← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كأشدّ ما كان حتّى إذا أراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله، فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس فيستقون المياه ويفرّ الناس منهم فيرمون بسهامهم في السماء فترجع مخضّبة بالدماء فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسرا وعلوّا فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون. فوالذي نفسي بيده إنّ دوابّ الأرض تسمن وتبطر وتشكر شكرا من لحومهم» «١» . ومنها حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن حذيفة الغفاري قال: «اطّلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدّخان والدجّال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» «٢» . ومنها حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن النواس بن سمعان في معرض ذكر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وقتله الدجال جاء فيه: «إن الله يوحي إلى عيسى بعد أن يقتل الدجّال بأنه أخرج عبادا لا يدان لأحد بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كلّ حدب ينسلون فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمرّ آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرّة ماء ويحصر نبيّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مئة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلّا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث

стр. 2347

شاء الله ثمّ يرسل الله مطرا لا يكنّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتّى يتركها كالزّلقة» «١» . وهناك أحاديث أخرى لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن صحتها محتملة لأنها من باب ما ورد في هذه الكتب منها حديث رواه الطبري عن أبي سعيد الخدري: «أن النبي ﷺ قال: لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل» . وحديث أورده ابن كثير ورواه الإمام أحمد عن زينب بنت جحش قالت: «استيقظ النبيّ ﷺ من نومه وهو محمرّ وجهه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلّق. قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث» «٢» . وحديث أورده ابن كثير نقلا عن الطبراني ومرويا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إنّ يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وإن من ورائهم ثلاث أمم تاويل وتأييس ومنسك» «٣» . وهناك أحاديث أخرى أوردها ابن كثير في سياق تفسير سورة الأنبياء ولما ترد في كتب الأحاديث الصحيحة أيضا، منها حديث رواه الإمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته قالت: «خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب فقال: إنكم تقولون لا عدوّ لكم وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوّا حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون صهب السعاف من كلّ حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة» وحديث رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» . ولقد ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن مرة أخرى في آيات سورة الأنبياء هذه: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ

стр. 2348

الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) حيث تفيد صراحة استمرار وجودهم في الدنيا وحبسهم عن الناس إلى الوقت المعين في علم الله حتى يفتح لهم وينطلقون من حبسهم وينسلون من كل حدب. ولقد ذكر يأجوج ومأجوج في بعض الأسفار المتداولة اليوم من أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد كذلك. بعبارة في بعضها شيء ما من التوافق والتساوق مع ما جاء في القرآن وبعض الأحاديث النبوية أيضا. من ذلك ما جاء في الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر نبوءة حزقيال، وحزقيال هذا من سبي بني إسرائيل إلى بابل ومن أنبيائهم في السبي، ونبوءته تدور على حالة بني إسرائيل وفلسطين وما لا قوه من أهوال وما سيكون أمرهم إليه (وكلمة الرب إليّ قائلا يا ابن البشر اجعل وجهك نحو جوج أرض ماجوج رئيس روش وماشك وتوبل وتنبأ عليه. وقل هكذا قال السيد الرب ها أنا ذا إليك يأجوج رئيس روش وماشك وتوبل فأديرك وأجعل حلقة في فكك أنت وجميع جيوشك خيلا وفرسانا ومعهم فارس وكوش وفوط وجومر وآل توجرن وأقاصي الشمال وجميع جيوشهم وشعوب كثيرون. في آخر السنين تأتي إلى الأرض المنجاة من السيف المجموعة من شعوب كثيرين إلى جبال إسرائيل التي كانت مستوحشة كل حين فتصعد وتأتي كعاصفة وتكون كغمام يغطي الأرض. إنك يأجوج في آخر الأيام تكون فأتي بك على أرضي لكي تعرفني الأمم بأني سأجلبك عليهم. في ذلك اليوم يوم يأتي جوج على أرض إسرائيل يقول السيد الرب يطلع حنقي في وجهي وفي غيرتي ونار غضبي تكلمت. ليكونن في ذلك اليوم ارتعاش عظيم على أرض إسرائيل. فيرتعش من وجهي سمك البحر وطير السماء ووحش الصحراء وجميع الدبابات الدابة على الأرض وجميع البشر على وجه الأرض. وتندك الجبال وتسقط المعاقل وكل سور يسقط إلى الأرض. لكني أدعو السيف عليه في جميع جبالي فيكون سيف كل رجل على أخيه. وأدنيه بالوباء والدم والمطر الطاغي وحجارة البرد وأمطر النار والكبريت عليه وعلى جيوشه وعلى الشعوب الكثيرين الذين معه فأتعظم وأتقدس

стр. 2349

وأتعرف على عيون أمم كثيرين فيعلمون أني أنا الرب) . وجاء في الإصحاح التاسع والثلاثين من السفر نفسه: (وأنت يا ابن البشر تنبأ على جوج وقل هكذا قال السيد الرب ها أنا ذا إليك يأجوج رئيس روش وماشك وتوبل فأديرك وأقتادك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك إلى جبال إسرائيل وأضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهمك من يدك اليمنى على جبال إسرائيل تسقط أنت وجميع جيوشك والشعوب الذين معك وللجوارح والعصافير وكل ذي جناح ولوحش الصحراء قد جعلتك مأكلا. على وجه الصحراء تسقط لأني تكلمت بقول السيد الرب، وأرسل نارا على ماجوج والساكنين في الجزائر آمنين فيعلمون أني أنا الرب ويخرج سكان مدن إسرائيل بالسلاح ويسلبون الذين سلبوهم، في ذلك اليوم أجعل لجوج موضعا ذا اسم قبرا بإسرائيل وادي العابرين في شرق البحر فيسد الوادي على العابرين فيدفنون هناك جوجا وجميع جمهوره ويسمون الموضع وادي جمهور جوج) . ومن ذلك ما جاء في الإصحاح الثاني من سفر الرسالة الأولى للقديس يوحنا وهو من ملحقات العهد الجديد في صدد المسيح الدجال: (أيها الأولاد هذه هي الساعة الأخيرة ولما أنكم سمعتم أن المسيح الدجال يأتي يوجد الآن مسحاء دجالون كثيرون. فمن هذا نعلم أن هذه هي الساعة الأخيرة) . ومن ذلك ما جاء في الإصحاح العشرين من سفر رؤيا هذا القديس وهو كذلك من ملحقات العهد الجديد في صدد يأجوج وماجوج والنبي الكذاب (وإذا تمت الألف سنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في زوايا الأرض الأربع جوج وماجوج ليحشدهم للقتال في عدد كرمل البحر. فطلعوا على سعة الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة. فهبطت نار من عند الله من السماء وأكلتهم وطرح إبليس الذي أضلهم في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب، هناك يعذبون نهارا وليلا إلى دهر الدهور) . وعلى كل حال فإن من واجب المسلم أن يؤمن بوجود قبيلين اسماهما المعرّبان يأجوج ومأجوج وبأنهما خلق عجيب من خلق الله من بني آدم وبأنهما يخرجان في آخر الزمان من كل حدب لأن ذلك مما ورد في القرآن بصراحة

стр. 2350

وقطعية، ومما ورد عنه تفصيل في أحاديث وردت في كتب الأحاديث الصحيحة أيضا ولو لم تدرك أمرهم العقول العادية، مع الوقوف عند ما وقف عنده القرآن، والثابت من الأحاديث النبوية ومع الإيمان بأنه لا بد من أن يكون لذكرهم بالأسلوب الذي ذكروا به حكمة. ومع ملاحظة أن ذكرهما ورد في أسفار العهد القديم والعهد الجديد التي كانت متداولة بين اليهود والنصارى في زمن النبي ﷺ بما فيه تشابه من بعض النواحي لما ورد عنهم في الأحاديث النبوية، وأن صفات وأخبار هذين القبيلين لم تكن نتيجة لذلك مجهولة في بيئة النبي ﷺ وعصره، ومع ملاحظة أن ذكرهم جاء في سورة الأنبياء كنذير من نذر الله بقرب القيامة وأهوالها. وجاء في سورة الكهف مع قصة من أهدافها العظة والتدعيم والله تعالى أعلم. ولم يدع مفسرو غلاة الشيعة هذه القصة دون لمس حيث قالوا في مدى آية: قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) إنها تعني أنه يرد إلى أمير المؤمنين فيعذبه عذابا نكرا حتى يقول يا ليتني كنت ترابا أي من شيعة أبي تراب «١» !. ومؤدى القول أن عليا ﵁ هو الربّ الذي يرجع إليه الناس ليعذبهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٨] أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) . (١) ضلّ سعيهم: حبط عملهم وضاع وذهب هباء.

стр. 2351

(٢) الفردوس: قيل إنها معرّبة من الرومية وأنها تعني البستان الذي يجتمع فيه التمر والزهر. أو الذي يجمع محاسن كل بستان، أو أواسط الجنات وأفضلها مكانا، وعلى كل حال فالكلمة كانت معرّبة ومندمجة في اللغة الفصحى ومفهومة الدلالة قبل نزول القرآن. (٣) حولا: تحولا. عبارة الآيات واضحة، وهي كما هو المتبادر تتمة أو استمرار للحملة التي بدئت من آخر الفصل السابق وجعلت قصة ذي القرنين وسيلة لها. وفيها تنديد وتسفيه وإنذار للكافرين المشركين وبيان لمصيرهم الأخروي واستطراد إلى بيان مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات مقابلة لمصير الكافرين جريا على الأسلوب القرآني. وفيها بنوع خاص تقرير لأثر الإيمان والكفر في أعمال الناس مما تكرر تقريره في المناسبات السابقة وفيه توضيح أكثر. فالكافر المشرك المكذب بالآخرة لا يصدر في أعماله الحسنة عن وازع إيماني ووجداني، وهي بالإضافة إلى حبوطها عند الله بسبب كفر صاحبها وشركه معرضة للتقلب والانقباض والتبدل عند أي طارئ وهاجس وسبب دنيوي، بعكس المؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يظل ثابتا مستمرا عليها لأنه يرجو بها رضوان الله ووجهه والتقرب إليه وثوابه الأخروي. وفي هذا ما فيه من تدعيم للدعوة النبوية وتلقين مستمر المدى. ويلفت النظر إلى قوة الأسلوب الذي عبر به عن هذا المعنى في الآيات [١٠٣] وما بعدها. فهم يظنون أنهم يحسنون صنعا بما يعملون مع أنهم الأخسرون أعمالا لأنهم كفروا بآيات ربهم ولقائه واتخذوا آياته ورسله هزوا. وقوة التدعيم للدعوة النبوية في هذا الأسلوب بالنسبة لظرف الدعوة أيضا ظاهرة. ولقد روى الطبري عن ابن جريج أن المقصود بكلمة عِبادِي في الآية الأولى هم الملائكة وعيسى ﵇. وروى البغوي عن ابن عباس أنهم الشياطين. وعن مقاتل أنهم الأصنام. والكلمة تشمل كل ما خلقه الله فتكون العبارة

стр. 2352

كما هو المتبادر عامة المدى شاملة لكل ما اتخذه المشركون شركاء من دون الله إطلاقا. ولقد روى الطبري عن علي بن أبي طالب قولين في المقصود من الآية: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) أحدهما أنهم أهل الصوامع وثانيهما الخوارج الذين عرفوا بالحرورية الذين قاتلهم في حروراء حينما خرجوا عليه بعد حرب صفين لأنه رضي بالتحكيم وقالوا لا حكم إلّا الله واعتبروه ومن رضي بالتحكيم مرتدين. وروى عن مصعب بن سعد قال: «سألت أبي عن هذه الآية: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أهم الحرورية؟ قال: لا، هم أهل الكتاب اليهود والنصارى. أما اليهود فكذّبوا محمّدا وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ولكن الحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون وكان سعد يسمّيهم الفاسقين» «١» . وروى الطبري إلى هذا أنهم القسيسون والرهبان. وحديث مصعب رواه البخاري والحاكم أيضا، ولقد توقف ابن كثير في هذه الأقوال وقال إن الآية عامة الشمول وهو حقّ. ومن العجيب أن تقال وفي الآية [١٠٥] التي تأتي بعدها تفسير صريح عن المقصودين وهم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه واتخذوا آياته ورسله هزوا. وهذا تعبير شامل ليس فيه أي محل لجعله وصفا لطائفة معينة. ولقد روى الطبري بطرقه أحاديث عديدة فيها تنويه ووصف للفردوس منها حديث عن سمرة بن جندب قال: «أخبرنا رسول الله ﷺ أنّ الفردوس هي أعلى الجنة وأحسنها وأرفعها» . وحديث عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله ﷺ : إنّ للجنة مئة درجة كل درجة منها كما بين السماء والأرض، أعلى درجة منها الفردوس» . وحديث عن أبي بكر بن عبد الله بن عيسى عن أبيه قال: «قال رسول الله ﷺ : جنات الفردوس أربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما وثنتان من

стр. 2353

فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما» . وحديث عن أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقها عرش الرّحمن ﵎ ومنه تفجر أنهار الجنة» . وقد روى الطبري بعض هذه الأحاديث بطرق عديدة وصيغ متقاربة فلم نر ضرورة إلى إيرادها متكررة. وشيء من هذه الأحاديث ورد في كتب الأحاديث الصحيحة حيث روى البخاري والترمذي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة مئة درجة ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجّر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس» «١» . والفردوس في أصلها معرّبة عن الرومية وفي معنى البستان أو البستان ذي الزهر والثمر أو ذي الأعناب على ما ذكره المفسرون. والأحاديث في صدد وصف مشهد من مشاهد الجنة التي يجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله ﷺ منها كما هو الشأن بالنسبة لما هو وارد منها في القرآن. مع الإيمان بأنه لا بد لذكر ذلك من حكمة. ويلمح من الأحاديث أن قصد التشويق والترغيب من هذه الحكمة، وهو ما يلمح في الأحاديث القرآنية. ولقد روى الطبري في سياق جملة فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً حديثا عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : يؤتى بالأكول الشروب الطويل فيوزن فلا يزن جناح بعوضة ثم قرأ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» . وروى البغوي عن أبي سعيد الخدري قال: «يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» . وروى ابن كثير حديثا رواه البزار عن عبد الله بن بريدة قال: «كنّا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش يخطر في حلّة له، فلما قام قال النبي ﷺ : يا بريدة هذا ممّن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا» . والحديث الأول من هذه الأحاديث رواه الشيخان

стр. 2354

بصيغة مقاربة في فصل التفسير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرأوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» » . والإيمان بالمشهد الأخروي الذي يثبت خبره عن رسول الله ﷺ واجب مع الإيمان بأن لذكر ذلك حكمة. وقصد بيان كون الأعمال الصالحة التي تصدر من المؤمن بالله واليوم الآخر هي النافعة لصاحبها يوم القيامة دون سواها وبخاصة دون المظاهر الخادعة، وقصد الحث على ذلك من الحكمة الملموحة في الأحاديث وهو الملموح في الآيات أيضا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠] قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) . (١) مدادا: حبرا. في الآيات أمر للنبي ﷺ بأن يقرر للناس أن آيات الله ومشاهد عظمته أوسع وأكثر من أن تحصى حتى لو أريد كتابتها وكان البحر مملوءا بالحبر لنفد الحبر قبل أن تنفد ولنفد بحر من الحبر مثله أيضا قبل أن تنفد. وبأن يقرر لهم أيضا أنه بشر مثلهم، وكل ما في أمره أنه يوحى إليه بأن إلههم واحد لا شريك له وأن على الذين يرجون لقاء الله وما عنده من الحسنى أن يؤمنوا به ويعملوا صالح الأعمال ولا يشركوا به أحدا. ولقد روى البغوي في سياق الآية الأولى حديثا عن ابن عباس جاء فيه: «قالت اليهود يا محمّد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك وَمَنْ يُؤْتَ

стр. 2355

الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً سورة البقرة: [٢٦٩] ثم تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا سورة الإسراء: [٨٥] فأنزل الله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً الآية. روى هذا الحديث الترمذي أيضا «١» . ومقتضاه أن تكون الآية مدنية وأن تكون نزلت لحدتها، ولقد روى الطبري عن طاووس عن مجاهد رواية بصيغتين جاء فيها أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ومكاني أو أحبّ أن أعمل وأتصدق وأحب أن يراه الناس فأنزل الله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ... الآية [١١٠] وروى أيضا عن عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يتلو هذه الآية ويقول: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وهذه الروايات لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ومقتضاها أن تكون هذه الآية أيضا مدنية وأن تكون نزلت لحدتها كذلك. ولم نطلع على رواية تذكر مدنية آية من الآيتين. وهما متساوقتان في الخطاب والوزن ومتساوقتان في الوقت نفسه مع ما قبلهما في الوزن. والسياق جميعه في صدد الكفار، ولذلك نتوقف في الروايات ونرجح أن الآيتين جاءتا معقبتين على الآيات السابقة وجاءتا في الوقت نفسه خاتمة قوية للسورة واحتوتا تسلية للنبي ﷺ وتسرية عنه تجاه مواقف الكفار الذين حكت الآيات السابقة اتخاذهم آيات الله ورسله هزوا وأنذرتهم من حيث انطواؤهما على تقرير كون مهمته هي إنذار الناس وترك الأمر لهم بعد ذلك. فمن أراد النجاة آمن وعمل صالحا ومن أبى فله الهلاك. وفي الفقرة الأخيرة من الآية الثانية تدعيم للتلقين الذي احتوته الآيات السابقة. وقد يلحظ أن شيئا من الفرق أو المبالغة بين الأولى وبين آية سورة لقمان [٢٧] التي جاء فيها: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ غير أنه لا محل لقول ذلك لأن القصد هنا وهناك هو تعظيم مقدار علم الله وكلماته وتقرير كونهما أعظم من أن يحدهما وصف أو ينفدا بالتسجيل والكتابة، بالعبارة التي اقتضتها حكمة التنزيل في كل من الموضعين.

стр. 2356

ولقد روى الطبري في سياق الآية الثانية عن شهر بن حوشب قال: «جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فسأله فقال: أنبئني عمّا أسألك عنه أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحبّ أن يحمد ويصوم ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء إن الله يقول: أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كلّه لا حاجة لي فيه» . وروى ابن كثير هذا الحديث عن طريق الإمام أحمد بزيادة مهمة فيها صورة رائعة كتناجي أصحاب رسول الله ﷺ بعده وهذا نصه: «قال شهر بن حوشب قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله وشمال أبي الدرداء بيمينه فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، فقال عبادة: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من المسلمين من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاده وأبدأه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ونزل عند منازله لا يحور فيكم إلّا كما يحور رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس وعوف بن مالك فجلسا إلينا فقال شدّاد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيّها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول من الشهوة الخفية والشرك. فقال عبادة وأبو الدرداء: اللهمّ غفرا ألم يكن رسول الله قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟ أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله إن من صلّى لرجل أو صام أو تصدّق له لقد أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى يرائي فقد أشرك. ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك» . قال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي. من أشرك شيئا فإنّ عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا غني عنه» . ولقد أورد ابن كثير نصّا آخر لحديث شداد جاء فيه: «إنه بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء

стр. 2357

سمعته من رسول الله فأبكاني. سمعته يقول: أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه» . وأورد ابن كثير إلى هذا وفي سياق الآية أحاديث أخرى من هذا الباب منها حديث أخرجه البزار عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : يقول الله يوم القيامة أنا خير شريك من أشرك بي أحدا فهو له كلّه» . وحديث أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد قال: «قال رسول الله ﷺ : إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جرى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» . وحديث رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشّرك» والحديث الأخير فقط ورد في كتب الأحاديث الصحيحة الشهيرة وقد رواه مسلم والترمذي «١» . وقياسا على ذلك تكون صحة الأحاديث الأخرى محتملة. وفي الأحاديث توضيح لمدى الآية الثانية التي وردت الأحاديث في صددها وتحذر من أي نوع من أنواع الشرك سواء كان في العقيدة واتخاذ شركاء لله مع الله أم في الأعمال وبيان بأن المقبول عند الله والنافع للمسلم هو ما كان خالصا لله تعالى وحده من ذلك وحثّ عليه. وهذا متسق مع مدى الآية ومدى التلقينات القرآنية عامة ثم مع مدى الطابع المميز للعقيدة الإسلامية بوحدانية الله تعالى دون أي شائبة ولا تأويل ولا اختصاص ولا تعقيد وبالاقتصار على الخضوع له والتعلّق به ونبذ كل ما سواه من قوى أخرى.

стр. 2358

سورة النحل في السورة مواضيع متنوعة، غير أن طابعها المميز تعداد نعم الله ومشاهد عظمته والتذكير بما يسّر الله للناس من وسائل الرزق وسخر لهم من نواميس الكون لإثبات استحقاقه وحده للعبادة والتنديد بالكافرين والمشركين وإنذارهم والتنويه بالمؤمنين الشاكرين وتطمينهم. وفيها مبادئ أخلاقية شخصية واجتماعية رائعة. وخطة جليلة للنبي والمسلمين عامة في صدد الدعوة إلى سبيل الله. وفيها إشارات إلى عقائد العرب باتخاذ الله بنات وكراهيتهم للبنات. وإلى هجرة المسلمين الأولى، وإلى حوادث ارتداد وعودة بعض المرتدين إلى الإسلام، وإلى قول الكفار بأن شخصا يعلّم النبي، وإلى حادث تبديل آية مكان آية في القرآن، وإلى ما حرّم الله من لحوم وذبائح، وإلى ملّة إبراهيم. ولا يمكن أن يقال إن فصولها منقطعة عن بعضها بل إن التساوق بينها أو بين أكثرها أكثر ظهورا، وهذا يبرر القول إن فصولها نزلت متتابعة فدونت متتابعة كما نزلت إلى أن تمت. وقد روي أن الآيات [١٢٦- ١٢٨] مدنية، وأسلوبها ومضمونها وسياقها يسوغ التوقف في ذلك ويجعل الرجحان لمكيتها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) .

стр. 2359

(١) أتى: بمعنى الآتي والواقع والمحقق. (٢) أمر الله: من المؤولين من أوّل أمر الله بالساعة والقيامة وقال إن الآية مثل اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: ١] ومنهم من أوّلها بعذاب الله، وكلا التأويلين محتمل. (٣) بالروح من أمره: ما اقتضت حكمة الله أن يوحى من أوامره ورسالاته وكتبه وتبليغاته. (٤) خصيم مبين: مخاصم عنيد ومجادل قوي الجدل. في الآيات: ١- توكيد بأن أمر الله آت لا ريب فيه فليتأكد السامعون من ذلك ولا يستعجلوه. ٢- وتنزيه لله عن الشركاء الذين يشركهم معه المشركون. ٣- وتقرير بما جرت عليه عادة الله تعالى من إنزال الملائكة بوحيه وما شاء من رسالاته وكتبه وأحكامه وتبليغاته على من يصطفيهم من عباده لإنذار الناس ودعوتهم إلى الإيمان به وحده واتقائه بصالح الأعمال. ٤- وتنبيه على أنه هو الذي خلق السموات والأرض وأن الذي يقدر على ذلك يكون غنيا ومنزها عن الشركاء. ٥- وتبكيت للإنسان الذي خلقه الله من نطفة تافهة فلم يتورع عن الوقوف منه موقف الخصم العنيد والمجادل المكابر. وطابع المطلع في الآيات واضح. والخطاب فيها وإن كان عاما فروحها ومضمونها يلهمان أنه موجه إلى الكفار المشركين ومتضمن لمعنى التنديد بهم

стр. 2360

وإنذارهم فهم الذين يستعجلون وعد الله وهم الذين يجادلون في آياته ويقفون منه موقف الخصم العنيد. والمتبادر أن الآية الأولى بسبيل الردّ على ما كان يصدر من الكفار من تحدّ باستعجال أمر الله وعذابه الموعود عند ما تأتي الساعة وتقوم القيامة والاستهزاء بالوعد، فأمر الله آت لا ريب فيه. والآية الثانية وهي تقرر ما جرت عادة الله عليه تتضمن توكيد صحة وحي الله للنبي ﷺ ورسالته وتقرير كون هذا ليس بدعا يبعث الاستغراب ويسوغ المكابرة، ولا سيما أن دعوته واضحة بسيطة وهي دعوة إلى الله وحده واتقائه بصالح العمل. ولما كانت السورة السابقة انتهت بالتنديد بالمشركين والنهي عن الإشراك بالله فقد يكون بدء مقصد السورة بتنزيه الله عن الشرك وإنذار المشركين بعذاب الله قرينة على صحة ترتيب نزول السورتين واحدة عقب الأخرى. ولقد روى الطبري عن ابن جريج قال: لما نزلت الآية الأولى قال رجل من المنافقين إن هذا يزعم أن أمر الله أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا ما نراه أنزل شيء فنزلت: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ١] فقالوا: إن هذا يزعم مثله، فنزلت: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [هود: ٨] . وروي عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت أَتى أَمْرُ اللَّهِ رفعوا رؤوسهم فنزلت فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وروى البغوي أن المشركين لما رأوا أن ما أنذر النبي لم ينزل ونزلت أَتى أَمْرُ اللَّهِ وثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنه قد أتى حقيقة فنزلت فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فاطمأنوا. والروايات عجيبة. وآية سورة الأنبياء نزلت بعد هذه السورة بمدة ما، وآية سورة هود نزلت قبلها بمدة ما حيث يظهر هذا أيضا تفكك الروايات ويسوغ ترجيح كون الآيات وحدة تامة احتوت المقاصد التي شرحناها والله تعالى أعلم.

стр. 2361

ولقد روى البغوي في سياق الآية الأولى حديثا عن النبي ﷺ جاء فيه: «بعثت أنا والساعة كهاتين- وأشار بإصبعيه- وإن كادت لتسبقني» «١» . وروى ابن كثير في سياقها حديثا كذلك أخرجه ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال: «قال رسول الله ﷺ : تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها يا أيّها الناس فيقبل الناس بعضهم على بعض هل سمعتم، فمنهم من يقول نعم ومنهم من يشكّ. ثم ينادي الثانية يا أيّها الناس فيقول الناس بعضهم لبعض هل سمعتم فيقولون نعم ثمّ ينادي الثالثة أي. أيّها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه. قال رسول الله ﷺ : فو الذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا وإنّ الرجل ليمدّنّ حوضه فما يسقي فيه شيئا أبدا وإنّ الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا، قال ويشتغل الناس» . والحديث الأول وارد كما أشرنا في الذيل في كتب الأحاديث الصحيحة، واحتمال صحة الحديث الثاني وارد. واقتراب الساعة مع بعثة النبي ﷺ مما ذكر صراحة في بعض الآيات القرآنية منها آية سورة القمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ومن الحكمة الملموحة في الأحاديث إنذار الناس وهذه الحكمة ملموحة في الآيات كما هو المتبادر. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥ الى ١٨] وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) .

стр. 2362

(١) لكم فيها دفء: لكم فيها ما تستدفئون به. والمتبادر أن القصد من الجملة الإشارة إلى شعر الأنعام وصوفها ووبرها الذي يصنع منه الثياب التي تبعث الدفء في الأجسام. (٢) لكم فيها جمال: المتبادر أن المقصد الإشارة إلى ما في منظر الأنعام وهي تغدو وتروح من مشهد جميل ومأنوس وبخاصة بالنسبة لأصحابها والحياة التي كان يحياها العرب الذين هم أول من خوطبوا بالقرآن. (٣) تريحون: ترجعون الأنعام إلى مراحها أي حظائرها وزرائبها بعد الرعي. (٤) تسرحون: تذهبون بها إلى الرعي في الصبح المبكر. (٥) لم تكونوا بالغيه إلّا بشق الأنفس: لم تكونوا لتصلوا إليه لولا الأنعام إلا بكل مشقة وقرئت الشين بالفتح والكسر والجمهور على الكسر. (٦) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر: معنى قصد السبيل سلوك الطريق الحق، ومعنى جائر المعوج عن الطريق الحقّ. والجملة تنطوي على تقرير كون هناك طريقان واحدة مستقيمة وأخرى معوجة وأن الله يدعو ويهدي إلى الأولى أو

стр. 2363

أن عليه أن يبين الطريق المستقيم. (٧) فيه تسيمون: فيه ترعون أنعامكم. (٨) ذرأ لكم: خلق لكم، أو نمّى، أو أكثر، أو سخّر لكم. (٩) مواخر: من المخر وهو الجريان والسير في البحر. (١٠) أن تميد بكم: لئلا تميد وتضطرب. (١١) وعلامات: دلائل يستدل بها المسافرون في أسفارهم من معالم الطرق أو النجوم على ما ذكره المفسرون. في الآيات تعداد لنعم الله على الناس وتذكير بما هيأه وسخّره لهم من وسائل الحياة والمعاش ونواميس الكون. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كاستطراد بياني لما احتوته الآيات السابقة وبخاصة الآيتان الأخيرتان منها كما هو المتبادر بحيث يصح القول أنهما سياق واحد. وكل ما فيها قد مرّ في سور سابقة وشرحناه وعلقنا عليه. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت تكراره لتكرر المواقف وتنوعها، وهي موجهة إلى القلوب والعقول معا، ويزيد في استحكامها وإلزامها أن السامعين يعتقدون أن الله هو الذي خلق كل ذلك وأغدق عليهم بكل هذه الأفضال ويسّر لهم كل هذه الوسائل على ما حكته عنهم آيات عديدة مرّ منها بعض الأمثلة، وأسلوب الآيات ينطوي على تقرير هذا أيضا. والآيات وإن كانت مطلقة الخطاب فإن الآية (١٧) تنطوي على تنديد. وهذا التنديد موجه على الأرجح إلى الكفار المشركين الذين ندد بهم في الآيات السابقة وهذا مما يؤيد ما قلناه آنفا من صلة الآيات بسابقاتها وكونها سياقا واحدا. ومع أن التذكير بنعم الله وأفضاله على الناس ولفت أنظارهم إلى مشاهد الكون ونواميسه منبث في كثير من السور القرآنية وإن معظم ما جاء في هذه الآيات قد جاء في سور أخرى فإن هذه السلسلة أطول السلاسل القرآنية من حيث الشمول والروعة. وننبه مرة أخرى إلى ما نبهنا إليه قبل من أن أسلوب هذه الآيات وما سبق من

стр. 2364

أمثالها لا يقتضي أن يكون الله قد خلق هذه الأكوان لأجل البشر وكل ما يعنيه أن ناموس الله في خلقه جعل البشر أكثر انتفاعا منها وعبر عن ذلك بالأسلوب الذي جاءت به والله تعالى أعلم. والآيات وإن كانت موجهة إلى سامعي القرآن لأول مرة فإن الخطاب فيها عام موجه لجميع الناس في كل ظرف أيضا من حيث إن ما احتوته متصل بما يقع تحت مشاهدة الناس ومتناولهم وانتفاعهم في كل ظرف، ومن حيث إنها بسبيل التذكير بنعم الله على الناس والتنويه بالإنسان الذي اختصه الله دون غيره من الحيوان بقوى قابلة للانتفاع بنواميس كون الله في مختلف الوجوه والتكيف معها والحثّ على التفكير في آلاء الله ونواميسه للتوصل من ذلك أولا إلى القناعة بأن وراء هذه المشاهد والنواميس العظيمة البديعة المتقنة الدقيقة قوة عاقلة مدبرة حكيمة وبوجوب وجودها والخضوع لها وحدها والإيمان برسلها وكتبها والتزام حدود شرائعها التي أوحت بها لرسلها وثانيا إلى استعمال ما أودعه الله في الناس من قوى للانتفاع منها. وفي هذا الفصل صور من ارتفاقات العرب الذين يخاطبون به قبل غيرهم ومعايشهم ونعم الله عليهم بها في الأنعام والدواب والأسفار البحرية والاهتداء بالنجوم والطرق والأنهار وصيد السمك واستخراج اللؤلؤ والمرجان واستعمالهما في التحلي والتزين مما تكرر ذكره في آيات سابقة لأنها متصلة بحياة الناس ومعايشهم. وفي جملة وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ تكرار لمعنى في آيات عديدة مرت في سور سابقة بأسلوب جديد بقصد بيان أن هناك طريقة واحدة مستقيمة وأخرى معوجة وأن على الله أن يبين للناس معالم الطريق المستقيمة ليسيروا فيها دون المعوجة، ولو شاء لهداهم جميعا إلى الأولى ولكن حكمته شاءت أن يدعهم لاختيارهم واجتهادهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا ويجزي كلا منهم بما يستحق.

стр. 2365

وفي جملة وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ إيذان رباني بعدم انحصار خلق الله فيما يعلم السامعون أو فيما هو موجود في زمنهم أو بيئتهم من مختلف أنواع الخلق وبأن إرادة الله وخلقه متجددان غير متوقفين مباشرة أو بواسطة خلق موجود من خلقه مما ظهر مصداقه وما يزال يظهر في كل مكان ومختلف الصور والأشكال والأسباب. ولقد أورد المفسر الطبرسي في سياق جملة وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قولا لأبي عبد الله أحد الأئمة الاثني عشر جاء فيه: «نحن العلامات والنجم رسول الله ﷺ قال إن الله جعل النجوم أمانا لأهل السماء وجعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض» ولم يرد هذا في كتب الأحاديث الصحيحة. ومع الاحترام العظيم لرسول الله ﷺ وأهل بيته فالهوى الشيعي بارز على هذا القول، وليس له مناسبة في هذا المقام كما هو ظاهر. تعليق على اختصاص آيات الأنعام بالأكل والدواب للركوب وبعض الفقهاء يستنبطون من اختصاص الأكل بالأنعام والركوب بالخيل والبغال والحمير تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وبعضهم لا يرى في ذلك دليلا، وهذا هو الأوجه لأن المتبادر أن الآيات بسبيل ذكر ما كان معروفا ممارسا وحسب. أما التحريم فلا يصح أن يكون إلّا بنصّ صريح في القرآن أو نصّ صريح ثابت عن النبي ﷺ . وكل ما سكت عن بيانه القرآن وورد بشأنه سنّة صحيحة فتكون شريعة. وما لم يرد فيه سنّة فيكون على الإباحة إذا لم يكن من الخبائث التي لا شك فيها. وقد روى المفسرون أحاديث بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير. من ذلك حديث رواه البغوي بطرقه عن جابر قال: «نهى النبيّ ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل» وروى عن جابر: «أنهم كانوا يأكلون

стр. 2366

لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ وأنه نهى عن لحوم البغال والحمير» . ولقد روى المفسر عن خالد بن الوليد: «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» ولكنه عقب على هذا الحديث قائلا إن إسناده ضعيف. وقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث وأحاديث أخرى من بابها، وشيء من ما ورد في هذه الأحاديث ورد في كتب الأحاديث الصحيحة من ذلك حديث رواه الخمسة عن أنس قال: «لمّا فتح النبي ﷺ خيبرا أصبنا من القرية حمرا فطبخنا منها فنادى النبيّ ﷺ ألا إنّ الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنّها رجس من عمل الشيطان فأكفئت القدور وإنّها لتفور بما فيها» «١» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه. ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهلي ولا كلّ ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلّا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» «٢» . وحديث رواه أبو داود ومسلم عن جابر قال: «نهانا النبيّ ﷺ يوم خيبر عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل» «٣» . وحديث أورده المفسر القاسمي وذكر أنه ورد في الصحيحين عن أسماء قالت: «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا فأكلناه» فيوقف عند ذلك. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٩ الى ٢٣] وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) .

стр. 2367

(١) لا جرم: هنا بمعنى حقا وهو بمنزلة اليمين وروى بعض المفسرين عن الخليل أنها كلمة تحقيق لا تكون إلا جوابا لقول. والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا أيضا، وفيها تقرير لوحدة الله وشمول علمه وإحاطته بما يسرّه الناس ويعلنونه على السواء وتنديد بالمشركين الذين يشركون مع الله من هم من مخلوقاته ولا يستطيعون خلق شيء وليس عندهم علم بشيء وهم أموات لا حسّ فيهم ولا حياة. وفيها تقرير بكون السبب الذي يجعل المشركين يقفون موقف الإنكار والاستكبار هو عدم يقينهم وإيمانهم بالبعث والجزاء الأخرويين. والله يعلم هذا فيهم لأنه يعلم ما يسرّون وما يعلنون وأنهم استحقوا غضب الله لأنه لا يحب المستكبرين. والمتبادر أن الوصف الذي وصفته الآية [٢١] لمن يدعوهم المشركون من دون الله مقصود به الأوثان. ولقد كان الشركاء الذين يتخذهم العرب من دون الله هم الملائكة على الأعمّ الأغلب على ما دلّت عليه آيات كثيرة مرّت أمثلة عديدة منها. غير أنهم كانوا إلى هذا يتخذون أوثانا متنوعة أيضا يقيمون عندها طقوسهم ويقربون قرابينهم على ما مرت إليه إشارات عديدة في سور سابقة. فالوصف قد عنى هنا هذه الأوثان التي كانت على الأرجح رموزا للملائكة على ما شرحناه في سياق سورة النجم. ولقد علقنا على موضوع عدم إيمان الكفار بالآخرة وعدم خوفهم منها في سياق سورة المدثر فلا نرى ضرورة للإعادة بمناسبة ما جاء في الآية [٢٢] من ذلك إلّا التنبيه إلى ما تضمنته العبارة القرآنية هنا من تعليل لتناقض الكفار المشركين الذين كانوا يؤمنون بوجود الله وكونه الخالق الرازق النافع الضار وحده حيث كان عدم إيمانهم بالآخرة هو الذي يحملهم على الجحود برسالة النبي والقرآن واستكبارهم عنهما.

стр. 2368

هذا، ولقد أورد البغوي في سياق هذه الآية حديثا رواه بطرقه عن النبي ﷺ جاء فيه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان. فقال رجل يا رسول الله إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ وغمط الناس» وهذا الحديث مما رواه مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود أيضا «١» . والاستكبار المذكور في الآية على ما تلهمه روحها وسياقها هو الاستكبار عن الدعوة النبوية، غير أن التفسير الذي جاء في الحديث يجعله مما يتناول هذا أيضا. ويلمح في الحديث حكم نبوية عديدة من وعد وبشرى للمؤمن ووعيد رهيب للمتكبرين ومن توضيح لمعنى الكبر المحرم ومن رفع الحرج عن رغبة المرء في أن يبدو ذا هيئة حسنة في حياته ومظهره إذا لم يكن في ذلك بطر للحق وغمط للناس. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) . (١) أوزارهم: أثقالهم وهي كناية عن الذنوب والسيئات التي اجترحوها أو وزر كفرهم.

стр. 2369

(٢) ألا ساء ما يزرون: ألا ساء ما يحملون. (٣) فأتى الله بنيانهم من القواعد: زلزل أساس بنيانهم بمعنى أنه دمّر عليهم مساكنهم وجعل عاليها سافلها. (٤) تشاقّون فيهم: تجادلون بهم وتجعلونهم وسيلة للشقاق والعناد. (٥) فألقوا السلم ما كنّا نعمل من سوء: أظهروا الخضوع والاستسلام وتنصلوا مما نسب إليهم من الأعمال السيئة. في الآيات: ١- إشارة إلى ما كان يقوله الكفار حينما كانوا يسألون عن الآيات القرآنية التي ينزلها الله على رسوله حيث كانوا يقولون إنها أساطير الأمم السابقة وقصصهم. ٢- وإنذار رباني بأنهم بمثل هذه الأقوال التي تصدر منهم بغير علم ولا برهان إنما هم في الحقيقة يحملون أنفسهم أفدح الأوزار التي سوف يحاسبون عليها يوم القيامة. ولسوف يحملون بالإضافة إلى أوزارهم الكاملة بسبب كفرهم مسؤولية وأوزار الذين يضلّونهم أيضا وتكون من أسباب تشديد العذاب عليهم. ولبئس ما يحملون من أوزار. ولبئس العاقبة عاقبتهم. ٣- وتذكير بأمثالهم من قبل: فقد وقفوا موقفهم من الكيد والمكر والكفر والتعجيز فدمر الله عليهم مساكنهم فوق رؤوسهم وسلّط عليهم العذاب في الدنيا دون أن يشعروا بمقدماته وينطوي في التذكير وعد رباني بمثل ذلك. وبالإضافة إلى ذلك فلسوف يخزيهم الله يوم القيامة ويسألهم سؤال التبكيت والإفحام عن الشركاء الذين كانوا يجادلون ويشاقون فيهم فلا يجدون ما يجيبون به لأن الحق يكون قد دمغهم. وحينئذ يقول المؤمنون الذين عرفوا الحق وأوتوا العلم إن الخزي والسوء واقعان اليوم على الكافرين. ٤- ووصف لما يكون من حالة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم وجنوا عليها وورطوها بالشرك: فلسوف تتوفاهم الملائكة بما يستحقونه من القسوة والتجهم.

стр. 2370

ولسوف يعلنون استسلامهم ويتنصلون من آثامهم ولكن ذلك لن يجديهم شيئا فإن الملائكة سوف يدمغونهم بالحق ويقولون لهم إن الله عليم بما كانوا يفعلون. وأنهم قد استحقوا النار ثم يأمرونهم بدخول أبواب جهنم ليكونوا خالدين فيها، وهي المثوى الذي يستحقه المستكبرون ولبئس هي من مثوى. والآيات معطوفة على ما سبقها وهي استمرار لحملة التأنيب والإنذار. وأسلوبها ومضمونها قويان مرعبان، والمتبادر أنها استهدفت فيما استهدفته إثارة الخوف والرعب والندم في قلوب الكفار المشركين وحملهم على الارعواء. وعبارة وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ تلهم أن الجملة موجهة بصورة خاصة لزعماء الكفار وشارحة لمواقفهم وأقوالهم ومقررة أنهم السبب في بقاء دائرة الدعوة المحمدية ضيقة النطاق في العهد المكي مما تكرر تقريره في مواضع كثيرة في القرآن ومرت منه أمثلة عديدة. وفي الآيات تأييد لتعليقنا على الآيات السابقة في صدد كون الدعوة المحمدية قد توسلت بالعذاب والوعيد الدنيوي والأخروي معا. ولقد روى الطبري بطرقه في سياق الآية [٢٥] حديثا عن الربيع قال: «قال النبي ﷺ أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإنّ عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيّما داع دعا إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» . وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والترمذي بصيغة قريبة جدا جاء فيها: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» «١» وفي الحديث تلقين متساوق مع التلقين الذي انطوى في الآية كما هو المتبادر.

стр. 2371

[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) . عبارة الآيات واضحة، وقد احتوت بيانا عن موقف المؤمنين المتقين مما أنزل الله ومن المصير الحسن في الدنيا والآخرة لمن يؤمن ويحسن. مقابل البيان عن موقف الكفار جريا على الأسلوب القرآني. وقد انطوت على ثناء على المؤمنين وتنويه بهم كما انطوت على تشويق بالمصير السعيد الذي يكون لهم ولأمثالهم في الدنيا والآخرة معا. وتعبيرات لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ولِلَّذِينَ أَحْسَنُوا جديرة بالتنويه في مقامها. فهي وإن لم تكن مصروفة إلى المؤمنين فإنها تعني وجوب تلازم الإيمان مع تقوى الله والإحسان. وأن الدرجة الرفيعة والسعادة الموعودة في الدنيا والآخرة رهن بهذا الالتزام، والتقوى هي اتقاء الله في اجتناب الآثام والمنكرات والشهوات والجحود والإحسان هو القيام بالواجب نحو الله وعباده وتنفذ أوامره على أوفى وجه وأتمه وأفضله. وكل هذا جدير بتحقيق تلك الدرجة والسعادة الموعودة في الدارين من دون ريب، وفي هذا ما فيه من تلقين جليل مستمر المدى. ولقد روى الطبري في سياق الآية [٢٦] عن السدي أنها تعني بختنصر أو نمرود وما كان من مكرهم وما كان تدمير الله لهم وأنه كان من مكر نمرود أن أخذ أربعة أفراخ من فراخ النسور فرباهن باللحم والخبز حتى كبرن وغلظن واستعلجن فربطهن في تابوت وقعد فيه ثم رفع لهن لحما فطرن حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ثم رفع لهن اللحم ثم نظر فرأى الأرض ومحيطاتها بحركاتها فلكة في ماء ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه وما تحته وكان يقصد أن يطلع على الله الذي حدثه عنه إبراهيم ففزع فألقى

стр. 2372

اللحم فاتبعته النسور منقضات فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن فكان هذا المكر. وروي عن ابن مسعود أن المكر هو صرح شيده نحو السماء ثم ارتقى فوقه لينظر إلى إله إبراهيم فأخذ الله بنيانه من القواعد فخرّ عليه السقف فسقط فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، وسميت بابل باسمها لذلك. وواضح ما في هذا من خيال يقارب في مداه سفينة الفضاء اليوم، ولعل هذه القصة مما كان يرويه اليهود للعرب فيتداولونه عنهم في عصر النبي ﷺ وبيئته ولسنا نرى أي تناسب بين هذه الرواية والعبارة القرآنية في مقامها التي يتبادر أنها بسبيل وصف ما كان من مناوأة الكفار السابقين لأنبيائهم وما كان من تدمير الله لهم ليكون في ذلك إنذار لكفار العرب وهو ما تضمنته آيات عديدة مرّت في سور سابقة. وكل ما في الأمر أن حكمة التنزيل اقتضت أن يكون التعبير عن ذلك بالصيغة التي جاءت عليها الآية. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) . (١) هل ينظرون: هل ينتظرون والضمير عائد إلى الكفار كما هو المتبادر. في الآيتين: ١- تساؤل استنكاري عما إذا كان الكفار لا يستجيبون للدعوة ولا يؤمنون انتظارا لنزول الملائكة عليهم أو حلول قضاء الله وأمره فيهم. ٢- تذكير بأن أمثالهم من قبلهم قد فعلوا ذلك فنزل عليهم عذاب الله جزاء

стр. 2373

أعمالهم السيئة وأصابهم سوء عاقبة الاستهزاء الذي كانوا يقابلون به أنبياءهم. وهم في ذلك إنما كانوا الجناة على أنفسهم الظالمين لها ولم يظلمهم الله وإنما عاقبهم عقابا عادلا استحقوه بأفعالهم. والآيتان استمرار في السياق كما هو المتبادر، وفيها عود إلى إنذار الكفار موضوع الكلام قبل الآيات السابقة مباشرة التي جاءت كما قلنا للمقابلة بين أقوال الكفار ومواقفهم وأقوال المؤمنين ومواقفهم وما يترتب على ذلك. وقد تضمنتا دعوة لهم إلى الاعتبار بمن قبلهم ممن وقفوا موقفهم كما تضمنتا صورة من هذا الموقف حيث كانوا يقابلون دعوة النبي ﷺ بالاستهزاء ويتحدونه بتعجيل العذاب والإتيان بالملائكة تحدي الساخر الجاحد، وقد تكررت حكاية ذلك عنهم مما مرّت منه أمثلة عديدة في السور السابقة. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) . (١) الطاغوت هنا بمعنى الأصنام والشرك. الآيات متصلة بالسياق نظما وموضوعا كما هو المتبادر، وعبارتها واضحة. وما حكته الآية الأولى من أقوال الكفار قد حكته عنهم بعض آيات سورتي الأنعام والزخرف، مما يدل على أنهم كانوا يكررون ذلك في معرض

стр. 2374

الجدل والاحتجاج، وتبرير ما هم عليه من شرك وتقاليد باطلة ومما علقنا عليه تعليقا يغني عن التكرار. والرد الوارد عليهم في الآيات موجه إلى العقل والقلب معا، وفيه إنذار للكفار وتطمين وتسلية للنبي ﵇. فهذا القول ليس جديدا فقد كان يقوله الكفار المشركون من الأمم السابقة. ولقد أرسل الله إلى كل أمة رسولا لبيان الحق والباطل والحلال والحرام، وعبادة الله وحده واجتناب الشرك والأوثان لأن الناس قد لا يدركون هذا من أنفسهم فكان منهم المهتدي ومنهم الضال. وليس على الرسل إلا البلاغ فمن هداه الله اهتدى ومن حقّت عليه الضلالة ضلّ. وفي الآية الأخيرة التفات للنبي على سبيل التطمين فالله يعلم أنه حريص على هداية الجميع ولكن الله لا يمكن أن يهدي من حقت عليه الضلالة وضل فلا محل للاغتمام والحزن، ولن يجد هؤلاء لهم ناصرا ولا منقذا. وقد آمن معظم الذين ضلوا وكفروا برسالة النبي ﷺ في مكة فيما بعد وحسن إسلامهم مما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الآيات على سبيل تطمين النبي ﷺ ، ومما ينطوي فيه ما ذكرناه في مناسبة سابقة مماثلة من قصد تقرير واقع الكفار الضالين حين نزول الآيات، وليس قصد التأبيد في الإضلال الذي قد يعني عدم التوفيق والسداد والذي ليس إلّا بالنسبة للذين كفروا وضلوا وماتوا على ذلك. وبالنسبة لما احتوته الآيات من كون الذين يهديهم الله يهتدون ومن يضلهم الله يضلون، وإن من الناس من هدى الله ومنهم من حقت عليهم الضلالة. نقول إنه إذا لحظ التخصيص الذي احتوته آية البقرة [٢٦] : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وآية إبراهيم [٢٧] : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وآية الرعد [٢٧] : قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ زال ما يمكن أن توجده عبارة الآيات من وهم ولم يبق محل لتشاد

стр. 2375

الكلاميين حولها على ما نبهنا عليه في المناسبات المماثلة السابقة. وفي سورة الأعراف آية مماثلة للآية [٣٦] مع تعليق وتوضيح مزيلين للوهم أيضا، وهي: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) . هذا، ولقد علقنا على موضوع إرسال الله رسله إلى كل أمة في سياق تفسير سورة فاطر فنكتفي بهذه الإشارة بالنسبة لما جاء في الآية [٣٦] . [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) . والآيات متصلة بما سبقها كذلك سياقا وموضوعا، وعبارتها واضحة. وقد خوطب العقل والقلب معا بما احتوته من تقرير وحكمة ومنطق ردا على أيمان الكفار الشديدة بأن الله لن يبعث من يموت تعبيرا عن عقيدتهم التي كانوا يكررون تقريرها باستحالة ذلك والتي كانت من أهم ما دار الجدل والحجاج حوله بين النبي وبينهم على ما ذكرناه في المناسبات السابقة. فليس من المعقول أن يكون الله قد خلق الكون عبثا وأن يضيع أجر المحسنين وجريمة المجرمين، وليست الدنيا إلّا دار اختبار ولا يمكن إلّا أن يكون لها تتمة للقضاء والجزاء. والذين يعتقدون بالله وقدرته الشاملة يجب أن يدركوا هذه الحكمة ويعترفوا بأن الله قادر على تحقيق وعده فلا يحتاج أي شيء يريده الله إلّا أن تتعلق به إرادته فيكون ولسوف يتحقق ذلك ويرى الكافرون به أنهم كانوا كاذبين. ولقد روى الطبري في سياق الآية الأولى أنه كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه وأقسم قائلا: «والذي أرجوه بعد الموت إن

стр. 2376

الأمر لكذا» فقال المشرك: إنك تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت فأنزل الله الآية. وروى الرواية الطبرسي معزوة إلى أبي العالية، وهذه الرواية لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ويلحظ أن الآية معطوفة على ما قبلها ومنسجمة مع ما بعدها بحيث يسوغ التوقف في الرواية كسبب لنزول الآية لحدتها والترجيح بأنها بسبيل التعبير عن رأي جمهور المشركين الكفار. هذا، ومفسر والشيعة وعلماؤهم يتخذون الآية الأولى دليلا على صحة عقيدتهم بالرجعة التي شرحناها في سياق تفسير الآية [٨٢] من سورة النمل، والتعسف في ذلك واضح سواء أمن ناحية فحوى الآية أم من ناحية سياقها شأنهم في التعسف في تأويل غيرها. ولقد روى الطبري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: «إن رجالا في العراق يتأولون الآية الأولى ويقولون إن فيها دليلا على بعث علي بن أبي طالب للحياة قبل يوم القيامة. وقد كذب هؤلاء لأن الآية للناس عامة وبالنسبة للبعث يوم القيامة ولو علمنا أن عليا مبعوث قبل القيامة ما تزوجنا نساءه ولا قسمناه ميراثه» . [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) . في الآيتين تنويه وبشرى للذين هاجروا بسبب ما وقع عليهم من أذى وظلم، وتمسكا بدين الله الحق، فلسوف ييسّر الله لهم الخير والنجاح والمقام الحسن الأمين في الدنيا ثم يكون أجرهم في الآخرة أعظم وأكبر. لأنهم صبروا على ما وقع عليهم وهجروا وطنهم في سبيل الله ودينه وجعلوا اعتمادهم وتوكلهم على الله تعالى. تعليق على آية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ وما بعدها ويبدو لأول وهلة أن الآيتين غير متصلتين بالسياق السابق ولا باللاحق

стр. 2377

وأنهما فصل مستقل، غير أن عودة السياق بعدهما إلى التنديد بالكفار وإنذارهم تسوغ القول أنهما جاءتا استطراديتين لبيان ما كان من أثر مواقف الكفار وكيدهم والتنويه بالذين ثبتوا على دين الله الحق وتحملوا الشدائد ثم هاجروا تمسكا به، وهما والحالة هذه غير بعيدتين ولا غريبتين عن جوّ السياق. وقد روى المفسرون أن الآيتين نزلتا في بعض المسلمين الذين منعهم قومهم عن الهجرة إلى المدينة وسجنوهم وأرادوا فتنتهم فصبروا وثبتوا ثم تمكنوا من الهجرة فهاجروا «١» كما رووا أنهما نزلتا في الذين هاجروا إلى الحبشة حينما اشتد أذى المشركين على الذين آمنوا من قومهم «٢» . وهذه الرواية هي الأصح لأن الرواية الأولى تقتضي أن تكون الآيتان مدنيتين مع أنه لا خلاف في مكيتهما. ولقد احتوت الآية العاشرة من سورة الزمر التي نزلت قبل هذه السورة بأمد غير بعيد حضا للمسلمين على تقوى الله ووعدا بالخير والعاقبة الحسنة في الدنيا للذين أحسنوا، وتنبيها إلى أن أرض الله واسعة وأن الله موف للصابرين أجرهم بغير حساب، وإعلانا بأن الله قد أمر نبيه بعبادة الله وحده والإخلاص له مما انطوى فيه إلهاما أو إذنا للمضطهدين من المسلمين بالهجرة وتلقينا بوجوب التمسك بدينهم فجاءت الآيتان تخبران أن فريقا من هؤلاء قد اتبعوا إلهام الله أو إذنه فخرجوا مهاجرين في سبيل دينه وتعدانهم بالخير والفلاح والأجر الكبير في الدنيا والآخرة. وروايات السيرة النبوية تذكر «٣» أنه لما ظهر الإسلام وكثر الذين آمنوا من قريش- وخاصة من شبابهم- ثار كبار ذويهم من المشركين عليهم وأخذوا يؤذونهم ويضطهدونهم ويحاولون ردهم عن الإسلام فأشار عليهم النبي بالهجرة إلى بلاد الحبشة وقال لهم: «إنّ فيها ملكا لا تظلمون عنده» . وقد هاجر في دفعة أحد عشر رجلا وأربع نساء معظمهم من شباب قريش ومن أبناء زعماء المشركين المناوئين للدعوة أو أقاربهم. وقد بلغهم أن المشركين آمنوا فعادوا وظهر لهم عدم صحة ما

стр. 2378

بلغهم وعاد قومهم إلى اضطهادهم فهاجروا مرة أخرى، وانضمّ إليهم غيرهم حتى بلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة معظمهم من قريش ومن أبناء المشركين المناوئين للدعوة أو أقاربهم حتى لم يكد بطن من بطون قريش وأسرها الكبيرة إلا وكان منها بعضهم نساء أو رجالا «١» ، وظلوا هناك إلى السنة الهجرية السادسة حيث صار النبي ﷺ والمسلمون في منعة وقوة في المدينة فأرسل النبي ﷺ من أحضرهم إليها. وقد أوّل المؤولون ومنهم الشعبي جملة لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً بما كان من عودتهم إلى المدينة ونزولهم فيها المنزل الحسن وهذا صواب. وبه تحققت معجزة قرآنية بما كان من صدق وعد الله تعالى لهم والله لا يخلف الميعاد. وفي الآية مع ذلك تلقين مستمر المدى لكل من ظلم فهاجر من ظلمه حيث تمده بمدد روحاني في اليقين بأن الله ناصره ومبوّئه المبوّأ الحسن في الدنيا بالإضافة إلى الأجر الأخروي الأكبر جزاء صبره وتوكله على الله تعالى. ولقد كان من المؤمنين كثير من الفقراء والمساكين والأرقاء وأهل الكتاب من قاطني مكة، فرواية كون معظم المهاجرين إلى الحبشة من الأسر القرشية ومنهم من أبناء كبار الزعماء وأقاربهم تدل على أن نقمة هؤلاء الزعماء واضطهادهم كانت أشدّ على أبنائهم وأقاربهم وأبناء الأسر القرشية في الدرجة الأولى خشية أن تسري عدواهم إلى غيرهم من أبناء هذه الأسر في الدرجة الأولى وفي هذا ما فيه من صور السيرة النبوية في العهد المكي. ولقد حاول بعض المستشرقين أن يغمزوا المهاجرين في صبرهم وجلدهم ويعزوا هجرتهم إلى الرغبة في النجاة بأنفسهم ولو كان في ذلك تخلّ عن النبي ﷺ . وفي هذا تجنّ آت من سوء النية والجهل بظروف البيئة النبوية فالذين هاجروا كانوا بين أمرين إما أن يتعرضوا لأذى شديد قد تخونهم فيه أعصابهم

стр. 2379

فيرتدوا وإما أن يصبروا حتى يودي الصبر بحياتهم. وقد وقعت الصورتان في بعض الذين آمنوا على ما روته الروايات وأشير إليه في سورة البروج ثم في بعض آيات سورة النحل هذه على ما سوف يأتي شرحه بعد. وليس في الصبر حتى الموت مصلحة للمسلمين، والخوف من انهيار الأعصاب واقع فليس في التفادي من الصورتين محل للغمز بل فيه دليل على تعلق المهاجرين بدينهم وتضحيتهم في سبيله بوطنهم وأموالهم لأن منهم من كان غنيا وهذا مستوجب للثناء والإعجاب. وكانت الهجرة بإذن النبي وإلهام القرآن وأسلوب الآيتين دليل على أن عملهم كان مستحقا للثناء حقا، وهو حاسم لأنه وحي الله الذي بلغه رسوله. والغريب أن الغامزين يتجاهلون صورة واقعة متكررة في كل ظرف ومكان منذ الأجيال البشرية الأولى إلى الآن وإلى ما شاء الله بسبيل شفاء غلّ النفس بالتعليق والغمز. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) . (١) أهل الذكر: كناية عن أهل الكتاب. (٢) البيّنات: الآيات الواضحة أو المعجزات. (٣) الزبر: جمع زبور بمعنى الكتاب والكتب. (٤) الذكر: كناية عن القرآن وقد وصف القرآن بالذكر في آيات عديدة مرّ بعضها. في الآيتين تقرير: ١- بأن الله تعالى لم يرسل من قبل النبي ﷺ رسلا إلى البشر إلّا رجالا

стр. 2380

مثله فينزل عليهم الكتب والآيات الواضحة والمعجزات، ويبين بواسطتهم للناس سبيل الحق. وأنه قد أرسل النبي ﷺ بشرا كالأنبياء السابقين، ونزل عليه مثلهم الكتاب ليبين للناس سبيل الحق ويدعوهم إليها لعلهم يهتدون ويتفكرون. ٢- وخطاب للسامعين على سبيل التوكيد والتحدي بأن يسألوا أهل العلم والكتاب إذا كانوا لا يفهمون ولا يعلمون هذه الحقيقة. والآيتان بسبيل توكيد كون رسالة النبي ﷺ والقرآن حقّا وجريا على سنّة الله، وهما في نطاق المواضيع التي سبقت آيتي الهجرة من حيث صلتهما بموقف الكفار من الرسالة المحمدية وإنذارهم كما هو المتبادر. وقد جاءتا بأسلوب قوي يتضمن معنى التحدي والإفحام ومعنى كون السامعين يعرفون سنة الله التي جرت من قبل في إرسال الرسل بشرا وإنزال الكتب عليهم. ومن هنا جاء الإفحام والإلزام، وقد ذكرت آيات عديدة أن الكفار كانوا يعرفون ذلك مثل آيات سورة القصص هذه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [٤٨] وآية سورة الأنبياء هذه: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ، وآية سورة الأنعام هذه: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) . وأسلوب الآية الأولى وما فيها من تحدّ يتضمن معنى التوكيد بأن شهادة أهل الذكر ستأتي مؤيدة، كما أنه قد يدل على ما كان لأهل الكتاب من اعتبار في نفوس العرب. وهذا ما تكرر الإلماع إليه في آيات عديدة في سور مرّ تفسيرها مثل الإسراء والأنعام والفرقان.

стр. 2381

تعليق على جملة وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ واستطراد إلى السنّة النبوية القولية والفعلية وهدفها وواجب المسلمين نحوها والمتبادر أن هذه الجملة لا تعني تبليغ الناس ما ينزل على النبي ﷺ من قرآن فقط، بل تعني أيضا توضيح وتفسير وشرح ما قد يكون في حاجة إلى ذلك من القرآن. وفي هذا إيذان رباني بأن الله سبحانه يعلم استعداد رسوله لذلك، وأن ذلك كان من أسباب اصطفائه لرسالته، وأن ما يثبت عنه من ذلك واجب الاتباع كما هو شأن القرآن. وقد أيدت هذا المعنى بصراحة هذه الجملة: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا في آية سورة الحشر السابعة. وهناك آيات عديدة أخرى فيها تأييد لذلك فيما هو المتبادر مثل آيات سورة النساء هذه: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) ، وآية سورة النساء هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) ، وآية سورة النساء هذه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) ، وجملة: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ في آية النساء [٥٩] مهمة في هذا الباب. فواجب المسلمين إذا اختلفوا في أمر أن يرجعوا فيه إلى القرآن الذي يمثل الله فإن لم يجدوا فيه نصا حاسما محكما وجب عليهم الرجوع إلى النبي ﷺ في حياته وسنّته القولية والفعلية الثابتة بعد موته. ومخالفة ذلك خروج من ربقة الإسلام، وينطوي في هذا تقرير كون بيان الرسول وسنته حاسمين فيما ليس فيه حكم قرآني حاسم ومحكم.

стр. 2382

ويحسن أن ننبه في هذه المسألة على نقطة هامة في الأمر متفق عليها من جمهور الفقهاء والمحدثين وهي أن السنّة النبوية الصحيحة القولية والفعلية لا تتناقض مع أحكام القرآن الحاسمة المحكمة ولا تخرج عن نطاق خطوطه ومبادئه وتلقيناته وتوجيهاته العامة. وأنها بسبيل توضيح وتفسير وشرح وتخصيص وإتمام ما يحتاج إلى توضيح وتفسير وشرح وتخصيص وإتمام من آيات القرآن وأحكامه أو تشريع لما سكت عنه القرآن كليا أو جزئيا، وهذا هو المقصود كما هو المتبادر من جملة لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٤] والله أعلم. ولقد روى أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه. ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهلي ولا كلّ ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» «١» مما فيه توضيح وتدعيم لما نحن في صدده. ولقد روى الإمام أحمد عن أبي حميد وأبي أسيد عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد فأنا أبعدكم عنه» «٢» مما قد يكون فيه ضابط آخر لصحة أحاديث رسول الله ﷺ .

стр. 2383

ويحسن كذلك أن ننبّه على مسألة هامة أخرى، فإن النبي ﷺ كان ينهى عن كتابة شيء غير القرآن عنه «١» حتى لا يختلط بالقرآن وهو وحي الله. ولذلك لم يدون في حياته من سننه القولية والفعلية إلّا القليل حيث روي أن عبد الله بن عمرو بن العاص من شباب الصحابة دوّن بعض الأحاديث في سجل أو أوراق عرفت بالصادقة أو المصدقة ولما تفرق أصحاب رسول الله في الأمصار بعد الفتوحات وانضوى إلى الإسلام أجيال جديدة من العرب وغير العرب صار الأمر في حاجة إلى معرفة السنن النبوية فبدىء بتدوينها في نطاق ضيّق أولا في القرن الهجري الأول ثم اتسع النطاق في القرنين الثاني والثالث حتى صارت الأحاديث تعد بمئات الألوف بعد أن كانت تعدّ بالمئات ثم بالألوف القليلة «٢» . ولقد نشب بين المسلمين في القرون الثلاثة الأولى نزاع وخلاف فكان ذلك مما أدى إلى هذه الكثرة العجيبة، وقد اختلط الغثّ فيها بالسمين بسبب بقاء كثير منها في الصدور تتداولها الألسنة، وعرف على التحقيق في الوقت نفسه أن بعض الزنادقة وذوي الأهواء تجرأوا على رسول الله وأصحابه فوضعوا عليهم أحاديث كثيرة أيضا. غير أن الله قيض لدينه وسنّة نبيه رجال صدق وإخلاص في القرون الثلاثة فتجردوا لتحرير السنّة والأحاديث وتصنيفها واستطاعوا أن يستخلصوا عددا كبيرا منها يتسم بالصحة والصدق رواية ومتنا ويشع فيها نور القرآن والنبوة ويتسق مع خطوط القرآن ومبادئه وأحكامه ولا يتناقض معه. منها ما احتوته كتب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومالك وهو الطبقة الأولى. ومنها ما يأتي بعد هذه الطبقة من كتب أئمة الحديث الآخرين الذين يأتي في مقدمتهم الشافعي وابن حنبل وأبو عبيد وأبو يوسف والبيهقي وابن ماجه والدارقطني والتي فيها أيضا أحاديث كثيرة يصح أن تكون صدرت عن رسول الله ﷺ . وفي هذه الأحاديث وتلك من روائع التعليم والبيان والتلقين والهدى والحكمة والسداد في مختلف الشؤون ما يتساوق مع

стр. 2384

مبادئ القرآن وتلقيناته وخطوطه وتقريراته العامة، مما أوردنا كثيرا منه، وسوف نورد كثيرا منه، في مناسباته، يحدوهم إلى ذلك إيمانهم بالله ورسوله وقصد الخدمة الخالصة لدين الله وشرائعه. ويتهيبون في كل ما بذلوه من جهد ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس قال: «إنه ليمنعني أن أحدّثكم حديثا كثيرا أن النبي ﷺ قال: «من تعمّد عليّ كذبا فليتبوأ مقعده من النار» «١» . وما ورد في حديث ثان رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّا مقعده من النار» «٢» . وحديث ثالث رواه الشيخان والنسائي عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إنّ أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار» «٣» . وحديث رابع رواه الإمام مالك عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما كتاب الله وسنّة رسول الله» «٤» . وبفضل هذه الجهود المبرورة لم يبق والحمد لله محل للقول بأن السنة النبوية القوليّة والفعليّة قد اضطربت ولم يعد إمكان للأخذ بها، وكل من يقول هذا بعد أن

стр. 2385

ثبتت صحة عدد كبير من الأحاديث والسنن القولية والفعلية مارق أو عدو مغرض يهدف إلى تعطيل مصدر رئيسي من مصادر الشريعة الإسلامية عرف منه كثير مما سكت عنه أو عن تفصيله القرآن سواء في الأمور التعبدية أم في الأمور المدنية. وكل ما يمكن أن يقال هو وجوب التروي والأناة في تلقي السنّة النبوية وحسن تفهمها ودراستها من حيث الرواة والمتون والمطابقة إجمالا مع القرآن وعدم التعارض والتناقض. وقد يكون فيما ورد في كتب الأحاديث المعتبرة منها ولا يتناقض مع صريح القرآن أشياء لا يدركها عقل الإنسان العادي من شؤون الدنيا والآخرة وأحداث الأمم والأنبياء السابقين وما يكون في آخر الزمان ومن الشؤون الغيبية مما سبق التنبيه إليه في مناسبات عديدة. ومثل هذا موجود في القرآن المجيد فلا يجوز للمسلم أن يسارع إلى إنكارها ويجب عليه أن يفوض الأمر في ذلك إلى الله وحكمة الرسول كما هو واجبه بالنسبة لما من مثل ذلك في القرآن مع الاعتقاد بأنه لا بد من أن يكون في ذلك من حكمة ولو لم يستطع لمحها، هذا مع التنبيه على أن علماء الحديث ﵏ قد عرفوا كذب كثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ ونبهوا عليها كما نبهوا على ما هو ضعيف أو منقطع من الأحاديث أيضا فصار من الممكن للنبهاء وذوي الدارية التعرف عليها والتوقف فيها وعدم الأخذ بها. أما العامة فعليهم أن يسألوا أهل العلم الموثوقين في داريتهم وورعهم ويقفوا عند كلامهم «١» . ومن الجدير بالتنبيه في هذا المقام أن ما هناك من اختلاف بين علماء الحديث والفقه في سنن رسول الله القولية والفعلية الواردة في كتب الأحاديث المعتبرة ليس هو على صحتها وإنما هو على احتمال النسخ فيها وبسبيل ترجيح الأقوى سندا منها والاجتهاد فيما إذا كانت وجوبية أو استحبابية أو عامة أو خاصة إلخ مما لا يتسع المقام لتفصيله. هذا وهناك مسألة هامة يحسن التنبيه عليها أيضا، وهي أن معظم الأحاديث
следующие страницы →