بحيث يسوغ القول إنها لم تنزل وحدها وإنما نزلت الآيات جميعا معا. وثانيا على أنه يلمح شيء من الصلة الموضوعية بين هذه الآيات والآية السابقة من حيث إنها احتوت مثلها تبيانا بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه من أخلاق وأفعال. وقد تكون الآية السابقة نزلت هي الأخرى مع هذه الآيات لتوكيد القصد الذي تضمنته الرواية الثانية بالإضافة إلى المقاصد الأخرى التي شاءت حكمة التنزيل أن تنطوي في الآيات.
ومع خصوصية الآيات الزمنية ودلالتها على خطورة الموقف الذي نزلت في شأنه مما تضمنته الرواية الثانية التي رجحنا صحتها ومما أيدته الآيات التي تأتي بعد قليل فإنها فيما احتوته من أوامر وتنبيهات تعدّ من روائع المجموعات القرآنية في بابها وتنطوي على تلقينات جليلة عامة ومستمرة المدى على ما هو واضح من الشرح المتقدم.
وعبارة الآية [٩٦] هي أسلوبية كما هو المتبادر بسبيل القول إن ما يمكن أن يعود على ناقض عهد الله من عوض ومنفعة من الناس مهما عظم يبقى قليلا بالنسبة لما عند الله وليست بسبيل التحذير من بيع عهد الله بالثمن القليل. وهي على ضوء هذا التوضيح جليلة المدى في صدد حثّ المسلم على الثبات على العهد الذي يكون عاهد الله عليه حينما أمن به وحده وصدق برسالة رسوله وما قد يقتضيه ذلك من التضحية بأي نفع دنيوي لأن الباقي هو ما عند الله وأن ما عند الناس مهما عظم فهو إلى زوال.
والآية الأخيرة من الآيات جديرة كذلك بالتنويه بصورة خاصة حيث تضمنت أولا وعد الله بالحياة السعيدة والأجر العظيم لمن آمن وعمل صالحا من ذكر أو أنثى، وثانيا نصّا صريحا باعتبار المرأة والرجل سواء في التكاليف ونتائجها في الدنيا والآخرة أيضا مما احتوت آيات عديدة سابقة، إشارة إليه على ما نبهنا عليه سابقا ومما احتوت آيات كثيرة آتية أحكاما كثيرة فيه على ما سوف نشرحه بعد بحيث يصح أن يقال بجزم إن ذلك من المبادئ القرآنية المحكمة.
стр. 2417
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها الطبري وغيره عن أهل التأويل في مدى (الحياة الطيبة) منها أنها السعادة والقناعة واللبس الحلال والأكل الحلال في الدنيا ومنها أنها حياة الجنة الأخروية. ويتبادر لنا من الآية وشطرها الثاني أن المقصود من العبارة وهي الحياة الطيبة في الدنيا التي يمكن أن تكون السعادة والطمأنينة والرزق الحلال.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٥]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)
. (١) إذا بدّلنا آية مكان آية: قيل إنها بمعنى إذا بدّلنا آية قرآنية بآية غيرها وقيل إنها بمعنى إذا بدّلنا حكما أو أمرا بحكم أو أمر آخر.
(٢) القدس: بمعنى المنزّه عن الرجس أو المطهّر.
(٣) يلحدون إليه: هنا بمعنى ينسبون إليه تعليم النبي.
في الآيات:
١- أمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله من وساوس الشيطان حينما يتلو القرآن.
٢- وتوكيد بأنه ليس للشيطان أي تسلط وتأثير على الذين آمنوا بالله وتوكلوا
стр. 2418
عليه وإنما تسلطه وتأثيره على الذين يتولونه- أي يتخذونه وليّا من دون الله- وينقادون لوساوسه ويشركونه مع الله.
٣- وإشارة إلى ما كان يقوله الكفار إذا ما سمعوا النبي يقرأ آية بدلا من آية أو رأوه يبدل أمرا أو حكما قرآنيا أو خبرا قرآنيا بآخر حيث كانوا يقولون: إنه هو الذي يخترع القرآن ويفتريه قاصدين بذلك- على ما هو المتبادر- أن يقولوا: إنه لو كان وحيا من الله لما وقع تبديل وتغيير.
٤- ورد عليهم بأن الله هو أعلم بما يوحى به إلى النبي وحكمته وأن القائلين لا يستطيعون أن يدركوا ماهية وحي الله ولا حكمته.
٥- وأمر للنبي بأن يؤكد بأن ما يتلوه من القرآن هو وحي ربانى ينزل به روح القدس من الله بالحق ليثبت المؤمنين وليكون هدى وبشرى للمسلمين سواء أكان الأصل أو المبدل.
٦- وإشارة أخرى إلى ما كان يقوله الكفار أيضا من أن شخصا معينا هو الذي يعلم النبي وردّ عليهم بأن لسان هذا الشخص أعجمي ولغة القرآن عربية مبينة فصحى فلا يصحّ في العقل أن يكون هذا القرآن العربي الفصيح تعليما من ذلك الشخص الأعجمي اللسان.
٨- وتنديد بالكفار وإنذار لهم: فالذين لا يؤمنون بآيات الله لن ينالوا توفيقه وتسديده ولهم عنده العذاب الأليم وهم الكاذبون المفترون.
تعليق على آيات فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وما بعدها إلى آخر الآية [١٠٥]
ولم نر فيما اطلعنا عليه رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات. مع أن روحها بمجموعها تلهم أنها نزلت في صدد حادث له صلة بالقرآن، وأن الأمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله من الشيطان حينما يقرأ القرآن، وتوكيد كون الشيطان ليس له
стр. 2419
سلطان على المؤمنين، وتوكيد نزول القرآن على قلب النبي بواسطة الروح القدس من عند الله متصل بهذا الحادث.
وقد تلهم الآيات أن الله أوحى إليه ببعض الآيات لتكون مكان آيات أخرى فلما تلا الجديدة وأهمل الأولى المنسوخة استغل الكفار ذلك فأخذوا يدللون به على كذب دعوى النبي بأن القرآن وحي رباني وينعتونه بالمفتري على الله ويقولون إن هناك شخصا يعلّمه. ولعلّهم قالوا فيما قالوه إن الشيطان هو الذي يوسوس له أو يلقي عليه لا وحي الله وإن هذا التبديل دليل على ذلك. ولعل بعض الذين بايعوا النبي على الإسلام والذين لم يكن الإيمان قد رسخ في قلوبهم تأثروا بهذا الحادث وبدعاية الكفار فارتدوا أيضا، وهذا ما تدل عليه الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات.
فاقتضت حكمة التنزيل بالرد عليهم بما جاء في هذه الآيات، ونفي تعلّم النبي من الشخص المزعوم ونفي تأثير الشيطان على النبي وأمره بالاستعاذة إلى الله منه.
والآيات في جملتها تقصد إلى تطمين النبي والمؤمنين وتثبيتهم والردّ على الكفار والتنديد بهم.
وإلى هذا فقد احتوت تلقينات مستمرة المدى سواء أفي تطمين المؤمنين المخلصين من أنه لا سلطان للشيطان عليهم أم في وجوب الاستعاذة بالله منه حينما يتلو المسلم القرآن أم في توكيد كون الذين لا يوفقهم الله ولا يسعدهم ولا يهديهم هم الذين فقدوا الرغبة في الحق والهدى والإيمان وكون هؤلاء هم وحدهم الذين يجرؤون على الافتراء على الله.
والمتبادر أن رمي الكفار بالشرك بالشيطان وتوليه وحصر تأثيره فيهم هو من قبيل الردّ والتشنيع. وقد تكرر هذا في مناسبات عديدة بهذا القصد مرّت بعض أمثلة منها ولقد كانوا يفهمون مفهوم كلمة الشيطان ويعرفون أنها بغيضة على ما شرحناه في تفسير سورة التكوير فلزمتهم الحجة والتنديد.
والآية [١٠٥] جديرة بالتنويه بما انطوى فيها من تقرير كون الافتراء والكذب لا يمكن أن يقعا إلّا من غير المؤمنين. ولقد روى البغوي في سياقها حديثا رواه
стр. 2420
بطرقه عن عبد الله بن جراد قال: «قلت يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يكذب؟ قال:
لا. قال الله إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن صحته محتملة، وهو رائع قوي متساوق مع التلقين المنطوي في الآية.
مسألة النسخ في القرآن
وما ورد في الآية [١٠١] من إشارة إلى تبديل آية مكان آية وما في آية سورة البقرة هذه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [١٠٦] صار موضوع بحوث في صدد النسخ والتبديل في القرآن «١» .
فهناك من لا يرى مانعا عقليا ولا نقليا من النسخ ويستند في الدرجة الأولى على ظاهر هذه الآيات. ومن هؤلاء من يأخذ ببعض الروايات فيقول إن بعض آيات نسخت تلاوة وبقيت حكما وهي آية رجم الزناة المحصنين التي اختلف في نصها حيث روي هكذا: «إذا زنى الشيخ والشيخة فاجلدوهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» وهكذا: «إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة والله عزيز حكيم» . ومنهم من يقول: إن بعض الآيات نسخت حكما وبقيت تلاوة مع اختلاف بينهم في هذه الآيات حيث يزيد بعضهم فيها وينقص بعضهم ومن الأمثلة على ذلك الوصية للوالدين في آية سورة البقرة هذه: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)
стр. 2421
التي نسخت في آية سورة النساء هذه التي عينت للوالدين نصيبا من تركة أبنائهما:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [١١] والآيات التي فرضت على المسلمين تقديم صدقة بين يدي نجواهم الرسول ثم ألغتها في سورة المجادلة وهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
(١٣) ومثل الآيات التي قررت أن المسلمين يقدرون أن يقاتلوا عشرة أضعافهم مما خففت ذلك إلى الضعف في سورة الأنفال هذه:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) . ومنهم من يأخذ ببعض الروايات فيقول إن بعض آيات كانت تتلى ثم نسخت تلاوة وحكما وهي آيات الرضاعة حيث روي أنه كان في القرآن آية تعيّن عدد الرضعات التي يحرم بها النكاح (عشر رضعات معلومات) ثم نسخن بخمس رضعات معلومات ثم نسخن تلاوة وحكما. ومنهم من يأخذ ببعض الروايات فيقول: إنه كانت آيات تتلى ثم نسخت أو أنسيت مثل آيات يروى أنها كانت تتلى في سورة البينة وهي: (لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب. وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره) ومنها آيات في إحدى سور المسبحات وهي: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) ومنها هذا النص: (جاهدوا كما جاهدتم أول
стр. 2422
مرة) ومنها هذا النص (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ومنها سورة برمتها كانت تتلى في القنوت في الوتر وتسمى سورة الحفد والخلع.
وليس ما أوردناه من أمثلة هي كل ما روي عن الناسخ والمنسوخ في القرآن. فهناك أولا روايات كثيرة جدا غير ما أوردناه وبخاصة في نسخ أحكام آيات بآيات أخرى وهناك ثانيا اختلاف بين أهل التأويل والاستنباط وعلماء القرآن ومفسريه حيث يثبت بعضهم نسخا فينكره بعضهم بالنسبة لكثير من روايات الناسخ والمنسوخ «١» . وقد اعتنى بعضهم بهذا الأمر لما له من صلة بالتشريع الإسلامي والتنزيل القرآني وأدى ذلك إلى تصنيف مصنفات عديدة فيه «٢» .
ولقد جاء جذر النسخ في القرآن في معنى الإزالة كما هو في آية سورة البقرة [١٠٦] التي أوردناها قبل وكما هو في آية سورة الحج هذه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [٥٢] وفي معنى آخر وهو التسجيل والكتابة كما جاء في آية سورة الجاثية هذه: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) وآية سورة الأعراف هذه: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) . وواضح أن موضوع الكلام هو المعنى الأول. غير أن الذين قالوا بجواز النسخ في القرآن لم يقفوا فيه عند هذا المعنى الذي ينطبق على نوع واحد من أنواع الأمثلة المتقدمة وهي رفع النصّ القرآني بالمرة. بل جعلوه شاملا للتعديل الذي شاءت حكمة الله إدخاله على
стр. 2423
أحكام النصوص أو تبديلها مع إبقاء النصوص المعدلة والمبدلة أيضا كما هو واضح في بعض الأمثلة بحيث يقال: إنهم عنوا مدى الكلمة أكثر من معناها الحرفي. وهناك من لم ير سواغا للنسخ بجميع الأشكال المذكورة ويرى ذلك غير متسق مع علم الله وحكمته وفيه معنى (البداء) أي بدا لله أن يرجع عما أنزل وقدّر وينزهه عن ذلك وينكر الروايات التي لا تستند في الحقيقة إلى إسناد قوي، باستثناء رواية الرجم التي رواها أصحاب الصحاح الخمسة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي «١» ويؤول ما ظاهره يدل على أنه ناسخ أو منسوخ. غير أن الجمهور على أنه ليس من مانع عقلا ونقلا من النسخ بمداه وليس بمعناه الحرفي فقط تلاوة أو حكما وأن ذلك لا يعني البداء فالله هو الحكيم المقدر الذي ينزل ما شاء ويبدل ما شاء بمقتضى حكمه وأن ذلك متسق مع حكمة الله التي تقضي بتغير الأحكام بتغير الظروف.
والبداء في القرآن جاء بمعان متنوعة، فجاء بمعنى الظهور بعد الخفاء مثل ما في آية طه هذه: فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [١٢١] وبمعنى الظهور بدون توقع مثل ما في آية سورة الزمر هذه: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٤٧] وبمعنى تبديل رأي برأي أو موقف بموقف لأسباب طارئة مثل ما في آية سورة يوسف هذه: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وعلى كل حال فكل من هذه المعاني يستتبع أن يكون ظهور بعد خفاء وعلم بعد جهل وحدث غير متوقع وكل هذا محال على الله . غير أن الذين يسوغون النسخ بمداه يقولون إنه لا يعدو أن يكون الأمر
стр. 2424
معلوما في علم الله وحكمته لظرف أو مدة من الزمن ثم يرفع أو يبدل أو يعدل وبذلك لا يكون أي معنى من معاني البداء واردا.
وهناك من ينكر النسخ في القرآن استنادا إلى آية سورة فصلت هذه: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ولا يرى الذين يسوغون النسخ في هذه الآية حجة على عدم سواغه ويقولون إنه ليس في النسخ باطلا وكل أمره هو تبديل أمر موقت بأمر آخر كلاهما حقّ في ظرفيهما. وكلاهما في علم الله تعالى «١» .
ونحن نأخذ برأي القائلين بسواغ النسخ ونرى وجهة نظرهما أقوى وما يسوقونه على المنكرين هو الأصوب. ونعتقد أن الآية التي نحن في صددها وآية سورة البقرة [١٠٦] ثم آية سورة الرعد هذه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) من المؤيدات. وأنه ليس هناك ما يمنع وجاهة النسخ مبدئيا سواء أكان ذلك نسخ الحكم مع بقاء التلاوة أم نسخ الحكم والتلاوة. ولقد كان الوحي القرآني متصلا بأحداث السيرة النبوية وظروفها وكانت هذه الأحداث والظروف تتطور وتتبدل فليس مما ينافي العقل أن يكون الوحي القرآني مماشيا لذلك. ولقد رأينا السيد رشيد رضا يذكر اعتراض الشيخ محمد عبده على احتمال نسيان النبي لبعض الآيات في صدد النسخ وتأويل آية سورة البقرة وبالتالي احتمال النسخ نسيانا من النبي. والآية إنما تنسب الإنساء إلى الله سواء أكان في معنى التأخير والإهمال أم في معنى النسيان فليس والحالة هذه من محل للاعتراض أو القول بأن ذلك مناف للعصمة النبوية. غير أننا نستثني من ذلك: الرأي القائل بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم، لأننا لا نرى لذلك حكمة مفهومة والمثل الذي يورد على ذلك وهو آية الرجم خطير رغم الحديث الذي رواه أصحاب الصحاح.
وسنعود إلى بحث هذا الأمر في مناسبته الموضوعية في سورة النور والله تعالى أعلم.
стр. 2425
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام وفيه دليل حاسم على جري عادة الله على نسخ وتعديل أحكام بأحكام من شرائعه موالاته إرسال الرسل بشرائع معدلة حسب مقتضى حكمة تغير الأحكام بتغير الأزمان. وقد أشير إلى هذا في القرآن. فجاء في سورة آل عمران في صدد رسالة عيسى ﵇:
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [٥٠] وجاء في سورة الأعراف في صدد رسالة النبي ﷺ : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [١٥٧] وفي سورة المائدة: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [٤٨] فالقول بالنسخ في القرآن سائغ عقلا ونقلا كما هو واضح.
ولقد ذكرنا في مناسبات سابقة أقوال أهل التأويل والمفسرين في نسخ أحكام آيات عديدة في السور السابقة وعلقنا عليها بما نرجو أن يكون الصواب إثباتا ونفيا وسنفعل ذلك بالنسبة للسور الآتية إن شاء الله.
هذا، وننبّه على أن الشيعة يسوغون النسخ ويسوغون أيضا البداء على الله تعالى استنادا إلى آية سورة الرعد المذكورة آنفا ثم استنادا إلى حديث يروونه عن
стр. 2426
علي بن أبي طالب جاء فيه: «لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة» ويسوقون قولا لموسى بن جعفر وهو «البداء ديننا ودين آبائنا» «١» .
ويظهر أنهم رأوا في تسويغ البداء على الله تعالى سندا لدعوى من دعاويهم وهوى من أهوائهم. وليس في آية الرعد ما يصحّ أن يكون سندا لزعمهم وكل ما في الأمر أن فيها سندا لنسخ أمر ما بأمر آخر حسب مقتضى حكمة الله وتوقيتها مع إحاطة علم الله بكل ما كان ويكون أولا وآخرا. وليس لما يروونه من كلام علي وموسى سند فضلا عما يبدو عليه من غرابة وزور، والله تعالى أعلم.
تعليق على آية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
والآية تدل دلالة قاطعة على أنه كان يقيم في مكة أناس غير عرب، والمتبادر من نسبة الكفار إليهم تعليم النبي أنهم كانوا على شيء من العلم بحيث كانوا مظنة تعليم النبي. ووجود فريق من أهل الكتاب والعلم في مكة مما أيدته آيات عديدة أخرى وحكى بعضها إيمانهم وخشوعهم على ما مرّ في تفسير سورتي الإسراء والقصص. ولقد ذكر المفسرون استنادا إلى روايات رووها أسماء عديدة للشخص المذكور في الآية ومن الأسماء عائش أو يعيش غلام حويطب بن عبد العزى وكان صاحب كتب وعلم، وجبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي وكان يصنع السيوف ويقرأ التوراة والإنجيل فكان النبي ﷺ إذا مرّ وقف عليه ليسمع ما يقرأ «٢» وبلعام وكان قينا- حدادا- نصرانيّا في مكة وكان النبي ﷺ يدخل عليه على مرأى من المشركين «٣» . وممن روى المفسرون أسماءهم في هذا الصدد سلمان الفارسي أيضا «٤» . فكان هذا مما جعل المشركين على ما هو المتبادر يقولون ما قالوه هنا
стр. 2427
وما حكته عنهم آية سورة الفرقان [٤] التي مرّ تفسيرها.
وطبيعي أن هذا لا يعني أن ما قاله المشركون مطابق للواقع. فالآيات تحكي قولهم كما هو وتردّ عليه ردّا صريحا قاطعا يعلن على مسمع جميع الناس ومسمع من كان قولهم يعنيهم من أهل العلم والكتاب في مكة بالإضافة إلى ما حكته آيات أخرى أوردناها قبل من إيمانهم بالرسالة المحمدية وشهادتهم بصدق صلة القرآن بالله ووحيه لأنهم رأوا أعلام النبوة في النبي ﷺ واستطاعوا أن يتجردوا من الهوى والتعصب والمآرب. ورأى المشركون ذلك وسمعوه. وهذا كاف لتزييف هذا القول الذي استغله المبشرون والمغرضون من المستشرقين استغلالا بشعا على غير طائل ويدل على أنهم لم يدركوا مدى الوحي القرآني والرسالة المحمدية أو يكابرون ويغالطون فيهما على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان شرحا يغني عن التكرار.
تعليق على جملة رُوحُ الْقُدُسِ
وروح القدس المذكور في الآية [١٠٢] فسّره المفسرون بالملك جبريل، والقدس بمعنى المقدس والمطهر وهو تعبير تكريمي كما هو المتبادر. وقد ذكر جبريل بصراحة في آية في سورة البقرة في صدد نزوله بالقرآن على قلب النبي ﷺ وهي: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مما يعضد هذا التفسير. ولقد ورد في سورة الشعراء تعبير الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) في صدد تنزيل القرآن. والمقصد هنا وهناك واحد على ما هو المتبادر. وقد علقنا بما يقتضي في تفسير تلك السورة وهو ما يصح قوله هنا فلا حاجة للإعادة.
تعليق على الأمر بالاستعاذة من الشيطان في هذه الآيات
ولعلّ الأمر بالاستعاذة من الشيطان في إحدى آيات السلسلة وتقرير كون
стр. 2428
الذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ هو الروح القدس في آية أخرى منها قد استهدفا الرد على المشركين فيما يمكن أن يكونوا قالوا بمناسبة هذا الحادث من أن النبي ﷺ إنما هو متصل بالجنّ أو شياطينهم لا بالله وملائكته على ما كانوا يعتقدونه باتصال شياطين الجنّ بالكهان والسحرة ونوابغ الشعراء. ومما يلحظ أن ذلك وافق آيات سورتي الشعراء [١٩٢- ٢٣٦] والتكوير [١٩- ٢٦] على ما شرحناه في تفسيرهما مما يدل على أن المشركين كانوا يكررون تهمتهم للنبي ﷺ مرة بعد أخرى فيردّ عليهم القرآن بالردود القوية النافذة كما جاء هنا وكما جاء في السورتين المذكورتين.
على أن الآية غدت مستمرة المدى بما كان من السنّة النبوية بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حينما كان يقرأ القرآن وبما صار من واجب المسلمين أن يقتدوا به على ما هو ثابت بالتواتر الذي لم ينقطع من لدن النبي ﷺ .
ولقد علقنا على موضوع الاستعاذة بالله من الشيطان بصورة عامة ونبهنا على ما تبثه في النفس من سكينة وطمأنينة وأوردنا بعض الأحاديث الواردة في ذلك في سياق تفسير سورة العلق فنكتفي بهذه الإشارة.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٦ الى ١١١]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
.
стр. 2429
في الآيات:
١- إعلان لغضب الله على الذين كفروا بعد إيمانهم عن عمد لا عن إكراه.
٢- وإنذار لهم بعذاب الله العظيم.
٣- وبيان بأنهم استحقوا ذلك لأنهم فعلوا فعلتهم الشنيعة استحبابا للحياة ومنافعها وتفضيلا لذلك على الآخرة.
٤- وتقرير بأن الله لا يهدي الكافرين أمثالهم ولا ييسر لهم أسباب الطمأنينة والسعادة وقد طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فصاروا في مثابة الصمّ العمي البله الغافلين عن الحق والحقيقة وبأنهم سيكونون الخاسرين في الآخرة بطبيعة الحال.
٥- وإشارة تنويهية إلى الذين هاجروا من بعد ما ارتدّوا وفتنوا عن دينهم ثم جاهدوا وصبروا. وتقرير بأن الله سيشملهم بغفرانه ورحمته يوم القيامة الذي تجادل فيه وتدافع كل نفس عن نفسها وتوفّى كل نفس ما عملت من خير وشرّ دون ظلم ولا إجحاف.
تعليق على آية مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وما بعدها
لقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون في صدد الآيتين [١٠٦ و ١١٠] من هذه الآيات «١» . ففي صدد الآية الأولى رووا أن الاستثناء فيها نزل في حق عمار بن ياسر الذي أخذه مالكوه مع أمه وأبيه وعذبوهم حتى مات أبوه وأمه وأعطاهم ما أرادوا بلسانه فأتى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال له: ما وراءك؟
قال: شرّ يا رسول الله نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال له: كيف وجدت
стр. 2430
قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فجعل النبي يمسح على عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بما قلت.
ورووا في الوقت نفسه أنها نزلت في حقّ جبرا مولى عامر الحضرمي الذي أكرهه سيده على الكفر أو خباب أو صهيب. ورووا كذلك أنها نزلت في أناس من أهل مكة كانوا مسلمين فيها فكتب لهم أصحابهم في المدينة أن هاجروا فأنتم لستم منا حتى تهاجروا فخرجوا فأدركتهم قريش ففتنوهم فكفروا كارهين. ورووا في صدد الآية [١١٠] أنها نزلت في جماعة كانوا يخفون إسلامهم في مكة فأخرجتهم قريش يوم بدر وحاربوا المسلمين فقتل بعضهم فاستغفر لهم بعض أصحاب رسول الله وقالوا أخرجوا كارهين فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) فكتب بعض أصحاب رسول الله لمن بقي فيهم بالأمر فخرجوا مستيئسين فلحقتهم قريش وقاتلتهم فقتل بعضهم ونجا بعضهم فأنزل الله بحقهم الآية [١١٠] كما رووا أنها نزلت في حقّ جماعة من المسلمين تخلفوا في مكة فكتب لهم أصحابهم بأن الله لا يقبل إسلامهم حتى يهاجروا فخرجوا فلحقتهم قريش وأرجعتهم وفتنتهم عن دينهم ثم تمكن بعضهم من الإفلات والهجرة.
وسموا من هؤلاء عياش بن أبي ربيعة وأبا جندل بن سهيل وسلمة بن هشام. ورووا في الوقت نفسه أنها نزلت في حقّ عبد الله بن أبي سرح وكان يكتب لرسول الله فأزله الشيطان فكفر ولحق بالكفار فأمر النبي بقتله يوم فتح مكة فاستجار له أبو عمرو أو أخوه بالرضاعة عثمان بن عفان فعفى النبي عنه ونزلت في حقّه الآية.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الأحاديث الصحيحة. ومقتضى الروايات التي تذكر ابن أبي سرح أو المسلمين المستخفين أو المتخلفين في مكة أن تكون الآية [١١٠] مدنية ولم نر ما يؤيد ذلك. وليس من حكمة في وضع آية مدنية في سياق متصل بمواقف كفار مكة. وهذا يقال بالنسبة للرواية التي تذكر صلة الآية [١٠٦] بجماعة من المتخلفين في مكة الذين أرادوا اللحاق بالمدينة فردتهم قريش
стр. 2431
وفتنتهم مكرهين. ومسألة فتنة عمار بن ياسر وأمثاله كانت في عهد مبكر من البعثة والسورة نزلت بعد النصف الأول من العهد المكي على الأرجح.
ولذلك نحن نستبعد صحة هذه الروايات كسبب لنزول الآيتين [١٠٦ و ١١٠] وكل ما يمكن احتماله أنهما كانتا تتليان للتطبيق أو أن الروايات هي من قبيل التطبيق. ومن الجدير بالذكر أن المفسرين لم يرووا رواية ما فيما اطلعنا عليه في صدد الذين كفروا وشرحوا صدرا بالكفر مع أن الآيات وما فيها من حملة شديدة هي في حقهم بالدرجة الأولى. ونحن نرجح بل نكاد أن نجزم أن الآيات جميعها نزلت في صدد أحداث وقعت في مكة بعد الهجرة إلى الحبشة. وأن أناسا من المسلمين قد ارتدوا عن الإسلام بدون إكراه وثبتوا على كفرهم وأن أناسا قد ارتدوا عن الإسلام كرها مع بقاء قلوبهم مطمئنة بالإيمان وأن بعض هؤلاء أو جميعهم- إن كانوا أكثر من واحد- قد استطاعوا أن يفلتوا من مكة ويهاجروا فلما بلغوا مأمنهم أظهروا إسلامهم وجاهدوا وصبروا على ما لا قوة من مشقة وحرمان، وأن ذلك متصل بحادث تبديل بعض الآيات مكان بعض الذي أشير إليه في الآيات التي سبقت هذه الآيات. فمن المحتمل جدا أن يكون الذين تولوا قيادة المعارضة والتعطيل قد اتخذوا هذا الحادث وسيلة للدعاية والتشويش والتشكيك فأثروا على بعض المسلمين وجعلوهم يرتدون وربما أغروهم ببعض المنافع الدنيوية بل كان هذا وسيلة مؤكدة على ما تلهمه الآية [١٠٧] التي تذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. ومن المحتمل أن يكون هؤلاء القادة قد أجبروا بأسلوب ما في نفس الظرف بعض المسلمين على الارتداد وظلت قلوبهم مطمئنة بالإيمان وظلّ وجدانهم يتعذب حتى إذا سنحت لهم الفرصة أفلتوا وهاجروا وعادوا إلى الإسلام فاحتوت الآيات حملة على الأولين وتنويها بالآخرين واحتوت الآية [١١٠] بخاصة إيذانا بعفو الله ورحمته ومغفرته لهم. ولعلّ من الذين ارتدوا بدون إكراه من ندم وهاجر وعاد إلى الإسلام أيضا مما قد يلهمه أسلوب الآية [١١٠] وفي كلّ ذلك صور من صور السيرة النبوية في مكة.
والارتداد بدون إكراه نقض لعهد الله. وفي الآيات [٩١- ٩٧] التي سبقت
стр. 2432
هذا الفصل والذي قبله توكيد على الوفاء بعهد الله وتحذير من نقضه واتخاذ الإيمان بالله وسيلة تغرير وخداع ومداراة للأقوى والأكثر وترجيحا لما عند الناس على ما عند الله. وهذا ما سوّغ لنا أن نقول في صدد هذه الآيات إنها متصلة بهذا الفصل والفصل السابق له، بل وربما كانت مقدمة لهما.
وطبيعي أن يكون هذا الحادث قد أثر في نفس النبي والمؤمنين وسير الدعوة النبوية تأثيرا شديدا. وهذا ما يفسر الحملة الشديدة على المرتدين بدون إكراه الذين ثبتوا على كفرهم ويفسّر ما احتوته الآية الأخيرة من تطمين وإنذار معا فليس على النبي والمؤمنين من بأس وهم بما يفعله الآثمون الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة وينقضون عهد الله فكل مسؤول عن عمله يوم القيامة ومجزى عليه بما يستحقه.
والمتبادر أن تعبير جاهَدُوا في الآية الأخيرة قد قصد به بذل الجهد وتحمّل المشقة والحرمان في سبيل الله ودينه. لأن الجهاد الحربي إنما كان بعد الهجرة إلى المدينة كما لا يخفى. ولقد كان من المسلمين مهاجرون في الحبشة في هذا الظرف على ما مرّ شرحه في مناسبة آية سابقة في هذه السورة فمن المحتمل كثيرا أن هؤلاء الذين آمنوا من بعد ما فتنوا وهاجروا قد هاجروا إلى الحبشة والتحقوا فيها بإخوانهم السابقين.
تلقينات الآية مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وما بعدها
هذا، والآيات تنطوي على تلقينات مستمرة المدى فيما يتبادر لنا. فالله لا يؤاخذ من يجبر على ارتكاب إثم من الآثام مهما عظم إذا كان غير راض به وكان متعلقا بخاصة نفسه، ويقبل توبة النادمين والتائبين منه إذا رضوا به في موقف أو حالة ما ويشملهم برحمته. وشرط التعلق بخاصة النفس مستلهم من روح الآيات فالإكراه على القتل لا يبرر القتل، والإكراه على الزنا لا يبرر الزنا لأن أقصى
стр. 2433
نتائج الإكراه القتل. وحدّ من يرتكب الإثمين القتل أيضا واللواط في حكم الزنا.
وقد يستثنى المفعول بهما إذا قيدا ومنعا من المقاومة. أما الإكراه على الكفر وما دون ذلك من شرب خمر وأكل لحم خنزير وميتة ودم مسفوح وامتناع عن الصلاة والصوم والحج فهو مبرر بقدر ما يكفي لدفع الضرر من الإكراه إذا كان مؤكدا ويقينا. وقد يكون الإكراه على ما دون القتل والزنا- مما يتعلق بالغير- مبررا أيضا إذا ما أصلح الفاعل وعوض عما ارتكبه بعد زوال خطر الإكراه. وهذا لا يتعارض مع التوبة عن الآثام التي يرتكبها المرء بدون إكراه إذا ما كانت توبة صادقة مترافقة على الإصلاح والتعويض على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان.
وهناك حديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «١» والحديث يتساوق مع التلقين القرآني، ويتحمل بدوره الملاحظات التي شرحناها كما هو المتبادر، والله تعالى أعلم.
ولقد نبّه المفسرون في سياق الآية إلى التشريع النبوي في حقّ المرتدين عن الإسلام بدون إكراه فروى ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن عكرمة، رواه أيضا البخاري وأبو داود والترمذي بصيغة قريبة جدا وهي: «إن عليّا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لقتلتهم لقول رسول الله ﷺ :
من بدّل دينه فاقتلوه، ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ : لا تعذّبوا بعذاب الله فبلغ ذلك عليّا فقال: صدق ابن عباس» «٢» . وهناك حديث آخر رواه الخمسة عن عبد الله بن مسعود قال: «قال النبي ﷺ : لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله وإني رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيّب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة» «٣» .
стр. 2434
والمتبادر أن هذا التشريع النبوي مدني وقد اكتفت الآيات التي نحن في صددها بتقرير غضب الله وعذابه العظيم والخسران في الآخرة للمرتدين الشارحين بالكفر صدرا لأن هذا هو المناسب مع ظرف العهد المكي على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٣]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)
. (١) رغدا: واسعا ميسرا.
(٢) أنعم: جمع نعمة.
جمهور المفسرين على أن هذا المثل مضروب في مكة وكفارها: فمكة بلدة قد أنعم الله عليها بالأمن والطمأنينة ويسّر لها أسباب الرزق يأتيها من كلّ مكان بسهولة وسعة. فلم يرع أهلها حقّ الله ولم يشكروا نعمه وأفضاله ولما جاءهم رسوله منهم يدعوهم إليه وقفوا منه موقف المكذب الباغي. ولذلك أخذهم عذاب الله بظلمهم وإجرامهم وكفرهم وبغيهم، وبدل أمنهم بالخوف وسعة رزقهم بالتقتير والجوع، وجعلهم مثلا يتمثل به وعبرة للمعتبرين.
والآيات تنطوي على تذكير بعذاب وضيق وجوع وخوف وقع على أهل القرية أو على أهل مكة على ما اتفق عليه جمهور المفسرين. وقد رووا «١» أن النبي ﷺ دعا عليهم بعد هجرته بسنين كسني يوسف ومنع عنهم في الوقت نفسه
стр. 2435
الميرة فجاعوا حتى أكلوا الجيف فأرسلوا إليه يذكرونه بالرحم فأشفق عليهم وسمح لهم بالميرة. وإن الخوف الذي ذكر في الآية هو ما كان بسبب سرايا رسول الله التي كان يسيرها نحوهم. وهذا يقتضي أن تكون الآيات مدنية. ولم نطلع على رواية تذكر ذلك. ولقد أوردنا في سياق تفسير سورة الدخان روايات تذكر أنه طرأ على مكة في عهد النبي ﷺ في مكة مجاعة أدت إلى خوفهم واضطرابهم وأن بعض زعماء مكة جاءوا إلى النبي ﷺ فناشدوه الرحم وطلبوا منه أن يدعو الله بكشف العذاب عنهم. وبعد انكشاف العذاب عادوا إلى موقفهم المناوىء فأنذرهم الله بالبطشة الكبرى في سورة الدخان. والذي يتبادر لنا أن هذه الآيات بسبيل التذكير بذلك وتعليل ما أصابهم بموقفهم الباغي الظالم. ونزول سورة الدخان ليس بعيدا عن نزول هذه السورة. ولعل ما طرأ عليهم كان ما يزال. فإذا صح هذا- ونرجو أن يكون صحيحا- فتكون صلة هذه الآيات بسابقاتها واضحة حيث احتوت سابقاتها حملة على الكفار وزعمائهم بخاصة لمواقفهم المناوئة لرسول الله ﷺ وتكذيبهم له وتشويشهم عليه وإكراه من استطاعوا على الارتداد عن الإسلام فجاءت الآيات تذكرهم بما هم فيه من بلاء وتؤذنهم بأنه بعض جزائهم العاجل من الله، وتجعل مكة في ذلك مضرب المثل والعبرة.
تعليق على جملة وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ
لقد وقف الطبري عند هذه الجملة فاستنبط منها ما يفيد أنها منطوية على تذكير العرب السامعين بأنهم يعرفون الرسول ويعرفون نسبه وصدق لهجته. ولا يخلو هذا من صواب وقد تضمن هذا المعنى آيات أخرى منها آيات سورة يونس [١٥- ١٦] وآيات سورة المؤمنون [٦٨- ٧٠] على ما نبهنا عليه في مناسباتها.
وقد يصح أن يضاف هنا إلى هذا أن الجملة يمكن أن تكون انطوت أيضا على قصد التدليل على باعث حرص النبي ﷺ على هدايتهم وتجرده عن المآرب والمقاصد في ذلك وهو شدة المعصية في ذلك الوقت في العرب التي تجعل العربي يتحمل
стр. 2436
كل تضحية في سبيل جر الذين ارتبط بهم برابطة الرحم والقبيلة وحياتهم وعزتهم والتضامن معهم. ثم على قصد بيان عظم فضل الله ونعمته بإرسال هاد إليهم منهم يكون فيه مثل هذا الباعث وكون إثم تكذيبهم له أشد واستحقاقهم للعذاب نتيجة لذلك أولى.
وقد لا تخلو الآية التي فيها الجملة على ضوء هذا التوضيح من تلقين مستمر المدى فيما يكون من وقوف الفئات المستكبرة المغرضة من دعاة الإصلاح والقادة المخلصين منهم الذين تكون دعوتهم وقيادتهم مجردة من المآرب وخالصة لوجه الله ومصلحتهم.
ولقد تكررت هذه الجملة في مقامات مماثلة للمقاصد نفسها، وكان يأتي بدلا منهم (منكم) أو (من أنفسكم) أو من (أنفسهم) كما جاء في آية سورة البقرة هذه: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) وآية سورة آل عمران هذه:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) ، وآيات سورة التوبة هذه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) وآية سورة الجمعة هذه:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) حيث يبدو من هذا أن حكمة التنزيل اقتضت تكرار التنبيه والتوكيد على هذا الأمر لما انطوى فيه من مقاصد.
ولقد أورد المفسرون في سياق آيات سورة التوبة كتوضيح لمدى تعبير (من أنفسكم) الذي هو في مقام (منهم) قولا لابن عباس جاء فيه: «إنه ليس من العرب
стр. 2437
قبيلة إلّا قد ولدت النبي ﷺ وله فيهم نسب وفي رواية ليس من العرب قبيلة إلّا ولدت النبي ﷺ مضرها وربيعها ويمنها» «١» .
والنبي ﷺ وإن كان قرشيا من ناحية الوالدين المباشرين حيث كان أبوه من بني هاشم وأمه من بني زهرة وكلاهما من قريش، وقريش من عدنان حسب التقاليد المشهورة فإن أمّ أبيه كانت من بني النجار من الخزرج وهم قحطانيون حيث يصدق ما روي عن ابن عباس من انتساب النبي ﷺ إلى الفرعين الرئيسيين اللذين تفرّع منهما جميع القبائل العربية في جنوب جزيرة العرب وشمالها.
ولقد أورد البغوي في سياق آية سورة التوبة أيضا حديثا رواه بطرقه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء. ما ولدني إلّا نكاح كنكاح الإسلام» . وأورد ابن كثير حديثا قريبا من هذا بطرق أخرى بقصد التدليل على سبب من أسباب ما كانت عليه أخلاق رسول الله المذكورة في الآية وهو الطهارة في النسب. والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن ورد فيها أحاديث أقوى في الدلالة من هذا الحديث حيث روى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» «٢» .
وحيث روى الترمذي عن العباس أنه قال للنبي: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض. فقال النبي ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» «٣» .
стр. 2438
تلقين آية وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً
وفي هذه الآية تلقين جليل وعظة اجتماعية مستمرة المدى، فأي مجتمع أراد أن يحتفظ بأسباب القوة والعزّة والحياة المطمئنة والرزق الميسور عليه أن يلتزم حدود الله في الإخلاص له والعدل والإحسان وسائر الأعمال الصالحة، وأن يعترف بفضله ويداوم على ذكره وشكره وأن يبتعد عن كلّ ما فيه ظلم وإثم وبغي ومنكر وانحراف وإسراف. فإذا أخلّ بذلك اختلّت شؤونه وانفرط كيانه وغدا عرضة للنوائب والكوارث.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٩]
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)
. (١) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام: ولا تقولوا كذبا من عند أنفسكم هذا حلال وهذا حرام.
في الآيات:
١- أمر للسامعين بأن يأكلوا ويتمتعوا بكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب ويشكروا الله على نعمه إن كانوا حقيقة يؤمنون به ويعبدونه.
стр. 2439
٢- وبيان بأن المحرم عليهم أكله ينحصر في الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر اسم غير الله عليه من الذبائح.
٣- واستدراك بأن الله مع ذلك يغفر لمن يكون مضطرا إلى أكل هذه المحرمات في حدود الضرورة بدون توسع وتجاوز.
٤- ونهي عن التحليل والتحريم اللذين لا يستندان إلى أمر رباني وعن نسبته ذلك إلى الله كذبا وافتراء.
٥- وتنديد ووعيد لمن يفعل ذلك فهو لن يفلح ولن يسعد وله العذاب الأليم الذي ينتظره في الآخرة بعد متاع الدنيا وأجلها القصير.
٦- وإشارة إلى كون الله إذا كان حرّم على اليهود بعض المأكولات التي ذكرت في القرآن قبل هذه السورة فإنما كان ذلك بسبب بغيهم وتعنتهم وظلمهم وأن الله لم يظلمهم بذلك.
٧- وتقرير بأن الله يعامل الذين يعملون السوء عن جهل وغفلة ثم يندمون ويتوبون ويسيرون في طريق الصلاح والإصلاح بالرحمة والمغفرة.
والتعليم الذي احتوته الآيتان الأوليان قد تكرر في القرآن في سور مدنية ومكية بأسلوب متقارب. ومن ذلك ما جاء في الآية [١٤٤] من سورة الأنعام التي سبق تفسيرها وعلقنا على الموضوع في سياقها ما يغني عن الإعادة. ولقد جاء الدم في آية الأنعام بوصفه مسفوحا ولم يرد هذا الوصف هنا. والمتبادر أن هذا مقدر وأنه هو الذي كان مستقرا مفهوم المدى. بدليل استثناء النبي في حديث له الطحال والكبد لأنهما عضوان جامدان على ما ذكرناه في التعليق المذكور.
وتكرر ورود هذا التعليم يدل على ما كان راسخا عند العرب من تحليل وتحريم في صدد اللحوم وما كان يدور حول هذا الموضوع من جدل. مما شرحناه كذلك في تفسير سورة الأنعام في سياق تفسير الآيات [١١٨- ١٢١] و [١٣٧- ١٣٩] و [١٤٢- ١٤٧] وكان من جملة ذلك بيان ما حرّمه على اليهود وأسباب التحريم.
стр. 2440
ولا يروي المفسرون رواية ما في مناسبة نزول هذه الآيات وأسلوبها ومضمونها في جملتها قد يلهمان أنها وردت في سياق استفسار أو مشهد جدل في صدد محرمات اللحوم والذبائح. وقد يلهمان أن الموضوع قد أثير من قبل بعض المسلمين أو بسبب بعض أقوال بعضهم وتصرفاتهم. ومما قد تلهمه الآيات أن الجدل تطرق مرة أخرى إلى ما عند اليهود من محرمات أخرى غير المحرمات الأربع فاقتضت حكمة التنزيل الإشارة ثانية إلى أن ذلك قد كان عقابا خاصا لليهود وليس من محل للقياس عليه.
والآيات تبدو فصلا مستقلا لا صلة له بالفصول السابقة، إلّا إذا كان الكفار قد اشتركوا في الموقف الجدلي أو إذا كان لهذا الفصل صلة بما كان من تبديل بعض الآيات مكان بعض مما لا يمكن التأكد منه لأنه ليس هناك رواية ما في صددها يمكن الاستئناس بها عليه وإن كنا نميل إلى ذلك.
ولقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي في صدد الآية الأولى حديثا عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : أيّها الناس إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا. وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيّها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وإنّ الرجل يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك» «١» .
حيث ينطوي في الحديث تلقين توضيحي متساوق مع التلقين القرآني في الآية وتنديد بالمنحرفين عنه.
التلقين الذي احتوته جملة وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
ولسنا نرى ضرورة للتعليق على أصل الموضوع ومبدأ الاضطرار فقد علقنا عليه بما فيه الكفاية في تفسير سورة الأنعام. غير أننا نودّ أن نلفت النظر بخاصة إلى
стр. 2441
الآية [١١٧] وما احتوته من تلقين مستمر المدى يمكن أن يكون شاملا لمتنوع الشؤون وغير قاصر على محرمات اللحوم والطعام بسبب إطلاقها حيث نهت المسلمين عن إلقاء الكلام على عواهنه في التحليل والتحريم مطلقا ونسبة ذلك إلى الله من دون تثبت وتدبّر وسند وثيق. ففي ذلك افتراء على الله وتضييق لما وسع وتعطيل لحكمته المتمشية مع المصلحة والعقل وطبائع الأشياء.
ولقد أوردنا في تعليقنا على آيات سورة الأنعام المار ذكرها حديثا نبويّا جاء فيه: «الحلال ما أحلّ الله في كتابه والحرام ما حرّم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» . حيث ينطوي في هذا الحديث تحديد لما يجب على المؤمن أن يقف عنده من حدود في صدد التحليل والتحريم.
على أن من الواجب التنبيه على أمر هام نبهنا عليه أيضا في التعليق المذكور وهو أن رسول الله ﷺ هو المصدر الثاني للتشريع الواجب على المؤمنين اتباع ما أمر به ونهى عنه بعد القرآن وأنه يصحّ أن يصدر عنه تحليل وتحريم لما سكت عنه القرآن أو جاء فيه غامضا وغير مستوف لكل جانب. ولقد روي عنه أحاديث وردت في كتب الأحاديث الصحيحة مثل ذلك أوردنا بعضها في سياق التعليق المذكور.
وهي في صدد الذبائح والأطعمة الحيوانية وهناك أحاديث أخرى في صدد الألبسة والأشربة وغيرها أيضا وردت في كتب الأحاديث الصحيحة. من ذلك مثلا حديث رواه الشيخان والنسائي عن حذيفة قال: «نهانا النبيّ ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيهما وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه» «١» . وحديث رواه أصحاب السنن عن علي قال: «إنّ النبي ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي» «٢» .
стр. 2442
والتلقين المنطوي في الآية في عدم جواز التحليل والتحريم جزافا ونسبة ذلك إلى الله افتراء ينسحب على النبي ﷺ فلا يجوز لمؤمن أن ينسب إليه التحريم والتحليل جزافا بدون تثبت وتدبر وسند وثيق افتراء عليه كما هو المتبادر.
والآية الأخيرة وإن كانت على ما يتبادر متصلة بموضوع الآيات ودليلا على أن موضوعها مما أثير من بعض المسلمين أو بسبب تصرف بعضهم فإن فيها توكيدا لمبدأ التوبة القرآني وفي أسلوبها عمومية وشمول. ولقد علقنا على هذا المبدأ بما فيه الكفاية في سورة الفرقان والبروج فلا ضرورة للإعادة.
هذا وفي الآيات دلالة على أن سورة الأنعام قد سبقت في النزول هذه السورة كما هو واضح. لأن المحرمات على اليهود قد ذكرت في تلك السورة وعطف عليها هنا. وفي هذا نقض حاسم لترتيب بعض المستشرقين «١» لنزول سورة الأنعام كآخر السور أو من أواخرها نزولا.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٤]
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)
стр. 2443
(١) كان أمة: بمعنى كان إماما يؤتمّ به أو كان صاحب ملّة. وقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود أن معنى الأمة معلم الخير والقانت المطيع «١» .
في الآيات:
١- تقرير بأن إبراهيم كان إماما على طريق الحق خاضعا لله ملتزما حدوده غير منحرف عنها وغير مشرك بالله أحدا، وشاكرا لنعم الله، وبأن الله قد اصطفاه وشمله بعنايته وهداه إلى الطريق القويم وهيّأ له أسباب الخير والطمأنينة والفلاح في الدنيا وجعله في الآخرة في عداد الصالحين المستحقين لحسن الجزاء.
٢- وخطاب للنبي بأن الله قد أوحى إليه باتباع ملّة إبراهيم وطريقته التي ليس فيها انحراف ولا شرك.
٣- وبيان بأن الله قد جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وبأن الله سوف يقضي بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه.
ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد نزول هذه الآيات أيضا، ويتبادر لنا أنها- وبخاصة الأربع الأولى منها- متصلة بالآيات السابقة. فقد كان العرب يردون ما يسيرون عليه من تقاليد دينية، ومن جملة ذلك تقاليد التحريم والتحليل إلى ملة إبراهيم فجاءت الآيات معقبة على الآيات السابقة بقصد الردّ والتنديد وبيان جوهر هذه الملة. وكونها هي التي أوحى الله بها إلى النبي وكون ما جاء في القرآن من تحليل وتحريم- وبخاصة في الأطعمة الحيوانية- هو الصحيح من هذه الملة الذي يجب الأخذ به.
стр. 2444
ولقد تعددت أقوال المفسرين في الآية الأخيرة حيث قال بعضهم «١» استنادا إلى بعض الروايات والأحاديث: إن يوم الجمعة هو اليوم الذي كان يجب اتخاذه يوم عيد لأن الله انتهى فيه من خلق الكون فاختلف اليهود في الأمر ثم اختاروا يوم السبت لأنه كان يوم راحة الله من خلق الكون فأوجبه الله عليهم وحرّم فيه العمل فمنهم من ثبت على ذلك ومنهم من خالفه وقد أوردوا حديثا نبويا عن أبي هريرة رواه البخاري جاء فيه: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» ، وحديثا آخر عن أبي هريرة وحذيفة رواه مسلم جاء فيه: «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فهو تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة والمقضي بينهم قبل الخلائق» «٢» وحيث قال بعضهم «٣» : إن الآية تعني الإشارة إلى ما كان من احتيال اليهود على السبت في صيد السمك وما كان عقوبة الله لهم ومسخهم على هذا الإثم مما أشارت إليه آيات سورة الأعراف [١٦٣- ١٦٦] .
ونحن نرجح هذا القول لأننا نراه أشدّ اتصالا بموضوع التحريم والتحليل حيث يكون في الآية إنذار وتنبيه للمسلمين على عدم السير في طريق اليهود لئلا يعاقبهم الله بما عاقب هؤلاء وحيث تبدو الصلة واضحة بين هذه الآية والآيات الأربع ثم بين الآيات الخمس وما قبلها أيضا.
ولسنا نرى هذا الترجيح متعارضا مع الحديثين اللذين رواهما البخاري ومسلم من حيث إنهما ليسا في صدد تفسير الآية.
стр. 2445
[سورة النحل (١٦) : آية ١٢٥]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)
. في الآية أمر للنبي ﷺ بالتزام خطة الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله وجدال الناس في صددها بالحسنى وإيكال الأمر بعد ذلك إلى الله، فهو الذي يعلم من هو الضالّ عن سبيله ومن هو المهتدي.
ولم نطلع على رواية ما في صدد نزولها كذلك. ويتبادر لنا أن الصلة بينها وبين سابقاتها قائمة. فموضوع التحليل والتحريم وملّة إبراهيم مما يكثر الجدل فيه. ولعلّ النبي ﷺ قد أحرج وأثير غضبه في ذلك الموضوع في موقف من المواقف فاقتضت حكمة التنزيل بعد بيان حقيقة هذه الملّة وكونها طريق الله الحق التي أوحى الله للنبي ﷺ باتباعها وكون ما أوحاه الله في صدد التحريم والتحليل هو الحقّ في هذه الملة أن يهدّأ النبي ﷺ ويعلّم الخطة الحكيمة التي يحسن أن يسير عليها من جهة وأن يسلّى من جهة أخرى. فذوو القابليات الحسنة والقلوب السليمة لا بدّ من أن يدركوا الحقّ ويهتدوا به، وأضدادهم لا يدركون لأنهم يتعمدون المكابرة والعناد وليس على النبي ﷺ من تبعتهم شيء وليس عليه إلّا أن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإذا صار جدال فينبغي أن يكون في نطاق الرفق واللين والحسنى.
تعليق على آية ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ومع اتصال الآية بالسياق السابق وموضوعه كما قلنا فإن الخطة التي احتوتها والتي جاءت مطلقة عامة من جلال الشأن وبعد المدى في الذروة التي ليس بعدها شيء في صدد الدعوة إلى الإسلام الذي هو سبيل الله والتي تترشح بها الرسالة الإسلامية للشمول والخلود وهي مستمرة التلقين عامة المدى بحيث توجب على المسلمين في كل زمان ومكان أن تكون هي خطتهم في الدعوة إلى الإسلام وبحيث توجب أن تكون خطة كل داع إلى مبادئ الحق والخير التي هي من سبيل الله.
стр. 2446
فالدعوة إلى ذلك إنما تنجح بهذا الأسلوب الحكيم الرائع. أما أساليب العنف والإكراه والإلزام والخشونة فلا تؤدي إلى نتيجة إيجابية سليمة.
ولقد قال بعض المفسرين «١» إن الآية قد نسخت بآيات القتال، كما قال بعض المغرضين من المبشرين والمستشرقين: إنها خولفت ونقضت حينما قوي النبي ﷺ واشتد ساعده. وليس في هذا وذاك صواب فيما نرى، فالمبادئ التي تضمنتها آيات القتال المدنية متسقة مع هذه الخطة تماما. والقتال إنما شرع ضد المعتدين على المسلمين وليس لإكراه الناس على الإسلام على ما شرحناه في سياق سورة (الكافرون) وعلى ما سوف نزيده شرحا في مناسباته.
وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين المتواترة تكذب كل من يقول من الأغيار إن هذه الخطة قد نوقضت بل الحق الذي لا يماري فيه إلّا المكابر المغرض أنها روعيت أدقّ رعاية وأشدّها «٢» .
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٦ الى ١٢٨]
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)
. (١) وإن عاقبتم: بمعنى وإن قابلتم عملا بالمثل. وتستعمل في معنى المقابلة على الإساءة والعدوان.
في الآيات:
١- خطاب موجه للسامعين يؤمرون فيه بأنهم إذا أرادوا أن يقابلوا على
стр. 2447
الإساءة والعدوان فيجب أن يكون ذلك في حدود ما كان عليهم من ذلك بدون تجاوز ولا إسراف به مع تنبيههم إلى أن الأفضل لهم إذا صبروا فإن في الصبر خيرا للصابرين.
٢- وأمر للنبي بالصبر وعدم الاستسلام للحزن وضيق الصدر من جراء مواقف المكر والإساءة التي يواجهها.
٣- وتطمين له بأنه إذا صبر فإنما يجعل اعتماده على الله وأن الله مؤيد للذين يتقونه ويحسنون في أعمالهم.
تعليق على آية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وما بعدها
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات الثلاث مدنية. وقد روى الطبري عن عطاء بن يسار أحد علماء تابعي التابعين أن الآيات الثلاث مدنية وأنها نزلت بعد وقعة أحد. فإن النبي ﵇ لما قتل حمزة عمّه وبقر بطنه ومثّل به حزن كثيرا فأقسم لئن أظهرنا الله عليهم لنمثّلن بثلاثين منهم فلما سمع المسلمون قالوا:
والله لئن ظهرنا عليهم لنمثّلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله الآيات. وروى الطبري روايات أخرى من هذا الباب ولقد روى الترمذي حديثا عن أبيّ بن كعب جاء فيه: «لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثّلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : كفّوا عن القوم إلّا أربعة» «١» . وهذه الروايات تؤيد مدنية الآيات كما هو واضح. ومع ذلك فإن الطبري روى عن بعض التابعين أن بعض المسلمين في مكة قالوا يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب
стр. 2448
فأنزل الله الآيات ثم نسخت بآيات الجهاد. وهذه الرواية تنقض رواية مدنية الآيات. وإلى هذا وذاك فإن الطبري روى عن بعض التابعين وتابعيهم أيضا أن الآيات مطلقة في صدد النهي عن مقابلة أحد على ظلامة ظلمها إلّا بمثلها مع تفضيل الصبر وأنها محكمة غير منسوخة، ثم قال: والصواب أن الله أمر في الآية الأولى النبي والمؤمنين بأن يعاقبوا من عاقبهم بمثل ما عاقبهم به إن اختاروا العقوبة، مع تفضيل الصبر وأنه سلّى في الآيتين الثانية والثالثة النبي عما كان من إعراض قومه عن دعوته ومواقفهم منه وما كان يطرأ عليه بسبب ذلك من حزن وضيق صدر. ولم تخرج أقوال وروايات المفسرين عن هذا «١» . وفي كلام الطبري الأخير وجاهة وصواب. فليس في مضمون الآيات ولا في سياقها قرينة يمكن أن تؤيد رواية مدنيتها كما أن حكمة وضعها في هذا المكان لا تكون مفهومة مع مضمون هذه الرواية. ولقد ذكرت وقعة أحد بشيء من الإسهاب في سورة آل عمران، فلو كان ما روي صحيحا لكان محل هذه الآيات هذه السور.
وأسلوب الآيات ومضمونها مما يؤيد مكيتها وقد تكررت الآيات المكية التي تضمنت ما تضمنته هذه الآيات، ومرّت أمثلة من ذلك. وفي سورة النمل آية فيها نفس العبارة التي جاءت في آخر الآية الثانية وهي: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وليس بين هذه العبارة وبين رواية حزن النبي على قتل عمه أي اتساق. لأنها تنهاه عن عدم الحزن من مواقفهم ومكرهم. وبترجيح مكية الآيات تبدو الصلة بينها وبين الآيات السابقة واضحة. فالآية السابقة لها مباشرة تأمر بالجدال بالتي هي أحسن إذا لزم الجدال وبالتزام الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله. فمما يتبادر أن تكون الآيات الثلاث قد جاءت معقبة على الآية السابقة لها وجزءا من السياق والموضوع. وكأنما أريد بها التنبيه على أن الخير كل الخير هو في تلك الخطة فإذا كان من الكفار من يشذ ويعنف ورأى بعض المسلمين ضرورة للمقابلة فلتكن في حدود المماثلة. والصبر مع ذلك هو الأفضل
стр. 2449
وعلى النبي والمسلمين أن يملكوا زمام أنفسهم فلا يخرجوا عن حدّ الاعتدال ولا يحزنوا ولا يضق صدرهم بما يرونه من مكر الكفار ومواقفهم وتعنتهم. وعليهم بتقوى الله والعمل الحسن الذي يرضيه، وإنه لمع المتقين المحسنين.
وهكذا تكون الآيات الثلاث متممة للخطة الحكيمة الرائعة التي احتوتها الآية السابقة لها. وكما أن هذه الآية قد تضمنت تلقينا جليلا مستمر المدى على ما شرحناه في سياقها تكون الآيات الثلاث مثلها مستمرة التلقين.
وطابع الختام بارز على الآيتين الأخيرتين بخاصة مما هو مماثل لكثير من خواتم السور.
والجمع بين المتقين والمحسنين يتكرر هنا، وقد علقنا على ما في ذلك من دلالة هامة في مناسبة سابقة، وتكراره يدل على ما أعارته حكمة التنزيل لهذا الأمر من عناية هو جدير بها.
стр. 2450
سورة نوح
هذه السورة قاصرة على رسالة نوح ﵇ لقومه ومناجاته لربّه بسبب جحود قومه ومواقفهم من رسالته. وهي شاذة بين السور المعقودة على أسماء الأنبياء التي احتوت إلى قصة النبي المعقودة باسمه قصص الأنبياء الأخرى وفصولا وعظية وتذكيرية أخرى موجهة إلى كفار العرب. وهي شاذة كذلك بالنسبة للفصول القصصية التي جاءت في سور أخرى في معرض التذكير والتنديد. ومع ذلك فإن أسلوبها متماثل مع أسلوب القصص القرآنية، وأهدافها متسقة مع أهداف هذه القصص.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ٢٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)
.
стр. 2451
(١) يؤخركم إلى أجل مسمى: يؤخر محاسبتكم وعقابكم على ما قد تقترفونه من ذنوب.
(٢) إلّا فرارا: إلّا تباعدا.
(٣) استغشوا ثيابهم: وضعوا ثيابهم على رؤوسهم ليخفوا وجوههم.
والعبارة بقصد تصوير شدة انصرافهم عن الدعوة.
(٤) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا: حدثتهم وهم مجتمعون ومنفردون وسرّا وعلنا.
(٥) مدرارا: كثيرة التهطال.
(٦) لا ترجون لله وقارا: لا تعترفون لله بالعظمة ولا تحسبون حساب قدرته ولا تقدرونه حقّ قدره ولا تطيعونه حقّ طاعته.
(٧) أطوارا: على أشكال، أو بمعنى ما مرّ خلقكم فيه من أطوار من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلخ ...
(٨) طباقا: بعضهم فوق بعض.
(٩) فجاجا: واسعة.
(١٠) كبّارا: شديدا أو عظيما.
(١١) لا تذرنّ: لا تتركوا.
стр. 2452
(١٢) ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر: أسماء آلهتهم أو معبوداتهم.
(١٣) ديّارا: من يعمر الدار ويسكنها.
(١٤) تبارا: هلاكا ودمارا.
عبارة آيات السورة واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد سردناها مرة واحدة لأنها مترابطة الأجزاء محبوكة الكلام.
وقد تضمنت:
١- تقريرا ربانيا بإرسال نوح إلى قومه لدعوتهم إلى الله وإنذارهم قبل أن يحلّ فيهم عذاب الله.
٢- وحكاية أقوال نوح لقومه ونصحه لهم وترغيبه بمغفرة الله وأفضاله وتحذيره من عذابه ونقمته.
٣- ومناجاة نوح ربّه متذمرا مما كان من قومه من الإعراض والتباعد عن الدعوة وشدة التصامم بالرغم مما كان منه من إلحاح في السر والعلن والانفراد والاجتماع والترغيب والترهيب والتذكير بنعم الله عليهم ولفت نظرهم إلى مشاهد قدرة الله وعظمته في الكون وفي أنفسهم، ثم مما قام به زعماؤهم وأغنياؤهم من مكر وتحريض على عصيانه وعدم استماع مواعظه، وتوصية الناس بالتمسك بمعبوداتهم وتقاليدهم، حيث كان لذلك أثر كبير في إضلال الناس، وموقفهم موقف العناد والكفر.
٤- وحكاية مناجاة نوح ربّه بعد يأسه من قومه ودعائه على الكفار بالهلاك وعدم إبقاء أحد منهم لأنهم بلغوا من العناد والجحود إلى درجة لا أمل فيها لصلاحهم وصلاح نسلهم الذي سوف يسير على غرارهم بتلقينهم ثم حكاية دعائه لنفسه ولوالديه ولكل من آمن بدعوته ولكل مؤمن ومؤمنة.
والمتبادر أن الآية [٢٥] ليست من حكاية قول نوح وإنما هي تقرير ربّاني حيث ذكرت أن قوم نوح أغرقوا بسبب ما ارتكبوه من آثام وخطايا، وأن مصيرهم
стр. 2453
الأخروي إلى النار أيضا ولن يجدوا لهم أنصارا ينصرونهم من الله وغضبه.
وآيات السورة قاصرة كما هو واضح على رسالة نوح لقومه، وهي من هذه الناحية شاذة بين سور القرآن المعقودة على أسماء الأنبياء والتي فيها حكاية رسالات الأنبياء الآخرين غير المعقودة عليهم أولا واحتوت مواعظ وتذكيرا وتعقيبا في صدد الرسالة المحمدية ومواقف العرب منها ثانيا.
ومع ذلك فإنه يلحظ في آيات السورة:
١- تماثل غير يسير بين أسلوب التذكير بنعم الله وأفضاله ومشاهد قدرته وبين أسلوب الآيات الكثيرة الموجهة إلى كفار العرب في سور عديدة.
٢- وتماثل غير يسير بين مواقف كفار قوم نوح وتصاممهم ومكر زعمائهم وتحريضهم الناس على عدم الاستماع له وبين ما حكته آيات كثيرة في سور عديدة عن مواقف كفار العرب وزعمائهم، وقد مرّ من هذا وذاك أمثلة عديدة.
فهذا يلهم أن آيات السورة استهدفت فيما استهدفته تذكير العرب ودعوتهم إلى الاعتبار بقوم نوح وتأنيبهم على مواقفهم المماثلة لمواقفهم. وتسلية النبي والمؤمنين بأن مواقف كفار العرب ليست بدعا فإن قوم نوح أيضا وقفوا نفس الموقف فكانت عاقبتهم الهلاك.
ولابن العربي تفسيرات صوفية لبعض آيات هذه السورة في نص الحكم الذي عقده على نوح ﵇. من ذلك في آيات مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) يقول: (مما خطيئاتهم أغرقوا فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة، فأدخلوا نارا في عين الماء فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد) . وفي آيات:
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً (٢٨) يقول: (إنك إن تذرهم أي تدعهم وتتركهم يضلوا
стр. 2454
عبادك أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظروا أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عبيدا فهم العبيد الأرباب. ولا يلدوا أي لا ينتجوا ولا يظهروا إلّا فاجرا أي مظهرا ما ستر كفّارا أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر فيهم ثم يسترونه بعد ظهوره فيحار الناظر ولا يعرف قدر الفاجر في فجوره ولا الكافر في كفره والشخص الواحد. رب اغفر لي أي استرني واستر من أجلي فيجهل مقامي وقدري كما جهل قدرك وما قدروا الله حق قدره ولوالدي كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة. ولمن دخل بيتي أي قلبي، مؤمنا أي مصدقا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية وهو ما حدثت به أنفسهم. وللمؤمنين من العقول والمؤمنات من النفوس ولا تزد الظالمين من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية إلّا تبارا أي هلاكا فلا يعرفون نفوسهم وشهودهم وجه الحق دونهم) .
وفي هذا من الشطح بل الهذيان الذي يبتعد به عن معنى الآيات الصريح الواضح وهدفها ويقلبهما رأسا على عقب ما هو ظاهر.
تعليق على أسماء معبودات قوم نوح
ويلحظ أن أسماء معبودات قوم نوح المذكورة في السورة عربية في صيغتها ومعناها وإن كانت تدل على أنها أقدم طورا من العربية الفصحى التي نزل بها القرآن حيث تبدو الصلة ملموحة بين يغوث، والغوث والغيث والإغاثة، ويعوق والإعاقة والتعويق. وسواع والسعة، وودّ والمودّة ونسر الذي هو اسم الطير الجارح المشهور. ولقد روى البخاري عن ابن عباس في سياق تفسير السورة حديثا جاء فيه: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعده. أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل وأمّا سواع فكانت لهذيل وأمّا يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ. وأمّا يعوق فكانت لهمدان وأمّا نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلمّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا
стр. 2455
فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت» «١» . وفي الروايات التي وردت في الكتب العربية وكتب التفسير بيانات أخرى بالإضافة إلى ما جاء في حديث ابن عباس. من ذلك أن سواعا الذي كانت تتخذه هذيل كان في رهاط من أرض ينبع.
وفي رواية أنه اسم صنم لهمدان وفي رواية أنه اسم صنم لذي الكلاع وكان على صورة امرأة وأن يغوث كان لمذحج وأهل جرش في اليمن وأن من عبدته بني غطيف من مراد وأنه ابن سواع وكان على صورة أسد وأن يعوق كان لهمدان وخولان في أرحب وفي رواية أن قبيلة خيوان كانت تعبده وأنه على شكل فرس.
وأن نسرا كان على شكل طير. وقد قرىء على كتابة لحيانية بالشين بدلا من السين. وأن ودّا الذي كان لبني كلب كان على صورة رجل، وقد قرىء على كتابات يمنية قديمة كمعبود من معبودات اليمن القديمة وكان يرمز إلى القمر. وقد رويت أسماء رجال جاهليين بأسماء بعض هذه الأصنام مضافا إليها كلمة (عبد) مثل (عبد ودّ) و (عبد يغوث) «٢» .
وعلى كل حال فالمتبادر أن العرب في عصر النبي ﷺ وقبله بقليل كانوا يتداولون بينهم أن هذه الأسماء هي أسماء معبودات قوم نوح ثم اقتبسوها وربما عربوها وسموا بها أصناما لهم. وكان ذلك في طور أقدم من طور العربية الفصحى التي نزل بها القرآن فاحتفظوا بها كما هي لأنها دخلت في نطاق القدسية الذي لا يسهل تجاوزه. وقد يدل هذا على أنهم كانوا يتداولون قصة نوح وقومه ومن هنا كان الإلزام واردا في صدد قصة نوح وهدفها في السورة وغيرها. وهذا بالإضافة إلى أنهم لا بد من أن يكونوا عرفوا هذه القصة من طريق أهل الكتاب الذين بين ظهرانيهم والذين وردت القصة في أسفارهم بإسهاب على ما شرحناه في مناسبات سابقة.