← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

مَنْ يَخْشاها» . ويلحظ على هذين الحديثين أن السؤال عن الساعة إنما كان يقع ويتكرر من الكفار وأن القرآن كان يأمر النبي بالقول إنه لا يعلم ولا يملك من الأمر شيئا والأمر بيد الله وعلمه على ما جاء في سور كثيرة مرّ تفسيرها مثل سور الأعراف ويونس. وقد حكت آيات مدنيّة سؤالا لهم عنها أيضا وجوابا مماثلا على ما جاء في سورة الأحزاب يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) ويتبادر لنا أن العبارة القرآنية هنا هي من هذا الباب بأسلوب آخر. وليس فيها أية دلالة كما أنه ليس في القرآن أية دلالة على أن النبي هو الذي كان يسأل عنها حتى تكون هذه الآيات خاتمة لسؤاله عنها. والحديث الذي أوردناه آنفا والذي رواه البخاري ومسلم في سياق هذه الآيات قوي المغزى.

стр. 2662

سورة الانفطار في السورة إنذار بالبعث وهوله ومشاهده. وتنديد بالمكذبين الذين يقفون من الله موقف الكفر والنكران مع عظيم نعمه عليهم في حسن الخلق ومواهب العقل. وبيان خطورته ومصير الأبرار والفجّار فيه ومسؤولية كل عن عمله. ونظم السورة وانسجام آياتها تسوغان القول بوحدة نزولها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) . (١) انفطرت: تشققت. في الآيات: إنذار بالبعث وهول مشاهده: فحينما تتشقق السماء وتتساقط الكواكب وتنتثر وتتفجّر البحار وتتفتح القبور عمّا فيها يقف الناس جميعهم أمام الله موقف القضاء فيذكر ويعلم كل منهم ما صدر منه من الأعمال صغيرها وكبيرها، سرّها وعلنها. وأسلوب هذا المطلع قد تكرر في صدد الإنذار بالآخرة والتخويف من أهوالها. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٦ الى ٨] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) .

стр. 2663

(١) عدلك: جعلك معتدلا متناسب الخلق. وفي هذه الآيات وجّه الخطاب للإنسان بأسلوب التنديد والتذكير وبصيغة الاستفهام الإنكاري عما جعله يغترّ فيستهين بنقمة الله ويجرؤ على الوقوف منه موقف الكفر والجحود وهو الذي خلقه وسوّى أعضاءه وجعله متناسب الخلق ووهبه من المواهب ما ميّزه على غيره، وركّبه في أحسن الصور التي شاءت حكمته أن يكون عليها جنسه خلقا ومواهب. والآيات قويّة لاذعة حيث تذكّر السامع بكرم الله عليه وتندد به على مقابلته ذلك بالجحود. وليست منقطعة عن المطلع الذي أكّد فيه مجيء يوم القيامة ومحاسبة الناس على أعمالهم. فجاءت تندد بالذين لا يخشون الله ويكفرون بنعمته وفضله. ولقد روى البغوي عن عطاء أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة وعن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي ﷺ فلم يعاقبه الله عاجلا. ولقد جاء بعد هذه الآيات خطاب للسامعين بصيغة الجمع تقرر واقع أمرهم في تكذيبهم بيوم الجزاء وإنذارهم حيث يسوغ هذا التوقف في ما جاء من روايات في سبب نزول الآيات والقول إنها خطاب عامّ للناس والجاحدين منهم بخاصة وفي صدد توكيد البعث والجزاء الأخرويين. والتنديد بجاحدي نعم الله وأفضاله. والآيات الثلاث [٦- ٨] التي تنوّه بحسن خلقة الإنسان تسجل ما اقتضته حكمة الله تعالى من تميزه في ذلك عن الحيوانات الأخرى وما في ذلك من تكريم له ليستحكم التنديد بالذين يتجاهلون فضل الله العظيم عليهم ويجحدونه. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٩ الى ١٢] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) .

стр. 2664

وفي هذه الآيات هتاف تنديدي موجّه إلى الكفار في معرض بيان الباعث على جحودهم لله وهو تكذيبهم بالجزاء الرباني يوم القيامة. وتوكيد في معرض الإنذار بأن الله قد جعل عليهم من يحصي ويحفظ كل ما يصدر منهم ويسجله عليهم من كتّاب الله الكرام الذين ينفذون أوامر الله. وواضح أن التوكيد ينطوي على توكيد الجزاء الأخروي أيضا، ومثل هذا البيان والتوكيد قد تكرر في مواضع كثيرة من القرآن. ولقد تكررت الإشارة إلى الرقباء والكاتبين لأعمال الناس في سور سابقة. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات أيضا بعض الأحاديث. منها حديث عن مجاهد جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلّا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه» . ومنها حديث مثل هذا مع زيادة عن ابن عباس جاء فيه: «إنّ الله ينهاكم عن التعرّي فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلّا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» . ومنها حديث عن أنس قال: «قال رسول الله ﷺ ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلّا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفيّ الصحيفة» . وحديث عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ إنّ لله ملائكة يعرفون بني آدم، وأحسبه قال ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا هلك الليلة فلان» . ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة (ق) فلا نرى ضرورة لتعليق آخر. ومع التنبيه على أن هذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة فإنها يلمح فيها قصد التأديب والتنبيه فإن صحّت فيكون من جملة مقاصدها هذا القصد. والله تعالى أعلم.

стр. 2665

[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) . وفي هذه الآيات بيان لمصير الناس يوم الجزاء وإنذار بخطورته. فالأبرار الصالحون في النعيم، والفجار الآثمون في الجحيم. وهي مصيرهم الذي لا مفلت لهم منه حتما في ذلك اليوم العظيم الخطر الذي يكون الأمر فيه لله وحده، والذي لا يستطيع فيه أحد أن ينفع أحدا ولا تغني فيه نفس عن نفس. والاتصال بين هذه الآيات وسابقاتها قائم موضوعا وسياقا كما هو المتبادر. ومع واجب الإيمان بما احتوته من مشهد أخروي فالمتبادر من العبارة القرآنية أن من حكمتها تعظيم يوم القيامة وحسابه وتوكيده وترغيب المؤمنين وترهيب الكفار. والمؤمنون مندمجون في تعبير الأبرار. والكفار مندمجون في تعبير الفجّار. غير أن المتبادر أنه قد أريد بوصف المؤمنين بالأبرار والكفار بالفجّار تلقين كون الإيمان الصادق يوجّه صاحبه نحو الخير والبر، بينما الكفر يوجه صاحبه نحو الإثم والفجور.

стр. 2666

سورة الانشقاق في السورة إشارة إلى مشاهد القيامة. وبيان لمصير الأبرار والأشرار فيها. وتوكيد إنذاري وتنديدي للكفار بأنهم ستتبدل حالهم وينالهم العذاب دون المؤمنين الصالحين. ونظم السورة وترابط آياتها يسوغان القول بوحدة نزولها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) . (١) أذنت لربها: بمعنى استمعت واستجابت وانقادت لربّها. (٢) حقّت: عرفت الحقّ فانصاعت له. (٣) مدّت: قيل إنها بمعنى سويت فلا يبقى عليها جبال ولا وديان، وقيل إنها بمعنى وسعت لتتسع لجميع الناس. (٤) وألقت ما فيها: أخرجت ما في جوفها: كناية عن خروج الناس من قبورهم.

стр. 2667

(٥) كادح: ساع وعامل. (٦) ثبورا: هلاكا. (٧) لن يحور: لن تتبدل حالته، أي لن يعود بعد الموت. في الآيات الخمس الأولى ما يلهم أنها في صدد مشاهد يوم القيامة: فحينما تنشقّ السماء انقيادا لأمر ربها وأداء لما عليها نحوه من حقّ الطاعة، وحينما تنبسط الأرض وتمتد وتنفتح عمّا في باطنها وتقذف به إلى سطحها وتتخلّى عنه انقيادا لأمر ربها كذلك وأداء لما عليها من حقّ الطاعة تكون القيامة قد قامت. وعبارة (تكون القيامة قد قامت) مقدرة تقديرا. والتقدير بديهي لأنه نتيجة طبيعية لما احتوته الآيات الخمس من المشاهد. وهو ما يقرره جمهور المفسرين. وفي الآيات التالية خطاب للإنسان في صدد مصائر الناس يوم القيامة: فكل إنسان ساع في حياته الدنيا. وكل ساع ملاق عند ربه نتيجة سعيه. فالذي يعطى يوم القيامة كتاب عمله بيمينه يكون حسابه يسيرا هينا ويعود إلى أهله راضيا مسرورا. والذي يعطى كتاب عمله من وراء ظهره فيتمنى الموت فلا يناله ويندب حظه ويصلى النار المستعرة جزاء ما قدمت يداه لأنه كان في حياته مغرورا بما كان له من قوة ومال وما كان يتمتع به من هدوء البال والنعم غير حاسب لحساب الآخرة لأنه كان موقنا بعدم البعث بعد الموت في حين كانت عين الله مراقبة له وبصيرة به ومحصية عليه عمله. ومطلع السورة من المطالع المألوفة في كثير من السور. وتعبير الانقلاب إلى الأهل مستمد من مألوف الخطاب الدنيوي على ما جرت عليه حكمة التنزيل في وصف المشاهد الأخروية مما مرّت منه أمثلة عديدة. ويلحظ أن كتاب أعمال الكافر الآثم هنا يعطى له من وراء ظهره في حين ذكر في سور سابقة أنه يعطى له بشماله. حيث يبدو أن التعبير الجديد مما يقوم في اللغة مقام ذلك التعبير. ولقد علقنا على هذا الموضوع وذاك في المناسبات السابقة بما يغني عن التكرار.

стр. 2668

ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق الآية السابقة من السورة وما بعدها حديثا عن عائشة ﵂ جاء فيه: «قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس أحد يحاسب إلّا هلك. قلت: يا رسول الله جعلني الله فداءك أليس الله تعالى يقول فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال: ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك» «١» . وفي الحديث تفسير أو توضيح لمدى الآيات من جهة وتنبيه للمسلمين ليجتهدوا في تجنب ما يعرّضهم للمحاسبة العسيرة من أعمال من جهة أخرى على ما هو المتبادر. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٦ الى ٢٥] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) . (١) الشفق: الحمرة التي تبدو في الأفق عند غروب الشمس. (٢) وسق: احتوى أو جمع أو ضمّ. (٣) اتّسق: تمّ بدرا. وأصل الاتساق الانتظام والتكامل والاستواء. (٤) طبقا عن طبق: حالا بعد حال. (٥) يوعون: يضمرون. قرئت كلمة لَتَرْكَبُنَّ قراءات متعددة وتعدد تأويل جملة لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ حسب ذلك «٢» . حيث قرئت بالتاء والباء المفتوحتين على أنها خطاب

стр. 2669

للنبي ﷺ بأن أمره سيتغير من حال إلى حال. وقرئت بالتاء المفتوحة والباء المضمومة على أنها خطاب للسامعين بأن أمرهم سيتغير من حال إلى حال. وقرئت بالياء بدلا من التاء مع الباء المضمومة على أنها خطاب للناس. وجملة فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ التي تأتي بعد هذه الجملة وما بعده قد تساعد على الترجيح بأنها خطاب موجّه للكفار الذين يصرّون على كفرهم. وتكون الأقسام في الآيات الثلاث السابقة للجملة على سبيل التوكيد لهم بأن حالتهم الراهنة التي يغترون ويعتقدون بها لن تدوم لهم وأنها سوف تتغير. ثم جاءت الآيات التالية للجملة: ١- لتتساءل تساؤل الاستنكار والتنديد عن سبب عنادهم وعدم إيمانهم وعدم تأثرهم بالقرآن والسجود لله حينما يسمعون آياته البليغة وعظاته المؤثرة. ٢- لتقرر حقيقة أمرهم والباعث لهم على ذلك والله الأعلم به وهو تكذيبهم بالجزاء الأخروي. ٣- لتأمر النبي ﷺ بتبشيرهم بالعذاب الأليم الذي سوف يلقونه مع استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات حيث يكون لهم الأجر الذي لا يعتريه انقطاع. والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا كما هو واضح. وقد استعملت كلمة فَبَشِّرْهُمْ على سبيل الاستهزاء كما هو المتبادر أيضا. وقد تكرر هذا في مواضع عديدة. ومن عجيب تأويلات الشيعة تأويلهم جملة لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) بأن فيها إشارة إلى أن هذه الأمة ستسلك سبيل من كان قبلها من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء «١» . وفي هذا من الشطط الحزبي ما يماثل كثيرا مما مرّ التنبيه إليه.

стр. 2670

تعليق على ما يمكن أن يلهمه أسلوب ومضامين هذه السورة وما قبلها من احتمال تبكير نزولها وننبّه على أن بين أسلوب هذه السورة ومضامينها وكذلك أسلوب السور السابقة لها أي الانفطار والنازعات والنبأ والمعارج والحاقّة والملك والطور ومضامينها، وبين أسلوب ومضامين كثير من السور المبكرة في النزول مثل التكوير والأعلى والليل والفجر والشمس والقارعة والقيامة وق والطارق تماثل كبير مما يبعث الشكّ في صحة ترتيب نزولها في أواخر العهد المكيّ ومما يسوغ الظنّ بأنها مما نزل في عهد مبكر وإن كان ترتيبها في تراتيب النزول العديدة المرويّة متقاربا مع ترتيبها الذي ذكر في المصحف الذي اعتمدنا عليه وسرنا وفقه.

стр. 2671

سورة الرّوم في السورة إشارة إلى ما كان من انكسار الروم في بلاد الشام وما سوف يكون لهم من غلبة يفرح بها المؤمنون. وتنديد بالكفار لغفلتهم عن الآخرة واستغراقهم في الدنيا وتذكير بمن قبلهم. وتوكيد بمجيء الآخرة. وبيان لمصير المؤمنين والكفار فيها. وتنزيه لله عن الشركاء. وسلسلة رائعة في مشاهد قدرة الله وآياته ونواميسه في كونه في صدد البرهنة على عظمته وقدرته. وإشارة إلى طبائع الناس في الجزع عند الشدة والبطر عند الفرح دون شكر ولا صبر، وتقرير لما يجب على المؤمنين في هذه الحالات. وتثبيت للنبي وتطمين له ووعد متكرر بالنصر وتوكيد بتحقيق الوعد. وفصول السورة مترابطة مما يبرر القول إنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. وقد روي أن الآية [١٧] مدنية. وانسجامها التّام موضوعا وسياقا مع ما قبلها وما بعدها يبرر الشكّ في الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) .

стр. 2672

(١) أدنى الأرض: المتبادر أنها كناية عن البلاد المتاخمة للحجاز. وبعض المفسرين قالوا إنها بلاد الشام، وبعضهم قالوا إنها جزيرة الفرات. وكلا القولين وجيه لأن الروم انكسروا أمام الفرس في بلاد جزيرة الفرات ثم في بلاد الشام في زمن النبي. بدأت السورة بحروف الألف واللام والميم للاسترعاء والتنبيه على ما رجحناه من قبل ثم أعقبها: خبر بانكسار الروم في البلاد المتاخمة للحجاز. وبشرى بنصر يحرزونه خلال بضع سنين. وإشارة إلى ما سوف يكون حينئذ من فرح المؤمنين بنصر الله القوي العزيز الرّحيم بعباده القادر على نصر من يشاء. وتوكيد بأن هذا وعد رباني. وبأن الله لا يخلف وعده. ولو أن أكثر الناس لا يعرفون الحقائق وأن كل ما يعرفونه هو بعض أمور ظاهرة من شؤون الحياة الدنيا في حين أنهم غافلون عن الآخرة: مع ما هي عليه من خطورة الشأن. والسورة من السور القليلة التي أعقب حروفها المتقطعة الأولى موضوع غير القرآن والتنويه به. تعليق على خبر انكسار الروم وانتصارهم وموقف المؤمنين والمشركين من ذلك وقد أورد المفسرون روايات عديدة حول هذه الآيات «١» . ملخصها المعقول فيها أنها نزلت في ظرف كان فيه حرب بين الروم والفرس في البلاد المتاخمة للجزيرة العربية في الشام وجزيرة الفرات: وانتصر الفرس فيها على الروم ففرح مشركو مكة بذلك وأظهروا شماتتهم بالمسلمين الذين كانوا يقولون بوحدة المنبع والجوهر التي تجمع بينهم وبين الكتابيين الذين منهم الروم النصارى.

стр. 2673

وأن هذا الموقف قد شقّ على المسلمين وأحزنهم فبشّرهم الله بهذه الآيات وطمأنهم. ومضمون الآيات وروحها يؤيدان هذا الملخص كما هو واضح وإن لم يرد فيها ذكر للفرس وذكر لفرح المشركين وشماتتهم صراحة. وهناك روايات في صيغ مختلفة عن تشاد ومراهنة بين أبي بكر ﵁ وأمية بن خلف أحد زعماء المشركين على صدق ما بشّرت الآيات به من غلبة الروم بعد انغلابهم «١» . ومنها ما يذكر أنهما جعلا مدة وقوع ذلك ثلاث سنين أو خمسا أو ستا والرهان عشر قلائص أو أربعا وأن أبا بكر أعلم النبي ﷺ بالأمر فأمره بزيادة قيمة الرهان ومدّ الأجل لأن البضع يمتد من ثلاث سنين إلى تسع فعدل الاتفاق إلى تسع سنين على مائة قلوص وغلب الروم فكسب أبو بكر الرهان وأسلم من المشركين خلق كثير. ومنها ما يذكر أن أبا بكر خسر الرهان ولكن الروم انتصروا بعد سنة من المدة المتفق عليها فأسلم من المشركين خلق كثير كذلك. والرواية الأخيرة رواها الترمذي عن ينّار بن مكرم الأسلمي بشيء من التفصيل قال: «لما نزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [١- ٤] كانت فارس حينئذ قاهرين للروم وكان المسلمون يحبّون ظهورهم على فارس لأنهم وإياهم أهل كتاب وذلك قول الله تعالى وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وكانت قريش تحبّ ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث. فلما نزلت الآية خرج أبو بكر (رض) يصيح في نواحي مكة الم الآية، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم. زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك، قال بلى وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا على الرهان. وقالوا لأبي بكر كم نجعل البضع ثلاث إلى تسع سنين فسمّ بيننا وبينك وسطا، قال: فسمّوا بينهم ستّ سنين فمضت قبل أن تظهر الروم فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة

стр. 2674

ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين لأنّ الله قال في بضع سنين وأسلم عند ذلك ناس كثير» «١» . ومضمون حديث الترمذي هذا قد يفيد أن انغلاب الروم وغلبتهم بعد بضع سنين قد كانت قبل الهجرة. وهذا يقتضي أن تكون السورة أو الآيات نزلت قبل الهجرة بسنين كثيرة مع أنها كانت على ما يدل ترتيب نزولها المتفق عليه تقريبا في التراتيب المرويّة من آخر ما نزل من القرآن في مكة حيث هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة بعد نزولها بمدّة قليلة. على أن هناك رواية تفيد أن انتصار الروم قد كان في ظرف معركة بدر التي كانت بعد الهجرة بنحو سنة ونصف ورواية أخرى تفيد أنه كان في ظرف صلح الحديبية الذي كان بعد الهجرة بنحو ستّ سنين. وهذه الرواية أوجه لأن بين نزول سورة الروم وصلح الحديبية نحو سبع سنين. وقد سمّى القرآن هذا الصلح بالفتح المبين ونزلت فيه سورة الفتح أو معظمها على ما سوف يأتي شرحه في مناسبتها فكانت فرحة المؤمنين مزدوجة بالفتح المبين الذي كتبه الله لهم على المشركين وبغلبة الروم الذين كان المؤمنون يعتبرونهم حزبا معهم على الفرس الذين كان المشركون يعتبرونهم حزبا معهم بعد غلبة هؤلاء على الروم. وهكذا تحققت نبوءة من نبوءات القرآن في حياة النبي ﷺ وحقّق الله وعده وبشراه فعلا خلال بضع سنين وفرح المؤمنون بنصر الله. وهذه الحقيقة مسجّلة في الكتب التاريخية القديمة المعتبرة. ولقد أورد الطبري وغيره في سياق الآيات بيانات كثيرة معزوة إلى علماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول في ما كان من وقائع ومكائد متبادلة بين الفرس والروم وفي ما كان من أحوال الفرس والروم من حالات دينية واجتماعية وسياسية وعمرانية وما كانت في القسطنطينية خاصة من آلاف الكنائس وما كان يعقد فيها من مجالس دينية إلخ ... اختلطت فيها الحقائق مع الخيال والمبالغات وتدلّ مع ذلك

стр. 2675

على أن هذه الأمور مما كانت متداولة في بيئة النبي ﷺ . ولم نر طائلا من إيرادها لأنها لا تتصل بأهداف الآيات ولا ترتكز على علم وثيق. أما وحدة المنبع والجوهر التي من أجلها حزن المسلمون من انكسار الروم وفرحوا بانتصارهم فهي مؤيدة بآيات قرآنية عديدة وردت في سور عديدة مرّ تفسيرها ونبّهنا على دلالاتها. ومنها ما تضمن خبر فرح الكتابيين بما كان ينزل على النبي ﷺ من الوحي القرآني مثل آية الرعد هذه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [٣٦] ومنها ما تضمن تقرير يقينهم بأنه منزّل من عند الله مثل آية الأنعام هذه: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [١١٤] ومنها ما تضمن خبر إيمانهم صراحة مثل آيتي القصص هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) ومنها ما تضمن وحدة الجوهر بين الشريعة الإسلامية والشرائع النبويّة السابقة مثل آية سورة الشورى هذه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [١٣] . وكان كل هذا مما يثير المشركين. ولا سيما أن القرآن كان يندد بهم لكفرهم بكتاب الله ونبيه برغم ما كان من إيمان أهل الكتاب وتصديقهم. فلما انتصر الفرس فرحوا وشمتوا وحزن المسلمون واغتموا. وواضح أن شرحنا هذا لا يتناقض مع ما قررته الآيات العديدة من مكيّة ومدنيّة من وقوف فريق من أهل الكتاب غلّبوا المآرب والهوى على الحق والهدى وبخاصة اليهود في الحجاز من النبي ﷺ والقرآن موقف الجحود والمناوأة مما شرحنا أسبابه المؤيدة بالنصوص القرآنية في مناسبات سابقة ولا مع ما استجدّ فيما بعد من موقف العداء والحرب بين النبي ﷺ والروم امتد إلى ما بعد النبي ﷺ ، فقد اعتدى عمال الروم على رسل النبي ﷺ واعتدت القبائل العربية النصرانية على

стр. 2676

قوافل المسلمين فأدّى هذا إلى ذاك. أي إن جهة الروم كانت هي البادئة في العدوان. وصار من حقّ المسلمين وواجبهم أن يدفعوا العدوان. هذا، ولما كان القرآن يستهدف من الأخبار والقصص الموعظة والتدعيم والتطمين والتثبيت والإنذار والتبشير فقد اقتضت حكمة التنزيل أن تكون هذه الحادثة وسيلة إلى ذلك أيضا فاحتوت الآيات بشرى عامة بنصر الله ووعده بالنصر والفرح للمؤمنين وتوكيده بأنه لا يخلف وعده وتنديدا بالناس الذين يهتمون للأمور العابرة والشؤون الظاهرة ويغترون بها ويغفلون عن المهم الخطير. وننبّه على أن هناك قراءة بفتح الغين في غُلِبَتِ وضم الياء في سَيَغْلِبُونَ غير أن الأوجه قراءة الضمّ في الأولى والفتح في الثانية لأن من الثابت أن الروم غلبوا في ظروف البعثة ثم غلبوا. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٨ الى ١٠] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) . (١) أثاروا الأرض: حرثوها واستغلوها. (٢) السوأى: تأنيث الأسوأ والكلمة خبر لكان. في هذه الآيات: سؤال يتضمن التنديد بالغافلين عن الآخرة بسبب عدم تدبرهم في الأمر وتفكيرهم منطقيا وهادئا يجعلهم يدركون أن الله تعالى لا يعقل أن يكون قد خلق السموات والأرض وما بينهما عبثا، بل لحكمة جليلة تقوم على الحقّ ولأمد معين في علمه.

стр. 2677

٢- وإشارة إلى سبب ذلك وهو كون أكثر الناس لا يؤمنون بلقاء ربهم ولا يوقنون به فينصرفون عن هذا التدبر والتفكير. ٣- وسؤال آخر يتضمن التنديد بهم أيضا: فإذا كانوا لا يتدبرون في الأمور فهل لم يتجولوا في أنحاء الأرض ويروا عاقبة الذين من قبلهم ويعرفوا أخبارهم فيتعظوا بها؟ فقد كان الذين قبلهم أشدّ منهم قوّة وإعمارا واستغلالا للأرض، فلما جاءتهم رسل الله بالبينات وقفوا منهم موقف المكذّب المستهزئ ولم يتورعوا عن ارتكاب السيئات فجازاهم الله سوءا بسوء، ولم يكونوا في ذلك مظلومين وإنما كانوا هم الذين جنوا على أنفسهم. والآيات متصلة بالآيتين الأخيرتين من الفصل السابق اللتين جاءتا بمثابة استطراد وانتقال إلى التنديد بالكفار الذين لا يعرفون الحقائق ويغفلون عن المصير الأخروي. وهكذا تكون هذه الآيات استمرارا في الاستطراد وفي نقل الكلام إلى الكفار ومواقفهم. وهذا أسلوب من أساليب النظم القرآني الذي مرّت منه أمثلة كثيرة. وأسلوب الآيات قوي مستحكم وموجّه إلى القلب والعقل معا. وقد تكرر فحواها كثيرا مما مرّ منه أمثلة عديدة. والآية خاصة تحتوي بالإضافة إلى التنديد سؤالا استنكاريا يتضمن من جديد معنى التقرير بأن السامعين يعرفون مما وصل إليهم من أخبار ووقعت عليه عيونهم من مشاهد أثناء رحلاتهم أن أهل البلاد التي كانوا يرحلون إليها مما هو في جزيرة العرب أو جوارها هلكوا ودمرت بلادهم بعذاب رباني وكانوا أقوى منهم وأشدّ. ومن هنا يأتي التنديد والتذكير ملزمين مستحكمين. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١١ الى ١٦] اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) .

стр. 2678

(١) يبلس: ييئس. (٢) يتفرقون: هنا بمعنى يصنفون فرقا. (٣) يحبرون: يسرون، من الحبور. (٤) محضرون: مساقون إليها سوقا. والإحضار هو إجبار المرء على الحضور. عبارة الآيات واضحة. وهي متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا كما هو المتبادر. والأولى منها تنطوي على برهان خطابي. فالله الذي يعترف المشركون بأنه خلق الكون والخلق بدءا قادر على إعادة خلقهما ثانية. وقد تكرر هذا البرهان في المناسبات المماثلة التي مرّ كثير منها. والمتبادر أن الآية الثانية استهدفت فيما استهدفته إدخال اليأس على المشركين من الشركاء والشفعاء الذين يشركونهم مع الله ما داموا قد كذّبوا بآيات الله وأنكروا الآخرة وحملهم على الارعواء والتفكير قبل الحسرة والندم. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٧ الى ١٩] فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) . (١) تظهرون: وقت الظهر في النهار. في الآيات تنزيه لله وتقرير لاستحقاقه الحمد والتقديس في كل وقت وفي كل مكان: في الصباح والمساء، والظهر والعشية، وفي الأرض والسموات. فهو الذي

стр. 2679

يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها. وهو يحيي الناس ويخرجهم من الأرض بعد موتهم كذلك. والآيات تنطوي على قصد التدليل على قدرة الله تعالى على إحياء الناس ثانية تدعيما لما جاء في الآية الأولى من الآيات السابقة. وهي متصلة بها اتصال استمرار في الموضوع وتعقيب عليه كما هو واضح. وما احتوته الآية الثالثة بخاصة قد تكرر في أكثر من سورة من السور السابقة لنفس القصد. وقد علقنا على عبارتها في المناسبات السابقة بما فيه الكفاية. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [١٧] مدنيّة. وهذا غريب. واللحمة بادية الوثاقة بينها وبين ما بعدها بحيث تكون معها وحدة لا تنفصل. لذلك نشكّ في صحّة الرواية. ولقد أورد الطبري في سياق الآيتين الأولى والثانية قولا لابن عباس بأنهما قد جمعتا مواقيت الصلاة فحين تمسون للمغرب والعشاء وحين تصبحون للفجر وحين تظهرون للظهر وعشيا هو العصر. وهو استنباط وجيه مرّت أمثلة أخرى منه. ولقد روى البغوي بطرقه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلّا أحد قال مثل ما قال أو زاد» . وروى كذلك عن أبي هريرة «أنّ رسول الله ﷺ قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» . وأورد ابن كثير حديثا رواه الطبراني عن ابن عباس «أن النبيّ ﷺ قال: من قال حين يصبح فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» . وهذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. وصحتها مع ذلك

стр. 2680

محتملة وهي بسبيل الترغيب في ذكر الله وتقديسه وتسبيحه، إعلانا للإخلاص له وتقربا إليه. والمتبادر أن انتفاع المسلم بذلك يكون رهنا بائتماره بأوامر الله وسنّة رسوله وانتهائه عن ما نهى الله ورسوله عنه. فإن لم يفعل فليس ذلك بمزيل للمسؤولية عنه. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٠ الى ٢٧] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) . (١) منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله: في الجملة لفّ ونشر كما يقول البلاغيون. وتقديرها منامكم بالليل وابتغاؤكم فضل الله ورزقه في النهار. (٢) قانتون: خاضعون. في الآيات الخمس الأولى تنبيه على آيات الله ونعمه ومشاهد كونه ونواميسه: ١- فمن آياته خلق الناس من أصل ترابي فلم يلبثوا أن كثروا وانتشروا في أنحاء الأرض.

стр. 2681

٢- ومنها أنه خلق لهم من جنسهم وأنفسهم أزواجا منهم ليسكن ويستأنس ويطمئن كل زوج بزوجه وأوجد فيهم عاطفة التوادّ والتراحم تجاه بعضهم. ٣- ومنها خلقه السموات والأرض واختلاف ألوان الناس وألسنتهم. ٤- ومنها أنه قدّر الليل والنهار لينام الناس في الأول ويسكنوا ويستريحوا، ويكدّوا في الثاني في سبيل الرزق وابتغاء فضل الله وقضاء مصالحهم وحاجاتهم المختلفة. ٥- ومنها أنه هو الذي يرسل البرق فيخيف به الناس من جهة ويؤملهم برحمته من جهة أخرى حيث ينزل الماء على أثره من السماء فيحيي به الأرض بعد جفافها وموتها. ٦- ومنها أن نظام الكون ونواميسه في السموات والأرض تقوم بأمره على أتمّ وجه وأحكمه حتى إذا حان الوقت الذي في علمه دعي الناس إليه فلبّوا الدعوة وخرجوا من باطن الأرض. ففي كل ذلك آيات بيّنات ودلائل ساطعات على عظمته وبالغ قدرته وكونه مصدر كل نعمة ورحمة ومدبر كل أمر، يدركها ويقنع بها من حسنت نيته وصفا قلبه وفكّر وتعقّل ورغب في تدبّر الأمور ومعرفة الحقّ والحقيقة. وفي الآيتين الأخيرتين تقرير تعقيبي على هذه الآيات: ١- فكل من السموات والأرض والحالة هذه خاضع له. ٢- وهو الذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده. ٣- وإعادة الخلق ثانية أهون من بدئه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز القادر الذي لا يعجز عن شيء، والحكيم الذي لا يفعل إلّا ما فيه الحكمة والصواب.

стр. 2682

تعليقات على سلسلة آيات مشاهد قدرة الله ونواميسه في الكون والآيات معقبة على سابقاتها بقصد البرهنة على عظمة الله وقدرته والتنبيه على نواميسه في خلقه وكونه. فهي استمرار للسياق والموضوع السابقين. وهي من أوفى السلاسل القرآنية الجامعة الرائعة في بابها. وقد جاءت بأسلوب تتناوله أفهام الناس على اختلاف طبقاتهم ويتسق مع الآثار المحسوسة المماثلة والواقعة تحت مشاهدتهم. والنهايات التي انتهت بها كل آية مثل (يتفكرون. ويسمعون. ويعقلون. والعالمين) تدل على أنها موجهة إلى القلوب والعقول معا. وبخاصة إلى الطبقة التي عندها شيء من العلم بالأمور وفي قدرتها التدبر والتعقل والتفكر لتذكرها بمسؤوليتها الناتجة عن ما وهبها الله من عقل وفكر وعلم وتهيب بها إلى الانتفاع بكل ذلك وترى ما في كون الله ومشاهد خلقه من آيات العظمة والقدرة والاستحقاق للعبادة والخضوع فتستجيب إلى دعوته ولا تقف موقف المكابرة والمماراة والعناد. ولقد مرّ في سورة فاطر آية في مثل هذا السياق تقرر أن العلماء هم الذين يخشون الله لأن علمهم يجعلهم بالدرجة الأولى يدركون ذلك. وعلقنا على ما تضمنته من مدى وتلقين مستمر المدى. ونبّهنا على ما في مثل هذه المقاطع في الآيات التي نحن في صددها وغيرها من تساوق وتدعيم لما قررناه في ذلك التعليق. على أن هذا لا ينبغي أن يعني أن الآيات غير موجهة إلى غير هذه الطبقة. فروح الآيات تلهم أن كل إنسان عاقل راشد مكلّف بالتدبّر والتعقّل في آلاء الكون ونواميسه حتى يتبين له خلاله عظمة الله تعالى وقدرته. وكل ما يصح أن يكون هو أن تلك الطبقة تتحمل مسؤولية أشدّ في ذلك. وما احتوته الآيات قد تكرر كثيرا في السور السابقة. وإن جاء هنا أجمع وأروع. ومردّ التكرار في هذه كمردّه في تكرار القصص والمواعظ والتنديد والإنذار

стр. 2683

والترغيب والتبشير، وهو تكرر مواقف الدعوة وتنوعها كما نبّهنا عليه في المناسبات السابقة. وجملة وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى جاءت بمثابة استدراك بمعنى أن ما ذكر من أن الإعادة أهون من البدء إنما هو من قبيل البرهان لأذهان البشر الذين اعتادوا أن يروا أن إعادة الشيء ومحاكاته أهون من ابتداعه. ولا يكون هذا التمثيل واردا في حقيقته نحو الله لأن البدء والإعادة بالنسبة إليه سيّان. ولقد قال بعضهم إن البرق هو مخاريق من نار يحملها الملائكة التي يسوقون السحاب أو لمعان سيوفهم وأسواطهم التي يسوقون بها أو لمعان أجنحتهم. وليس لهذه الأقوال سند وثيق وليست متسقة مع الحقائق العلميّة اليقينية. والعبارة القرآنية جاءت للتنبيه على آثار البرق في الناس والتدليل على بديع نواميس الله وخضوعها له وتصريفها بإرادته والأولى الوقوف عند هذا الحدّ. تعليق على آية وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً واستطراد إلى ما قرره القرآن من مساواة بين الرجل والمرأة ومركز الزوجة والآية الثانية رائعة المدى والتلقين المستمر. فالله إنما جعل لكل نفس زوجا منها ليسهل سكن كل منهما لزوجه في نطاق المودة والرحمة اللتين شاء الله تعالى أن يجعلهما بين الزوجين، فمن واجب الإنسان ومن باب أولى من واجب المسلم ذكرا كان أم أنثى أن ينظر إلى الرابطة الزوجية على هذا الاعتبار وأن يبذل جهده في عدم الحيدان عنه. وفي هذا إلى ذلك ما فيه من إعارة القرآن عناية كبرى لهذه الرابطة. وقد يلمح في الآية وعلى ضوء آية سورة الأنعام هذه وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [٩٨] تقرير لمبدأ تساوي الرجل والمرأة

стр. 2684

في الحياة الزوجية وأعبائها وفي القابلية العقلية والاجتماعية. فالله قد خلقهما من نفس واحدة. وجعل كلا منهما زوجا للآخر لا يكمل الواحد منهما إلّا بالآخر ولا يستطيع الواحد منهما أن يقوم بواجباته المتنوعة إلّا بمساعدة الآخر والتعاون معه وتلك هي حكمة إلهام التقاء الزوجين برابطة الزواج. ولا يمكن أن يتمّ هذا إلّا في نطاق تبادل المودّة والرحمة الذي لا يمكن أن يكون إلّا بالتراضي والتفاهم ونتيجة لاعتراف كل منهما بذاتية الآخر وبواجبه وبحقه معا. وهذا يعني التكافؤ والتساوي. وكل ما هناك أن الله قد جعل لكل منهما وظيفة جنسية يكون كل منهما بها متمما للآخر وجعل لكل منهما بسبب ذلك مجالا ينشط فيه لخيرهما ومصلحتهما معا. ولقد ذكرنا في سياق تفسير سورة الليل استنادا إلى الآية وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أن القرآن قرر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التكليف وفي نتائج سعي كل منهما حسب السعي وهكذا تتوطد في القرآن المساواة بين الرجل والمرأة في القابليات والمسئوليات الدنيوية والدينية والأخروية. ولقد تكرر تقرير هذا كثيرا بأساليب متنوعة وفي السور المكية والمدنية معا ومرّت أمثلة منه في السور التي مرّ تفسيرها بحيث يصح القول إنه من مبادئ القرآن المحكمة. وما ورد في بعض الآيات المدنية من تفضيل الزوج درجة كما جاء في آية سورة البقرة [٢٢٨] : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ومن جعل شهادة المرأتين معادلة لشهادة رجل واحد كما جاء في آية سورة البقرة [٢٨٢] : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ومن قوامة الرجال على النساء كما جاء في آية سورة النساء [٣٤] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ومن كون نصيب المرأة في الإرث نصف نصيب الرجل كما جاء في آيات المواريث في سورة النساء فليس من شأنه نقض هذا المبدأ على ما سوف نشرحه في مناسباته. والمؤولون والمفسرون والفقهاء متفقون على أن كل تكليف كلّف به المؤمنون وكل واجب أوجب عليهم وكل وعد ووعيد وجّه

стр. 2685

إليهم، وكل فضيلة نوّه فيها بهم وكل نهي نهوا عنه في قرآن وحديث دون تخصيص جنسي هو موجّه للمؤمنات أيضا دون تفاوت ما. والخطاب العام الموجّه إلى المؤمنين والذي يشمل المؤمنات في كل ذلك في القرآن والحديث هو الأعمّ الأغلب. ولا يمكن أن يصحّ في العقل إلّا مع فرض الأهلية التامة للمرأة عقليا وجبلة وأخلاقا وروحيا. ويورد حديث رواه الطبراني عن الأسقع بن واثلة جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ ليس لامرأة أن تنتهك من مالها شيئا إلّا بإذن زوجها إذا ملك عصمتها» «١» . وهذا الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة وقد قال الطبراني إن بين رواته من لا يعرفهم مما يوجب التوقف فيه ولا سيما إنه يتعارض مع النصوص القرآنية التي تأمر بإعطاء المرأة حقها وعدم أخذ شيء منها بدون إذنها وتقرر حقها المطلق في الوصية والدين والاكتساب وقبض الإرث والهبة والتملك إلخ ... وهناك حديث أقوى سندا واعتبارا من هذا الحديث رواه أصحاب السنن وجاء فيه: «قيل يا رسول الله أيّ النساء خير قال الذي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره» . ولسنا نرى في هذا الحديث ما ينتقص ما تقدم أيضا. وكل ما فيه أن على المرأة ألّا تفعل في مالها ما يكرهه زوجها. وليس فيه ما يسمح له بمنعها من التصرف بمالها مبدئيا. وبإناطة ذلك بإذنه. وبالنسبة لطاعته في ما يأمر فلا شك في أن الطاعة يجب أن تكون منوطة بما ليس فيه معصية ولا ضرر عليها وعلى مالها وحقوقها على ضوء بعض الآيات والأحاديث. ففي سورة الممتحنة أنه شرطت عدم عصيان المؤمنات للنبي فيما يأمرهن، من معروف أي ما فيه خير ومصلحة وليس فيه ضرر وهدر حقّ شرعي كما ترى فيها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَ

стр. 2686

وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ... [الممتحنة: ١٢] وقد أثر عن النبي ﷺ أنه كان يأخذ من الرجال بيعة بهذا النصّ مع استعمال الضمير المذكر. وهناك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء فيما أحبّ أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «١» . وتورد أحاديث أخرى بسبيل التدليل على سفاهة المرأة ونقص عقلها ودينها وعوج طبيعتها. منها حديث أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله ﷺ : إن النساء سفهاء إلّا التي أطاعت زوجها» «٢» . وحديث عزاه ابن كثير إلى مسلم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله: يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقالت امرأة منهنّ جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن. قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. هذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين» «٣» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهنّ خلقن من ضلع أعوج وإنّ أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا. وفي رواية إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها» «٤» .

стр. 2687

وتعليقا على ذلك نقول إن القرآن قرر أهلية المرأة بكل تكليف إيماني واجتماعي وتعبدي ومالي وجهادي وأخلاقي كالرجل بدون أي تمييز. ورتّب عليها كل ما رتّبه على الرجل تتجه لكل عمل تقوم به من ذلك ثوابا وعقابا وحدودا في الدنيا والآخرة بدون أي تمييز. وعيّن لها نصيبا في الإرث وأمر بأدائه لها وأوجب لها أداء مهرها وقرر لها الحق المطلق في التصرف في كل ما يدخل في يدها من مال مهما كان عظيما دون أي تدخل أو إشراف أو إذن من الرجل مهما كانت صلته بها فتبيع وتشتري وتملك العقار والأرقاء والأرضين وتزرع وتحصد وتستدين وتدين وتهب وتوصي وتعتق وتكاتب وتؤجر وتستأجر. وجعل أمر نفسها بيدها إلّا إذا كانت قاصرة فتزوج نفسها بدءا ومراجعة. وتفتدي نفسها من زوجها وتصالحه وتجادل عن نفسها رسول الله ومن دونه. وأوجب عليها كل ما أوجبه على الرجل من التفكير في آلاء الله والتدبر في كتاب الله والتعلّم والتعليم. وقرر أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وبعضهم من بعض ونوّه بالمؤمنات الصابرات الصادقات القانتات الخاشعات الصائمات المتصدقات الحافظات لحدود الله والذاكرات الله كثيرا على قدم المساواة مع أمثالهن من الرجال. واعترف بشخصيتهن في نطاق الدولة مستقلة عن الرجل وأمر النبي بأخذ البيعة منهن إلخ إلخ «١» ... ولا يصح هذا إلّا مع فرض الأهلية التامة للمرأة عقلا وأخلاقا وقابلية ومواهب وجبلة. والحديث الذي يذكر أنهن من السفهاء ليس من الصحاح ويتحمل التوقف إزاء ما قرره القرآن من كل ذلك. وحتى لو صحّ فإنه يستثنى من يطعن أزواجهن وهنّ عادة الأكثرية الساحقة من النساء. وقد يكون من الحكمة فيه إذا صحّ حثّ النساء على الطاعة وبيان كون نشوزهن هو من قبيل السفه وقصور

стр. 2688

العقل. والحديث الذي يذكر أن المرأة خلقت من ضلع أعوج قد صدر بسبيل توصية الرجال بالنساء خيرا ورعايتهن والإغضاء عمّا قد يقع منهن من هنات، والأسلوب الذي جاء به متسق مع ما كان في الأذهان من مركز المرأة. وليس فيه على كل حال نقض لما احتوته النصوص والتلقينات القرآنية من تقرير أهلية المرأة لجميع الواجبات والتكاليف والحقوق المتنوعة أسوة بالرجل سواء بسواء. أما الحديث الذي يذكر نقص عقل المرأة ودينها فإن إيماننا بحكمة الله ورسوله يأبى التسليم بناء على تلك النصوص والتلقينات بصدوره عن رسول الله ﷺ بقصد وصف جميع النساء على اختلاف أوضاعهن بنقص الدين والعقل وبقصد تقرير كونهن أكثر أهل النار. وهنّ بالإضافة إلى تلك النصوص والتلقينات التي احتوت ما احتوته النصف الثاني الذي لا تتمّ الإنسانية إلّا به وأمّهات النصف الأول ومنشئاته وراعياته ومربياته. وهنّ نصف أمّة محمد التي وعدها الله بالجنة وقرّة العين. ويأتي التسليم بأن رسول الله قد قصد تقرير كونهن أهل أكثر النار واقعا لأنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير وهو يعلم من دون ريب أن هذا لا يكون عادة إلّا من أغلبية النساء وأن أكثريتهن مؤمنات لهن الجنة حتما وقد وعدن بذلك مثل الرجال وبنصوص خاصة «١» بالإضافة إلى النصوص العامة. ويأبى التسليم بأن الله ورسوله يعتبران فطر الحائض وعدم صلاتها دليلا على نقص دين النساء مع أن ذلك بترخيص منهما. وقد رخصا للمؤمن بكلمة الكفر عند الإكراه [آية النحل: ١٠٦] ورخصا بأكل المحرمات حين الاضطرار [آية النحل: ١١٥] ورخصا للمريض والمسافر بالإفطار وبالتيمم إذا لم يجدا ماء [آية النساء: ٤٣] ويأبى التسليم بأن يتجاوز الله ورسوله التحليل الوارد في آية الدين في سورة البقرة لجعل شهادة المرأتين معادلة لشهادة رجل واحد: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: ٢٨٢] والذي مردّه مشاغل المرأة البيتية دليلا على نقص عقل النساء وفي حين يعلم الله ورسوله أن النسيان من حيث المبدأ عارض بشري يعرض

стр. 2689

للرجال والنساء معا. وكل ما يمكن التسليم به إذا صحّ الحديث أن يكون قصد به الوعظ والتحذير. والله أعلم. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) . في الآية الأولى تمثيل وتشبيه في معرض الإفحام والتقريب موجّه للسامعين ومتضمن السؤال عمّا إذا كانوا يرضون أن يكون مماليكهم شركاء لهم في أموالهم يحسبون حسابهم في تصرفاتهم ويخافون من محاسبتهم لهم أو مقاسمتهم أو مناظرتهم. وتعليق على هذا التمثيل بأن الله يفصّل ويبيّن آياته بالأمثال ليقرب إلى أذهان الناس حتى يتدبرها من تعقّل ورغب في معرفة الحقّ. وفي الآية الثانية استدراك في معرض بيان حقيقة أمر الكافرين فهم في عقائدهم وتقاليدهم يتبعون أهواء النفس ولا يستندون إلى عقل وعلم ومنطق. ولذلك لا يجدي فيهم البرهان والإقناع والأمثال. ولن ينالوا عند الله فوزا ولا نجاحا. ومن كان هذا شأنه عند الله فلن يجد له من بعده نصيرا ولا حاميا. والآيات غير منقطعة من حيث الجوهر عن الآيات السابقة. والمقصد من المثل هو إفحام المشركين. فهم لا يرضون أن يكون مماليكهم شركاء وأندادا لهم مع أنهم مثلهم في الطبيعة والخلقة فكيف يصحّ في عقولهم أن يجعلوا لله شركاء وأندادا من خلقه وأن يظنوا أن الله يرضى بهذا. والتأويل الذي أوّلناه لجملة فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ مستمد من روح الآيات. فالكفار قد انحرفوا عن طريق الحقّ واتبعوا الأهواء بغير علم فأضلّهم الله أي حرمهم من التوفيق والسداد. وهذا من قبيل وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ

стр. 2690

[البقرة: ٢٦] وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] على ما نبهنا عليه في المناسبات الكثيرة المماثلة. ومع ذلك فهي تقرير لواقع أمر الكفار حينما نزلت الآيات وليست تقريرا حتميا لمستقبلهم بدليل أن غالبيتهم الذين سمعوا القرآن قد اهتدوا وآمنوا ونالوا رضاء الله ورحمته. ولقد أورد ابن كثير في سياق هاتين الآيتين حديثا رواه الطبراني عن ابن عباس قال: «كان يلبي أهل الشرك: لبّيك اللهم لبّيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك. وتملكه وما ملك» فأنزل الله الآية. وليس في الرواية ما يدلّ على أن ذلك مناسبة لنزول الآية وإنما هي بمثابة توضيح تفسيري مستمد من عادات المشركين. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) . (١) فطرة الله: أمر الله الذي أوجبه على الناس أو فطرهم وخلقهم وصنعهم عليه، أو طريقته التي أوجب عليهم السير عليها «١» . (٢) لخلق الله: لدين الله على ما رواه المفسرون «٢» عن عدد من علماء التابعين ومفسريهم وهو وجيه متسق مع روح الآية. في الآية الأولى أمر للنبي بالثبات على دين الله الذي هدى إليه بإخلاص تامّ دون ما اعوجاج ولا تردّد. فهذا الدين هو الذي فطر الله الناس عليه، وطريقته وأمره اللذان أوجب عليهم السير عليهما. والتي لا يصح أن يقع عليه تبديل ولا تعديل ولو لم يدرك ذلك أكثر الناس.

стр. 2691

وفي الآيتين التاليتين أمر للنبي والمسلمين معا بأن يجعلوا إنابتهم إلى الله وحده وأن يتقوه بصالح الأعمال ويواظبوا على إقامة الصلاة له ولا يكونوا من المشركين الذين انقسموا شيعا وأهواء في أمر الدين وكل منهم فرح بما هو عليه. والآيات متصلة بسابقاتها اتصالا تعقيبيا يتضمن إيضاح ما يجب على النبي والمؤمنين تجاه ما عليه الكفار والمشركون من باطل وضلال وأهواء منحرفة عن الحق. والآية الثانية تفيد كما هو المتبادر أن الأمر الموجه إلى النبي في الآية الأولى هو شامل للمسلمين أيضا. تعليق على آية فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وكلمة حنيف بمعنى مستقيم. وأكثر ما جاءت في القرآن في معنى التوحيد وعدم الشرك على ما شرحناه في سورة يونس وأوردنا شواهده. فالأمر والحالة هذه في صدد التنبيه على التزام توحيد الله وعلى أن ذلك هو دين الله الذي لا يصحّ عليه تعديل ولا تبديل وإن ذلك هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وقد روي عن النبي ﷺ حديث جاء فيه «١» : «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء. ثم تلا الآية: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» . وقد روى المفسرون عن ابن عباس وغيره عن مفسري

стр. 2692

التابعين «١» أن المراد بالفطرة هو الإسلام. وقد يعني هذا التدين أي الشعور بفكرة الدين أو بقوة خالقة عاقلة وراء هذا الكون، ووحدانية هذه القوة وعبادتها وإسلام النفس لها غريزة من غرائز الناس التي فطروا عليها في كل ظرف ومكان، والمتوقع أن يمارسوها إذا لم يتأثروا بالأهواء والتقاليد المنحرفة المحيطة بهم أو التي ينشأون في جوها والتي قد يكون نشوءها نتيجة جهل أو مأرب لأن عقل الناس في حالة صفائه ومهما كان بدائيا لا يمكن إلّا أن يدرك ذلك. وهذا ما عبرت عنه بأسلوب آخر آية سورة يونس هذه: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [١٩] على ما شرحناه في سياق تفسير هذه السورة. ومن هنا كانت حكمة الله في إرسال الرسل مبشرين ومنذرين للتنبيه على الانحراف وردّ الناس عنه كما ذكر ذلك في آية سورة البقرة هذه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) والمقصود بالذين آمنوا هم أتباع محمد ﷺ . ومن هنا تبدو وجاهة تفسير ابن عباس بأن الدين الإسلامي هو دين الفطرة الإنسانية الصافية التي فطر الله الناس عليها. ولقد احتوت التقريرات القرآنية التي مرّ كثير منها في السور السابقة الدلائل التي لا ينكرها إلّا مكابر على وجود الله ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال وتنزّهه عن الشوائب واستحقاقه وحده للخضوع والاتجاه. وعلقنا عليها بما رأينا فيه الكفاية حيث يتمّ بذلك تقرير صورة العقيدة الإسلامية للدين القيّم وهي فطرة التدين وفكرة الله ووحدانيته وإسلام النفس إليه. وهذه العقيدة من شأنها أن تقي صاحبها من الأهواء والنزوات والفراغ والانهيار واليأس وتمده بمدد فيّاض من القوّة والحيويّة والطمأنينة والسكون يحرم منه من لم يدن بها.

стр. 2693

ومن الجدير بالذكر أن هذه الصورة التي تمثل الغريزة الإنسانية السامية قد قرر وجودها وممارستها عدد عظيم من العلماء والفلاسفة والباحثين في مختلف العصور إلى عصرنا الحاضر نتيجة لدراساتهم التاريخية والاجتماعية والفلكية والرياضية والطبيعية بحيث يصحّ القول إنه لا يجادل فيها إلّا مكابر متعنّت لا يستطيع أن يثبت عكسها في الوقت ذاته «١» . تعليق على آية مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً ... والآية الأخيرة وإن كانت في صدد النهي عن السير في طريق المشركين الذين كانوا موضوع الكلام والتنديد من الانقسام في الدين شيعا حيث كان منهم المعترف بالله مع إشراك غيره به من ملائكة وغير ملائكة، ومنهم الوثني، ومنهم عابد الكواكب، ومنهم عابد النار إلخ فإن فيها تلقينا جليلا مستمر المدى ولكل ملّة ونحلة ومذهب بتقبيح التشيع والانقسام في أمور الدين نتيجة لأهواء النفوس ومآربها وتمسك كل فرقة برأيها تمسك التعصب الأعمى والنهي عنه. والمتبادر أن هذا لا يعني أن لا يختلف الناس في الاجتهاد فيما لا صراحة فيه من نصّ قرآني أو حديث نبويّ ثابت. فهذا أمر طبيعي وواجب كل إنسان مؤهل له على شرط أن لا يكون فيه انحراف عن الأسس والمبادئ المحكمة في كتاب الله وسنّة رسوله، ولا يكون ناشئا عن هوى، أو هادفا إلى تأييده. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) .

стр. 2694

في الآيات: ١- إشارة تنديدية إلى ما يبدو من الناس من تناقض فإذا أصابهم ضرر وبلاء لجأوا إلى الله وحده يدعونه لكشف ما نزل بهم، ثم إذا كشف النازلة عنهم ونالوا خيرا ورحمة جنح فريق منهم إلى الشرك بالله واعتقاد تأثير الغير فيما نالوه. ٢- وإنذار للمشركين: فإن إشراكهم غير الله دليل على كفرهم بنعمته ورجوعهم عن الإخلاص له. فليكفروا ما شاء لهم كفرهم وليتمتعوا بما نالوه ردحا من الزمن فلسوف يرون ويعلمون نتيجة هذا الكفر وشؤمه عليهم. ٣- وتساؤل استنكاري عمّا إذا كانوا يستندون في شركهم إلى برهان ووحي رباني. ٤- وإشارة تنديدية أخرى إلى ما يبدو من الناس أيضا من فرح وبطر في حالة اليسر والنعمة وقنوط وحزن في حالة الشدّة والضرّاء. ٥- وتساؤل فيه معنى التعقيب والتقرير بأن الحالتين هما من الله فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء أحيانا ويضيّقه على من يشاء أحيانا، وهو ما ينبغي أن يكون مفهوما لأنه مألوف مشاهد، ولأن فيه آيات وحكمة ربانيّة يفهمها ويسلم بها الذين يؤمنون بالله وحده. والآيات وإن كانت مطلقة التوجيه للناس أو السامعين فإنها تضمنت التنديد بالمشركين صراحة، وتضمنت حكاية مواقف نسبتها إليهم آيات أخرى في سور أخرى مرّ تفسيرها حيث كانوا يدعون الله وحده مخلصين له الدين في الشدّة ويعودون إلى شركهم بعد الخلاص منها. فهي من هذه الناحية متصلة اتصالا استطراديا بالسياق السابق الذي انتهى بالتنديد بالمشركين كما هو المتبادر.

стр. 2695

ولا يبعد أن يكون وقع على المشركين بلاء أخافهم وجعلهم يدعون الله وحده فلما انكشف عنهم عادوا إلى شركهم في ظروف نزول السورة فكانت مناسبة محكمة لهذه الآيات الاستطرادية. وبعد قليل من هذه الآيات تجيء آيات عن المطر وأثره وأثر انحباسه في الناس وخوفهم وبأسهم واستبشارهم فلعل البلاء هو انحباس المطر فدعوا الله ثم عادوا إلى شركهم أو قدموا القرابين إلى أوثانهم عند هطوله. والراجح أن المعنى بالشرك هنا هم الملائكة. وروح الآية التالية تلهم ذلك. فالعرب كانوا يرون بإشراك الملائكة مبررا من حيث اتصالهم بالله ومن حيث كونهم إنما يتخذونهم شفعاء لديه فطالبتهم الآية بالبرهان على ما يذهبون إليه من عقيدة باطلة. وفي الآية الأخيرة تلقين جليل. فالإيمان يحدث في نفس صاحبه سكينة وطمأنينة ورضاء في حالتي السرّاء والضرّاء فلا تبطره النعمة ولا تؤيسه النقمة. وفي ذلك من القوّة الروحية ما فيه. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا وصفه بالصحيح «١» جاء فيه: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلّا كان خيرا له. إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له» . حيث ينطوي على تلقين نبويّ متساوق مع التلقين القرآني كما هو الشأن في مختلف الشؤون. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) . (١) ليربو: ليزداد ويتكاثر. (٢) المضعفون: الذين يضاعفون ثوابهم بالزكاة.

стр. 2696

في الآية الأولى أمر موجه للسامع بوجوب إيتاء ذي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقوقهم وتنويه بما في ذلك من خير وقربى عند الله لمن يريد رضاءه. وتقرير بأن الذين يعملون ذلك هم المفلحون الفائزون برضائه. وفي الآية الثانية تنبيه تعقيبي على أن الربح الحقيقي ليس فيما يعطيه المرء لغيره من مال بقصد استغلاله وتكثيره فليس لهذا عند الله أجر. وإنما الربح الحقيقي هو في الزكاة التي تعطى للمحتاجين لوجه الله بدون مقابل ولا قصد استغلال وتكثّر في الدنيا. فالذين يفعلون ذلك هم الذين يربحون أضعافا مضاعفة بما يكون لهم عند الله من الأجر العظيم. ولم نطلع على رواية في مناسبة خاصة لنزول الآيتين. ويتبادر لنا أنهما تعقيبيتان أو استطراديتان وأن الصلة بينهما وبين الآيات السابقة وبخاصة الأخيرة منها ملموحة من حيث بيان كون الله هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، وأن على المؤمنين الذين يدركون أن المال مال الله أن لا يبطروا وأن لا يستغلوا أموالهم فيما لا خير فيه ولا أجر، وأن يساعدوا الفئات المحتاجة لوجه الله وابتغاء فضله وأجره. وحرف الفاء الذي بدئت به الآية الأولى قرينة على ذلك. والآية [٣٨] قد وردت بنفس الصيغة في الآية [٢٦] من سورة الإسراء ونبهنا على ما فيها من تلقين جليل مستمر المدى فلا ضرورة للإعادة. ولقد روى المفسر الطبرسي في سياق جملة فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ من هذه الآية الروايات التي أوردناها في سياق الجملة المماثلة في آية الإسراء والتي تتضمن صرف هذه الجملة إلى أقارب رسول الله ﷺ وحقهم. وقد علقنا على هذه الروايات والتأويلات التي يبرز عليها الهوى الشيعيّ في سياق تفسير آية الإسراء بما يغني عن التكرار. تعليق على جملة وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وذكر الربا هنا بالأسلوب الذي ورد به يمكن أن يكون إرهاصا قرآنيا مكيّا بكراهية الربا التي جاءت بأسلوب تشريعي تحريمي في القرآن المدني وفقا لأسلوبي

стр. 2697

القرآن المكي والمدني حيث يجنح الأسلوب المكي إلى الحظر بالتخويف من عقاب الله الدنيوي والأخروي وببيان مضار المحظور، في حين يجنح الأسلوب المدني إلى التشريع لأن النبي ﷺ والمسلمين بعد الهجرة صاروا في نطاق دولة وسلطان يستطيعون فيه التنفيذ في حين لم يكن لهم ذلك في العهد المكي. ولما كان تشريع حظر الربا إنما تمّ وفاقا لنصوص قرآنية ونبويّة في العهد المدني فقد رأينا إرجاء الكلام عليه إلى مناسبته في القرآن المدني. [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٠ الى ٤٢] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) . في الآية الأولى: وجّه الخطاب للمشركين، فقررت أن الله هو الذي خلقهم بدءا وهو الذي يرزقهم ثم هو الذي يميتهم وهو قادر على إحيائهم بعد موتهم ثم وجهت إليهم سؤالا فيه تنديد وتحدّ عما إذا كان أحد من شركائهم يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك. ثم قررت تنزيه الله وتقديسه عما يشركونه معه من شركاء. وفي الآية الثانية: إشارة إلى ما ظهر من الفساد في مختلف أنحاء الأرض برّها وبحرها بسبب آثام أهلها، وإلى أن هذا هو تسليط من الله عليهم ليذوقوا شيئا من وبال ما اقترفوه وليكون لهم فيه عبرة وتذكير لعلّهم يرجعون عن آثامهم. وفي الآية الثالثة: أمر للنبي ﷺ بتحدّي المشركين بالتجول في أنحاء الأرض ليروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وما حلّ بهم من بلاء وتدمير. ثم بإخبارهم بأن هؤلاء قد حلّ فيهم ما حلّ لأنهم كانوا مشركين مثلهم. والآيات الثلاث وحدة متماسكة أولا وفيها التفات إلى المشركين موصل بينها وبين الآيات التي سبقت الآيتين السابقتين مباشرة. والانسجام في السياق والموضوع قائم بينها وبين تلك كما يظهر عند إنعام النظر.

стр. 2698

تعليق على آية ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ... وبعض المفسرين يسوقون في صدد الآية الثانية أقوالا واحتمالات لا تخلو من غرابة وتجعلها منفصلة عن سابقتها ولاحقتها بسبب التعبير بالفساد في البحر والبرّ «١» . ومن ذلك قتل قابيل أخاه هابيل. واغتصاب الملك السفن في البحر وهو ما حكته إحدى آيات سورة الكهف. وملوحة مياه البحار بعد أن كانت عذبة. وخلو أصداف اللؤلؤ من اللؤلؤ وعدوان الأسد على البقر والغنم بعد قتل هابيل ولم يكن يفعل ذلك إلخ، غير أن إنعام النظر في الآيات الثلاث يظهر انسجامها مع بعضها انسجاما تاما. ومن المحتمل أن يكون وقع في ظروف نزول السورة أزمات في الأمن وفي الغذاء والأمطار في الحجاز أو في تخومها فكان ذلك مناسبة لتنبيه الناس إلى أنه من تسليط الله عليهم بسبب آثامهم ولحملهم على الارعواء والرجوع إلى الله والحق. وتعبير ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يرجح أن يكون تعبيرا أسلوبيا يقصد به شيوع الفساد وشموله. وبعد قليل يأتي فصل عن الأمطار وأنهارها وانحباسها وما كان يثير ذلك من جزع وفرح في الناس. فلعل هذا متصل بذلك. حتى ولو لم يصحّ احتمال وقوع شيء فوق العادة فالوقائع المسيئة دائمة في مختلف أنحاء الأرض وأخبارها تصل إلى الحجاز. فالمناسبة قائمة دائما للتنبيه إلى أن ذلك نتيجة لما يقترفه الناس من آثام ليرعووا ويرجعوا إلى الله والحق. ولقد احتوت آيات عديدة مثل هذا التنبيه منها ما سبق مثل آية سورة الشورى هذه وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) . [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) .

стр. 2699

(١) القيّم: المستقيم. (٢) يصّدّعون: يتفرقون. الآيات معقبة على ما سبقها ومتصلة بالسياق من هذه الناحية. وقد احتوت تنبيها للناس وإنذارا للكفار وتنويها للمؤمنين. فالعلاج الوحيد لاتقاء غضب الله وبلائه هو الإخلاص في الاتجاه إليه وحده. فذلك هو الدين المستقيم. والذي يختار الانحراف عن ذلك ويكفر فهو يحمل وزر نفسه ولن يحظى بحب الله ورضائه. أما الذين يؤمنون بالله ويخلصون في الاتجاه إليه وحده ويعملون الأعمال الحسنة فإنما يكونون بذلك قد مهدوا لأنفسهم طريق النجاة ونالوا جزاء الله الحسن وفضله. وأسلوب الآيات قوي موجه إلى القلب والعقل معا. وفيها توكيد جديد لما تكرر كثيرا من مسؤولية الإنسان عن عمله وترتيب الثواب والعقاب وفاقا له. [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٦] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) . في الآية تنبيه على بعض آيات الله وأفضاله على السامعين: فهو الذي يسوق الرياح مبشرة بالأمطار التي فيها لهم الرحمة والبركة. وهو الذي يحركها أيضا لتسيير المراكب في البحر حتى يقوموا عليها بأسفارهم التي يبتغون بها رزق الله وفضله. ففي ذلك آيات دالة على استحقاقه لاتجاههم إليه وحده وشكرهم على أفضاله عليهم. والمتبادر أن الآية جاءت مرادفة لسابقاتها ومتصلة بسياقها من هذه الناحية. فكما أن اتباع الدين الحق والاتجاه إلى الله وحده منج من الآخرة فإن ما يتمتع به

стр. 2700

الناس في البحر والبرّ وأسباب الرزق والسفر هو من فضل هذا الإله ويوجب عليهم شكره وعبادته. [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) . في الآية تذكير بأن الله تعالى قد أرسل من قبل النبي رسلا إلى أقوامهم بالبينات. فمنهم من استجاب ومنهم من كفر فانتقم الله من المجرمين وأصابهم ببلائه ونصر المؤمنين لأنه يعتبر نصر المؤمنين عليه حقا. تعليق على جملة كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وبعض المذاهب الكلامية تتوقف في تقرير حقّ على الله تعالى لخلقه. وقد يكون في هذا وجاهة ولا سيما إذا قيل هذا من إنسان لأنه قد يكون فيه معنى من معاني سوء الأدب نحو الله . ولكن العبارة هنا ليست من ذلك. فالله تعالى هو الذي يوجب على نفسه نصر المؤمنين الذين أخلصوا له وحده. وفي هذا- فضلا عن التشجيع والتثبيت والتطمين- معنى تكريمي عظيم للمؤمنين ورفع لشأنهم وتسجيل لفضلهم ومزيتهم حيث جعلهم مستحقين أن ينصرهم مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم. ولقد أورد المفسرون «١» على هامش تأويل هذه الآية حديثا نبويا عن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله يقول: «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلّا كان حقّا على الله أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة. ثم تلا: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. ومع ما للبشرى التي احتوتها الآية والحقّ الذي أوجبه الله على نفسه بنصر
следующие страницы →