تعليق على جملة وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ واستطراد إلى السنّة النبوية القولية والفعلية وهدفها وواجب المسلمين نحوها
والمتبادر أن هذه الجملة لا تعني تبليغ الناس ما ينزل على النبي ﷺ من قرآن فقط، بل تعني أيضا توضيح وتفسير وشرح ما قد يكون في حاجة إلى ذلك من القرآن. وفي هذا إيذان رباني بأن الله سبحانه يعلم استعداد رسوله لذلك، وأن ذلك كان من أسباب اصطفائه لرسالته، وأن ما يثبت عنه من ذلك واجب الاتباع كما هو شأن القرآن. وقد أيدت هذا المعنى بصراحة هذه الجملة: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا في آية سورة الحشر السابعة. وهناك آيات عديدة أخرى فيها تأييد لذلك فيما هو المتبادر مثل آيات سورة النساء هذه: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) ، وآية سورة النساء هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) ، وآية سورة النساء هذه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) ، وجملة: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ في آية النساء [٥٩] مهمة في هذا الباب. فواجب المسلمين إذا اختلفوا في أمر أن يرجعوا فيه إلى القرآن الذي يمثل الله فإن لم يجدوا فيه نصا حاسما محكما وجب عليهم الرجوع إلى النبي ﷺ في حياته وسنّته القولية والفعلية الثابتة بعد موته. ومخالفة ذلك خروج من ربقة الإسلام، وينطوي في هذا تقرير كون بيان الرسول وسنته حاسمين فيما ليس فيه حكم قرآني حاسم ومحكم.
стр. 2382
ويحسن أن ننبه في هذه المسألة على نقطة هامة في الأمر متفق عليها من جمهور الفقهاء والمحدثين وهي أن السنّة النبوية الصحيحة القولية والفعلية لا تتناقض مع أحكام القرآن الحاسمة المحكمة ولا تخرج عن نطاق خطوطه ومبادئه وتلقيناته وتوجيهاته العامة. وأنها بسبيل توضيح وتفسير وشرح وتخصيص وإتمام ما يحتاج إلى توضيح وتفسير وشرح وتخصيص وإتمام من آيات القرآن وأحكامه أو تشريع لما سكت عنه القرآن كليا أو جزئيا، وهذا هو المقصود كما هو المتبادر من جملة لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٤] والله أعلم.
ولقد روى أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه. ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهلي ولا كلّ ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» «١» مما فيه توضيح وتدعيم لما نحن في صدده.
ولقد روى الإمام أحمد عن أبي حميد وأبي أسيد عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد فأنا أبعدكم عنه» «٢» مما قد يكون فيه ضابط آخر لصحة أحاديث رسول الله ﷺ .
стр. 2383
ويحسن كذلك أن ننبّه على مسألة هامة أخرى، فإن النبي ﷺ كان ينهى عن كتابة شيء غير القرآن عنه «١» حتى لا يختلط بالقرآن وهو وحي الله. ولذلك لم يدون في حياته من سننه القولية والفعلية إلّا القليل حيث روي أن عبد الله بن عمرو بن العاص من شباب الصحابة دوّن بعض الأحاديث في سجل أو أوراق عرفت بالصادقة أو المصدقة ولما تفرق أصحاب رسول الله في الأمصار بعد الفتوحات وانضوى إلى الإسلام أجيال جديدة من العرب وغير العرب صار الأمر في حاجة إلى معرفة السنن النبوية فبدىء بتدوينها في نطاق ضيّق أولا في القرن الهجري الأول ثم اتسع النطاق في القرنين الثاني والثالث حتى صارت الأحاديث تعد بمئات الألوف بعد أن كانت تعدّ بالمئات ثم بالألوف القليلة «٢» . ولقد نشب بين المسلمين في القرون الثلاثة الأولى نزاع وخلاف فكان ذلك مما أدى إلى هذه الكثرة العجيبة، وقد اختلط الغثّ فيها بالسمين بسبب بقاء كثير منها في الصدور تتداولها الألسنة، وعرف على التحقيق في الوقت نفسه أن بعض الزنادقة وذوي الأهواء تجرأوا على رسول الله وأصحابه فوضعوا عليهم أحاديث كثيرة أيضا. غير أن الله قيض لدينه وسنّة نبيه رجال صدق وإخلاص في القرون الثلاثة فتجردوا لتحرير السنّة والأحاديث وتصنيفها واستطاعوا أن يستخلصوا عددا كبيرا منها يتسم بالصحة والصدق رواية ومتنا ويشع فيها نور القرآن والنبوة ويتسق مع خطوط القرآن ومبادئه وأحكامه ولا يتناقض معه. منها ما احتوته كتب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومالك وهو الطبقة الأولى. ومنها ما يأتي بعد هذه الطبقة من كتب أئمة الحديث الآخرين الذين يأتي في مقدمتهم الشافعي وابن حنبل وأبو عبيد وأبو يوسف والبيهقي وابن ماجه والدارقطني والتي فيها أيضا أحاديث كثيرة يصح أن تكون صدرت عن رسول الله ﷺ . وفي هذه الأحاديث وتلك من روائع التعليم والبيان والتلقين والهدى والحكمة والسداد في مختلف الشؤون ما يتساوق مع
стр. 2384
مبادئ القرآن وتلقيناته وخطوطه وتقريراته العامة، مما أوردنا كثيرا منه، وسوف نورد كثيرا منه، في مناسباته، يحدوهم إلى ذلك إيمانهم بالله ورسوله وقصد الخدمة الخالصة لدين الله وشرائعه. ويتهيبون في كل ما بذلوه من جهد ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس قال: «إنه ليمنعني أن أحدّثكم حديثا كثيرا أن النبي ﷺ قال: «من تعمّد عليّ كذبا فليتبوأ مقعده من النار» «١» . وما ورد في حديث ثان رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّا مقعده من النار» «٢» . وحديث ثالث رواه الشيخان والنسائي عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إنّ أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار» «٣» . وحديث رابع رواه الإمام مالك عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما كتاب الله وسنّة رسول الله» «٤» .
وبفضل هذه الجهود المبرورة لم يبق والحمد لله محل للقول بأن السنة النبوية القوليّة والفعليّة قد اضطربت ولم يعد إمكان للأخذ بها، وكل من يقول هذا بعد أن
стр. 2385
ثبتت صحة عدد كبير من الأحاديث والسنن القولية والفعلية مارق أو عدو مغرض يهدف إلى تعطيل مصدر رئيسي من مصادر الشريعة الإسلامية عرف منه كثير مما سكت عنه أو عن تفصيله القرآن سواء في الأمور التعبدية أم في الأمور المدنية.
وكل ما يمكن أن يقال هو وجوب التروي والأناة في تلقي السنّة النبوية وحسن تفهمها ودراستها من حيث الرواة والمتون والمطابقة إجمالا مع القرآن وعدم التعارض والتناقض. وقد يكون فيما ورد في كتب الأحاديث المعتبرة منها ولا يتناقض مع صريح القرآن أشياء لا يدركها عقل الإنسان العادي من شؤون الدنيا والآخرة وأحداث الأمم والأنبياء السابقين وما يكون في آخر الزمان ومن الشؤون الغيبية مما سبق التنبيه إليه في مناسبات عديدة. ومثل هذا موجود في القرآن المجيد فلا يجوز للمسلم أن يسارع إلى إنكارها ويجب عليه أن يفوض الأمر في ذلك إلى الله وحكمة الرسول كما هو واجبه بالنسبة لما من مثل ذلك في القرآن مع الاعتقاد بأنه لا بد من أن يكون في ذلك من حكمة ولو لم يستطع لمحها، هذا مع التنبيه على أن علماء الحديث ﵏ قد عرفوا كذب كثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ ونبهوا عليها كما نبهوا على ما هو ضعيف أو منقطع من الأحاديث أيضا فصار من الممكن للنبهاء وذوي الدارية التعرف عليها والتوقف فيها وعدم الأخذ بها. أما العامة فعليهم أن يسألوا أهل العلم الموثوقين في داريتهم وورعهم ويقفوا عند كلامهم «١» .
ومن الجدير بالتنبيه في هذا المقام أن ما هناك من اختلاف بين علماء الحديث والفقه في سنن رسول الله القولية والفعلية الواردة في كتب الأحاديث المعتبرة ليس هو على صحتها وإنما هو على احتمال النسخ فيها وبسبيل ترجيح الأقوى سندا منها والاجتهاد فيما إذا كانت وجوبية أو استحبابية أو عامة أو خاصة إلخ مما لا يتسع المقام لتفصيله.
هذا وهناك مسألة هامة يحسن التنبيه عليها أيضا، وهي أن معظم الأحاديث
стр. 2386
النبوية مدنية الصدور والرواة، وحتى التي فيها تفسير الآيات المكيّة وأسباب نزولها وتطبيقاتها وأحداث السيرة النبوية في العهد المكي. وعلى سبيل المثال نذكر أبا هريرة وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين وأبا سعيد الخدري ﵃ الذين روي عنهم آلاف الأحاديث «١» .
فأكثرهم من أهل المدينة أو ممن انضم إلى الإسلام في العهد المدني والقرشيون منهم كانوا أحداثا أو أطفالا حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا يصح أن يكونوا قد رووا عنه شيئا في مكة مثل عائشة وابن عباس وابن عمر. وهناك عشرات من أصحاب رسول الله ممن رووا المئات والعشرات من الأحاديث من هذا النوع «٢» .
والحكمة التي نلمحها في ذلك أن العهد المكي كان عهد دعوة وحجاج ولجاج بين النبي والكفار. وكان قسم كبير من أصحاب رسول الله ﷺ هاجر إلى الحبشة ولم يبق إلى جانب النبي إلّا القليل. ومعظم الأحاديث هي من ناحية أخرى في صدد التشريع والتعليم والتأديب للمسلمين وهذا إنما كان مسرحه في الدرجة الأولى العهد المدني.
ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ في مكة يعرفون ما كانت تذكره الآيات المكية من أحداث والأسباب والمناسبات التي كانت تنزل فيها. فالأسئلة في صددها كانت توجه من أهل العهد المدني للنبي ﷺ فيصدر منه الجواب فيروونه عنهم والله تعالى أعلم.
стр. 2387
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)
. (١) في تقلبهم: في تجوالهم وأسفارهم إلى آفاق الأرض.
(٢) على تخوف: التخوف بمعنى التنقص فيقال تخوف مال فلان الإنفاق أي جعل الإنفاق ماله متناقصا شيئا بعد شيء حتى نفد. ومما قاله المفسرون أيضا: إن معنى الجملة أن يلاحق الله مصائبه عليهم في الأنفس والأموال والثمرات فينتقص من أطرافهم حتى يهلكوا.
في الآيات:
١- تساؤل يتضمن معنى التنديد والإنذار عما إذا كان الذين يمكرون السيئات ويقفون من النبي موقف الجحود والمكر والكيد قد أمنوا نقمة الله وغضبه في حين أنه قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يسلّط عليهم بلاء مفاجأة من حيث لا يدرون، أو يسلّط عليهم أسباب الخوف والهلاك والعذاب والخسران في رحلاتهم وينقصهم في أموالهم وأنفسهم.
٢- وتقرير ينطوي على أن الله إذا لم يفعل بهم شيئا من ذلك عاجلا فلأنه ترك لهم المجال للتدبر والتفكر وفق ما اقتضته حكمته وصفات الرحمة والرأفة التي يتصف بها.
والآيات متصلة بسابقاتها وعاطفة عليها، ومتسقة مع موضوع السياق بوجه عام كما هو المتبادر. وقد استهدفت إثارة الخوف في قلوب الكفار ومنحهم فرصة الرجوع إلى الله.
وما انطوى في الفقرة الأخيرة من الآية الثالثة انطوى بصراحة أكثر في آية سورة الكهف السابقة لهذه السورة: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما
стр. 2388
كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
(٥٨) ، وآية سورة فاطر هذه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) ، وجاء في آية في سورة النحل نفسها تأتي بعد قليل.
ولقد آمن معظم الذين كفروا وكانوا موضوع إنذار الله ظهرت حكمة الله ومعجزة القرآن في إمهالهم وفي كون الله إنما توخّى من إنذارهم وتقريعهم صلاحهم وهدايتهم.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)
. (١) يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل: تتقلب ظلاله أو تدور ظلاله من اليمين إلى الشمال وبالعكس.
(٢) داخرون: صاغرون.
(٣) من فوقهم: المتبادر أن المقصد من الجملة العلوّ المعنوي لأن الله منزّه عن الفوقية التي تتضمن تحديدا وجهة.
في الآيات تساؤل ينطوي على التنديد ثم على لفت النظر إلى مشاهد كون الله وخضوع خلقه له، فكل ما خلق الله مما يتقلب ظلاله من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين خاضع منقاد لله لا يخرج عن أمره وتسييره. وكل ما في السموات والأرض من حيّ ومن ملك خاضع منقاد له كذلك، يخافونه ويرهبونه ويسارعون إلى تنفيذ أوامره دون استكبار أو تردد.
والآيات استمرار في السياق نظما وموضوعا، والخطاب فيها موجه إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في السياق. وقد تضمنت التنديد بهم لشذوذهم
стр. 2389
عن جميع خلق الله في كونه. ولعل ذكر الملائكة تضمن تقرير كون الملائكة الذين يتخذهم الكفار أولياء وشركاء لا يخرجون عن سائر خلق الله في الخضوع والسجود له وتنفيذ أوامره. وبهذا يكون الإنذار والتنديد أشدّ استحكاما.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)
. (١) واصبا: لازما أو ثابتا أو مترتبا أو خالصا.
(٢) فإليه تجأرون: إليه ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء.
الخطاب في الآيات موجه للسامعين كمخاطبين. واحتوت الآيات الثلاث الأولى إيذانا لهم بأن الله قد نهى عن اتخاذ إلهين اثنين أي هو مع غيره، وقرر إنما الإله واحد وهو ذاته وأمر بالخشية منه وحده. فهو الذي له ملك السموات والأرض والذي وجب أن يكون التعبد والخضوع له وحده فكيف يصح أن يتقي أحد غيره. وهو الذي أنعم على الناس بكل ما يتمتعون به من نعم، وهو الذي يوجه الناس أصوات الدعاء والاستغاثة إليه وحده إذا مسّهم الضرّ. وقد حكت الآية الرابعة حال بعض المخاطبين حيث لا يتورعون عن الشرك بالله الذي يوجهون إليه وحده أصوات الاستغاثة إذا مسّهم الضرّ إذا ما استجاب لهم وكشف عنهم الضرّ. وقد احتوت الآية الخامسة إنذارا وتحديا لهؤلاء. فالذي يفعله هؤلاء هو كفر صريح بنعمة الله وأفضاله عليهم فليتمتعوا قليلا بذلك فلسوف يرون عاقبة هذا الكفر والجحود.
والآيات متصلة بسابقتها موضوعا وسياقا، وفيها استطراد تنديدي بعقيدة المشركين وتناقضهم حيث كانوا يعتقدون بأن الله هو المعاذ الأعظم والمؤثر الأكبر ويلجأون إليه ويجأرون بالاستغاثة به حينما تحدق بهم الأخطار ويمسهم الضرّ ثم
стр. 2390
لا يتورعون عن العودة إلى شركهم بعد أن يكشف عنهم الضر ويبعد عنهم الخطر.
وهذا المعنى قد تكرر في آيات عديدة مرّ بعضها. وقوة الإفحام والتنديد آتية من هذه الناحية في الدرجة الأولى. وينطوي في الآيات تقرير كون المشركين إذ يشركون مع الله غيره في الاتجاه والدعاء إنما يشركونهم على أنهم وسائل وشفعاء لديه وهو ما تكرر تقريره في آيات عديدة مرّ بعضها أيضا.
وهناك من قال إن النهي عن اتخاذ إلهين اثنين عنى ما كان معروفا من عبادة الفرس لإلهين هما إلهين النور وإله الظلمات أو إله الخير وإله الشر. لأنه ليس هناك ملة غيرها كانت تعبد إلهين فقط في ظروف نزول الآيات. فالمشركون كان لهم آلهة كثيرون يشركونهم مع الله، والنصارى كانوا يقولون بالأقانيم الثلاثة، واليهود كانوا موحدين وكل ما هناك أنهم أو أن منهم من كان يقول ببنوة العزير على ما جاء في آية سورة التوبة هذه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [٣٠] ، فنسجل ذلك دون القطع بصحته أو نفيه لأنه ليس هناك أثر وثيق متصل بالنبي ﷺ أو أصحابه في ذلك.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٦ الى ٦١]
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)
. (١) أيمسكه على هون: يسأل نفسه هل يستبقيه حيّا على مضض واستهانة شأن.
стр. 2391
في الآيات حكاية لبعض عقائد وطقوس المشركين في معرض التنديد والتسخيف والإنذار بأسلوب قوي لاذع:
١- فهم يخصصون قسما مما رزقهم الله لشركائهم الذين لا يستندون في إشراكهم مع الله إلى علم وبينة.
٢- وينسبون إلى الله سبحانه اتخاذ البنات في حين أنهم يرغبون عنهن ويشتهون لأنفسهم الأفضل أي البنين، وفي حين أنهم حينما يبشر أحدهم بولادة بنت يسودّ وجهه ويضيق صدره غيظا ويتوارى من الناس خجلا ويحار فيما يفعله بالمولودة هل يدسها في التراب فيتخلص منها أم يحتفظ بها مع الشعور بالهوان والغضاضة.
٣- ولسوف يسألهم الله عما كانوا يفترونه عليه ويحاسبهم، ولبئس ما يعتقدون من عقائد ويسيرون عليه من تقاليد.
٤- وهم يضربون في ذلك الأمثال السيئة لله ، وإن الأمثال السيئة للذين لا يؤمنون بالآخرة. أما الله القوي الحكيم فإن له المثل الأعلى في كل أمر.
٥- ولولا أن حكمة الله اقتضت أن يؤخر عقاب المجرمين الظالمين إلى أجل معين في علمه ولو أراد أن يؤاخذ الناس ويعاقبهم فورا بما يبدو منهم من انحراف وإجرام لأبادهم حتى لا يبقى على ظهر الأرض دابة تدبّ عليها، ولسوف يرجع الناس إليه حينما يحين الأجل ولن يستطيع أحد أن يتأخر عنه ولا أن يتقدم.
والآيات متصلة اتصالا استطراديا بالسياق والموضوع، والآية الأولى تشير إلى ما كان من تقاليد المشركين من تخصيص بعض أنعامهم وزروعهم لشركائهم مما احتوت تفصيله سورة الأنعام التي مرّ تفسيرها وشرحناه شرحا يغني عن التكرار. وما ذكرته الآيتان الثانية والثالثة من نظرة العرب إلى ولادة البنات قد ورد في سور أخرى مرّ تفسير بعضها مثل سورتي الزخرف والصافات وعلقنا على
стр. 2392
الموضوع تعليقا يغني عن التكرار كذلك.
ولقد روى الطبري في سياق الشطر الأول من الآية [٦١] أن أبا هريرة سمع رجلا يقول إن الظالم لا يضرّ إلّا نفسه فالتفت إليه فقال بلى والله إن الحبارى لتموت في وكرها هزالا بظلم الظالم. وروى عن ابن مسعود قوله: «إن الجعل يكاد أن يهلك في جحره بخطيئة ابن آدم» .
وما ورد في هذا الشطر قد ورد في سور أخرى مرّ تفسيرها منها الآية [٤٥] من سورة فاطر والآية [٥٨] من سورة الكهف. ومعناها والهدف الذي هدفت إليه صريحان على ما شرحناه في الفقرة الخامسة. ولسنا نرى المقام يتحمل الروايات المروية في سياق الجملة وإن كان المعنى الذي أريد بالروايات قد يتسق مع آية سورة الأنفال هذه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٢٥] ، إلا أن تطبيق هذا المعنى أو استخراجه من الجملة التي نحن في صددها في غير محله في ما يتبادر لنا. وكل ما نرى أن الجملة قصدته من هذا المعنى هو بيان شدة إثم الظالم والظلم أكثر منه قصد إهلاك كل دابة على الأرض من غير بني آدم الذين وحدهم يظلمون وينحرفون عن قصد وعقل.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الشطر الثاني من الآية حديثا رواه ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: «كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله لا يؤخّر شيئا إذا جاء أجله. وإنّما زيادة العمر بالذرّية الصالحة يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة في العمر» والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولكن صحته محتملة وقد ورد في هذه الكتب شيء من بابه حيث روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» «١» . وفي الحديث النبوي توضيح متساوق مع
стр. 2393
مدى الجملة القرآنية من جهة وبيان لما يمكن أن ينفع الإنسان بعد موته من أعمال صالحة وحثّ عليها من جهة أخرى.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
. (١) مفرطون: قرئت الراء بالفتح والتخفيف وبالكسر والتشديد، والقراءة الأولى بمعنى أنهم مهملون ومتروكون في النار، أو مقدمون إليها بسرعة. والقراءة الثانية بمعنى أنهم مهملون ومقصرون في حقّ الله.
في الآيات:
١- في الفقرة الأولى من الآية الأولى حكاية تنديدية مرة أخرى لعقيدة المشركين باتخاذ الله أولادا من صنف يكرهونه.
٢- وفي الفقرة الثانية حكاية تنديدية أخرى لما كانوا يزعمونه من أن لهم الحسنى وهم كاذبون في زعمهم.
٣- وفي بقية الآية تقرير بأسلوب الجزم والإنذار بأن لهم النار التي سوف يطرحون فيها ويهملون.
٤- واحتوت الآية الثانية استطرادا تقريريا مع القسم وجه الخطاب فيه إلى النبي ﷺ بأن الله قد أرسل الرسل من قبله إلى الأمم السابقة فكان من شأن هذه الأمم أن زيّن الشيطان لهم ما كانوا عليه من باطل. وكان وليّهم وهو اليوم كذلك وليّ المشركين الكفار الذين حقّ عليهم عذاب الله الشديد كما حقّ على من سبقهم من أمثالهم.
стр. 2394
٥- واحتوت الآية الثالثة تطمينا للنبي ﷺ وتنويها بالذين آمنوا به، فالله لم ينزل عليه الكتاب إلّا ليبين للناس ما هم مختلفون فيه من الحقّ والباطل وليكون هدى ورحمة لمن حسنت نيته وصدقت رغبته في الحق والإيمان.
والآيات كسابقاتها استمرار في الموضوع والسياق السابقين كما هو المتبادر.
وقد ورد بعض ما في هذه الآيات في مواضع وسور سابقة وعلقنا عليها بما يغني عن الإعادة والزيادة.
تعليق على قول المشركين أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
والحسنى التي حكت الفقرة الثانية من الآية الأولى أن المشركين كانوا يزعمونها لأنفسهم هي على ما يتبادر في مقام التبجح بما هم فيه من حالة حسنة أفضل من حالة النبي وأتباعه وكون ذلك في نظرهم اختصاصا من الله لهم. وطبيعي أن هذا الزعم إنما هو صادر من زعمائهم الذين كان الجدال والحجاج يدوران بينهم وبين النبي في الأعمّ الأغلب. وقد تكررت حكاية زعمهم هذا في سور أخرى مرّ بعضها. ولقد قال المفسرون «١» بالإضافة إلى هذا الوجه الذي قالوه أيضا: إنها بسبيل حكاية زعمهم على سبيل التبجح والتحدي كذلك إنه إذا كان بعث أخروي فلسوف يكون لهم عند الله الحسنى كما جعل لهم ذلك في الدنيا، ولا يخلو هذا أيضا من وجاهة. وقد تكررت حكايته عنهم في آيات أخرى مرّ تفسير سورها. حيث يبدو من خلال ذلك شدّة عناد زعماء المشركين الكفار ومقابلتهم للنذر القرآنية كلما كانوا يسمعونها بالتبجح والتحدي وإصرارهم على مواقفهم باعتبار أن ما هم عليه هو الأفضل الذي شاءه الله لهم وأن هذا سوف يستمر لهم أيضا.
ومع خصوصية المواقف الزمنية فإن في التنديد القرآني تلقينا مستمر المدى
стр. 2395
في تقبيح اغترار الناس بما يكونون فيه من حالة حسنة وظنهم ذلك اختصاصا ربانيا بهم ولا سيما إذا رافق ذلك نسيانهم لواجبهم نحو الله والناس.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٥ الى ٦٩]
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
. (١) فرث: الثفل الذي في الكرش.
(٢) سائغا: لذيذ الطعم.
(٣) سكرا: الجمهور على أن الكلمة تعني النبيذ المسكر المتخذ من العنب والبلح والتمر والزبيب.
(٤) رزقا حسنا: طعاما جيدا وهو العنب والبلح والزبيب والتمر.
(٥) أوحى ربّك إلى النحل: بمعنى ألهمها أو خلقها على ناموس من شأنه أن يسيرها على ما تسير عليه من أعمال وحركات.
(٦) مما يعرشون: مما يسقفون ويرفعون ويجعلونه عرائش. وقد وردت بمعنى التعمير والبناء في آية سورة الأعراف [١٣٧] .
(٧) ذللا: جمع ذلول بمعنى ممهد. والكلمة بمعنى مسيرة أو مذللة.
في الآيات تذكير ولفت نظر إلى بعض مشاهد آيات الله ونعمه:
١- فالله ينزل الماء من السماء إلى الأرض فتعجّ بعد الموت والجفاف بالحياة.
стр. 2396
٢- ويخرج للناس من بطون الأنعام من بين الثفل والدم لبنا لذيذ الطعم شرابا لهم.
٣- ويكون لهم مما تحمله شجر النخيل والأعناب من التمر غذاء وشراب نافعان حسنان.
٤- وقد خلق الله النحل على ناموس عجيب. فهي تتخذ بإلهامه خلاياها في الجبال والأشجار والعرائش والسقوف ثم تنتشر منها كل إلى سبيل لتتناول غذاءها من كل الثمرات وتعود إليها لتخرج من بطونها شرابا مختلف الألوان فيه الشفاء والنفع للناس.
ففي كل هذا آيات بينات على قدرة الله وعظمته وإتقان نواميس كونه لمن تفتح ذهنه وحسن سمعه وأرهف قلبه فتفكر وتعقل.
والآيات متصلة كما هو المتبادر بالآيات السابقة. ففي الأولى نعي على الكفار لإشراكهم بالله وانصرافهم عن سماع الآيات البينة التي أنزلها على رسوله وفي هذه لفت للأنظار إلى آيات الله البينة في نواميس كونه البديعة وما في ذلك من نفع للناس ونعم من الله عليهم، مما فيه الحجج الدامغة على استحقاقه وحده للعبادة والخضوع يدركها من حسنت نيته وصدقت رغبته في الحقّ والهدى، ولا يكابر فيها إلّا من فقد ذلك. وقد تضمنت الآيات حثّا للناس على استعمال عقولهم والتفكّر في آيات الله وآلائه كما تضمنت تنويها بالذين آمنوا بالله ورسوله نتيجة لذلك، وهذا ما تضمنته الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة أيضا.
تعليق على جملة تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
ولقد كانت هذه الجملة موضوع بحث طويل في تفسير الطبري وغيره وروي في صددها أقوال متنوعة عن ابن عباس وغيره من أصحاب رسول الله وتابعيهم.
وخلاصتها أن هناك من قال إن الامتنان الرباني يدل على أن الشراب المستخرج من
стр. 2397
ثمرات النخيل والأعناب حلال مطلقا. وأن هناك من قال إن كلمة السكر تعني المسكر ويدخل في شمول معنى الخمر الذي هو المسكر، وأن المقصود من الجملة القرآنية هو النبيذ المستخرج من تلك الثمرات الذي كان مسكرا وأن تحريم الخمر الذي يدخل في مشموله النبيذ المسكر إنما كان تشريعا مدنيا. وكان قبل ذلك مباحا يمارسه المسلمون وغيرهم. فلم يكن في ذكره تناقض مع الواقع.
والمتبادر أن القول الثاني هو الأوجه ولا سيما أن القرآن قرر قبل تحريم الخمر أنها كانت ذات منافع اقتصادية في بيئة النبي ﵇ كما ترى في آية سورة البقرة هذه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [٢١٩] ، وهذه الآية نزلت قبل الآية التي نهت عن الصلاة في حالة السكر في آية سورة النساء هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [٤٣] ، ثم قبل الآيات التي تضمنت تحريم الخمر وهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ سورة المائدة [٩٠- ٩١] حيث تدل هذه الآيات على أن الخمر كان مما يمارسه المسلمون شربا وتجارة.
ويكون بناء على ذلك لا وجه لإباحة النبيذ المسكر استنادا على آية النحل التي نحن في صددها.
ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن ما يستخرج من ثمرات النخيل والأعناب من شراب غير مسكر مباح ولو سمّي نبيذا. لأن النبذ لغة هو نقع ثمرات النخيل والأعناب في الماء. وكان النبي ﷺ يشرب هذا النقيع على ما يستفاد من حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس جاء فيه أنه كان ينقع لرسول الله ﷺ الزبيب مساء فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق «١» . ومن حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة جاء فيه: «كنّا ننبذ للنبي ﷺ في
стр. 2398
سقاء يوكى أعلاه وله عذلاء ننبذه غدوة فيشربه عشاء وننبذه عشاء فيشربه غدوة» «١» .
وهناك أحاديث صحيحة أخرى يمكن أن تكون ضوابط في هذا الباب منها حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن بريدة عن النبي ﷺ قال:
«نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ، نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّ في زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة إلّا في ظروف الأدم فاشربوا في كلّ وعاء غير ألّا تشربوا مسكرا. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم» «٢» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن الظروف وإنّ ظرفا لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه، وكلّ مسكر حرام» «٣» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة: «سئل النبيّ ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل فقال كلّ شراب أسكر فهو حرام» «٤» . وحديث رواه أصحاب السنن عن جابر قال: «قال النبيّ ﷺ ما أسكر كثيرة فقليله حرام» «٥» .
تعليق على جملة يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
ولقد روى الطبري عن مجاهد أن جملة فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ تعني القرآن غير
стр. 2399
أن الجمهور على أنها تعني العسل. وقد علق ابن كثير على قول مجاهد قائلا: إن هذا القول صحيح في نفسه لأن في سورة الإسراء آية جاء فيها: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [٨٢] غير أن الظاهر من سياق الآية أن المقصود هو العسل وهو ما عليه الجمهور.
ولقد رويت عدة أحاديث نبوية صحيحة عن فائدة العسل دواء حيث روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري: «أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا، فذهب فسقاه عسلا فقال: يا رسول الله سقيته عسلا فما زاد إلّا استطلاقا، قال: اذهب فاسقه عسلا، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال: ما زاده إلّا استطلاقا، فقال رسول الله ﷺ : صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا فسقاه عسلا فبرىء» «١» ، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من لعق العسل ثلاث غدوات في كلّ شهر لم يصبه عظيم من البلاء» «٢» ، وروي عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحبّ أن أكتوي» «٣» .
ولقد ثبت في الطب الحديث فوائد عظيمة للعسل في أمراض عديدة مستعصية فجاء هذا مصداقا للقرآن والأحاديث النبوية.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) .
стр. 2400
(١) الحفدة: جمع حافد، والحفد في اللغة المسارعة في الخدمة والمساعدة والرعاية. ومن المؤولين من قال إن الكلمة تعني الخدم والحشم، ومنهم من قال إنها تعني أصهار الرجل أي أزواج بناته. ومنهم من قال إنّهم ممن يساعده من أولاده وأولاد أولاده. ومنهم من قال إنهم أولاد أولاده وهو المشهور، والمتبادر من العبارة القرآنية أنهم المقصودون في الدرجة الأولى.
في هذه الآيات تذكير بأفضال الله وتنديد بجحود الكفار بأسلوب آخر.
ففي الآية الأولى تذكير بأن الله هو الذي يخلق الناس ويتوفاهم ويقدر أعمارهم. ومنهم من يموت باكرا ومنهم من يشيخ ويهرم ويفقد ما كان له من قوة وينسى ما كان لديه من علم مما تنزّه عنه الله تعالى فهو القادر على كل شيء العليم بكل شيء المستحق وحده للعبادة والخضوع.
وفي الآية الثانية تذكير بفضل الله على الناس وتنديد بالمشركين خاصة. فالله قد فضّل بعضهم على بعض في الرزق، وهم لا يقبلون أن يشاركهم في أرزاقهم عبيدهم ويكونوا وإياهم سواء فيها فكيف يجيزون أن يكون له شركاء من عبيده وفي ذلك ما فيه من جحود نعمة الله.
وفي الآية الثالثة تذكير للسامعين بأن الله هو الذي أنعم عليهم فجعل لهم أزواجا من أنفسهم، وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة ورزقهم من الطيبات.
فكيف ينسون ذلك ويؤمنون بالباطل ويكفرون بنعمة الله.
والآيات متصلة بما سبقها سياقا وموضوعا كما هو واضح. وقوة الحجة فيها واضحة في تذكير السامعين ما هم فيه ومعترفون به، والتنديد بالكفار المشركين بما يقعون فيه من تناقض من حيث إنهم يعتقدون أن الله هو المحيي المميت وهو الرازق القابض الباسط المدبر ثم يتجاهلون ذلك فيشركون معه غيره ويؤمنون بالباطل ويكفرون بنعم الله المتنوعة عليهم.
стр. 2401
وقد قال بعض المفسرين «١» في جملة: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ [٧١] إن تأويلها أن الله هو الذي قسم للناس أرزاقهم فلم ينس أحدا، وإذا كان قد فضّل بعضهم على بعض في الرزق فالكل يعيش من رزقه، وحتى ما يعطيه الأسياد لعبيدهم منه ليسوا هم رازقيه في الحقيقة ونفس الأمر. والتقرير وجيه وصحيح في أصله غير أن أكثر المفسرين «٢» قد أوّلوها بما يتسق مع ما أوّلناها به وهو الأوجه بقرينة التنديد بجحود نعمة الله في الآية التي وردت فيها الجملة.
تعليق على جملة وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
والمتبادر أن هذه الجملة ليست في معنى تأبيد هذا الفرق ولا في معنى أن هذا التفضيل اختصاص رباني لفريق دون فريق وإنما هي تقرير لواقع الأمر بدليل أن سعة الرزق وضيقه في تبدل وتنقل دائمين وأن كثيرا ما يكون من هو موسع الرزق في يوم مضيقا عليه أو على ذريته في يوم، ومن هو ضيق الرزق في يوم موسعا عليه وعلى ذريته في يوم مما هو مقتضى سنّة الله في الناس وظروف الحياة والعمل، وتفاوت الناس المتبدل المتحول دائما في المواهب والنشاط والسعي.
أرذل العمر
ولقد روى الطبري عن علي بن أبي طالب في جملة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وإذا صحّ هذا القول فإنه يكون من قبيل الاجتهاد المتصل بظروف المعيشة في ذلك الوقت. والوصف الذي جاء بعد هذه الجملة لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً هو المحكم الذي يعني أن أرذل العمر هو الذي يكون الشيخ فيه قد ضعفت قواه العقلية بنوع خاص ضعفا شديدا. ولقد
стр. 2402
روى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجّال وفتنة المحيا والممات» «١» وأننا لنعوذ بالله بدورنا مما استعاذ به رسول الله ﷺ .
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٣ الى ٧٦]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
. (١) فلا تضربوا لله الأمثال: هنا بمعنى لا تجعلوا بين الله وغيره تماثلا، أو لا تجعلوا له أمثالا وأندادا.
(٢) أبكم: الأخرس الذي يولد أخرس.
(٣) كلّ: عبء على غيره لا نفع فيه.
وفي هذه الآيات:
١- إشارة تنديدية إلى الكفار المشركين أنهم يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم سببا من أسباب الرزق في السموات والأرض ولا يستطيع نفعهم في شيء من ذلك.
٢- ونهي تقريعي موجه للسامعين أو للكفار المشركين عن جعل الأنداد والأمثال لله. فلا يصحّ أن يكون لله ندّ ولا مثل لأن الله يعلم كل شيء وغيره من الناس والأنداد لا يعلمون شيئا. وإن مثل هذا العمل كمثل التسوية بين العبد
стр. 2403
المملوك الذي لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء وبين الشخص الحرّ الذي يتصرف في ماله تصرّفا حرا فينفق منه سرّا وجهرا حسبما يتراءى له دون مانع. وكمثل التسوية بين العبد الأبكم الذي ليس هو إلّا عبئا على مالكه لا يستطيع أن ينتفع به بأي شيء ولا يأتي له من ناحية بأية فائدة وخير، وبين الطلق اللسان الذكي الجنان، الذي يسير على هدى ويأمر بالعدل ويفعل الخير. فالتسوية بين هذا وذاك وبالتالي فالتسوية بين الله وبين الأنداد والشركاء الذين يشركهم المشركون مع الله إنما تصدر عن جهل وضلال.
٣- وتقرير بأن الله وحده هو المستحق للحمد على أفضاله ونعمه.
والصلة بين الآيات وسابقاتها مستمرة موضوعا وسياقا حينما يمعن النظر فيها، وفيها من القوة والتنديد اللاذع ما في الآيات السابقة.
وقد روى بعض المفسرين «١» أن المثلين مضروبان في صدد المفاضلة بين المؤمن الصالح والكافر الآثم وروى بعضهم أشخاصا بأعيانهم من المؤمنين والكفار وقالوا إنهم المعنيون بالمثلين، مثل أبي بكر وأبي جهل أو أمية بن خلف وعثمان وحمزة وعثمان بن مظعون. ومثل عثمان بن عفان ومملوك له حيث كان عثمان ينفق على الإسلام والمولى يكره الإسلام. والمتبادر لنا أن الآيات في صدد المشركين الكفار والتنديد بهم عامة على ما تدل عليه الآية [٧٣] .
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٧ الى ٨١]
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) .
стр. 2404
(١) من جلود الأنعام بيوتا: تعني خياما من الجلد.
(٢) يوم ظعنكم: يوم ارتحالكم.
(٣) أصوافها وأوبارها وأشعارها: الصوف للضأن والأوبار للإبل والشعر للماعز.
(٤) أثاثا: هناك من قال إنه المال عامة وهناك من قال إنه أثاث البيت ومتاعه. والعبارة هنا تعني لوازم اللباس والبيت معا.
(٥) أكنانا: جمع كن، وهو ما يستكن فيه ويلجأ إليه من شدة الحر.
(٦) سرابيل: الأولى تعني الثياب التي يكتسي ويتسربل بها الإنسان، والظاهر أن الكلمة تطلق على عامة أنواع اللباس. والثانية كناية عن الدروع ومعدات الدفاع.
في الآيات عود على بدء في صدد التنويه بقدرة الله وتعداد آياته وفضائله لعل الناس يعقلون ويسلمون ويشكرون. والخطاب فيها معه للسامعين إطلاقا:
١- فعند الله علم كل ما خفي عن الناس من شؤون السماوات والأرض.
٢- والساعة قريبة آتية وليس ذلك عند الله إلّا كلمح البصر أو أقرب فهو القادر على كل شيء.
٣- وهو الذي أخرج الناس من بطون أمهاتهم لا يعرفون شيئا وجهزهم بالسمع والأبصار والعقول ليتعلموا ويتفكروا ويسمعوا ويبصروا مما يوجب له عليهم الشكر والعرفان.
стр. 2405
٤- وإن لمن دلائل قدرته وبديع نواميس كونه أن يجعل الطير قادرة على التقلب في جو السماء دون أن تسقط، مما فيه آيات لمن صدقت رغبته في الإيمان.
٥- وهو الذي يسّر للسامعين أسباب اتخاذ البيوت لتكون لهم سكنا ويسّر لهم أسباب اتخاذ بيوت من جلود الأنعام خفيفة النقل عليهم في حلّهم وترحالهم ويسّر لهم أسباب صنع ما يحتاجون إليه من أثاث ولباس ومتاع من صوفها ووبرها وشعرها.
٦- وجعل لهم مما خلق من شجر وجبال ما يستظلون به لاتقاء حرارة الشمس وجعل لهم من الجبال أكنانا يستكنون بها لذلك أيضا، ويسّر لهم أسباب صنع الثياب لاتقاء الحرّ والبرد وأسباب صنع الدروع وغيرها لوقاية أنفسهم في ظروف الحروب والقتال.
٧- وبذلك كله يتم نعمته عليهم لعلهم يعترفون بفضله ويشكرونه ويسلمون وجوههم إليه وحده.
والصلة قائمة واضحة بين الآيات والسياق السابق. والخطاب فيها موجه إلى العقول والقلوب معا بأسلوب نافذ. وإذا كان ما عددته مستمدا مما كان يمارسه العرب من حياة ووسائل فلأنهم أول من خوطبوا به. غير أن ما تعنيه من التذكير بنعم الله وأفضاله على الناس ونواميسه في الكون مما يستقيم توجيهه إلى كل الناس في كل وقت ومكان أيضا. وقصد استرعاء الأذهان والأسماع والتدليل على قدرة الله وإحاطته بكل شيء وإتقان نواميس الكون وأسباب الحياة، ودعوة الناس إلى التفكير بما يتمتعون به من أفضال الله وشكره واستحقاقه وحده للاتجاه إليه وإسلام النفس له قوي ظاهر.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)
.
стр. 2406
الآية الأولى موجهة للنبي ﷺ على سبيل التطمين والتسلية: فإذا كان من السامعين من يكابر في قدرة الله ويعرض عن دعوته فليس عليه إلا التبليغ والبيان.
والآية الثانية احتوت تقريرا لواقع السامعين وتنديدا بهم فهم يعرفون أن ما يتمتعون به من نعم وأسباب ووسائل هي من فضل الله وتيسيره ومع ذلك فإن أكثرهم ينكرون بأفواههم وأفعالهم ويكفرون بالله ونعمه.
ولقد روى ابن كثير عن مجاهد أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فسأله فقرأ عليه: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً فقال الأعرابي: نعم، قال: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً الآية ... قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الأعرابي نعم حتى بلغ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فولّى الأعرابي فأنزل الله يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها.
والرواية لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. والمتبادر أن الآيتين جاءتا تعقيبا على الفصل السابق للتنديد بالكفار وإلزامهم بالحجة. والآية الثانية قوية الحجة والإلزام والتنديد معا. لأن الكفار كانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت المنعم المتفضّل الذي هو الملاذ والملجأ وكاشف الضرّ على ما مرّت حكايته عنهم في آيات كثيرة.
ويقف مفسرو الشيعة عند الآية الثانية ليرووا أنها نزلت للتنديد في كبار أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا يعرفون نعمة الله في اختصاص علي وأولاده من بعده بإمامة المسلمين فأنكروها وصار أكثرهم كافرين «١» . والهوى والحقد الحزبيان مع المفارقة العجيبة طابع هذه الرواية كما هو شأن ما يرويه مفسرو الشيعة من أمثالها. وتبدو المفارقة شديدة حينما يلاحظ أن الآية مكية ويعظم إثم روايتهم ومفارقتهم إذا ما لوحظ أنهما يهدفان إلى تكفير جمهور أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 2407
وفي مقدمتهم معظم كبارهم الذين سجل الله رضاءه عنهم في أواخر ما نزل من القرآن في أواخر حياة النبي ﷺ أي في آية سورة التوبة هذه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) .
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٩]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
. (١) شهيدا: جمهور المفسرين على أنها هنا تعني الأنبياء وقد حكت بعض الآيات حضورهم يوم القيامة كشهود على حساب أممهم ومرّت أمثلة منها.
(٢) لا يستعتبون: لا يطلب منهم إبداء الأعذار أو لا يقبل منهم طلب العتبى والاستقالة من الذنب.
(٣) ينظرون: بمعنى يمهلون.
(٤) فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون: الضمير في (ألقوا) راجع إلى الشركاء. وهم الملائكة على الأرجح وقد حكت بعض الآيات سؤال الله للملائكة يوم القيامة عما إذا كان المشركون يعبدونهم وجواب الملائكة بنفي ذلك وتكذيبه.
(٥) وألقوا إلى الله يومئذ السلم: الضمير هنا راجع إلى الكفار. والجملة
стр. 2408
بمعنى تقرير إعلانهم الاستسلام والاعتراف بذنوبهم. وقد حكت ذلك عنهم آيات عديدة مرّت أمثلة منها.
(٦) وصدوا عن سبيل الله: منعوا الناس عن سبيل الله.
في الآيات حكاية لما سوف يكون من أمر الكفار يوم القيامة:
ففي ذلك اليوم تقف كل أمة موقف القضاء والمحاسبة ويؤتى بنبيها شهيدا على ذلك، ولن يؤذن لها بالجدل ولن يقبل منها أعذار. ولسوف يصيرون إلى عذاب شديد ليس إلى تخفيفه عنهم أو تأجيله سبيل. وحينما يرون شركاءهم يهتفون قائلين ربنا هؤلاء هم الشركاء الذين ضللنا بسببهم فيكذبهم الشركاء ويجحدونهم فيقعون حينئذ في الخيبة ويفقدون كل أمل أملوه ولا يجدون مناصا من الاستسلام والاعتراف بذنوبهم. ولسوف يكون عذاب الذين لا يكتفون بالكفر بل يحملون غيرهم عليه مضاعفا وزائدا على عذاب عامة الناس بسبب ما كان منهم من فساد وصدّ عن سبيل الله، وحينما يأتي بشهداء كل أمة يأتي بالنبي ﷺ شهيدا على أمته أيضا.
وقد انتهت الآيات بالفقرة الأخيرة لبيان مهمة النبي: فالله قد أنزل عليه الكتاب ليكون فيه البيان الشافي لكل أمر والتوضيح الكافي لكل حدّ حتى لا يبقى حجة لأحد ولا معذرة وليكون فيه الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين.
والآيات معقبة على سابقاتها والاتصال بالسياق قائم. وقد استهدفت فيما استهدفته إنذار الكفار وتخويفهم وحملهم على الارعواء. وكثير مما جاء فيها قد ورد في آيات أخرى في سور سبق تفسيرها. ومع واجب الإيمان بالمشهد الأخروي الموصوف فيها فإن صورة القضاء والمحاسبة والشهود هي من مألوفات الدنيا. وقد يكون من حكمة ذلك قصد التقريب والتمثيل على ما نبهنا عليه في المناسبات العديدة المماثلة.
ولقد روى الطبري عن مجاهد في سياق جملة زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ
стр. 2409
أن الله تعالى يسلّط عليهم حيّات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال الدهم، ولم يرد هذا في أحاديث صحيحة. والأولى الوقوف عند مدى العبارة القرآنية وهو أن الصادين عن سبيل الله سيكون عذابهم زائدا على غيرهم.
تعليق على جملة وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
وقد يرد أن ما نزل من القرآن بعد هذه السورة شيء كثير وفيه كثير من التشريعات والتلقينات والمبادئ والأحداث فكيف يصح أن تذكر الفقرة الأخيرة أن في الكتاب الذي قد يعني ما نزل منه إلى هذه السورة تبيانا لكل شيء. وليس في هذا الوارد شيء ففي ما أنزل الله قبل هذه الآية من الأسس والمبادئ والتلقينات والمواعظ والبراهين على وجوب وجوده ووحدانيته واستحقاقه وحده للخضوع ما يصح أن يقال إنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين. والكتاب كما يطلق على ما نزل من القرآن إلى هذه الآية يطلق على مجموعه. والله عليم بما سوف ينزل بعدها وليس في علم الله سابق ولا حق حتى يصحّ ذلك الوارد.
هذا، ونقول في نفس الجملة إن الذي يقرأ القرآن بتدبر وإمعان وتكون عنده رغبة صادقة في الحق ولا يكون مبيتا للمكابرة والعناد ومتمحلا بتمحلات سطحية وشكلية وثانوية إزاء بعض التعبيرات والصور القرآنية المتشابهة مما قد لا يدرك حكمتها العقول العادية يظهر على صدق التقرير الذي احتوته حيث يجد فيه حقا كل هدى ورحمة وبشرى وتبيان. ويرى في ذلك أعظم نعمة أنعمها الله على بني آدم ويرى من تمام هذه النعمة أن حفظه الله كما بلغه رسوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢] ليظل دائما المورد الصافي الذي يجد فيه كل الناس في كل زمان الشفاء والهدى والرحمة والبشرى والبيان الواضح وكل ما فيه صلاح ونجاة وسعادة البشر في الدنيا والآخرة من أسس ومبادئ وتشريعات وتلقينات وأحكام وكل ما فيه حل لكل مشاكل الإنسان الروحية والاجتماعية والاقتصادية في
стр. 2410
كل مكان وزمان وظرف. ولقد انطوى في الجملة في الوقت نفسه دعوة لكل الناس في كل زمن ومكان للنظر فيه ليجدوا ذلك. ولقد أوّل جمهور المفسرين «١» جملة تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
بمعنى بيان ما الناس في حاجة إليه من طرق الهدى والضلال والخير والشر والحلال والحرام والحق والباطل والحدود والأحكام. وفي هذا من الوجاهة ما يتسق مع أهداف القرآن وما لا يتعارض مع ما ذكرناه آنفا. وعلى كل حال فمن الواجب أن تبقى الجملة في هذا النطاق مع عدم فصلها عما سبقها ولحق بها وعدم الخروج بها إلى قصد تبيان نظريات الكون ونواميسه وموجوداته وأحداثه مما يحاوله بعض المسلمين استنباطا من إشارات القرآن الوعظية والتمثيلية والتذكيرية. لأن في هذا كثيرا من التمحل كما فيه إخراج للقرآن عن قدسيته وأهدافه السامية.
[سورة النحل (١٦) : آية ٩٠]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)
. تعليق على الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ...
تضمنت الآية تقريرا بأن الله يأمر بالعدل والإنصاف والمساواة ويأمر بما هو فوق ذلك أيضا وهو الإحسان وإيتاء ذي القربى. وينهى عن كل ما فيه فحش ومنكر من قول وعمل وعن كل ما فيه بغي على الناس وعدوان وظلم وجور. وانتهت بتوجيه الخطاب إلى السامعين القريبين بأن الله يعظهم بذلك لعلهم يتذكرون ويعلمون ما يجب عليهم ويعملون به.
ولم يرو المفسرون مناسبة للآية. ويتبادر لنا أنها جاءت معقبة على الآية السابقة لها لتحتوي فصلا من فصول الكتاب التي ذكرت هذه الآية أن فيه تبيانا
стр. 2411
لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.
والآية من جوامع الكلم القرآنية الرائعة فيما يجب أن يفعله المؤمن وينتهي عنه تجاه مجتمعه أفرادا كانوا أو هيئات وتجاه أقاربه.
فالمتبادر أن العدل في الآية في مقامه وبخاصة والآية مكية لم يقصد به العدل في القضاء أو لم يقصد به ذلك وحسب بل قصد به العدل المطلق الذي يتناول معاني الإنصاف وعدم الإجحاف وعدم تجاوز الحق قولا وفعلا في كل موقف ومناسبة. ومن هذا الباب جملة وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
[الأنعام:
١٥٢] من سورة الأنعام على ما نبهنا عليه في مناسبتها. وقد تكرر هذا المعنى في آية رائعة في سورة المائدة وهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) حيث يكون هذا من المبادئ المحكمة التي يجب على المسلم أن يلتزم بها في كل حال. وهناك آيات في صدد العدل في القضاء وقد تركنا التعليق عليها إلى مناسباتها.
وتعبير الإحسان في الآية جدير بالتنويه بنوع خاص حيث ينطوي فيه إيجاب معاملة المسلم للناس معاملة قائمة على التسامح والتحاسن وعدم الوقوف عند حدّ الواجب من الحق والعدل على اعتبار أن هذا الواجب واجب لا فضل له في أدائه وإنما الفضل والمكرمة فيما يفعله فوق ذلك. وقد روى الطبري أن ابن مسعود كان يقول عنها إنها أجمع آية في القرآن لخير أو لشر. وعن قتادة أنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلّا أمر به فيها وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلّا نهى عنه وتقدّم فيه وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها. وقد أورد ابن كثير في سياقها بعد إيراد ما رواه الطبري حديثا عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الله يحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها» وأورد قصة تذكر أن أكثم بن صيفي حكيم العرب المشهور في الجاهلية أرسل رسولين ليأتياه بنبإ النبي ﷺ حين بعث فسألاه عن أمره فأخبرهما باسمه ونسبه ثم تلا عليهما هذه الآية
стр. 2412
فردداها حتى حفظاها ورجعا فأخبرا أكثم وتلوا عليه الآية. فقال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا.
ووَ الْإِحْسانِ بخاصة يمكن أن يدخل في أي مجال ويبدو في أي عمل.
فعبادة الله تعالى على أوفى ما يكون من هدوء وطمأنينة واستغراق. والتصدق بأكثر ما يمكن ويجب. والتعفف عن استيفاء المباحات من اللذائذ والشهوات، والتجمل بالصبر عند الشدائد. والعناية بتطييب نفس الفقير والمحتاج عند مساعدتهما.
والتعالي عن مقابلة السباب والمهاترات والخصومة الشديدة. والتسامح في معاملة الناس والصبر عليهم والإغضاء عن تقصيرهم وعدم الإلحاح في مقاضاة ما يكون عليهم من حقوق وإتقان العامل عمله تلقائيا واهتمام المرء الشديد للقيام بواجبه وحفظ مواعيده ووعوده وعهوده وبعده عن مواقف التهم إلخ إلخ ... ما يمكن أن يكون من آثار ومظاهر هذا الأمر الرباني العظيم. وهناك حديث ذو دلالة عظمى في هذا الباب رواه الخمسة عن شداد بن أوس قال: «شيئان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح وليحدّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته» «١» .
هذا، ولم يترك مفسرو الشيعة ورواتهم هذه الآية حيث روى الطبرسي عن أبي جعفر أن المراد بذي القربى فيها قرابة النبي ﷺ وقوله (هم نحن) . وقد فندنا صرف هذه الكلمة في الآيات المكية بخاصة إلى أقارب النبي ﷺ في سياق تفسير سورة الإسراء فلا نرى ضرورة للإعادة.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩١ الى ٩٧]
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) .
стр. 2413
(١) كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا: كالتي حلّت ما غزلت من خيطان وجعلته كما كان بعد أن غزلته وقوي بالغزل والإبرام.
(٢) دخلا: بمعنى دغلا أو خديعة أو مكرا.
(٣) أربى: أكثر أو أقوى.
شرح الآية وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ ... والآيات السبع التالية وما فيها من تلقينات
الخطاب في الآيات لمخاطبين سامعين، وفي بعضها ما يدل على أن المقصودين هم المسلمون، وقد تضمنت الأوامر والتنبيهات التالية:
١- يجب عليهم الوفاء بما عاهدوا الله عليه، وأقسموا الأيمان باسمه على الوفاء لا سيما أنهم بأيمانهم قد جعلوا الله عليهم كفيلا.
٢- وعليهم أن يذكروا دائما أن الله رقيب عليهم يعلم جميع ما يقولونه ويفعلونه.
٣- وعليهم أن لا يكونوا كالحمقاء التي تغزل الغزل حتى إذا قوي بالبرم
стр. 2414
عادت فنكثته وجعلته فتائل كما كان قبل الغزل.
٤- وعليهم أن لا يجعلوا أيمانهم وعهودهم وسيلة للتغرير والخداع وأن لا ينقضوها كمن يفعل ذلك مداراة لقوم يظنون أنهم أكثر وأقوى من الذين حلفوا لهم وعاهدوهم.
٥- وليعلموا أن الله يختبر أخلاقهم وأعمالهم في ما يعرض لهم من أحداث ثم يبين لهم يوم القيامة أعمالهم ويوفيهم عليها بما يستحقون.
٦- وليعلموا كذلك أن الله لو شاء لجعل الناس على وتيرة واحدة ولكن حكمته اقتضت أن يتركهم لقابلية الاختيار التي أودعها فيهم فيهدي بها من أراد الهدى ويضل بها من أراد الضلال. ولذلك فهو لا بدّ من أن يسألهم يوم القيامة عما كانوا يفعلون ويختلفون فيه ويحاسبهم عليه.
٧- وعليهم- للمرة الثانية- ألا يتخذوا أيمانهم وعهودهم وسيلة خداع وتضليل. ففي ذلك تورّط وسقوط بعد الطمأنينة والوثوق، وفيه صد عن طريق الله حيث يجعل الناس لا يثقون في أيمان بعضهم لبعضهم باسم الله.
٨- وعليهم ألا تغريهم المنافع العاجلة فينقضوا عهودهم التي عاهدوا عليها باسم الله، فذلك خير لهم لو علموا لأن ما عند الناس ينفد مهما عظم والباقي الدائم هو ما عند الله ومن واجب الإنسان- وبخاصة المسلم- أن يفضل الدائم الذي هو عند الله على الزائل الذي هو عند الناس.
٩- ولقد كتب الله على نفسه بأن يجزي الذين يثبتون على الحقّ والعهد بأحسن ما عملوا وبجزاء يفوق قيمة عملهم، وأن يحيي كل مؤمن عمل صالحا من ذكر أو أنثى الحياة السعيدة الطيبة في الدنيا وأن يجزيه في الآخرة بأحسن أعماله وبجزاء يفوق قيمتها كذلك.
ولقد روى الطبري في صدد الآية [٩١] روايتين أولاهما أنها نزلت في الحلف الذي كان مشركو قريش تحالفوا عليه في الجاهلية فأمرهم الله أن
стр. 2415
يوفوا به في الإسلام «١» . وثانيتهما أنها نزلت في جماعة بايعوا النبي ﷺ على الإسلام في مكة مهيبة بهم إلى عدم التراجع والنقض بحجة ضعف النبي وأصحابه وكثرة المشركين.
وروى الطبرسي في سياق الآيات [٩٥- ٩٧] عن ابن عباس أن رجلا من حضرموت اسمه عبدان شكى للنبي ﷺ شخصا اسمه امرؤ القيس بأنه أخذ أرضا له فلما فاتح النبي ﷺ هذا أنكر فطلب منه أن يحلف فقال عبدان إنه فاجر لا يبالي أن يحلف، فقال: إن لم يكن لك شهود فخذ بيمينه فلما قام ليحلف أنظره فانصرفا فنزلت: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إلى آخر الآيتين ... فقرأهما رسول الله فقال امرؤ القيس: أما ما عندي فينفد وهو صادق فيما يقول لقد اقتطعت أرضه ولم أدر كم هي فليأخذ من أرضي ما شاء ومثلها معها بما أكلت من ثمرها فنزل فيه مَنْ عَمِلَ صالِحاً الآية.
ومقتضى رواية الطبرسي أن تكون الآيات الثلاث مدنية لأن الحادث لا يمكن أن يكون حدث إلّا في العهد المدني. ولم نطلع على رواية تؤيد ذلك فضلا عن أنه لا تفهم حكمة وضع آيات مدنية في سياق متصل يوافق كفار مكة. والآيات بعد معطوفة على ما قبلها ومنسجمة معها سبكا وموضوعا مما يسوغ التوقف في صحة الرواية. وكل ما يمكن أن تكون الآيات تليت في ظروف الحادث المروي فالتبس الأمر على الرواة. وروح الآيات ونصها يسوغان استبعاد رواية الطبري الأولى.
والآيات التي تجيء بعد هذه الآيات بقليل تجعل احتمال صحة رواية الطبري الثانية قويا على ما سوف نشرحه بعد.
على أننا ننبه أولا على أن الآية منسجمة مع سائر الآيات نظما وموضوعا
стр. 2416
بحيث يسوغ القول إنها لم تنزل وحدها وإنما نزلت الآيات جميعا معا. وثانيا على أنه يلمح شيء من الصلة الموضوعية بين هذه الآيات والآية السابقة من حيث إنها احتوت مثلها تبيانا بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه من أخلاق وأفعال. وقد تكون الآية السابقة نزلت هي الأخرى مع هذه الآيات لتوكيد القصد الذي تضمنته الرواية الثانية بالإضافة إلى المقاصد الأخرى التي شاءت حكمة التنزيل أن تنطوي في الآيات.
ومع خصوصية الآيات الزمنية ودلالتها على خطورة الموقف الذي نزلت في شأنه مما تضمنته الرواية الثانية التي رجحنا صحتها ومما أيدته الآيات التي تأتي بعد قليل فإنها فيما احتوته من أوامر وتنبيهات تعدّ من روائع المجموعات القرآنية في بابها وتنطوي على تلقينات جليلة عامة ومستمرة المدى على ما هو واضح من الشرح المتقدم.
وعبارة الآية [٩٦] هي أسلوبية كما هو المتبادر بسبيل القول إن ما يمكن أن يعود على ناقض عهد الله من عوض ومنفعة من الناس مهما عظم يبقى قليلا بالنسبة لما عند الله وليست بسبيل التحذير من بيع عهد الله بالثمن القليل. وهي على ضوء هذا التوضيح جليلة المدى في صدد حثّ المسلم على الثبات على العهد الذي يكون عاهد الله عليه حينما أمن به وحده وصدق برسالة رسوله وما قد يقتضيه ذلك من التضحية بأي نفع دنيوي لأن الباقي هو ما عند الله وأن ما عند الناس مهما عظم فهو إلى زوال.
والآية الأخيرة من الآيات جديرة كذلك بالتنويه بصورة خاصة حيث تضمنت أولا وعد الله بالحياة السعيدة والأجر العظيم لمن آمن وعمل صالحا من ذكر أو أنثى، وثانيا نصّا صريحا باعتبار المرأة والرجل سواء في التكاليف ونتائجها في الدنيا والآخرة أيضا مما احتوت آيات عديدة سابقة، إشارة إليه على ما نبهنا عليه سابقا ومما احتوت آيات كثيرة آتية أحكاما كثيرة فيه على ما سوف نشرحه بعد بحيث يصح أن يقال بجزم إن ذلك من المبادئ القرآنية المحكمة.
стр. 2417
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها الطبري وغيره عن أهل التأويل في مدى (الحياة الطيبة) منها أنها السعادة والقناعة واللبس الحلال والأكل الحلال في الدنيا ومنها أنها حياة الجنة الأخروية. ويتبادر لنا من الآية وشطرها الثاني أن المقصود من العبارة وهي الحياة الطيبة في الدنيا التي يمكن أن تكون السعادة والطمأنينة والرزق الحلال.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٥]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)
. (١) إذا بدّلنا آية مكان آية: قيل إنها بمعنى إذا بدّلنا آية قرآنية بآية غيرها وقيل إنها بمعنى إذا بدّلنا حكما أو أمرا بحكم أو أمر آخر.
(٢) القدس: بمعنى المنزّه عن الرجس أو المطهّر.
(٣) يلحدون إليه: هنا بمعنى ينسبون إليه تعليم النبي.
في الآيات:
١- أمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله من وساوس الشيطان حينما يتلو القرآن.
٢- وتوكيد بأنه ليس للشيطان أي تسلط وتأثير على الذين آمنوا بالله وتوكلوا
стр. 2418
عليه وإنما تسلطه وتأثيره على الذين يتولونه- أي يتخذونه وليّا من دون الله- وينقادون لوساوسه ويشركونه مع الله.
٣- وإشارة إلى ما كان يقوله الكفار إذا ما سمعوا النبي يقرأ آية بدلا من آية أو رأوه يبدل أمرا أو حكما قرآنيا أو خبرا قرآنيا بآخر حيث كانوا يقولون: إنه هو الذي يخترع القرآن ويفتريه قاصدين بذلك- على ما هو المتبادر- أن يقولوا: إنه لو كان وحيا من الله لما وقع تبديل وتغيير.
٤- ورد عليهم بأن الله هو أعلم بما يوحى به إلى النبي وحكمته وأن القائلين لا يستطيعون أن يدركوا ماهية وحي الله ولا حكمته.
٥- وأمر للنبي بأن يؤكد بأن ما يتلوه من القرآن هو وحي ربانى ينزل به روح القدس من الله بالحق ليثبت المؤمنين وليكون هدى وبشرى للمسلمين سواء أكان الأصل أو المبدل.
٦- وإشارة أخرى إلى ما كان يقوله الكفار أيضا من أن شخصا معينا هو الذي يعلم النبي وردّ عليهم بأن لسان هذا الشخص أعجمي ولغة القرآن عربية مبينة فصحى فلا يصحّ في العقل أن يكون هذا القرآن العربي الفصيح تعليما من ذلك الشخص الأعجمي اللسان.
٨- وتنديد بالكفار وإنذار لهم: فالذين لا يؤمنون بآيات الله لن ينالوا توفيقه وتسديده ولهم عنده العذاب الأليم وهم الكاذبون المفترون.
تعليق على آيات فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وما بعدها إلى آخر الآية [١٠٥]
ولم نر فيما اطلعنا عليه رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات. مع أن روحها بمجموعها تلهم أنها نزلت في صدد حادث له صلة بالقرآن، وأن الأمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله من الشيطان حينما يقرأ القرآن، وتوكيد كون الشيطان ليس له
стр. 2419
سلطان على المؤمنين، وتوكيد نزول القرآن على قلب النبي بواسطة الروح القدس من عند الله متصل بهذا الحادث.
وقد تلهم الآيات أن الله أوحى إليه ببعض الآيات لتكون مكان آيات أخرى فلما تلا الجديدة وأهمل الأولى المنسوخة استغل الكفار ذلك فأخذوا يدللون به على كذب دعوى النبي بأن القرآن وحي رباني وينعتونه بالمفتري على الله ويقولون إن هناك شخصا يعلّمه. ولعلّهم قالوا فيما قالوه إن الشيطان هو الذي يوسوس له أو يلقي عليه لا وحي الله وإن هذا التبديل دليل على ذلك. ولعل بعض الذين بايعوا النبي على الإسلام والذين لم يكن الإيمان قد رسخ في قلوبهم تأثروا بهذا الحادث وبدعاية الكفار فارتدوا أيضا، وهذا ما تدل عليه الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات.
فاقتضت حكمة التنزيل بالرد عليهم بما جاء في هذه الآيات، ونفي تعلّم النبي من الشخص المزعوم ونفي تأثير الشيطان على النبي وأمره بالاستعاذة إلى الله منه.
والآيات في جملتها تقصد إلى تطمين النبي والمؤمنين وتثبيتهم والردّ على الكفار والتنديد بهم.
وإلى هذا فقد احتوت تلقينات مستمرة المدى سواء أفي تطمين المؤمنين المخلصين من أنه لا سلطان للشيطان عليهم أم في وجوب الاستعاذة بالله منه حينما يتلو المسلم القرآن أم في توكيد كون الذين لا يوفقهم الله ولا يسعدهم ولا يهديهم هم الذين فقدوا الرغبة في الحق والهدى والإيمان وكون هؤلاء هم وحدهم الذين يجرؤون على الافتراء على الله.
والمتبادر أن رمي الكفار بالشرك بالشيطان وتوليه وحصر تأثيره فيهم هو من قبيل الردّ والتشنيع. وقد تكرر هذا في مناسبات عديدة بهذا القصد مرّت بعض أمثلة منها ولقد كانوا يفهمون مفهوم كلمة الشيطان ويعرفون أنها بغيضة على ما شرحناه في تفسير سورة التكوير فلزمتهم الحجة والتنديد.
والآية [١٠٥] جديرة بالتنويه بما انطوى فيها من تقرير كون الافتراء والكذب لا يمكن أن يقعا إلّا من غير المؤمنين. ولقد روى البغوي في سياقها حديثا رواه
стр. 2420
بطرقه عن عبد الله بن جراد قال: «قلت يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يكذب؟ قال:
لا. قال الله إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن صحته محتملة، وهو رائع قوي متساوق مع التلقين المنطوي في الآية.
مسألة النسخ في القرآن
وما ورد في الآية [١٠١] من إشارة إلى تبديل آية مكان آية وما في آية سورة البقرة هذه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [١٠٦] صار موضوع بحوث في صدد النسخ والتبديل في القرآن «١» .
فهناك من لا يرى مانعا عقليا ولا نقليا من النسخ ويستند في الدرجة الأولى على ظاهر هذه الآيات. ومن هؤلاء من يأخذ ببعض الروايات فيقول إن بعض آيات نسخت تلاوة وبقيت حكما وهي آية رجم الزناة المحصنين التي اختلف في نصها حيث روي هكذا: «إذا زنى الشيخ والشيخة فاجلدوهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» وهكذا: «إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة والله عزيز حكيم» . ومنهم من يقول: إن بعض الآيات نسخت حكما وبقيت تلاوة مع اختلاف بينهم في هذه الآيات حيث يزيد بعضهم فيها وينقص بعضهم ومن الأمثلة على ذلك الوصية للوالدين في آية سورة البقرة هذه: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)