← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

أنهم على حق في عقائدهم، منها ما حكته آية سورة الأعراف هذه: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) ونحن نرجح أن قولهم هنا من هذا الباب. وهذا ما يستفاد من شرح معظم المفسرين أيضا «١» . ولعل في الآية التالية لها قرينة قوية على ذلك حيث تساءلت تساؤل المنكر عما إذا كان لديهم كتاب من الله يستندون إليه ويستمسكون به. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) . (١) مترفوها: زعماؤها ووجهاؤها الذين استغرقوا في الترف وأبطرتهم النعمة والوصف هنا في مقام الذم والتنديد. جاءت الآيات معطوفة على ما قبلها ومعقبة عليه: ١- فلم يكن الله يرسل نذيرا قبل النبي ﷺ إلى أمة أو مدينة إلا قال له مترفوها إنا وجدنا آباءنا على طريقة ونحن مقتدون بهم. ٢- ولقد كان أنبياؤهم يسألونهم منددين عما إذا كانوا يصرون على طريقة آبائهم حتى ولو أتوهم بما هو أهدى وأصلح منها فيجيبونهم بأنهم كافرون بما أتوا به على كل حال. ٣- ومن أجل ذلك فقد انتقم الله منهم.

стр. 2172

وانتهت الآيات بأمر السامع بالنظر كيف كانت عاقبتهم وبالاتعاظ والاعتبار بها. تعليق على آية وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وما بعدها وفي الآيات تطمين للنبي ﷺ بأن ما يلقاه من قومه هو ما كان يلقاه الأنبياء من قبله. وإنذار للكفار بعاقبة مثل عاقبة أمثالهم الأولين، والأمر بالنظر إلى عاقبة السابقين يتضمن كون آثار انتقام الله مما يشاهد ويرى من قبل السامعين كما هو المتبادر مما فيه تدعيم للإنذار وإلزام للكفار. واستعمال كلمة مُتْرَفُوها قد يدل على أن المتصدين للصدّ والحجاج مع النبي ﷺ هم الزعماء وأصحاب الوجاهة والقوة من المشركين، وهو ما أكدته آيات كثيرة أخرى مرّت أمثلة عديدة منها. وفي الآيات توكيد للتلقين الذي نبهنا إليه قبل قليل بعدم جواز التمسك الأعمى بتقاليد الآباء دون ما سند وبيّنة ومصلحة وحقّ. وفي الآية الثانية بخاصة دعم قوي له بما احتوته من التنديد المفحم بالتعصب لتقاليد الآباء حتى في حال الدعوة إلى ما هو الأهدى والأصلح والأحق، وفي هذا تلقين مستمر المدى بوجوب الأخذ دائما بما هو الأهدى والأصلح والأحق بقطع النظر عن مصدره وبقطع النظر عن جدته وقدمه. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) . (١) عقبه: كناية عن ذريته.

стр. 2173

وهذه الآيات تعقيب ثان على أقوال الكفار في صورة تذكير بإبراهيم ﵇، فقد قال لأبيه وقومه: إني نابذ ما تعبدون من أصنام وبريء منها ولائذ بالذي خلقني وحده فهو الذي يهديني إلى طريق الحق القويم. وقد جعل إبراهيم هذا الأمر وصية دائمة لأنساله من بعده حتى يسيروا عليه ويتذكر من يضلّ منهم فيعود عن ضلاله إليه. والآيات قد تلهم أنه أريد بها تذكير العرب السامعين بطريقة ووصية من يعرفون ويعترفون بأنه أبوهم الأكبر على سبيل التنديد والإفحام. فإذا كانوا يريدون التمسك بتقاليد الآباء فهذا هو تقليد أبيهم الأكبر وعليهم أن يعودوا عن ضلالهم إليه. وقد شرحنا ما كان يتداوله العرب العدنانيون من تقليد بنوتهم لإبراهيم ﵇ في سورة الأعلى فلا نرى حاجة إلى الإعادة. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) . (١) متعت: هنا بمعنى يسرت لهم الأسباب والوسائل. (٢) القريتين: كناية عن مدينتي مكة والطائف. (٣) سخريا: من التسخير والسخرة بمعنى الاستخدام لقضاء المصالح. احتوت الآيات صورة أخرى من صور الجدل واللجاج بين النبي ﷺ وزعماء الكفار: ١- فالله قد أنعم على السامعين وآبائهم من قبل ويسّر لهم وسائل الحياة

стр. 2174

ورغدها فاغتروا وانحرفوا عن جادة الحق فأرسل إليهم رسوله بالحق فظلوا في انحرافهم. ٢- وقابلوا الدعوة بالجحود ووصفوها بالسحر وكفروا بها. ٣- ثم قالوا إن القرآن لو كان حقا من عند الله لأنزل على عظيم من عظماء مكة أو الطائف. ٤- وقد ردت الآية الأخيرة على هذا القول منددة منكرة في صيغة التساؤل عما إذا كانوا يتحكمون في قسمة رحمة الله وتوزيعها وتعيين من هو الأحق بعطف الله واصطفائه لقرآنه، ثم دعمت الردّ بتقرير كون الله هو الذي قسم بينهم معيشتهم، وكون ما هو قائم بينهم من الفروق وارتفاع بعضهم فوق بعض إنما هو مظهر من مظاهر الحياة الدنيا وطبيعتها ليتمكن الناس من استخدام بعضهم لبعض وانتفاع بعضهم من بعض في المصالح والحاجات، وكون رحمة الله وعطفه هما خير مما يجمعه الناس ويتمتعون به من مال وجاه وبسطة عيش، فلا يحظى بهما إلّا الذين يصطفيهم الله ويراهم أهلا لهما. والآيات متصلة بالسياق من حيث احتواؤها صورة لمواقف زعماء الكفار وعقائدهم وأقوالهم التي ما فتئت فصول السورة تذكرها. تعليق على آية وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) والآية التالية لها والمتبادر من الآيات أن زعماء الكفار كانوا يرون أنفسهم أحقّ بالنبوة ومهمة الدعوة لأنهم أصحاب الحول والمكانة في بيئتهم. أو أن بعضهم كان يرى نفسه أحقّ بذلك لأنهم كانوا على شيء من العلم بالأديان والمعارف السابقة بالإضافة إلى حوله ومكانته في بيئته. ولقد روى الطبري عن بعض التابعين بعض الأسماء التي كان المشركون يقصدونها من عظماء مكة والطائف مثل الوليد بن المغيرة أو

стр. 2175

عتبة بن ربيعة من مكة وحبيب بن عمرو بن عمير أو عروة بن مسعود أو ابن عبد ياليل من الطائف. ولقد روى أن النضر بن الحرث بن كلدة أحد زعماء الكفار كان يعرف كثيرا من تاريخ الفرس وغيرهم وكان واقفا على شؤون الأديان السابقة فكان يقول على سبيل الصدّ عن النبي ﷺ : إن حديثه ليس أطلى من حديثي، وإنه إنما يحدثكم بأساطير الأولين فتعالوا إليّ وأنا أحدثكم عن رستم وإسفنديار بحديث أطلى مما يحدثكم «١» . وقد احتوت الآيات ردا عليهم ثم تنويها بالنبي ﷺ وتقريرا لأهليته لاصطفاء الله له لمهمة الرسالة العظمى. ومع ما في الآيات من خصوصية زمنية وجدلية وموضوعية فإنها تحتوي تلقينا جليلا عاما بأفضلية الصلاح الروحي والخلقي، على البهرج المادي وكثرة الثروة واتساع الجاه في الدنيا. وإلى هذا فإن الآيات تدل على أن الوجاهة والزعامة كانتا تلعبان دورا كبيرا في بيئة النبي ﷺ وعصره. وعلى أن النبي ﷺ لم يكن زعيما ذا شأن نافذ، وتنطوي على سبب من أسباب امتناع زعماء الكفار من الاستجابة إلى دعوته ومناوأتها، وهو الاعتداد والاستكبار والأنفة والغيظ من اختصاصه بالنبوة والقرآن دونهم. وهو ما انطوى في آيات سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) ، وآية سورة ص هذه: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) . تعليق على جملة وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ولقد قلنا في شرح الآيات: إن جملة وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا هي بسبيل التنبيه على أن ذلك مظهر من مظاهر الحياة

стр. 2176

وطبيعتها ونزيد على هذا أن العبارة لا تفيد أن في ذلك اختصاصا ربانيا وعناية ربانية للطبقة المرتفعة أو حطا ربانيا من شأن الطبقة المنخفضة ولا ثباتا مستمرا لارتفاع أفراد الطبقة المرتفعة وانخفاض أفراد الطبقة المنخفضة. وأن الذي تفيده كما هو المتبادر من روحها وفحواها ومقام ورودها أن حكمة الله اقتضت أن يتفاوت الناس من حين إلى حين ومن جيل إلى جيل ومن بيئة إلى بيئة في الفهم والقدرة والقابلية والنشاط والثروة والمركز الاجتماعي. فيضمن هذا التفاوت تبادل قضاء المصالح والحاجات بين الناس على اختلاف درجات فهمهم وقدرتهم وقابليتهم ونشاطهم وثروتهم ومركزهم الاجتماعي. وفي بقية الآية التي جاءت فيها الجملة دليل على أن الارتفاع ليس اختصاصا ولا عناية ربانية وأن الانخفاض ليس انتقاصا ولا خفضا ربانيا. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) . (١) معارج: سلالم ودرجات للصعود عليها. (٢) زخرفا: بعض المفسرين واللغويين يقولون إن هذه الكلمة كانت تعني (الذهب) . (٣) لمّا: هنا بمعنى إلّا. في الآيات: ١- تنبيه على أن الله قادر على منح الكافرين به جميعا بيوتا مسقوفة بالفضة مجهزة بسلالم من الفضة وبسرر وأبواب من الفضة ومزخرفة بأنواع الزخارف الذهبية أو يغدق عليهم الذهب فيتمتعون بذلك لولا أن حكمته اقتضت أن لا يكون

стр. 2177

الناس أمة واحدة وصنفا واحدا أو على طريقة واحدة. ٢- وتقرير بأن كل ما يمكن أن يتمتع به الكفار من بهارج الدنيا وزخارفها وذهبها وفضتها ليس إلّا متاعا قصير الأمد قاصرا على الدنيا وأن المتعة الحقيقية إنما هي متعة الآخرة للمتقين عند الله لأنها المتعة الخالدة. وظاهر أن الآيات جاءت معقبة على سابقاتها وبخاصة الأخيرة منها ومتصلة بموضوعها، والفقرة الأخيرة من الآية الأخيرة احتوت تطمينا للمؤمنين المتقين وتنويها بمقامهم عند الله بالمقابلة. وقد قال بعض المفسرين «١» في صدد الفقرة الاستدراكية الواردة في أول الآية الأولى إنها في معنى (لولا أن يغري الناس بالكفر فيكونوا جميعهم كافرين لمنح الله للكافرين تلك البهارج الدنيوية) . ولا يخلو هذا من وجاهة وإن كان المعنى الذي أولناها به هو الذي يتبادر لنا أن الآية تلهمه أكثر والله أعلم. ولقد روى البغوي بطرقه في سياق هذه الآيات حديثا عن سهل بن سعد قال: «قال رسول الله ﷺ : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة ماء» . وحديثا عن المستورد بن شداد قال: «كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على السخلة الميتة فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها. قالوا: من هوانها ألقوها، قال: فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» . ولم يرو البغوي علاقة ظرفية بين الحديثين والآيات غير أن هذه العلاقة ملموحة بشكل ما، فالحديثان بسبيل بيان تفاهة وهوان شأن الدنيا ومتاعها وبهرجها مما يجعل الكفار والمشركين يظنون أنهم في إحرازهم لها يكونون أصحاب الحق في الحظوة عند الله أو أن ذلك مظهر من مظاهر عناية الله بهم. وبسبيل التنبيه على أن العواقب الحسنة الطيبة هي من نصيب المؤمنين المتقين وعلى ضوء هذا الشرح

стр. 2178

المتبادر من روح الآيات والأحاديث ونصها لا يكون في الحديثين ولا في الآيات دعوة للمسلمين إلى نفض يدهم من الدنيا إذا كانوا قائمين بواجباتهم نحو الله والناس. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٦ الى ٣٩] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) . (١) يعش: يعمى أو لا يرى، والعبارة كناية عن الانصراف عن ذكر الله ودعوته وتجاهلهما. (٢) نقيّض: نرتب ونهيىء ونجعل. (٣) قرين: ملازم. (٤) بعد المشرقين: جمهور المفسرين على أن الجملة بمعنى بعد ما بين المشرق والمغرب. في الآيات: ١- تنبيه على أن الذي يتعامى عن ذكر الله وآياته وبيناته يسمح الله سبحانه بأن يلازمه شيطان ويتسلط عليه فيزين له ما هو فيه ويجعله يحسب أنه على هدى ويصده عن سبيل الله الحق. ٢- وتقرير بأن الحقيقة سوف تنكشف لهذا وأمثاله حينما يقف أمام الله حيث يعرف أنه إنما كان يتبع وسوسة الشيطان وإغراءه فيشعر بالندم ويصرخ في وجه شيطانه قائلا له: يا ليت بيني وبينك بعد ما بين المشرق والمغرب لأنك بئس القرين السوء الذي أضلّني وأعماني.

стр. 2179

٣- وحينئذ يخاطب الله الكافرين فيقول لهم: إنكم وقد ظلمتم أنفسكم بالشرك والإعراض عن دعوة الله والاستماع إلى وسوسة الشيطان لن ينفعكم ندمكم وعتابكم لشياطينكم الذين هم شركاؤكم في العذاب ولن يخفف عن أحد منكم عذابه كون قرينه مشتركا معه فيه. والآيات معقبة أيضا على سابقاتها ومتصلة بالسياق والموضوع كما هو المتبادر، وأسلوبها قوي ولاذع، والمتبادر أنها استهدفت فيما استهدفته التنديد بالكفار وإثارة خوفهم وحملهم على الارعواء. تعليق على جملة وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً وقد أوّلنا تعبير نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً بما أوّلناه لأنه المتسق مع روح الآيات وروح التقريرات القرآنية عامة. فالضلال والتعامي كان من المتعامي عن ذكر الله أصلا كنتيجة لسوء نيته وخبث طويته فكان للشيطان سبيل عليه. ولقد كان هذا التعبير مما دار حوله جدل بين أصحاب المذاهب الكلامية في معرض كون الله هو الذي يضل أو لا يضل الكافرين «١» . ولسنا نرى المقام يتحمل ذلك. ولا سيما أن الآيات تنطوي على إنذار الكافرين والتنديد بهم وتقرير استحقاقهم للعذاب بسبب تعاميهم واستماعهم للشيطان الذي صدهم عن سبيل الله واستهدفت إثارة ندم الكفار والأولى أن تبقى في هذا النطاق، وفي الآيات التالية ما فيه دعم وتأييد لذلك. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٥] أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)

стр. 2180

(١) وإنه لذكر لك ولقومك: إن فيه لشرفا لك ولقومك، أو إن فيه لتذكيرا لك ولقومك والأكثر على القول الأول. وجّه الخطاب في الآيات للنبي ﷺ لتقول له: ١- إنه ليس من شأنه ولا واجبه أن يسمع الأصم أو يجعل الأعمى يرى أو يقنع من كان مرتكسا في الضلال عن عمد ومكابرة وعناد. ٢- وإن هؤلاء لن يعجزوا الله في أي حال، فهو قادر عليهم منتقم منهم سواء أعاش حتى يرى تحقيق وعيد الله فيهم بعينيه أم جاءه قضاء الله قبل ذلك وذهب به. ٣- وإن المطلوب منه هو الاستمساك بما أوحى الله إليه به فهو على طريق الله المستقيم، وفيه ذكر وشرف خالدان له ولقومه وهم مسؤولون عن تبعته وحقه أمام الله. ٤- وإن الله لا يمكن أن يكون قد أذن للناس أن يعبدوا إلها غيره، وهذا مؤيد بشهادة الرسل الذين أرسلهم الله قبله فليسألهم ليتأكد من ذلك. والآيات متصلة بموضوع الآيات السابقة التي نددت بالكفار المشركين ووصفت شدة عنادهم ومكابرتهم. وفيها تثبيت للنبي ﷺ في موقفه ودعوته، وتسرية عنه لما يلقاه من عناد الكفار ومكابرتهم. وفيها تدعيم للتأويل الذي أولنا به الآيات السابقة وبخاصة تعبير وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) . والآية الأخيرة هي على ما يتبادر للرد على المشركين في زعمهم أن ما هم عليه هو من هدى الله وأن لو شاء لما عبدوا الملائكة وأشركوهم معه. وأسلوبها

стр. 2181

أسلوب تحدّ ونفي معا. والمفسرون «١» يروون عن ابن عباس قولين في المقصود من جملة: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أحدهما أن الله جمع المرسلين للنبي ﷺ ليلة الإسراء وأمره أن يسألهم ولكنه لم يشك ولم يسأل، وثانيهما أن الجملة عنت أهل الكتاب أو مؤمني أهل الكتاب، ومعظم المفسرين أخذوا بهذا القول وهو الأوجه. وفي القرآن آيات عديدة فيها أمر للنبي ﷺ باستشهاد أهل الكتاب مما يدعم هذا القول. ومن ذلك آية سورة يونس هذه: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وفي سورة الأنبياء آية في نفس الصدد الذي جاءت فيه الآية وهي: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وجملة وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بمعنى كتب الأنبياء من قبلي أو أخبارهم. تعليق على آية وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وجملة وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) تحتمل أن يكون معناها: إنه لشرف لك ولقومك، أو: إنه لتذكير لك ولقومك وسوف تسألون عن موقفكم منه وجهدكم في سبيله، وأكثر الأقوال والروايات في جانب القول الأول، وهو ما يؤيده إشراك النبي ﷺ بالخطاب. وهي على هذا تتضمن معنى جليلا في صدد ما ناله النبي ﷺ وقومه من كرامة وشرف بسبب الرسالة المحمدية سواء أكان تعبير وَلِقَوْمِكَ كناية عن العرب كما قال بعض المفسرين أم عن قبيلة قريش كما قال بعض آخر، وتعبير وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)

стр. 2182

يتضمن تقرير كون قوم النبي ﷺ قد حملوا من قبل الله تعالى واجبا عظيما مقابل ما نالوه من شرف وكرامة إزاء الدعوة ومبادئها وتعاليمها سواء في الاستجابة إليها والعمل بموجبها أم في القيام بعبء نشرها وبثّها والدفاع عنها. وفي هذا ما فيه كذلك من معنى جليل وواجب خطير، وتلقين مستمر المدى وتقرير لشأن العرب عامة أو قريش خاصة ومسؤوليتهم بين سائر الأمم الإسلامية، وحفز لهممهم وجهدهم وجهادهم، وسنزيد هذا الموضوع شرحا في تفسير الآية الأخيرة من سورة الحج إن شاء الله. وفي سورتي البقرة والحج آيات تؤيد هذا التلقين والتقرير وهي هذه: ١- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... [البقرة/ ١٤٣] . ٢- وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... [الحج/ ٧٨] . وتأييد آية سورة الحج بنوع خاص أقوى وأوكد لأن قصد العرب أو قريش فيها أصرح من حيث إنها ذكرتهم بأبوة إبراهيم لهم التي يعرفونها ويعترفون بها على ما تقدم ذكره قبل قليل. وكلمة وَسَطاً تعني الخيار بين الناس لأن خير الأمور أوسطها، وكلمة شُهَداءَ تعني مراقبين وعدولا نتيجة لكونهم وسطاء. ولقد أوّل بعض المفسرين «١» كلمة وَلِقَوْمِكَ بأمتك وجعلوها شاملة لجميع المسلمين، ونحن ما زلنا نرجح المفهوم السابق لأن العرب وقريشا بخاصة

стр. 2183

كانوا هم موضوع الكلام والخطاب والدعوة حين نزول الآية، ولأن تأييد آية سورة الحج بخاصة قوي بل حاسم. وتبعا لهذا أو نتيجة له يصح أن يقال إنه صار للعرب رسالة إنسانية وعالمية خالدة لما في القرآن والحكمة النبوية من معجزات باهرة وتشريعات ومبادئ خالدة تستجيب لكل حاجة من حاجات البشر وتحلّ كلّ مشكلة من مشاكلهم في كلّ ظرف من ظروفهم. وسواء في ذلك المسائل والمشاكل والشؤون الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والأسرية والإنسانية أم المسائل والمشاكل الروحية والإيمانية والعقيدية مع سعة غير محدودة في الأفق، ومرونة كبرى في التطبيق وسمو لا يدانى في الأسس والأهداف يكفل تقدم معتنقيها قدما إلى أسمى ذرى الكمال الإيماني والروحي والعلمي والتشريعي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي والأسري والإنساني بكل قوة وسرعة ودون ما أي عائق وجمود وتعقيد. وإمدادهم بأسباب الصيانة الروحية والأخلاقية، وإمدادهم بذخر من الفيض الروحي الذي يحول بين فراغ النفس واليأس والانهيار في الأزمات ويدفع عنهم نوازع الشر والأنانية والهدم إذا هم فهموها وساروا على نهجها بإيمان وصدق خلافا لما يتوهم الذين لم يدرسوها دراسة واعية «١» بحيث

стр. 2184

كان ذلك حكمة الله العظمى في ترشيحها لتكون دين البشرية عامة، ووعد الله تعالى بتمكينها في الأرض كما جاء في آية سورة الفتح هذه: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) وآيات سورة التوبة هذه: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) وآية سورة النور هذه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [٥٥] . وإنه صار كذلك من واجب العرب وحقهم الاعتزاز بها وبذل الجهد في إصلاح أنفسهم على أضوائها ليكونوا لائقين لها قادرين على القيام بواجبهم نحوها. بل إن هذا الاعتزاز بهذه الرسالة الإنسانية العالمية الخالدة هو من حق العرب غير المسلمين ونعني المسيحيين- لأنه ليس هناك عرب غير مسلمين غيرهم- وواجبهم إذا كانوا صادقين ومخلصين حقا في شعورهم القومي. لأن العروبة إذا ما

стр. 2185

تجردت عن هذه الرسالة فقدت ميزة عظمى تتميز بها بين الأمم. وليس من شأن هذا أن يتناقض مع المسيحية التي انتقلت إليهم من أسلافهم آليا لأسباب وظروف مختلفة، ولا سيما إن الرسالة الإسلامية شقيقة متممة للرسالة المسيحية وإن المسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم يمتان إلى الجنس العربي. وكل ما في الأمر أن الأول يمتّ إلى جيل سابق لدور العروبة الصريح، وقد أوجب كتاب الله وسنة رسوله على المسلمين احترامه وتكريمه وتقديسه والاعتراف بنبوته وصلة الله به ومعجزة ولادته. وكل هذا يجعل الذين يحاولون فصل الإسلام عن العروبة من العرب سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين مستحقين لنعت المجرم القومي أو الدعي القومي. من حيث إن ميزة الإسلام هي ميزة العروبة الكبرى من شأنها أن تمد العرب والإنسانية بأرقى ما يمكن أن يتصور من مثل عليا وقيم أخلاقية وحوافز قوية نحو الخير والتقدم والرقي والتكامل في كل مجال من مجالات الحياة المادية والمدنية ويكون العرب بها وحسب أصحاب رسالة عالمية خالدة ومن حيث إن فقد العرب لهذه الميزة خسارة بل كارثة قومية وإنسانية. كما يجعل المسلمين الذين يحاولون فصل العروبة عن الإسلام سواء أكانوا عربا أم غير عرب منحرفين عن ما قرره القرآن من شأنية العرب العظمى في الرسالة الإسلامية المتمثلة في حكمة الله بجعل نبيها عربيا وكتابها عربيا وبجعل العرب أمة وسطا شهداء على الناس وتقرير مسؤوليتهم عنها. وإذا كنا نقول إن من حق العرب وواجبهم أن يعتزوا بالرسالة الإسلامية وأن يبذلوا جهدهم لإصلاح أنفسهم حتى يكونوا لائقين بها وقادرين على القيام بواجبهم نحوها فإن غير العرب من المسلمين لا يفقدون هذا الحق ولا يرتفع عنهم هذا الواجب. لأن كل ما اتصفت به الرسالة الإسلامية وهدفت إليه قد صار وصفا وهدفا للمسلمين جميعهم.

стр. 2186

[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٦ الى ٥٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦) . (١) مهين: حقير. (٢) لا يكاد يبين: إشارة إلى ما كان من ثقل لسان موسى مما ذكر في آيات سورة الشعراء وطه والقصص بصراحة أكثر. (٣) فلما آسفونا: فلما أغضبونا. عبارة الآيات واضحة، وقد احتوت تذكيرا برسالة موسى ﵇ إلى فرعون وقومه وموقفهم منها، وكيف كان عذاب الله لهم بالآيات أولا وبالإغراق ثانيا مما جاء مفصلا أكثر في سور عديدة سبق تفسيرها. وقد انتهت بالتنبيه على أن الله تعالى قد جعل فرعون وقومه مثلا لمن يأتي بعدهم ليتعظوا به، وهذا من أهداف القصة بل هو هدفها كما هو المتبادر. وقد جاءت الآيات عقب الآيات التي ذكر فيها عناد الكفار ولجاجهم جريا على الأسلوب القرآني، ويلفت النظر إلى ما بين هذه الآيات والآيات السابقة من تماثل في صدد مواقف الكفار وتحديهم واستخفافهم واعتدادهم. وواضح أنه أريد بهذا تسلية النبي ﷺ من جهة وإنذار الكفار من جهة أخرى.

стр. 2187

وما ذكر هنا مقتضبا من رسالة موسى ﵇ إلى فرعون وموقف فرعون منها جاء مسهبا بعض الشيء في سور سابقة وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. والجديد هنا هو ما جاء في الآيات [٥١- ٥٣] من خطاب فرعون لقومه. وهذا ليس واردا في الأسفار المتداولة، ولكن ليس ما يمنع أن يكون ورد في قراطيس كانت في يد اليهود وأن العرب السامعين كانوا يعرفون ذلك من طريقهم. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [٥٤] مدنية. وظاهر أنها منسجمة انسجاما تاما نظما وموضوعا في الآيات مما يسوغ القول بعدم صحة الرواية. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٧ الى ٥٩] وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) . (١) يصدون: قيل إنها بمعنى يضجون فرحا وجلبة وصخبا. من التصدية وهي في أصلها بمعنى التصفيق. وقيل إنها بمعنى الإعراض والتعطيل من الصدّ والمقام يتحمل كلا المعنيين وإن كان حمله على المعنى الأول أولى وأقوى. (٢) خصمون: عنيدون في الجدل والخصومة. حكت الآيات موقف المشركين العرب حينما كان يذكر عيسى ابن مريم ﵇ حيث كانوا كلما ذكر في معرض الرد والتمثيل والعظة يزدادون إعراضا وجدلا أو يشتدون في الصخب والضجة ويتساءلون عما إذا كان هو خيرا أم آلهتهم. وقد ردّت عليهم بأن تساؤلهم وموقفهم وصخبهم ليس إلّا من قبيل الجدل والمكابرة التي برعوا فيها ثم استطردت إلى ذكر حقيقة عيسى فقررت أنه ليس إلّا عبدا من عبيد الله أنعم الله عليه بالاصطفاء وجعله موضع عنايته وآية معجزة لبني إسرائيل لإثبات قدرته ومثلا من أمثاله وآياته لهم.

стр. 2188

تعليق على آية وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وما بعدها والآيات ليست منقطعة الصلة بالآيات السابقة، وبخاصة بالآيات التي سبقت قصة موسى وفرعون. وقد احتوت صورة من صور اللجاج والخصومة القوية التي كان عليها نبهاء العرب وفصلا من فصول الجدل التي كانت تقع بينهم وبين النبي ﷺ . والمتبادر أن المشركين قالوا ردا على استشهاد القرآن برسل الله وكتبه على كونه لم يأذن بعبادة آلهة غيره على ما جاء في الآية [٤٥] إن هذا مناقض للواقع من حيث إن النصارى وهم مؤمنون برسل الله وعندهم كتاب سماوي قد اتخذوا عيسى إلها وعبدوه. ثم استمروا في ردهم الذي ظنوه مفحما وملزما فتساءلوا عن الأفضل والصواب آلملائكة الذين يعبدونهم أم عيسى؟ ويبدو أن تساؤلهم هذا قائم على ما كانوا يرونه من اتساق المنطق في صلة الله الأبوية بالملائكة التي كانوا يقولون بها- وهي كون الملائكة بنات الله- أكثر من صلة الله الأبوية بعيسى التي كان يقول النصارى بها- وهي وكون عيسى ابن الله- من حيث كون أوصاف الملائكة وحقيقتهم أكثر انسجاما أو تماثلا مع أوصاف الله من وصف عيسى وحقيقته لأن هذا ولد وعاش ومات كما يولد ويعيش ويموت سائر البشر كما يقرره النصارى أنفسهم. في حين أن الملائكة نورانيون غير ماديين وغير مرئيين لا يموتون ولا يتزاوجون ولا يتوالدون وكل هذا من صفات الله! وقد نسفت الآيات بردها هذا الأساس الذي أقاموا عليه حجتهم فأوضحت أن عيسى ليس إلّا عبدا من عباد الله وأن خلقه ليس إلّا آية ومعجزة ومثلا من آيات الله ومعجزاته وأمثاله. ولقد روى الطبري وابن كثير والخازن والبغوي أن الآيات نزلت بمناسبة اعتراض الكفار حين نزلت آية سورة الأنبياء هذه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) بقولهم كيف يكون هذا

стр. 2189

ومن المعبودين عيسى وهو من أنبياء الله. والرواية لم ترد في كتب الصحاح ونحن نشك فيها أو على الأقل في كونها سبب نزول هذه الآيات لأن المناسبة بينها وبين ما قبلها قائمة ولأن روح الآيات تلهم أن ما فرضناه هو الأكثر وجاهة. ولأن مقتضى الرواية أن تكون آية سورة الأنبياء هي السابقة في النزول مع أن الواقع هو عكس ذلك. ومع أن الطبرسي الشيعي روى الرواية التي رواها المفسرون المذكورون فإنه يروي رواية أخرى قال: إن سادة أهل البيت يروونها عن علي بن أبي طالب قال: «جئت إلى رسول الله ﷺ يوما فوجدته في ملأ من قريش فنظر إليّ ثم قال: يا عليّ إنّما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم أحبّه قوم فأفرطوا في حبّه فهلكوا وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا واقتصد فيه قوم فنجوا فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقالوا يشبهه بالأنبياء والرسل فنزلت الآية. والهوى الحزبي بارز على هذه الرواية كما هو ظاهر. تعليق على جملة ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) وما ورد في سياقها من نهي النبي عن التجادل في القرآن وضرب بعضه ببعض وجملة ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) تدل على ما كان من قوة وشدة حجاج ولجاج نبهاء المشركين في أثناء جدالهم مع النبي ﷺ ، وفي حجاجهم الذي شرحناه في صدد عيسى مثل على ذلك فضلا عن أمثلة عديدة من ذلك مرّت في السور السابقة. ولقد روى المفسرون في سياق هذه الجملة حديثا عن النبي ﷺ في صيغ مختلفة، كلّها عن أبي أمامة ﵁، منها حديث رواه الترمذي ومسلم «١» في سياق تفسير الجملة جاء فيه قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا

стр. 2190

عليه إلّا أوتوا الجدل ثم تلا قول الله تعالى: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) » ومنها حديث رواه الطبري «١» عن أبي كريب عن أحمد بن عبد الرحمن عن عباد بن عباد عن جعفر بن القاسم عن أبي أمامة جاء فيه: «إنّ رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم يتنازعون في القرآن فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صبّ على وجهه الخلّ ثم قال لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإنه ما ضلّ قوم قط إلّا أوتوا الجدل ثم تلا قول الله: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) » . والمتبادر أن النبي ﷺ أراد من الجدل الذي غضب منه ونهى عنه ما يكون مقصودا به اللجاج والحجاج والعناد والتعنت وأراد من تعبير: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض) لا تتجادلوا في آيات قد يبدو ظاهرها مناقضا لظاهر آيات أخرى جدالا يؤدي إلى تكذيب آيات الله ببعضها. والحق أن على المسلم واجب الإيمان بأنه ليس في كتاب الله اختلاف ولا تناقض. وأن عليه في حالة قصور فهمه عن إدراك حكمة الله في عبارة قرآنية أو في حالة توهمه مناقضة بين آية وأخرى أن يبحث عن حل وتأويل وتفسير في الآيات الأخرى أو يفوض الأمر إلى علم الله وحكمته ويعترف بقصور الفهم واحتمال التوهم. والعقل الإنساني مهما اتسع يظل قاصرا عن إدراك كلّ كلام الله وآياته وحكمته ونواميسه والمغيبات عنه. ومع ذلك فإن المرء لواجد في القرآن إذا آتاه الله فهما وأناة لكل آية مطلقة أو مشكلة في الظاهر تأويلا وتفسيرا وتوضيحا وحلا في آيات أخرى بحيث يصح القول إن القرآن إذا اعتبر ككل وهو حق وواجب لا يوجد فيه أي تناقض ولا غموض ولا إشكال. وقد حاولنا في السور السابقة أن نجد لكل ما يبدو في الظاهر مطلقا أو مشكلا أو غامضا أو متناقضا تأويلا وحلا وتوضيحا وتوفيقا. ونرجو أن يكون الله قد سددنا

стр. 2191

في ذلك نحو الصواب وأن يديم توفيقه وتسديده فيما يأتي من كلامه وله الحمد في الأولى والآخرة وهو ولي التوفيق. تعليق على تأويل الشيعة للآية فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ... إلخ ومع ما هو صريح قطعي من أن هذه الجملة عائدة إلى فرعون وقومه فإن مفسري الشيعة يوردون لها تأويلا آخر متسقا مع هواهم حيث يروي الكارزاني عن أبي عبد الله أحد الأئمة الاثني عشر قوله في تأويلها: «إنّ الله تعالى لا يأسف كأسفنا ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضى نفسه وسخطهم سخط نفسه لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلّاء عليه ... » «١» وفي هذا من الشطط والتعسف ما هو ظاهر وما نحب أن ننزه أبا عبد الله عنه. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) . ضمائر الجمع المخاطب في الآيات عائدة إلى السامعين إطلاقا مؤمنيهم ومشركيهم على ما هو المتبادر، ولقد تعددت أقوال المفسرين في تأويل الآيتين الأولى والثانية «٢» . فمنهم من قال في صدد الآية الأولى إنها تعني تقرير قدرة الله على جعل نسل المخاطبين ملائكة يخلفونهم في الأرض بعدهم. ومنهم من قال إنها تعني قدرة الله على إهلاكهم وجعل الملائكة يخلفونهم في الأرض بدلا منهم. وقد يكون القول الأول أوجه للتدليل به على أن قدرة الله التي تستطيع جعل نسل

стр. 2192

البشر ملائكة تستطيع خلق عيسى على النحو الذي خلقه دون أن يكون ذلك موجبا لتأليهه كما فعل النصارى، ومنهم من قال في صدد الآية الثانية إن ضمير (إنّه) عائد إلى نزول عيسى وكون ذلك من أشراط الساعة. ومنهم من قال في صدد الآية الثانية إن ضمير (إنّه) عائد إلى القرآن وإن الآية تعني تقرير أن القرآن يعلم السامعين بقيام الساعة أو يذكرهم بها أو إن علمها فيه أي إنه يقرر حقيقتها وحقيقة وقوعها فليس من محل للمماراة فيها، وقد يكون هذا القول أوجه. وعلى كل حال فإن الآيات متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب وتدعيم، وبسبيل تقرير قدرة الله تعالى على ما هو معجز ومستحيل في نظر الناس مثل خلقه عيسى بدون أب وقيام الساعة التي لا يجوز المماراة فيها لأن كتاب الله يخبر بها. وعلى الناس أن يتبعوا دعوة الله فهي الصراط المستقيم الذي فيه نجاتهم وأن يحذروا الشيطان الذي يصدهم عنه ولا يسمعوا لوساوسه فإنه شديد العداوة لهم ولا يفعل إلّا ما فيه ضررهم. تعليق على خبر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وعلى احتمال أن تكون جملة وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ تعني نزول عيسى ﵇ قبيل نهاية الدنيا كشرط من أشراط الساعة نقول إن هذا النزول قد ذكر في أحاديث نبوية عديدة، منها حديث عن أبي هريرة رواه الشيخان والترمذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇ حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ثم قال أبو هريرة: «واقرأوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ

стр. 2193

يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) » «١» ، ومنها حديث عن أبي هريرة أيضا رواه الشيخان وأحمد جاء فيه: قال النبي ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» «٢» . ومنها حديث عن عبد الله بن عمرو رواه مسلم جاء فيه: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يخرج الدجّال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة» «٣» . ومنها حديث رواه أبو داود والحاكم والإمام أحمد عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس بيني وبين عيسى ﵇ نبيّ وإنّه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه. رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصّرتين، كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدقّ الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلّها إلا الإسلام ويهلك المسيح الدجّال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل والنّمار مع البقر والذئاب مع الغنم وتلعب الصبيان بالحيات فيمكث عيسى في الأرض أربعين سنة ثم يتوفّى فيصلّي عليه المسلمون» . ومن المحتمل جدا أن يكون أمر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وقتله المسيح الدجال مما كان متداولا في زمن النبي ﷺ في أوساط الكتابيين على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة غافر. وعلى كل حال فنقول هنا ما قلناه هناك من أن واجب المسلم أن يؤمن ويصدق بما يثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار غيبية ويؤمن بأنها في نطاق قدرة الله تعالى وإن لم تدركها عقول الناس العادية وأن يفوض الأمر فيها إلى الله وأن يقف عندها دون تزيد وأن يؤمن كذلك بأن فيما يخبر النبي ﷺ حكمة استهدفت عظة أو عبرة أو تنبيها أو إنذارا مما يتصل برسالته ومهمته، وهذه النقطة بخاصة مهمة جدا في الموضوع.

стр. 2194

[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٣ الى ٦٤] وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) . في الآيات تقرير بما كان من أمر رسالة عيسى ﵇، فإنه قال لقومه حينما بعثه الله بالبينات: إني جئتكم بالحكمة ولأبين لكم الصواب في بعض ما أنتم فيه مختلفون، ودعاهم إلى تقوى الله واتباعه، وإلى طاعته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه مما هو من حكمة الله وبيناته التي جاءهم بها، وقرّر لهم أن الله ربّه وربّهم، وحثّهم على عبادته وحده، وبيّن لهم أن هذا هو الصراط المستقيم الذي يجب عليهم السير فيه. تعليق على رسالة عيسى ﵇ لقومه وشخصيته وأقواله والآيات كذلك متصلة بالسياق، وفيها تتمة للرد الذي تضمنته الآيات [٥٧- ٥٩] كما هو المتبادر من حيث تقرير حقيقة شخصية عيسى وعبوديته لله تعالى ومدى رسالته. فعيسى لم يدّع الألوهية ولم ينسب نفسه إلى الله تعالى ابنا حقيقيا منفردا كنسبة الابن إلى الأب الطبيعية حتى تصحّ حجة المشركين واعتراضهم، وإنما هو عبد الله ونبي من أنبيائه وقد دعا إلى عبادة الله وحده مقررا أنه ربّه وربّ الناس أجمعين. وعلى هذا الشرح تكون الآيات الثلاث السابقة لهذه الآيات قد جاءت اعتراضية واستطرادية لتقرير قدرة الله تعالى ودعوة الناس إلى السير في الطريق القويم وعدم المماراة في الساعة وعدم اتباع الشيطان والتحذير من عداوته لهم. ولقد احتوت الأناجيل الأربعة المتداولة والمعترف بها من النصارى أقوالا كثيرة لعيسى ﵇ فيها صراحة حاسمة بأنه مرسل من قبل الله وبأنه ابن البشر

стр. 2195

وبأن العبادة يجب أن تكون لله وحده وبأن الذي أرسله هو أبوه وأبو الناس جميعا مما فيه تقرير بربوبية الله الشاملة وامتناع الدلالة على قصد تقرير أبوة وبنوة طبيعيتين بينه وبين الله. وفيها انتقادات شديدة لما كان عليه بنو إسرائيل وبخاصة رجال دينهم من انحرافات دينية وخلقية واجتماعية مخالفة لشرائع موسى وجوهرها ودعوة إلى تصحيح سلوكهم بعبارات صريحة وبالأمثال الرائعة الحكيمة. وفيها تبشير بالمبادىء السامية الإيمانية والاجتماعية والأخلاقية بعبارات صريحة وبالأمثال الرائعة الحكيمة لذلك مما هو متسق مع ما احتواه القرآن والآيات التي نحن في صددها بصورة خاصة. ولقد أوردنا طائفة من نصوص الأناجيل في سياق سورة مريم فيها حكاية لأقوال عيسى ﵇ بكونه مرسلا من قبل الله وإنه ابن البشر وإن العبادة يجب أن تكون لله وحده وإن الذي أرسله هو أبوه وأبو الناس جميعا وإنه لا صالح إلّا الله وحده مما له صلة بمحتوى الآيات التي نحن في صددها في شخصيته. فلم نر ضرورة للإعادة والتكرار. أما الانتقادات والأمثال والحكم والمبادئ والتعليمات التي صدرت عن عيسى ﵇ مما عبرت عنه الآية: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فهي كثيرة جدا ومبثوثة في جميع الأناجيل وسهلة التناول على من أراد لكثرتها ولذلك لم نر ضرورة إلى إيراد نصوص منها. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) . (١) الذين ظلموا: بمعنى الذين انحرفوا عن طريق الحق والهدى. (٢) الساعة: المتبادر أنها هنا بمعنى الأجل. (٣) الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق الوفي.

стр. 2196

جاءت الآيات معقبة على ما سبقها لتقرر أن ما كان من اختلاف الناس فيما بينهم إنما كان انحرافا وبغيا منهم، ولتنذر الذين انحرفوا عن طريق الحق والهدى بعذاب شديد في يوم من الأيام، ولتتساءل تساؤل المنكر المندد عما إذا كانوا ينتظرون حلول آجالهم حتى يتبعوا الحق الذي ظهر، مع أن آجالهم لا تحل إلّا بغتة فتكون الفرصة المواتية لهم قد فاتت وصاروا إلى اليوم الموعود الذي ينقلب الأصدقاء فيه إلى أعداء، وينشغل كل بنفسه ولا ينجو من المصير الرهيب إلّا الذين اتقوا الله واتبعوا طريقه. والمتبادر أن اختلاف الأحزاب الذي أشارت إليه الآية الأولى هو اختلاف الناس في أمر عيسى، وأن ما احتوته الآيات بعد ذلك هو استطراد فيه حثّ على التعجيل بالاعتراف بالحق واتباعه، وإنذار للمهملين المنحرفين، وتنويه وتطمين للمتقين الذين ساروا في طريق الحق. ولقد شرحنا في سياق تفسير سورة مريم الاختلافات الكثيرة العجيبة التي كان النصارى عليها في أمر عيسى ﵇ فلا نرى حاجة إلى إعادة أو زيادة. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٨ الى ٧٣] يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) . (١) تحبرون: من الحبور وهو السرور بما يتنعمون به. في الآيات وصف لما سوف يلقاه المتقون الذين استثنوا في آخر الآية السابقة: فسوف يخاطب الله تعالى الذين آمنوا بآياته وأسلموا نفوسهم إليه

стр. 2197

وأخلصوا دينهم له وحده فيطمئنهم بأنهم لن يروا ما يبعث فيهم خوفا ولا حزنا. ويأمرهم بدخول الجنة مع أزواجهم وأمثالهم حيث يسرّون كل السرور ويطاف عليهم بأطباق الذهب وأكواب الذهب ويتمتعون بكل ما تشتهيه النفس وتلذ العين من المآكل والمشارب والفواكه والمشاهد ووسائل الراحة والسرور. ويقال لهم إنكم خالدون في هذا النعيم وقد استحققتموه بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال. والآيات متصلة بسابقاتها كما هو ظاهر، والوصف الذي احتوته أخّاذ قوي الإغراء، وقد استهدف فيما استهدفه حمل الناس على الاستجابة للدعوة لضمان هذا المصير السعيد لأنفسهم وتبشير المؤمنين المستجيبين وتبشيرهم. ولقد روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد حديثا جاء فيه: «قال النبي ﷺ : ينادي مناد إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله تعالى وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) » «١» . حيث ينطوي في الحديث توضيح تشويقي للآيات. تعليق على صحاف الذهب وأكواب الذهب ولقد قلنا قبل: إن حكمة التنزيل اقتضت أن تكون أوصاف النعيم والعذاب الأخرويين مستمدة من مألوفات الناس في الدنيا للتقريب والتأثير مع ما ينطوي في ذلك من حقيقة إيمانية. ولقد ذكرت هنا صحاف الذهب وأكواب الذهب كآنية للطعام والشراب، وذكر في سورة فاطر أن المؤمنين يحلون من أساور من ذهب

стр. 2198

ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير. وفي سورة الواقعة وصف مطنب لمجالس الشراب والطعام وأوانيها وخدمها، ومثل ذلك في سورة الصافات ومثل هذا في سور أخرى لم يأت دور تفسيرها. فكلّ هذا مما يسوغ القول إن بعض سامعي القرآن من الأغنياء والمترفين من كان يعرف هذه الوسائل ويتمتع بها. وفي هذا صورة من صور بيئة النبي ﷺ وعصره. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٧٤ الى ٧٨] إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) . (١) لا يفترّ عنهم: لا يخفف ولا ينقطع عنهم. (٢) مبلسون: يائسون من النجاة. (٣) وما ظلمناهم: هنا بمعنى ضد العدل أي ما جرنا عنهم. (٤) ولكن كانوا هم الظالمين: بمعنى كانوا هم الذين جنوا على أنفسهم. (٥) مالك: هو اسم كبير خزنة النار من الملائكة على ما عليه جميع المفسرين وهذا هو المفهوم من الآية أيضا. احتوت الآيات وصف مصير الكافرين المنحرفين عن طريق الحق والهدى مقابلة لوصف مصير المتقين جريا على الأسلوب القرآني: فالمجرمون بانحرافهم وآثامهم خالدون في عذاب جهنم، ولن يخفف عنهم قط وسيكونون يائسين من النجاة منه. ولسوف يستغيثون بمالك كبير خزنة النار ليتوسط لهم عند الله في الموت والخلاص به من العذاب فيجيبهم بأن لا سبيل إلى ذلك وبأنهم ماكثون حيث هم إلى الأبد. فقد جاءهم الحق من الله بلسان رسوله فاستكبروا وكرهوا الحقّ وانصرفوا عنه فاستحقوا هذا المصير، ولم يظلمهم الله به ولم يجر عليهم ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وجنوا عليها.

стр. 2199

والوصف قوي مخيف من شأنه أن يثير الرعب في السامعين ويحملهم على الارعواء وهو مما استهدفته الآيات فيما استهدفته على ما هو المتبادر. ويلفت النظر إلى ما في هذه الآيات والتي قبلها من صراحة وحسم في تقرير استحقاق المتقين والمجرمين مصائرهم وفق أعمالهم حقا وعدلا، وهو ما والت الآيات القرآنية في مختلف المناسبات تقريره مما مرت الأمثلة الكثيرة منه. تعليق على اسم مالك خازن النار واستطراد إلى ذكر المذكورين في القرآن من كبار الملائكة ومهامهم والمفسرون متفقون على أن مالك هو من كبار الملائكة، وعلى أنه خازن النار استنادا إلى بعض الأحاديث. وفحوى العبارة تفيد ذلك واسمه يأتي للمرة الأولى والوحيدة في القرآن. ولما كانت إحدى آيات سورة غافر قد ذكرت أن لجهنم خزنة وهي: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) ثم لما كانت إحدى آيات سورة المدثر تذكر أن عليها تسعة عشر من الملائكة: وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ... [٣١] وذكرت ذلك بدون عدد آية في سورة التحريم: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) فيكون مالك والحالة هذه رئيس خزنة النار. وقد ذكر في القرآن أسماء ملكين آخرين من كبار الملائكة هما جبريل وميكائيل في آيتي سورة البقرة هاتين: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وذكر

стр. 2200

جبريل في آية من سورة التحريم أيضا وهي: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) ويلحظ أن مالك وجبريل فقط ذكرت مهمتهما أو بعض مهامهما دون ميكال. وقد ورد اسم ميكائيل في حديث نبوي رواه الترمذي جاء فيه: «ما من نبيّ إلّا وله وزيران من أهل السّماء ووزيران من أهل الأرض، فأمّا وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأمّا وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» «١» . ويلحظ أن اسم مالك صريح العروبة معنى واشتقاقا في حين أن اسمي جبريل وميكال معرّبان عن صيغ غير صريحة العروبة هي جبرائيل وميكائيل. وأمر الملائكة وما يقومون به من مهام لله أمور غيبية، ومن الواجب الإيمان بما جاء عنهم في القرآن، والثابت من الحديث، والوقوف عند ذلك بدون تزيد، مع ملاحظة أن ذلك مما كان معروفا ومتداولا في عصر النبي ﷺ وبيئته من طريق الكتابيين الذين ذكرت كتبهم التي وصلت إلينا ذلك، وأن ذكر ذلك في القرآن والحديث بالصورة التي ذكروا فيها لا بد من أن يكون من مقتضيات حكمة الله ورسوله ومما يتصل بالدعوة المحمدية وأهدافها وإن لم تدركها العقول العادية، مع احتمال أن يكون قصد التمثيل والتقريب والاتساق مع الصور المألوفة في حياة البشر وملوكهم من ذلك. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٧٩ الى ٨٠] أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) . (١) أبرموا: بيتوا وقرروا وأحكموا.

стр. 2201

(٢) نجواهم: تآمرهم في السرّ والخفاء. والآيتان معقبتان على ما سبقهما تعقيب تنديد بالكفار وإنذار لهم: فإذا كانوا بيتوا المناوأة للنبي ﷺ ودعوة الحق وأحكموا تدبيرهم فإن الله قد بيت لهم أمرا وهو ذلك العذاب الشديد الذي وصفته الآيات السابقة. وإذا كانوا يظنون أن الله لا يسمع سرّهم ونجواهم فهم مخطئون لأن له عليهم رقباء يحصون كل ما يفعلون ويسجلونه. والرقباء هم ملائكة الله، وقد ذكرت مهمتهم المذكورة هنا في سورة (ق) في صورة أوضح: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وما قلناه قبل قليل من وجوب الإيمان بما ورد في القرآن والحديث الصحيح من شؤون الملائكة وما يقومون به من مهام وخدمات لله والوقوف عند ذلك نقوله هنا مع التنبيه إلى ملاحظة كون هدف الآيات- أو من أهدافها كما هو المتبادر منها- إنذار السامعين وحملهم على تقوى الله واتقاء غضبه وعذابه. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨١ الى ٨٥] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) . في الآيات: ١- أمر للنبي ﷺ بأن يقول للكفار إذا ظللتم على زعمكم بأن لله ولدا فإني لا أزال أنكر ذلك وأعلن أني أول العابدين له وحده المقرين بتنزهه عما تصفون فهو ربّ السموات والأرض وربّ العرش، وربوبيته المطلقة الشاملة تجعل زعمكم باطلا كل البطلان.

стр. 2202

٢- وأمر آخر للنبي ﷺ بأن يتركهم وشأنهم بعد ذلك ليخوضوا في الحديث ويقضوا أوقاتهم في اللهو واللعب والعبث إلى أن يصيروا إلى المصير الرهيب في اليوم الموعود، وبألا يحمل نفسه همهم فالله هو المتكفل بهم، وبأن يظل يقرر ويعلن بأن الله هو الإله في السماء وفي الأرض وهو المحيط علمه بكل شيء الحكيم الذي لا يقع شيء إلّا بمقتضى حكمته وحكمه وهو المتعالي الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما العالم وحده بموعد الساعة والذي إليه مصيرهم ومرجعهم. والآيات متصلة بالسياق من حيث إن الكفار المشركين وعقيدتهم موضوع الكلام فيها، وقد احتوت تسلية وتثبيتا للنبي ﷺ بسبب موقف الكفار العنيد منه. ولقد قال بعض المفسرين إن الآية الأولى قد أريد بها المساجلة في الجدل بحيث أريد بها القول إنه إذا كان يصح أن يكون لله ولد فأنا أول المصدقين الخاضعين لكل ما يثبت ويصح عن الله. كما قال بعضهم إن كلمة الْعابِدِينَ في معنى الجاحدين أو الرافضين «١» . والشرح الذي شرحناه للآيات هو ما عليه جمهور المفسرين «٢» ونرجو أن يكون هو الصواب. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٧] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) . روى المفسرون «٣» تأويلين للآية الأولى، أحدهما: «إن الذين يدعوهم المشركون من دون الله مثل عيسى والعزير والملائكة لن يشفعوا إلّا لمن شهد

стр. 2203

بالحق وهم يعلمون ذلك» وثانيهما: «إن الذين يحقّ لهم الشفاعة ممن يدعوهم المشركون من دون الله هم الذين يشهدون بالحق ويعلمونه فقط مثل عيسى والعزيز والملائكة وهؤلاء لا يمكن أن يشفعوا للمشركين» ومعظم المفسرين أخذوا بالتأويل الأول وهو الصواب المتسق مع روح الآية مع القول إن المقصود هنا من الذين يدعوهم المشركون من دون الله هم الملائكة لأنهم هم موضوع الكلام من أول السورة، أما الآية الثانية فقد احتوت تنديدا بتناقض المشركين فهم إذا سئلوا عمن خلقهم لما وسعهم إلّا القول إنه الله، وتساؤل استنكاري وتنديدي عن انصرافهم عنه والحالة هذه إلى غيره وإشراك غيره معه. والآيات متصلة بسابقاتها من حيث إن الكفار المشركين هم موضوع الكلام فيها كما هو المتبادر، والاتصال يبدو كذلك في الحديث عن الذين يدعوهم المشركون مع الله ويأملون شفاعتهم وهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، وهو الزعم الذي أمر النبي ﷺ بإعلان رفضه في الآيات السابقة. وفي الآية الأولى تخييب لآمال المشركين فهم يرجون شفاعة الملائكة. والملائكة لا يمكنهم أن يشفعوا إلّا للمؤمنين بالحق العالمين به وقد استهدف فيما استهدف تسفيه المشركين وحملهم على الارعواء. وفي جملة إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) [٨٦] تلقين قرآني مستمر المدى بوجوب التزام الحق والشهادة به عن علم ويقين وتنويه بمن يكونون كذلك. ولقد قال بعضهم إن الآية الثانية نسخت بآيات القتال وهذا ما يكررونه في المناسبات المماثلة، وقد ذكرنا وجه الحق في هذه الآية وأمثالها في مناسبات سابقة فنكتفي بهذه الإشارة. [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) . تعددت الأقوال في تخريج كلمة وَقِيلِهِ ومحل عطفها، والمتبادر أنها حكاية قول صادر عن النبي ﷺ يعبر به عن ألمه من عناد الكفار ويأسه من إيمانهم.

стр. 2204

وقد سرى عنه في الآية الثانية وأمر بالصفح والإغضاء عنهم وإعلان السلام للناس وتركهم وشأنهم فسيعلمون من هو على الحق ومن هو على الضلال. والصلة قائمة بين الآيتين وما سبقهما من حيث إن الكفار المشركين هم موضوع الكلام فيهما وقد جاءتا خاتمة قوية لموقف اللجاج والحجاج وللسورة معا جريا على النظم القرآني. وقد انطوى في الجملة الأخيرة من الآية الثانية تطمين للنبي ﷺ وبثّ الوثوق والاستعلاء في نفسه. والأمر بالصفح عنهم وإعلان السلام للناس ينطويان على التوكيد بأسلوب رائع محبب بأن مهمة النبي ﷺ هي الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق ثم ترك الناس وشأنهم يختارون ما يريدون دون ما إجبار ولا إبرام ولا عداء ولا حقد مع تقرير هذا له ولمن آمن به، ومع الاطمئنان إلى أن ما يدعو إليه هو الحق والهدى، وأن ذلك سوف يظهر للناس مما قد تكرر تقريره في القرآن كثيرا وبأساليب متنوعة. ولقد ظهر ذلك حقا وتحققت المعجزة القرآنية بدخول الناس في دين الله أفواجا وفيهم غالبية أهل مكة الذين كانوا يقفون المواقف العنيدة المناوئة التي حكتها الآيات والتي كانت تثير في النبي ﷺ الحزن والألم والحسرة. ولقد روى المفسرون «١» عن بعض علماء التابعين مثل قتادة ومقاتل أن حكم الآية الثانية قد نسخ بآيات القتال، وهذا القول قد تكرر في مناسبات مماثلة كثيرة سبقت أمثلة منها. ونكرر هنا ما قلناه قبل من أن النسخ قد يصح بالنسبة إلى الأعداء المعتدين على المسلمين والصادين عن الدعوة والطاعنين بالدين الإسلامي. أما الموادّون والمسالمون للمسلمين فالتعامل معهم في نطاق الصفح والسلام وتركهم وشأنهم بعد الدعوة وبيان هدى الله فهو محكم على ما أوردنا دلائله في سياق سورة (الكافرون) والله تعالى أعلم.

стр. 2205

تعليق على جملة فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ وبالإضافة إلى ما قلناه في مدى هذه الجملة في مقامها فهناك ما يمكن أن يضاف إليه أيضا. فالأمر هنا موجه للنبي ﷺ ليصفح عن الجاحدين برسالته وليقول لهم سلام، وفي سورة الأنعام آية تأمره بأن يقول للمسلمين الفقراء الذين آمنوا به سلام عليكم [الآية/ ٥٤] وهناك آيات كثيرة أخرى منها آيات تفيد أن السلام هو تحية أهل الجنة فيما بينهم [آية سورة يونس/ ١٠ وآية سورة إبراهيم/ ٢٣] تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ومنها ما يفيد أن الملائكة يستقبلون المؤمنين في الآخرة بالسلام [النحل/ ٣٢ والزمر/ ٧٣ والرعد/ ٢٤] ومنها ما أمر فيه بإلقاء السلام على أهل البيوت التي يدخلها المسلمون: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «١» تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً ... سورة النور: [٦١] ، ومنها ما وجّه للأنبياء من الله [آيات سورة الصافات/ ١٠٩- ١٣٠] ومنها ما حكي عن عباد الرحمن حينما يخاطبهم الجاهلون كما جاء في آية سورة الفرقان هذه: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) . والسلام هو بمعنى الأمان وضد الخصام وفيه معنى التطمين والتحبب والتأنيس، ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في الحثّ على تعاطيه وآدابه، منها حديث رواه أبو داود والترمذي ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا أفلا أدلّكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» » . وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام» «٣» . وحديث رواه الترمذي عن جابر أن النبي ﷺ قال: «السلام قبل الكلام»

стр. 2206

وقال: «لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلّم» «١» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «يسلّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير» «٢» . وحديث رواه الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ قال له: «إذا دخلت على أهلك فسلّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك» «٣» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أنس: «أنه كان يمشي مع النبي ﷺ فيمرّ بصبيان فيسلّم عليهم» «٤» ، وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: «إنّ النبي ﷺ مرّ علينا بالمسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم» «٥» . وحديث رواه الترمذي عن أبي جري أن النبي ﷺ قال: «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم ورحمة الله» «٦» . وحديث رواه البخاري عن أسامة بن زيد: «أن النبي ﷺ مرّ بمجلس وفيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلّم عليهم» «٧» . حيث يبدو من كل هذا تلقين جليل رباني ونبوي للمسلمين بأن يجعلوا السلام عنوانا لمقابلاتهم وصلاتهم بالناس على اختلاف فئاتهم مما فيه روعة وجلال ومما جعل السلام على الناس من العادات الحسنة التي تميز بها المسلمون منذ حياة النبي ﷺ . هذا، ولقد بدأت السورة بعد مطلعها بالتنديد بالمشركين لعقيدتهم بكون الملائكة بنات الله وانتهت بمثل ذلك أيضا، وهكذا تمّ الارتباط بين بدايتها ونهايتها مما يدل على ترابط فصولها ووحدة نزولها.

стр. 2207

سورة الدخان في السورة تنويه بليلة نزول الوحي بالقرآن ورسالة النبي ﷺ للناس، وتوكيد بصدق ذلك وتنديد بالكفار على إصرارهم على الكفر والعناد وإنذار لهم، وتذكير بما كان من موقف فرعون وقومه المماثل من رسالة موسى وما كان من إغراقهم ونجاة بني إسرائيل ونعمة الله عليهم بسبب استجابتهم للدعوة. وحكاية لما كان يقوله الكفار في صدد إنكار البعث وتسفيه لقولهم وتوكيد حكمة الله وعدله في خلق الكون ومجيء يوم القيامة وبيان لمصير الكفار والمتقين فيه. وفصول السورة مترابطة وآياتها متوازنة مما يسوّغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. ولقد روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» «١» . وروى الترمذي عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ قال: «من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له» «٢» ، وأخرج الطبراني حديثا جاء فيه: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم جمعة بنى الله له بيتا في الجنة» «٣» . وينطوي في الأحاديث تنويه نبوي بهذه السورة لا بدّ له من حكمة، ولعلّ منها ما انطوى فيها من مواعظ وتنويه بالقرآن وليلة نزوله وبالإضافة إلى ذلك فيها دلالة على أن السورة كانت تامة الشخصية معروفة الاسم في زمن النبي ﷺ .

стр. 2208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) . (١) يفرق: بمعنى يقضي أو يقرر. (٢) حكيم: فيه الحكمة والإحكام. ابتدأت السورة بحرفي «الحاء والميم» للاسترعاء والتنبيه على ما رجحناه في أمثالهما. وأعقبهما قسم بالكتاب المبين ثم تقريرات ربانية كجواب للقسم أو ما بمثابة ذلك: ١- بأن الله قد أنزل الكتاب في ليلة عظيمة الشأن جرت عادته على قضاء كل أمر خطير محكم من أوامره فيها. ٢- وبأنه قد أراد بإنزال الكتاب إنذار الناس وتنبيههم. ٣- وبأنه قد أرسل رسوله بمهمة الرسالة العظمى رحمة بهم، فهو السميع العليم ربّ السموات والأرض وما بينهما لا إله إلّا هو يحيي ويميت ربّ السامعين وربّ آبائهم الأولين. ٤- وبأن هذه هي الحقيقة الناصعة إذا كان السامعون يريدون المعرفة واليقين. والآيات في صدد توكيد نسبة القرآن إلى الله، ثم في صدد توكيد صدق رسالة الرسول ﷺ وكونها رحمة للناس، وهكذا جاء مطلع السورة متسقا في أسلوبه وهدفه مع مطالع شقيقاتها الحواميم.

стр. 2209

تعليق على آية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وما بعدها وما روي عن ليلة نصف شعبان ولقد اختلفت الأقوال في الليلة المذكورة فهناك من قال إنها ليلة القدر «١» واستند في ذلك إلى سورة القدر التي ذكرت أن القرآن أنزل في ليلة القدر، وإلى آية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [١٨٥] ثم إلى الأحاديث المروية في صدد كون ليلة القدر هي في العشر الأخيرة من رمضان والتي أوردناها في سياق تفسير سورة القدر، وهناك من قال إنها ليلة النصف من شعبان استئناسا من بعض أحاديث نبوية منها حديث جاء فيه: «ينزل الله جلّ ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكلّ نفس إلّا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله» ومنها حديث ثان جاء فيه: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى» «٢» . ومنها حديث عن ابن عباس جاء فيه: «يقضي الله الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها الموكلين بها» ويعني بذلك الملائكة على ما هو المتبادر «٣» . ومنها حديث عن الحسن البصري جاء فيه: أن أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى مثلها في السنة المقبلة تفصل في هذه الليلة. أي ليلة نصف شعبان» «٤» . وبعض الذين قالوا إنها ليلة القدر من رمضان رووا أن هذه الليلة هي الليلة التي تفصل فيها الأمور الهامة من سنة إلى سنة من أرزاق وآجال ومصائب «٥» وبذلك وفقوا بين القولين. وأكثر الأقوال في جانب القول إنها ليلة القدر في رمضان وهو الأصوب

стр. 2210

والأولى الذي تلهمه الآية نفسها بمقارنتها بآيتي البقرة وسورة القدر. ويلحظ أن الأحاديث المساقة عن ليلة نصف شعبان ليس فيها إشارة صريحة إلى نزول القرآن فيها، وهذا ما جعلنا نقول إنهم استأنسوا بها استئناسا، هذا مع التنبيه على أنها لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولقد أنكر ابن كثير قول من قال إنها ليلة نصف شعبان وقال إن الذين يقولون ذلك قد أبعدوا النجعة وإن نص القرآن يؤيد أنها ليلة القدر في رمضان وأن الحديث النبوي عن ليلة شعبان مرسل ومثله لا يعارض به نص ثابت «١» . ولقد أعاد بعض المفسرين «٢» القول في مناسبة هذه الآية بأن الضمير في أَنْزَلْناهُ عائد إلى جميع القرآن حيث أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ثم صار ينزل على النبي ﷺ منجما كما روي عن ابن عباس. وقد أورد الطبري في سياق هذه الآية رواية نزول صحف إبراهيم في أول رمضان والتوراة في السادس منه، والزبور في السادس عشر، والإنجيل في الثامن عشر، والفرقان في الرابع والعشرين. وقد علقنا على هذا بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة القدر فلا نرى حاجة إلى إعادة أو زيادة. والوصف الذي وصفت به هذه الليلة التي هي على الأرجح ليلة القدر في أواخر شهر رمضان في الآيات [٣- ٤] من السورة قد يؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة القدر من أن تسمية (ليلة القدر) هي تسمية علمية وأنه كان لهذه الليلة خطورة دينية ما في أذهان السامعين. هذا، ونقول- تعليقا على ما روي من تقدير الآجال والأرزاق وقضاء الأقضية من سنة إلى سنة في ليلة النصف من شعبان أو في ليلة القدر وما اعتاده المسلمون من الاحتفال بليلة النصف من شعبان وقراءة أدعية خاصة فيها- إن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة الإسناد ولا تظهر حكمة الله فيها، ويجب التحفظ إزاءها. وإن الاحتفال بليلة النصف من شعبان ليس له أصل ثابت من سنة نبوية ولا صحابية.
следующие страницы →