← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وقال: «لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلّم» «١» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «يسلّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير» «٢» . وحديث رواه الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ قال له: «إذا دخلت على أهلك فسلّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك» «٣» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أنس: «أنه كان يمشي مع النبي ﷺ فيمرّ بصبيان فيسلّم عليهم» «٤» ، وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: «إنّ النبي ﷺ مرّ علينا بالمسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم» «٥» . وحديث رواه الترمذي عن أبي جري أن النبي ﷺ قال: «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم ورحمة الله» «٦» . وحديث رواه البخاري عن أسامة بن زيد: «أن النبي ﷺ مرّ بمجلس وفيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلّم عليهم» «٧» . حيث يبدو من كل هذا تلقين جليل رباني ونبوي للمسلمين بأن يجعلوا السلام عنوانا لمقابلاتهم وصلاتهم بالناس على اختلاف فئاتهم مما فيه روعة وجلال ومما جعل السلام على الناس من العادات الحسنة التي تميز بها المسلمون منذ حياة النبي ﷺ . هذا، ولقد بدأت السورة بعد مطلعها بالتنديد بالمشركين لعقيدتهم بكون الملائكة بنات الله وانتهت بمثل ذلك أيضا، وهكذا تمّ الارتباط بين بدايتها ونهايتها مما يدل على ترابط فصولها ووحدة نزولها.

стр. 2207

سورة الدخان في السورة تنويه بليلة نزول الوحي بالقرآن ورسالة النبي ﷺ للناس، وتوكيد بصدق ذلك وتنديد بالكفار على إصرارهم على الكفر والعناد وإنذار لهم، وتذكير بما كان من موقف فرعون وقومه المماثل من رسالة موسى وما كان من إغراقهم ونجاة بني إسرائيل ونعمة الله عليهم بسبب استجابتهم للدعوة. وحكاية لما كان يقوله الكفار في صدد إنكار البعث وتسفيه لقولهم وتوكيد حكمة الله وعدله في خلق الكون ومجيء يوم القيامة وبيان لمصير الكفار والمتقين فيه. وفصول السورة مترابطة وآياتها متوازنة مما يسوّغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. ولقد روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» «١» . وروى الترمذي عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ قال: «من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له» «٢» ، وأخرج الطبراني حديثا جاء فيه: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم جمعة بنى الله له بيتا في الجنة» «٣» . وينطوي في الأحاديث تنويه نبوي بهذه السورة لا بدّ له من حكمة، ولعلّ منها ما انطوى فيها من مواعظ وتنويه بالقرآن وليلة نزوله وبالإضافة إلى ذلك فيها دلالة على أن السورة كانت تامة الشخصية معروفة الاسم في زمن النبي ﷺ .

стр. 2208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) . (١) يفرق: بمعنى يقضي أو يقرر. (٢) حكيم: فيه الحكمة والإحكام. ابتدأت السورة بحرفي «الحاء والميم» للاسترعاء والتنبيه على ما رجحناه في أمثالهما. وأعقبهما قسم بالكتاب المبين ثم تقريرات ربانية كجواب للقسم أو ما بمثابة ذلك: ١- بأن الله قد أنزل الكتاب في ليلة عظيمة الشأن جرت عادته على قضاء كل أمر خطير محكم من أوامره فيها. ٢- وبأنه قد أراد بإنزال الكتاب إنذار الناس وتنبيههم. ٣- وبأنه قد أرسل رسوله بمهمة الرسالة العظمى رحمة بهم، فهو السميع العليم ربّ السموات والأرض وما بينهما لا إله إلّا هو يحيي ويميت ربّ السامعين وربّ آبائهم الأولين. ٤- وبأن هذه هي الحقيقة الناصعة إذا كان السامعون يريدون المعرفة واليقين. والآيات في صدد توكيد نسبة القرآن إلى الله، ثم في صدد توكيد صدق رسالة الرسول ﷺ وكونها رحمة للناس، وهكذا جاء مطلع السورة متسقا في أسلوبه وهدفه مع مطالع شقيقاتها الحواميم.

стр. 2209

تعليق على آية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وما بعدها وما روي عن ليلة نصف شعبان ولقد اختلفت الأقوال في الليلة المذكورة فهناك من قال إنها ليلة القدر «١» واستند في ذلك إلى سورة القدر التي ذكرت أن القرآن أنزل في ليلة القدر، وإلى آية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [١٨٥] ثم إلى الأحاديث المروية في صدد كون ليلة القدر هي في العشر الأخيرة من رمضان والتي أوردناها في سياق تفسير سورة القدر، وهناك من قال إنها ليلة النصف من شعبان استئناسا من بعض أحاديث نبوية منها حديث جاء فيه: «ينزل الله جلّ ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكلّ نفس إلّا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله» ومنها حديث ثان جاء فيه: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى» «٢» . ومنها حديث عن ابن عباس جاء فيه: «يقضي الله الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها الموكلين بها» ويعني بذلك الملائكة على ما هو المتبادر «٣» . ومنها حديث عن الحسن البصري جاء فيه: أن أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى مثلها في السنة المقبلة تفصل في هذه الليلة. أي ليلة نصف شعبان» «٤» . وبعض الذين قالوا إنها ليلة القدر من رمضان رووا أن هذه الليلة هي الليلة التي تفصل فيها الأمور الهامة من سنة إلى سنة من أرزاق وآجال ومصائب «٥» وبذلك وفقوا بين القولين. وأكثر الأقوال في جانب القول إنها ليلة القدر في رمضان وهو الأصوب

стр. 2210

والأولى الذي تلهمه الآية نفسها بمقارنتها بآيتي البقرة وسورة القدر. ويلحظ أن الأحاديث المساقة عن ليلة نصف شعبان ليس فيها إشارة صريحة إلى نزول القرآن فيها، وهذا ما جعلنا نقول إنهم استأنسوا بها استئناسا، هذا مع التنبيه على أنها لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولقد أنكر ابن كثير قول من قال إنها ليلة نصف شعبان وقال إن الذين يقولون ذلك قد أبعدوا النجعة وإن نص القرآن يؤيد أنها ليلة القدر في رمضان وأن الحديث النبوي عن ليلة شعبان مرسل ومثله لا يعارض به نص ثابت «١» . ولقد أعاد بعض المفسرين «٢» القول في مناسبة هذه الآية بأن الضمير في أَنْزَلْناهُ عائد إلى جميع القرآن حيث أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ثم صار ينزل على النبي ﷺ منجما كما روي عن ابن عباس. وقد أورد الطبري في سياق هذه الآية رواية نزول صحف إبراهيم في أول رمضان والتوراة في السادس منه، والزبور في السادس عشر، والإنجيل في الثامن عشر، والفرقان في الرابع والعشرين. وقد علقنا على هذا بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة القدر فلا نرى حاجة إلى إعادة أو زيادة. والوصف الذي وصفت به هذه الليلة التي هي على الأرجح ليلة القدر في أواخر شهر رمضان في الآيات [٣- ٤] من السورة قد يؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة القدر من أن تسمية (ليلة القدر) هي تسمية علمية وأنه كان لهذه الليلة خطورة دينية ما في أذهان السامعين. هذا، ونقول- تعليقا على ما روي من تقدير الآجال والأرزاق وقضاء الأقضية من سنة إلى سنة في ليلة النصف من شعبان أو في ليلة القدر وما اعتاده المسلمون من الاحتفال بليلة النصف من شعبان وقراءة أدعية خاصة فيها- إن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة الإسناد ولا تظهر حكمة الله فيها، ويجب التحفظ إزاءها. وإن الاحتفال بليلة النصف من شعبان ليس له أصل ثابت من سنة نبوية ولا صحابية.

стр. 2211

وقد يرد أن جملة فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) قد تقوي صحة الأحاديث الواردة. ولسنا نرى ذلك، فالأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ تذكر ليلة النصف من شعبان. وهذه الجملة تشير إلى الليلة التي أنزل فيها القرآن وهي ليلة القدر بنص القرآن. وقد يكون أريد بالجملة الإخبار بأن حكمة الله شاءت أن يقضي فيها الأمور الهامة التي منها إنزال الوحي والقرآن على النبي ﷺ والأنبياء من قبله. ولعل عبارة مُنْذِرِينَ (٣) في الآية السابقة لها وعبارة مُرْسِلِينَ (٥) في الآية التالية لها مما يدعم هذا التوجيه ويبعد على ما هو المتبادر موضوع تقرير الآجال والأرزاق والأحداث السنوية، والله أعلم. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٩ الى ١٦] بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) . جاءت الآيات معقبة على مطلع السورة: ومع أنه لم يسبق كلام عن أحد فالمتبادر من نص الآيات أن الضمير الغائب عائد إلى الكفار. وقد نددت أولا بالكفار لأنهم يتلقون ما يسمعون من آيات كتاب الله بالشك واللعب والهزء. وتوعدتهم ثانيا باليوم الذي ينتشر فيه من جانب السماء دخان عظيم يملأ الجو ويغشى الناس ويشعر الكفار يومئذ بما هو واقع عليهم من عذاب الله الأليم فيلجأون إليه لكشفه عنهم ويعلنون بأنهم مؤمنون. وتساءلت ثالثا تساءل المنكر المستنكر عما إذا كان هذا ينفعهم حينئذ وقد جاءهم رسول الله ﷺ بالآيات الواضحة وهم في متسع من الوقت فأعرضوا عنه واستخفوا به ونسبوا إليه الجنون وتعلّم ما يقوله من الغير. ووجهت رابعا الكلام إليهم فالله سيستجيب إليهم هذه المرة ويكشف عنهم العذاب ردحا من الزمن ولكنهم سوف يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا فيه من كفر وعناد وحينئذ تنزل بطشة الله الكبرى فيهم وينتقم منهم.

стр. 2212

وتأويل إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) الذي أوردناه في الفقرة (رابعا) هو ما عليه جمهور المفسرين بناء على بعض الروايات. وقد تبادر لنا تأويل آخر لجملة إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) وهو (إنكم راجعون إلينا على كل حال يوم البطشة الكبرى أي يوم القيامة ولو كشفنا عنكم العذاب ردحا من الزمن استجابة لدعائكم) وهناك من أوّل البطشة الكبرى بيوم القيامة وهذا مما يؤيد تأويلنا والله أعلم. تعليق على آية فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) وما بعدها وما روي في سياقها ولقد رويت رواية عن ابن مسعود فيها بيان لمدى ومفهوم هذه الآيات، حيث قال ردا على من قال إن الآيات هي في صدد إنذار الكفار بالعذاب الأخروي ما مفاده: إن هذا ليس من العلم. وإن من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم لا أعلم. إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان أو يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد. فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى لهم فسقوا فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنذرهم الله بالبطشة الكبرى. وكانت يوم بدر. وقد أورد هذه الرواية معظم المفسرين وإن كان بعضهم أوردها مختلفة بعض الشيء عما أوردها البعض الآخر، ومن ذلك أن أبا سفيان هو الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال له: جئت تأمر بصلة الرحم وقد هلك قومك فادع لهم «١» . ورواها

стр. 2213

البخاري ومسلم والترمذي بدون ذكر أبي سفيان «١» . ويروي المفسرون «٢» إلى هذه الرواية حديثا عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أول الآيات: الدجال ونزول عيسى ونار تخرج من عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر والدخان» . فسأله حذيفة: وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) ثم قال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة- يعني الدخان- أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة وأمّا الكافر فتكون منه بمنزلة السكران» . حيث يبدو أن هذا الحديث في صدد تفسير الآيات وينقض تفسير ابن مسعود لها وكونها في صدد حادث واقعي حدث في مكة في زمن النبي «٣» . ومع أن الطبري ضعف هذا الحديث ورجح صحة تفسير ابن مسعود فإن الطبراني روى حديثا آخر عن النبي ﷺ وصف بأن إسناده جيد جاء فيه قال رسول الله ﷺ : «إنّ ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كلّ مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» «٤» . حيث قد يؤيد هذا حديث حذيفة ويفيد أن الدخان هو علامة من علامات آخر الزمان.

стр. 2214

ولقد ورد في سورة (المؤمنون) هذه الآيات: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وفي سورة النحل هذه الآية: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) فروى المفسر البغوي في صدد آيات سورة المؤمنون أن النبي ﷺ دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال له: أنشدك الرحم، ألست تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ فقال: بلى. فقال: قد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنّا هذا القحط. فدعا فكشف. وروى في صدد آية سورة النحل أنها نزلت في ظرف ابتلى الله قريشا فيه بالقحط والجوع وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله ﷺ حتّى جهدوا وأكلوا العظام والجيف والكلاب وحتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه دخان من الجوع فكلّم رؤساء مكة النبي ﷺ وقالوا له: هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن للناس بحمل الطعام إليهم. والرواية الأولى هي نفس الرواية المروية عن ابن مسعود في صدد آيات سورة الدخان التي نحن في صددها. والرواية الثانية تفيد أن الحادث وقع بعد الهجرة مع أنه لم يرو أحد مدنية آية النحل فضلا عن التشابه في جوهر الروايات المروية في صدد آيات السور الثلاث. وإلى هذا فهناك أقوال مروية عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم تفيد أن البطشة الكبرى تعني عذاب الله الأكبر يوم القيامة وليس نصر بدر كما ورد في رواية ابن مسعود «١» . وننبه على أن جمهور المفسرين وفي مقدمتهم شيخهم الطبري في جانب

стр. 2215

ترجيح ما روي عن ابن مسعود في صدد تفسير الآيات المروي في كتب البخاري ومسلم والترمذي. أما نحن فإننا في حيرة وتردد تجاه الرواية. لأننا نلاحظ أن نص الآية [١٠] لا يفيد حدوث الدخان وإنما يأمر بارتقاب حدوثه والآيات التي بعدها هي نتائج لما سوف يأتي. والآية [١٢] تحكي قول الكفار إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) حينما يحلّ عليهم عذاب الدخان مع أن رواية ابن مسعود لا تذكر أنهم أعلنوا للنبي ﷺ إيمانهم حينما جاءوا إليه يطلبون منه الاستسقاء وكشف العذاب. وفحوى الآية [١٢] يفيد أن طلب كشف العذاب كان موجها منهم إلى الله والرواية تذكر أنهم جاءوا إلى النبي ﷺ يطلبون منه الدعاء بكشفه. والفرق جوهري ومهم، ونصر بدر على خطورته ليس أكبر بطشات الله في قريش لأنهم ظلوا بعده أقوياء وغزوا المسلمين في عقر دار هجرتهم مرتين ونالوا ثأرهم منهم عن بدر في إحداهما وهي واقعة أحد، وزلزلوهم وأوقعوا الرعب الشديد في قلوبهم في ثانيتهما. هذا عدا أن أسلوب الآية [٢٥] يلهم أن التهديد والإنذار أبعد مدى وأجسم أثرا ويلهم بالتالي أنه إنذار بانتقام قاصم ولم يقع عليهم بطشة ربانية ساحقة في الدنيا فيكون احتمال القصد فيها لعذاب الآخرة أقوى. ومهما يكن من أمر فالآيات كما قلنا جاءت معقبة على ما سبقها لبيان موقف الكفار من القرآن والنبي ﷺ ودعوته وللتنديد بهم وإنذارهم إنذارا قاصما. على أن في الآيات كما شرحناها ما يفيد إنذارا بعذاب دنيوي بالدخان سوف يقع عليهم واستشعارهم حينئذ بالندم ومسارعتهم إلى إعلان إيمانهم وطلبهم من الله كشفه وبيانا بأن الله قد يكشفه عنهم ولكنهم سوف يعودون إلى غيهم فيستحقون بطشة الله الكبرى. ولقد حكيت مواقف مماثلة في آيات أخرى منها آيات سورة يونس هذه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ

стр. 2216

بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) . ولعل ما جاء في آيات سورتي (المؤمنون) و (النحل) التي أوردناها آنفا من ذكر لعذاب أو بلاء رباني قد وقع فعلا عليهم هو لتحقيق ما أنذرهم الله من عذاب دنيوي في آيات سورة الدخان. ويلحظ في رواية تفسير آية النحل أنهم كانوا يرون السماء شبه دخان من الجوع مما قد يكون فيه تصديق ذلك. وعلة هذه الرواية أنها تفيد أن عذاب الله وقع عليهم بعد الهجرة وقد يكون ذلك التباسا والله أعلم. بقي ما ورد في الأحاديث النبوية عن كون الدخان من أشراط الساعة مع آيات أخرى. فإذا صحت فيكون هذا أمرا آخر غير الدخان الذي يوجه الإنذار به إلى الكفار السامعين بسبب مواقفهم الجحودية والذي تذكر الآيات وعد الله بكشفه اختبارا لهم على ما هو المتبادر. ويكون ذكره في سياق هذه الآيات من قبيل ذكر الشيء عند ذكر ما يماثله. ويكون مما شاءت حكمة الله ورسوله الإنذار بحدوثه عند قيام الساعة حينما يأتي الوقت المعين في علم الله تعالى ويوقف عنده مع الإيمان به كما هو الواجب تجاه كل ما أخبر به النبي ﷺ والقرآن من الأمور الغيبية. تعليق على توالي الإنذار بانتقام الله ويلحظ أن الإنذار بانتقام الله من كفار العرب قد توالى في هذه السورة وما قبلها حيث يلهم هذا أن الكفار قد أخذوا يشتدون في مناوأتهم وأذاهم. ونستطرد إلى ذكر مسألة من المسائل التي يثيرها بعض الباحثين من غير المسلمين حيث جعل توالي إنذار القرآن بالانتقام في هاتين السورتين وغيرهما ووصف الله بالغضب وبذي الانتقام وبالقوي وبالشديد العقاب وبالبطش وبالجبار والقهار المتكبر المهيمن إلخ، وبعض الباحثين من غير المسلمين ومن جملتهم

стр. 2217

فيليب حتي «١» يقولون: «إن صفات الحب في الله تتضاءل أمام صفات القوة والجلال في العقيدة الإسلامية» . وفي هذا افتئات مؤسف قائم على الهوى ولم يأت عن تحرّ وتدقيق. فالقرآن قد ذكر إلى هذه الصفات صفات الرحمن والرحيم والغفور والعفوّ والودود والكريم والرزاق والتواب والسلام والغفار والمجيب والقريب والشكور والحليم والحميد. بل إن عدد المرات التي وردت فيها هذه الصفات أكثر من المرات التي وردت فيها تلك، وبينما استعملت تلك في مقامات فيها حكاية مواقف المشركين والكفار من الدعوة النبوية وما كان من عنادهم ومناوأتهم بل وأذاهم للمسلمين استعملت هذه في مقامات تلهم أنها الصفات الشاملة مما ورد في آيات كثيرة كثرة تغني عن التمثيل. وهذا فضلا عن الآيات الكثيرة التي نفت الظلم عن الله وقررت أن الله لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولو يعجّل الله لهم بالشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم وأنه الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة وأمرت النبي ﷺ بالصفح والسلام والصبر والتسامح والإحسان والإعراض والهجر الجميل والصفح الجميل إلخ. ودعت بأساليب متنوعة إلى التوبة والإنابة إلى الله وعدم القنوط من رحمة الله وفتحت الباب واسعا لكل مذنب مهما عظمت ذنوبه ولكل كافر ولكل منافق مهما أجرموا واجترحوا السيئات لإصلاح أنفسهم وبدء حياة جديدة والاستمتاع بعفو الله ورحمته وغفرانه وتسامحه مما احتوته آيات كثيرة جدا كثرة تغني عن التمثيل كذلك. تعليق على تعبير وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) وحكاية قول الكفار عن النبي ﷺ إنه معلّم يقصد بها الإشارة إلى ما كانوا يقولونه عنه أنه يعينه على نظم القرآن قوم آخرون على ما حكته آية سورة الفرقان

стр. 2218

هذه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وإنه يعلّمه شخص غير عربي على ما حكته آية سورة النحل هذه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) . وقد علقنا على ذلك بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة الفرقان. أما كلمة مجنون فقد تكررت حكاية صدورها من الكفار مرارا عن النبي ﷺ ومرّ من ذلك أمثلة عديدة في سور القلم والأعراف وسبأ والقمر والصافات والتكوير. وعلقنا عليها بما فيه الكفاية وبخاصة في سورة القمر. وعلى كل حال ففي التعبيرين دلالة على ما كان يظنه الكفار في النبي ﷺ وعلى بواعث جحودهم وتصاممهم عن دعوته، ولذلك جاءت الآيات بالأسلوب التنديدي والإنذاري الذي جاءت به. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١٧ الى ٣٣] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) . (١) فتنّا: ابتلينا وامتحنّا.

стр. 2219

(٢) أدوا إليّ: تعالوا إليّ وأقبلوا على دعوتي. (٣) فاعتزلوني: ابتعدوا من طريقي أو دعوني وشأني. (٤) رهوا: ساكنا أو جافا أو على هيئته التي عبر عليها. (٥) نعمة: حياة منعمة أو ناعمة. (٦) اخترناهم على علم: اخترناهم عن بصيرة وعلم بأحوالهم، وقد قال الزمخشري: «واخترناهم على علم بأنهم قد ينحرفون لأجل امتحانهم واختبارهم» . (٧) ما فيه بلاء مبين: ما فيه بلاء واختبار شديدان. في الآيات إشارة إلى ما كان من رسالة موسى ﵇ إلى فرعون وقومه وعاقبتهم وعبارتها واضحة. وقد جاءت على أثر حكاية موقف الكفار والتنديد بهم وإنذارهم جريا على الأسلوب القرآني. واحتوت ما احتوته بأسلوب الإشارة والإجمال المتسق مع ما ورد في القصة مسهبا في المناسبات السابقة. وهذا أيضا من أساليب القصص القرآني حسب ما اقتضته حكمة التنزيل واستهدفت- كما يستلهم من أسلوبها القوي النافذ ومن مضمونها- إنذار الكفار وتطمين النبي ﷺ والمؤمنين. فقد أهلك الله فرعون وقومه، وكانوا أشد منهم قوة ولم يمهلهم ولم تبك عليهم سماء ولا أرض وسلبهم ما كان لهم من زروع وجنات وعيون وما كانوا يتمتعون به من حياة ناعمة مترفة. وأورث ذلك لغيرهم ونجّى بني إسرائيل مما كانوا يقاسونه من عذاب فرعون الشديد المسرف المستكبر ثم جعلهم خير العالمين عن علم بأحوالهم اختبارا وامتحانا لهم. وما جاء في الآيات عن رسالة موسى ﵇ إلى فرعون متسق مع ما جاء متصلا في السور السابقة. وليس فيها جديد إلّا أمر الله لموسى أن يترك البحر رهوا ليدخله فرعون وقومه على أثرهم. وهذا ليس واردا في سفر الخروج ولكن نعتقد أنه مما كان يرويه اليهود نقلا عن قراطيس كانت في أيديهم مثل سائر النقاط التي وردت في القرآن ولم ترد في الأسفار المتداولة من قصص موسى وفرعون. ويلحظ أن الآيات هنا لم تذكر بني إسرائيل كورثة لفرعون وقومه مع أن ذلك ذكر في سورتي الشعراء والأعراف. ومع ذلك فالعبارة كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) لا تنقض ذلك كما هو المتبادر. والعبرة في الآيات هي

стр. 2220

تقرير كون الله قادرا على أن يفعل بكفار العرب ما فعله بفرعون وقومه الذين كانوا أقوى وأعظم منهم وأن يلطف بالمؤمنين فيجعلهم ورثة لهم يرثون ما هم فيه من أسباب الغنى والحياة الناعمة ووسائلها ويختارهم على العالمين بدورهم مثل ما كان من لطفه ببني إسرائيل. تعليق على آية وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وجمهور المفسرين على أن الْعالَمِينَ (٣٢) في جملة وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) تعني أهل زمانهم ولا تعني أهل الأرض في كل زمن «١» . وهذا هو المعقول، لأن الله جعل العرب الذين آمنوا برسالة النبي ﷺ أو كل من آمن برسالة النبي ﷺ إطلاقا خير أمة أخرجت للناس كما جاء في الآية [١١٠] من سورة آل عمران: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ وهذه الآية تعلل هذه الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقياسا على ذلك فإن خيرية بني إسرائيل إنما كانت على أهل زمانهم بسبب استجابتهم لدعوة موسى ﵇ وإيمانهم بالله وحده والتزامهم شرائعه. ولا يتسق مع روح التلقين القرآني ولا مع حكمة الله أن يدوم حكم الخيرية لهم حينما انحرفوا عن عبادة الله إلى عبادة العجل والبعل وانحرفوا عن شرائع الله واقترفوا الفواحش والموبقات وحرفوا كتب الله وكلامه عن مواضعه وافتروا على الله الكذب ونسبوا إليه ما ليس منه في حياة موسى وبعده على ما سجلته عليهم أسفار عديدة من أسفار العهد القديم «٢» وآيات كثيرة

стр. 2221

من القرآن الكريم «١» وعلى ما نبهنا عليه في سياق تفسير الآية [١٣٧] من سورة الأعراف. تعليق على جملة فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ومع أن المتبادر أن جملة فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ هي من قبيل المجاز والتمثيل والمبالغة في التبكيت والتهكم عليهم وتهوين شأنهم عند الله رغم ما كانوا عليه من قوة وترف وهو ما قاله الزمخشري في الكشاف فإن المفسرين أوردوا أحاديث تبدو لنا غريبة لأنها في صدد بيان كون بكاء السماء والأرض حقيقة وكونهما تبكيان على المؤمنين حين موتهم. من ذلك «٢» حديث رواه أنس بن مالك عن النبي ﷺ جاء فيه: «ما من عبد إلّا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله وكلامه فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا الآية: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم» . ومن ذلك حديث عن ابن عبيد الحصري قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن. ما مات مؤمن في غربة غابت عنه بواكيه إلّا بكت عليه السماء والأرض، ثم

стр. 2222

قرأ: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ثمّ قال إنهما لا تبكيان على الكافر» . ومن ذلك حديث عن عباد بن عبد الله أن رجلا سأل عليّ بن أبي طالب: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: «إنه ليس من عبد إلا له مصلّى في الأرض ومصعد عمله من السماء وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد إلى السماء ثم قرأ: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) » . ومن ذلك حديث روي عن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عباس: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: «نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلّا وله باب في السماء ينزل منه رزقه فإن فقده بكى عليه وإذا فقده مصلّاه من الأرض التي كان يصلّي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير فلم تبك عليهم السماء والأرض» . وحديث آخر عن ابن عباس أيضا جوابا على سؤال جاء فيه: «أتعجب، وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دويّ كدويّ النحل» . وحديث عن مجاهد جاء فيه: «ما مات مؤمن إلّا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا» . ومن ذلك حديث عن إبراهيم: «ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلّا على رجلين: يحيى بن زكريا والحسين بن علي حين قتلا» ، فسأله السائل: أليس السماء والأرض تبكيان على المؤمن؟ فقال: «ذاك مقامه حين يصعد عمله. ثم قال له: أتدري ما بكاء السماء؟ قال: لا، قال: تحمرّ وتصير وردة كالدّهان» . ومن ذلك حديث عن يزيد بن أبي زياد قال: «لما قتل الحسين بن علي احمرّت آفاق السماء أربعة أشهر واحمرارها بكاؤها» . وذكروا أيضا- وهذه عبارة ابن كثير- في مقتل الحسين: «إنّه ما قلب حجر يومئذ إلّا وجد تحته دم عبيط وإن الشمس كسفت والأفق احمرّ وسقطت حجارة» . ولم يرد من هذه الأحاديث في كتب الأحاديث الصحيحة المشهورة إلّا حديث واحد رواه الترمذي عن أنس عن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلّا وله بابان

стр. 2223

باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه فذلك قوله فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) «١» . ويلوح أن هذا الحديث قد استهدف فيما استهدفه تبشير المؤمنين وتطمينهم، ولقد عقب ابن كثير على الروايات الثلاث الأخيرة التي ذكر فيها بكاء السماء واحمرارها وكسوف الشمس وانبثاق الدماء من تحت الحجارة في ظرف مقتل الحسين ﵁. فقال: «وفي كل ذلك نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه. وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ولم يقع شيء مما ذكروه. فقد قتل أبوه وهو أفضل منه بالإجماع وعثمان بن عفان قتل محصورا مظلوما ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب قتل في المحراب ولم يكن شيء من ذلك. وهذا سيد البشر رسول الله ﷺ مات لم يكن مما ذكروه شيء. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لإبراهيم فصلّى بهم رسول الله ﷺ وخطبهم وبيّن لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. وهذا حقّ. ونخشى أن يكون للشيعة يد في الأحاديث الأولى لإثبات أن ما اخترعوه في مقتل الحسين له أصل من سنة أقدم، والله أعلم. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٩] إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) . (١) منشرين: من النشور وهو البعث بعد الموت.

стр. 2224

في الآيات حكاية لما كان يقوله الكفار في إنكار البعث حيث كانوا يقولون إننا سنموت موتة أبدية لن نقوم بعدها. ثم يتحدون النبي ﷺ الذي ينذرهم بالبعث طالبين منه الإتيان بآبائهم أي إحياءهم إن كان صادقا في إنذاره، وردّ عليهم بصيغة التساؤل الإنكاري عما إذا كانوا هم خيرا وأقوى من قوم تبّع ومن قبلهم من الأمم التي أهلكها الله تعالى لأنها وقفت موقف الكفر والإنكار. وتنبيه على أن الله سبحانه لم يخلق السموات والأرض وما بينهما عبثا ولعبا وإنما توخّى بذلك الحقّ والحكمة ولو لم يفهم هذه الحقيقة أكثر السامعين. وواضح أن في الآيات عودة على بدء في حكاية أقوال ومواقف الكفار والتنديد بهم وإنذارهم، كما أن فيها صورة من صور الجدل واللجاج التي كانت تقع بين النبي ﷺ والكفار، فهي والحالة هذه استمرار للسياق. وقد يلوح أن اختصاص قوم تبع بالذكر هنا متصل بما كان معلوما عند السامعين من ملك تبابعة اليمن وقوتهم وعظمة شأنهم. ولقد أورد المفسرون «١» في سياق هذه الآيات بيانات غير يسيرة من ذلك معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول فيها المعقول وغير المعقول وفيها الدلالة على كل حال على ما كان مستقرا في أذهان السامعين من ذلك. ولقد سبق تعريف بتبع وقومه في سياق سورة (ق) فلا نرى ضرورة للتكرار. ولقد أورد المفسرون في صدد هذه الآيات بعض الأحاديث عن إسلام تبع فلم نر بأسا في إيرادها إتماما للصورة مع التنبيه على أنها لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. منها حديث رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس وسهل بن سعد الساعدي بطرق مختلفة عن النبي ﷺ قال: «لا تسبّوا تبّعا فإنّه قد أسلم» وحديث رواه أبو حاتم الرقاشي أن عائشة كانت تقول: «لا تسبّوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا» . ولقد عقب الطبري والبغوي على جملة ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ بأنها تعني للاختبار في الدنيا للثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. ومع أن معنى

стр. 2225

التعقيب قد ورد نصا في بعض الآيات مثل آية سورة المؤمنون هذه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) وآية سورة الملك هذه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) . فإن الجملة وهي في صدد السماء والأرض وفيهما الإنسان وغير الإنسان من مخلوقات الله الحية وغير الحية وفيهما نواميس كونية عظمى تتضمن فيما يتبادر لنا تقريرا أشمل من كون ذلك لاختبار الإنسان وحسب. وفي سورة الجاثية آية جاء فيها: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) حيث ينطوي فيها تقرير كون ذلك من جملة الحقّ الذي توخاه الله تعالى من خلق السموات والأرض وليس كله والله أعلم. تعليق على آية فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) [٣٦] وهذه أول مرة يأتي تحدي الكفار فيها بما حكي عنهم في هذه الآية، فقد حكت آيات عديدة في السور السابقة إنكارهم للبعث بعد موتهم هم وآباؤهم بعد أن يصبحوا رفاتا وعظاما ورميما ويمزقون كل ممزق، فكان القرآن يردّ عليهم مبرهنا بقدرة الله تعالى على إحيائهم ثانية بما هو ماثل أمام أعينهم من مشاهد قدرة الله وعظمته وملكوته، وينبههم إلى أن الذي خلقهم بدءا قادر على خلقهم إعادة، ويضرب لهم الأمثال بالأرض الميتة الخامدة التي يحييها بالمطر. فجاءوا الآن يتحدون النبي ﷺ بطلب البرهنة على ذلك بإحياء آبائهم في الدنيا حتى يروهم ويكلموهم. وقد اقتضت حكمة التنزيل بالردّ عليهم بما كان من إهلاك المجرمين أمثالهم من قوم تبّع ومن قبلهم ممن يعرفون قصصهم وهم أقوى منهم. وأن الذي أنزل في المجرمين السابقين التدمير والعذاب قادر عليهم، وبأن الله سبحانه لا يعقل أن يكون قد خلق السموات والأرض عبثا ولعبا ولا بدّ من أن يكون لذلك حكمة منها بعث الناس ومحاسبتهم على أعمالهم وتوفيتهم الجزاء عليها. ويتبادر لنا أن الرد الرباني جاء بالأسلوب الذي جاء به ليتسق مع مشيئة الله

стр. 2226

بعدم إجابتهم إلى التحدي الذي كان الكفار يتحدون به النبي ﷺ بالإتيان بالمعجزات للبرهنة على صحة رسالته وصلتها وصلة القرآن بالله على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثر لأن طلبهم الإتيان بآبائهم هو معجزة يطلبونها بأسلوب التحدي فلم تقتض مشيئة الله إجابتهم عليها مع دخولها في نطاق قدرته كما كان الشأن في مواقف تحديهم المتكررة. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٢] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) . (١) مولى: بمعنى ولي وحليف ونصير. الآيات متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب وتدعيم، فيوم الفصل والقضاء الأخروي هو موعد الناس جميعا الأولين منهم والآخرين. ولن ينفع فيه ولي وليا وحليف حليفا. ولن ينجو من هوله وشره إلّا من ﵀ القوي وحده، الناصر وحده، الرحيم وحده، في أي ظرف يستدعي القوة والنصر والرحمة. وواضح أن الآيات ردّ على الذين تحدوا النبي ﷺ بالإتيان بآبائهم، وقد استهدفت فيما استهدفته إنذارهم وإثارة اليأس فيهم من أي نصير وحليف يوم القيامة لحملهم على الارعواء وتطمين المؤمنين بأنهم سيكونون مظهر رحمة الله تعالى. ومن المفسرين من قال في تخريج الاستثناء في جملة: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إنها تعني نفع وغناء الشفيع الذي يكون قد نال رحمة الله ورضاءه» . ومنهم من قال إنها تعني أن النفع والغناء إنما هما رحمة الله وحسب «٢» . وقد تبادر

стр. 2227

لنا أنها في معنى أن النجاة هي للذين تداركتهم رحمة الله فاهتدوا وآمنوا وعملوا الصالحات والله أعلم. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٤٣ الى ٥٧] إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) . (١) شجرة الزقوم: سبق تعريفها. (٢) المهل: دردي الزيت ورديئه. (٣) اعتلوه: احملوه بعنف وسوقوه. (٤) السندس والإستبرق: نوعان من الحرير. والكلمتان معرّبتان عن لغة أعجمية. جاءت هذه الآيات في أثر الآيات السابقة استمرار للكلام أو تعقيبا وتدعيما لبيان مصير كل من الكافرين والمؤمنين يوم الفصل. ١- فلسوف يكون طعام الكافر الأثيم شجرة الزقوم الكريهة الطعم الذي يشبه طعم عكر الزيت ويغلي في البطون كغلي الماء فوق النار. ٢- وسيأمر الله الموكلين بالعذاب بأخذه وسوقه وإلقائه في وسط النار وصب الماء الشديد الحرارة فوق رأسه والاستهزاء به قائلين له هذا مقامك أيها العزيز الكريم أو يا من كنت تزعم لنفسك العزة والكرامة. فذق ثمرة كفرك

стр. 2228

وغرورك. فهذا تحقيق ما كنت تشك وتماري فيه. ٣- وسيكون المتقون في مقام الآمن فيحلون في الجنات والعيون ويلبسون ثياب الحرير ويتكئون على السرر متقابلين ويتمتعون بكل فاكهة ويتزوجون بالحور العين وقد وقاهم الله الموت مرة ثانية وكتب لهم الخلود في هذا النعيم وحماهم من عذاب النار وكل ذلك بفضل الله ورحمته، وهذا هو الفوز العظيم. ووصف مصير الفريقين قوي رائع من شأنه إثارة الخوف في الكفار وبعث الطمأنينة والغبطة في المؤمنين. وهو مما استهدفته الآيات على ما هو المتبادر بالإضافة إلى الحقيقة الإيمانية المنطوية فيها عن المشهد الأخروي. [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) . (١) ارتقب: بمعنى اصبر أو انتظر. جاءت الآيتان معقبتين على وصف مصيري الكفار والمؤمنين. وخاتمتين للسورة والموقف الجدلي الحجاجي معا، وقد وجه الخطاب فيهما للنبي ﷺ فالله سبحانه إنما جعل القرآن بلسان النبي ﷺ لعلّ السامعين يتعظون به لأنه بلغتهم، وإذا لم يتعظوا فلينتظر النبي ﷺ ولينتظر الكفار معا أمر الله وقضاءه فهو واقع لا ريب فيه. وفي هذا إنذار للكفار وتطمين للنبي ﷺ استهدف به بثّ الثقة والقوة والأمل في نفسه كما هو المتبادر. ولقد روى الطبري عن قتادة أن الآيات [٤٨- ٥٠] نزلت في أبي جهل الذي قال في مجال الافتخار حينما أنذره النبي ﷺ بآيات سورة العلق [١٥- ١٦] : أيوعدني محمد والله لأنا أعزّ من مشى بين جبليها. وقد روى ابن كثير عن عكرمة صيغة أخرى من هذه الرواية حين قال النبي ﷺ له: إنّ الله تعالى أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع أنت ولا

стр. 2229

صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم. ومع احتمال أن يكون مثل هذه المحاورة جرت بين النبي ﷺ وأبي جهل وصدر عن أبي جهل هذا القول فإنّ الآيات كما يبدو وحدة متماسكة متصلة بما قبلها وما بعدها وعلى سبيل الإنذار والتبشير بمصيري الكفار والمؤمنين بحيث يصح القول إنها لم تنزل في هذه المناسبة، وكل ما يمكن أن يكون أنها احتوت ردّا لاذعا شامتا على اعتداد أبي جهل وأمثاله بأنفسهم وعزتهم. ولقد روى البغوي بطرقه في سياق ذكر شجرة الزقوم ووصفها حديثا عن ابن عباس قال: «قال رسول الله ﷺ : يا أيّها الناس اتقوا الله حقّ تقاته، فلو أن قطرة من الزّقوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم طعام غيره» . حيث ينطوي في الحديث توضيح ترهيبي إنذاري نبوي متسق مع الترهيب الإنذاري الذي احتوته الآيات. وفي الآية الأولى دليل جديد يضاف إلى الأدلة الكثيرة التي نبهنا عليها على أن لغة القرآن كانت مفهومة عند أهل بيئة النبي ﷺ وعصره من العرب بل كانت لغتهم التي هي لغة النبي ﷺ . تعليق على السندس والإستبرق وما قلناه في صدد وسائل النعيم الأخروية في سياق سورة الزخرف وغيرها ينحسب على الوصف الوارد في هذه الآيات. وإن كان من شيء يصحّ أن يزاد فهو أنه لما كان الإستبرق والسندس كلمتين معرّبتين عن الفارسية أو الرومية على اختلاف الأقوال، ولما كانت روح الآيات تلهم أن ما يرمزان إليه من نوع النسيج الحريري كان معروفا وممارسا في بيئة النبي ﷺ وعصره فإنه يسوغ القول إن في ذلك دلالة على ما كان من صلات تجارية وغير تجارية بين أهل بيئة النبي ﷺ وعصره وفي الأقطار المجاورة لجزيرة العرب، وعلى اقتباس العرب لكثير من وسائل الحياة التي كان يتمتع بها أهل تلك الأقطار، وهو ما قامت عليه الأدلة الكثيرة القرآنية وغير القرآنية.

стр. 2230

سورة الجاثية في السورة صور عن مواقف وأقوال الكفار وعنادهم وتعصبهم الأعمى في صدد الدعوة النبوية والبعث والحساب. وحملة شديدة عليهم وإنذار بالخزي والعذاب الأبدي وتطمين للنبي ﷺ والمسلمين وتثبيت لهم ودعوتهم إلى التسامح. وتذكير بحالة بني إسرائيل وتعداد ما لله على الناس من أفضال وما في بعض مشاهد الكون من دلائل على عظمة الله وربوبيته الشاملة. وفصول السورة مترابطة متساوقة مما يسوّغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [١٤] مدنية وانسجامها في سياقها موضوعا وسبكا يحمل على الشك في الرواية. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) . (١) الرزق: هنا كناية عن المطر الذي فيه رزق الناس ومعيشتهم. (٢) تصريف الرياح: هنا بمعنى تسييرها. ابتدأت السورة بالحاء والميم للتنبيه والاسترعاء على ما نبهنا عليه في أمثالها. وأعقبها تقرير رباني فيه توكيد بأن الكتاب الذي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2231

هو تنزيل من الله العزيز الحكيم جريا على النظم القرآني الذي مرّ في السور المماثلة. ثم أخذت الآيات تلفت نظر السامعين إلى مشاهد عظمة الله وقدرته في الكون مما هو ماثل للناس وتحت نظرهم وحسهم. ١- ففي السماء والأرض من المشاهد والمظاهر والنواميس آيات ربانية من شأنها أن تجعل من يريد الحق أن يؤمن بالله من خلالها. ٢- وفي خلق الناس وما هو مبثوث في الأرض من أحياء آيات ربانية من شأنها أن تبعث اليقين بالله في من يريد اليقين. ٣- وفي اختلاف الليل والنهار ونزول المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتسيير الرياح آيات ربانية من شأنها أن تقنع كل من يتعقل ويتفكر. ثم جاءت الآية الأخيرة تخاطب النبي ﷺ وتقول له إن الله سبحانه ينزل الكتاب عليه لينبه الناس بواسطته إلى هذه الآيات. فإذا لم يتأثروا ويدركوا ويؤمنوا ويوقنوا فما هو الحديث الذي يمكن أن يؤثر فيهم ويحملهم على التعقل والإيمان واليقين بعد حديث الله وآياته. وأسلوب الآية الأخيرة الاستنكاري ينطوي على تنديد موجه إلى الكفار كما ينطوي على تقرير عناد هؤلاء وإصرارهم على الجحود لنبوة النبي ﷺ ودعوته، لا سيما وهم لا ينكرون أن الله هو خالق السموات والأرض وخالقهم ومدبر الكون وما فيه. ويدل على أن مطلع السورة قد جاء بمثابة مقدمة وتمهيد لحكاية موقف الكفار الذي احتوته الآيات التالية مما هو متسق مع نظم السور السابقة. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٧ الى ١١] وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) .

стр. 2232

(١) أفاك: كذّاب أو مفتر. (٢) رجز: أشد العذاب. بعد ذلك المطلع التمهيدي جاءت هذه الآيات تحمل حملة شديدة على الكفار بسبب موقفهم من آيات كتاب الله تعالى وقد تضمنت: ١- تنديدا بالمفتري الكاذب الأثيم الذي تتلى عليه آيات الله، ويلفت فيها نظره إلى مشاهد عظمة الله وقدرته في الكون ثم يصر مستكبرا على جحوده كأنه لم يسمع شيئا. وإذا بلغه منها شيء قابله بالهزء والسخرية. فلأمثال هذا: الويل والبشرى بالعذاب الشديد الموجع المهين، وهم لاحقون بجهنم حقا ولن يفلتوا منها. ولن يغني عنهم ما هم فيه في الدنيا من مال وولد وزعامة وقوة، ولا ما اتخذوه من دون الله من أولياء وشركاء وشفعاء. ٢- وتنبيها إلى أن آيات كتاب الله التي يتلوها رسوله على الناس هي هدى لكل من حسنت نيته وسلم قلبه وأراد الحق، أما الذين بيتوا العناد والكفر فلهم غضب الله وعذابه. والآيات تنطوي على حكاية شدة عناد الكفار، أو بالأحرى زعماؤهم وأصحاب الوجاهة والثروة فيهم للنبي ﷺ ودعوته وآيات القرآن، وتصور شدة مكابرتهم في الحقّ ومقابلتهم ما كانوا يسمعون ويعلمون من آيات الله بالاستخفاف والتصامم. وقد روى بعض المفسرين أن الآيات عنت النضر بن الحارث الذي كان يقابل القرآن بأحاديث الفرس ويقول إن أحاديثه أحسن من أحاديث محمد. وهذه الرواية رويت في مناسبات عديدة، على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة ومهما يكن من أمر فإن مجيء الآيات بضمائر الجمع يفيد أن حكمة التنزيل اقتضت ذلك ليشمل

стр. 2233

التنديد والإنذار جميع الكفار أو جميع الزعماء لتماثلهم وتضامنهم في الموقف الموصوف. ومع خصوصية الآيات الزمنية والموضوعية فإنها على ما هو المتبادر تنطوي على تلقين جليل مستمر المدى في تقبيح المكابرة والعناد أمام الحق والحقيقة، وعدم تعقل الإنسان ما يسمعه وغفلته عنه أو تهربه منه على العمياء مندفعا في ذلك بالمكابرة والعناد. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٢ الى ١٣] اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) . في الآيتين عود على بدء في صدد التذكير ببعض نواميس الكون وفوائدها للناس: ١- فالله سبحانه هو الذي سخّر لهم البحر ويسّر لهم سير الفلك فيه لابتغاء فضل الله والحصول على أسباب الرزق مما يوجب عليهم شكره. ٢- وهو الذي سخّر لهم ما في السموات وما في الأرض من نواميس وقوى لينتفعوا بها ويبتغوا بها من فضله كذلك، وفي هذا من آيات رحمة الله وبرّه ما فيه لمن يتفكر ويتدبر. والآيات متصلة بما سبقها واستمرار لها كما هو واضح، وهي في صدد المعنى الذي نبهنا عليه في سورة لقمان لتسخير الله تعالى السموات والأرض لبني الإنسان بأسلوب أقوى وأوضح. وتتضمن في الوقت نفسه دعوة للناس إلى إدامة التفكير في النواميس والقوى الكونية والانتفاع بما أودعه الله فيهم من قوى للاستفادة منها في مختلف المجالات والصور. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٤ الى ١٥] قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) .

стр. 2234

(١) أيام الله: القصد منها بلاء الله وعذابه. وكلمة الأيام كانت تستعمل عند العرب كناية عن أيام الحروب، وجملة أيام العرب تعني حروبهم، وقيل إن الجملة تشمل نعم الله ونقمه معا وإن معناها لا يبالون بما يقال بأن النعم والنقم من الله. في الآيتين: ١- أمر رباني للنبي ﷺ بأن يقول للمؤمنين إنه يحسن بهم أن يكظموا غيظهم إزاء الكفار الذين يتجاهلون بطش الله وانتقامه ولا يتوقعونهما ويصدرون فيما يفعلونه عن ذلك وأن يتسامحوا ويغضوا عما يأتونه من أفعال ويقفونه من مواقف نتيجة له. ٢- وتقرير بأن الذي يعمل العمل الصالح إنما يعمله لنفسه، والذي يعمل السيء إنما يتحمل هو تبعته. وبأن مردّ الناس جميعهم إلى الله حيث يجزى كل منهم بما عمل. والآية الثانية تعقيب على الأولى وتدعيم وتعليل لما احتوته من الأمر بالكظم والغفران كما هو المتبادر. وهي من الآيات الصريحة الحاسمة والمحكمة بأهلية الإنسان للعمل الصالح والسيء بما أودعه الله فيه من إرادة وقابلية وباستحقاقه الجزاء وفاقا لكسبه واختياره. تعليق على آية قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [١٤] مدنية، وروى بعض المفسرين أنها نزلت في مناسبة شتم أحد المشركين لعمر بن الخطاب ﵁ في مكة وتفكير هذا بمقابلته والتنكيل به. كما روى بعضهم أنها نزلت في المؤمنين

стр. 2235

الذين رأوا ازدياد أذى المشركين عليهم في مكة فاستأذنوا النبي ﷺ بالمقابلة «١» . والروايتان تنقضان رواية مدنية الآية. ويلاحظ من ناحية ثانية أن الآيتين منسجمتان، وأن الثانية متممة للأولى، وأن مضمون الآيتين متسق مع ما احتوته آيات مكية عديدة من الحثّ والصفح والصبر. لذلك فنحن نشك في مدنية الآية، بل نجزم بعدم صحة رواية ذلك. أما ما ذكرته الروايتان من مناسبة النزول فقد يكون صحيحا حيث إنه من الممكن أن يكون عمر بن الخطاب أو غيره قد أنفوا من تحمل شتيمة الكفار وأذاهم فاستأذنوا النبي ﷺ بالمقابلة فاقتضت حكمة الله تهدئتهم. غير أن الذي يتبادر لنا أن الآيتين غير منقطعتين عن السياق السابق وأنهما في صدد موقف الكفار من آيات الله وسخريتهم وعنادهم. ونميل إلى القول إن بعض المسلمين قد تساءلوا عن حكمة الله في الصبر عليهم أو قد فكروا في الجنوح إلى مجادلة الكفار أو الرد عليهم بشيء من العنف فاقتضت حكمة التنزيل تهدئتهم والأمر بترك الأمر لله تعالى. وفحوى الآيات السابقة مما يقوي هذا التوجيه حيث احتوت صورة شديدة لموقف الكفار. وحكمة أمر الله ظاهرة سواء أكان الأمر بعدم المقابلة على الأذى والشتيمة أم بعدم العنف في الجدل والدعوة. فبالنسبة للأمر الأول فقد كان المسلمون قلة ضئيلة وكان خصومهم أشد قوة ومالا وعددا فلو سمح لهم بالمقابلة لتطور الأمر وهيىء للكفار فرصة لضربهم ضربة ساحقة قد يكون لها على الدعوة أسوأ العواقب. وبالنسبة للأمر الثاني فالأوامر القرآنية المكية ظلت تتوالى- وقد مرّ من ذلك أمثلة كثيرة- بوجوب الاكتفاء بالإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والتذكير والتنديد والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والعنف في الدعوة أو الدفاع عنها مخالف لذلك. ولقد قال المفسرون إن هذه الآية نسخت بآيات القتال المدنية، وقال الطبري إن هذا مجمع عليه عند أهل التأويل. ولقد قيل هذا في كل أمر في الآيات المكية

стр. 2236

بالإغضاء والصفح والصبر في القرآن المكي. وفي القول وجاهة إذا قيد بما احتوته آيات القتال المدنية من شروط وحدود مثل مقاتلة المعتدين على المسلمين والناكثين بعهودهم معهم والطاعنين في الدين الإسلامي والصادين عنه بالقوة والفتنة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة (الكافرون) . ومع ذلك فإن الآية الأولى تظل على ما يتبادر لنا مستمد تلقين للمسلمين في التسامح والكظم والإغضاء وضبط النفس تجاه مواقف غير المسلمين غير المستحبة وفي الظروف التي تتحمل ذلك ولا يترتب عليه ذل أو صدّ أو استمرار في الأذى والعدوان. ولا يتناقض هذا مع الآيات المدنية التي فيها تنظيم لعلاقة المسلمين بغير المسلمين على ما سوف نشرحه في مناسباته. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ٢٠] وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) . (١) الحكم: بمعنى الحكمة أي كل ما فيه السداد والصواب والنظر الصائب من أمر وقول وفعل. (٢) الشريعة: بمعنى الطريقة أو المنهج. (٣) من الأمر: المقصد من الجملة (من أمر الدين) . عبارة الآيات واضحة، ويبدو أنها جاءت معقبة على الآيات السابقة: ١- فمع أن الله تعالى قد آتى بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات وفضلهم على الناس في ذلك فإن هذا لم يمنعهم من الاختلاف والنزاع

стр. 2237

بعد ما جاءهم من العلم بغيا بغير حق. ٢- ولسوف يقضي الله بينهم يوم القيامة فيؤيد الحق وأهله ويزهق الباطل وأهله. ٣- ولقد جعل الله النبي على طريق واضح من الحق والهدى فعليه وعلى المؤمنين أن يسيروا فيها ولا ينحرفوا عنها ولا يختلفوا ويتنازعوا فيها كما فعل بنو إسرائيل ولا يتبعوا أهواء الجاهلين ولا يعبأوا بمواقف الكافرين الظالمين. فهؤلاء بعضهم أولياء بعض ولن تغني عنهم ولا يتهم لبعضهم من الله شيئا. ٤- والله إنما هو ولي الذين يتّقونه ويلتزمون حدوده. ٥- وإن في هذه التقريرات لبصائر للناس وهدى من شأنها أن تحملهم على التدبر والارعواء وفهم الأمور على وجهها الحق، وفيها بصورة خاصة الهدى والرحمة لمن حسنت نيته ورغب في الحق وشعّ نور اليقين في قلبه. والآيات تنطوي على التهدئة والتثبيت والتطمين والبشرى للمسلمين كما هو واضح، ومن هنا جاء معنى التعقيب فيها على الآيات السابقة كما هو المتبادر. وفي تقرير اختلاف بني إسرائيل- بغيا بعد ما جاءهم من العلم- إشارة إلى انحرافهم عن شرائع الله ووصاياه بعد ما كان لهم عند الله بسبب التزامهم ذلك المكان المفضل وأغدق عليهم عنايته في أشكال متنوعة حيث يتضمن ذلك: ١- التنديد بهم. (٢) وتقرير كونهم فقدوا بانحرافهم وبغيهم وتحريفهم لكتب الله مزية التفضيل التي منحهم إياها مما فيه تأييد لما قلناه في سياق تفسير السورة السابقة. ٣- وقد يكون فيه إلى ذلك تحذير للمسلمين من الوقوع فيما وقعوا فيه وهذا قد تكرر كثيرا في الآيات المكية والمدنية. هذا، ونكرر في صدد عبارة وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة من اتفاق المؤولين والمفسرين من أن ذلك بالنسبة للعالمين في

стр. 2238

الزمن الذي شاءت حكمة الله أن يفضلهم فيه بسبب استقامتهم وليس على سبيل الشمول والاستمرار، وما ذكرناه في مدى تقرير اختلاف بني إسرائيل بغيا منهم مما يؤيد ذلك كما هو المتبادر. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢١ الى ٢٢] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) . (١) اجترحوا: اقترفوا أو ارتكبوا أو فعلوا، وفي سورة الأنعام وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [٦٠] . في الآية الأولى تساؤل فيه معنى التنديد بالذين يقترفون الأعمال السيئة ثم يتوهمون أنهم سيظلون بدون حساب وسؤال أو يكونون هم والذين يعملون الأعمال الصالحة سواء في مركز واحد في الحياة وبعد الممات وتوبيخ لهم على هذا التوهم الذي يقعون فيه. وفي الآية الثانية تقرير بأن الله تعالى إنما خلق السموات والأرض بالحق وأن من الحق أن تجزى كل نفس بما كسبت دون جنف ولا إجحاف. وفي الآيتين على ما يتبادر عودة على بدء إلى ما احتوته الآيات التي سبقت فصل بني إسرائيل أولا وتعقيبا على ما احتواه هذا الفصل وما بعده من تعقيب ثانيا. وهما والحالة هذه استمرار في السياق والموضوع. وقد استهدفتا تطمين المؤمنين الصالحين وإنذار الكفار المسيئين، وتنبيها موجها إلى العقل على عدم إمكان تسوية المسيئين مع المحسنين وخلق الله للكون عبثا. وهذه المعاني قد تكررت في القرآن ومرت أمثلة عديدة من ذلك في السور السابقة وفيها بطبيعة الحال حثّ مستمر المدى والتلقين على الإيمان والعمل

стр. 2239

الصالح وتثبيت للمؤمنين الصالحين وإنذار للمسيئين في كل مكان وزمان، وبيان لحكمة البعث والجزاء الأخرويين وكون الإيمان والعمل الصالح واجتراح السيئات من مكتسبات الإنسان التي يجزي جزاء عادلا عليها وفاقا لها. [سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٣] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) . في الآية لفت نظر فيه تنديد موجه إلى السامع لحالة الذي اتخذ من هواه إلها له عن علم وبينة وعناد فاستحق خذلان الله حتى غدا كمن ختم على سمعه فلا يسمع وعلى قلبه فلا يفهم وجعل على بصره غطاء فلا يرى. وانتهت بسؤالين أولهما يتضمن معنى التقرير بأن مثل هذا وأمثاله لن يستطيع أحد أن يهديهم بعد أن انصرف عن الله وانصرف الله عنه، وثانيهما يتضمن التنديد بالسامعين الذين لا يتدبرون هذه الحقيقة على وضوحها أو يتضمن الحث على تدبرها. وفي الآية تعقيب على الآيات السابقة كما هو المتبادر كأنما أريد بها التقرير بأن ما وجه فيها إلى العقول والقلوب من خطاب ولفت نظر لن يؤثر في الكفار لأن موقفهم موقف المتعمد للجحود، ولأنهم يتعامون ويتصاممون وينصرفون عن التدبر في آيات الله عنادا ومكابرة. تعليق على آية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ.. إلخ والمقصود من تعبير اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ إما أن يكون الإشارة إلى تحكم الهوى والغرض في المرء حتى يصبح مطيعا وخاضعا له كأنما هو إلهه. وإما تقرير كون ما عليه من عقائد وعبادات وعادات باطلة قائما على هوى النفس دون الحق والحقيقة. والآية تتحمل هذا وتتحمل ذاك وإن كنا نرجح الأول. والمقصود من تعبير وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أن ما هو عليه من موقف باطل جاحد ليس ناشئا عن جهل في الحق والحقيقة وإنما عن مكابرة وعناد مع العلم بهما ويكون معنى

стр. 2240

الجملة أن إضلال الله له إنما كان بسبب نيته الخبيثة من قبيل وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: ٢٦] على ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة. وقد توهم الآية أن فيها تأييسا للنبي ﷺ من الكفار بسبب موقف المكابرة والعناد المتعمد، ولسنا نرى محلا لذلك التوهم. فالآيات ظلت تتوالى على النبي ﷺ بالأمر بالاستمرار في الدعوة والتذكير والإنذار رغم استمرار الكفار في عنادهم ومكابرتهم. والاستمرار في ذلك هو مهمة الرسالة العظمى التي حملها النبي ﷺ من حيث المبدأ والأصل. وهذا لا يمنع أن تكون انطوت على تسلية النبي ﷺ وتطمينه وتثبيته كما هو شأن كثير من الآيات المماثلة أو المقاربة، بل إن ذلك هدف رئيسي من أهدافها فيما هو المتبادر. والآية في حدّ ذاتها تضمنت تلقينا مستمر المدى بالتنديد بكل مكابر جاحد للحق والحقيقة أو محرّف لهما أو منحرف عنهما لا سيما إذا كان صادرا في ذلك عن هوى في النفس ومرض في القلب وخبث في الطوية وعن عمد وتصميم. وهذه صورة موجودة في كل ظرف ومكان. هذا، والتأويل الذي أوّلنا به الآية والمستلهم من مضمونها وروحها ومضمون وروح الآيات والسياق عامة يزيل ما يمكن أن يرد من وهم بكون تعبير وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً هو بمعنى تحتيم الضلال على الضال أو تأبيده، وإنما هو في صدد تصوير شدة عناد الكفار وتصاممهم عن عمد وتصميم، وفي صدد تقرير كون إضلال الله إنما ترتب على ذلك، مع استدراك استدركناه في مناسبات سابقة وهو أن ذلك كله هو بسبيل تسجيل واقع أمر الكفار حين نزولها، وأن التأبيد فيه قاصر على الذين يستمرون فيه حتى الموت. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) .

стр. 2241

في هذه الآيات: ١- حكاية لما كان يقوله الكفار كلما وعدوا بالبعث والجزاء بعد الموت حيث كانوا يقولون على سبيل الإنكار: إن الحياة والموت ظاهرتان طبيعيتان أو دهريتان فنحن نحيا ونموت على طبيعة الكون والدهر، وليس من وراء ذلك شيء، وما يهلكنا إلّا كرّ الأيام والليالي. ٢- وحكاية لما كانوا يعمدون إليه من احتجاج كلما تليت عليهم آيات الله ووعيده بالآخرة حيث كان قصاراهم تحدي النبي ﷺ بالإتيان بآبائهم الميتين إذا كان صادقا في ما يقوله لهم وينذرهم به. ٣- ورد عليهم منطو على التقريع فقولهم هذا هو جزاف لا يستند إلى علم ويقين وإنما يصدرون به عن عناد ومكابرة. ٤- وأمر للنبي ﷺ بأن يقول لهم إنه هو الذي يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم ليوم القيامة، وإن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه والذي هو في قدرة الله تعالى ولو لم يفهمه أكثر الناس ويتيقّنوه. والآيات متصلة بما سبقها سياقا وموضوعا كما هو واضح، والآية الثانية تدل على أن تحدي الكفار بإحياء آبائهم كان يتكرر منهم كلما كانوا ينذرون بالبعث والحساب الأخرويين. وقد مرّ في سورة الدخان السابقة مثال من ذلك. وقد تضمن أسلوبها وروحها تزييفا لحجة الكفار وتحديهم حيث قررت أن البعث المنذر به هو ليوم القيامة والحساب وحينما يحل الأجل المعين في علم الله. وقد جاءت الآية الثالثة بعدها لتدعمها بتقرير هذه الحقيقة ولعل الفقرة الأخيرة منها قد قصدت تقرير كون البعث متأتيا عن حكمة ربانية وكون محل تحقيقها هو يوم القيامة.

стр. 2242

ولقد نبهنا في سياق تفسير آيات الدخان [٣٤- ٣٩] أن الردّ القرآني وحكمة عدم إجابة الكفار إلى تحديهم متسقة مع مشيئة الله في عدم إجابتهم إلى التحدي بالإتيان بمعجزة للبرهنة على ما في رسالة النبي ﷺ ودعواه بصلتها بالله من صدق وحقّ. فلا نرى حاجة إلى الإعادة ونكتفي بالقول: إن اتساق الرد هنا مع الردّ هناك دليل على صواب التوجيه والتنبيه إن شاء الله. ولقد روى الطبري في سياق الآية الأولى حديثا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنّما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فقال الله في كتابه وقالوا ما هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدهر قال فيسبّون الدهر فقال الله ﵎ يؤذيني ابن آدم بسبّ الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار» «١» . وحديثا آخر عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ قال: «يقول الله استقرضت عبدي فلم يعطني وسبّني عبدي يقول وا دهراه وأنا الدهر» . وحديثا ثالثا عن أبي هريرة كذلك عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله قال لا يقولنّ أحدكم يا خيبة الدهر فإنّي أنا الدهر أقلّب ليله ونهاره وإذا شئت قبضتهما» حيث ينطوي في الأحاديث توضيح نبوي وعظي يجب على المسلم أن يقف عنده. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٥] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)

стр. 2243

(١) جاثية: من الجثو وهو الجلوس على الركب جلسة المتقاضي أمام قاضيه. أو الجلوس جلسة القرفصاء جلسة الانتظار لقضاء الله. وذكر بعض المفسرين أن معناها: متجمعة إلى بعضها منتظرة قضاء الله في أمرها. (٢) لا يستعتبون: لا يطلب منهم تقديم الأعذار، أو لا تقبل منهم الأعذار، والأصل في معنى الاستعتاب إزالة العتب الناشئ من مساءة بالاعتذار عنها. جاءت الآيات معقبة على الآيات السابقة، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد تضمنت توكيد حقيقة البعث وصدق الوعد بتحقيقه، وما يكون من شمول رحمة الله فيه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما سوف يلقاه الكفار من خزي وتقريع ونار أبدية. كما تضمنت تذكيرهم بما كانوا يقولونه في جحود الساعة وشكهم فيها، وبما كانوا يقابلون به آيات الله من الهزء، وباغترارهم بالدنيا ونسيانهم هذا اليوم ونسيان الله لهم فيه مقابل ذلك وتقرير كون أعمالهم كانت تحصى عليهم وتكتب في كتاب الله فلن تقبل منهم الأعذار ولن يجدوا لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. وأسلوب الآيات قوي نافذ من شأنه أن يثير الرعب والخشية من الله في قلوب الكافرين والطمأنينة في قلوب المؤمنين وهو مما استهدفته كما هو المتبادر. وما ورد في الآيات من دعوة كل أمة إلى كتابها ومن قول الله لهم: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) قد ورد بأساليب أخرى في آيات سابقة وعلقناه على مداه بما يغني عن التكرار. وتعبير نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ قد قصد به المقابلة اللفظية لأن الله متنزه عن النسيان. والمتبادر أنه أريد به التناسي والإهمال أو إخراجهم من نطاق رحمة الله كما كانت هذه الرحمة تصيبهم في الدنيا.

стр. 2244

[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) . جاءت الآيتان خاتمة للسورة وخاتمة لحكاية مواقف الكفار وأقوالهم وإنذارهم والحملة عليهم جريا على أسلوب النظم القرآني في سور عديدة وبخاصة في سلسلة الحواميم. وهي خاتمة قوية حقا، فالله الذي أنزل آياته التي قررت ما قررت من ربوبيته الشاملة وعظمة كونه هو المستحق وحده للحمد وله وحده الكبرياء والتعالي فهو العزيز القوي الحكيم ربّ العالمين جميعا. ولقد روى البغوي بطرقه في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : يقول الله : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما أدخلته النار» . وفي الحديث صورة من صور التعليقات النبوية على الآيات على سبيل الوعظ والتنبيه. فالكبرياء والعظمة لا يمكن أن يكونا لغير الله المستغني عن غيره الذي هو الأعظم والأكبر من كل شيء فمن حاول التشبّه بالله فيهما انحرف عن الحق واستحق عذاب الله. [تمّ بتوفيق الله الجزء الرابع ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوله تفسير سورة أحقاف]

стр. 2245

فهرس محتويات الجزء الرابع تفسير سورة يوسف ٧ تعليق على ما روي من أسباب نزول الآيات ٨ تعليق على مقدمة قصة يوسف ١١ تعليق على الحلقة الأولى من قصة يوسف ١٣ تعليق على الحلقة الثانية من قصة يوسف ١٧ تعليق على الحلقة الثالثة من قصة يوسف ٢٠ تعليق على الحلقة الرابعة من قصة يوسف ٢٦ تعليق على الآيات التي أعقبت قصة يوسف ٢٨ استطراد إلى ما يفعله بعض المسلمين من أفعال فيها سمة من سمات الشرك ٢٩ توضيح لمدى سبيل الله وواجب المسلمين عامة ٣٠ تفسير سورة الحجر ٣٤ تعليق على ما في آية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ... من معجزة ٣٧ تعليق على مدى الآية كَذلِكَ نَسْلُكُهُ.. ٤٢ تعليق على آية وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ.. ٤٦ تعليق على أبواب جهنم السبعة ٤٨ تعليق على مدى جملة بِما أَغْوَيْتَنِي ٤٩ تعليق على جملة وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً ... ٥٧ تعليق على آية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ٥٨ تفسير سورة الأنعام ٦٣ تعليق على كلمة قرطاس ٦٦ تعليق على طلب الكفار استنزال الملائكة وردّ القرآن ٦٨ تعليق على الآية قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ... ٧٣ تعليق على جملة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ... ٧٥ تعليق على جملة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ... ٧٩ تعليق على جملة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ... ٨٣ تعليق على جملة فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.. ٨٤ تعليق على آية وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ.. ٨٦ تعليق على جملة مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ.. ٨٩ تعليق على آية قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي.. ٩٤ تعليق على الآية وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ.. ٩٦ تعليق على الآية وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ.. ١٠١ بعض الأحاديث الواردة في قُلْ هُوَ الْقادِرُ.. ١٠٥ تعليق على آية وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ... ١٠٩ تعليق على جملة وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بالنسبة للنبي ١١١ تعليق على الآية قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ ... ١١٤ تعليق على وصف إبراهيم ﵇ بالحنيف ١١٩ تعليق على الآية وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ١٢١ تعليق على جملة وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ... ١٢٣ تعليق على جملة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ... ١٢٤ تعليق على الآية وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ... ١٣٠ تعليق على جملة لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ... ١٣١ تعليق على جملة وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ.. ١٣٤ تعليق على جملة كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ... ١٣٥ تعليق على آية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ ... ١٣٦ تعليق على الآية وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ... ١٣٩ تعليق على الآية أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي ... ١٤١ تعليق على آية فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ١٤٣ تعليق على جملة إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ١٤٧
следующие страницы →