← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) . (١) غورا: غائرا في الأرض فينقطع عن النبع والجريان. (٢) معين: لا ينضب أو جار ظاهر على وجه الأرض. في هذه الآيات أمر للنبي ﷺ بتوجيه سؤال استنكاري للكفار عما إذا كان يستطيع أحد أن يجيرهم من عذاب الله وبلائه الشديد إن مات النبي ﷺ ومن معه قبل نزوله عليهم أو رحمهم حين نزوله. وعمن يستطيع أن يأتيهم بالماء الدائم الظاهر إذا ما أصبح ماؤهم غائرا في الأرض. وأمر له أيضا بإعلان إيمانه وإيمان من معه إيمانا مطلقا بالله وتوكلهم عليه وحده وبإنذار الكفار بأنهم لن يلبثوا حتى يعرفوا من الفريقين المهتدي ومن هو المرتكس في الضلالة. والآيات متصلة أيضا بما سبقها سياقا وموضوعا. وفيها توكيد لما تلهمه الآيات [٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦] من الموقف الحجاجي الوجاهي الذي قام بين النبي ﷺ والكفار والتعقيب عليه كما هو المتبادر. وقد جاءت خاتمة لهذا الموقف أو التعقيب وخاتمة للسورة في الوقت ذاته. ولقد قال بعض المفسرين «١» إن الآية الأولى تضمنت ردّا على الكفار الذين كانوا يتربّصون بموت النبي ﷺ ويتمنونه حتى يخلصوا منه وهو ما حكته إحدى آيات سورة الطور السابقة. وقد لا يخلو القول من وجاهة. ولكن التأويل الذي أوّلناها به هو الذي تبادر لنا أنه الأوجه. والله أعلم.

стр. 2627

سورة الحاقة في السورة إنذار للكفار بعذاب الله. وتذكير بما حلّ بأمثالهم الأولين. ووصف لهول يوم القيامة. ومصائر المؤمنين والكفّار فيه. وتوكيد قوي بصحة صلة النبي ﷺ بالوحي الرباني وصدور القرآن عنه. ونفي الافتراء والشعر والكهانة عنه. وآياتها متوازنة مقفاة ومترابطة مما يسوّغ القول إنها نزلت دفعة واحدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) . (١) الحاقّة: الحادثة التي يحق فيها الموعود من عذاب الله. (٢) وما أدراك: ما هنا موصولة والجملة في صدد لفت النظر إلى خطورة الحاقة. (٣) القارعة: مشتقة من القرع بمعنى الطرق. وهي كناية عن يوم القيامة حيث تقرع الآذان من شدّة هولها.

стр. 2628

(٤) الطاغية: كناية عن البلاء الطاغي الشديد الذي حلّ بمنازل ثمود. (٥) صرصر: شديد البرد أو شديد الصوت والدويّ. (٦) عاتية: من العتوّ وهي صفة بمعنى الشدّة التي لا يمكن منعها. (٧) حسوما: من الحسم بمعنى القطع. والكلمة بمعنى مستأصلة قاطعة. (٨) صرعى: مصروعين أو مطروحين على الأرض هلكى. (٩) أعجاز النخل: قرامي شجر النخل وأصولها. (١٠) خاوية: فارغة أو مهدمة. (١١) المؤتفكات: المخسوفات. وجمهور المفسرين على أنها قرى قوم لوط. (١٢) رابية: زائدة. والقصد وصفها بالشدّة الزائدة على المعتاد. (١٣) الجارية: السفينة والفلك. الآيات الثلاث الأولى في صدد التنبيه على ما في بلاء الله حينما يحقّ ويحلّ في قوم من الأقوام من هول. وقد استعمل نفس الأسلوب في مطلع سورة القارعة في نفس المعنى. وقد قال المفسرون إن الحاقة كناية عن يوم القيامة. غير أن التذكير بما حلّ من عذاب دنيوي في الأقوام الأولين في الآيات التي تلت هذه الآيات الثلاث يلهم أن القصد من الحاقة التنبيه على بلاء الله وعذابه مطلقا. ويمكن أن يشمل عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما. وفي الآيات التي تبعت الآيات الثلاث: ١- إشارات تذكيرية مقتضبة إلى ما حلّ من عذاب رباني بالأمم السابقة: فقد كذبت ثمود وعاد بيوم القيامة فأهلك الأولين ببلاء طاغ شديد وأهلك الآخرين بريح قويّة شديدة سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة قطّعتهم تقطيعا مستأصلا حتى صاروا صرعى مطروحين على الأرض كأنما هم قرامي النخل الخاوية المهدمة دون أن يبقى منهم بقية كما يعرف ذلك السامعون. ٢- وقد اقترف فرعون وأقوام من قبله وأهل المؤتفكات الخطيئات والآثام

стр. 2629

وعصوا رسل الله فأخذهم الله أخذا شديدا مهلكا أيضا. ٣- وحينما فاض الماء وطغى وملأ الآفاق حمل الله السامعين في السفينة لتكون الحادثة مذكرة واعظة لا تبرح الأذهان. والمتبادر أن الآيتين الأخيرتين تشيران إلى حادثة طوفان نوح وسفينته. وأن توجيه الكلام للسامعين بضمير الجمع المخاطب هو من باب ما للحادثة من صلة بهم عن طريق الأجداد الأولين الذين أنجاهم الله على السفينة وهم نوح وأهله كما ورد بعبارة أوضح في مواضع أخرى من القرآن ومنها آية سورة الصافات هذه وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ وضمير الجمع المخاطب قد ينطوي على قرينة على كون السامعين يعرفون الحادثة، ويعرفون صلتهم بنوح وأبنائه الذين نجوا على السفينة. والمتبادر كذلك أن الآيات قد استهدفت تذكير كفار العرب بما كان من تكذيب الأقوام السابقين لرسلهم وما اقترفوه من آثام وما كان من انصباب بلاء الله المتنوع عليهم. وتنبيههم إلى ما يجب عليهم من الاعتبار والاتعاظ. وإنذارهم بما يمكن أن يصيبهم من عذاب وبلاء مثل أمثالهم الأولين. والأقوام المذكورة في الآيات وعذاب الله المسلّط عليهم قد ذكر في سور سابقة. واستمرار التذكير بذلك مرة بعد مرة بأساليب متنوعة متصل بالهدف الإنذاري الذي تستهدفه القصص القرآنية وبتجدد وتنوع المواقف الإنذارية ومحلها على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ٣٧] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧) .

стр. 2630

(١) الواقعة: كناية عن قيام القيامة. (٢) واهية: متداعية. (٣) الملك: الملائكة. (٤) أرجائها: أطرافها أو جوانبها. (٥) ظننت: هنا بمعنى علمت وتيقنت. (٦) دانية: قريبة للمتناول. (٧) أسلفتم: قدمتم. (٨) الأيام الخالية: كناية عن الدنيا. (٩) هلك عني سلطانيه: ضاع سلطاني وفقدت قوّتي أو فقدت حجتي وبرهاني. (١٠) فغلّوه: قيّدوه بالأغلال. (١١) صلّوه: أدخلوه النار يصلى بها. (١٢) حميم: صديق. (١٣) غسلين: الصديد. هذه الآيات احتوت وصف الحالة في يوم القيامة: فحينما يحين الحين وينفخ في الصور وتحمل الأرض والجبال فتندكّ

стр. 2631

وتنهار، وتتشقق السماء وتتداعى تكون الواقعة قد وقعت والقيامة قد قامت. وإذ ذاك يحدق الملائكة بجميع الأرجاء والجوانب. ويتجلّى الله على عرشه المحمول من قبل ثمانية من ملائكته فوق الكون والخلق. ويعرض الناس عليه دون أن تخفى منهم عنه خافية. ويكون قضاء الله فيهم حيث يكونون فريقين. فريقا يعطى كتابه بيمينه فيبتهج ويسرّ بما كان عليه من يقين بالله ولقائه وحسابه ويدخل الجنة ليتمتع فيها بالعيشة الراضية والقطوف الدانية. ويقال له كل واشرب هنيئا فهذا جزاء ما قدمت من صالح العمل في الدنيا. وفريقا يعطى كتابه بشماله فيعتريه الرعب ويستشعر بالندم والحسرة ويتمنّى لو لم يبعث ولم يحاسب، ويعول قائلا إن ماله لم يغن عنه شيئا. وسلطانه أو حجته قد غابت عنه ويؤمر الموكلون بالعذاب بأخذه وغلّ يديه وطرحه في جهنّم وربطه بسلسلة طولها سبعون ذراعا، لأنه لم يؤمن بالله العظيم ولم يكن يحضّ على طعام المسكين، ولن يجد له حينئذ صديقا حميما ولا ناصرا معينا، ولن يكون له طعام إلّا الصديد المعدّ للآثمين أمثاله. والصلة بين هذه الآيات وسابقاتها قائمة في هدف التذكير والإنذار. فكما أهلك الله المكذّبين الكافرين الأوّلين بأنواع البلاء في الدنيا فقد أعدّ لهم أنواع العذاب في الآخرة. وشأن كفار العرب شأن الكفار السابقين ومصيرهم هو نفس المصير. وقد ذكر مصير المؤمنين الصالحين في سياق ذكر مصير الكفار للمقابلة والتنويه جريا على الأسلوب القرآني. والآيات الأولى قد استهدفت- كما هو المتبادر بالإضافة إلى حقيقة المشاهد الأخروية التي يجب الإيمان بها- تصوير شدّة هول القيامة للتذكير والإنذار. وقد جاء وصف مصير المؤمنين أخاذا من شأنه أن يبعث الطمأنينة والاستبشار والرغبة في العمل الصالح في المؤمنين كما جاء وصف مصير الكفار مفزعا يثير الخوف ويحمل على الارعواء، وهذا وذاك مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا. ولقد استعيرت المألوفات الدنيوية في وصف مصير الفريقين جريا على النظم

стр. 2632

القرآني وتحقيقا لهدف التأثير في السامعين على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة عديدة. ولقد نبهنا قبل على ما تعنيه عبارات إيتاء كتب الأعمال في الآخرة من اليمين والشمال في مناسبة سابقة فلا ضرورة للتكرار. ولقد روى الطبري عن بعض التابعين أن كل ذراع من أذرع السلسلة سبعون باعا وكل باع أبعد مما بين مكة والكوفة وأن معنى فَاسْلُكُوهُ هو إدخال السلسلة في فيه حتى تخرج من دبره أو في دبره حتى تخرج من منخريه. وفي كتب التفسير الأخرى روايات وأقوال مماثلة بدون سند وثيق. ومهما يكن من أمرها فهي من باب الترهيب وإثارة الخوف في نفوس الكفار. ولقد أورد المفسرون في سياق الآية [١٧] أحاديث وروايات عن حملة العرش. ولقد أوردوا مثل ذلك في سياق الآية [٧] من سورة غافر التي تذكر حمل الملائكة لعرش الله تعالى. وقد أوردناه في سياق تفسيرها وعلقنا عليه كما علقنا على موضوع الملائكة بصورة عامة في سياق تفسير سورة المدثر بما يغني عن الإعادة والزيادة. تعليق على تخصيص الحضّ على طعام المسكين في الآية [٣٤] ومن تحصيل الحاصل أن يقال إنه لم يقصد من عدم الحضّ على طعام المسكين حصر البرّ في إطعام المسكين والإثم في عدمه. غير أن ذلك ينطوي- من دون ريب- على تلقين قرآني مستمرّ المدى في صدد هذا العمل والحثّ عليه واعتباره من أعظم أعمال البرّ الاجتماعية وبخاصة في البيئات التي تكون الحاجة فيها شديدة وملحّة. [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٣٨ الى ٥٢] فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) .

стр. 2633

(١) تبصرون وما لا تبصرون: قيل إنها بمعنى الدنيا التي ترونها والآخرة التي لا ترونها. وقيل بمعنى ما ترون وما لا ترون من المشهودات والمغيبات في الدنيا والآخرة. (٢) رسول كريم: كناية عن النبي محمد ﷺ . (٣) لو تقوّل علينا بعض الأقاويل: لو افترى علينا بقول ما. (٤) لأخذنا منه باليمين: لانقضضنا عليه بقوّتنا. (٥) الوتين: وريد القلب. (٦) حاجزين: مانعين. في هذه الآيات قسم رباني بما يراه السامعون وما لا يرونه من مشاهد الكون وأسراره ومن المشهودات والمغيبات في الدنيا والآخرة في معرض التوكيد بصحة رسالة النبي وصدق قوله وتبليغه: فهو رسول كريم على الله. وليس هو شاعرا ولا كاهنا. وإن هذا ليبدو حقا واضحا ساطعا لكل من تدبر في الأمر وتروّى فيما يسمعه من الأقوال وكان قلبه نقيا من الخبث مستعدا للتسليم بالحقيقة راغبا في الهدى والحق. لأن ما يقوله يعلو كل العلوّ عن متناول الشعراء والكهان وخاصة في الأهداف والجوهر والمدى. وهو تذكرة وموعظة ينتفع بهما ذوو القلوب النقيّة والرغبة الصالحة والمتّقون لغضب الله الراغبون في رضائه. وهو حقّ اليقين الذي لا يمكن أن يشوبه باطل. وهو تنزيل من الله ربّ العالمين. وإن الله لقادر على البطش به وإهلاكه لو اخترع بعض الآيات ونسبها إليه افتراء دون أن يقدر أحد على إنقاذه منه. وإن الله ليعلم أنه سيكون من الناس من يكذّبونه. ولكن هؤلاء سيندمون ويتحسّرون على تكذيبهم وجحودهم.

стр. 2634

وانتهت الآيات بأمر موجّه إلى النبي بالتسبيح باسم ربّه العظيم مما ينطوي فيه تسلية وتثبيت بعد هذا التأييد الرباني العظيم من جهة وبعد تقرير طبيعة وجود المكذبين له. والآيات متصلة بسابقاتها كما هو المتبادر من حيث توكيد صدق ما يتلوه النبي من الآيات التي فيها تقرير مصائر الكفار والمؤمنين. وهي قوية رائعة في تنديدها وفي إنذارها وفي توكيدها وفي نفيها وفي تثبيتها من شأنها أن تبعث أعظم شعور الثقة في نفس النبي والمؤمنين بل والسامعين إطلاقا إذا تجرّدوا عن العناد والمكابرة والهوى والحقد في صدق صلة النبي بالوحي الربانيّ وصدور القرآن عنه. ويبدو على الآية الأخيرة طابع الختام الذي اختتمت بمثله سور عديدة. ويتبادر من ذكر قطع الوتين الذي قال المفسرون إنه عرق يكون في القلب أن السامعين يعرفون أن قطعه مما يودي بحياة الإنسان فورا. ولقد سبقت حكاية أقوال الكفار بأن النبي ﷺ شاعر وكاهن. وعلّقنا على ذلك بما يغني عن التكرار.

стр. 2635

سورة المعارج في السورة توكيد بوقوع عذاب الله الموعود. وتذكير بعظمة المشاهد السماوية ووصف لهول يوم القيامة وما تكون عليه حالة الكفار فيه. وتقرير لبعض طبائع الإنسان السيئة واستثناء المؤمنين المصلّين الذين يخافون الله والآخرة على اعتبار أن ذلك يحسّن هذه الطبائع ويحفّز على الخير والبرّ والعدل والحق والعفاف. وصورة من صور الهزء التي كانت تبدو من الكفّار نحو النبي، وتسلية للنبي وتنديد بالكفار بسببها. وآيات السورة متوازنة منسجمة مما يسوغ القول بنزولها دفعة واحدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) . (١) سأل: قيل إنها بمعنى دعا وقيل إنها بمعنى السؤال العادي. (٢) المعارج: جمع معراج وهو ما يصعد عليه إلى أعلى. وهي كناية عن السموات على ما روي عن ابن عباس. وهناك من قال إنها بمعنى ذي الفضل والنعم. في الآيات: إشارة إلى سؤال سائل عن عذاب الله الموعود وموعد وقوعه

стр. 2636

ومحلّه. وتوكيد بوقوعه على الكافرين دون أن يستطيع أحد دفعه عنهم من الله ربّ السموات الذي يصعد إليه فيها الملائكة والروح في يوم طوله خمسون ألف سنة من أيام الدنيا. وأمر للنبي بالصبر والثبات وعدم الاغتمام وتطمين له: فإذا كان الكفار يرون ذلك العذاب ويوم موعده بعيدا فهو عند الله قريب. والآية الأولى تحتمل أن يكون السؤال وقع فنزلت الآيات بمناسبته كما تحتمل أن تكون حكاية لما كان يتكرّر وقوعه من الكفار من استعجال العذاب أو التساؤل عن موعده على سبيل الإنكار والتحدّي والاستهتار على ما حكته عنهم آيات عديدة مرّت أمثلة منها. وقد احتوت الآيات ردّا تضمّن التوكيد والتنديد والبرهان المستمد من المحسوس وبخاصّة المستند إلى ما هو قائم في مشاهد الكون من عظمة الله وقدرته. بحيث لا يصح في العقل أن يستبعد عليه شيء. ووجود الله سبحانه وعظمته وشمول قدرته وحكمه مما كان يعترف به السامعون على ما مرّت الشواهد القرآنية العديدة عليه فتكون الحجّة هنا مستحكمة فيهم. تعليق على رواية شيعية في سبب نزول هذه الآيات ولقد روى المفسر الشيعيّ الطبرسي عن جعفر بن محمد أحد الأئمة الاثني عشر رواية في سبب نزول هذه الآيات جاء فيها: «لما نصّب رسول الله ﷺ عليا يوم غدير خمّ وقال من كنت مولاه فعليّ مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي ﷺ النعمان بن الحرث الفهري فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصّبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟ فقال والله الذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله. فولّى النعمان بن الحرث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ وسورة كالمعارج مكيّة بدون خلاف. والحديث المرويّ عن النبي ﷺ يوم غدير خمّ صدر

стр. 2637

عنه حسب الروايات بعد رجوعه من حجّة الوداع أي قبيل وفاته. أو بعد رجوعه من فتح مكة أي في السنة الهجريّة الثامنة. وجملة «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلخ ... » آية في سورة الأنفال المدنيّة تحكي في سياقها أقوال مشركي مكّة في العهد المكيّ. والآيات التي بعدها تردّ عليهم. وعلي بن أبي طالب (رض) لم يعد يوم الحديث المروي غلاما فإنه جاوز الثلاثين سنين عديدة. حيث يبدو من ذلك غرابة الرواية وكونها من نوع مرويات الشيعة العديدة التي يروونها في سياق التفسير لتأييد هواهم. تعليق على جملة تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يروي المفسرون أقوالا عديدة ومنسوبة إلى بعض أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم في صدد هذه الجملة «١» . فمنها في صدد وَالرُّوحُ أنها تعني جبريل ﵇ الذي يرجّح أنها عنته في آيات في سور أخرى سبق تفسير بعضها مثل سورتي النحل والشعراء. ومنها أنها تعني أرواح الناس حينما تنقضي آجالهم مما ذكر في حديث رويناه في سياق بعض آيات سورة إبراهيم التي سبق تفسيرها. ولقد ذكر الروح مع الملائكة في سورة القدر بأسلوب يدلّ على أنه رئيس الملائكة ويكون على رأسهم في نزولهم إلى الأرض كما ذكرت في مثل هذا المقام أو بعبارة أخرى في قيام الملائكة والروح صفّا أمام الله يوم القيامة في إحدى آيات سورة النبأ التي يأتي تفسيرها بعد قليل حيث يسوّغ الترجيح أنها هنا من هذا الباب. ومنها في صدد خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أن الرقم هو المسافة التي بين تخوم الأرض إلى فوق السموات السبع حسب أيام الدنيا يقطعها الملائكة والروح في يوم واحد. ومنها أنها بمعنى أنه لو صعد غير الملائكة من منتهى أمر الله في أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله من فوق السماء السابعة لما صعد في أقل من خمسين سنة والملائكة يقطعونها في ساعة واحدة. ومنها أن الرقم هو يوم القيامة ومنها أنه مدة

стр. 2638

الدنيا. وقد حاول المفسرون الذين رووا القولين الأولين التوفيق بين هذا الرقم وبين ما جاء في سورة السجدة التي مرّ تفسيرها في هذا الجزء فقالوا إن يوم سورة السجدة هو من الأرض الأولى إلى السماء الأولى في حين أن يوم المعارج من تخوم الأرض السابعة إلى ما فوق السماء السابعة. ولقد أورد ابن كثير بسبيل تأييد كون اليوم هو يوم القيامة حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: «قيل لرسول الله ﷺ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا» . ومع أن المفسر عقّب على هذا الحديث قائلا إن شخصين من رواته ضعيفان فإنه أورد حديثا آخر رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا عن أبي هريرة جاء فيه: «قال النبي ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنّم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلّما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإما إلى النار» «١» . هذا في حين أن فحوى الآيات يتّسق مع القولين الأوّلين أكثر وأن المتبادر من هذا الفحوى هو بيان كون المسافات الشاسعة الهائلة التي يستعظمها الناس مثل ما بين الأرضين والسموات ليست شيئا بالنسبة لقدرة الله تعالى. ولسنا نرى تعارضا بين هذا وبين ما جاء في الحديث الصحيح في الوقت نفسه حيث يبدو منه أن القصد هو بيان كون يوم القيامة طويلا جدا على الناس حتى لكأنه خمسون ألف عام مما يعدونه من أيامهم. ومهما يكن من أمر فالخبر الذي احتوته الجملة القرآنية من المغيبات المتصلة بسرّ الله وملائكته. ومن الواجب الوقوف عنده موقف التصديق دون التخمين مع واجب تنزيه الله تعالى عن المكان والحدود الجسمانية ومع واجب الإيمان بأنه لا

стр. 2639

بدّ من أن يكون لورود الجملة بالأسلوب الذي وردت به حكمة سامية. وقد يكون من هذه الحكمة على ضوء الآيتين الأخيرتين [٦ و ٧] أنها بسبيل الردّ على الكفار الذين يستعجلون العذاب استهتارا أو تحدّيا ويسألون هازئين عن سبب تأخيره بأن ما يظنونه بعيدا هو عند الله تعالى قريب وإن اليوم عنده ليعدل خمسين ألف سنة من سنيهم. والله أعلم. [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٨ الى ١٨] يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) . (١) المهل: عكر الزيت. (٢) العهن: الصوف. (٣) يبصرونهم: بمعنى يرونهم أو يعرفونهم والضمير راجع إلى الأصدقاء الحميمين أو الأقارب المذكورين في الآيات. (٤) صاحبته: كناية عن الزوجة. (٥) فصيلته: أسرته الخاصة، مثل عشيرته. (٦) تؤويه: تضمه أو تجيره. (٧) لظى: متقدة أو شديدة الالتهاب. (٨) نزاعة للشوى: قرئت نزاعة بالضم وبالفتح. وفي حالة الضم تكون خبر (لأنها) وفي حالة الفتح تكون حالا أو ظرفا أو مفعولا لفعل مقدر وهو (أعنيها) والشوى جمع شواة وهي بشرة الجسم أو أطراف الجسم غير المقاتلة، والجملة تعني أن النار تنزع من شدّتها بشرة الجسم أو أطرافه. (٩) أوعى: كنز وادّخر.

стр. 2640

وفي هذه الآيات إشارة إلى عذاب الله الموعود الذي أكّدت الآيات السابقة وقوعه وقربه: ففي ذلك اليوم تكون السماء كعكر الزيت قتاما أو ميوعة والجبال كالصوف ليونة وتناثرا ومع أنهم يرى بعضهم بعضا ويتعرف بعضهم على بعض فإن كلا منهم مشغول بنفسه لا يستطيع أن يسأل نصرا من صديق أو عونا من قريب ولا يمكن أن يجاب. ويكون هول العذاب الشديد على المجرمين حتى ليتمنى الواحد منهم لو فدى نفسه بكل عزيز عليه من أولاده وزوجته وأخيه وعشيرته وكل من في الأرض ليتمكن من النجاة. ولكن لا نجاة. فقد أعدّت جهنّم الشديدة الاتقاد لكل من أدبر وأعرض عن سماع آيات الله والاستجابة إلى الدعوة إليه وكان كل همّه جمع المال وكنزه لتنزع أطرافهم وتشوى بشراتهم دون أن يقضى عليهم بالموت ليظلوا يقاسون هول العذاب. والآيات كما هو واضح متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وفيها تأييد لما قلناه في سياق الآيات السابقة وكونها للإنذار والتأكيد بوقوع العذاب الموعود وقربه. وقد تضمنت وصفا مرعبا من شأنه إثارة الخوف والهلع في الكفار وهو مما استهدفته الآيات هنا كما استهدفته الآيات السابقة والمماثلة بالإضافة إلى المقصد الأخروي الواجب الإيمان به. ولقد روى الترمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ حديثا فيه تفسير للمهل قال: «إنه كعكر الزيت إذا قرّب إلى الوجه سقطت فروته من شدّة حرارته» «١» . تعليق على اختصاص جمع المال وكنزه بالتنديد وكما قلنا في صدد اختصاص عدم الحضّ على طعام المسكين في الآيات السابقة نقول هنا في صدد اختصاص جمع المال وكنزه بالتنديد من حيث إنه ليس من قبيل الحصر. ولكنه ينطوي على تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد تقبيح كنز المال والشحّ به عن سبل البرّ والخير ومساعدة المحتاجين.

стр. 2641

[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) . (١) هلوعا: سريع التأثر والتّهيج مما يلمّ به أو سريع الضجر والتبرّم. (٢) جزوعا: شديد الخوف والاضطراب. في الآيات الثلاث الأولى إشارة إلى ما انطبع عليه الإنسان من أنانية وحرص وسرعة تأثر: فهو سريع التهيج مما يلمّ به. وهو أناني لا يفكر إلّا في نفسه فإذا أصابه شرّ جزع واضطرب وإذا انفرجت أموره ونال خيرا أمسك وبخل. والآيات التالية استثنت من ذلك المصلّين المداومين على الصلاة: فهؤلاء يعرفون ما عليهم في أموالهم من حقّ واجب للسائل والمحروم. ويؤمنون باليوم الآخر. ويخافون من عذاب ربهم الجدير بالخشية. ويرعون ما يقطعونه من عهد. ويلتزمون في صلاتهم الجنسية مجالهم المشروع من زوجات وملك يمين حافظين فروجهم عن غير هذا المجال، لأن الذين يتجاوزونه يكونون معتدين. ويحتفظون بما اؤتمنوا عليه من أمانات. ويؤدون ما عندهم من شهادات على وجهها الحقّ. ويحافظون على صلاتهم في أوقاتها. فلهؤلاء عند الله التكريم في الجنات. تعليق على الآيات إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إلى الآية ٢٥ وما ينطوي فيها من تلقينات والآيات متصلة بسابقاتها. والمناسبة قائمة خاصة بينها وبين الآية الأخيرة السابقة لها مباشرة. وقد انطوت على تقرير أثر الإيمان وعبادة الله في نفس الإنسان

стр. 2642

واتجاهه وسلوكه، وتقويم ما في طبيعته من أنانية وجزع من الشر ومنع للخير. وهي من روائع المجموعات القرآنية المنطوية على جليل التلقينات الأخلاقية والاجتماعية المستمرة المدى. واختصاص المصلّين بالذكر في الاستثناء وتكرار التنويه بالدوام على الصلاة والمحافظة عليها في أول المجموعة وآخرها آت- كما هو المتبادر- من كون الصلاة هي مظهر رئيسي من مظاهر الإيمان بالله أولا ووسيلة مستمرة للتذكير بالله وأوامره التي فيها كل خير ونواهيه التي تنهى عن كل شرّ ثانيا. وهذا مما يجعل المصلّي يندفع في عمل الحق والعدل والخير ويمتنع عن الإثم والفواحش. وعلى هذا فإذا صدر من مصلّ آثام ومنكرات وتغلبت فيه الأنانية والجزع والبخل والمنع فلا يكون في الحقيقة مصليا لأن صلاته لا تكون صادرة عن إيمان صحيح فلا تفيد في تصفية روحه وتنقية قلبه على ما شرحناه في سياق تفسير سورة لعلق شرحا يغني عن التكرار. ومع أن الآيات انطوت كما قلنا على تقرير أثر الصلاة في المصلي الصادق فإن من الممكن أن يكون فيها أيضا صورة لما كان عليه المؤمنون الأولون في العهد المكي من أخلاق وما كان للصلاة والإيمان فيهم من أثر عظيم مما احتوت تقريره آيات عديدة في سور عديدة على ما ذكرناه في سياق الآيات الأولى من سورة (المؤمنون) . وإذا صح هذا- ونرجو ذلك- فإن في الآيتين وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ قرينة على أن الزكاة كانت مفروضة على المؤمنين ومعينة المقدار. ولقد روى الطبري عن مجاهد والشعبي وغيرهما من علماء التابعين أن جملة وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ تعني غير الزكاة أيضا. ومع أن هناك آيات عديدة حثّت على التصدّق بصورة عامة بحيث يدخل في ذلك الصدقات التطوعية فإنّ المتبادر من روح العبارة هو كما قلنا قصد المقدار المحدد

стр. 2643

المستوجب على الأموال باسم الزكاة في الدرجة الأولى. ولقد روى البخاري حديثا جاء فيه: «أتي النبيّ مالا فأعطى قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا فقال إني أعطي الرجل وأدع الرجل. والذي أدع أحب إليّ من الذي أعطي. أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع. وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير. منهم عمرو بن تغلب فقال عمرو ما أحبّ أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم» «١» . حيث ينطوي في الحديث معالجة نبوية نفسانية لمختلف فئات المسلمين تورد على هامش بعض ما جاء في هذه الآيات. وفيها تلقين رفيع نفساني للمسلمين وبخاصة لأولي الأمر منهم. تعليق على مدى الآية وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ والآية كما هو المتبادر تعتبر القيام بالشهادة من صفات المؤمنين الصادقين وتنوّه بمن يفعل ذلك. وهناك آيات فيها حثّ على ذلك منها آية سورة النساء هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [١٣٥] وآية سورة المائدة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨] وآية سورة الأنعام هذه وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [١٥٢] وآية سورة الطلاق هذه وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [٢] وهناك نهي عن كتمان الشهادة وإنذار لكاتميها كما هو في آية البقرة هذه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [٢٨٣] ونهي عن مضارة الشهداء كما هو في آية البقرة

стр. 2644

هذه وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [٢٨٢] ونهي للشهداء عن عدم الشهادة كما هو في آية البقرة هذه وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [٢٨٢] حيث يبدو من هذا مدى عناية حكمة التنزيل بهذا الأمر الذي فيه إحقاق للحقّ وتوطيد للعدل وضمان لطمأنينة الناس على حقوقهم المتنوعة. وهناك أحاديث نبويّة عديدة متساوقة مع التلقين القرآني وفي بعضها تحذير من شهادة الزور وتعظيم لإثمها. منها حديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» «١» وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن خريم بن فاتك قال: «صلّى النبيّ ﷺ صلاة الصبح فلمّا انصرف قام قائما فقال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ... [الحج: ٣٠- ٣١] » «٢» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور. قال فما زال يقولها حتى قلنا ليته سكت» «٣» وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار» «٤» . [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٤] فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) .

стр. 2645

(١) مهطعين: مسرعين ومقبلين. (٢) عزين: جماعات جماعات. (٣) ربّ المشارق والمغارب: جمهور المفسرين على أن العبارة تعني مطالع الشمس والقمر ومغاربهما. وبعضهم قال إن الجمع بسبب تغير هذه المطالع والمغارب يوميا بالنسبة للقمر في كل شهر وبالنسبة للشمس في كل سنة. (٤) مسبوقين: هنا بمعنى عاجزين أو مقصرين عن اللحاق بهم. والكلمة في صدد تعبير السبق. فالمسبوق في المباراة يكون عاجزا أو مقصرا. (٥) نصب: مفرد الأنصاب. وهو ما ينصب للعبادة. ويمكن أن تعني الأصنام. (٦) يوفضون: يسرعون. في الآيات: ١- سؤال فيه معنى الإنكار والتنديد عما يريده الكفار من إسراعهم نحو النبي ووقوفهم جماعات جماعات عن يمينه وشماله وعمّا إذا كانوا يطمعون أن يدخلوا الجنة. ٢- ونفي جازم لذلك. ٣- وتقرير وقسم يتضمنان معنى الإنذار بأن الله الذي خلقهم مما يعرفون قادر على إهلاكهم متى شاء واستبدالهم بخير منهم وليس هو عاجزا عنه ولن يستطيعوا الإفلات منه. ٤- وأمر للنبي ﷺ بأن لا يعبأ بهم وأن يدعهم في خوضهم ولهوهم إلى أن يلقوا اليوم الذي يوعدون وينالهم العذاب المعدّ لهم فيه، ففي ذلك اليوم يخرجون

стр. 2646

من قبورهم مسرعين كأنهم متجهون نحو نصب لهم وتكون أبصارهم خاشعة ويكون الذلّ والهوان قد استحوذا عليهم. والآيات متصلة بالآيات التي سبقت فصل المصلين كأنما جاء هذا الفصل للاستدراك ثم عاد الكلام فاتصل في صدد الكفار. وروح الآيات عامة والآية [٤٢] بخاصة تلهم أن ما حكته الآيتان [٣٦ و ٣٧] من التفاف الكفار حول النبي يمينا وشمالا كان من قبيل إقبال الساخر المستخفّ. ولذلك انطوت الآيات على التنديد والإنذار والوعيد والتذكير بقدرة الله على تنفيذ وعيده من جهة وانطوت على تسليته للنبي وتطمين له من جهة أخرى. وهكذا تكون الآيتان [٣٦ و ٣٧] احتوتا صورة من صور الخبث والمكر والاستخفاف التي كانت تصدر عن الكفار نحو النبي ﷺ في بعض مواقف وعظه وإرشاده وتلاوته للقرآن حيث كانوا ينظرون إليه نظر الهازئ المنكر ويقفون حوله جماعات جماعات مادّين بأعناقهم إليه وقوف الساخر الجاحد. والتنديد والإنذار اللذان تضمنتهما الآيات قويان لاذعان ومتناسبان مع الصورة الخبيثة التي انطوت فيهما. وقد جاءت الآيات خاتمة للسورة. والآية الأخيرة مما ختم بما يماثله بعض السور الأخرى أيضا.

стр. 2647

سورة النّبإ في السورة استنكار لما يبدو من الكفار من استعظام خبر البعث والجزاء الأخرويين وتوكيد بوقوعهما وتدليل على قدرة الله عليهما بمشاهد كون الله وعظمته ونواميسه. وإنذار بأهوال القيامة ومشاهدها ووصف قوي لمصائر الكفار والمؤمنين فيها. وآياتها منسجمة متوازنة مما يسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) . (١) أزواجا: أصنافا. (٢) المعصرات: الرياح في قول والسحب في قول آخر. والثاني هو الأوجه الذي تؤيده العبارة. (٣) ثجّاجا: مدرارا شديد الانصباب. (٤) ألفافا: متكاثفة ملتفة على بعضها.

стр. 2648

في هذه الآيات: ١- سؤال عمّا يتساءل الناس عن صحته من الخبر العظيم العجيب واختلافهم في شأنه. ٢- وتوكيد قوي بأن المتسائلين لا بدّ من أن يروه حقيقة ويعلموا صحته. ٣- وسؤال في معنى التدليل على قدرة الله على ذلك في تقرير مشاهد عظمة الله في كونه ونواميسه. فهو الذي جعل الأرض ممهدة صالحة للسير والاستقرار. وأقام فوقها رواسي الجبال كالأوتاد. وخلق الخلق أصنافا. وجعل النوم انقطاعا عن الحركة، والليل ظرفا للراحة والسكون، والنهار للسعي والحركة والارتزاق. وبنى فوق الأرض سبع سموات عظمى. وجعل فيها سراجا شديد الحرارة والنور. وأنزل من السحب الماء المدرار فأخرج به الحبّ والنبات وجنّات الأشجار المتكاثفة. وروح الآيات تلهم أن الضمير في يَتَساءَلُونَ ومُخْتَلِفُونَ وسَيَعْلَمُونَ عائد إلى الكفار. وقد قال المفسرون إن النبأ العظيم يمكن أن يكون البعث والحساب ويمكن أن يكون أمر النبوّة. ويمكن أن يكون القرآن. بل ذكر البغوي عزوا إلى مجاهد أن الأكثرين على أنه القرآن. وقد رجّح ابن كثير أنه يوم القيامة. والأقوال الثلاثة واردة على كل حال وإن كنّا نميل إلى ترجيح القول الأول وقد يكون في الآيات التالية تأييد لهذا الترجيح. وأسلوب الآيات التي تعدد مشاهد الكون ونعم الله التي يتمتع بها الناس موجّه إلى كل فئة وقوي نافذ لأنه متّصل بمشاهداتهم وما يتمتعون به. ويلهم في الوقت نفسه أن السامعين ومنهم الكفار يعترفون بأن ما يرونه ويلمسونه ويتمتعون به هو من آثار قدرة الله تعالى وصنعته. ومن هنا يكون التدليل بها على قدرة الله على تحقيق النبأ العظيم الذي يتساءل عنه الكفار قويّا ملزما. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ٢٠] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠)

стр. 2649

في هذه الآيات: تنبيه على أن الموعد الذي عيّنه الله تعالى للقضاء بين الناس هو يوم الفصل. ففي ذلك اليوم ينفخ في الصور فيأتي الناس أفواجا من كل صوب. وتفتح السماء فتكون أبوابا عديدة. وتتقلقل الجبال وتسير عن أماكنها فتصبح كالسراب أثرا بعد عين. والآيات متصلة بسابقاتها. وفيها قرينة على أن البعث والحساب هما النبأ العظيم الذي حكى تساؤل الكفار عنه في الآيات السابقة. وقد احتوت وصف بعض مشاهد قيام القيامة وصفا متضمنا قصد تصوير هول ذلك اليوم مما تكرر في مواضع كثيرة من السور السابقة وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢١ الى ٣٠] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) . (١) مرصادا: مرصدا وهو المكان الذي ينتظر فيه. (٢) مآبا: مكان إياب أو مصيرا. (٣) غسّاقا: قيل إنه الصديد كالغسلين. وفي هذه الآيات وصف لمصير الكفار في ذلك اليوم الذين وصفوا بالطاغين للتدليل على كفرهم وبغيهم: فقد أعدّت جهنّم لتكون مأوى لهم ومرصدهم المنتظر. وسيلبثون فيها الأحقاب. ولن يذوقوا فيها شرابا يطفىء الغلة ولا بردا يذهب الحرارة. وليس فيها إلّا الماء الشديد الحرارة والغسّاق شرابا. وكل هذا جزاء عادل متناسب مع أعمالهم ومواقفهم فقد كذّبوا بآيات الله ولم يفكروا في

стр. 2650

العواقب ولم يقع في خاطرهم احتمال الحساب والعقاب في حين أن الله قد أحصى عليهم كل شيء كأنما هو مسجّل في كتاب. وسيقال لهم ذوقوا فليس لكم عندنا إلّا المزيد من هذا العذاب وهذه الآلام. والآيات متصلة بسابقاتها كما هو واضح. وقد استهدفت بالوصف المفزع الذي تضمنته فيما استهدفته إثارة الرعب والرهبة في قلوب الكفار وحملهم على الارعواء كما هو المتبادر. ولقد تعددت الأقوال المعزوّة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم عن مدى ما تعنيه كلمة الأحقاب ومن ذلك أن الحقب ثمانون عاما وأن العدد الذي يتّسع للجمع يصل إلى سبعمائة. مع حساب كون يوم الآخرة يعدل ألف سنة من سني الدنيا. وبعضهم قال إنها منسوخة بجملة فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً الواردة بعدهما وبعضهم قال إن الجملة تعني في حدّ ذاتها الخلود لأنها لم تعين للأحقاب حدا. وعلى كل حال فالتعبير القرآني أسلوبي بقصد بيان طول أمد العذاب إلى ما لا نهاية له. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٦] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) . (١) مفازا: فوزا ونجاة. (٢) كواعب: جمع كاعب وهي التي نهد ثديها وهذا من أوصاف المرأة المرغوبة. (٣) أترابا: خلانا ورفاقا والمقصد منها الزوجات. (٤) دهاقا: مترعة. والمتبادر أن القصد من ذلك المترعة بالشراب اللذيذ. (٥) لغوا ولا كذّابا: لا لغو فيها ولا كذب. في هذه الآيات وصف لمصير المتّقين في ذلك اليوم للمقابلة مع وصف

стр. 2651

مصير الكفار فلهم النجاة والفوز وسينزلون الجنات فيتمتعون بها بالفواكه والأعناب والنساء الكواعب والكؤوس اللذيذة. ولا يؤذي آذانهم لغو ولا كذب. وكل هذا جزاء لهم من الله وتوفية لحسابهم على ما قدموه من صالح الأعمال. والآيات متّصلة بسابقاتها كذلك. وقد استهدفت فيما استهدفته من الوصف المبهج الترغيب والتبشير وبعث الاغتباط والطمأنينة في قلوب المؤمنين. ويلفت النظر بخاصة إلى جملة جَزاءً وِفاقاً في الآيات السابقة وجملة جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً في هذه الآيات حيث تضمنتا تقريرا صريحا بأن ما يناله الناس من عقاب وثواب إنما هو جزاء لأعمالهم وكسبهم الاختياري. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٧ الى ٤٠] رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) . في هذه الآيات استمرار على وصف القيامة وهولها والإنذار بها: فالله الذي يوفي كلا من الطاغين والمتّقين حسابهم على أعمالهم هو ربّ السموات والأرض وما بينهما الذي من أبرز أسمائه الحسنى (الرّحمن) . والذين يأتون إليه أفواجا يوم القيامة يقفون خاشعين متهيبين. وكذلك الملائكة مع الروح يقومون صفوفا أمامه. ولا يملك في ذلك اليوم أحد حقّ الكلام والخطاب إلّا من أذن له الرّحمن وكان قوله عنده حقّا وصوابا. وذلك اليوم هو يوم الحقّ والقضاء العادل الحاسم، فمن أراد أن ينجو من هوله فعليه أن يجعل اتجاهه نحو الله وأن يسير في سبيله. وقد انتهت الآيات بتوجيه الخطاب للسامعين: فالله ينذرهم بعذابه ويخوفهم من ذلك اليوم الذي سيرى فيه كل امرئ جزاء ما قدمت يداه من خير وشر ويتمنى الكافر فيه أن لو كان ترابا حسرة وندامة وفزعا من المصير الرهيب الذي سوف يصير إليه.

стр. 2652

والآيات قوية نافذة تتضمن وصف عظمة الله وهيبته وتضع الناس أمام مصير واضح لا ينجو من هوله إلّا من آمن بالله وسار في سبيله. ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون «١» عن بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم في كلمة الروح منها ما هو غريب مثل كونها عنت بني آدم أو أرواحهم أو خلقا يخلقه الله مستأنفا. ومنها أنه ملك عظيم أعظم الملائكة خلقا وأعظم من السموات والجبال ومنها أنه جبريل ﵇. ولقد وردت في سورة القدر جملة قرينة للجملة التي وردت فيها الكلمة هنا وهي تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. ولقد انتهينا في التعليق إلى ترجيح كون جبريل ﵇ وكونه عظيم الملائكة وهو ما نرجحه هنا وتلهمه روح العبارة أيضا.

стр. 2653

سورة النّازعات في السورة توكيد رباني بتحقيق يوم البعث والحساب وما سوف يستولي على الكفار فيه من خوف وندم. وتذكير برسالة موسى إلى فرعون وموقف فرعون وما في ذلك من عبرة. وتدليل على قدرة الله على البعث والتنكيل بالكفار بما كان من مصير فرعون. وبمشاهد الكون وعظمة الله وبديع صنعه فيه. وتنديد بالكفار لشكهم في الآخرة وبيان إنذاري وتبشيري بمصير كل من المتقين والطاغين فيها. ونظم السورة وترابط آياتها يسوغان القول إنها نزلت دفعة واحدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) . (١) النازعات: من النزع. أي التي تنزع شيئا من آخر. (٢) غرقا: بمعنى الشدّة وبلوغ الغاية بها. (٣) الناشطات: المتحركات أو المخرجات أو الخارجات بسرعة وسهولة. (٤) الراجفة: التي تحدث الرجفان والاضطراب.

стр. 2654

(٥) الرادفة: التي تردف ما سبقها وتدعم. (٦) واجفة: مضطربة خائفة. (٧) الحافرة: الطريقة المعتادة المحفورة. (٨) الساهرة: الفلاة أو منبسط الأرض. تعددت الأقوال في معاني الآيات الأربع الأولى «١» . منها أنها الملائكة في قبضها الأرواح وسبحها بين السماء والأرض لتنفيذ أوامر الله وتسابقها لتدبير الأمور التي تعهد إليها. وقيل إنها صفات الأرواح حين تنزع من الأجساد فأرواح الكفار تنزع بشدّة بينما أرواح المؤمنين تخرج نشيطة مسرعة فتسبح في ملكوت الله وتتسابق إلى الحضرة الإلهية أو إلى مصائرها السعيدة. وقيل إنها صفات النجوم وحركاتها حيث تنزع من أفق إلى أفق وتطلع ثم تغيب وتغرق وتسبح في الفضاء ويسبق بعضها بعضا في السير. وهذه الأقوال تخمينية كما يبدو. والتعدد آت من إطلاق الصفات وعدم وجود أثر نبوي يحدد المدلولات تحديدا لا يبقى معه محل للتخمين. والمتبادر أن مدلولات هذه الأقسام كانت مفهومة في عهد النبي وأنها كانت ذات خطورة في الأذهان على أن الجملة الآتية الأخيرة أو الخامسة قد تساعد على القول أنها أوصاف الملائكة لأنهم الذين يمكن أن يكون منهم تدبير الأمر بأمر من الله تعالى والله أعلم. أما جواب القسم فهو على قول جمهور المفسرين محذوف مقدر بمعنى توكيد بعث الناس مرة أخرى. والآيات التالية قرائن قوية على ذلك أغنت عن ذكر الجواب. وهو ما تتحمله أساليب النظم العربي. وقد تكرر ذلك في النظم القرآني أيضا. وقد أعقب آيات القسم توكيد رباني بتحقيق وعد البعث وإشارة إلى بعض ظروفه ومشاهده وأقوال الكفار عند وقوعه: فسوف ترجف الأرض مرة تردفها رجفة أخرى حين حلول اليوم المعين. وسوف يستولي الرعب والاضطراب على

стр. 2655

قلوب كثيرة وتخشع أبصار أصحابها. وسوف يتساءل هؤلاء عما إذا كانوا حقا قد عادوا إلى الحياة مرة ثانية بعد أن كانوا عظاما بالية ويقولون إن هذا إذا كان حقا فإنها لعودة خاسرة. وقد تضمنت الآيتان الأخيرتان بيان سهولة البعث على الله، فالأمر لن يقتضي إلّا صرخة واحدة فلا يلبث الناس أن يروا أنفسهم في صعيد واحد في انتظار قضاء الله وحكمه. وواضح أن الآيات هي في صدد توكيد البعث والحساب ووصف هول يوم القيامة وأن الذين حكت اضطراب قلوبهم وخشوع أبصارهم وتساؤلهم وأقوالهم هم منكرو البعث. وقد تضمنت الآيات ردّا عليهم وإنذارا لهم. واستهدفت فيما استهدفته إثارة الخوف فيهم وحملهم على الارعواء بالإضافة إلى المشهد الأخروي الذي يجب الإيمان به وإيكال كنهه وسرّه إلى الله تعالى. ولقد تكررت حكاية تساؤل الكفار عن بعثهم بعد أن يكونوا عظاما نخرة وتكرر الردّ عليهم ووصف ما سوف يحلّ بهم بما يقارب ما جاء في هذه الآيات حيث كانت تتجدد المواقف فتقضي حكمة التنزيل بتجدد الحكاية والردّ استهدافا للهدف الذي نبهّنا عليه كما هو المتبادر. وبرغم ما في الآيات من صراحة قطعية إنها في صدد البعث الأخروي وإنذار الكفار فإن المفسّر الشيعي الكارزاني يروي عن المفسر الشيعي القمي عن الصادق ﵇ أن الراجعة تعني الحسين والرادفة تعني أباه عليا ﵄ وأن في الآيتين إشارة إلى رجعة الحسين ثم أبيه وما سوف يعتري أعداءهما من خوف وهلع «١» . وفي هذا ما هو ظاهر من تعسف وشطط وهوى حزبي. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٥ الى ٢٦] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)

стр. 2656

(١) تزكّى: تتزكّى، أي تطهر من كفرك وبغيك. في الآيات سؤال موجه إلى السامع يتضمن معنى التذكير بما كان من أمر رسالة موسى إلى فرعون حيث ناداه ربّه بالوادي المقدس طوى وأمره بالذهاب إلى فرعون الذي طغى ودعوته إلى التطهّر من بغيه وهدايته إلى سبيل ربه، وحيث أرى موسى فرعون آية الله الكبرى التي أظهرها على يده فكذّب وعصى وأخذ يسعى ليحشد الناس ويمنعهم عن الحق ويهتف بهم أنا ربّكم الأعلى، وحيث أخذه الله ونكّل به في الدنيا بالإضافة إلى نكال الآخرة. وانتهت الآيات بلفت النظر إلى ما في ذلك من عبرة وموعظة لمن يخشى العواقب. والصلة قائمة بين هذه الآيات وسابقاتها حيث جاءت بعد إنذار الكفار والتنديد بهم جريا على الأسلوب القرآني. وهدف التذكير والإنذار فيها واضح كما هو شأن جميع القصص القرآنية. وقصة رسالة موسى وموقف فرعون الاستكباري قد حكيت في سور سابقة بأساليب متنوعة، وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. ولقد تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل في تأويل جملة فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى فقيل إنها بمعنى عاقبه الله على تكذيبه بدءا وإصراره على التكذيب بعد ظهور معجزات الله ووقوع العذاب عليه. كما قيل إنها بمعنى عاقبه الله في الدنيا بالإضافة إلى ما سوف يكون من عقابه في الآخرة. وكلا القولين وجيه. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٣] أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)

стр. 2657

(١) سمكها: سقفها. (٢) فسوّاها: جعلها مستوية أو مضبوطة. (٣) أغطش ليلها: جعله مظلما. (٤) أخرج ضحاها: كناية عن ضوء النهار. (٥) دحاها: بسطها. وفي هذه الآيات التفات إلى السامعين وسؤالهم سؤال المستنكر المندد عما إذا كانوا يرون خلقهم أشدّ وأشقّ على الله من الأكوان التي خلقها: فهو الذي خلق السماء وأعلى سقفها وضبط نواميسها. وقدّر الظلام ليلا والضياء نهارا. وهو الذي مدّ الأرض وبسطها ويسّرها للسير والاستقرار وأرسى فوقها الجبال وأخرج منها الماء والنبات ليكون في ذلك قوام حياتهم وأنعامهم. والمتبادر أن الجواب على السؤال منطو في الآيات نفسها. فالله الذي خلق السموات والأرض وأودع فيها النواميس اللازمة والتي تفوق في العظمة خلق الناس أهون عليه أن يخلق الناس ثانية بطبيعة الحال. والمتبادر كذلك أن السؤال موجّه إلى الكفار لأنهم هم الذين يجحدون البعث ويستعظمون وقوعه. وهكذا تكون الآيات قد جاءت في صدد توكيد البعث والتدليل على قدرة الله عليه، وهي والحالة هذه متصلة بالسياق السابق على قصة رسالة موسى ﵇ إلى فرعون وتكون الإشارة التذكيرية إلى هذه القصة قد جاءت استطرادا مما هو مألوف في النظم القرآني. ولقد احتوت آيات عديدة في سور سابقة ما احتوته هذه الآيات وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك في سياق

стр. 2658

جملة وَالْجِبالَ أَرْساها أن النبي ﷺ قال: «لمّا خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرّت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا ربّ فهل من خلقك شيء أشدّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالت: يا ربّ، فهل من خلقك شيء أشدّ من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: يا ربّ، فهل من خلقك شيء أشدّ من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت يا ربّ فهل من خلقك شيء أشدّ من الماء؟ قال نعم، الريح. قالت: يا ربّ، فهل من خلقك شيء أشدّ من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدّق بيمينه يخفيها عن شماله» . وأورد الطبري في سياق الجملة حديثا عن علي جاء فيه: «لما خلق الله الأرض قمصت وقالت تخلق عليّ آدم وذريته يلقون عليّ نتنهم ويعملون عليّ بالخطايا فأرساها الله فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون فكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمها» . والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الصحيحة. ومهما يكن من أمر فإن حكمة التنزيل اقتضت أن يذكرا للسامعين هنا. وفي المناسبات العديدة السابقة ما للجبال من تأثير في ثبات الأرض اتساقا. مع ما في أذهانهم من ذلك والله أعلم بسبيل التنبيه على كون الله تعالى قد أحسن كل شيء خلقه وإيجاب الإيمان به والاتجاه إليه وحده وشكره على ما يتمتعون به من أفضاله. وإذا صحّ الحديث النبويّ فيكون في ذلك حكمة سامية. ولعلّ من هذه الحكمة ما جاء في آخره من تعظيم التصدّق خفية على المستحقين. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٣٤ الى ٤١] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) . (١) الطامّة: هي البلاء العام الذي لا يدفع. وهي هنا كناية عن يوم القيامة. (٢) آثر: فضّل.

стр. 2659

وفي هذه الآيات إنذار بمجيء القيامة وما يكون فيها: فحينما تجيء يتذكّر كل امرئ ما قدمت يداه من أعمال ليؤدى عليها الحساب وتعرض الجحيم حتى يراها الناس. فمن كان قد طغى في حياته وتجاوز حدود الحق وكفر وأثم وفضّل الحياة الدنيا على الآخرة فهي مأواه. أما الذي يكون قد استشعر بخوف الله وحسب حساب الآخرة وزجر نفسه عن اتباع الهوى والباطل وسار في سبيل الله والحق فتكون الجنة مأواه. والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وأسلوبها إنذاري وتبشيري معا. ووصف يوم القيامة بالطامّة الكبرى متناسب مع حقيقتها وخطورتها كما هو المتبادر. وعطف إيثار الحياة الدنيا على الطغيان قرينة على أن المندّد به ليس الاستمتاع بطيبات الحياة إطلاقا وإنما هو الاستغراق فيها استغراقا يجعل المرء لا يحسب حساب الآخرة ويطغى في الأرض. وهكذا يظل المبدأ القرآني المحكم الذي قررته آية سورة الأعراف [٣٢] وأكّدته آيات عديدة أخرى هو الضابط لهذا الأمر. وتعبير وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى تعبير قوي نافذ في صدد اجتناب الآثام والموبقات والشهوات من حيث تصوير كون أهمّ ما يورط المرء في ذلك هو اتباع هوى النفس دون وازع ولا زاجر. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى. وفي الآيات توكيد قويّ للمبدأ القرآني المحكم الذي قررته آيات كثيرة في سور عديدة من كون الإنسان يكسب أعماله باختياره وسعيه وأنه مجزى عليه وفاقا لذلك. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٢ الى ٤٦] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) . في هذه الآيات:

стр. 2660

١- حكاية لسؤال الكفار للنبي ﵇ عن موعد قيام القيامة. ٢- وتنديد بسؤالهم الذي يوردونه من قبيل التحدّي والاستخفاف. ٣- وتقرير بأن موعدها عند الله وفي علمه. ٤- وخطاب للنبي ﷺ بصيغة السؤال التقريري بأنه ليس له عنها علم وبأن قصارى شأنه أنه منذر بها لينتفع بذلك من كان يستشعر بالخوف منها ويريد أن يتحاشى أسبابه بالإيمان وصالح العمل. ٥- وإنذار وتوكيد للكفار بأنهم سيرونها حتما وفي برهة أقرب بكثير مما يظنون وأنهم حينما يرونها سيظنون من شدّة هذا الأمر أنه ما بينها وبين موتهم إلّا مساء أو صباح. وواضح أن الآيات استمرار مع السياق والموضوع. وقد تكرر مثل هذا السؤال والردّ عليه في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها حيث يدل ذلك على تكرر السؤال والتحدي من قبل الكفار واقتضاء حكمة التنزيل بتكرار الردّ عليهم. ولقد أورد البخاري ومسلم في فصل التفسير من صحيحيهما حديثا مرويا عن سهل بن سعد في سياق هذه الآيات جاء فيه: «رأيت النبيّ ﷺ قال بإصبعيه هكذا بالوسطى وبالتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» «١» . ولقد علقنا على موضوع اقتراب الساعة في سياق تفسير سورة القمر بما فيه الكفاية فلا نرى ضرورة للإعادة. ولقد روى الطبري بطرقه في سياق هذه الآيات أيضا حديثين أحدهما عن عائشة قالت: «لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة حتى أنزل الله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) » وثانيهما عن طارق بن شهاب قال: «كان النبي ﷺ لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها إلى

стр. 2661

مَنْ يَخْشاها» . ويلحظ على هذين الحديثين أن السؤال عن الساعة إنما كان يقع ويتكرر من الكفار وأن القرآن كان يأمر النبي بالقول إنه لا يعلم ولا يملك من الأمر شيئا والأمر بيد الله وعلمه على ما جاء في سور كثيرة مرّ تفسيرها مثل سور الأعراف ويونس. وقد حكت آيات مدنيّة سؤالا لهم عنها أيضا وجوابا مماثلا على ما جاء في سورة الأحزاب يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) ويتبادر لنا أن العبارة القرآنية هنا هي من هذا الباب بأسلوب آخر. وليس فيها أية دلالة كما أنه ليس في القرآن أية دلالة على أن النبي هو الذي كان يسأل عنها حتى تكون هذه الآيات خاتمة لسؤاله عنها. والحديث الذي أوردناه آنفا والذي رواه البخاري ومسلم في سياق هذه الآيات قوي المغزى.

стр. 2662

سورة الانفطار في السورة إنذار بالبعث وهوله ومشاهده. وتنديد بالمكذبين الذين يقفون من الله موقف الكفر والنكران مع عظيم نعمه عليهم في حسن الخلق ومواهب العقل. وبيان خطورته ومصير الأبرار والفجّار فيه ومسؤولية كل عن عمله. ونظم السورة وانسجام آياتها تسوغان القول بوحدة نزولها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) . (١) انفطرت: تشققت. في الآيات: إنذار بالبعث وهول مشاهده: فحينما تتشقق السماء وتتساقط الكواكب وتنتثر وتتفجّر البحار وتتفتح القبور عمّا فيها يقف الناس جميعهم أمام الله موقف القضاء فيذكر ويعلم كل منهم ما صدر منه من الأعمال صغيرها وكبيرها، سرّها وعلنها. وأسلوب هذا المطلع قد تكرر في صدد الإنذار بالآخرة والتخويف من أهوالها. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٦ الى ٨] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) .

стр. 2663

(١) عدلك: جعلك معتدلا متناسب الخلق. وفي هذه الآيات وجّه الخطاب للإنسان بأسلوب التنديد والتذكير وبصيغة الاستفهام الإنكاري عما جعله يغترّ فيستهين بنقمة الله ويجرؤ على الوقوف منه موقف الكفر والجحود وهو الذي خلقه وسوّى أعضاءه وجعله متناسب الخلق ووهبه من المواهب ما ميّزه على غيره، وركّبه في أحسن الصور التي شاءت حكمته أن يكون عليها جنسه خلقا ومواهب. والآيات قويّة لاذعة حيث تذكّر السامع بكرم الله عليه وتندد به على مقابلته ذلك بالجحود. وليست منقطعة عن المطلع الذي أكّد فيه مجيء يوم القيامة ومحاسبة الناس على أعمالهم. فجاءت تندد بالذين لا يخشون الله ويكفرون بنعمته وفضله. ولقد روى البغوي عن عطاء أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة وعن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي ﷺ فلم يعاقبه الله عاجلا. ولقد جاء بعد هذه الآيات خطاب للسامعين بصيغة الجمع تقرر واقع أمرهم في تكذيبهم بيوم الجزاء وإنذارهم حيث يسوغ هذا التوقف في ما جاء من روايات في سبب نزول الآيات والقول إنها خطاب عامّ للناس والجاحدين منهم بخاصة وفي صدد توكيد البعث والجزاء الأخرويين. والتنديد بجاحدي نعم الله وأفضاله. والآيات الثلاث [٦- ٨] التي تنوّه بحسن خلقة الإنسان تسجل ما اقتضته حكمة الله تعالى من تميزه في ذلك عن الحيوانات الأخرى وما في ذلك من تكريم له ليستحكم التنديد بالذين يتجاهلون فضل الله العظيم عليهم ويجحدونه. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٩ الى ١٢] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) .

стр. 2664

وفي هذه الآيات هتاف تنديدي موجّه إلى الكفار في معرض بيان الباعث على جحودهم لله وهو تكذيبهم بالجزاء الرباني يوم القيامة. وتوكيد في معرض الإنذار بأن الله قد جعل عليهم من يحصي ويحفظ كل ما يصدر منهم ويسجله عليهم من كتّاب الله الكرام الذين ينفذون أوامر الله. وواضح أن التوكيد ينطوي على توكيد الجزاء الأخروي أيضا، ومثل هذا البيان والتوكيد قد تكرر في مواضع كثيرة من القرآن. ولقد تكررت الإشارة إلى الرقباء والكاتبين لأعمال الناس في سور سابقة. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات أيضا بعض الأحاديث. منها حديث عن مجاهد جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلّا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه» . ومنها حديث مثل هذا مع زيادة عن ابن عباس جاء فيه: «إنّ الله ينهاكم عن التعرّي فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلّا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» . ومنها حديث عن أنس قال: «قال رسول الله ﷺ ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلّا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفيّ الصحيفة» . وحديث عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ إنّ لله ملائكة يعرفون بني آدم، وأحسبه قال ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا هلك الليلة فلان» . ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة (ق) فلا نرى ضرورة لتعليق آخر. ومع التنبيه على أن هذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة فإنها يلمح فيها قصد التأديب والتنبيه فإن صحّت فيكون من جملة مقاصدها هذا القصد. والله تعالى أعلم.

стр. 2665

[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) . وفي هذه الآيات بيان لمصير الناس يوم الجزاء وإنذار بخطورته. فالأبرار الصالحون في النعيم، والفجار الآثمون في الجحيم. وهي مصيرهم الذي لا مفلت لهم منه حتما في ذلك اليوم العظيم الخطر الذي يكون الأمر فيه لله وحده، والذي لا يستطيع فيه أحد أن ينفع أحدا ولا تغني فيه نفس عن نفس. والاتصال بين هذه الآيات وسابقاتها قائم موضوعا وسياقا كما هو المتبادر. ومع واجب الإيمان بما احتوته من مشهد أخروي فالمتبادر من العبارة القرآنية أن من حكمتها تعظيم يوم القيامة وحسابه وتوكيده وترغيب المؤمنين وترهيب الكفار. والمؤمنون مندمجون في تعبير الأبرار. والكفار مندمجون في تعبير الفجّار. غير أن المتبادر أنه قد أريد بوصف المؤمنين بالأبرار والكفار بالفجّار تلقين كون الإيمان الصادق يوجّه صاحبه نحو الخير والبر، بينما الكفر يوجه صاحبه نحو الإثم والفجور.
следующие страницы →