم من القرون نتيجة لطوافهم في الأرض ومشاهدة آثارهم ومشيهم في مساكنهم حتى يظلوا على غيهم. وإن في ذلك لايات ودلائل كافية لإقناع أولي العقول والأحلام.
وفي الآية الثانية بيان رباني بأنه لو لم تقتض حكمة الله تعالى عدم الإسراع في إهلاك الكافرين برسالة محمد ﷺ لكفرهم كما فعل بأمثالهم السابقين وفي تأجيلهم إلى أجل معين في علم الله لكان إهلاكهم لازما جريا على السنة التي سار عليها مع الأمم السابقة حينما وقفوا من أنبيائهم موقف هؤلاء من نبيهم. وقد جاءت بالصيغة التي جاءت عليها للتساوق النظمي على ما هو المتبادر حيث يلمح فيها تقديم وتأخير، بما معناه (لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى حدده في علمه لكان عذابهم العاجل لزاما) والله أعلم.
وفي الآية الثالثة أمر للنبي ﷺ بالصبر على ما يسمعه من الكفار ويراه من مواقف يضيق بها صدره وتغتم لها نفسه، وبالمثابرة على تسبيح الله تعالى وحمده مؤملة إياه برضا النفس وطمأنينتها بذلك.
والآيات متصلة بالسياق السابق اتصالا موضوعيا مع الالتفات فيه إلى الكفار العرب. فقد انتهت الآيات السابقة بإنذار الذين يسرفون في الإثم والجحود، ثم جاءت الآيتان الأوليان من هذه الآيات تلتفتان إلى الكفار العرب لتذكراهم وتحذّراهم وتنذراهم، أما الآية الثالثة فهي كذلك متصلة بالموضوع مع الالتفات
стр. 1339
إلى النبي ﷺ على سبيل التطمين والتثبيت والتسلية مما جرى عليه التنزيل القرآني في كثير من مناسبات وحكاية مواقف وأقوال الكفار التي كانت تثير في النبي ﷺ الألم والحسرة.
وفي الآية الأولى دلالة على أن سامعي القرآن الأولين وهم أهل مكة كانوا يعرفون بلاد الأمم السابقة وما حل فيها من تدمير رباني. وبذلك يأتي الإنذار مستحكما ولقد تكرر هذا في آيات سابقة وآتية. ومن السابقة الآية [٤] من سورة الفرقان هذه وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ... وقد شرحنا هذا وافيا في سياق تعليقنا على القصص القرآنية في سورة القلم.
تعليق على مدى وتلقين الآية التي تأمر بذكر الله وتسبيحه في مختلف والأوقات
والآية الأخيرة وإن كان الخطاب فيها قد وجّه إلى النبي ﷺ على سبيل التطمين والتثبيت بسبب ما يصدر من الكفار فإن فيها تلقينا جليلا لجميع المسلمين الذين من واجبهم أن يجعلوا النبي ﷺ قدوة وإماما حيث تقرر ما يمكن أن تبثه عبادة الله تعالى وذكره وتسبيحه والاتجاه إليه والتفكير في آلائه وآياته وبخاصة عند اشتداد أزمات النفس وآلامها من طمأنينة نفس وهدوء قلب وراحة ضمير وقوة على تحمل المشاق والمصاعب المادية والمعنوية والاستهانة بها. وهذه حالة روحية يدركها كل من استغرق هذا الاستغراق فشع نور الله في قلبه، ومعالجة نفسية قرآنية مضمونة النتيجة. وأي امرئ حزبته مشاكل الدنيا وآلامها فلجأ إلى الله وذكر عظمة ملكوته وسلطانه واستغرق في آياته وآلائه وقدرته، وجبروته لن يلبث أن تهون عليه هذه المشاكل والآلام مهما جلّت، بل وأن تهون في نظره الدنيا وما فيها والإنسان وجبروته وسخافاته وأن يشعر بطمأنينة النفس وقوة القلب والقدرة على التحمل والتجمّل بالصبر.
ولقد تكرر مثل الأمر الوارد في الآية للنبي ﷺ في أكثر من سورة لمثل
стр. 1340
الأهداف التي انطوت في هذه الآية. وفي سورة ق آيتان مماثلتان في صيغتهما لصيغتها.
ولقد ذهب بعض المفسرين «١» إلى أن الأوقات التي أمر النبي ﷺ بالتسبيح فيها في الآية [١٣٠] هي أوقات الصلوات المفروضة وأن التسبيح يعني إقامة الصلوات، ومع أن الآية على ما يتبادر لنا هي بسبيل توكيد الاستمرار في ذكر الله وحمده وتسبيحه طيلة أوقات اليقظة فإن ما ذهبوا إليه قد لا يخلو من وجاهة. وقد علقنا على ذلك بما فيه الكفاية في سياق تفسير الآيتين [٣٨، ٣٩] من سورة ق الممائلتين في صيغتهما لهذه الآية.
ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [١٣٠] مدنية. وأسلوبها وانسجامها مع السياق وبروز الطابع المكي عليها في ضمير «يقولون» العائد على الأرجح إلى الكفار موضوع الكلام في الآيات السابقة يسوّغ الشك في الرواية ولا سيما أن الآية التالية لها هي تتمة للموضوع، والطابع المكي بارز عليها كذلك.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣١ الى ١٣٢]
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)
احتوت الآية الأولى أمرا للنبي ﷺ بعدم مدّ عينيه مدّ المستغرب إلى ما يتمتع به بعض فئات من الكفار من متع الحياة الدنيا وزينتها، وتنبيها إلى أن ذلك إنما هو ابتلاء واختبار رباني، وأن رزق الله وما أعده الله له من حسن العاقبة هو خير وأبقى. واحتوت الآية الثانية أمرا للنبي ﷺ كذلك بالمثابرة على الصلاة وأمر أهله بالمثابرة عليها معه وعدم الاهتمام للدنيا وأمر الرزق، وتطمينا ربانيّا بأن الله سبحانه قد كفاه مؤونة ذلك وأن العاقبة مضمونة للذين يتقونه.
стр. 1341
وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية الأولى مدنية. وقد روى المفسرون أنها نزلت بمناسبة امتناع يهودي من إسلاف النبي ﷺ مالا كان يريد أن ينفقه في قرى ضيف وفد عليه إلا برهن. مما حزّ في نفسه وجعله يقول لو أسلفني لأديته وإني لأمين في السماء، أمين في الأرض. ثم أرسل درعه رهنا. والرواية لم ترد في كتب الصحاح. وقد يكون الحادث المروي صحيحا. ولكنا نلحظ أن الآية منسجمة مع السياق سبكا وموضوعا. ومعطوفة على ما قبلها. وصلتها بالآية السابقة لها واضحة بحيث يبرر كل هذا الشك في رواية مدنية الآية ورواية نزولها بمناسبة ذلك الحادث. وترجيح مكيتها وصلتها بظروف سيرة النبي ﷺ في العهد المكي. وفي سورة الحجر آية مشابهة لهذه الآية وهي الآية [٨٨] جاءت في سياق مماثل حيث ينطوي في هذا تدعيم لذلك الشك وهذا الترجيح والله أعلم.
والمتبادر أن الآيتين معا تتمة للخطاب الموجه إلى النبي ﷺ في الآية السابقة لهما مباشرة. ويبدو أن النبي ﷺ أو أن المسلمين كانوا أحيانا يتعجبون من إمداد الله زعماء الكفار وأغنياءهم بما يتمتعون به من رفاهة ونعيم وثروات مما هو طبيعي الورود على الخاطر فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في السياق الذي يذكر فيه مصير الكفار ويطلب فيه من النبي ﷺ الصبر على ما يقولون. هاتان الآيتان لتبيين واقع الأمر من هذا الذي يتمتعون به وبث الطمأنينة والرضاء والغبطة في قلب النبي ﷺ والمسلمين بما عند الله تعالى وبالعاقبة المضمونة لهم، وتقرير كون ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاختبار. ولعل زعماء الكفار وأغنياءهم كانوا يتبجحون بما هم فيه من نعيم ورفاهة ويزهون على المسلمين على اعتبار أن الله لو كان ساخطا عليهم كما يقولون لما كان أدام عليهم نعمه فكان ذلك مما يحز في نفوسهم. ولقد ذكر شيء مما كان يدور في أذهان أغنياء الكفار وزعمائهم من مثل ذلك في آيات عديدة منها آيات سورة المؤمنون هذه أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) ولقد تضمنت آية سورة مريم [٧٣] شيئا من هذا على ما شرحناه في سياق تفسيرها قبل هذه السورة. ولقد تكرر التنبيه إلى أن ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاستدراج والإمهال على ما جاء في آيات سورة
стр. 1342
الأعراف [١٨٢، ١٨٣] وآيات سورة القلم [٤٤، ٤٥] وسبق تفسيرها.
تلقينات آية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
وتنطوي الآيات على تلقينات جليلة مستمرة المدى لجميع المسلمين ولو أن الخطاب فيها موجه إلى النبي ﷺ لأنه إمامهم وقدوتهم.
فإمكانيات التمتع بالحياة الناعمة المترفة وأسبابها ليست مرتبطة بكفر وإيمان وليست نتيجة ملازمة لأية حالة منهما. والمهم في الحياة طمأنينة النفس وهدوء البال والرضى.
وهذا ما يتحقق للمؤمن المتقي الذي يمنعه إيمانه وتقواه من جعل الدنيا أكبر همّه ويبث في نفسه القناعة والرضاء فيما يتيسر له من أسباب الحياة المشروعة والاعتماد على الله وحده في ذلك، ولزوم حدود الله والقيام بواجباته نحو الله والناس على أتمّ وجه. لا سيما أن الاستغراق في الحياة الدنيا وشهواتها كثيرا ما يسبب الآلام والنكبات ويثير القلق والاضطراب. وفي كل هذا الذي تلهمه الآيات ما فيه من معالجة روحية نافذة.
وقد يكون من تلقيناتها وجوب قصر المسلم طمعه وطموحه عن اكتناز المال الكثير لأجل التباهي والتكاثر والاستمتاع الخاص به وحسب. وقد يؤيد هذا آيات عديدة في سور مكية ومدنية نددت باكتناز المال والاستغراق في حبه، وبخاصة إذا لم يكن لأجل نفع الغير به وإنفاقه في سبيل الله تعالى. وقد مرّ من ذلك أمثلة في سورة الفجر والتكاثر والعاديات، ومن ذلك آيات سورة التوبة هذه وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) .
стр. 1343
تعليق على تحدي الكفار للنبي ﷺ بالإتيان باية وما في الرد القرآني من تلقينات
وهذه أول مرة يحكي القرآن فيها تحدي الكفار للنبي بالإتيان باية أي معجزة بنص صريح ثم تكرر هذا كثيرا.
والذي يتبادر لنا من أسلوب الآية [١٣٣] أنها بسبيل حكاية واقع. وليست بسبيل تسجيل أول تحدّ. وإن أولية الحكاية لا تمنع أن يكون الكفار قد تحدوا النبي ﷺ قبل ذلك. وقد لمحنا ذلك في آية سورة المدثر بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) وعلقنا عليه وعلى تحدي الكفار بالإتيان بالمعجزات. ولقد ردت عليهم الآية متسائلة عما إذا لم يكفهم ما يرونه من تطابق وتوافق بين القرآن الذي يتلى عليهم وما في الكتب المنزلة الأولى من الله على رسله السابقين. وهذا الرد ينطوي من جهة على توكيد لما شرحناه عن موضوع تحدي الكفار بالمعجزات في سورة المدثر ومن جهة على كون الكفار لا ينكرون الله تعالى وعادته في إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم من جهة، ولا يجهلون أن ما في أيدي أهل الكتاب هو من ذلك من جهة. وبكلمة أخرى إنهم لا ينكرون إرسال الرسل وإنما كانوا ينكرون نبوة النبي ويطلبون البرهان على أنه مرسل من الله تعالى. وجواب القرآن هنا على أسلوب الحكيم. فهم يطلبون معجزة ودليلا والقرآن يقرر أن الدليل والمعجزة فيما احتواه من مبادئ سامية وتطابق هذه المبادئ واتحاد مصدرها مع مبادئ ومصادر الرسالات والكتب السابقة التي يسلم الكفار بها وبمصدريتها الإلهية.
ويهتف بهم إن في ذلك الكفاية لمن أراد الحق والحقيقة لأن الدعوة إلى الله وحده والعمل الصالح والنهي عن الشرك والإثم والفواحش لا يحتاجان إلى معجزة. وهذا الأسلوب تكرر في القرآن كثيرا ردا على الكفار على ما شرحناه في سياق سورة المدثر.
ولقد فهم هذا أصحاب رسول الله على حقيقته فكسبوا وادخروا المال وانتفعوا ونفعوا به وتمتعوا بالطيبات الحلال في الحدود المرسومة في الآيات
стр. 1344
والأحاديث. مما استفاضت به كتب التاريخ. ولقد أراد بعضهم أن يعفّ عن الطيبات فحرّمها على نفسه فندد بهم رسول الله ثم نزلت آيات سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) .
ولقد أثرت أحاديث صحيحة عن حياة الشظف التي كان يحياها النبي ﷺ في بيوته «١» . وقد يكون هذا من أثر التوجه القرآني في الآيات التي نحن في صددها حيث اعتبرها رسول الله موجهة إليه بالدرجة الأولى على ما هو المتبادر فالتزم بهذه الحياة مما هو متصل فيما نرى بخطورة مهمته العظمى التي فرغ لها كل جهده وقواه وشغلت كل نشاطه وحياته فلم يبق لها مكان بنعم الحياة ومتعها. وفي سورة الأحزاب آيات فيها أمر رباني للنبي ﷺ بتخيير زوجاته، بين الرضاء والقناعة بحياته التي يحياها وبين التسريح على ما سوف يأتي شرحه في مناسبتها مما يمتّ إلى هذا الذي نقرره بالنسبة لرسول الله ﷺ والله تعالى أعلم.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٥]
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)(١) آية: هنا بمعنى دليل أو معجزة.
(٢) لولا: بمعنى هلا.
(٣) متربص: منتظر ومترقب.
(٤) السوي: المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء.
стр. 1345
في الآية الأولى حكاية لتحدي الكفار النبيّ ﷺ بالإتيان باية من ربّه تدل على صدق صلته به، وردّ عليهم بصيغة الاستنكار عما إذا لم يكن ما احتواه القرآن من التطابق في الأسس والمبادئ مع ما احتوته الكتب المنزلة الأولى دليلا كافيا تقوم به الحجة والقناعة. وفي الرد ينطوي معنى التقرير الإيجابي كما هو المتبادر.
وفي الآية الثانية بيان رباني بأسباب تأجيل عذاب الكفار على ما كان من كفرهم وآثامهم، وهو ما يمكن أن يوجهوه إلى الله من احتجاج بأنه كان ينبغي أن يرسل إليهم رسولا يبلغهم آياته وحدوده حتى يتبعوها ويهتدوا بها ولا يتعرضوا للخزي والذل والنكال. وفي الآية ينطوي ردّ تقريعي لاذع فقد أرسل الله تعالى إليهم رسوله لئلا تبقى لهم عليه حجة. فإذا ما أصابهم الله بعذابه ونكاله إذا كفروا برسوله فيكونون قد استحقوهما. وروح الآية تلهم أن القرآن يقر الحجة التي يمكن أن يحتج بها الناس إذا تركوا دون إنذار ودعوة وإرشاد إلى الخير والحق فكفروا وأثموا وتنكبوا طريق الحق وقصروا في واجباتهم، كما أنها تتضمن توكيد المبدأ القرآني الذي تكرر تقريره وهو قابلية الناس للاختيار واستحقاقهم لمصائرهم وفقا لاختيارهم، وتوكيد الحكمة الربانية التي اقتضت إرسال الرسل للدعوة إلى الله وبيان طرق الخير والشر، حتى يسعد وينجو من يسعد وينجو عن بينة ويهلك ويشقى من يهلك ويشقى عن بينة. وفي آية سورة النساء هذه رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) تدعيم لما استلهمناه من روح الآية. ومثل ذلك منطو بصراحة أيضا في آية سورة الإسراء هذه مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) .
أما الآية الثالثة ففيها أمر للنبي ﷺ بإعلان الكفار أن ينتظروا وإنه منتظر معهم. والكل متربص ومترقب، ولن يلبث الناس أن يعلموا علم اليقين من هم الذين هم على طريق الحق ومن هم المهتدون. وقد انطوى في الآية وعيد رباني
стр. 1346
للكفار وتطمين للمسلمين. فلسوف يري الكفار أنهم هم الضالون ولسوف يري المؤمنين أنهم هم المهتدون.
ولم يرو المفسرون رواية ما بمناسبة نزول الآيات والمتبادر أنها متصلة بالسياق السابق واستمرار له. والضمير في (قالوا) عائد إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في الآيات السابقة. وقد جاءت الآيات وخاصة الآية الأخيرة خاتمة قوية للسورة عامة وللسياق المتصل بمواقف الكفار وتحديهم بنوع خاص. فكأنما قال الكفار ما قالوه على سبيل التحدي للنبي ﷺ وفي مواجهته فردت الآيات عليهم ثم أنهت ثالثتها الموقف. وقد تكرر هذا الأسلوب في خواتم بعض السور مما مرّت أمثلة منه ونبهنا عليها.
وفي كتب الحديث والتفسير وبخاصة تفسير ابن كثير أحاديث كثيرة تساق في مناسبة هذه الآية. منها ما ورد في كتب الصحاح ومنها ما لم يرد وهو في نطاق ما ورد في كتب الصحاح إجمالا. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي جاء فيه «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وانتظر بعض الصحابة فقال رسول الله والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» وحديث رواه البخاري عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال «إنّ الكثيرين هم المقلّون يوم القيامة إلّا من آتاه الله خيرا فنفح منه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا» وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد جاء فيه «إنّ هذا المال حلوة من أخذه بحقّه ووضعه في حقّه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقّه كان كالّذي يأكل ولا يشبع» . وحديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي ﷺ قال «إن لكلّ أمة فتنة وفتنة أمّتي المال» وحديث رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال «قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىّ وأسدّ فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن مسعود قال «سمعت نبيّكم يقول من جعل الهموم همّا واحدا همّ المعاد كفاه الله همّ دنياه. ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدّنيا لم يبال الله في أيّ أوديته هلك» وحديث رواه شعبة بن
стр. 1347
عمر عن زيد بن ثابت قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول من كانت الدّنيا همّه فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيّته جمع له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا راغمة» . وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والتّرف لدينه» .
والحكمة الملموحة في الأحاديث هي تحذير المسلمين من الاستغراق في متع الحياة الدنيا ومشاغلها استغراقا يشغلهم عن واجباتهم نحو الله والناس ومن الاستكثار من جمع المال للمال وحسب. وليس فيها ولا في غيرها ولا في القرآن ما يمنع المسلمين من العمل وكسب المال وادخاره إذا كان ذلك في نطاق الاعتدال والحلال مع الإنفاق منه في سبيل الله والمحتاجين. وليس فيها ولا في غيرها ولا في القرآن ما يتعارض مع التقنين العام الذي انطوى في آيات سورة الأعراف [٢١- ٢٣] التي سبق تفسيرها والتي لها أمثلة عديدة. بل وفي الأحاديث ما يتساوق مع كل ذلك.
стр. 1348
سورة الواقعة
في السورة توكيد بحقيقة الآخرة ووصف لمنازل الناس فيها. وحكاية لأقوال المكذبين لها، وردّ وتحدّ وتقريع لهم، وبرهنة على عظمة الله وقدرته على بعث الناس ثانية كما خلقهم أولا وتنويه بالقرآن وخطورة شأنه.
وآيات السورة منسجمة مترابطة متوازنة مما يدل على وحدة نزولها. وفي فاتحتها ما يمكن أن يكون قرينة على صحة نزولها بعد سورة طه.
وقد روى المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيتين [٨١، ٨٢] مدنيتان. وهما منسجمتان سبكا وموضوعا مع ما قبلهما وما بعدهما مما يحمل على الشك في الرواية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)(١) الواقعة: الكلمة وصف للحادث الخطير، وهنا كناية عن يوم القيامة.
(٢) كاذبة: إما بمعنى لا كذب في وقوعها، وإما بمعنى لا مكذب لها حينما تقع، وإما بمعنى لا صارف يصرفها ولا رادّ يردّها.
(٣) خافضة رافعة: تخفض أقواما وترفع آخرين.
стр. 1349
(٤) رجت: حركت أو هزت بشدة.
(٥) بست: فتتت.
(٦) هباء منبثّا: الذرات الخفيفة المنتشرة في الهواء.
الآيات مقدمة تمهيدية لما يأتي بعدها. وهي بسبيل التنويه بخطورة القيامة وتوكيد وقوعها دون كذب ولا تكذيب. وسيكون من أعلامها وهولها أن تهز الأرض هزّا شديدا وتتفتت الجبال حتى تكون كالهباء المنبثّ في الهواء.
وقد تكرر مثل هذه المقدمة والتوكيدات والأعلام في سور عديدة مرّت أمثلة منها.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧ الى ١٠]
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)(١) أزواجا: أصنافا.
(٢) حرف (ما) في جملتي أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. هو إما لأجل التنويه بالأولين والتهويل في أمر الآخرين، وإما للتعجيب في ما يكون أمرهما.
الآيات هي استمرار وتعقيب على الآيات السابقة حيث تضمنت تصنيف الناس في يوم القيامة ثلاثة أصناف: أصحاب اليمين وهم المؤمنون الناجون، وأصحاب الشمال وهم الكفار المجرمون، والسابقون أصحاب الدرجات العالية من المؤمنين. وفي الآيات التالية تفصيل لحالة كل من الأصناف.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١١ الى ٢٦]
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥)
إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)(١) ثلة: جماعة.
(٢) موضونة: من الوضن. وهو حبك الدرع، وأريد بالكلمة التنويه بحسن صنع الأسرّة. وقيل إن الكلمة بمعنى المحبوكة أو المنسوجة بخيوط الذهب.
(٣) مخلدون: دائمون على حالهم لا يتغيرون. وقيل: مزينون بالأقراط لأن «الخلدة» تأتي بمعنى القرط على ما قاله الزمخشري.
(٤) أكواب: جمع كوب. وهو القدح الواسع الرأس بدون خرطوم.
(٥) الإبريق: الإناء الذي له خرطوم وعروة.
(٦) الكأس: القدح الممتلئ بالشراب.
(٧) معين: الماء الجاري الرقراق.
(٨) لا يصدعون: لا يحصل لهم صداع.
(٩) لا ينزفون: لا تذهب عقولهم أو لا تنزف أنوفهم وأفواههم ومخارجهم مما يحصل للسكران.
(١٠) حور عين: وصف لعيون النساء. فالحور العيون التي تبدو مكحلة أو ناصعة بياض الحدقة. والعين: ذوات العيون النجلاء الواسعة.
(١١) المكنون: المخبأ وغير المبتذل باللمس.
(١٢) لغوا: باطلا وعبثا.
(١٣) تأثيما: اللوم والتثريب والاتهام بالإثم.
الآيات استمرار للسياق. وقد تضمنت وصف مصير السابقين. فهم المقربون الذين يتنعّمون في الآخرة بالنعيم العظيم المترف الذي وصف وصفا دائما أخّاذا
стр. 1350
واضح العبارة، والذي يبعث الغبطة والرضا في نفوس أصحابه ويثير الرغبة الشديدة في إحرازه. وهذا مما استهدفته الآيات.
تعليق على وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)
والكلام مطلق على هوية السابقين المقربين وفي كتب التفسير أقوال عديدة في توضيح ذلك معزوة إلى أصحاب رسول الله وتابعيهم. منها أنهم الذين أسرعوا إلى الاستجابة للدعوة النبوية. والذين وصفوا بالسابقين الأولين في آية التوبة هذه وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. [١٠٠] ومنها أنهم كل المسارعين إلى الإيمان حالما تبلغهم الدعوة أو المسارعة في الخيرات الذين أثنت عليهم آيات سورة المؤمنون هذه ووصفتهم بالسابقين إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) ومنها أنهم السابقون إلى إجابة الأنبياء مطلقا. والذين قالوا هذا أردفوا قولهم بالقول إن الأمم السابقة أكثر من أمة محمد ولذلك قالت الآيتان ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) والذين قالوا إنهم السابقون للاستجابة من أمة محمد أردفوا قولهم بالقول إن الذين استحقوا هذه الدرجة من بعدهم قليل. وإن هذا ما عنته الآيتان المذكورتان. وأيدوه بالحديث النبوي الذي جاء فيه «خير النّاس قرني» وهو حديث صحيح.
وإلى هذا فقد أورد ابن كثير أحاديث معزوة إلى النبي ﷺ تفيد أن أصحاب رسول الله فهموا أن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) تعني الأمم السابقة وأن وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) تعني أمة محمد فحزنوا وتساءلوا وأن النبي طمأنهم بأنهم سوف يكونون نصف أهل الجنة.. والأحاديث لم ترد في كتب الصحاح.
والذي يتبادر لنا أن الجملة القرآنية تتحمل أكثر الأقوال بل جميعها. غير أن
стр. 1351
هناك ما يجعلنا نرجح أن الآيات وما بعدها جاءت كتقرير تصنيفي عام يشمل الماضي والحاضر والمستقبل لمختلف الأصناف. ومن مرجحات ذلك أن السورة مكية مبكرة في النزول وكل من آمن في العهد المكي وبخاصة في أوله يعد من السابقين. في حين أن الآيات التالية ذكرت صنفا غيرهم وهم أصحاب اليمين. ثم إن الرعيل الأول من الأنصار الذين هم من السابقين الأولين لم يكونوا بعد قد آمنوا.
وتعبير وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) يكون قد تضمن والحالة هذه تقرير صعوبة الوصول إلى مرتبة السابقين المقربين.
هذا من ناحية مدى العبارة القرآنية. ونقول بعد هذا إن الإيمان بما جاء في القرآن من المشاهد الأخروية ومنازلها واجب مع استشفاف الحكمة من ذكر ذلك بالأسلوب الذي ذكر به. ويتبادر لنا أن من الحكمة المنطوية في وصف منازل السابقين المقربين الشائق أن يكون في ذلك حفز للمؤمنين على أن يبذلوا جهدهم في التفاني والجهاد والتزام حدود الله ليستحقوا هذه المرتبة عند الله. وفي هذا سعادة وصلاح للإنسانية والمسلمين في الدنيا بالإضافة إلى النجاة وقرة العين في الآخرة. والله تعالى أعلم.
تعليق على ما جاء في الآيات من الإطناب في وصف مجلس الشراب والطعام وهدفه
ويلفت النظر إلى وصف مجلس الشراب والطعام الأنيق في الآيات وخاصة وصف الخمر وكونه لا يحدث صداعا ولا نزيفا. وقد تكرر هذا الوصف في مناسبات أخرى، والمتبادر أن ذلك متصل برسوخ عادة معاطاة الخمر في بيئة النبي ﷺ وآثارها المكروهة، وبسبيل تقرير أن ما في الجنة من لذائذ ومتع هي خالصة مما في مثيلاتها الدنيوية من نقائص ومشاهد بغيضة ومؤلمة، تقوية للترغيب وحثّا على ترك المكروه البغيض في سبيل ما هو خالص منه. مع التنبيه على وجوب
стр. 1352
الإيمان بما أخبر به القرآن من صور المشاهد الأخروية وإيكال أمر تأويلها إلى الله تعالى مع استشفاف الحكمة من ذكرها والتي يتبادر أن منها ما ذكرناه آنفا، والله أعلم.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦)
عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)(١) سدر مخضود: سدر منزوع الشوك. والقصد وصف الجنة المعدة لأصحاب اليمين بأنها لا شوك لسدرها. والسدر هو شجر النبق.
(٢) طلح منضود. منضود بمعنى منضّد مصفوف، والطلح ثمر قيل إنه الموز حيث تكون أصابعه منضدة في العنقود.
(٣) ظل ممدود: ظل دائم لا يزول.
(٤) فرش مرفوعة: قيل إن الجملة كناية عن النساء اللاتي جاء وصفهن في الآيات التالية لهذه الآية، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش «١» وقيل إنها بسبيل التنويه بارتفاع الفراش الذي يضطجع عليه أهل الجنة عن الأرض.
(٥) إنا أنشأناهن إنشاء: خلقناهن خلقا جديدا. والضمير عائد إلى النساء بقرينة الأوصاف التالية لهذه الآية. وجعل بعض المفسرين هذه الآية وما بعدها قرينة على كون المقصود بجملة وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) النساء. وقيل إن النساء لم يذكرن وإنما اكتفى بذكر أوصافهن لمناسبة ذكر الفرش المرفوعة التي يضطجع عليها الرجال والنساء معا.
(٦) عربا: جمع عريب بمعنى اللعوب المتحببة لزوجها.
(٧) أترابا: جمع ترب، ومعنى الكلمة في الأصل الرقيق المماثل في السنّ
стр. 1353
وقيل إنها هنا بمعنى الطراوة في العمر.
والآيات استمرار للسياق. وقد احتوت تنويها بأصحاب اليمين ووصفا لمنازلهم وحياتهم ونعيمهم في الجنة بعبارة واضحة.
تعليق على منازل أصحاب اليمين
والوصف أقل روعة من الوصف الأول. والحكمة في ذلك ظاهرة متسقة مع طبائع الأشياء. فالمؤمنون في مجال العمل متفاوتون، فمنهم السابق المجلي والمستغرق المتفاني. ومنهم المقتصد المتقي بل ومنهم المقصر بعض التقصير مع حسن النية. فاقتضت حكمة التنزيل أن يعلم الناس أن لكل منهم منازل فيها رضاء الله وعطفه مع التفاوت حسب سيرهم في مجال العمل. وتعبير ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) في صدد أصحاب اليمين ينطوي على ما هو المتبادر على تقرير كون أصحاب هذه المرتبة هم السواد الأعظم من المؤمنين في جميع الأوقات.
وهو المتسق مع طبائع الأمور.
وفي الآيات تشجيع وتطمين لأصحاب هذه المرتبة. فالله سبحانه يقبل من عباده المؤمنين عملهم الصالح مهما كان مقداره. ويرضى عنه ويثيب أصحابه.
وما قلناه في آخر تعليقنا على ما جاء في الآيات السابقة من الإطناب في وصف مجلس الشراب والطعام وهدفه نقوله هنا بتمامه فلا حاجة إلى التكرار.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٤٨]
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)(١) سموم: الريح الشديدة الحرارة واللفح.
стр. 1354
(٢) حميم: الماء الشديد الحرارة.
(٣) يحموم: الدخان الشديد السواد.
(٤) لا بارد ولا كريم: يقصد بذلك وصف الظل بأنه لا يمنح برودة ولا يمنع أذى ومما قيل في معنى كريم أنه العذب.
(٥) مترفين: مرفهين منعّمين.
(٦) الحنث العظيم: الحنث هو النكث بالعهد والذنب والإثم. والمقصود من الحنث العظيم الكفر والشرك.
والآيات كذلك استمرار للكلام. وقد احتوت تقريعا للكافرين الجاحدين المشركين الذين هم أصحاب الشمال، ووصفا لمنازلهم وعذابهم بأسلوب هائل ورائع: فهم معرضون للريح الشديدة الحرارة واللفح، فإذا عمدوا إلى إطفاء حرهم بالماء فهو حميم شديد الحرارة أيضا، وإذا عمدوا إلى رواق يتراءى لهم كأنه ظل فهو ظل من يحموم دخان شديد السواد لا يمنح برودة ولا يمنع أذى الحر. وليس من شك في أن هذا الوصف مما يثير الفزع والرهبة في النفوس، وهو مما استهدفته الآيات على ما هو المتبادر بالإضافة إلى القول بوجوب الإيمان بما احتوته الآيات من المشاهد الأخروية.
ولقد احتوت الآيات بالإضافة إلى ذلك تعليلا لمصير الكفار الرهيب. فقد كانوا مستغرقين في حياة الترف مصرين على الكفر والجحود والإثم. وتكذيب ما كانوا يوعدون به من بعثهم وآبائهم بعد أن يموتوا ويصبحوا ترابا وعظاما.
والمتبادر من الآيات وخاصة الآية [٤٥] أن الكلام منصرف في الدرجة الأولى إلى الزعماء والأغنياء. فهم الذين يكونون عادة مستغرقين في حياة الترف.
وهم الذين كانوا يقودون حملة التكذيب والمناوأة لدعوة الله سبحانه.
تعليق على التنديد بالترف والمترفين
وقد يبدو من الكلام أن الترف من جملة الآثام التي يعاقب عليها أصحابها في الآخرة، وإنه لكذلك إذا كان فيه سرف وسفه واستغراق يحول بين صاحبه وبين
стр. 1355
الإيمان والعمل الصالح والقيام بواجباته نحو الله تعالى والناس. وقد يكون في الجملة- والحال هذه- معنى من معاني الإنذار والتحذير للمسلمين بأن يلتزموا الاعتدال في حياتهم وفق الحدود التي رسمها الله لهم في آيات سورة الأعراف هذه يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وآية سورة الإسراء هذه وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) .
تعليق على تنوع أوصاف النعيم والعذاب في الآخرة
هذا، ولا بد من أن يكون تالي القرآن قد لا حظ تنوعا في وصف ثواب الآخرة وعذابها وأحداثها وأهوالها. غير أنا لا نرى في هذا ما يدعوا إلى التوهم، فمع الحقيقة الإيمانية المغيبة في البعث والحساب والثواب والعذاب ووجوب الإيمان بما أخبر به القرآن من المشاهد الأخروية فإن تكرر المواقف وتجدد المناسبات مما يقتضي أو يتحمل التنويع في أساليب الترهيب والترغيب والتبشير والإنذار حفزا للهمم ودعوة للإرعواء، ويلفت النظر إلى أن أوصاف النعيم والعذاب هي مستمدة من مألوفات الناس ومفهوماتهم في الدنيا للتقريب والتمثيل لأن الناس لا يتأثرون إلّا بما في أذهانهم من صور وما يقع تحت مشاهدتهم وحسهم وتجاربهم. وبما أن المألوفات والمفهومات في هذا الباب متنوعة فالمتبادر أن الحكمة اقتضت التنويع لتحقيق الهدف الدنيوي من الإنذار والتبشير والترهيب والترغيب.
قرينة على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه
ويلفت النظر إلى مظهر يمكن أن يكون قرينة على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه. وهو أن سورة طه انتهت بإيعاد الكفار وإنذارهم وإنظارهم إلى اليوم
стр. 1356
الذي يعلمون فيه علم اليقين من هو المهتدي ومن هو الضال. فجاءت هذه السورة تصف ذلك اليوم وتصف مصائر الناس فيه حسب مواقفهم وأعمالهم في الدنيا.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤٩ الى ٥٦]
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)(١) شجرة الزقوم: هي شجرة معروفة في الحجاز بكثرة شوكها ومرارة ثمرها.
(٢) الهيم: الإبل العطاش المريضة بداء الهيام الذي يدفعها إلى الإكثار من الشرب مع عدم الري.
في الآيات أمر للنبي ﷺ بالرد على ما حكته الآيات السابقة من أقوال الكفار التي ينكرون فيها البعث والتي هي من أسباب المصير الرهيب الذي سوف يصيرون إليه. وهي استمرار للسياق والحال هذه.
وقد احتوت توكيدا ربانيّا بأن جميع الناس من جميع الأجيال سيبعثون ويجمعون إلى موعد معلوم في علم الله، واستطرادا إنذاريّا للكفار المكذبين بما سوف يلقونه من المصير الوخيم في ذلك اليوم حيث يأكلون من شجر الزقوم حتى تمتلئ بطونهم ويشربون من الحميم كما تشرب الإبل المريضة بالهيام التي تظل تشرب ولا ترتوي.
وأوصاف العذاب الجديدة الواردة في هذه الآيات مستمدة هي الأخرى من مألوفات العرب ومفهوماتهم الذين كانوا أول من خوطب بالقرآن وكانوا موضوع الكلام وقد استهدف بها فيما استهدف تشديد الإنذار حيث كانت من أشد ما تعافه النفوس وتتأذى به.
стр. 1357
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٧ الى ٧٤]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)(١) لولا: في هذه الآيات بمعنى هلا للتنديد.
(٢) تمنون: تنزلون المني الذي هو سبب النسل.
(٣) وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون: وما نحن بمسبوقين بمعنى وما نحن بعاجزين أو وما نحن بمغلوبين، أو لا يستطيع أحد أن يسبقنا ويمنعنا عن تبديل أمثالكم وأشكالكم. وإنشائكم في حالة أو أوصاف أخرى أو أماكن أخرى لا تعلمونها.
(٤) حطاما: هشيما مفتتا.
(٥) ظلتم: ظللتم.
(٦) تفكهون: هنا بمعنى تتعجبون مما وقع وتتحسرون وتتلهفون وتقولون.
(٧) إنا لمغرمون: إنا لخاسرون أتعابنا ونفقاتنا.
(٨) المزن: السحب ومفردها مزنة.
(٩) تورون: تقدحون لأجل إيقاد النار.
(١٠) المقوين: من الإقواء وهو الخلو في الأصل، والكلمة إما بمعنى السائرين في القفر الخالي، أو الخالية بطونهم من الطعام.
стр. 1358
الآيات استمرار للسياق. والخطاب فيها موجه للكفار المكذبين الذين كانوا موضوع الآيات السابقة. وقد احتوت تنبيهات وتقريرات وتنديدات بسبيل البرهنة على قدرة الله تعالى على البعث الذي ينكرونه ويكذبونه:
فالله تعالى خلقهم فكيف لا يصدقون بأنه قادر على خلقهم مرة ثانية؟ وهل هم الذين خلقوا المني الذي هو سبب النسل! أم الله الذي قدر على الناس الموت والذي لا يستطيع أحد أن يغلبه ويسبقه ويمنعه عن تبديلهم بخلق آخر وإنشائهم على حال غير حالهم حينما يشاء وأنى شاء. ولقد عرفوا هذه القدرة الربانية واعترفوا بها فكيف نسوا ذلك ولم يتذكروه وأنكروا قدرته على بعث الخلق ثانية.
وهل هم الذين ينبتون الزرع الذي يحرثون الأرض له ويبذرون بذاره أم الله تعالى القادر على أن يجعله حطاما لا غلة فيه ولا ثمر. ولو فعل هذا لما كان منهم إلّا الحسرة والندم وندب الحظ بما أصابهم من خسارة وحرمان.
وهل هم الذين أنزلوا من الحساب الماء الذي يشربون أم الله تعالى القادر على إنزاله ملحا أجاجا، فكيف لا يشكرونه على نعمه ويعترفون بربوبيته وقدرته.
وهل هم الذين خلقوا الشجر الذي يوقدون منه النار أم الله تعالى الذي جعله نافعا للناس جميعهم حضرهم وبدوهم وبخاصة للمقوين منهم.
وقد أمرت الآية الأخيرة النبي ﷺ أو السامع المؤمن إطلاقا بتقديس الله وتنزيهه عما يقوله الكفار المكذبون جريا على الأسلوب التخاطبي المألوف حينما يصدر من أحد قول أو فعل فيه افتراء على الله أو جحود لقدرته أو سوء أدب إزاءه.
والآيات قوية في صدد ما نزلت لأجله ومستحكمة في الكفار لأنهم يعترفون بأن الله هو خالق السموات والأرض على ما حكته آيات القرآن التي منها آية الزخرف هذه وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) وآية سورة الزخرف هذه أيضا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) .
стр. 1359
وأسلوب الآيات ومضامينها تؤيد ما قلناه غير مرة من استهداف ما يرد في القرآن من الإشارات إلى سنن الله في كونه الواعظة دون قصد التقريرات والنظريات العلمية والفنية وفي نطاق مألوفات الناس وما يقع تحت حسهم ومشاهداتهم.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٨٠]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)
المتبادر أن الآيات جاءت استطرادية أو تعقيبية لتوكيد صلة القرآن الذي يوحى به إلى النبي ﷺ والذي يتضمن تقرير ما يبلغ للناس ويوعدون به بالله تعالى حيث احتوت قسما ربانيّا بمواقع النجوم وهو قسم عظيم لو يعلم الناس أسرار كون الله بأن ما يتلى عليهم من الآيات المحتوية تلك الوعود والبراهين القاطعة على قدرة الله وعظمته وحقيقة البعث والجزاء الأخروية هو قرآن كريم منزل من ربّ العالمين في كتاب محفوظ لا يمسه إلا المطهرون.
ولقد روى الطبري عن ابن عباس في صدد جملة بِمَواقِعِ النُّجُومِ أنها منازل القرآن في السماء الدنيا التي نزل إليها من أعلى واستقر فيها ثم أخذ ينزل منها منجما حسب الأحداث كما روي عن الحسن وقتادة وهما من علماء التابعين أنها منازل النجوم الحقيقة ومطالعها ومساقطها. ثم رجح القول الثاني. وهو الصواب كما هو المتبادر لنا لأن القول الأول لا يستند إلى خبر قرآني وحديث نبوي وثيق ولا تفهم له حكمة، وقد يكون متناقضا مع وقائع الأمور وطبائع الأشياء من حيث إن الأحداث التي نزل بها القرآن كانت تقع وتتجدد على ما نبهنا عليه في سياق سورة القدر. والله تعالى أعلم.
تعليق على آيات إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
ويلحظ أن الآيتين [٧٧، ٧٨] مماثلتان لآيتي سورة البروج بَلْ هُوَ قُرْآنٌ
стр. 1360
مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
(٢٢) بفارق ورود كلمتي كتاب مكنون بدل من كلمتي لوح محفوظ. وقد قال بعض المفسرين إن الكلمتين هنا تعنيان اللوح المحفوظ أيضا.
والذي يتبادر لنا أن كلمة كتاب هنا تؤيد ما أوّلنا به كلمة اللوح في سياق تفسير سورة البروج وهو علم الله الشامل. وقد صرف بعض المفسرين جملة لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ إلى الملائكة بسبيل تقرير طهارة الملائكة النازلين به. وصرفها آخرون إلى الناس بسبيل حظر مسّ صحف القرآن على غير الطاهرين. وصرفها بعضهم إلى الأنبياء والرسل من بني آدم والملائكة. وقال آخرون إنها تنطوي على تقرير كونه محفوظا عن غير المقربين من الملائكة دون سائرهم «١» .
والأقوال الأولى واردة دون الأخير الذي يقتضي أن يكون في الملائكة طاهرين وغير طاهرين. وقد يستأنس على القول الأول بآيات سورة عبس هذه فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) وقد يستأنس على التالي بالتواتر الذي ينقطع من عهد النبي ﷺ في حظر مسّ المصحف على غير الطاهرين من الحدث الأكبر (الجنابة) بالإجماع والحدث الأصغر (مفسد للصوم) بغير إجماع. وفي حالة رجحان هذا القول يكون في الآية دليل على أن فصول القرآن وسورة كانت تدوّن في صحف وتحفظ في مصحف أولا فأولا. وهو ما قامت عليه الأدلة العديدة من القرآن والسنة والروايات الوثيقة.
ولقد روى الإمام مالك في الموطأ «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلّا طاهر» وعقب الإمام على هذا قائلا «ولا يحمل أحد المصحف بعلاقة ولا على وسادة إلّا وهو طاهر» . والحديث يؤيد ما جرى العمل عليه المتواتر منذ العهد النبوي. أما التعقيب فهو رأي اجتهادي ونراه يتحمل النظر لأن فيه مشقة على المسلمين. وقد رفع الله عنهم الحرج في الدين كما جاء في آية سورة الحج [٧٨] . والنصّ القرآني لا يتسق مع هذا القول لأنه إنما حظر مسّ القرآن مباشرة على غير المتطهرين، والله أعلم.
стр. 1361
ولقد روى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب كان يقرأ القرآن على غير وضوء. والمتبادر أنه كان يقرأ من حفظه. وفي هذا سنة راشدية تواتر العمل بها، وليس بينها وبين النص القرآني والحديث النبوي تعارض.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨١ الى ٩٦]
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥)
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠)
فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)(١) مدهنون: مكذبون له أو مترددون فيه.
(٢) تجعلون رزقكم أنكم تكذبون: تجعلون واجب شكركم على ما رزقكم الله تكذيب ما يؤكد وقوعه، أو تجعلون كل حظكم من الخير أو كل همّكم تكذيب ما يؤكد الله وقوعه.
(٣) لولا: هنا للتنديد والتحدي بمعنى هلّا.
(٤) إذا بلغت الحلقوم: إذا بلغت روح المرء حلقومه، والجملة كناية عن الاحتضار.
(٥) غير مدينين: غير مبعوثين للجزاء، أو غير مدينين في حياتكم ومماتكم لأحد أو غير مربوبين ومملوكين لأحد، على اختلاف الأقوال.
(٦) ترجعونها: الضمير عائد لروح المحتضر حينما تصل إلى الحلقوم.
(٧) روح: هنا بمعنى الراحة أو الرحمة.
الآيات استمرار للسياق. والخطاب موجه إلى الكفار المكذبين مثل الآيات السابقة.
стр. 1362
وقد احتوى القسم الأول منها- أي الآيات [٨١- ٨٧]- تقريعا وتحديا للكفار: فهل لا تزالون مترددين في تصديق قدرة الله على البعث ومصرين على تكذيبكم وجحودكم بعد الذي سمعتموه من آيات وبراهين وتوكيد، وتجعلون كل حظكم من الخير التكذيب بدلا من شكر الله على نعمه. وهل تستطيعون أن تردوا عن صاحب لكم موتا حينما تبلغ روحه الحلقوم وترجعوها إليه إذا كنتم صادقين بأنكم غير مدينين لله تعالى بحياتكم وموتكم وغير مربوبين له وغير راجعين إليه.
ولقد عجزتم عن ذلك واكتفيتم بالنظر إلى صاحبكم وهو في غمرات الموت والله أقرب إليه منكم.
أما القسم الباقي من الآيات فقد احتوى استطرادا إلى ذكر مصير كل ميت.
فإذا كان من طبقة المقربين فله الروح والريحان والجنة. وإذا كان من طبقة أصحاب اليمين فله السلام والتكريم من أمثاله الذين يستقبلونه. أما إذا كان من المكذبين الضالين فمصيره ونزله النار والحميم.
وقد انتهت الآيات بتوكيد صحة هذا المصير. فهو يقينيّ لا ريب فيه. ثم بالأمر ثانية بتقديس الله تعالى وتنزيهه عمّا يقوله المكذبون الضالون. والتنويه بعظمته.
وطابع الختام بارز على هذا الفصل مما تكرر في سور أخرى، وفيه عود على بدء حيث تتشابه خاتمة السورة مع فاتحتها مما فيه صور من صور النظم القرآني كما هو المتبادر.
هذا، وفصول السورة بمجموعها صورة من صور النضال الشديد الذي كان يقع بين النبي ﷺ والكفار، وبخاصة في صدد تكذيب البعث والجزاء الأخرويين.
стр. 1363
سورة الشعراء
في السورة تقريع للكفار وحملة عليهم وتسلية للنبي ﷺ إزاء مواقفهم. وفيها سلسلة طويلة في قصص الأنبياء وأممهم، فيها العبرة والموعظة والمثل والإنذار والتثبيت. وفيها بعض صور السيرة النبوية وبيئة النبي ﵇ وعهده وبعض أقوال الكفار وعقائدهم.
وهي ثاني سورة من القرآن من حيث عدد الآيات. وفصولها مترابطة منسجمة وأواخر آياتها متوازنة. ومع أن أسلوبها مسجع بشكل ما فهو أقرب إلى الترسل المطلق مع التوازن.
وقد لحق أكثر فصولها لازمة مكررة مما يجعلها ذات خصوصية سبكية كسورة المرسلات وجملة فصول السورة تسوغ القول إنها نزلت متلاحقة حتى تمت.
وقد روى المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات [٩٧ و ٢٢٤- ٢٢٧] مدنيات. وعدا الآية [٢٢٧] الآيات الأخرى منسجمة مع سياقها سبكا وموضوعا مما يحمل على الشك في صحة الرواية. أما الآية [٢٢٧] فإن مضومنها يؤيد صحة مدنيتها وقد ألحقت بالآيات [٢٢٤- ٢٢٦] للمناسبة والاستدراك على ما سوف يأتي شرحه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
стр. 1364
(١) المبين: الموضّح.
(٢) باخع نفسك: مهلك نفسك. وأصل البخع الذبح حتى يبلغ البخاع الذي هو عرق في العنق، على ما جاء في الكشاف.
(٣) محدث: جديد.
(٤) زوج: صنف أو نوع.
تعليقات على الآيات التسع الأولى من السورة
تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل الأولين في (طسم) منها أنها اسم للقرآن. أو اسم لله تعالى، أو قسم أقسمه الله بطوله وسنائه وملكه. وكما رجحنا بالنسبة للحروف المماثلة في مطالع السور نرجح هنا أنها جاءت لاسترعاء السمع، وقد احتوت الآية التالية إشارة إلى آيات القرآن جريا على النظم القرآني في معظم السور المماثلة. وينطوي في الإشارة معنى التوكيد بالخطورة والتنويه. ووصف المبين فيها هو بسبيل بيان ما في القرآن من إبانة وتوضيح ووضوح. وقد تكرر هذا الوصف لآيات القرآن والقرآن. والوصف يحتمل أن يكون بقصد بيان وضوح المعاني والدلالات كما يحتمل أن يكون بقصد بيان ما احتوته الآيات القرآنية من تبيين لسبل الحق والرشاد والهدى. وكلا الاحتمالين وارد وصادق. بل إن الاحتمالين واردان وصادقان. ففي الآيات القرآنية وضوح من حيث المعاني والدلالات كما فيها بيان لسبل الحق والرشاد والهدى.
والآية الثالثة بسبيل تسلية النبي ﷺ فيما يثيره جحود قومه في نفسه من غمّ
стр. 1365
وحزن. وأسلوبها ينطوي على العطف والتحبب. فلا ينبغي له أن يهلك نفسه غمّا وحزنا لعدم إيمانهم واستجابتهم إلى دعوته وتصديقهم بآيات الله وقرآنه. وقد يكون في الآية قرينة على صحة نزولها بعد سورة الواقعة التي ظللت فصولها تحكي تكذيبهم وجحودهم.
والآية الرابعة هي بسبيل التطمين من جهة وإنذار الكفار من جهة أخرى حيث تقرر أن الله تعالى لو أراد لأنزل عليهم آية من السماء فتظل أعناقهم خاضعة لها. ومن المفسرين من أول جملة فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) في الآية بأن الله لو أراد لأجبرهم على الإيمان بآية ينزلها عليهم من السماء»
. ومنهم من أولها بأن الله لو أراد لأنزل عليهم نازلة تذلّ لها أعناقهم «٢» . ومع ما في القول الأول من وجاهة فإن الآيات التالية ترجح القول الثاني حيث احتوت وصف عناد الكفار واستهزائهم وأنذرتهم بعذاب الله وعقابه.
وفي الآية الخامسة تنديد بالكفار الذين كلما جاءهم قرآن جديد من الله أعرضوا عنه وكذبوه.
وقد قال المفسرون في تأويل الآية السادسة إنها بسبيل إنذار الكفار ووعيدهم بالعقاب على استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم لها. وقد خطر لبالنا احتمال انطوائها على بشرى وتطمين من الله تعالى للنبي ﵇ استلهاما من ألفاظها واستئناسا بآيات أخرى، حيث تقرر أن الدعوة المحمدية التي يستهزئون بها ستنتصر، ويرون أعلام ذلك ويسمعون أنباءه. ومن الآيات التي يمكن أن يستأنس بها على هذا التأويل آية سورة ص هذه قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
(٨٨) .
وفي الآية السابعة سؤال استنكاري وتنديدي عمّا إذا كانوا لم يروا ما أنبته الله تعالى من الأرض من أصناف النباتات الكريمة مما فيه برهان على ربوبيته وعظمته واستحقاقه وحده للعبادة والخضوع.
стр. 1366
وفي الآية الثامنة تعقيب على هذا السؤال بأن في ذلك الحجة الدامغة برغم أن أكثرهم لا يؤمنون.
أما الآية التاسعة فهي موجهة إلى النبي ﷺ عودا على بدء بسبيل تسليته. فربّه هو العزيز القاهر الذي لا يعجزه شيء، والرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
وكأنما انطوت على تقرير كونه قادرا على سحق الكفار وإخضاعهم غير أن حكمته ورحمته اقتضتا عدم التعجيل بذلك وإفساح رحمته لهم لعلهم يرعوون. ولقد ارعوت أكثريتهم الساحقة حقّا بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وأيده الله ونصره.
وقد غدت الآيتان لازمة لمعظم فصول السورة حيث تكررتا عقب كل فصل لنفس القصد والهدف. وفي ذلك أيضا صورة من صور النظم القرآني التي تكررت في بعض سور أخرى.
ولقد أورد الزمخشري في كشافه والمفسر الشيعي الطبرسي في تفسيره في سياق تفسير الآيات رواية عن ابن عباس مفادها أن بعض هذه الآيات وخاصة إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) في بني هاشم وبني أمية حيث انطوت على البشرى للأولين ضد الآخرين، والتكلف وأثر الحزبية السياسية المتأخرة كثيرا عن عهد رسول الله ﷺ ظاهران في الرواية. ولا نرتاب في أنها مكذوبة على ابن عباس ﵁. ولا سيما إن الآيات نزلت قبل أن يؤمن من عشيرة النبي ﷺ الأقربين إلّا أفراد قلائل جدّا، كما أن أسلوبها مماثل للأساليب المتكررة في صدد تسلية النبي ﷺ وإنذار الكفار. ومن المؤسف أن أصحاب الأهواء وخاصة شيعة العلويين ومفسريهم أكثروا من رواية مثل هذه الروايات وتأويل كثير من الآيات بما يتفق مع أهوائهم برغم ما يكون في التأويل من مفارقة ومباينة للوقائع وفحوى الآيات وسياقها ومناسبتها.
تعليق على كلمة «محدث» في الآيات
ويقف علماء الكلام عند كلمة (محدث) فيتخذها بعضهم دليلا على حدوث القرآن ويؤولها بعضهم بما يجعل هذا الاستدلال في غير محلّه لأنه يؤدي في رأيهم
(١) وتلك نعمة تمنها علي أن عبّدت بني إسرائيل: أوّل بعض المفسرين الآية بأنها تعني قول موسى: هل هذه نعمة تمنها عليّ مع أنك استعبدت قومي بني إسرائيل. وأوّلها بعضهم بأنها تعني قول موسى: إن استعبادك لبني إسرائيل كان نعمة عليّ لأنه جعلني أفرّ فرعاني الله وجعلني من المرسلين. ونحن نختار الأول.
(٢) حاشرين: سوّاقين أو جامعين للسحرة.
(٣) يأفكون: يفترون.
(٤) لا ضير: لا نرى في ما تقول ضررا وخطرا علينا لأننا منقلبون إلى ربنا.
(٥) أسر بعبادي: أخرج بهم ليلا. والسرى هو السير في الليل.
(٦) شرذمة: جماعة قليلة.
стр. 1369
(٧) حاذرون: بمعنى متحذرين ومتيقظين لشرهم. وقرئت حادرون بمعنى الأقوياء بجمعنا.
(٨) مشرقين: وقت شروق الشمس. ولعلّها بمعنى نحو الشرق لأن القصة تلهم أن بني إسرائيل ساروا في طريق الشرق.
(٩) مدركون: سيلحق بنا ويوصل إلينا.
(١٠) الطود: الجبل.
(١١) أزلفنا: قرّبنا. وهي كناية عن «أنجينا» .
تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة
الآيات أولى حلقات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء وأقوامهم اقتضت حكمة التنزيل تكرارها في هذه السورة. وقد جاءت عقب الآيات التي نددت بالمكذبين المستهزئين وأنذرتهم، جريا على الأسلوب القرآني وبقصد تسلية النبي ﷺ والمسلمين وتثبيتهم بما كان من الأقوام السابقة تجاه أنبيائهم من مواقف مماثلة لمواقف الكفار. فهي والحال هذه متصلة بالسياق.
وقد احتوت هذه الحلقة قصة إرسال الله تعالى موسى ﵇ إلى فرعون ومعجزة العصا واليد البيضاء والمناظرة بين موسى ﵇ والسحرة وتغلبه عليهم وخروج بني إسرائيل بقيادته ونجاتهم وإغراق فرعون. وعبارتها واضحة، ومعظم ما جاء فيها ورد في سورتي طه والأعراف مع بعض زيادة أو نقص في الأسلوب اقتضتهما حكمة التنزيل.
والجديد في الآيات تخوف موسى ﵇ من القتل لذنب صدر منه وتذكير فرعون له به. وفي سورة القصص إيضاح لذلك، حيث حكت بعض آياتها استصراخ رجل عبراني لموسى ﵇ على عدوّ له فقتله ثم هرب إلى مدين خوفا. وقد ورد هذا في الإصحاح الثاني من سفر الخروج.
ولحوق اللازمة بهذه الحلقة دليل على أنها كمثيلاتها قد نزلت للتذكير
стр. 1370
وضرب المثل والتسلية. لأن ضمير الآية الأولى في اللازمة راجع إلى الكفار بالدعوة المحمدية.
ولقد احتوت الآيات حكاية تهديد فرعون لموسى ﵇ بالسجن ونعته إياه بالجنون. وفي هذا شيء من المماثلة بين موقف فرعون وأقواله وبين موقف كفار العرب وأقوالهم للنبي ﷺ حيث انطوى في ذلك التسلية والتطمين أيضا. فقد نصر الله موسى ﵇ على فرعون مع قوته وجبروته مع تهديده ومنعته، وأغرقه مع قومه وهو القادر على أن يفعل ذلك مع كفار العرب.
ولقد أورد المفسرون على هامش هذه الحلقة بيانات كثيرة معزوة إلى علماء التابعين. منها ما هو تكرار لما أورده في سياق سورتي الأعراف وطه. ومنها ما هو متطابق مع ما جاء في أسفار العهد القديم الأربعة التي تؤرخ رسالة موسى وعهده والمتداولة اليوم. ومنها غير المتطابق ولم نر ضرورة لمجاراتهم لأننا أوردنا في السور السابقة ما رأينا فيه الكفاية والفائدة من ذلك. ولقد جاء ما أوردوه في نطاق ما احتوته الآيات حيث ينطوي في هذا تدعيم لما قلناه من أن ما جاء في القرآن من جزئيات الحلقة كان المتداول في بيئة النبي ﷺ . وليس لهذا مصدر إلا اليهود وما كان في أيديهم من قراطيس.
ومن الجديد في الحلقة تهديد فرعون لموسى ﵇ بالسجن ونعته إياه بالجنون. والمتبادر أن ذلك مما كان متداولا وقد استهدف ذكره ما نبهنا عليه أيضا من تسلية النبي ﷺ وتطمينه. ومن الجديد كذلك ما جاء في الآيات [٥٧- ٥٩] حيث قد تفيد أن الله تعالى أورث بني إسرائيل كنوز فرعون وقومه وجناتهم ويجوز أن يكون هذا من مدى تعبير آية الأعراف التي ذكرت أن الله أورث بني إسرائيل مشارق الأرض التي بارك فيها ومغاربها. وقد كانت في نطاق سلطان فراعنة مصر قبل أن يخرج بنو إسرائيل من مصر. ولقد علقنا على هذا الإرث في سياق آية سورة الأعراف فلا حاجة إلى الإعادة.
ولقد روى الحسن العسكري المفسر الشيعي في تفسيره للآيات [٤٩- ٥٠]