← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

في هذه الآيات: ١- حكاية لما كان يقوله الكفار كلما وعدوا بالبعث والجزاء بعد الموت حيث كانوا يقولون على سبيل الإنكار: إن الحياة والموت ظاهرتان طبيعيتان أو دهريتان فنحن نحيا ونموت على طبيعة الكون والدهر، وليس من وراء ذلك شيء، وما يهلكنا إلّا كرّ الأيام والليالي. ٢- وحكاية لما كانوا يعمدون إليه من احتجاج كلما تليت عليهم آيات الله ووعيده بالآخرة حيث كان قصاراهم تحدي النبي ﷺ بالإتيان بآبائهم الميتين إذا كان صادقا في ما يقوله لهم وينذرهم به. ٣- ورد عليهم منطو على التقريع فقولهم هذا هو جزاف لا يستند إلى علم ويقين وإنما يصدرون به عن عناد ومكابرة. ٤- وأمر للنبي ﷺ بأن يقول لهم إنه هو الذي يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم ليوم القيامة، وإن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه والذي هو في قدرة الله تعالى ولو لم يفهمه أكثر الناس ويتيقّنوه. والآيات متصلة بما سبقها سياقا وموضوعا كما هو واضح، والآية الثانية تدل على أن تحدي الكفار بإحياء آبائهم كان يتكرر منهم كلما كانوا ينذرون بالبعث والحساب الأخرويين. وقد مرّ في سورة الدخان السابقة مثال من ذلك. وقد تضمن أسلوبها وروحها تزييفا لحجة الكفار وتحديهم حيث قررت أن البعث المنذر به هو ليوم القيامة والحساب وحينما يحل الأجل المعين في علم الله. وقد جاءت الآية الثالثة بعدها لتدعمها بتقرير هذه الحقيقة ولعل الفقرة الأخيرة منها قد قصدت تقرير كون البعث متأتيا عن حكمة ربانية وكون محل تحقيقها هو يوم القيامة.

стр. 2242

ولقد نبهنا في سياق تفسير آيات الدخان [٣٤- ٣٩] أن الردّ القرآني وحكمة عدم إجابة الكفار إلى تحديهم متسقة مع مشيئة الله في عدم إجابتهم إلى التحدي بالإتيان بمعجزة للبرهنة على ما في رسالة النبي ﷺ ودعواه بصلتها بالله من صدق وحقّ. فلا نرى حاجة إلى الإعادة ونكتفي بالقول: إن اتساق الرد هنا مع الردّ هناك دليل على صواب التوجيه والتنبيه إن شاء الله. ولقد روى الطبري في سياق الآية الأولى حديثا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنّما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فقال الله في كتابه وقالوا ما هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدهر قال فيسبّون الدهر فقال الله ﵎ يؤذيني ابن آدم بسبّ الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار» «١» . وحديثا آخر عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ قال: «يقول الله استقرضت عبدي فلم يعطني وسبّني عبدي يقول وا دهراه وأنا الدهر» . وحديثا ثالثا عن أبي هريرة كذلك عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله قال لا يقولنّ أحدكم يا خيبة الدهر فإنّي أنا الدهر أقلّب ليله ونهاره وإذا شئت قبضتهما» حيث ينطوي في الأحاديث توضيح نبوي وعظي يجب على المسلم أن يقف عنده. [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٥] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)

стр. 2243

(١) جاثية: من الجثو وهو الجلوس على الركب جلسة المتقاضي أمام قاضيه. أو الجلوس جلسة القرفصاء جلسة الانتظار لقضاء الله. وذكر بعض المفسرين أن معناها: متجمعة إلى بعضها منتظرة قضاء الله في أمرها. (٢) لا يستعتبون: لا يطلب منهم تقديم الأعذار، أو لا تقبل منهم الأعذار، والأصل في معنى الاستعتاب إزالة العتب الناشئ من مساءة بالاعتذار عنها. جاءت الآيات معقبة على الآيات السابقة، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد تضمنت توكيد حقيقة البعث وصدق الوعد بتحقيقه، وما يكون من شمول رحمة الله فيه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما سوف يلقاه الكفار من خزي وتقريع ونار أبدية. كما تضمنت تذكيرهم بما كانوا يقولونه في جحود الساعة وشكهم فيها، وبما كانوا يقابلون به آيات الله من الهزء، وباغترارهم بالدنيا ونسيانهم هذا اليوم ونسيان الله لهم فيه مقابل ذلك وتقرير كون أعمالهم كانت تحصى عليهم وتكتب في كتاب الله فلن تقبل منهم الأعذار ولن يجدوا لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. وأسلوب الآيات قوي نافذ من شأنه أن يثير الرعب والخشية من الله في قلوب الكافرين والطمأنينة في قلوب المؤمنين وهو مما استهدفته كما هو المتبادر. وما ورد في الآيات من دعوة كل أمة إلى كتابها ومن قول الله لهم: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) قد ورد بأساليب أخرى في آيات سابقة وعلقناه على مداه بما يغني عن التكرار. وتعبير نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ قد قصد به المقابلة اللفظية لأن الله متنزه عن النسيان. والمتبادر أنه أريد به التناسي والإهمال أو إخراجهم من نطاق رحمة الله كما كانت هذه الرحمة تصيبهم في الدنيا.

стр. 2244

[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) . جاءت الآيتان خاتمة للسورة وخاتمة لحكاية مواقف الكفار وأقوالهم وإنذارهم والحملة عليهم جريا على أسلوب النظم القرآني في سور عديدة وبخاصة في سلسلة الحواميم. وهي خاتمة قوية حقا، فالله الذي أنزل آياته التي قررت ما قررت من ربوبيته الشاملة وعظمة كونه هو المستحق وحده للحمد وله وحده الكبرياء والتعالي فهو العزيز القوي الحكيم ربّ العالمين جميعا. ولقد روى البغوي بطرقه في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : يقول الله : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما أدخلته النار» . وفي الحديث صورة من صور التعليقات النبوية على الآيات على سبيل الوعظ والتنبيه. فالكبرياء والعظمة لا يمكن أن يكونا لغير الله المستغني عن غيره الذي هو الأعظم والأكبر من كل شيء فمن حاول التشبّه بالله فيهما انحرف عن الحق واستحق عذاب الله. [تمّ بتوفيق الله الجزء الرابع ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوله تفسير سورة أحقاف]

стр. 2245

فهرس محتويات الجزء الرابع تفسير سورة يوسف ٧ تعليق على ما روي من أسباب نزول الآيات ٨ تعليق على مقدمة قصة يوسف ١١ تعليق على الحلقة الأولى من قصة يوسف ١٣ تعليق على الحلقة الثانية من قصة يوسف ١٧ تعليق على الحلقة الثالثة من قصة يوسف ٢٠ تعليق على الحلقة الرابعة من قصة يوسف ٢٦ تعليق على الآيات التي أعقبت قصة يوسف ٢٨ استطراد إلى ما يفعله بعض المسلمين من أفعال فيها سمة من سمات الشرك ٢٩ توضيح لمدى سبيل الله وواجب المسلمين عامة ٣٠ تفسير سورة الحجر ٣٤ تعليق على ما في آية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ... من معجزة ٣٧ تعليق على مدى الآية كَذلِكَ نَسْلُكُهُ.. ٤٢ تعليق على آية وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ.. ٤٦ تعليق على أبواب جهنم السبعة ٤٨ تعليق على مدى جملة بِما أَغْوَيْتَنِي ٤٩ تعليق على جملة وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً ... ٥٧ تعليق على آية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ٥٨ تفسير سورة الأنعام ٦٣ تعليق على كلمة قرطاس ٦٦ تعليق على طلب الكفار استنزال الملائكة وردّ القرآن ٦٨ تعليق على الآية قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ... ٧٣ تعليق على جملة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ... ٧٥ تعليق على جملة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ... ٧٩ تعليق على جملة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ... ٨٣ تعليق على جملة فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.. ٨٤ تعليق على آية وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ.. ٨٦ تعليق على جملة مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ.. ٨٩ تعليق على آية قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي.. ٩٤ تعليق على الآية وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ.. ٩٦ تعليق على الآية وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ.. ١٠١ بعض الأحاديث الواردة في قُلْ هُوَ الْقادِرُ.. ١٠٥ تعليق على آية وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ... ١٠٩ تعليق على جملة وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بالنسبة للنبي ١١١ تعليق على الآية قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ ... ١١٤ تعليق على وصف إبراهيم ﵇ بالحنيف ١١٩ تعليق على الآية وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ١٢١ تعليق على جملة وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ... ١٢٣ تعليق على جملة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ... ١٢٤ تعليق على الآية وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ... ١٣٠ تعليق على جملة لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ... ١٣١ تعليق على جملة وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ.. ١٣٤ تعليق على جملة كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ... ١٣٥ تعليق على آية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ ... ١٣٦ تعليق على الآية وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ... ١٣٩ تعليق على الآية أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي ... ١٤١ تعليق على آية فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ١٤٣ تعليق على جملة إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ١٤٧

стр. 2246

تعليق على جملة وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ ... ١٤٨ تعليق على الآية وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ ... ١٥٠ تعليق على آية وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ ... ١٥٣ تعليق على جملة فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ... ١٥٦ تعليق على الآية وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ... ١٥٨ تعليق على تقاليد المشركين في الأنعام والحرث وقتل الأولاد ١٦٣ تعليق على الآية وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ ... ١٦٧ تعليق على الآية فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ... ١٧١ تعليق على الآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ... ١٧١ تعليق على آية وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ... ١٧٧ تعليق على الآية سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ... ١٨٢ تعليق على جملة قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ ... ١٨٤ تعليق على آية قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ ... ١٨٥ تعليق على جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ١٨٨ تعليق على الآية ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ... ١٩٠ تعليق على موضوع ترجمة الكتب السماوية ... ١٩٢ تعليق على جملة يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ ... ١٩٥ تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ... ١٩٧ تعليق على الآية مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ ... ٢٠١ تعليق على آية قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي ... ٢٠٤ تعليق على جملة وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ... ٢٠٥ تفسير سورة الصافات ٢٠٧ تعليق على قصة إبراهيم ﵇ ومسألة الذبح ٢٢٠ تعليق على جملة وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ٢٢٤ تعليق على ما وصف بكذبات إبراهيم ﵇ ٢٢٥ تعليق على قصة إلياس ﵇ ٢٢٧ تعليق على اسم بعل ٢٢٨ تعليق على قصة لوط ﵇ ٢٢٩ تعليق على قصة يونس ﵇ ٢٣٠ تعليق على انصباب التنديد بالمشركين ٢٣٣ تعليق على جملة وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ ... ٢٣٥ تعليق على آية وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ... ٢٣٦ تفسير سورة لقمان ٢٤٠ تعليق على الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ ... ٢٤٣ تعليق على وصف الجبال والسماء ٢٤٤ تعليق على شخصية لقمان وما في مواعظه من تلقين ٢٤٧ تعليق على حدود واجب الأولاد إزاء الآباء ٢٥٠ تعليق على وصف الشرك بالظلم العظيم ٢٥٢ تعليق على اختصاص الأم بالذكر ٢٥٢ تعليق على الجملة القرآنية على التمسك بتقاليد الآباء ٢٥٤ تعليق على جملة أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ ... ٢٥٥ تعليق على رواية مدنية الآيات [٢٧- ٢٨- ٢٩] ٢٥٩ تعليق على آية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ٢٦٣ تفسير سورة سبأ ٢٦٤ تعليق على جملة وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ... ٢٦٦ تعليق على قصة داود وسليمان في السورة ٢٧١ تعليق على قصة سبأ وسيل العرم ٢٧٥ تعليق على المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين ٢٨٤ تعليق على جملة لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ ... ٢٨٤ تعليق على جملة نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ... ٢٨٨ أحاديث واردة في سياق الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ ... ٢٨٨ تعليق على جملة إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ... ٢٩٣ تفسير سورة الزمر ٢٩٧

стр. 2247

تعليق على جملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ ... ٢٩٩ تعليق على جملة خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ٣٠١ تعليق على جملة إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ... ٣٠٢ تعليق على جملة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ... ٣٠٥ تعليق على أمر الله للنبي في السورة بعبادة الله وحده ٣٠٧ تعليق على إلهام جملة وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ بالهجرة ٣٠٧ التلقين المنطوي في الآية قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا ... ٣٠٩ تعليق على جملة قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ... ونزوله على سبعة أحرف ٣١٨ تعليق على الآية ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ... ٣٢٤ تعليق على جملة فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ ٣٣٥ تعليق على آية يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... ٣٣٧ تعليق على جملة وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ ... ٣٤١ تعليقات على الآية وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ٣٤٤ تفسير سورة غافر ٣٥٠ تعليق على جملة ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ٣٥٢ تعليق على ما جاء عن الملائكة في هذه الآيات ٣٥٣ تعليق على جملة وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ ... ٣٥٦ تعليق على جملة أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ٣٥٨ تعليق على جملة وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ٣٦٠ تعليق على آية فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ... ٣٦٠ تعليق على قصة موسى وفرعون ومؤمن آل فرعون ... ٣٦٥ استطراد إلى مذهب التقية بصورة عامة وعند الشيعيين خاصة ٣٦٨ تعليق على ذكر عاد وثمود ورسالة يوسف في الآيات ٣٧٠ تعليق على جملة النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... ٣٧٢ تعليق على جملة إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ... ٣٧٧ تعليق على جملة وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ٣٧٧ تعليق على موضوع الدجال ونزول عيسى ﵇ في آخر الزمان ٣٨٠ تعليق على جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ٣٩٥ تعليق على روايات عدد الأنبياء ٣٩٦ تفسير سورة فصّلت ٤٠٤ تعليق على خلق السموات والأرض الوارد في السورة ٤٠٨ تعليق على التباين في المشاهد الأخروية ٤١٢ تعليق على الآية وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ ٤١٣ تعليق على آية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... ٤١٧ تعليق على آية وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ... ٤١٩ تعليق على رواية عجيبة في صدد نزول الآية [٣٥] ٤٢٢ تعليق على عبادة الشمس والقمر عند العرب ٤٢٤ تعليق على جملة وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا ... ٤٢٨ تعليق على جملة لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ... ٤٢٩ تفسير سورة الشورى ٤٣٥ رواية عجيبة عن سرّ حم عسق ٤٣٧ تعليق على حديث مروي في صدد الفقرة فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ ... ٤٣٩ تعليق على جملة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٤١ تعليق على آية شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ ... ٤٤٣

стр. 2248

تعليق على جملة وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ ... ٤٤٦ تعليق على آية فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ... ٤٤٧ تعليق على آية وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ... ٤٥٢ تعليق على جملة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ... ٤٥٧ تعليق على آية وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ... ٤٦٥ تعليق على آية وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ ٤٦٦ تعليق على الآية وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ ... ٤٦٨ تعليق على آيات وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ ... ٤٧٣ تعليق على آية وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ... ٤٨٣ تفسير سورة الزخرف ٤٨٨ تعليق على آية أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ ... ٤٨٩ تعليق على جملة أُمِّ الْكِتابِ ٤٩٠ تعليق على تكرار توكيد عروبة القرآن ٤٩٠ تعليق على ما احتوته الآيات [١٦- ١٨] من وصف الإناث ٤٩٤ تعليق على آية وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ... ٤٩٦ تعليق على آية وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ... ٤٩٩ تعليق على آية وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ ... ٥٠١ تعليق على جملة وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ... ٥٠٢ تعليق على جملة وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ ... ٥٠٦ تعليق على آية وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ... ٥٠٨ تعليق على آية وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ ... ٥١٥ تعليق على جملة ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ... ٥١٦ تعليق على تأويل الشيعة للآية فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ... ٥١٨ تعليق على خبر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان ٥١٩ تعليق على رسالة عيسى ﵇ لقومه وشخصيته وأقواله ٥٢١ تعليق على صحاف الذهب وأكواب الذهب ٥٢٤ تعليق على اسم مالك خازن النار واستطراد إلى الملائكة ٥٢٦ تعليق على جملة فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ ٥٣٢ تفسير سورة الدخان ٥٣٤ تعليق على آية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ٥٣٦ تعليق على آية فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ... ٥٣٩ تعليق على توالي الإنذار بانتقام الله ٥٤٣ تعليق على تعبير وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ٥٤٤ تعليق على آية وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ ... ٥٤٧ تعليق على جملة فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ٥٤٨ تعليق على آية فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٥٥٢ تعليق على السندس والإستبرق ٥٥٦ تفسير سورة الجاثية ٥٥٧ تعليق على آية قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ... ٥٦١ تعليق على آية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ... ٥٦٦

стр. 2249

الجزء الخامس السور المفسرة في هذا الجزء «١» ١- الأحقاف. ٢- الكوثر. ٣- الغاشية. ٤- الكهف. ٥- النحل. ٦- نوح. ٧- إبراهيم. ٨- الأنبياء. ٩- المؤمنون. ١٠- السجدة. ١١- الطور. ١٢- الملك. ١٣- الحاقة. ١٤- المعارج. ١٥- النبأ. ١٦- النازعات. ١٧- الانفطار. ١٨- الانشقاق. ١٩- الروم. ٢٠- العنكبوت. ٢١- المطففون. ٢٢- الرعد.

стр. 2250

سورة الأحقاف في السورة حكاية لمواقف وأقوال الكفار وصور من الجدل والمناظرة بينهم وبين النبي ﷺ ، وردود تنديدية وحجج مفحمة في سياقها، وإنذار للكافرين وتطمين للمؤمنين بمصائر كل منهم يوم القيامة. واستشهاد على صحة الدعوة المحمدية وصدق القرآن بالتوراة وموسى وإسلام بعض بني إسرائيل. وتنويه بالأبناء الصالحين وتنديد بالعاقّين، وتذكير بما كان من أمر عاد ورسولهم وهلاكهم. وحكاية لاستماع جماعة من الجن للقرآن وتأثرهم به وتدليل على قدرة الله على بعث الموتى. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [١٠ و ١٥ و ٣٥] مدنيات، وانسجامها في السياق والموضوع وما يبدو عليها من طابع العهد المكي بقوة يسوّغ التوقف في الرواية. وفصول السورة مترابطة مما فيه الدليل على نزولها دفعة واحدة أو متتابعة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) . ابتدأت السورة بحرفي الحاء والميم للاسترعاء والتنبيه على ما قلناه في أمثالهما. وأعقبهما تقرير توكيدي بأن القرآن تنزيل من الله المتصف بالعزة والحكمة جريا على النظم الذي كان في السور السابقة.

стр. 2251

ثم أكدت الآية الثالثة بأن الله لم يخلق السماء والأرض وما بينهما عبثا وإنما بحق وحكمة ولأجل معين في علمه. وعنفت الكافرين الذين يكابرون ويعرضون عما أنذروا به ودعوا إليه. ويبدو من فحوى الآيات التالية أن هذه الآيات مقدمة لما احتوته تلك من حكاية مواقف الكفار وأقوالهم ومجادلتهم. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٤ الى ٦] قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) . (١) أثارة من علم: شيء من علم يقيني تأثرونه عن أحد أو بينة أو دلالة من مثل ذلك. في الآية الأولى أمر للنبي ﷺ بسؤال الكفار سؤالا ينطوي على التحدي عما إذا كان شركاؤهم خلقوا شيئا من الأرض أو لهم شركة في السماء حتى يستحقوا العبادة مع الله، وبطلب البرهان على الأهلية التي يرونها فيهم لذلك مستمدا من كتاب إلهي أو علم صحيح إن كانوا صادقين في دعواهم وعقيدتهم. أما الآيتان الثانية والثالثة فقد احتوتا تعقيبا على هذا التحدي قائما على فرض الواقع من عجزهم عن الإجابة. وقد جاء ذلك بأسلوب التساؤل عما إذا كان هناك من هو أضلّ من الذين يدعون من دون الله من لا يمكن أن يستجيبوا لهم ولو ظلوا يدعونهم إلى يوم القيامة وهم في غفلة عن هذا الدعاء لا يدرون من عبادة عابديهم شيئا ولا يستجيبون لشيء من دعائهم أولا، وإذا حشر الناس يوم القيامة وقفوا منهم- أي الكفار المشركين الذين كانوا يدعونهم في الدنيا ويعبدونهم- موقف

стр. 2252

العدو وأنكروا عبادتهم واستنكروها ثانيا. والآيات متصلة بالمطلع كما هو واضح من حيث احتواؤها تحديا موجها للمشركين الكافرين الذين ندد بهم فيه. وأسلوبها قوي محكم ولاذع في مجال الإفحام والحجة والتحدي والتقريع كما هو ظاهر. وبدؤها بأمر قُلْ قد يدل على أنها في صدد موقف حجاجي وجاهي مع بعض المشركين أو ما هو بمثابة ذلك. والمتبادر أن المقصود من الذين يدعوهم المشركون من دون الله والذين تشير إليهم الآية [٥] هم الملائكة بقرينة تقرير الآية التالية لها بأنهم يقفون من عابديهم يوم القيامة موقف العداء والإنكار. وفي آيات سورة الفرقان [١٧- ١٨] وسورة سبأ [٤٠- ٤١] اللتين مرّ تفسيرهما صراحة مؤيدة لذلك. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٧ الى ٩] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) . (١) تفيضون فيه: تتحدثون وتتبادلون الكلام الكثير فيه. (٢) بدعا: شيئا مبتدعا لا سابق له. في الآيات: ١- حكاية لما كان يقوله الكفار حينما كانت تتلى عليهم آيات الله الواضحة حيث كانوا يقولون إن ما احتوته من أخبار البعث والحساب الأخروي وغير ذلك من أمور هو سحر، أو لا يخرج عن تخيلات السحر. أو حيث كانوا يتهمون النبي ﷺ بافتراء القرآن ونسبته إلى الله كذبا.

стр. 2253

٢- وأوامر بالرد عليهم بقوله إني لو كنت مفتريا على الله فإني أكون قد استحققت غضبه وهو قادر على إنزال نقمته وصب بلائه عليّ ولا يملك أحد حمايتي منه وهو أعلم بما تقولون من أقوال وتتهمونني به من تهم. وهو شهيد عادل بيني وبينكم وكفى به شهيدا. وهو المتصف مع ذلك بالمغفرة والرحمة وعلمه متسع لأقوالكم المثيرة. وإني لست بدعا في دعوتي ورسالتي فقد سبقني رسل دعوا مثلي إلى الله، ونزل عليهم كتب من الله. وإن قصاراي أن أنذركم وأبلغكم ثم أقف عند حدود ما يوحي الله به إليّ. ولا أدري ما سوف يفعله الله في المستقبل بي وبكم. وواضح أن الآيات هي استمرار في حكاية موقف المناظرة والحجاج بين النبي ﷺ والمشركين التي بدىء بها في الآيات السابقة. والاتصال بينهما قائم سياقا وموضوعا، وأسلوبها قوي أخّاذ ومفحم معا وموجه إلى القلوب والعقول وبخاصة ما أمر النبي ﷺ بقوله في ردّ تهمة افتراء القرآن. وجملة وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ في مقامها رائعة ذات مغزى بديع، وهي أن غفران الله ورحمته تتسعان للناس رغم ما يصدر منهم من أقوال بذيئة فيها سوء أدب نحو الله ورسله، ومن انحراف عن طريق الحق والهدى. وهذا يجعله لا يعجل لهم بالعذاب ويمد لهم لعلهم يرجعون ويهتدون وإليه مرجعهم في الآخرة حيث يحق العذاب على من بقي مصرا على موقفه وهذا المعنى قد تكرر بأساليب مختلفة مرّت أمثلة عديدة منه في السور السابقة. [سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٠] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) . الضمير في مِثْلِهِ عائد إلى القرآن على ما قاله جمهور المؤولين وما يفيده فحوى الآية. وقد تضمنت أمرا للنبي ﷺ بسؤال الكفار سؤال المستنكر المندد عن عنادهم واستكبارهم وقد شهد من بني إسرائيل شاهد على صدق مثله

стр. 2254

وهو التوراة التي أوحى الله بها إلى موسى ﵇ ثم آمن به لأنه مماثل لها في المصدر والمدى. وتقريرا قرآنيا بأن الله لا يمكن أن يوفق ويسعد الظالمين المنحرفين عن الحق أمثالهم الذين يقفون مثل هذا الموقف العنيد المستكبر من آياته ورسله. والآية استمرار في موقف المناظرة والحجاج وبالتالي فهي متصلة بالسياق. ولما كان بنو إسرائيل بخاصة وأهل الكتاب بعامة موضع ثقة عند أهل بيئة النبي ﷺ فالآية تنطوي على إفحام وإلزام قويين كما هو المتبادر. تعليق على ما روي في صدد هذه الآية من روايات وما احتوته من تسجيل لقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن هذه الآية مدنية. وروى الطبري والبغوي في سياقها حديثا رواه البخاري أيضا عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنّه من أهل الجنة إلّا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ... إلخ [١٠] » «١» . وروى الطبري روايات عديدة عن مواقف تصديقية وإيمانية لعبد الله بن سلام كان يفحم فيها اليهود وفي كل منها ذكر أن هذه الآية نزلت في مناسبتها. وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام نفسه أنه قال: «نزلت فيّ آيات من كتاب الله فنزلت فيّ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى آخر الآية، ونزلت فيّ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» «٢» [الرعد: ٤٣] . وقال ابن كثير: إن هذا ما قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة والسدي والثوري ومالك بن أنس! على أن الطبري والبغوي يرويان عن مسروق: «والله ما نزلت في عبد الله بن سلام وما نزلت إلّا بمكة وما أسلم

стр. 2255

عبد الله بن سلام إلّا بالمدينة. ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه فنزلت لها» . وقال البغوي: إن هناك من قال إن الشاهد هو موسى ﵇ وإن الآية بسبيل تقرير كون القرآن مثل التوراة وكون موسى قد شهد على التوراة. ويلحظ أن الانسجام تام بين الآية وما قبلها موضوعا وسبكا وسياقا. وأن الخطاب فيها موجه إلى الكفار وبسبيل الرد عليهم وإفحامهم في موقف جدلي ووجاهي. وهذا مما يقوي القول المروي عن مسروق. وقد قال الطبري إنه الأولى بالصواب. وقد يكون إسلام عبد الله بن سلام أو بعض مواقفه قد ذكر في مجلس من المجالس وتليت الآية فالتبس الأمر على الرواة وظنوها نزلت فيه. ولسنا نرى القول الذي ذكره البغوي بأن الشاهد هو موسى ﵇ متسقا مع فحوى الآية إذا ما تمعن فيها. لأنها تفيد أن هناك شهادة عيانية وإيمانا واقعيا من إسرائيلي في ظروف نزولها وبهذا فقط تلزم الحجة المتوخاة منها للكفار. وهذا كله يجعلنا نعتقد أن الآية بسبيل ذكر حدوث تلك الشهادة والإيمان في مكة على علم ومسمع من الكفار ولقد كانت الصلات وثيقة بين مكة والمدينة التي كان فيها جالية كبيرة من الإسرائيليين ومن المعقول أن يكون بعضهم قد تسلل إلى مكة وأقام فيها أو على الأقل أن يكون بعضهم يتردد عليها للتجارة وغير ذلك من الشؤون. ولقد تكرر استشهاد الآيات المكية بأهل الكتاب وأهل العلم إطلاقا وتكرر تقرير كونهم كانوا يشهدون بأن القرآن منزل من الله ويؤمنون به مما مرت منه أمثلة عديدة وليس من مانع من أن يكون من هؤلاء إسرائيليون. وهكذا يمكن أن يقال بشيء من الجزم إن الآية تسجل إيمان إسرائيلي بالقرآن والنبي ﷺ بصراحة في العهد المكي والله تعالى أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١١ الى ١٢] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) .

стр. 2256

في الآيات: ١- حكاية لقول صدر عن الكفار موجه إلى المؤمنين برسالة النبي ﷺ وهو أن القرآن والرسالة المحمدية لو كانا حقا وصدقا وخيرا لما تركناهم يسبقوننا إليهما وإنهما لكذب من الأكاذيب القديمة ولذلك لم نؤمن بهما. ٢- وردّ عليهم بأن كتاب موسى هو قديم جاء قبل القرآن وهو هدى ورحمة، وبأن القرآن مثله ومتطابق معه نزل باللغة العربية لإنذار الظالمين وتبشير المحسنين. والآيات كما هو واضح استمرار في السياق السابق من حيث حكاية مواقف الكفار وحجاجهم. ولقد تعددت الأقوال في القائلين والمقول عنهم حسب تعددها في الآية السابقة حيث قيل إن القائلين اليهود الذين ظلوا كافرين بعد إسلام عبد الله بن سلام وقيل إن القائلين بعض زعماء قريش والمقول عنهم بعض فقراء المسلمين ومنهم من سمّي عمّارا وبلالا وصهيبا. ومعظم المفسرين رجحوا القول الثاني «١» وهو الأوجه ولا سيما إنه صدر قبل هذه المرة أيضا على ما حكته آية سورة الأنعام هذه: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وهذا يعني أن هؤلاء الزعماء عوتبوا من قبل بعض المؤمنين البارزين على عدم إيمانهم فأجابوا بما ذكرته الآية [١١] مما فيه صورة طريفة من صور السيرة النبوية في مكة ودليل على عدم قيام قطيعة شاملة بين المؤمنين والكفار، وهو ما ذكرت الروايات صورا كثيرة منه مبثوثة في كتب السيرة. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٣ الى ١٤] إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) . في الآيات ثناء على المستجيبين للدعوة المحمدية وتطمين لهم، ولعلها مما

стр. 2257

يدعم ما قلناه في سياق تفسير الآيات السابقة. وقد احتوت ردا قويا على الكفار: فمهما يكن من مركز الذين آمنوا فهم موضع ثناء الله وتطمينه، فليس هناك ما يثير فيهم الخوف والحزن وهم أصحاب الجنة خالدين فيها. وواضح أن الآيات بناء على ذلك متصلة بالسياق. ومع خصوصية الآيات الزمنية والموضوعية فإن إطلاقها يجعلها مستمد تلقين مستمر المدى ومبعث تطمين وبشرى دائم لكل مؤمن مستقيم على إيمانه قائم بما يوجبه هذا الإيمان من حقوق نحو ربّه وبني ملّته وبني جنسه ومجتمعه. كما أنه ينطوي فيها حثّ على ذلك كما هو المتبادر. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٥ الى ٢٠] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) . (١) أوزعني: يسّر لي أو ألهمني أو ادفعني وساعدني. (٢) أن أخرج: بمعنى أن أبعث بعد الموت. في الآيات تذكير وتمثيل بالولد الصالح والولد العاقّ وموقفهما من الله ووالديهما:

стр. 2258

١- فالله قد وصى الإنسان بوالديه إحسانا ولا سيما أمه التي قاست بسببه ما قاست من الشدة في الحمل وفي الوضع وفي الرضاع ثلاثين شهرا وفي تربيته إلى أن يصل مبلغ الرجال. ٢- والابن الصالح حينما يبلغ مبلغ الرجال والسنّ الناضجة يعلن إسلامه النفس لله ويستشعر بأفضال والديه عليه وواجبه نحوهما ويدعو الله أن يلهمه شكر نعمته ويعينه على العمل الصالح الذي يرضاه ويرزقه الذرية الصالحة. وأمثال هذا يتقبل الله منهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عما يمكن أن يكونوا ألمّوا به بسائق الغفلة من هنات وسيئات وينزلهم الجنة تحقيقا لوعده الصادق لهم. ٣- وهناك أبناء قست قلوبهم وفسدت سرائرهم فلم يستشعروا بأفضال الله ووالديهم، ومنهم من يكون آباؤهم مهتدين فيدعونهم إلى الهدى بأسلوب المستغيث المشفق الذي يخشى تعرضهم لغضب الله الذي وعده للكافرين ووعده الحقّ فيقابلون دعوتهم بالإنكار والاستخفاف ويردون عليهم قائلين كيف تعدوننا بالبعث والحساب وقد مرّت القرون الأولى ومن فيها دون بعث ولا حساب، وإن ما تقولونه ليس إلّا من قصص الأولين التي لا تستند إلى منطق وعقل ويقين، فأمثال هؤلاء هم في جملة الخاسرين من الإنس والجنّ الذين استحقوا غضب الله وعذابه. ٤- وعند الله لكل من هؤلاء وهؤلاء منازل ودرجات متناسبة مع أعمال كل منهم، وسوف يوفيهم الله ما يستحقون دون جنف وبخس وإجحاف. ٥- ولسوف يوجه الله تعالى الخطاب يوم القيامة إلى الذين كفروا حينما يساقون إلى النار ويصفون أمامها لطرحهم فيها قائلا: إنكم استوفيتم طيباتكم في الحياة الدنيا واغتررتم بما كان لكم فيها. وألهاكم ذلك عن التفكير في الله وواجبكم، وأضعتم الفرصة فسرتم في طريق الكفر والعصيان والاستكبار فاليوم تجزون بما تجزون وفاقا على سيرتكم هذه. وقد يبدو أنه لا صلة بين هذا الفصل والآيات السابقة ويتبادر لنا احتمال كون

стр. 2259

القول الذي حكي عن الكفار في الآية [١١] قد كان بين ابن كافر وأب مؤمن أو بالعكس. ويقوي هذا الاحتمال ورود تعبير أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في هذه الآيات وورود تعبير إِفْكٌ قَدِيمٌ في تلك الآية. فإذا صح هذا ونرجو أن يكون صوابا إن شاء الله فتكون الصلة قائمة بين هذه الآيات وما قبلها، وتكون هذه الآيات قد جاءت معقبة على ذلك الموقف. تعليق على آية وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً وما بعدها ولقد روي أن الشق الأول من هذا الفصل نزل في حق أبي بكر الذي أسلم هو وأبواه حتى لم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره أو في حق سعد بن أبي وقاص «١» . وأن الشق الثاني نزل في حق ابنه عبد الرحمن الذي تأخر في الإسلام عن أبيه وقتا ما. وقد روى الذين رووا أن الشق الثاني في حق عبد الرحمن أن عبد الرحمن عارض رغبة معاوية بن أبي سفيان في تعيين ابنه وليا للعهد حينما طلب مروان بن الحكم والي المدينة من الناس مبايعته فأغضب مروان فقال له: أنت الذي يعنيه الله في آيات الأحقاف؟ فقالت عائشة أخته: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلّا أنه أنزل عذري أو قالت كذب مروان والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان نقيض من لعنه الله «٢» . وقد روى بعض هذا البخاري وهذا نصه: «كان معاوية استعمل على الحجاز مروان فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية كي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه فقال مروان: إنّ هذا الذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ الآية، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من

стр. 2260

القرآن إلّا أنه أنزل عذري» «١» . على أن بعض المفسرين قالوا إنها عامة وعلى سبيل التمثيل والموعظة وهو ما نرتاح إليه «٢» . ولا سيما هناك روايات تذكر أن إسلام والد أبي بكر تأخر إلى الفتح المكي وأن والدة سعد لم تسلم ولم يكن له والد بالنسبة للروايات الواردة عن الشق الأول. وأثر الخلاف السياسي الحزبي الذي نشب في صدر الإسلام بارز على الرواية الواردة عن الشق الثاني. ومع ذلك فهذه الآيات وأمثالها مثل آيات سورة لقمان [١٤- ١٥] التي مرّ تفسيرها وآية سورة العنكبوت [٨] المماثلة لها تلهم أنه كان في مكة آباء مؤمنون وأبناء كافرون وأبناء مؤمنون وآباء كافرون وأن الآباء الكافرين كانوا يقفون من أبنائهم موقف الشدة والاضطهاد لحملهم على الارتداد وأن الأبناء الكافرين كانوا يقفون من آبائهم المؤمنين موقف العقوق والغلظة حينما كانوا يدعونهم إلى الاقتداء بهم والإيمان بالنبي والقرآن. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [١٥] مدنية، وهذا غريب لأن صلتها وانسجامها سبكا وموضوعا وثيقان مع بقية الآيات وكل منها متمم للأخرى. تعليق على جملة أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ولقد وقف بعض المفسرين عند جملة أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ وأوردوا بعض الأحاديث التي قد تلقي في روع المسلم خوفا من الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا وتأثير ذلك على ما قد يكون له من نعيم في الآخرة، فمما أورده البغوي حديث روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «دخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثّرت الرمال بجنبه فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإنّ فارس والروم قد وسّع عليهم وهم لا يعبدون الله! فقال:

стр. 2261

أولئك قوم قد عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا» . وحديث عن جابر بن عبد الله قال: إنّ عمر ﵁ رأى لحما معلقا في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ فقلت له: لحم اشتريته. فقال: أو كلما اشتهيت شيئا يا جابر اشتريته؟ أما تخاف هذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا. وقد علق البغوي المفسر على ذلك في سياق تفسير الآية قائلا: لما وبّخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي ﷺ وأصحابه الصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة، ثم أخذ يروي بعض أحاديث عن شظف عيش رسول الله ﷺ وأصحابه ومنها حديث عن عائشة جاء فيه: «ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ » وحديث آخر عنها جاء فيه: «لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما لنا إلّا الماء والتمر غير أنّ الله جزى نساء من الأنصار خيرا كنّ يهدين إلينا شيئا من اللبن» . ومنها حديث عن عبد الرّحمن بن عوف ﵁ أنه أتى بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفّن في بردة إن غطّي بها رأسه بدت قدماه وإن غطّي بها رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا منها ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجّلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. ومما أورده الطبري «أن عمر بن الخطاب قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي» . و «أنه لما قدم الشام صنع له طعام لم يصنع مثله فقال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنّة، فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن كان حظّنا في الحطام وذهبوا بالجنّة لقد باينونا بعيدا» و «أن النبي ﷺ دخل على أهل الصفّة وهي مكان يتجمع فيه فقراء المسلمين وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا قال: أنتم اليوم خير أو يوم يغدو أحدكم في حلّة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة. قالوا: نحن يومئذ بخير؟ قال: بل أنتم اليوم خير» . و «قال أبو هريرة: إنما كان طعامنا مع النبي ﷺ الأسودين الماء والتمر والله ما كنّا نرى سمراءهم هذه ولا ندري ما هي» . ومما

стр. 2262

أورده الطبرسي: «أن عليّ بن أبي طالب ﵁ كان يأكل أكلة العبد ويجلس جلسة العبد وكان يشتري القميصين فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر فإذا جاز أصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذفه. وكان يطعم الناس في ولايته خبز البرّ واللحم وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخلّ» . وهذه الأحاديث والروايات غير موثقة وغير واردة في كتب الأحاديث الصحيحة. ومع ذلك فإنها إن صحت فالأولى حملها على محمل الرغبة في التفرغ للمهام العظمى التي حملها رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وكبار أصحابه ﵃ والاستغراق فيها. أو تهوين الحرمان الذي كان يعيش فيه فقراؤهم، وليس فيها ما يدل على كراهية الاستمتاع بالطيبات دنيا، والآية موجهة إلى الكفار على سبيل التوبيخ لأنهم استغرقوا في الدنيا وشهواتها ونسوا الله وواجباتهم نحوه، ونحو خلقه فلم يبق لهم إلّا العذاب، فلا يصحّ أن تورد في مورد كراهية الطيبات بالنسبة للمسلم ولا سيما هناك آيات قرآنية صريحة تبيح الطيبات له وتنهاه عن تحريمها على نفسها ضمن حدود الاعتدال مثل آيات سورة الأعراف هذه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) ومثل آيات سورة المائدة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) حيث تنكر الآيات تحريم الطيبات وزينة الله وتقرر بأن للمؤمنين أن يستمتعوا بها مع الناس من دون إسراف ولا تجاوز وستكون من نصيبهم وحدهم يوم القيامة. وفي هذا ما فيه من قوة وروعة وتشجيع بل ونقض للفكرة التي أريد استخراجها من الآية بالنسبة للمسلم. فالاستمتاع إنما يكون مذموما محظورا إذا كان فيه إثم أو إسراف أو استغراق يحول

стр. 2263

دون مراقبة المسلم لربه ودون قيامه بواجباته. وإن المحرّم عليه هو الفواحش والإثم والبغي والشرك. تعليق على جملة إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً هذا، وبمناسبة ذكر الأربعين سنة في مقام التنويه بالسن التي يبلغ الإنسان فيها أشدّه نقول: إنه لا ينبغي أن يتبادر من ذلك أن الإنسان لا يكون مسؤولا قبل هذه السن. فمسؤوليته المادية والدينية تبدأ منذ وعيه للأمور وبخاصة منذ بلوغه الحلم، وفي سورة النساء آية تفيد ذلك وهي: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ... إلخ [٦] والمتبادر أن المقصود من العبارة الإشارة إلى أن الإنسان حينما يصل إلى سن الأربعين يكون نضجه قد اكتمل وتغدو مسؤوليته أشدّ وموقفه أدقّ في حالتي الصلاح والطلاح والخير والشر معا. ولقد بعث النبي ﷺ حينما بلغ هذه السن مما فيه تطبيق رباني ذو مغزى عظيم. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٢٥] وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) . (١) أخا عاد: المقصود رسول الله إلى قوم عاد وهو منهم وهو هود ﵇ كما ذكرت ذلك صراحة آيات أخرى مرت في سور عديدة سابقة.

стр. 2264

(٢) الأحقاف: معناها في اللغة صحارى الرمل أو كثبانه. وفي القسم الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب منطقة تعرف بالأحقاف شمال بلاد حضرموت، والمقصود من الكلمة في الآيات هذه المنطقة. (٣) وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه: النذر جمع نذير، وقد خلت بمعنى وقد مضت ومن بين يديه ومن خلفه قبله وبعده. والجملة تعقيب استطرادي أو استدراكي على ما قبلها. (٤) لتأفكنا: لتصرفنا. (٥) عارضا: هنا بمعنى السحاب. في الآيات أمر للنبي ﷺ بالتذكير بقوم عاد ونبيهم، حيث أرسل الله إليهم نذيرا منهم على جري عادته في إرسال النذر قبل هذا النذير وبعده. فدعاهم إلى الله وأنذرهم بعذابه فوقفوا منه موقف الجاحد وقالوا له إنما جئتنا لتصرفنا عن آلهتنا، وتحدّوه بالإتيان بعذاب الله الذي يعدهم به، فأجابهم إن علم ذلك عند الله وقصاراه أن يبلغهم رسالة ربّه، وقال لهم إنكم تصدرون في موقفكم وتحديكم عن جهل وحمق. وما لبث القوم أن رأوا سحابا أخذ يتجه نحوهم فحسبوه سحابا ممطرا ولكنه لم يكن في الحقيقة إلا آثار عاصفة شديدة أرسلها الله عليهم وفيها العذاب الشديد الذي تحدوا نبيهم به فدمرت كل شيء وأهلكت الجاحدين حتى لم يبق إلّا أطلال المساكن. وقد عقبت الآية الأخيرة على ذلك بتوجيه الخطاب للسامعين لتنبيههم أن الله يجزي بمثل هذا المجرمين الجاحدين من الأمم. والآيات قد جاءت بعد حكاية مواقف المناظرة والحجاج بقصد التذكير والتمثيل والتنبيه جريا على الأسلوب القرآني على ما ذكرناه في المناسبات السابقة ليكون فيها عظة للكفار الذين وقفوا نفس الموقف. ولقد كان العرب يعرفون قصة تدمير الله لمساكن عاد على ما تفيده هذه الآية في سورة العنكبوت: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ

стр. 2265

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) فاستحكمت الحجة والإنذار فيهم. وتعبير أَخا عادٍ هو من التعابير العربية المألوفة، ويراد به الإشارة إلى أن رسول عاد كان منهم كما هو الحال في رسول الله إلى العرب. وهذا الرسول هو هود ﵇ الذي تكررت حكاية قصته في سلاسل القصص السابقة ووصف فيها بأنه أخو عاد. ولقد روى البغوي بطرقه في سياق هذه الآيات حديثا عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه بياض لهواته وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه فقلت يا رسول الله إنّ الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون المطر وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذّب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا» «١» . وحديثا آخر عن عائشة أيضا قالت: «كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة تغيّر وجهه وتلوّن ودخل وخرج وأقبل وأدبر فإذا أمطرت السماء سرى عنه وذكرت له الذي رأيت قال: وما يدريك لعلّه يا عائشة كما قال قوم عاد فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا الآية [٢٤] فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم» . وأورد ابن كثير بالإضافة إلى الحديثين حديثا آخر في سياق الآيات رواه الإمام أحمد عن عائشة كذلك قالت: «إن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق السماء ترك عمله وإن كان في صلاته ثم يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ عاقبته فإن كشفه الله تعالى حمد ربّه وإن أمطر قال اللهمّ صيبا نافعا» . حيث ينطوي في الأحاديث صورة من صور مواقف رسول الله ﷺ عند بعض الآيات استشعارا بما فيها من عبرة ونذير وإشراكا للمسلمين في هذا الاستشعار. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)

стр. 2266

(١) فيما إن مكناكم فيه: فيما لم نمكنكم فيه، أي إنهم كانوا أقوى منكم وأشدّ تمكينا. (٢) فلولا: هنا بمعنى هلا للتحدي. (٣) قربانا: هنا بمعنى وسيلة للقربى والشفاعة. جاءت الآيات معقبة على القصة جريا على النظم القرآني. ووجه الخطاب فيها للسامعين فقد مكن الله لقوم عاد في الأرض وآتاهم من وسائل القوة ما لم يمكنه ويؤته لقوم النبي ﷺ السامعين وكان لهم سمع وأبصار وعقول فما استفادوا منها حينما جاءتهم آيات الله وجحدوها وسخروا منها. فحاق بهم سوء عواقب موقفهم دون أن تغني عنهم قوتهم وحواسهم وعقولهم شيئا. ولقد أهلك الله الأقوام الذين حول قوم النبي ﷺ وذكّر قوم النبي ﷺ بذلك فيما أنزله على رسوله من آيات متنوعة الأساليب لعلهم يتعظون ويرجعون عما هم فيه من غيّ وضلال. فلو كان الشرك بالله مغنيا لأصحابه ونافعا لكان الشركاء نصروا الذين عبدوهم وأشركوهم مع الله واتخذوهم وسيلة قربى إليه. ولكن هذا لم يكن، وقد خذلهم الشركاء عند ما حاق بهم العذاب وغابوا عنهم وظهر أن ما كانوا عليه لم يكن في الحقيقة إلّا إفكا وافتراء. والتعقيب قوي نافذ موجه إلى العقول والقلوب، وقد استهدف إثارة انتباه الكفار وحملهم على الاتعاظ بمن كان قبلهم ومن كان حولهم وأصابهم عذاب الله مع أنهم كانوا أشد منهم قوة وتمكنا، وصلة الآيات بالسياق قائمة واضحة. والمتبادر أن تعبير ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى بسبيل التذكير بالأقوام الذين ذكر

стр. 2267

القرآن قصصهم ممن كانوا يسكنون البلاد المتاخمة لمساكن الحجازيين السامعين للقرآن والموجه إليهم في بدء الأمر، أو واقعة على طريقهم ومناطق تجوالهم ورحلاتهم وهي قبائل عاد وتبّع في جنوب جزيرة العرب، وقبائل ثمود في شمالها ومدين وقوم لوط في الشمال الغربي ومصر في الجنوب الغربي والرسّ في شرق الجزيرة الشمالي وقوم نوح في العراق إلخ ... [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) . (١) صرفنا: وجهنا أو بعثنا. (٢) فلما قضى: فلما انتهى. في الآيات إخبار رباني بما كان من استماع جماعة من الجنّ للقرآن وبما كان من تأثيره فيهم وإنذارهم قومهم بالدعوة الربانية التي تضمنها، وحثهم على الاستجابة إليها وتخويفهم من عذاب الله وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. تعليق على آية وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ وما بعدها ولقد رويت روايات عديدة في سياق تفسير الآيات عن هذا الحادث، منها أنها نزلت على النبي ﷺ في طريق عودته من الطائف حزينا آيسا، فإنه لما ماتت زوجته خديجة ﵂ ثم مات عمه أبو طالب الذي كان ينصره ويحميه

стр. 2268

استوحش فسافر إلى الطائف لدعوة أهلها إلى الله وطلب النصرة منهم فلقي جفاء وتعرض لسفهاء القوم الذين سبّوه ورشقوه بالحجارة حتى أدموه، فقال: «اللهمّ إني أشكو إليك ضعف قوّتي وقلة حيلتي وهواني على الناس فأنت رؤوف وأنت أرحم الراحمين وأنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوّ ملّكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلّا بك» . ثم غادر الطائف يائسا حزينا حتى إذا بلغ نخلة قام في جوف الليل يصلّي مرّ به نفر من الجن فسمعوا القرآن فآمنوا وذهبوا إلى قومهم ينذرونهم ويدعونهم فنزلت الآيات بخبر ذلك «١» . وسألوه الزاد فقال: «كلّ عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكلّ بعرة أو روثة علف لدوابكم. قال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم الجنّ» «٢» . ومنها حديثان رواهما البخاري جاء في أحدهما: «قيل لعبد الله من آذن النبيّ ﷺ بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟ قال: آذنت بهم شجرة» «٣» . وجاء في ثانيهما: «قيل للنبي ﷺ : ما بال العظم والرّوث لا يستنجى بهما؟ قال: هما من طعام الجنّ وإنّه قد أتاني وفد جنّ نصيبين ونعم الجنّ فسألوني الزاد فدعوت الله لهم ألّا يمرّوا بعظم ولا بروثة إلّا وجدوا عليه طعاما» «٤» . ومنها حديث عن قتادة رواه الطبري جاء فيه: «إن النبي ﷺ قال: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجنّ فأيّكم يتبعني؟ فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا. فاتبعه عبد الله بن مسعود فدخل رسول الله شعبا يقال له الحجون وخطّ على عبد الله خطا ليثبته به قال ابن مسعود:

стр. 2269

فجعلت تهوي بي وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبيّ الله تلا القرآن، فلما رجع قلت: يا نبي الله، ما اللغط الذي سمعت؟ قال: اجتمعوا إليّ في قتيل كان بينهم فقضى بينهم بالحق» وفي رواية أخرى عن ابن مسعود «١» يبدو أنها تابعة أو متفرعة عن هذه الرواية: «أن النبي ﷺ سأله هل رأيت شيئا قال: نعم، رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض قال أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكلّ عظم حائل أو بعرة أو روثة» ، وفي رواية ثانية تبدو أنها متفرعة أيضا: «قلت يا رسول الله لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك وتقول لهم اجلسوا. فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطّفك بعضهم» . وفي رواية عن ابن عباس «٢» أن عددهم سبعة وأن رسول الله جعلهم رسلا إلى قومهم وفي رواية أخرى أنهم كانوا تسعة وأن أسماءهم: حسى وحسى، ومنسى، وساصر، وناصر، والأردوبيان، والأحتم، وزوبعة. وأنهم من حي يقال له بني الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا وهم عامة جنود إبليس. وأن الجن كانوا ثلاث صنوف منهم على صفة الطيور، ومنهم على صفة الحيات والكلاب، ومنهم من يحلون ويظعنون «٣» . وفي رواية عن ابن عباس «٤» جاء فيها: لما حيل بين الشياطين والسماء وأرسلت عليهم الشهب قالوا لبعضهم ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا شيء حدث فاضربوا في الأرض فانظروا فانصرفوا يبحثون حتى التقوا بالنبي ﷺ يصلي في أصحابه بنخلة صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن قالوا: هذا والله الذي حال بينكم فرجعوا إلى قومهم يقولون: «يا قومنا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنّا به» . وتعليقا على ذلك نقول: إن من هذه الأحاديث ما ورد في كتب الصحاح

стр. 2270

ومنها ما لم يرد. وفي جميعها غرائب وتناقضات ولقد روى المفسرون بعضها في سياق سورة الجنّ حتى ليتبادر من سياق بعضهم أن حادث الجن المذكور في سورة الجنّ وهذا الحادث واحد «١» . مع أن الشقة واسعة بين نزول السورتين- ربما كانت بضع سنين- ومع أن فحوى آيات كلّ من السورتين يفيد بقوة أنهما حادثان مختلفان ولم تسند رواية الاستماع في طريق العودة من الطائف بأي سند، ولم يرو أحد أنه سمع النبي ﷺ يذكر أنه دعا بالدعاء المروي ولم يكن معه أحد، وإحدى الروايات تذكر أن سماع الجن كان في طريق عودة النبي ﷺ من الطائف يائسا حزينا في نخلة بينما تذكر رواية أخرى أنها في نخلة أيضا ولكنه كان مع أصحابه وبينما تذكر رواية أخرى أنها كانت في بعض شعاب مكة حتى إن أصحابه افتقدوه وخافوا أن يكون اغتيل أو استطير. وإحدى الروايات تروى عن ابن مسعود أنه صحب النبي ﷺ حينما ذهب لتلاوة القرآن للجماعة إجابة لدعوته وأنه أخبر أصحابه بذلك في حين أن رواية أخرى عن ابن مسعود أيضا تذكر أنه لم يصحب النبي ﷺ أحد. والروايات تذكر أن النبي ﷺ رأى الجن بأشكالهم وثيابهم واجتمع بهم وقضى بينهم في حين أن فحوى الآيات يفيد أن الحادث قد أوحي به، ويلهم أن النبي ﷺ لم يشعر به. هذا إلى ما في الروايات من غرائب عن أشكالهم وزادهم وأسمائهم وقبائلهم وظروف الاستماع والاجتماع، في حين أن آية سورة الأعراف هذه: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [٢٧] تفيد أن الإنس لا يرون الجن «٢» . ولقد أورد ابن كثير الذي أورد هذه الأحاديث وغيرها قولا عن ابن عباس في سياق هذه الآيات أن رسول الله ﷺ ما قرأ على الجنّ ولا رآهم وإنما أوحي إليه

стр. 2271

قول الجن. وأورد قولا مماثلا للحسن البصري أحد مشاهير علماء التابعين نصه: «إنّ النبي ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم» . حيث يفيد هذا وذاك أن بعض علماء أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم لم يأخذوا ما ورد في الأحاديث من رؤية النبي ﷺ للجنّ ومحاورتهم معه وسماعه كلامهم ومعرفته لأسمائهم وقبائلهم وموطنهم كقضية مسلمة. ومهما يكن من أمر فإننا نكرر هنا ما قلناه في تعليقاتنا على موضوع الجن واستماعهم للقرآن في سورتي الناس والجنّ بوجوب الإيمان بما جاء في القرآن والثابت من الحديث، والوقوف عندهما بدون تزيد ولا تخمين وبوجوب الإيمان كذلك بأن ما ورد عنهم قد توخى فيه حكمة سامية. وقد يكون من هذه الحكمة تدعيم الدعوة النبوية. فالآيات السابقة لهذا الفصل هي في صدد إفحام الكفار وتقريعهم وإنذارهم. واحتوى الفصل السابق مباشرة تذكيرا بما كان من موقف الأمم المماثل لموقفهم، فجاء هذا الفصل على أثره كأنما أريد به تقريع الكفار بالحادث الذي فكر فيه. فالجن الذين لهم في أذهان العرب ما لهم من الصورة القوية لم يلبثوا أن تأثروا بقوة القرآن وروحانيته وصدق لهجته حينما سمعوه وأدركوا ما فيه من دعوة الحقّ فآمنوا وذهبوا إلى قومهم مبشرين منذرين. وبهذا البيان المستلهم من روح الآيات يكون هذا الفصل متصلا بالآيات السابقة سياقا وموضوعا أيضا. وقد يصح أن يضاف إلى هذا استئناسا برواية نزول الآيات في طريق عودة النبي ﷺ من الطائف حزينا يائسا أن حكمة الله شاءت أن يكون هذا الحادث الغيبي وأن ينزل به هذا القرآن لرفع معنويات رسول الله ﷺ وبثّ الصبر والثبات والأمل فيه وعدم إيئاسه من النجاح في مهمته. فإذا كان قومه في مكة والطائف يقفون منه هذا الموقف المناوىء المتصامم المؤذي فهناك طوائف من الجن يدهشون لبلاغة القرآن ويرون في دعوة الرسول ﷺ هدى ونورا ويستجيبون إليها ويذهبون إلى قومهم مبشرين منذرين بها.

стр. 2272

ومع ما قلناه من أن بعض علماء أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم لم يأخذوا خبر كلام النبي ﷺ مع الجن وسماعه لهم ورؤيته إياهم قضية مسلمة فإن من الحق أن يقال إن في الأحاديث التي أوردناها ما يفيد ذلك. ولقد أوردنا حديثا صحيحا آخر في سياق الآية [٣٥] من سورة (ص) فيه خبر رؤية النبي ﷺ لعفريت من الجن أيضا. ولقد علقنا على هذا الأمر بما رأيناه كافيا وما قلناه هناك يصح قوله هنا، والله تعالى أعلم. هذا، ومما هو جدير بالتنبيه أن فحوى هذه الآيات يلهم أن النفر المستمع كانوا ممن يؤمنون بالتوراة وبالتالي كانوا على الدين اليهودي في حين أن الذين حكي استماعهم للقرآن في سورة الجن كانوا- على ما تلهمه آيات هذه السورة ونبهنا عليه- على الدين النصراني. وهكذا تستحكم الحجة وقوة الإلزام على الكفار ويظهر وجه آخر من وجوه حكمة التنزيل القرآني فلقد آمن برسالة النبي ﷺ فريق من يهود الإنس ونصاراهم مما ذكرته إحدى آيات السورة وآيات أخرى في سور سابقة، منها القصص والإسراء، وشهدوا بأن القرآن حق منزل من الله وآمن بها فريق من يهود الجن ونصاراهم، وشهدوا بأن القرآن حق منزل من الله كذلك، فإصرار كفار العرب بعد هذا كله على موقفهم ضلال بيّن ومكابرة ظاهرة. [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) . (١) ولم يعي: ولم يتعب. (٢) أولو العزم: المتصفون بقوة النفس والعقل والإرادة. وقد صار هذا

стр. 2273

التعبير اصطلاحا يطلق على بعض رسل الله. (٣) كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة قصيرة من نهار كانت بمثابة بلغة أو بمثابة البرهة القصيرة التي لا تعدو ساعة من الوقت يقف فيها المسافر ليتبلغ بلقمة من الزاد ثم يستأنف سيره. في الآيات: ١- سؤال رباني عما إذا كان الكفار لا يقنعون بأن في خلق السموات والأرض دون عناء ولا تعب دليلا قاطعا على قدرته على إحياء الموتى. ٢- وتوكيد إيجابي بقدرته على ذلك وكونه قادرا على كل شيء. ٣- وإنذار للكفار بما سوف يكون من أمرهم يوم القيامة حيث يسألون حينما يعرضون على النار ليطرحوا فيها عما إذا كان هذا حقا فيجيبون بالإيجاب فيقال لهم حينئذ: ذوقوا العذاب جزاء كفركم وعنادكم. ٤- وأمر للنبي ﷺ بأن يصبر ويثبت في موقفه ومهمته كما صبر وثبت أولو العزم من الرسل قبله ولا حاجة إلى استعجال العذاب للكافرين فهو لا حق بهم حتما. وحينما يرون تحقيق ذلك سيشعرون كأنهم لم يلبثوا في موتهم إلّا ساعة قصيرة من نهار كانت بمثابة بلغة أو وقفة قصيرة يتبلغون فيها ثم صاروا إلى نكال الله الذي لا يقع إلّا على العصاة المشاقين لآيات الله ودعوته. وقد جاءت الآيات رابطة بين أجزاء الآيات وسياقها قبل فصلي عاد والجن الاستطراديين وخاتمة لموقف المناظرة والحجاج الذي كانت آيات السورة بسبيله. ومن هنا تكون الآيات متصلة بالسياق نظما وموضوعا. وقد جاءت في الوقت نفسه خاتمة لآيات السورة بالأسلوب المتكرر في خواتم السور السابقة. وفيها تطمين وتثبيت للنبي ﷺ . وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية الأخيرة مدنية، وهو غريب. ويلاحظ أنها متممة لما قبلها ومنسجمة بالسياق انسجاما تاما، وأسلوبها ومضمونها

стр. 2274

يمت إلى التنزيل المكي وظروفه وهذا ما يحمل على الشك في ذلك. ولقد ذكر بعض المفسرين «١» أن تعبير بَلاغٌ قد قصد به تقرير كون القرآن أو الإنذار الذي احتواه هو بلاغ للسامعين أو ما أمر النبي ﷺ بتبليغه. وما حملناه عليه وأولناه به قد قال به مفسرون آخرون «٢» والتعبير وروح الآية يتحملان المدلولين ونرجو أن يكون المعنى الذي رجحناه مع مفسرين آخرين هو الصواب إن شاء الله. لقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في أولي العزم من الرسل. فروى البغوي عن ابن زيد: أن كل الرسل كانوا أولي عزم وأن الله لم يبعث نبيا إلّا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل وأن (من) إنما دخلت على الكلمة للتجنيس لا للتبعيض. غير أن هذا المفسر قال إلى هذا أن بعضهم قال: إن جميع الأنبياء أولو عزم إلّا يونس بدليل أن الله تعالى قال للنبي ﷺ : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ ... الآية [٤٨] سورة القلم. وأن قوما قالوا: هم نجباء الرسل الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام والذين وصفوا في الآية الأخيرة من سلسلتهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [٩٠] وأن الكلبي قال: إنهم الذين أمروا بالمكاشفة على أعداء الدين وجهادهم وأن هناك من قال إنهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهم المذكورون على النسق في سورتي الأعراف والشعراء وأن ابن عباس وقتادة قالا: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى أصحاب الشرائع وهناك من أدخل يوسف وأيوب في عداد أصحاب العزم. وقال ابن كثير: إن أشهر الأقوال إنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم الذين ذكروا معا في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى. وقال الطبرسي: إنهم الذين شرّعوا الشرائع وأوجبوا على الناس الأخذ بها والانقطاع عن غيرها. ومع أن قول ابن زيد الذي رواه البغوي سديد فإن هذه المسألة لا يصح الجزم فيها إلّا بأثر نبوي وليس هناك مثل هذا الأثر.

стр. 2275

ولقد أورد ابن كثير في سياق ذلك حديثا رواه ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: «ظلّ رسول الله ﷺ صائما ثم طواه ثم ظلّ صائما ثم طواه ثم ظلّ صائما ثم قال: يا عائشة إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمّد ولا لآل محمد. يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلّا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ثم لم يرض مني إلّا أن يكلّفني ما كلّفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وإني والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي، ولا قوة إلّا بالله» . حيث ينطوي في الحديث موقف من مواقف النبي ﷺ الرائعة عند الآيات القرآنية وأخذه نفسه بأشد ما يكون من الصبر والجهد والاستغراق في طاعة الله استلهاما منها. وقد ذكر بعض المفسرين «١» في صدد تعبير وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [٣٥] أن النبي ﷺ كأنه ضجر من إصرار الكفار وتحديهم العذاب فتمنى أن يأتيهم العذاب في الدنيا فكان في الآية جواب الله على أمنيته. ونحن نميل إلى القول بأن التعبير أسلوبي يقصد به التطمين وقد ورد المعنى في آيات كثيرة بصيغ متنوعة مرت أمثلة منها والله أعلم.

стр. 2276

سورة الذاريات في السورة توكيد بالبعث والحساب، وحملة شديدة على المكذبين الجاحدين وتنويه بالمتقين وأعمالهم الصالحة ومصائرهم في الآخرة. وفصل قصصي مقتضب عن بعض الأنبياء والأمم بينه وبين موقف النبي ﷺ والكفار تماثل، وتطمين للنبي ﷺ وتثبيت له، وآياتها متساوقة متوازية مما يسوّغ القول بأنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) . (١) الذاريات: كناية عن الرياح الذي تذرو التراب أي تثيره وتحركه. وفي سورة الكهف آية فيها هذا المعنى صريح وهي: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [٤٥] . (٢) الحاملات وقرا: الوقر هو الحملة، والجملة كناية عن السحاب الذي يكون حاملا للماء. (٣) الجاريات يسرا: السفن التي تجري في البحر بسهولة أو الرياح الجارية في مهابها أو الكواكب الجارية في منازلها حسب تعدد الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في الصدر الإسلامي الأول.

стр. 2277

(٤) المقسمات أمرا: المنفذون لأوامر الله وهم الملائكة أو السحب التي تقسم الأمطار على الأرض حسب تعدد الأقوال التي يرويها المفسرون. (٥) الدين: الجزاء. والكلمة كناية عن البعث الذي يكون فيه جزاء كل نفس بما كسبت. ابتدأت السورة بالأقسام الربانية جريا على الأسلوب القرآني في عدد غير قليل من السور المكية وبخاصة القصيرة. وقد قصد بها توكيد كون ما يوعد به الناس من البعث والجزاء هو وعد صادق وأمر واقع حتما. وروح الآيات وإن كانت تلهم أنها في صدد إنذار السامعين المخاطبين عامة فإن أسلوبها والآيات التالية لها تدل على أن المقصود بالإنذار هم الكفار. ويلحظ شيء من التساوق بين هذا المطلع وبين خاتمة سورة الأحقاف من حيث توكيد البعث والجزاء مما يمكن أن يكون فيه قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة بعد تلك. والمتبادر أن الإقسام بالمقسومات التي هي مشاهد كون الله ونواميسه وعظيم خلقه قد انطوت على قصد التذكير بعظمة خالق الكون وقدرته على تحقيق ما أوعد الناس به. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٧ الى ١٤] وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) . (١) ذات الحبك: ذات الصنع الحسن المتقن أو ذات المسالك والطرائق أو ذات النجوم حسب تعدد الأقوال. (٢) إنكم لفي قول مختلف: إنكم مختلفون في أقوالكم لستم على شيء

стр. 2278

واحد أو بمعنى أنكم في أمر القرآن ونبوة النبي ﷺ وما يبشّر وينذر به مختلفو المذاهب. (٣) يؤفك عنه من أفك: المتبادر أن (عنه) تعني القول الحق ويكون معنى الجملة يصرف عن الحق في الأقوال من يصرف وهم الخراصون. (٤) الخراصون: المتوهمون والظانون على غير أساس وعلم. (٥) غمرة: جهالة غامرة أو شاملة. (٦) يفتنون: يعرضون أو يحرقون. وقد تكون الكلمة قد استعملت مقابل فتنتكم التي قد تحتوي التذكير بما كان من زعماء الكفار من إعراض وحمل الناس على الانصراف والارتداد عن الدعوة. (٧) ذوقوا فتنتكم: ذوقوا طعم حريق النار أو ذوقوا جزاء فتنتكم في الدنيا. وهذه الآيات تبتدئ بقسم رباني أيضا بالسماء ذات الحبك بأن السامعين للقرآن واقعون في اختلاف وارتباك في شأن القرآن والدعوة والنذر الربانية والبعث الأخروي وفهم أهداف ذلك. وتقرر أنهم بسبب ذلك انصرف عنه الراغب عن الحق والهدى. ثم التفتت إلى الذين هم ضاربون في الظنّ والتخمين متعامون عن الحقيقة وتدبرها التفاتا فيه تنديد وتقريع يتمثلان في لفظ قُتِلَ فهم ساهون في غمرة الجهالة عن فهم الحق وإدراك الحقيقة ثم يظلون يسألون سؤال الشك والإنكار عن موعد يوم الجزاء الذي يوعدون به. ثم انتقلت إلى توكيد الأمر: فلسوف يأتي ذلك اليوم ولسوف يلقون فيه في النار ولسوف يقال لهم حينئذ ذوقوا عذاب الحريق أو ذوقوا جزاء ما كنتم من حالة العناد والصدّ والانصراف في الدنيا فهذا الذي كنتم تستعجلون وتتحدّون الإتيان به. والصلة واضحة بين هذه الآيات والآيات السابقة وفيها كما قلنا بيان بأن المخاطبين في الآيات هم الكفار، وقد استهدفت فيما استهدفته الإنذار لهم وإثارة الخوف في قلوبهم وحملهم على الارعواء. ويلحظ أن السورة السابقة انتهت بأمر النبي ﷺ بعدم استعجال العذاب لهم

стр. 2279

بسبب استعجالهم له على سبيل التحدي. وقد احتوت الآية الأخيرة من هذه الآيات ردا تقريعيا على تحديهم بأن ما كانوا يستعجلونه قد جاء به حيث يمكن أن يكون هذا قرينة أخرى على صحة ترتيب نزول هذه السورة بعد سورة الأحقاف. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ١٩] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) . (١) محسنين: يفعلون الحسنات والأفعال الحسنة. (٢) المحروم: هو المحارف الذي يطلب الدنيا ولكنه لا ينالها أو الذي لا يكون له سهم في الغنائم ولا يجري عليه شيء من الفيء، أو المحدود في رزقه الذي لا يسأل الناس مع ذلك على ما أورده المفسرون. وهذا الوصف يشبه بل يماثل وصف المسكين الذي ورد في الحديث النبوي الذي أوردناه في تعليقنا على المسكين في سياق الآية [٤٤] من سورة المدثر. في الآيات تنويه بأعمال المتقين الصالحين في الدنيا ومصيرهم في الآخرة، فسينزلون في الجنات والعيون ويستمتعون بها بنعم الله جزاء ما كانوا يفعلونه من الأفعال الحسنة في الدنيا حيث كانوا من جهة يقضون أكثر لياليهم بعبادة الله وطلب مغفرته ورحمته، ويساعدون من جهة أخرى بأموالهم السائلين والمحرومين الذين يتعففون عن السؤال لأنهم يعرفون أن لهم فيها حقا واجبا. وواضح أن الآيات جاءت لتقابل الآيات السابقة في صدد المفاضلة بين المؤمنين والكفار في الدنيا والآخرة.

стр. 2280

تعليق على وصف المتقين وما فيه من تلقين ودلالة ويلفت النظر بخاصة إلى ما في الآية الأخيرة من المعنى القوي في اعتبار مساعدة المحتاجين سواء أكانوا من السائلين أم المتعففين عن السؤال حقا واجبا على أصحاب الأموال وما في ذلك من تلقين جليل. ولقد تكرر هذا المعنى في سور عديدة منها ما مرّ تفسيره مثل سورة الإسراء التي ورد فيها: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [٢٦] ومنها سورة الروم التي ورد فيها نفس العبارة [الآية ٣٨] حيث يدل هذا على أن حكمة التنزيل قد استهدفت تقوية هذا المعنى في نفوس المسلمين حتى لا يرى الأغنياء فيما يساعدون به الطبقات المعوزة وما يؤخذ من أموالهم لذلك عملا تبرعيا وتطوعيا لهم فيه الخيار ولهم فيه حقّ المنّ والاعتداد. وحتى لا يرى المحتاجون في أنفسهم حرجا ولا غضاضة من أخذ ذلك لأنه حقّ لهم. ولقد جاء في آية سورة الحديد: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [٧] وجاء في سورة النور: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [٣٣] حيث احتوت الجملتان القرآنيتان اللتان لهما أمثال عديدة تقوية لهذا المعنى بأسلوب آخر فيه تلقين رائع أيضا وهو أن ما في أيدي الناس هو مال الله الذي استخلفهم فيه. كذلك يلفت النظر إلى وصف المتقين حيث ينطوي فيه على ما هو المتبادر وصف للرعيل الأول من المؤمنين في مكة حيث استغرقوا في عبادة الله وبخاصة في الليل، وفنوا في الله ورسوله وفهموا حكمة الله وتلقيناته فكانوا يبذلون أموالهم للمعوزين ويرون ذلك حقا واجبا عليهم، وفي هذا صورة رائعة لأثر الإيمان في قلوبهم من دون ريب. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) .
следующие страницы →