← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

سأل الله أن ينزل في الخمر بيانا شافيا كما روي أن بعض المسلمين جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا له: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل سالبة للمال. وأن السؤال الثاني كان من معاذ بن جبل ورفيق له أتيا رسول الله ﷺ فقالا: إن لنا أرقاء وأهلين فعلى من ننفق؟ وأن السؤال الثالث كان من جماعة كانوا أوصياء على بعض اليتامى فلما نزل وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الأنعام: [١٥٢] في سورتي الإسراء والأنعام انطلق كل من عنده يتيم فعزل ماله عن ماله، ثم شق عليهم الأمر فسألوا رسول الله فأنزل الله الآيات. وفي رواية أن هذا كان حينما نزلت آيات سورة النساء [٢- ١١] التي تنهى عن أكل أموال اليتامى وتبديل طيبها بالخبيث وتنذر من يفعل ذلك وتأمر بحفظها ودفعها لهم. والرواية التي تذكر سؤال عمر فقط هي الواردة في كتب الأحاديث المعتبرة دون غيرها ويلحظ أنها في صدد الخمر مع أن في الآيات مسائل أخرى. وآيات النساء نزلت بعد هذه الآيات، والموضوع ليس محصورا في أموال اليتامى. وعلى كل حال فالمتبادر أن المسائل المذكورة في الآيات مما كان يسأل عنها المسلمون في العهد النبوي فأنزل الله الآيات لتوضيح الأمور وحدة متكاملة. هذا، ولقد قال المفسرون في صدد ما ذكرته الآية الأولى من نفع الخمر والميسر أن نفع الخمر هو ما كان يحدثه من نشوة وما كان يعود على صانعيه وأصحاب الثمار التي يصنع منها. وأن نفع الميسر هو ما كان يعود على الرابح من ربح ... وعلى كل حال فإن أسلوب جواب السؤال الأول يدل على ما كان للخمر والميسر من رسوخ وانتشار في بيئة النبي ﷺ وعصره، وما كان لذلك من تأثير في حياة هذه البيئة اقتصاديا واجتماعيا وأن المتبادر أن الإشارة إلى ما لهما من منافع إنما أتت من ذلك أي أنها تقرير للواقع وليست بقصد الإقرار والتبرير. والسؤال والجواب عن الخمر والميسر هما خطوة أولى تبعتها خطوات أخرى في التشديد ثم في التحريم في آيات في سورتي النساء والمائدة على ما سوف نشرحه في مناسبتهما.

стр. 3187

ولقد انطوى الجواب هنا على استكراه تعاطيهما حيث ذكر إثمهما أولا ووصف بأنه أكبر ثانيا. وشدد في وصفه فذكر أنه أكبر من نفعهما. وهذا مؤيد لما قلناه آنفا من أن ذكر منافعهما هو إقرار للواقع وليس للتبرير. والمتبادر أن اقتصار الجواب على ذلك في الخطوة الأولى إنما كان بسبب ذلك الواقع حيث اقتضت حكمة التنزيل التدرج في التشديد والتحريم حينما صارت حالة الإسلام والمسلمين تتحمل ذلك. وهناك أحاديث عديدة في صدد الخمر والميسر فيها توضيح وأحكام أجّلنا إيرادها والتعليق عليها إلى تفسير آيات سورة المائدة [٩١- ٩٢] لأنها أكثر ملاءمة معها. وننتقل الآن إلى السؤال الثاني وجوابه فنقول إن هناك أقوالا عديدة يرويها المفسرون عن أهل التأويل في صدده. منها أن السؤال هو في صدد ما يحسن أن يعطيه المسلمون للنبي ﷺ من صدقاتهم وأن النبي ﷺ أمر فيها كجواب على سؤالهم بأن يأخذ منهم الفضل الزائد أو ما يستطيعون أن يعطوه قليلا كان أو كثيرا. وفي آية في سورة الأعراف التي سبق تفسيرها جملة تأمر النبي ﷺ بأن يأخذ العفو. ومن الأقوال المروية مع ذلك أن السؤال هو في صدد ما يحسن أن يتصدق به المسلمون بصورة عامة فأمروا بأن يعطوا ما فضل عن حاجتهم في قول، وما لا يكون فيه إجهاد لأموالهم وأنفسهم في قول. واليسير في قول وأطيب ما عندهم وأفضله في قول. وجميع هذه الأقوال واردة والجملة القرآنية تتحملها. وقد صوب الطبري أنها في صدد الأمر الثاني وأن العفو ما كان زائدا عن الحاجة. والتصويب في محله ومتساوق مع السؤال فيما يتبادر لنا. ويكون في الجواب والحالة هذه توجيه ومغزى عظيمان بعيدا المدى إذ يؤمر المسلم بأن يتصدق بما يكون زائدا عن حاجته لمن هم في حاجة من المسلمين أقارب كانوا أم أباعد. وليس بعد هذا شيء أسمى ولا أقوى في إيجاب التكافل بين المسلمين. وهناك أحاديث عديدة في صدد ذلك منها حديث رواه مسلم عن عبد الله بن جرير في موقف جاء النبي جماعة في حالة سيئة من العوز فدعا المسلمين إلى التصدق قائلا: «ليتصدق امرؤ من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع برّه، من صاع تمره، حتى ولو بشقّ تمرة» . وحديث

стр. 3188

رواه الخمسة جاء فيه: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل شيء فهكذا وهكذا يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك» ، وحديث آخر رواه الشيخان عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شرّ لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى» «١» . هذا، ومن المؤولين من أول الجملة بالزكاة المفروضة ومنهم من أولها بالصدقة التطوعية، وقد صوب الطبري القول الثاني إلى جانب الزكاة المفروضة وهو تصويب سديد. وجواب السؤال الثالث جدير بالتنويه من حيث إنه ينطوي على رفع الحرج عن المسلمين في أمر شاق عليهم مع التشديد والإنذار. ففي عدم المخالطة بين اليتامى وأوصيائهم بمعناها الدقيق حرج ومشقة، والله لا يريد ذلك للناس والمطلوب الجوهري هو عمل ما فيه الصلاح والمصلحة لليتامى، وعليهم أن يعلموا أن الله تعالى عليم بنيّاتهم وبمن يريد الإصلاح والفساد منهم، وفي كل هذا تلقينات جليلة مستمرة المدى في شأن اليتامى بخاصة وفي كل شأن آخر بعامة مما تكرر تقريره في آيات كثيرة بأساليب متنوعة. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) . (١) لا تنكحوا: لا تتزوجوا.

стр. 3189

(٢) لا تنكحوا: لا تزوجوا وكلمة النكاح ومشتقاتها في القرآن بمعنى الزواج وليست بمعنى الجماع. في الآية: ١- نهي موجّه للمسلمين عن التزوج بالمشركات وعن تزويج المشركين بناتهم. ٢- وتنبيه بأسلوب المقارنة إلى أن الأمة المؤمنة خير وأصلح للمسلم من حرة مشركة مهما كان لها من المزايا والصفات مما يعجبه، وأن العبد المؤمن خير وأصلح من حرّ مشرك مهما كان له من المزايا والصفات مما يعجبها. ٣- وتعليل لهذا التفضيل بأن المشركين بأفعالهم وتصرفاتهم إنما هم دعاة للنار فلا يصح الاتصال بهم والتناكح معهم، والله فيما يأمر به وينهى عنه إنما يدعو إلى الجنة والمغفرة ويبين آياته للناس لعلّهم يذكرون ما يجب عليهم اتباعه واجتنابه. تعليق على الآية وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... الآية فصل تشريعي جديد، وضع بعد الفصول السابقة للمماثلة التشريعية أو لتوالي النزول على ما هو المتبادر. وقد روى المفسرون في نزولها رواية تذكر أنّ واحدا من المسلمين أعجبته مشركة فاستأذن النبي ﷺ بالتزوج منها، وأخرى تذكر أن عبد الله بن رواحة لطم عبدة سوداء له ثم فزع إلى النبي فأخبره فسأله عنها فقال له إنها تصلي وتصوم وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال له هذه مؤمنة فأقسم ليعتقنّها وليتزوجها ففعل فعابه بعضهم فأنزل الله الآية تحبيذا لما فعل. والروايات لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة، وقد يكون ما ورد فيها قد وقع فكان مناسبة لنزول الآية بأسلوبها المطلق لتكون تشريعا عاما. ولقد كان بين مسلمي العرب ومشركيهم أرحام واشجة ومصاهرات قائمة قبل الإسلام وامتد ذلك

стр. 3190

إلى ما بعده. حتى لقد بقي إلى ما بعد صلح الحديبية مما انطوى في بعض الآيات إشارات إليه مثل آية سورة الممتحنة [١٠] وسورة التوبة [٢٣] «١» . وآية الممتحنة صريحة بأنه كان للمهاجرين زوجات كافرات إلى حين نزولها فأمروا بعدم الإمساك بعواصمهن. ولقد روي أن زينب بنت رسول الله ﷺ بقيت في مكة ردحا من الزمن بعد الهجرة في عصمة زوجها أبي العاص الذي لم يكن آمن. وكان من أسرى المشركين في وقعة بدر فأرسلت قلادتها لافتدائه» . حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت وضع حد لذلك بهذه الآية. وإذا كانت هذه الآية نزلت قبل آية الممتحنة وهو ما نرجحه والله أعلم فتكون قد هدفت إلى منع إنشاء زواجات جديدة بين المسلمين والمشركين إلى أن نزلت سورة الممتحنة بعد صلح الحديبية فقررت الآية التي نحن في صددها عدم حلّ المسلمات للمشركين والمشركات للمسلمين وأمرت بفصم عصمة الزواجات القائمة بينهم. ويروي بعض المفسرين «٣» عن بعض أهل التأويل أن الآية كانت عند نزولها شاملة لجميع غير المسلمين بما فيهم الكتابيون لأن اعتقاد اليهود ببنوة العزير لله والنصارى ببنوة المسيح وألوهيته يجعلهم داخلين في عداد المشركين. كما يروي بعضهم عن بعض أهل التأويل أن الآية هي في حق مشركي العرب. وأصحاب القول الأول قالوا إن الآية نسخت في حق أهل الكتاب جزئيا بآية سورة المائدة الخامسة التي أحلت للمؤمنين التزوج بالحرائر من الكتابيات والآية تتحمل كلا القولين. ويلحظ أن الآية احتوت تعليلا وحكمة تشريعية، وهذا من أساليب القرآن الهادفة إلى الإقناع والبيان. ومن مدى التعليل أن المشركين يدعون إلى ما يؤدي

стр. 3191

إلى النار من الكفر والفسوق ويسلكون سبيلهما والتزاوج مظنة الإلفة والمودة. وهذا يوجد التوافق في المطالب والمسيرة فصار من الواجب أن لا يتزاوج المسلمون والمشركون حتى لا ينحرف المسلمون وذراريهم إلى سبل غير الله من وثنية وتقاليد وثنية خلقية واجتماعية، والله تعالى أعلم. وهذه المحاذير منتفية في ما اقتضته حكمة التنزيل من نسخ حكم هذه الآية بإحلال تزوج المسلمين من الكتابيات على ما سوف نزيده شرحا في تفسير المائدة. وروح الآية بل وفحواها يفيد أن النهي هو عن التزوج بالمشركات الحرائر وتزويج المشركين بالمسلمات. والمتبادر أن هذا لا يشمل استفراش ملك اليمين من الإماء المشركات ويدعم هذا حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد قال: «بعث النبيّ ﷺ بعثا يوم حنين إلى أوطاس فظهروا عليهم وأصابوا فيهم سبايا فتحرّج بعض أصحاب النبي ﷺ عن غشيانهن من أجل أزواجهم المشركين فأنزل الله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ النساء: [٢٤] أي فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهنّ» «١» . وحديث رواه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: «لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره. ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة» «٢» . وفي تفضيل الأمة المؤمنة على الحرّة المشركة والعبد المؤمن على الحر المشرك تلقين قرآني جليل بما ضمنه الإسلام للأرقاء المؤمنين من رفعة المركز والوجاهة. وهذا يضاف إلى عناية القرآن بتحرير العبيد بمختلف الأساليب والحثّ على الرفق بهم وما ورد من أحاديث نبوية في صدد ذلك مما شرحناه في تعليقنا على موضوع الرقيق في تفسير سورة البلد. ومن الجدير بالتنبيه في هذه المناسبة أن القصد من العبد المؤمن والأمة

стр. 3192

المؤمنة اللذين دخلا الإسلام وهما في حالة الرقّ، والمؤمن والمؤمنة الحران لا يسترقان إنشاء في أي حال. والأسير الكافر إذا أسلم قبل أن يقرر ولي أمر المؤمنين مصيره يصبح حرا. هذا وهناك أحاديث في صدد الزوجين اللذين يسلم أحدهما أو يرتدّ أحدهما أجلنا إيرادها وشرحها إلى تفسير سورة الممتحنة لأنها أكثر ملاءمة. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) . (١) أذى: يمكن أن تكون الكلمة بمعنى عارض مرضي مؤذ، ويمكن أن تكون بمعنى القذارة والنجاسة. (٢) حرث لكم: التعبير على وجه المجاز، والقصد منه أن المرأة مزرعة لنسل الرجل. تعليقات على آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ... والآية التالية لها في الآية الأولى: حكاية لسؤال ورد على النبي ﷺ عن حكم حيض النساء، وأمر بالإجابة بأنه أذى وبوجوب اعتزال النساء في أثنائه وعدم قربهن حتى يطهرن. وحينئذ يحل لهم إتيانهن من حيث أمرهم الله وتنويه بالتوابين الذين يتقيدون بأوامر الله والمطهرين الذين يبتعدون عن النجاسات والأقذار ويحبهم. وفي الآية الثانية تقرير موجه للمسلمين بأن نساءهم حرث لهم ولهم أن يأتوا

стр. 3193

حرثهم أنى شاءوا. ثم احتوت مواعظ لهم، فعليهم أن يراقبوا الله ويتقوه في جميع أعمالهم وأن يذكروا دائما أنهم ملاقوه وواقفون بين يديه، ثم أمرا للنبي ﷺ بتبشير المؤمنين الصادقين المستجيبين لهذه المواعظ بحسب العواقب. ولقد روى المفسرون أحاديث وأقوالا في نزول الآيتين ومداهما. من ذلك حديث يرويه الترمذي عن أنس قال: «كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها ولم يجلسوا معها في بيت. فسئل النبيّ ﷺ فأنزل الله الآيات فأمرهم النبيّ ﷺ أن يؤاكلوهنّ ويشاربوهنّ وأن يكونوا معهنّ في البيت وأن يفعلوا كلّ شيء إلّا النكاح. فقالت اليهود: ما يريد محمّد أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء عبّاد بن بشر وأسيد بن حضير إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك وقالا: يا رسول الله أفننكحهن في المحيض؟ فتمعّر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننّا أنه غضب عليهما فاستقبلتهما هدية من لبن فأرسل لهما رسول الله فسقاهما فعلما أنه لم يغضب» «١» . وحديث ثان يرويه الترمذي والبخاري عن جابر قال: «كانت اليهود تقول: من أتى امرأته في قبلها من دبرها كان الولد أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» «٢» . وحديث ثالث يرويه الترمذي عن ابن عباس قال: «جاء عمر إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله هلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي الليلة. فلم يردّ عليه رسول الله، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أقبل وأدبر واتّق الدبر والحيضة» «٣» . وهناك روايات لم ترد في كتب الأحاديث منها أن العرب كانوا لا يساكنون الحائض في بيت ولا يأكلون معها في إناء، فسألوا النبي ﷺ فأنزل الله الآية. ومنها أن بعضهم كان يأتي النساء في الحيض من أدبارهن فسألوا النبي ﷺ فأنزل الله الآيات.

стр. 3194

ومهما يكن من أمر فالنصّ ظاهر بأن أناسا سألوا رسول الله عن المحيض فنزلت الآيات بالإجابة مع بعض التفصيل. ويجوز أن تكون الآيات نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت في ترتيبها للتماثل الظرفي والتشريعي، ويجوز أن تكون وضعت في ترتيبها للتماثل التشريعي ويجوز أن تكون بعض الآيات تليت في سؤال من أحد عن شيء ما مما يتعلق بإتيان النساء في المحيض أو في أدبارهن أو اعتزالهن فظنّ الرواة أنها نزلت على أثر السؤال والله تعالى أعلم. هذا في صدد نزولها، أما في مداها: فأولا: إن المفسرين يروون عن أهل التأويل أن المنهي عنه هو الجماع، والآية قد تفيد ذلك، والحديث المروي عن أنس يفيد ذلك صراحة. وهناك حديث يرويه الطبري عن عائشة جوابا على سؤال عما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضة: «كلّ شيء إلّا الجماع وفي رواية إلّا الفرج» وهناك حديث يرويه الشيخان عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيض» «١» . وثانيا: في جملة حَتَّى يَطْهُرْنَ فقد قرئت الطاء والهاء بالتشديد والفتح. وقرئت الطاء بالتسكين والهاء بالضم، واختلف الفقهاء بحسب ذلك. فمن رجح القراءة الأولى أوجب عدم الجماع حتى ينقطع الحيض وتغتسل الحائض. ومن رجح القراءة الثانية أجاز الجماع عند انقطاع الحيض بعد غسل الفرج فقط. وثالثا: في جملة فَإِذا تَطَهَّرْنَ فاختلف الفقهاء تبعا لاختلافهم في قراءة الجملة السابقة. فمن رجح القراءة الأولى أوجب الاغتسال الشرعي قبل الجماع وبعد انقطاع الدم. ومن رجح القراءة الثانية أجاز الجماع دون اغتسال شرعي. والجملتان تتحملان المذهبين غير أن الذي يتبادر لنا أن المذهب الثاني أكثر اتساقا مع فحوى الآية، فهي تقرر أن المحيض أذى وتأمر بعدم قرب النساء أثناءه فإذا

стр. 3195

انقطع الدم انقطع الأذى وزال المانع. ولا يتوقف هذا على الاغتسال الشرعي ويكفي غسل الفرج والله تعالى أعلم. وننبه على أن هناك أحاديث توجب كفارة مالية على من يواقع زوجته وهي حائض منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض فقال: يتصدق بدينار أو نصف دينار. وفي رواية أبي داود: «إذا أصابها في أوّل الدّم فدينار وإذا أصابها في آخره فنصف دينار» «١» . وهناك من أخذ بهذه الأحاديث وهناك من أوجب الالتزام بالنهي القرآني وهو الاعتزال إلى أن يطهرن. والظاهر أن هؤلاء لم يثبت عندهم الأحاديث. وفي الأحاديث إذا صحت معالجة الحالة قد تكون اضطرارية وقد تفيد أن النهي ليس من قبيل التحريم وإنما من قبيل استهداف بيان ما في ذلك من أذى وقذارة، والله تعالى أعلم. ورابعا: في صدد جملة فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل أقوالا منها أنها بمعنى آتوهن من فروجهن. أو أنها بمعنى آتوهن بعد أن أمركم الله باعتزالهن. وقد يكون التأويل الأول هو الأوجه والله أعلم. وخامسا: في صدد جملة نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ تداولها بعض المؤولين على ما يرويه الطبري وغيره أنها تبيح للرجل إتيان زوجته على أي كيفية وفي أي وقت في الليل والنهار، ومقبلة ومدبرة ومستلقية أو محبية أو على شق أو قاعدة أو قائمة على شرط أن يكون الإيلاج في الفرج وتجنب الدبر. وأولها بعض المؤولين بأنها تبيح للرجل إتيان امرأته من دبرها أو قبلها. وقد روى القول الثاني عن ابن عمر وروى عنه نقيضه أيضا. والجمهور على القول الأول، وحديث ابن عباس عن مراجعة عمر لرسول الله ﷺ صريح بإيجاب اتقاء الدبر. وهناك أحاديث أخرى منها حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أتى حائضا أو امرأة من دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد» . وحديث

стр. 3196

رواه أصحاب السنن عن النبي ﷺ قال: «ملعون من أتى المرأة في دبرها» . وهناك أحاديث أخرى وهذا ما يجعلنا نشك فيما روي عن ابن عمر بأنه أجاز إتيان المرأة في دبرها ونصدق ما روي عن إنكاره ذلك. وبالإضافة إلى هذه الأحاديث فإنه يتبادر لنا أن الآية لا تفيد غير ذلك فالحيض من القبل والنهي هو عن قرب النساء في الحيض، وقد شبهت النساء بالحرث أي الأرض التي تزرع لتخرج ثمرا، وهذا إنما يكون من القبل. وليس في الأحاديث النبوية حدّ وعقوبة على من يأتي النساء من أدبارهن. وقد يصح أن يقاس هذا على اللواط وعقوبته على ما شرحناه وأوردنا ما ورد فيه من أحاديث في سياق قصة لوط في سورة الأعراف شرحا يغني عن التكرار. وقد يرد قول إن هذا قد لا يشمل الأزواج استنادا إلى مبدأ درء الحدود بالشبهات من حيث أن يكونوا أخذوا بتأويل من تأويلات جملة: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ومع أننا لا نرى ذلك فإن ما عليه من الأزواج يكونون على كل حال موضوع الإنذار النبوي الرهيب الذي وصمهم بالكفر ولعنهم. أما الأحاديث التي يستمد منها الفقهاء مبدأ درء الحدود بالشبهات فمنها حديث رواه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام لئن يخطىء بالعفو خير من أن يخطىء بالعقوبة» «١» . وحديث رواه ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا» «٢» . وحديث رواه ابن مسعود مرفوعا جاء فيه: «ادرأوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم» «٣» . هذا، والسنّة المتواترة المجمع عليها أن الحائض تسقط عنها الصلاة وتفطر في رمضان على أن تقضي في غيره عدة الأيام التي أفطرتها. وهناك حديث رواه الخمسة عن معاذة قالت: «سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي

стр. 3197

الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» «١» . ويستتبع هذه السنّة سنّة أخرى مجمع عليها وهي أن على الحائض عند ما ينقطع الحيض عنها أن تغتسل قبل أن تصلي، أي لا يكفي الوضوء لصلاتها، وهناك حديث رواه الترمذي في صدد قراءة الحائض للقرآن عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» «٢» . وقد رأينا من المفيد أن نستطرد إلى عارضين ينزل فيهما الدم من قبل المرأة، الأول يسمى الاستحاضة وينزل في غير وقت الحيض وأحيانا يستمر نزوله. وفي حديث رواه الخمسة عن عائشة حكم لهذا العارض حيث رووا أن عائشة قالت: «إنّ فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبيّ ﷺ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إن ذلك عرق وليس بالحيضة. ولكن دعي الصلاة بقدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلّي وفي رواية إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي الدم وصلّي وفي رواية الترمذي وتوضّئي لكلّ صلاة. وفي رواية أبي داود لتنظر عدّة الأيام والليالي التي كانت تحيض بهنّ من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلّي» «٣» . وهناك حديثان آخران في ذلك منهما حديث رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت: «يا رسول الله إني أستحاض، فقال لها: إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلّي فإنما هو عرق» . وروي الثاني عن أصحاب السنن أن حمنة بنت جحش قالت: «أتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني من الصلاة والصوم؟ قال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك؟

стр. 3198

قال: فاتخذي ثوبا. قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثجّ ثجا. قال: سآمرك بأمرين أيّهما فعلت أجزى عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم. إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذكره، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزئك. وكذلك فافعلي كلّ شهر كما يحضن النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهنّ فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجّلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين وتؤخّرين المغرب وتعجّلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي. وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك قال رسول الله وهذا أعجب الأمرين إليّ» «١» . ويلحظ أن الشطر الثاني من هذا الحديث فيه إيجاب اغتسال لكل صلاة والأول ليس فيه ذلك، وصيغة الحديث تجعل للمرأة الخيار في ذلك. والحديث الأول الذي رواه الخمسة لا يوجب إلّا الغسل من الحيض وميقاته واكتفى بالأمر بالتوضّؤ للصلاة للمستحاضة وهذا هو الأقل حرجا. وقد يتبادر لنا أن يكون الأمر بالاغتسال في الشطر الثاني من الحديث الأخير قد قصد الوضوء وفي هذا يكون التوفيق بين الأحاديث وبين الشطر الأول والشطر الثاني من الحديث، والله تعالى أعلم. ولقد روى أبو داود حديثين عن عكرمة يفيد أن الاستحاضة لا تمنع الزوج من إتيان زوجته وجاء في أحدهما: «كانت أمّ حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها» «٢» . وجاء في ثانيهما: «أن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» «٣» . وقد قال الإمام مالك: إن هذا مما هو متفق عليه «٤» .

стр. 3199

والأمر الثاني في الاستطراد هو حالة النفاس التي يسيل الدم فيها للمرأة عقب الولادة ويستمر مدة طويلة. وهناك حديثان روى أحدهما الترمذي وأبو داود عن أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما تطلي وجهها بالورس من الكلف» «١» . وثانيهما رواه أبو داود عنها أيضا قالت: «كانت المرأة من نساء النبيّ ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبيّ ﷺ بقضاء صلاة النفاس» «٢» . والمشاهد أن الدم لا يستمر مع كل النساء أربعين يوما، فمنتهى ما يشاع عنهن في أقل من ذلك فيكون الأربعون يوما في الحديث هو الحد الأعلى ويكون الحكم وفاق ذلك على ما هو المتبادر. ولم نطلع على أحاديث في صدد وجوب اغتسال النفساء وصومها، وقد يصح والحالة هذه قياس حالتها على الحائض بحيث يجب عليها الاغتسال إذا انقطع الدم عنها وطهرت وقضاء ما تفطره من رمضان أثناء ذلك والله أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) . (١) عرضة: مانعا معترضا لمنع الخير. (٢) أن تبرّوا: قيل إنها بمعنى أن تفعلوا الخير والبرّ إطلاقا وقيل إنها بمعنى أن تبرّوا أرحامكم. والإطلاق يجعل المعنى الأول أكثر وجاهة. (٣) اللغو: هو ما لا طائل ولا فائدة منه من القول. واللغو بالأيمان هو ما يرد في عرض الكلام من صيغ لا يقصد بها يمين مثل بلى والله ولا والله، على ما

стр. 3200

رواه البخاري عن عائشة ﵂ «١» . في الآية الأولى: نهي موجّه للمسلمين عن عدم جعل أيمانهم بالله وسيلة لعدم البرّ والإصلاح بين الناس والانصراف عن عمل ما فيه تقوى الله. فالله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم. وفي الثانية: تقرير موجه إليهم أيضا بأن الله تعالى لا يؤاخذهم بما يصدر منهم من الأيمان التي لا يتعمدون فيها شيئا ولا يقترفون بها ذنبا ولا تعقدها قلوبهم بمنع وإيجاب ونفي وإثبات. وإنما يؤاخذهم بما قصدت قلوبهم كسبه وفعله. وهو على كل حال غفور لمن تاب وأصلح، حليم لا يتسرع بالغضب والعقوبة ليكون في ذلك فرصة لمن حسنت نيته. تعليق على الآية وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ... والآية التالية لها والآيتان فصل تشريعي جديد، وقد وضع بعد ما سبقه للمماثلة التشريعية أو لنزوله بعده. وقد روى بعض المفسرين «٢» أن الآية الأولى نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يدخل على ختنه- زوج أخته- ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته. كما روى بعضهم «٣» أنها نزلت في أبي بكر حين حلف أن لا يساعد قريبا له اندمج في حديث الإفك في حقّ عائشة ﵂ . والروايات لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة، والمتبادر أن الآية الثانية نزلت مع الأولى كتبرير للنهي الذي احتوته الآية الأولى أو فتوى لليمين التي

стр. 3201

يحلفها المسلم فيعتذر بها عن فعل الخير والإصلاح وما تقتضيه تقوى الله. وفحوى الآيتين قد يتسق مع إحدى الروايتين المرويتين، غير أن يمين أبي بكر المروية قد وقعت في أواسط العهد المدني وأشير إليها في آية سورة النور هذه: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) وهي من سلسلة الآيات الواردة في هذه السورة عن حديث الإفك على ما سوف نشرحه في مناسبتها. وفي الآية التالية لهاتين الآيتين إشارة إلى الذين يؤلون من نسائهم أي يحلفون بعدم القرب من نسائهم حيث يتبادر أن هناك صلة موضوعية بين هاتين الآيتين والآيات التالية لهما والله تعالى أعلم. ولقد احتوت الآيتان على كل حال تعليمات قرآنية بشأن الأيمان إطلاقا، وفيهما تلقينات رائعة جليلة في عدم جواز حلف الأيمان للامتناع عن فعل الخير والإصلاح وما تقتضيه تقوى الله من أعمال سلبية وإيجابية وفي عدم جواز احتجاج المرء بيمين صدر منه للامتناع عن ذلك أو لفعل ما فيه إثم وضرر للغير ثم في تقرير كون الله إنما يحاسب الناس على ما يصدر منهم أو يتعمدون فعله من إثم في سياق الأيمان وكون ما ليس فيه ذلك يعده الله لغوا لا يؤاخذهم عليه. وينطوي في التلقين الأول تقرير عدم جواز التقيد بالأيمان للامتناع عن الخير أو فعل الإثم. وفي سورة المائدة آية احتوت بيان الكفارة على اليمين التي يحلفها المسلم ثم توجب عليه الظروف أو واجب فعل الخير والامتناع عن الأذى للنفس أو الغير الرجوع عنها وهي هذه: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) وهي متممة للتعليم القرآني الوارد في هاتين الآيتين كما هو المتبادر. وقد نزلت في صدد جماعة من المؤمنين

стр. 3202

حلفوا أن يتخلوا عن طيبات الحياة تورعا وتقربا إلى الله فنهتهم الآية السابقة لها عن تحريم ما أحلّه الله لهم وأمرتهم بالرجوع عن يمينهم والتكفير عنها. ولقد رويت أحاديث عديدة في صدد اليمين والرجوع عنه وكفارته واليمين الكاذبة رأينا من المفيد إثباتها في هذه المناسبة. من ذلك حديث رواه الثلاثة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الحلف منفّقة للسلعة ممحقة للبركة» «١» . وفي رواية مسلم: «إياكم والحلف في البيع فإنه ينفّق ثم يمحق» «٢» . وحديث رواه الخمسة عن أبي موسى قال: «أتيت رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريين فوافقته وهو غضبان فاستحملناه فحلف ألا يحملنا ثم قال: والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها» «٣» . وحديث رواه مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفّر عن يمينه» «٤» . وحديث رواه أصحاب السنن عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حنث» «٥» . وحديث رواه الخمسة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم أو مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان» «٦» وحديث رواه أبو داود عن عمران عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ مقعده من النار» «٧» . وحديث رواه أبو داود والنسائي عن سعيد بن المسيب قال: «إنّ أخوين كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت سألتني عن القسمة فكلّ مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك.

стр. 3203

كفّر عن يمينك وكلّم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يمين عليك ولا نذر في معصية الربّ ولا في قطيعة الرحم إلا فيما لا تملك» «١» . وللنسائي عن النبي ﷺ : «النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء وما كان في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفّره ما يكفّر اليمين» » . ويصح أن يقاس اليمين على هذا كما هو المتبادر. وهناك أحاديث أخرى في حظر اليمين بغير الله يحسن أن تساق في هذا المقام أيضا، منها حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال: «إنّ النبيّ ﷺ أدرك عمر في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٣» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر: سمع رجلا يحلف بالكعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك» «٤» . هذا، ولقد كتبنا تعليقا على ما أعاره القرآن من اهتمام للإصلاح بين الناس في تفسير سورة الشورى فنكتفي بهذا التنبيه في مناسبة ما ورد من ذلك في هذه الآية. ولقد قيل «٥» في تأويل كلمة (عرضة) قول آخر وهو أن الجملة بسبيل النهي عن التعريض باسم الله في مواقف الحنث واللغو والإكثار من اليمين باسمه لتغرير الناس والكذب عليهم والإكثار من اليمين ولو كانت بارّة صادقة. ومع ما في هذا القول من وجاهة وتلقين بليغ فإن النفس تطمئن بالمعنى الأول كما أن روح الآية تلهمه أكثر وهو ما عليه الجمهور. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)

стр. 3204

(١) يؤلون: من الإيلاء بمعنى القسم (آلى على نفسه وآليت على نفسي) وقد صار له معنى اصطلاحي وهو القسم على عدم مجامعة الزوجة. (٢) تربص: انتظار. (٣) فاءوا: رجعوا عن القسم. (٤) الطلاق: معناه اللغوي المفارقة، وقد صار له معنى اصطلاحي وهو فراق الزوجين عن بعضهما. في الآيتين تعليمات أو تقريرات تشريعية في شأن الإيلاء: فالذين يحلفون بأن لا يجامعوا زوجاتهم لا يصح أن يستمروا على ما أقسموا عليه إلّا أربعة أشهر، فإما أن يرجعوا عن يمينهم ويعودوا إلى نسائهم والله غفور رحيم يقبل التوبة ويعامل بالرحمة، وإما أن يعزموا الطلاق والله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم. تعليق على الآية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... إلخ والآية التالية لها والآيتان فصل تشريعي جديد، وهو بدء فصل طويل في الطلاق. وقد يكون وضعه في ترتيبه للمماثلة أو لنزوله بعد ما سبقه. ولم نطلع على رواية في نزوله، والمتبادر أنه حدث حادث إيلاء فرفع أمره إلى النبي ﷺ فأنزل الحكم فيه. وقد قلنا إن الآيتين السابقتين متصلتان بما بعدهما لأن في اليمين على عدم قرب الزوج لزوجته شيئا مما يخالف الإصلاح وتقوى الله فإذا صح هذا فيكون بدء الفصل التشريعي الآيتين السابقتين وهو فصل طويل على ما سوف يأتي. وإيلاء الزوج على زوجته عادة من عادات العرب قبل الإسلام، فقد كان

стр. 3205

الأزواج إما بسائق الغضب وإما بسائق الكراهية وإما لمآرب أخرى مثل ابتزاز أموالها ومنعها من التزوج من غيره والتصرف بنفسها أو لكثرة ولادتها البنات أو إبقائها في بيته لتكون خادمة ومربية لأولادها إلخ ... يحلفون بعدم الاتصال الجنسي بأزواجهم فتصبح محرّمة عليه لا هي زوجة ولا هي مطلقة. وقد وضعت الآيتان الأمر في نصابه الحق فليس للزوج أن يتحكم بزوجته تحكما كيفيا ليشفي به غلّ نفسه أو يضمن النفع على حساب ضررها. ولا يصح للمؤلي أن يحتج باليمين الصادرة منه للإضرار والحيف: فإما أن تكون يمينا صدرت عن فورة آنية وبغير قصد وتعمد وحينئذ لا يجوز أن يمتد أثرها لأكثر من أربعة أشهر في حال كحد أقصى، وإما أن تكون صدرت عن نية إضرار وأذى وحينئذ يجب أن ترد إلى الزوجة حريتها وأن تحمى من الأذى والضرر بالطلاق إذا لم يرعو الزوج ويعود إلى الحق والواجب وهذا الشرح المستلهم من روح الآيتين والآيتين السابقتين لهما معا يؤيد ما قلناه من الصلة والانسجام بينهما ويبرز المبدأ الجليل الذي تكرر تقريره في القرآن بأساليب متنوعة بحماية الزوجة ومنع الإضرار بها وظلمها واستغلالها. ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة منها ما ورد في الكتب الخمسة في تأويل الآيات ومدى تطبيق حكم الإيلاء. منها حديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس قال: «آلى رسول الله ﷺ من نسائه فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل، قالوا: يا رسول الله آليت شهرا فقال الشهر تسع وعشرون» «١» . وحديث رواه البخاري جاء فيه: «كان ابن عمر يقول في الإيلاء لا يحلّ لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق» «٢» . وحديث رواه الشيخان عن ابن عباس قال: «إذا حرّم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفّرها، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» «٣» . وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت: «آلى رسول الله من نسائه وحرّم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفّارة» «٤» .

стр. 3206

وبالإضافة إلى الأحاديث التي اكتفينا منها بما تقدم ففي كتب التفسير روايات عن أهل التأويل في صدد تطبيق الآيات وحكمها نوجزها ونعلق عليها كما يلي: ١- هناك من قال إنه إذا مرت الأشهر الأربعة دون مراجعة صارت الزوجة مطلقة سواء نطق الزوج بالطلاق أم لم ينطق. وهناك من قال إنه لا بد من أن ينطق بالطلاق لأن فحوى الآية يجعله بين أمرين إما الرجوع قبل انتهاء المدة وإما الطلاق. وهناك من قال إن الزوج إذا لم يطلق أو يرجع خلال المدة طلق عليه الحاكم عند انتهائها وإن للزوجة مراجعة الحاكم لتخييره بين الرجوع والطلاق قبل انتهاء المدة فإن لم يرجع وانتهت المدة طلق الحاكم عليه. والمتبادر أن القول الأخير هو الأوجه لأن هدف الآية منع وقوف الحيف على الزوجة وعدم بقائها معلقة تحت رحمة الزوج. ٢- هناك من قال إن الرجوع عن الإيلاء في المدة لا يكون صحيحا إلا بالوقاع. وهناك من قال إنه يصح بالإشهاد على الرجوع فقط. وهناك من توسط وفصل. فقال إذا كان هناك مانع للوقاع من مرض أو حيض أو سفر أو سجن فيكون الإشهاد مجزيا. وقد يكون هذا هو الأوجه على شرط أن يواقع إذا زال العذر. ويكفّر عن يمينه كدلالة عملية على الرجوع عنها. أما إذا لم يكفر ولم يواقع إذا زال العذر فيظل الإشهاد كلاما بدون دليل ويكون ضرر الإيلاء قد تحقق. ٣- هناك من قال إن مرور الأشهر الأربعة بدون رجوع يكون بمثابة تطليقة بائنة. تملك بها الزوجة نفسها فإذا أراد زوجها أن يعود إليها كان ذلك رهنا برضائها وبعقد ومهر جديدين دون ما حاجة إلى أن تنكح زوجا غيره قبل ذلك إذا كانت هي المرة الأولى أو الثانية ولها الحق أن لا تقبل عودته إليها وأن تتزوج غيره بعد أن تنتهي عدتها وتكون هذه العدة حيضة واحدة «١» . وهناك من قال إنها تطليقة عادية رجعية يحق للزوج المراجعة بدون عقد ومهر جديدين استنادا إلى حكم

стр. 3207

الطلاق المبين في الآيات التالية على ما سوف يأتي شرحه. وهذه الآيات تذكر حكم المطلقات إذا طلقهن أزواجهن مرة أو مرتين حيث يكون لهم مراجعتهن قبل انقضاء العدة مع شرط أن يكون قصدهم الإصلاح وليس الضرر. وورود الآيات بعد آية الإيلاء وبعد جملة وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ قد يجعل القول الثاني هو الأوجه والله أعلم. ٤- هناك من قال إن الزوج لو حلف أن لا يضرب امرأته أربعة أشهر ولم يواقعها بعد انتهاء المدة لا يكون موليا، لأن حكم الآية هو في الذين يولون بدون تحديد للمدة حيث حددت لهم أربعة أشهر يفيئون خلالها أو يطلقون أو يطلق عليهم. وهناك من قال إنه يكون موليا إذا تجاوز الأشهر الأربعة بدون وقاع، ونرى القول الثاني هو الأكثر وجاهة واتساقا مع روح الآية وهدفها. ٥- هناك من قال: إن مدة الإيلاء وأحكامه واحدة في حقّ الحرّ والعبد. لأن الأمر متصل بالطبيعة الجنسية. وهناك من قاس الأمر على حدّ الزنا على الإماء وهو نصف حد الحرائر كما جاء في آية سورة النساء: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) ولم نطلع على حديث نبوي خاص. وهناك حديث في صدد عدد تطليقات الأمة المتزوجة وعدتها حيث روى أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» . في حين أن طلاق الحرة هو ثلاث وعدتها ثلاث حيضات كما جاء في آيات سورة البقرة التالية لهذه الآيات. وقد يكون ذلك القياس استئناسا بذلك في محله فيكون مدة تربص الأمة التي يولي زوجها منها شهرين وليس أربعة والله أعلم. ٦- والجمهور على أن الإيلاء يمين، وإنه إذا حلف الزوج لمدة غير محدودة وفاء قبل أربعة أشهر يكفّر عن يمينه حيث يكون قد حلف على شيء ورأى خيرا منه فرجع عن يمينه كما جاء في الأحاديث النبوية. أما إذا حلف لمدة أربعة أشهر أو أقل وفاء قبل انقضائها فلا يدخل الأمر في شمول الآية لأنه لا يكون قد رجع عن

стр. 3208

اليمين وحقت عليه الكفارة. وهناك من أوجب الكفارة عليه لأن الزوج يعتبر راجعا عن يمينه وقد يكون القول الأول أوجه والله أعلم. وجملة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قد تلهم أن الله تعالى لا يستحسن الإيلاء على كل حال مهما كانت المدة، ويعده هفوة قد يغفرها إذا تاب الزوج عنها وراجع زوجته في المدة أو قبلها. ويدعم هذا عتاب الله لرسوله حينما آلى من زوجاته على ما حكته آيات سورة التحريم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) والأحاديث التي أوردناها في مطلع النبذة عند إيلاء النبي ﷺ قد تفيد أن النبي ﷺ كفر عن يمينه، وقد يفيد هذا آيات التحريم هذه أيضا. ولعل النبي ﷺ آلى بدون مدة ثم رجع فكفّر عن يمينه، والله تعالى أعلم. حالات متصلة بموضوع علاقة الزوج الجنسية بزوجته هناك حالات عديدة من ذلك رأينا أن نستطرد إليها في مناسبة موضوع آيات الإيلاء. فقد روى الإمام مالك عن سعيد بن المسيب أحد علماء التابعين قوله: «أيما رجل تزوّج بامرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخيّر فإن شاءت أقرّت وإن شاءت فارقت» وقوله: «من تزوّج امرأة فلم يستطع أن يمسّها فإنه يضرب له أجل سنة فإن مسّها وإلا فرّق بينهما» وروى الإمام مالك: «أن ابن شهاب سئل متى يضرب الأجل فقال من يوم الترافع إلى السلطان» وعقب الإمام مالك على هذه الأقوال فقال: أما الذي قد مسّ امرأته ثم اعترض عنها فلا يضرب له ولا يفرّق بينهما» «١» . ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك والاجتهادات تفيد أن للزوجة أن ترفع أمرها للسلطان إذا لم ترض بما واجهته من حالات وإن للسلطان أن يضرب أمدا للزوج ثم يفرق بينهما إذا لم يتغير الموقف إيجابيا. وهي اجتهادات سديدة مع توقفنا في

стр. 3209

اجتهاد مالك الأخير وترجيحنا أن للزوجة إذا شاءت أن ترفع أمرها للسلطان في الحالة المذكورة أيضا إذا لم يكن سبب الامتناع مرضا يمكن الشفاء منه. أي إذا كان الامتناع تعففا أو من مرض لا يمكن الشفاء منه والله أعلم. ونقطة أخرى نتوقف فيها، وهي القول إن السلطان يضرب للزوج سنة فحكمة الله قدرت لمن يحلف أن لا يقرب زوجته مدة أربعة أشهر وخيرته بين الرجوع وبين الطلاق. ولذلك نرى الأوجه أن يكون الأجل الذي يضربه السلطان أربعة أشهر من يوم رفع الأمر إليه والله تعالى أعلم. وحالة أخرى رواها مالك والشافعي عن عمر قال: «أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها فلها صداقها كاملا وله الرجوع به على وليّها الذي أنكحه إيّاها» . وعقب الإمام مالك على ذلك بما مفاده أن الولي إذا كان يعلم ذلك فالغرم عليه وإن لم يكن يعلم فليس عليه غرم وترد المرأة ما أخذت من صداقها ويترك لها قدر ما تستحل به «١» . وهذا يعني أن الزواج يفسخ بين الزوجين. ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك، واجتهاد مالك سديد في ما نرى والله أعلم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) . (١) قروء: جمع قرء. وقيل إنه الحيضة كما قيل إنه الطهر من الحيضة. تعليق على الآية وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ لم نطلع على رواية نزول الآية، ويتبادر لنا أنها استطراد لبيان حكم من

стр. 3210

يطلقها زوجها تعقيبا على ما سبقها من تخيير المولي من زوجته بين الإفاءة والطلاق على ما شرحناه قبل قليل. والآية في ذات الوقت مطلع فصل تشريعي في الطلاق ولقد احتوت هي وبقية آيات الفصل كثيرا من المواعظ والتنبيهات في صدد حقوق الزوجة ورعايتها وعدم الجنف عليها وضررها مما فيه دلالة على ما أعارته حكمة التنزيل للحياة الزوجية ولحقوق الزوجة من عناية عظيمة. وما هدفت إليه من تركيز العلاقة الزوجية على أساس الحق والتراضي والوفاق والإصلاح. ولقد روى أبو داود والحاكم وصححه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أبغض الحلال عند الله الطلاق» . وهذا يفسر ما احتوته آيات الفصل من آيات وإلهام بكون إباحة الطلاق على كراهيته هي من قبيل اختيار أهون الشرّين. والشرّ الأكبر هو ما يصيب الحياة الزوجية من شقاء وعناء وبلاء وشقاق وكيد وتفكك في حالة تعذر حسن المعاشرة والوفاق والتقصير في الواجبات والحقوق بين الزوجين سواء أكان ذلك من الطرفين أم من طرف واحد. ولقد أمرت الآية المطلقات بأن يتربصن بأنفسهن حتى تمضي عليهن ثلاثة قروء. وأن لا يكتمن خبر حملهن إن كن حاملات فهذا مقتضى صدق إيمانهن بالله ورسوله، وقررت أن أزواجهن أحقّ بردهن أثناء ذلك إن كان قصدهم الإصلاح وأن لزوجاتهم عليهم من الحقوق مثل ما لهم عليهن فيما هو مشروع وغير منكر مع تقرير أن لأزواجهن عليهن درجة. وفيما يلي شرح وتوضيح آخران لمدى الآية وأحكامها: ١- لقد عرّف المؤولون (التربّص) المذكور بالآية باسم (العدة) أيضا وقد سماه القرآن كذلك في إحدى آيات سورة الطلاق. فتكون عدة المطلقة التي يجب عليها أن تتربص بنفسها طيلتها هي ثلاثة قروء. وفي سورة الطلاق تتمة لذلك حيث جعلت العدة في إحدى آياتها لمن لا تحيض بسبب من الأسباب ثلاثة أشهر وهي تقدير لمدة القروء الثلاثة. وحيث جعلت العدة للحامل وضعها لحملها. وفي

стр. 3211

النقطة الأخيرة توضيح لمدى جملة: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ الواردة في الآية التي نحن في صددها. فقد يكون الحمل جديدا وحينئذ تمتد عدة المطلقة الحامل أكثر من ثلاثة أشهر. وإذا لم يكن جديدا فالإخبار به أيضا يكون ضروريا حتى لا يتأخر الزوج في ردّ مطلقته وتفوته الفرصة لأنها تكون قد انتهت عدتها بالوضع. ٢- ويطلق الفقهاء على الطلاق الذي يمكن أن يرد المطلق زوجته في عدته المذكورة طلاقا رجعيا. وهم متفقون على أن الرّد يتم بدون عقد ومهر جديدين. فإذا انقضت العدة ولم يرد المطلق مطلقته يسمى الطلاق بائنا ويتوقف ردّ المطلقة على مهر وعقد جديدين. وهذا وذاك في التطليقة الأولى والتطليقة الثانية. فإذا طلقها مرة ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا آخر على ما جاء في آيات تالية. ٣- وهناك حديث رواه الترمذي وأبو داود عن عائشة عن النبي ﷺ قال: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» . فيكون في الحديث توضيح لحالة الأمة التي سكت عنها القرآن وصار هذا تشريعا نافذا. ونعني بالأمة هي التي تكون متزوجة زواجا شرعيا بغير مالكها وقد أجاز القرآن ذلك في إحدى آيات سورة النساء. والمتبادر أن حالة الأمة الاجتماعية هي التي لو حظت في هذا التشريع. وقد جعل القرآن حدها على الزنا نصف حدّ الحرة على ما جاء في آية سورة النساء نفسها. وقد يكون هذا التشريع القرآني سند التشريع النبوي في تنزيل مدة الحيضات وعدد التطليقات بالنسبة للأمة. وإذا لوحظ أن التشريع القرآني والنبوي هدفا إلى إنهاء حالة الرقّ على ما شرحناه في سياق سورة البلد بدا أن التشريع القرآني والنبوي في حالتي الأمة المذكورتين آنفا هو معالجة لأمر اجتماعي قائم لم تر حكمة التشريع بدّا من اعتباره. وينتهي حينما يتحقق ذلك الهدف. ٤- من أهل التأويل من قال إن القرء هو الطهر ومنهم من قال إنه الحيض.

стр. 3212

والفرق بين القولين كما هو المستفاد من شروح المفسرين هو أن الزوج يستطيع أن يراجع زوجته قبل تطهرها من الحيضة الثالثة في حالة الأخذ بالقول الأول. أما في حال الأخذ بالقول الثاني فإن طروء حيضتها الثالثة قبل المراجعة يجعل مراجعتها ممتنعة بدون عقد ومهر جديدين لأن الفرصة تكون قد ذهبت والطلاق صار بائنا. ويروي الطبري أن عمر بن الخطاب طلق امرأته فلما تهيأت للاغتسال من حيضتها الثالثة هتف بأنه راجعها فصحّت مراجعته. حيث يكون قد أخذ بالقول الثاني. ويروي الطبري أن رجلا استفتى زيد بن ثابت فأفتاه بأن امرأته إذا دخلت في حيضتها الثالثة بانت منه حيث يكون قد أخذ بالقول الأول. وليس هناك حديث نبوي وثيق صريح في ذلك. ولذلك ظل المذهبان ممارسين. ٥- لقد جعلت الآية الزوج أحقّ بردّ زوجته أثناء العدة. ولكن شاءت رحمة الله أن يكون حقّه مشروطا بقصد الإصلاح إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بحيث يلهم النص القرآني حقّ الزوجة المطلقة بالاطمئنان لحسن نية مطلقها ورغبته في الإصلاح وحقها بالامتناع عن الموافقة على الرجوع إذا لم يحصل عندها ذلك الاطمئنان. ولقد نهت آية أخرى تأتي بعد قليل عن إمساك الزوج مطلقته في أثناء عدتها أي عن ردها إليه بقصد الضرر والعدوان. وعدت ذلك ظلما وهزؤا بآيات الله. وهذا مما يدعم الاستلهام السابق. ولقد ذكر القاسمي في تفسيره أن المراجعة تكون محرمة إذا لم تكن بنية الإصلاح استدلالا من النص القرآني. ولعل في جملة وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ما يؤيد ذلك أيضا. فكما أن للرجل الحق والحرية في عدم المراجعة حتى يصل الأمر إلى البينونة بعد انقضاء العدة فإن للزوجة مثل هذا الحق إذا تيقنت أن زوجها لا يريد بمراجعتها وفاقا ولا إصلاحا. وهذا الحق للزوجة لا ينتقض فيما نراه بجملة: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ الواردة في الآية بعد الجملة السابقة. حيث يتبادر لنا من روح الجملة أنها في صدد تقرير عام في الحياة الزوجية وأن هذه الدرجة هي قوامة الزوج على زوجته وحقه في طاعتها له في هذه الحياة وأن المهر الذي دفعه أولا والنفقة التي يضطلع بها ثانيا

стр. 3213

من مبررات هذه الدرجة على ما تلهم آية سورة النساء هذه: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) ويعزى هذا القول إلى ابن عباس أيضا. ولعل كون الرجل هو الذي يملك حق الطلاق ويملك حق التزوج بأكثر من زوجة من مظاهر هذه الدرجة. ومما قاله رشيد رضا في سياق تفسيره للآية: «إن الحياة الزوجية حياة اجتماعية ولا بدّ لكل اجتماع من رئيس لأن المجتمعين لا بد من أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إليه في الخلاف لئلا يعمل كل فرد ضد الأمر فتنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل نظامهم، والرجل أحق بالرئاسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بقوته وماله فجعل الله له هذه الدرجة» . وفي هذا السداد وفيه توضيح لمعنى جملة: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في آية النساء [٣٤] . ولقد كان النساء وما زلن ولسوف يظللن يشعرن في قرارة أنفسهن على الأقل في صلاحية الرجل لهذه الدرجة في هذا المعنى مهما بلغن من درجات في العقل والعلم والمال والقوة حيث يبدو في ذلك إعجاز التقرير القرآني. هذا مع التنبيه على أنه ليس في أسلوب الآية فضلا عن فحواها ما يمكن أن يفيد أن هذه الدرجة التي جعلت للرجل على المرأة يصح أن تكون استعلاء وتحكما وقهرا. ٦- ونستطرد فنقول: إن المتبادر أن جملة وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أوسع شمولا من حق الزوجة في عدم الموافقة على المراجعة إذا اعتقدت أن مطلقها لا يريد بذلك إصلاحا. وأنه مما ينطوي فيها تقرير حقها في أن يكون لها على الرجل كل ما عليها له من طاعة وأمانة وعفة وإخلاص وحسن معاملة ومودة واحترام وثقة وتكريم وبرّ وترفيه ومراعاة مزاج ورعاية مصلحة وقضاء ما لا يستطيع قضاءه من مصالح وحاجات. واعتباره إياها شريكة حياته في مختلف نواحيها

стр. 3214

ومعاملتها على هذا الاعتبار. وكل هذا حقّ الرجل على زوجته. وكلمة بِالْمَعْرُوفِ في مقامها بليغة المدى لأن هذه الكلمة تعني كل حقّ متعارف عليه وليس فيه منكر، وبالمقدار المتعارف عليه وهذا لا يقاس بزمن بعينه بل يظل يتبدل ويتطور حسب تبدل ظروف الحياة الاجتماعية وتطورها والضابط العام فيه هو أن لا يحرّم حلالا ولا يحلّ حراما. ولقد قال المفسر الخازن في هذا الصدد: «وذلك أن حقّ الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل من الزوجين يراعي حق الآخر فيما له وما عليه. وأن على الزوج أن يقوم بجميع حق زوجته ومصالحها» . وقال الطبري: «وهذه الجملة من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمة» . وقال رشيد رضا بالإضافة إلى ما نقلناه عنه: «إن هذه الجملة تعطي الرجل ميزانا يزن معاملته به لزوجته في جميع الشؤون والأحوال وتقرر أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء وأن ما من عمل تعمله المرأة للرجل إلّا وعلى الرجل عمل يقابلها به إن لم يكن مثله في شخصه فهو مثله في جنسه. فهما متماثلان في الحقوق والأعمال كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل أي إن كلا منهما بشر تام له عقل يفكر في مصالحه وقلب يحب ما يلائمه ويسرّ به ويكره ما لا يلائمه وينفر منه. وليس من العدل أن يتحكم أحد الزوجين في الآخر ولا تكون الحياة الزوجية سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين للآخر والقيام بحقوقه» . [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٠] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) .

стр. 3215

تعليق على الآية الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... إلخ والآية التالية لها في الآيتين تنبيه على أن الطلاق الذي يصح الرجعة فيه يجب أن لا يكون أكثر من مرتين. وإن من واجب الزوج إذا طلق أن يمسك زوجته بإحسان أو يسرّحها بإحسان. وإنها لا تحلّ له إذا طلقها مرة ثالثة إلا بعد أن تنكح زوجا غيره ويطلقها الزوج الجديد ويظن الزوجان القديمان أنهما سيقيمان حدود الله. وأنه لا يجوز لزوج أن يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته إلّا إذا هي أرادت أن تفدي منه نفسها. ولقد روى المفسرون بعض الأحاديث في صدد نزولهما، ففي صدد: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ روى الطبري عن ابن عباس أن رجلا قال لامرأته لا آويك ولا أدعك تحلّين. فقالت له: كيف تصنع؟ فقال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك فمتى تحلين. فأتت النبي ﷺ فأنزل الله الآية» «١» . وحيث روى الطبري عن قتادة: «أن الرجل كان يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك فيراجع في العدة فجعل الله حدّ الطلاق ثلاث تطليقات» . وفي صدد: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلى آخر الآية. روى المفسرون أنها نزلت في شأن جميلة بنت أبيّ كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه فأرسل إليها رسول الله: يا جميلة ماذا كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا إلا أني كرهت دمامته. فقال لها: أتردين الحديقة؟ قالت: نعم، فردت الحديقة وفرق النبي ﷺ بينهما» «٢» .

стр. 3216

ومهما يكن من أمر فالذي يتبادر لنا أن الآيات وما قبلها وما بعدها نزلت معا جملة واحدة أو متتابعة لتوضيح الأحكام المتصلة بالزواج والطلاق. ولم ينزل كل منها لحدتها بناء على حوادث وقعت وإن كان يصح القول إن حكمة الله اقتضت تنزيلها في هذا الفصل بسبب مثل الحوادث المذكورة في الروايات. ويلحظ أن الحديثين الصحيحين اللذين أوردناهما في الذيل لا يذكران أن الآيات نزلت لحدتها بناء على الحوادث والله أعلم. ولقد روى الطبري حديثا عن ابن زيد جاء فيه: «إن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت قوله تعالى الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ فقال له: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» . وفي الجواب حكمة بالغة. وفيما يلي شرح وتعليق على مدى الآيات: ١- إن جملة الطَّلاقُ مَرَّتانِ ذات مغزى هام في صدد التطليق. ومما أثر من السنة النبوية والصحابة أن الزوج الذي يريد أن يطلق زوجته كان يطلقها للمرة الأولى طلقة رجعية ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها. ثم إذا لم تزل أسباب الطلاق عنه أو عادت ثانية يطلقها للمرة الثانية طلقة رجعية ثم يراجعها قبل انتهاء العدة، فإذا لم تزل أسباب الطلاق أو عادت طلقها للمرة الثالثة ويكون الطلاق بائنا لا تحل المطلقة لمطلقها إلا بعد أن تنكح زوجا آخر. وينطوي في هذا كما هو واضح حكمة التنزيل الجليلة في إعطاء الفرصة للزوجين للتروي فإذا وقعت التطليقة الثالثة فيكون معنى ذلك تعذر التراضي والوفاق ويصبح الفراق أمرا ضروريا لصالح الزوجين وتكون شريعة الطلاق بهذه الصورة في غاية الحكمة والصواب. وهناك حديث رواه الشيخان والنسائي وأبو داود عن ابن عمر أنه طلّق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء» . وهذا الحديث مع نصّ الآيات قد يلهم عدم نفاذ الطلاق البات أو الطلاق الثلاث مرة واحدة كما

стр. 3217

أن نص الآية قد يلهم أن هذا النوع من الطلاق ليس هو طلاقا قرآنيا. ويدعم هذا القول بقوة آية سورة الطلاق الأولى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) والفقرة الأخيرة قوية المغزى في صدد احتمال تراجع الزوجين أثناء العدة وحكمة الأمر بتطليق النساء لعدتهن وإحصاء العدة وعدم خروج النساء من بيوت مطلقيهم وعدم إخراجهم لتسهيل وقوع ذلك الاحتمال. ولقد روى النسائي بسند جيد عن محمود بن لبيد قال: أخبر النبي ﷺ برجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جمعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله ... » ولقد روى مسلم وأبو داود وأحمد حديثا عن ابن عباس جاء فيه: «كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم» «١» . وفي الحديثين تدعيم لما قلنا. على أن هناك حديثا رواه أبو داود والترمذي والشافعي عن ركانة بن عبد يزيد أنه: «أتى النبيّ ﷺ فقال له: إني طلقت امرأتي البتة. فقال: ما أردت بها؟ قال: واحدة. قال: والله قال: والله. قال: فهو ما أردت» «٢» . واعتبر النبي تطليقه البات تطليقة رجعية. وهناك حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن فاطمة بنت قيس قالت: «إن زوجها طلّقها ثلاثا ولم يجعل لها نفقة فشكت أمرها إلى رسول الله فقال لها: ليس لك عليه نفقة» «٣» . وهناك حديث يرويه الخمسة عن عائشة قالت: «إنّ امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي وإني

стр. 3218

نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة قال رسول الله ﷺ : لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» «١» . والشاهد في الحديث أن زوجا طلق زوجته باتا فاعتبرت نفسها أنها صارت حرة فتزوجت غيره ولم يرو اعتراض لرسول الله على ذلك. فقد يكون في هذه الأحاديث ما يلهم توضيحا وتعديلا نبويين لما لم يأت بصراحة قطعية في القرآن. حيث يمكن أن يقال إن النبي ﷺ غضب من الرجل لأن طلاقه كان اعتباطيا وإنه لم يعترض على طلاق بنت قيس لأنه عرف أنه كان تصميما، وأنه كان يمكن أن يجيز طلاق ركانة الباتّ لو قال إنه أراد طلاقا باتا. ففي كل هذا ما يمكن أن يكون سندا لنفاذ التطليق الثلاث أو البات مرة واحدة إذا كان هناك تصميم من الزوج على ذلك. ولعل عمر بن الخطاب حين أجاز ذلك أجازه بالاستناد إلى الآثار النبوية من جهة وبالنسبة لمن يكون مصمما على الفراق البات من جهة ثانية. لأن الحكمة من المراجعة هي إفساح المجال للوفاق والتراضي، وتصميم الزوج على الفراق البات تفسير بأن ذلك متعسر. وهنا يكون حكم الجملة القرآنية: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ بحيث يقال إن نفاذ الطلاق الثلاث أو البات مرة واحدة منوط بنية الزوج فإن قال: إني أريد الفراق البات أجيز عليه وإن قال إنه ليس في نيته الفراق البات اعتبر تطليقة رجعية واحدة والله أعلم. ومع ذلك فإن الآيات وصراحتها ومداها هنا وفي سورة الطلاق مع بعض الأحاديث التي أوردناها أقوى من هذه الآثار التي تذكر أو تسند إجازة الطلاق الثلاث والطلاق البات. والتي ليس فيها صراحة قطعية شاملة والله تعالى أعلم. ٢- وجملة فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ التي وردت في الآية [٢٢٩] ثم تكررت في الآية [٢٣١] وفي آية سورة الطلاق الثانية قد جاءت حقا في صدد موقف الزوج الذي طلق زوجته طلاقا رجعيا كما هو النص والسياق. غير أنها فيما نعتقد مطلقة المدى بطلاق وبدون طلاق. وأنها احتوت مبدأين عظيمي الروعة في

стр. 3219

الأساس الذي يجب أن تكون عليه العلاقة الزوجية وهي الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان. فالله تعالى قد خلق الإنسان من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن كل من الزوجين للآخر على أساس المودة والرحمة وكل معاملة وسلوك تعورف على أنهما حق وواجب ومتسقان مع المودة والرحمة، فإذا تعذر تحقيق هذا المبدأ الإيجابي فهناك المبدأ السلبي وهو التسريح بإحسان أي الفراق بالحسنى من غير مضارة ولا أذى ولا تهجير ولا إرهاق ولا تشاتم ولا شقاق. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن مخالفة الزوج لهذين المبدأين اللذين انطويا في الجملة إثم ديني عظيم عند الله، وقد عبرت الآية [٢٣١] التي تأتي بعد قليل عن ذلك تعبيرا قويا جدا. فعدم الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان سواء أفي حالة الزواج من حيث الأصل أم في حالة المراجعة في الطلاق الرجعي يعني أن الزوج يتلاعب بآيات الله ويحتال عليها ويتخذها هزوا والعياذ بالله. وقد يبرر هذا أن يقال إن من حق المرأة التي تتعرض لذلك أن ترفع أمرها للقضاء ليضع الأمر مع الزوج في نصابه الحق بتحقيق أحد المبدأين وحماية الزوجة من الأذى والإعنات والضرر والعدوان. وتدعم هذا فيما يتبادر لنا آية سورة النساء هذه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) «١» ، ثم آيات سورة النساء هذه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا

стр. 3220

يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) «١» . وهناك اصطلاح فقهي يعرف ببيت الطاعة، وتسير بعض الحكومات الإسلامية في تطبيقه. ومبدأه أن للزوج حقّ مراجعة القضاء إذا امتنعت زوجته عن مساكنته لسبب من الأسباب وأن للقاضي أن يجبر الزوجة على مساكنة زوجها إذا ما استعدّ للإنفاق عليها وهيأ لها بيتا تتوفر فيه الحياة والأمن والطمأنينة. ويتم ذلك بواسطة الشرطة حين اقتضاء الأمر. حيث تقبض الشرطة على الزوجة فتأخذها عنوة إلى هذا البيت. ونعتقد أن هذا متناقض مع المبدأ القرآني الجليل: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وأن الزوجين إذا تشاقا وتنازعا فإما أن يصطلحا ويتوافقا بالرضاء والمعروف والحب أو يتفارقا بالرضاء والمعروف والحب. وكل ما يكون للزوج إذا ما لم يرد أن يطلقها أن يمتنع عن الإنفاق عليها والله تعالى أعلم. وسنزيد هذا الأمر شرحا في مناسبات آتية. ٣- ولقد نبهت الآية [٢٣٠] على عدم جواز محاولة الزوج استرداد شيء من المال الذي أعطاه لزوجته في سياق طلاقها أو إرجاعها. أو بكلمة أخرى نهت عن اتخاذ الطلاق وسيلة إلى ابتزاز مالها وهذا مناف للمبدأين اللذين احتوتهما جملة: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وفي ذلك حماية ربانية للزوجات يجب على الأزواج أن يلتزموا بها. ومع ذلك فقد احتوت الآية فرصة للزوجة لاسترداد حريتها إذا شذّ زوجها عن المبدأين ولم ترد أن ترفع أمرها إلى القضاء لإجباره على ذلك. وفي فداء نفسها بشيء من المال. وقد أجازت الآية ذلك بالمعنى القوي الذي انطوى في جملة: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. ٤- وتسمى هذه الفرصة في الفقه خلعا، وقد روي حديثان فيهما خبر حادثين للخلع. أحدهما رواه الترمذي وصححه جاء فيه: «اختلعت الربيع بنت

стр. 3221

معوّذ على عهد رسول الله ﷺ فأمرها أن تعتدّ بحيضة» «١» . وثانيهما حديث جميلة زوجة ثابت بن قيس الذي أوردناه في الفقرة الأولى من هذا البحث حيث أمرها برد حديقته إليه وهي مهرها على ما يستفاد من نصّ الحديث مقابل تطليقه إياها تطليقة. ولقد روى أصحاب السنن حديث جميلة بشيء من الفرق حيث جاء فيه: «اختلعت امرأة ثابت بن قيس فجعل النبي ﷺ عدّتها حيضة» «٢» . ويتبادر لنا أن حديث أصحاب السنن هو الأكثر اتساقا مع أمر النبي ﷺ لجميلة بأن ترد عليه حديقته. وبالتالي أن مسألة جميلة كانت هي أيضا خلعا وافتداء لنفسها توافقا مع الآية التي نحن في صددها. ونرى أنه يصح أن تسمى هذه الفرصة (بالحق المقابل) لحق الزوج في فراق زوجته بالطلاق. فحكمة الله اقتضت أن يكون الطلاق في يد الزوج فيطلق زوجته إذا كرهها أو ساءت معاشرتها أو لسبب ما. فجاءت هذه الآية لتعطي رخصة للمرأة بأن تخلص هي أيضا من زوجها إذا كرهته أو ساءت معاشرته أو لسبب ما. وفي الأحاديث أن الزوجات راجعن النبي ﷺ وأن النبي ﷺ أمر الأزواج بالتطليق وأخذ الفداء. وهذا يلهم أن للزوجة إذا لم يقبل الزوج أخذ فداء وخلاص زوجته منه بالتي هي أحسن أن تراجع الحاكم وأن للحاكم أن يأمر الزوج بقبول الفداء والتطليق. وفي كل ذلك ما فيه من تسوية وعدل وإنصاف. والجملة صريحة بأن هذه الرخصة أو الفرصة إنما تكون عند غلبة الخوف والظن من عدم قيام الزوجين بما يجب عليهما من حقوق الزوجية تجاه بعضهما. وقد أول المفسرون ذلك بالشقاق والنشوز، والمعنى يتسع لأكثر من ذلك من مضارة وإعنات وضرب وإهمال ومرض وعاهة دائمة ودمامة وكراهية إلخ وفي حديث جميلة تدعيم لذلك. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي ﷺ جاء فيه: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنّة» ، وأورد

стр. 3222

الطبري حديثا رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: «قال رسول الله ﷺ إن المختلعات المنتزعات هنّ المنافقات» . والأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ولا مانع من صحتها لأنها تتسق مع روح التلقينات القرآنية. وفيها تلقين زجري بليغ يوزن به شكوى الزوجات وظروف رغبتهن في الاستفادة من فرصة افتداء النفس التي أتاحتها الآية [٢٣٠] وسميناها (الحق المقابل) وتكون واردة بالنسبة لمن لا يكون لديها سبب معقول من سوء سيرة وخلق ومعاملة واضطهاد وعجز عن الإنفاق وغيره من الواجبات الزوجية. ٥- وهناك خلاف بين الفقهاء والمؤولين فيما إذا كان الخلع فسخا أو طلاقا فالذين يذهبون إلى أنه فسخ يعتبرون الزوجة قد بانت عن زوجها ولم يعد له حق المراجعة لها وأصبحت مالكة لنفسها تتزوج بمن تشاء بعد عدتها مع جواز تراجع الزوجين إذا تراضيا بعقد ومهر جديدين ودون أن تنكح زوجا آخر. ولا يعد ذلك في عداد مرات التطليقات الثلاث التي لا يجوز أن تعود الزوجة إلى زوجها بعدها دون أن تنكح زوجا آخر. والذين يذهبون إلى أنه طلاق اعتبروه طلاقا عاديا رجعيا يصح للزوج أن يعود إلى زوجته أثناء عدتها ويعد في عدد مرات التطليقات الثلاث. والجمهور على المذهب الأول والأحاديث المروية باعتداد المخلوعة بحيضة واحدة تدعم هذا المذهب حيث تفيد أن النبي ﷺ اعتبر الخلع فسخا وبينونة فلم يفرض على الزوجة التربص بنفسها ثلاثة قروء التي هي عدة للمراجعة وإنما فرض عليها عدة لاستبراء رحمها فقط وهي حيضة واحدة. وهذا المذهب هو الأوجه فيما نراه. فالفدية باب فتحه الله للزوجة للتخلص من زوجها الذي يشذ عن مبدأ الإمساك بإحسان أو التسريح بإحسان أو الذي تكرهه ولا تطيق الحياة معه لسبب ما أخلاقي أو جسماني أو سلوكي. فكيف يكون له بعد أخذ الفدية حق للمراجعة؟ وقد يكون أصحاب المذهب الثاني استندوا إلى حديث جميلة الأول الذي أمر النبي فيه الزوج بتطليقها تطليقة. وقد علقنا على ذلك ورأينا في أمر النبي ﷺ برد المهر على الزوج وهو الحديقة عملية خلع وفسخ وليست عملية طلاق عادي والله تعالى أعلم.

стр. 3223

٦- وهناك من قال إن جملة وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ... إلخ قد نسخت بآية سورة النساء وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) . وقد فنّد الطبري القول وتفنيده في محلّه، فذلك مقام وهذا مقام آخر. ٧- لقد قال الزمخشري إن الخطاب في جملة فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ هو للأئمة والحكام. وهذا القول ظاهر الوجاهة، فحلّ الأمر عن طريق القضاء هو أدعى إلى حسن التقدير. ويدعم هذا حديث جميلة زوجة ثابت الذي ذكر أنها راجعت رسول الله ﷺ في أمرها فتوسط وحلّ المشكلة وكان هو قاضي المسلمين. ٨- وهناك فرصة أخرى للزوجة لاسترداد حريتها من زوجها على ما يقرره بعض الأئمة وهي أن تشترط أن يكون أمر طلاقها بيدها ويقبل الزوج ذلك وتسمى الزوجة في هذه الحالة (المتوفية) «١» ، أي التي يفوض الزوج لها تطليق نفسها، وهناك حديث رواه الترمذي والنسائي وأبو داود يفيد أن ذلك كان مما جرى في زمن النبي ﷺ بصيغة (أمرك بيدك) حيث جاء في الحديث عن حماد بن زيد: «قلت لأيوب هل علمت أن أحدا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن. فقال: لا. اللهم غفرا إلا ما حدثني عن قتادة عن كثير مولى بني مرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ثلاث) . والحديث يفيد أولا أن جعل الطلاق بيد الزوجة مما جرى وسوغ في زمن النبي ﷺ . وثانيا أن المرأة إذا استعملت حقها فطلقت نفسها فيكون طلاقها باتا. ٩- والضمير في جملة فَإِنْ طَلَّقَها الأولى في الآية [٢٣٠] عائد إلى الزوج الأول الذي طلق مرتين. وتعني أنه إن طلقها ثالث مرة فلا تحل له حتى تنكح زوجا آخر كما جاء في الآية. أما الضمير في الجملة الثانية فهو عائد إلى

стр. 3224

الزوج الجديد. وهكذا تكون هذه الآية قد فتحت بابا للمراجعة بين الزوجين المطلقين بعد التطليقة الثالثة أيضا إذا تأكدا من أنهما قد استفادا من تجربة الفراق وأنهما سوف يكونان على تراض ووفاق ويقيمان حدود الله. وهذا متسق مع التلقينات التي انطوت في الآيات نصا وروحا. ولم نطلع على أثر نبوي في صدد الزواج الثاني الذي يقع بين مطلقين قديمين بعد أن تنكح الزوجة المطلقة زوجا آخر ثم يطلقها لسبب من الأسباب. ويتبادر لنا أنه يكون محلا لجميع الحدود والشروط التي تنطوي في أصل التشريع على اعتبار أنه نكاح جديد والله أعلم. ١٠- والمتفق عليه أن عدة الزوجة التي يطلقها زوجها للمرة الثالثة أو التي يطلقها زوجها تطليقة ثم لا يراجعها أثناء عدتها ويكون طلاقها بائنا هي حيضة واحدة للاستبراء لأن القروء الثلاثة أو الأشهر الثلاثة هي عدة للمراجعة. فإذا لم يكن محل لها فيكفي حيضة واحدة لاستبراء الرحم. ١١- والمتبادر أن ما جاء في الفقرتين السابقتين مباشرة ينسحب على الأوجه التي تطلّق طلاقا باتا أو طلاقا ثلاثا لمرة واحدة ويكون نافذا في نطاق ما شرحناه في الفقرة (١) من هذا البحث. ١٢- والجمهور على أن الزواج الجديد يجب أن يكون تاما ويقع فيه جماع. ولا يكفي أن يكون صوريا، وهذا مستلهم من روح الآية التي هدفت على ما هو المتبادر إلى إعطاء فرصة للزوجين لتجربة جديدة لكل منهما أو لأحدهما حتى إذا صارت مراجعة كان ذلك نتيجة للتجربة. وهناك حديث يرويه الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة قالت: «إن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا. حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» «١» . وحديث آخر رواه النسائي من بابه

стр. 3225

جاء فيه: «جاءت العميصاء إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها فلم يلبث أن جاء زوجها فقال هي يا رسول الله كذابة وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول فقال رسول الله ليس ذلك لك حتى تذوقي عسيلته» «١» . ولنا تعليق على هذين الحديثين فشرط الجماع يكون لازما في حالة إمكانه فعلا، وهذا ما يفيده نصّ الحديثين. وهناك حالة ترد وهي عدم تمكن الزوج الجديد من مجامعة زوجته لعاهة أو قصور، ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك. ويتبادر لنا من نصّ الحديثين أن حكم النبي ﷺ كان سيختلف لو ثبت قول الزوجتين وأنه كان يسمح لهما الرجوع إلى زوجيهما الأولين إذا ما طلقهما الزوجان الجديدان. أو اختلعتا منهما. لأن نصّ القرآن هو نكاح زوج آخر أي تزوج زوج آخر. وهدف ذلك هو التجربة ويكون هذا النص قد تحقق ولو بغير جماع ما دام هذا غير مستطاع من قبل الزوج الجديد. وللزوجة مراجعة القاضي في حالة عدم استطاعة الزوج الجديد المجامعة وللقاضي أن يأمره بطلاقها أو خلعها أو يطلق عليه استئناسا بنص الحديثين والله تعالى أعلم. ويتبادر لنا أن هذا ينسحب على الزواج الجديد إذا مات الزوج الجديد قبل أن يتاح له جماع، والله تعالى أعلم. ١٣- ونستطرد في هذه المناسبة إلى الزواج المعروف بالتحليل والتواطؤ فيه وروح الآية يلهم أنها انطوت على هدف إفساح الفرصة للتروي والتجربة كما قلنا قبل. وزواج التحليل والتواطؤ لا يضمن تحقيق هذا الغرض. وفيه على ما يبدو تحايل على التشريع القرآني وحكمته. وقد حرّمه بعض الأئمة وكرهه بعضهم. وقال بعضهم إن المحلل والزوجة التي دخل عليها يرجمان. وأجازه بعضهم استنادا إلى ظاهر النص «٢» من حيث إن زواج التحليل برغم أنه تواطؤ فهو زواج شرعي بعقد ومهر وتنفيذ وطلاق شرعي في النتيجة. ولعل هؤلاء لا يستلهمون روح الآيات التي تحث على الإبقاء على رابطة الزوجية واحترامها وتأمر بالتروي والمراجعة وتستهدفهما. ويفرضون أن يكون التطليق البات أو الثلاث النافذ كان
следующие страницы →