← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

معوّذ على عهد رسول الله ﷺ فأمرها أن تعتدّ بحيضة» «١» . وثانيهما حديث جميلة زوجة ثابت بن قيس الذي أوردناه في الفقرة الأولى من هذا البحث حيث أمرها برد حديقته إليه وهي مهرها على ما يستفاد من نصّ الحديث مقابل تطليقه إياها تطليقة. ولقد روى أصحاب السنن حديث جميلة بشيء من الفرق حيث جاء فيه: «اختلعت امرأة ثابت بن قيس فجعل النبي ﷺ عدّتها حيضة» «٢» . ويتبادر لنا أن حديث أصحاب السنن هو الأكثر اتساقا مع أمر النبي ﷺ لجميلة بأن ترد عليه حديقته. وبالتالي أن مسألة جميلة كانت هي أيضا خلعا وافتداء لنفسها توافقا مع الآية التي نحن في صددها. ونرى أنه يصح أن تسمى هذه الفرصة (بالحق المقابل) لحق الزوج في فراق زوجته بالطلاق. فحكمة الله اقتضت أن يكون الطلاق في يد الزوج فيطلق زوجته إذا كرهها أو ساءت معاشرتها أو لسبب ما. فجاءت هذه الآية لتعطي رخصة للمرأة بأن تخلص هي أيضا من زوجها إذا كرهته أو ساءت معاشرته أو لسبب ما. وفي الأحاديث أن الزوجات راجعن النبي ﷺ وأن النبي ﷺ أمر الأزواج بالتطليق وأخذ الفداء. وهذا يلهم أن للزوجة إذا لم يقبل الزوج أخذ فداء وخلاص زوجته منه بالتي هي أحسن أن تراجع الحاكم وأن للحاكم أن يأمر الزوج بقبول الفداء والتطليق. وفي كل ذلك ما فيه من تسوية وعدل وإنصاف. والجملة صريحة بأن هذه الرخصة أو الفرصة إنما تكون عند غلبة الخوف والظن من عدم قيام الزوجين بما يجب عليهما من حقوق الزوجية تجاه بعضهما. وقد أول المفسرون ذلك بالشقاق والنشوز، والمعنى يتسع لأكثر من ذلك من مضارة وإعنات وضرب وإهمال ومرض وعاهة دائمة ودمامة وكراهية إلخ وفي حديث جميلة تدعيم لذلك. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي ﷺ جاء فيه: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنّة» ، وأورد

стр. 3222

الطبري حديثا رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: «قال رسول الله ﷺ إن المختلعات المنتزعات هنّ المنافقات» . والأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ولا مانع من صحتها لأنها تتسق مع روح التلقينات القرآنية. وفيها تلقين زجري بليغ يوزن به شكوى الزوجات وظروف رغبتهن في الاستفادة من فرصة افتداء النفس التي أتاحتها الآية [٢٣٠] وسميناها (الحق المقابل) وتكون واردة بالنسبة لمن لا يكون لديها سبب معقول من سوء سيرة وخلق ومعاملة واضطهاد وعجز عن الإنفاق وغيره من الواجبات الزوجية. ٥- وهناك خلاف بين الفقهاء والمؤولين فيما إذا كان الخلع فسخا أو طلاقا فالذين يذهبون إلى أنه فسخ يعتبرون الزوجة قد بانت عن زوجها ولم يعد له حق المراجعة لها وأصبحت مالكة لنفسها تتزوج بمن تشاء بعد عدتها مع جواز تراجع الزوجين إذا تراضيا بعقد ومهر جديدين ودون أن تنكح زوجا آخر. ولا يعد ذلك في عداد مرات التطليقات الثلاث التي لا يجوز أن تعود الزوجة إلى زوجها بعدها دون أن تنكح زوجا آخر. والذين يذهبون إلى أنه طلاق اعتبروه طلاقا عاديا رجعيا يصح للزوج أن يعود إلى زوجته أثناء عدتها ويعد في عدد مرات التطليقات الثلاث. والجمهور على المذهب الأول والأحاديث المروية باعتداد المخلوعة بحيضة واحدة تدعم هذا المذهب حيث تفيد أن النبي ﷺ اعتبر الخلع فسخا وبينونة فلم يفرض على الزوجة التربص بنفسها ثلاثة قروء التي هي عدة للمراجعة وإنما فرض عليها عدة لاستبراء رحمها فقط وهي حيضة واحدة. وهذا المذهب هو الأوجه فيما نراه. فالفدية باب فتحه الله للزوجة للتخلص من زوجها الذي يشذ عن مبدأ الإمساك بإحسان أو التسريح بإحسان أو الذي تكرهه ولا تطيق الحياة معه لسبب ما أخلاقي أو جسماني أو سلوكي. فكيف يكون له بعد أخذ الفدية حق للمراجعة؟ وقد يكون أصحاب المذهب الثاني استندوا إلى حديث جميلة الأول الذي أمر النبي فيه الزوج بتطليقها تطليقة. وقد علقنا على ذلك ورأينا في أمر النبي ﷺ برد المهر على الزوج وهو الحديقة عملية خلع وفسخ وليست عملية طلاق عادي والله تعالى أعلم.

стр. 3223

٦- وهناك من قال إن جملة وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ... إلخ قد نسخت بآية سورة النساء وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) . وقد فنّد الطبري القول وتفنيده في محلّه، فذلك مقام وهذا مقام آخر. ٧- لقد قال الزمخشري إن الخطاب في جملة فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ هو للأئمة والحكام. وهذا القول ظاهر الوجاهة، فحلّ الأمر عن طريق القضاء هو أدعى إلى حسن التقدير. ويدعم هذا حديث جميلة زوجة ثابت الذي ذكر أنها راجعت رسول الله ﷺ في أمرها فتوسط وحلّ المشكلة وكان هو قاضي المسلمين. ٨- وهناك فرصة أخرى للزوجة لاسترداد حريتها من زوجها على ما يقرره بعض الأئمة وهي أن تشترط أن يكون أمر طلاقها بيدها ويقبل الزوج ذلك وتسمى الزوجة في هذه الحالة (المتوفية) «١» ، أي التي يفوض الزوج لها تطليق نفسها، وهناك حديث رواه الترمذي والنسائي وأبو داود يفيد أن ذلك كان مما جرى في زمن النبي ﷺ بصيغة (أمرك بيدك) حيث جاء في الحديث عن حماد بن زيد: «قلت لأيوب هل علمت أن أحدا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن. فقال: لا. اللهم غفرا إلا ما حدثني عن قتادة عن كثير مولى بني مرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ثلاث) . والحديث يفيد أولا أن جعل الطلاق بيد الزوجة مما جرى وسوغ في زمن النبي ﷺ . وثانيا أن المرأة إذا استعملت حقها فطلقت نفسها فيكون طلاقها باتا. ٩- والضمير في جملة فَإِنْ طَلَّقَها الأولى في الآية [٢٣٠] عائد إلى الزوج الأول الذي طلق مرتين. وتعني أنه إن طلقها ثالث مرة فلا تحل له حتى تنكح زوجا آخر كما جاء في الآية. أما الضمير في الجملة الثانية فهو عائد إلى

стр. 3224

الزوج الجديد. وهكذا تكون هذه الآية قد فتحت بابا للمراجعة بين الزوجين المطلقين بعد التطليقة الثالثة أيضا إذا تأكدا من أنهما قد استفادا من تجربة الفراق وأنهما سوف يكونان على تراض ووفاق ويقيمان حدود الله. وهذا متسق مع التلقينات التي انطوت في الآيات نصا وروحا. ولم نطلع على أثر نبوي في صدد الزواج الثاني الذي يقع بين مطلقين قديمين بعد أن تنكح الزوجة المطلقة زوجا آخر ثم يطلقها لسبب من الأسباب. ويتبادر لنا أنه يكون محلا لجميع الحدود والشروط التي تنطوي في أصل التشريع على اعتبار أنه نكاح جديد والله أعلم. ١٠- والمتفق عليه أن عدة الزوجة التي يطلقها زوجها للمرة الثالثة أو التي يطلقها زوجها تطليقة ثم لا يراجعها أثناء عدتها ويكون طلاقها بائنا هي حيضة واحدة للاستبراء لأن القروء الثلاثة أو الأشهر الثلاثة هي عدة للمراجعة. فإذا لم يكن محل لها فيكفي حيضة واحدة لاستبراء الرحم. ١١- والمتبادر أن ما جاء في الفقرتين السابقتين مباشرة ينسحب على الأوجه التي تطلّق طلاقا باتا أو طلاقا ثلاثا لمرة واحدة ويكون نافذا في نطاق ما شرحناه في الفقرة (١) من هذا البحث. ١٢- والجمهور على أن الزواج الجديد يجب أن يكون تاما ويقع فيه جماع. ولا يكفي أن يكون صوريا، وهذا مستلهم من روح الآية التي هدفت على ما هو المتبادر إلى إعطاء فرصة للزوجين لتجربة جديدة لكل منهما أو لأحدهما حتى إذا صارت مراجعة كان ذلك نتيجة للتجربة. وهناك حديث يرويه الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة قالت: «إن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا. حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» «١» . وحديث آخر رواه النسائي من بابه

стр. 3225

جاء فيه: «جاءت العميصاء إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها فلم يلبث أن جاء زوجها فقال هي يا رسول الله كذابة وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول فقال رسول الله ليس ذلك لك حتى تذوقي عسيلته» «١» . ولنا تعليق على هذين الحديثين فشرط الجماع يكون لازما في حالة إمكانه فعلا، وهذا ما يفيده نصّ الحديثين. وهناك حالة ترد وهي عدم تمكن الزوج الجديد من مجامعة زوجته لعاهة أو قصور، ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك. ويتبادر لنا من نصّ الحديثين أن حكم النبي ﷺ كان سيختلف لو ثبت قول الزوجتين وأنه كان يسمح لهما الرجوع إلى زوجيهما الأولين إذا ما طلقهما الزوجان الجديدان. أو اختلعتا منهما. لأن نصّ القرآن هو نكاح زوج آخر أي تزوج زوج آخر. وهدف ذلك هو التجربة ويكون هذا النص قد تحقق ولو بغير جماع ما دام هذا غير مستطاع من قبل الزوج الجديد. وللزوجة مراجعة القاضي في حالة عدم استطاعة الزوج الجديد المجامعة وللقاضي أن يأمره بطلاقها أو خلعها أو يطلق عليه استئناسا بنص الحديثين والله تعالى أعلم. ويتبادر لنا أن هذا ينسحب على الزواج الجديد إذا مات الزوج الجديد قبل أن يتاح له جماع، والله تعالى أعلم. ١٣- ونستطرد في هذه المناسبة إلى الزواج المعروف بالتحليل والتواطؤ فيه وروح الآية يلهم أنها انطوت على هدف إفساح الفرصة للتروي والتجربة كما قلنا قبل. وزواج التحليل والتواطؤ لا يضمن تحقيق هذا الغرض. وفيه على ما يبدو تحايل على التشريع القرآني وحكمته. وقد حرّمه بعض الأئمة وكرهه بعضهم. وقال بعضهم إن المحلل والزوجة التي دخل عليها يرجمان. وأجازه بعضهم استنادا إلى ظاهر النص «٢» من حيث إن زواج التحليل برغم أنه تواطؤ فهو زواج شرعي بعقد ومهر وتنفيذ وطلاق شرعي في النتيجة. ولعل هؤلاء لا يستلهمون روح الآيات التي تحث على الإبقاء على رابطة الزوجية واحترامها وتأمر بالتروي والمراجعة وتستهدفهما. ويفرضون أن يكون التطليق البات أو الثلاث النافذ كان

стр. 3226

نزوة وانفعالا. ومع ما يمكن أن في هذا من وجاهة فإن النفس تطمئن بكراهية هذا الزواج بل وحرمته لأنه تحايل بشع على كل حال. وهناك حديث رواه أصحاب السنن عن عبد الله قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلّ والمحلّل له» . وفي تفسير ابن كثير أحاديث كثيرة في صدد ذلك رواها أئمة غير أصحاب الكتب الخمسة. منها حديث أخرجه الحافظ الجوزجاني عن ابن عباس قال: «سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحلّل فقال: لا. إلّا نكاح رغبة لا نكاح دسة. ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها» . وحديث أخرجه الحاكم عن ابن عمر أنه قال: «كنّا نعدّ هذا النكاح سفاحا على عهد رسول الله ﷺ » . وحديث آخر أخرجه الحافظ الجوزجاني عن عمر أنه قال: «لا أوتى بمحلّل ولا محلّل له إلّا رجمتهما» . وحديث رواه البيهقي: «أن عثمان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلّها لزوجها ففرّق بينهما» وحديث أخرجه ابن ماجه عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» . [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣١] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) . (١) ضرارا: بقصد الإضرار. تعليق على الآية وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... في الآية تنبيه وتحذير وإنذار لمن يحاول إرجاع مطلقته أثناء عدتها استفادة

стр. 3227

من الحق الذي أعطته له الآية [٢٢٩] . ولقد جاء في هذه الآية شرط بصيغة (إن أرادوا إصلاحا) وقد شرحنا ذلك شرحا وافيا فالظاهر أن رحمة الله وحكمته اقتضتا الإيحاء بالآية بأسلوبها القوي الصاعق لتوكيد هذا الشرط ولتفرض على الأزواج حسن النية والالتزام بمبدأ الإمساك بالمعروف أو التسريح بمعروف إذا ما طلقوا زوجاتهم وتنذر الذين يشذون عن ذلك بقصد الإضرار ونية العدوان. وننبه إلى ما في ذلك من استهزاء بكتاب الله وتحايل على أحكامه. التلقين العام المنطوي في جملة وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً ... وجملة وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ. في الآية وإن كانت جاءت في صدد تحذير الأزواج من التحايل على زوجاتهن وإنذارهم فإن إطلاقها ينطوي على تلقين شامل لكل أمر بحيث تنطوي على نهي المؤمنين على التحايل على أوامر الله وآيات كتابه وتحميلها ما لا تحتمل والتلاعب فيها وصرفها عن أهدافها السامية بقصد جلب النفع للنفس وإيقاع الضرر للغير بغيا وعدوانا والآية وتلقينها تسوغ أن يقال إن الزوجة المطلقة تستطيع أن تمتنع من قبول مراجعة زوجها لها إذا أيقنت أنه لا يريد بذلك إصلاحا، أو كانت له نية سوء في المراجعة، والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٢] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) . (١) لا تعضلوهن: معنى العضل لغويا الحبس والمنع والتضييق. ومعنى الجملة لا تمنعوهن بالإكراه وتمسكوهن بالرغم عن رغبتهن عن الرجوع إلى أزواجهن.

стр. 3228

تعليق على الآية وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَ لقد روى المفسرون في صدد نزول هذه الآية حديثا رواه البخاري والترمذي عن معقل بن يسار جاء فيه: «إنه زوّج أخته رجلا من المسلمين على عهد النبي ﷺ فكانت عنده ما كانت ثم طلّقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطّاب فقال له يا لكع أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها والله لا ترجع إليك أبدا. فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ الآية، فلما سمعها معقل قال سمعا وطاعة لربّي. ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك» «١» . والآية معطوفة على السياق واستمرار له. ويتبادر لنا والله أعلم أنها نزلت معا. ولا يمنع هذا أن يكون قد حدث ما ورد في الحديث فالتزم الأخ أمر الله وزوّج أخته بعد أن عضلها. وقد احتوت الآية تعليما عاما للمسلمين بعدم ممانعة زوجة مطلقة من الرجوع إلى زوجها إذا ما تراضى الزوجان في صدد ما رسم الله. وتنبيها على أن هذا هو الأزكى والأطهر في علم الله وحكمته. وجملة إِذا تَراضَوْا تؤكد حق الزوجة المطلقة في الرضاء والموافقة على مراجعة زوجها إذا ما أراد أن يراجعها، ويكون ذلك منوطا برضائها أيضا، والله أعلم. وقد احتوت الآية تنبيها للمسلمين عن منع زوجة مطلقة من الرجوع إلى زوجها، وجملة: إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ جديرة بالتنويه في صدد الأمر حيث ينطوي فيها ضرورة التأكد من رضاء كل من الزوجين بالرجوع إلى الآخر وتوافقهما على ذلك على ما فيه الخير والمصلحة مما فيه قيد احترازي لضمان صلاحية الرجعة وخيرها. وفي هذا التعليم القرآني تبدو الحكمة البالغة التي تبدو في جميع حالات التشريع الأخرى.

стр. 3229

تعقيب عام في صدد الطلاق وإناطته بالقضاء وظاهر مما تقدم أنه ليس من الطلاق القرآني ما يجري على ألسنة الناس من يمين بالطلاق بسائق الغضب أو الإكراه والتهديد أو التعامل مع الناس أو الأيمان التي يحلفها الزوج بالطلاق للناس حتى بدون إكراه ولا تهديد ولا غضب على أنه يفعل كذا ولا يفعل كذا أو لم يفعل كذا أو الأيمان التي تصدر في حالة اللاوعي من سكر أو غيبوبة وإغماء وعته وجنون ومرض شديد يجعله في تلك الحالة ما دام ليس هناك نية للفراق وسبب مبرر له بين الزوجين من نزاع وخصام ونشوز واستحالة توفيق وإصلاح وامتزاج وتعايش. لأن الآيات صريحة العبارة والتوجيه بأن الطلاق إنما أبيح على كونه أبغض الحلال إليه عند نية وقصد الفراق ولأسباب مبررة له. وعند استحالة التوفيق والإصلاح بين الزوجين. ولقد روى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ النكاح والطلاق والرجعة» «١» . وإزاء النصوص القرآنية وتلقيناتها نميل إلى التوقف في هذا الحديث وما من بابه إلا أن يكون صدر عن رسول الله في ظرف خاص به من قبيل الزجر. وهو على كل حال غير ما ذكرناه مما يجري على الألسنة في الحالات التي ذكرناها. وكثير من العلماء ومنهم الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم يعتبرون مثل هذه الأيمان أيمانا عادية إذا حنث فيها الحالف يكفرها بكفارة اليمين العادية ولا يرتبون عليها فراقا وطلاقا، ولابن القيم في أعلام الموقعين فصول قيمة في هذا الباب.

стр. 3230

وينتقد بعض الأغيار إباحة الإسلام للطلاق وحينما يمعن المنصف من غير المسلمين بالأسلوب الرائع الحكيم الذي أبيح به إذا ما كان هو الحل الوحيد الذي لا مندوحة عنه بعد أن تكون قد بذلت كل الجهود للتوفيق ومنحت الفرص الكافية المتكررة للتروي والتوفيق لا يمكن إلا أن يسلم بما فيه من روعة وحكمة وصلاح. ولا يكابر في ذلك إلا مكابر مغرض حتى ليصح أن يقال إن الطلاق نعمة من نعم الله في بعض الحالات التي تنقلب الحياة الزوجية فيها إلى جحيم وشقاء مقيم، وقد انطوى هذا المعنى السامي في آية النساء هذه التي جاءت بعد آيتين وصّتا ببذل الجهد في الإصلاح والتوفيق: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) حيث يكون الفراق عند استحالة التوفيق والإصلاح والصلح خيرا للطرفين من دون ريب. والتقاليد النصرانية الدينية تحرّم الطلاق إلا في حالة جرم الزنا المشهود. وما تزال كنائسها تشدد في ذلك في حين نرى الدول النصرانية قد أباحته وأساغ ذلك الجمهور الأعظم من النصارى ومارسوه بمقياس واسع حتى صار مجونا وميوعة أكثر منه بحثا عن الراحة والخلاص من شقاء أكيد. حيث ينطوي في ذلك حاجة المجتمع الإنساني إلى ذلك العلاج الذي جاء في التشريع الإسلامي الذي رشحه الله ليكون دين البشرية جمعاء في كل زمان ومكان على أحسن وأقوى وأحكم الصور. ولقد ذكرنا قبل قولا للزمخشري أن آية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ... هي خطاب للحكام والأئمة أي إنهم هم الذين يجب أن يرفع إليهم هذا الأمر لتقديره. ولقد احتوى القرآن آيات فيها نفس المدى مثل آية سورة النساء هذه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) وفي سورة الطلاق هذه الآية: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ والاستشهاد وإقامة الشهادة إنما يكونان لأجل النظر في الأمر من جانب القاضي. فكل هذا وما ورد من أحاديث كثيرة مرّت طائفة منها تذكر مراجعات

стр. 3231

الأزواج والزوجات للنبي ﷺ وخلفائه في شؤون الطلاق والإيلاء والظهار والنفقة والرضاع إلخ إلخ ... وتدخلهم في حل المشاكل بينهم يسوغ القول إنه ليس من مانع شرعي من إناطة أمر الطلاق بالقضاء الشرعي، وإذا ما أخذ بهذا يكون في ذلك تمام الصورة الحكيمة حيث يتاح درس الأسباب والموقف من جانب القاضي الشرعي فيصدر حكمه أو توجيهاته نتيجة لها. وما يقال إن أسرار الناس لا يصح أن تفشى ولو للقضاء في غير محله. فالقضاء مؤتمن على أسرار الناس. وهناك حالات كثيرة فيها أسرار وتناط شرعا وقانونا بالقضاء. ويمكن أن يجاب على ما يقال من أن الله قد أباح للزوج أن يطلق زوجته ولا يصح حرمانه من هذا الحق مستقلا، وإذا ما استعمل حقه هذا ولم ينفذ عاشر زوجته حراما. إن الناس في عهد النبي وخلفائه كانوا يراجعونهم في ذلك ويسيرون وفق فتاواهم. وفي القرآن عبارات تجعل للقضاء موقفا وكلمة في هذا الشأن. وإذا ما أقر ولي أمر المسلمين هذا استنادا إلى تلك التوجيهات القرآنية والآثار النبوية صار ذلك ملزما. وصار تطليق الأزواج بدون واسطة القضاء لغوا شأن طلاقهم الذي لا ينفذ على ما ذكرناه في مطلع هذا التعقيب، والله أعلم. ولقد أقرّ هذا وطبق بقانون في الجمهورية التونسية التي تدين غالبيتها بالإسلام. والمتبادر أن أولي الحل والعقد والشورى وافقوا على ذلك استنادا إلى دراسات واستنباطات شرعية لعلها ما ذكرناه أو لعل منها ما ذكرناه. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) . (١) حولين: عامين وأصل الكلمة من (حال) بمعنى التنقل من شيء إلى شيء.

стр. 3232

(٢) فصالا: فطاما. وأصل الكلمة بمعنى المفارقة بعد الوصال والاتصال. (٣) أن تسترضعوا أولادكم: أن تعطوهم لمرضعات غير أمهم لإرضاعهم. (٤) إذا سلمتم ما آتيتم: المقصود بالتعبير إذا أديتم ما ضمنتم أو ما اتفقتم عليه أو ما استحق عليكم من الأجر على ما ذهب إليه الجمهور. وبعض المفسرين قال إن ذلك بالنسبة للمرضعة، وبعضهم قال: إنه بالنسبة لأم الولد، وهذا هو الأوجه الذي يتسق مع روح الآية، وهو قول الطبري. لم نطلع على رواية في نزول الآية وهي معطوفة على ما سبقها والمتبادر أنها استمرار لها في تشريع مسائل أخرى في حالات الطلاق والسياق يقتضي أن يكون المقصود من (الوالدات) الوالدات المطلقات وهو ما يؤيده فحوى الآية أيضا. تعليق على الآية وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ... إلخ والآية تضمنت تعليمات وتشريعات في صدد الأمهات المطلقات وأولادهن: فهي: ١- تقرر أن على الأم المطلقة أن ترضع ولدها حولين كاملين إذا أراد الوالدان أن يكون الرضاع تاما لأن ذلك هو مدة الرضاع التام. ٢- تحمل الوالد نفقة الأم طيلة مدة الرضاع بما فيه الكفاية حسب العرف والأمثال مع تنبيهها إلى عدم جواز تكليف أحد بأكثر من وسعه وطاقته. ٣- تنهى عن تعمد المضارة والمكايدة بسبب الولد من قبل الأب للأم أو من قبل الأم للأب. ٤- توجب نفقة الرضاع وعدم المضارة على ورثة الأب في حالة وفاته أثناء مدة الرضاع. ٥- تسوغ الفطام قبل تمام الحولين بشرط أن يكون ذلك بالتشاور والتراضي بين الأب والأم.

стр. 3233

٦- تسوغ كذلك استرضاع الولد من مرضعة غير الأم إذا أراد الوالد والأم على أن يؤدي الوالد أجرة إرضاع الأم لابنها عن المدة التي أرضعته وأجرة المرضعة الجديدة حسب العرف والأمثال. وقد انتهت الآية معقبة على ذلك بأمر وجهته للمخاطبين ويشمل الأزواج والزوجات معا بتقوى الله والتزام حدوده وبالتنبيه إلى أنه مطلع على كل ما يعملونه عليم ببواعثه ومقاصده، وفي التعليمات أو التشريعات من الحق والعدل والحكمة ما هو ظاهر. وفي كتب التفسير أقوال معزوة إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم واستنباطات فقهية في أحكام ومدى الآية نوجزها ونعلق عليها بما يلي مع التنبيه على أنها تلهم أن المقصود بكلمة (الوالدات) هو الوالدات المطلقات، وهذا ما يقتضيه السياق: ١- هناك من قال إن من واجب الوالدين بصورة عامة أن يستمرا في إرضاع طفلهما حولين كاملين وإن إنقاص ذلك بدون عذر شرعي حرام. وفحوى الآية لا يتحمل ذلك وإنما هو من قبيل الحث، وتقرير كونه الأفضل. ٢- وهناك من قال إن الفصال في مدة أقل من سنتين منوط باتفاق الوالدين بحيث لا يجوز الفصال برغبة أحدهما دون موافقة الآخر. وهذا ما تفيده العبارة القرآنية. وهناك من قال إن جملة وَتَشاوُرٍ تعني مشاورة أهل الخبرة في أمر الفطام قبل تمام الحولين. ولا يخلو هذا من وجاهة، ولا يعني هذا نفي إيجاب التشاور والتوافق بين الوالدين بطبيعة الحال. ٣- هناك من استنبط من الآية أن الوالدة غير مجبورة على إرضاع ولدها إلا في حالة الضرورة. وجملة وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ تنطوي على إيجاب ذلك على الوالدة فيما يتبادر لنا. ورفع الحرج عن الاسترضاع من غير الأم إذا أراده الوالدان كما ذكرت الآية قد تؤيد ذلك أيضا. غير أنه ورد آية في سورة الطلاق في صدد الوالدات المطلقات قد تفيد صواب ذلك القول وهي: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ

стр. 3234

فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) فلعل حادثا أو سؤالا وقع فاقتضت حكمة التنزيل توضيح الأمر، مع التنبيه على أن الحالة هي في صدد الوالدات المطلقات. ٥- هناك من قال إن جملة وَعَلَى الْوارِثِ تعني وارث الولد ومن قال إنها تعني وارث الوالد في حال موته أثناء رضاع ابنه. والقول الثاني هو الأكثر ورودا لأن الولد لم يكن قد صار موروثا. ٦- وهناك من قال إن هذه الجملة تشمل جميع الوارثين بما فيهم الولد. وهذا في محله وتكون نفقة الرضاع والحالة هذه على التركة. ٧- هناك من قال إنه إذا لم يكن للوالد المتوفى مال وجبت نفقة الرضاع على عصبته. فإن لم يكن لهم مال صارت الأم مجبرة على إرضاع ولدها بدون أجر، ويلوح لنا أن نفقة إرضاع اليتيم الفقير ثم نفقة معيشته إذا لم يترك أبوه مالا تقع على عاتق بيت المال الذي جعل الله فيما يدخله من صدقات وغنائم وفيء نصيبا للفقراء واليتامى على ما ذكر في آيات سور الأنفال والتوبة والحشر. ٨- ومما ذكره المؤولون على سبيل المثال من مضارة الوالد بولده أن ترفض الأم إرضاع ولدها وتقذفه لوالده ولو كان فقيرا. وأن تطالبه بما لا يستطيع من نفقة وتهدده بالولد للحصول على ما تريد منه ومن مضارة الوالدة بولدها أن ينزع الوالد ولدها منها لإثارة حزنها وأن يقدم لها الزهيد من النفقة مع قدرته على الأفضل. ٩- وهناك من قال إن ما في الآية من أحكام بشأن الرضاع ومدة الاسترضاع والتشاور في الفصال وواجبات الأم والأب في ظروف ذلك ثم واجبات ورثة الأب بعد موته تشمل الوالدات إطلاقا سواء أكن مطلقات أم غير مطلقات. والآية هي كما قلنا في صدد المطلقات ومع ذلك فلا يخلو القول من وجاهة بصورة عامة والله تعالى أعلم. وفي سورة الطلاق آيات فيها إيجاب بقاء المطلقة في بيت زوجها طيلة عدتها ونهي عن إخراجها وخروجها وتقرير نفقة سكنها على الزوج واستمرار ذلك بالنسبة

стр. 3235

للمطلقة الحامل مع تقرير نفقة معيشتها إلى أن تضع حملها وأدائها أجرة رضاع طفلها على ما سوف نشرحه ونورد ما فيه من أحاديث في مناسبتها فجاء ذلك متمما للتشريع الذي انطوى في الآية التي نحن في صددها. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٤ الى ٢٣٥] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) . (١) يذرون: يتركون. (٢) أزواجا: بمعنى زوجات. (٣) يتربصن بأنفسهن: ينتظرن. (٤) عرضتم: لمحتم دون تصريح. (٥) أكننتم في أنفسكم: نويتم في قلوبكم. (٦) لا تواعدوهن سرا: معنى الجملة اللغوي النهي عن ضرب موعد سرّي لاجتماع الخاطب بالأرملة. وقيل إن الجملة بمعنى لا تغروهن بالجماع ولا تهيجوهن بذلك حتى يرضين بالزواج منكم. وقيل لا تصارحوهن بالزواج ولا تشددوا عليهن حتى يعدنكم بأن لا يتزوجن غيركم. والجملة التي بعدها تسوغ القول أنها تنهى عن التحدث لهن بما يخدش الحياء، وكل هذا منهي عنه في المواعدة السرية. (٧) ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله: أي لا تعقدوا النكاح رسميا إلّا بعد انقضاء المدة المذكورة.

стр. 3236

تعليق على الآية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ... والآية التالية لها في الآيتين أحكام بشأن الزوجة المتوفى عنها زوجها: ١- فعليها أن تنتظر على نفسها أربعة أشهر وعشر ليال. ٢- وليس على أولياء الزوجة ولا على الزوجة نفسها من بأس فيما تفعله في نفسها بعد انقضاء هذه المدة مما هو متفق على العرف والأخلاق الكريمة فالله خبير بنوايا الناس وأعمالهم. ٣- وليس على من يريد أن يتزوج بالأرملة حرج في التلميح لها في أثناء هذه المدة برغبته في التزوج منها ولا في نيته على ذلك في سريرته. فالله يعلم أن هذا شيء طبيعي ومعقول على شرط أن يلتزم الرجل الحشمة والمعروف في الكلام بصدده وأن لا يستعمل أساليب الإغراء المستهجنة المغايرة للوقار والحياء ولو مساررة بينه وبينها وأن لا يعقد النكاح فعلا إلا بعد انتهاء العدة. فالله يعلم ما يفعله الناس وما يبيتونه في أنفسهم وعليهم أن يحذروه ويراقبوه. وهو إلى هذا غفور حليم يغفر لمن حسنت نيته ولم يتعمد الخروج على حدوده ولا يأمر بما فيه الحرج والإعنات. ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيتين وهما وإن كانتا ليستا من أحكام الطلاق كالآيات السابقة فإنهما احتوتا أحكاما تدخل في نطاق الموضوع بصورة عامة. فإما أن تكونا نزلتا بعد ما سبقهما وإما أن تكونا وضعتا في مكانهما للمماثلة التشريعية والموضوعية. وفي كتب الحديث والتفسير أحاديث وتأويلات في صدد هاتين الآيتين نوجزها ونعلق عليها بما يلي: ١- هناك من قال إن الآية الأولى قد نسخت الآية [٢٤٠] من هذه السورة

стр. 3237

التي جاء فيها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ولو أنها جاءت في موضع متقدم. ويساق في صدد ذلك حديث رواه الخمسة عن زينب بنت أم سلمة قالت: «سمعت أمي تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا. ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر. وكانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. قال حميد راوي الحديث عن زينب لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ قالت: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شرّ ثيابها ولم تمسّ طيبا ولا شيئا حتى تمرّ بها سنة ثم تؤتى بجلد دابة حمار أو شاة أو طير فتفتضّ به ثم تخرج. فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب وغيره» «١» . وقد عدّ بعضهم الآية على ضوء هذا الحديث ناسخة للآية [٢٤٠] لأنها جعلت المدة أربعة أشهر وعشرا بدلا من حول كامل. وهناك حديث رواه أبو داود عن ابن عباس يذكر أن الآية [٢٤٠] نسخت بهذه الآية «٢» . غير أن هناك من قال إن حكم الآية [٢٤٠] ظل محكما لأنها في حق الأرملة التي تريد أن تبقى في بيتها سنة كما كان الأمر قبل الإسلام. وهناك حديث يرويه البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: «قلت لعثمان: والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج قد نسختها الآية التي سبقتها فلم تكتبها أو تدعها؟ قال يا ابن أخي: لا أغيّر شيئا منه عن مكانه» «٣» . وليس في جواب عثمان تأييد للنسخ وكل ما يفيده وهذا مهم أن ترتيب الآيتين كان منذ زمن النبي ﷺ وبأمره. ومهما يكن من أمر فإن حديث زينب يفيد صحة ما ذهب إليه أصحاب القول الأول بشرط أن يعدل فيقال إن في الآية تعديلا للمدة من سنة إلى أربعة أشهر

стр. 3238

وعشر ليال. وهذا هو المستفاد من حديث ابن عباس أيضا. وهذا لا يمنع أن يكون في القول الثاني وجاهة على ما سوف نشرحه في تفسير الآية [٢٤٠] . ونرى من واجبنا أن نقول كلمة في صدد نهي النبي ﷺ للأرملة أن تكتحل إذا شكت عينها. فالنبي ﷺ أوسع صدرا وأفقا من منع ذلك إذا كان بسبب مرض. وكل ما يمكن أن يقال إنه ظن أن الكحل للزينة أو أراد أن لا يفتح بابا للتأويل في صدد إحداد الزوجة على زوجها والله تعالى أعلم. ٢- هناك من قال إن مدة الأشهر الأربعة والعشر هي مدة انتظار ولا يسميها مدة إحداد. لأن الآية لا تسميها كذلك وتستعمل كلمة يَتَرَبَّصْنَ وهناك من سماها مدة إحداد استنادا إلى بعض أحاديث نبوية منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أم عطية قالت: «كنا ننهى أن نحدّ على ميت فوق ثلاث إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا. ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا معصفرا، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضها في نبذة من كست أظفار» «١» . والقول الثاني هو الأوجه على ضوء الأحاديث ولا سيما إن المدة لا يمكن أن تكون لاستبراء الرحم الذي يكفي له حيضة واحدة قياسا على عدة المختلعة والمطلقة بتاتا أو ثلاث مرات أو المطلقة طلاقا بائنا على ما شرحناه في سياق الآيات السابقة. ٣- وهناك من قال إنه ليس في الآية ما يمنع الأرملة من أن تفعل ما تشاء أثناء عدة الإحداد إلّا عدم التزوج، غير أن الأحاديث المروية عن أم عطية وغيرها صريحة بأن الأربعة منهية عن التطيب والتزين والتكحل ولبس الثياب المفرحة والمعصفرة. وهناك حديث يرويه الإمام أحمد يرويه القاسمي يذكر أن امرأة قتل زوجها فاستأذنت النبي ﷺ في التحول إلى أهلها لأنها بعيدة عنهم ولأنه لم يترك لها نفقة ولا مالا. فأذن لها أولا ثم دعاها فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك نعيّ زوجك فيه حتى يبلغ الكتاب أجله» . وهناك من أوجب استنادا إلى الحديث عدم

стр. 3239

خروجها وهناك من لم ير في الحديث إيجابا عليها، ونحن نرى هذا هو الأوجه ونفسر الحديث بأنه قصد بذلك أن تظل في بيت زوجها مدة الإحداد وحسب ورسول الله ﷺ يعلم أن للمرأة حاجات ومصلحة لا بدّ من خروجها إليها، والله أعلم. ٤- قال المؤولون: إن الأرملة الحامل تتبع في مدة تربصها أو حدادها حكم آية سورة الطلاق هذه: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإذا تأخر وضعها عن المدة المعينة في الآية استمر تربصها وإن تقدم انتهى أجلها. ومع أن آية سورة الطلاق قد جاءت في صدد عدة المطلقات فإن هناك حديثا رواه الخمسة عن أبي هريرة قال: «اجتمع أبو سلمة وابن عباس وهما يذكران أن المرأة تنفس (أي تلد) بعد وفاة زوجها بليال فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين وقال أبو سلمة: قد حلت بالوضع فأرسلوا فسألوا أم سلمة فقالت: نفست سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأمرها أن تتزوج» «١» . وقد أخذ بهذا معظم المذاهب ولا سيما إن الجملة في آية سورة الطلاق مطلقة. وقصد التيسير والتخفيف من الحكمة الملموحة في الحديث النبوي الذي كان لبيان حالة سكتت عنها الآية التي نحن في صددها، وقد يتأخر وضع الحامل إلى أكثر من أربعة أشهر وعشر فتكون مجبرة على التربص بنفسها إلى أن تلد. وقد يكون النبي ﷺ في تشريعه لاحظ ذلك فشاءت حكمته أن يخفف عنها إذا ولدت قبل انتهاء المدة مقابل ما هو شاق حينما تطول مدة وضعها، والله تعالى أعلم. ٥- وفي صدد التعريض بخطبة الأرامل أثناء العدة روي عن أهل التأويل صيغ عديدة بما يحسن أن يقوله الخاطب للأرملة مثل إنك لأهل للزواج وإنك إلى خير. وإني عليك لحريص، وإني لفي حاجة إلى النساء وأجازوا إرسال هدية للأرملة تكون بمثابة تعريض بالخطبة وكل هذا وجيه.

стр. 3240

ويلفت النظر إلى جملة: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ففيها نهي عن مواعدة الأرملة سرا أو مساررتها إلا في نطاق الوقار والحشمة والمشروع من القول، وهذا تأديب قرآني واجب الالتزام به، والله تعالى أعلم. ٦- هناك من قال إن الضمير في جملة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ عائد إلى الحكام وأولياء الأرملة. وإنها تتضمن تقرير حقهم في منعها من الإخلال بأحكام الحداد المذكورة في الآية والأحاديث قبل انتهاء المدة. وهناك من قال إنه عائد إلى الأولياء والأرامل معا بسبيل التنبيه على أنه لا حرج على الجميع بأن تفعل الأرملة بنفسها ما تشاء من أمور مشروعة. ويلحظ أن رفع الجناح هو عما يفعلن من أمور مشروعة حين بلوغ الأجل، ولا علاقة له بما قبل ذلك. وهذا يجعل القول الثاني هو الأكثر وجاهة وورودا، ومع ذلك فإن القول الثاني لا يخلو من وجاهة وبخاصة في حق الحاكم في منع زواج في وقت نهى عنه القرآن، والله تعالى أعلم. ٧- والأكثر على أن جملة فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ تعني الزواج بعد انتهاء المدة. وهناك من قال إن فيها دليلا على حرية الأرملة في تزويج نفسها بدون ولي وإذن منه. وهناك من استند إلى جملة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ السابقة لهذه الجملة فأوجب الولي وإذنه على كل حال ويتبادر لنا أن القول الأول هو الأوجه لأن النص القرآني أكثر صراحة وحسما. وهناك حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة جاء فيه: «الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها» «١» . ٨- هناك من قال إن مدة حداد الأمة المتوفّى عنها زوجها أو سيدها إذا كانت مستفرشة له هي نصف مدة الحرة، وهناك من قال إنها نفس المدة، وقد يكون القول الثاني هو الأوجه لأن الآية مطلقة ومع ذلك فالقول الأول لا يخلو من وجاهة قياسا على عدد تطليقاتها وعدة طلاقها على ما ذكرناه قبل. ٩- هناك من أوجب للمرأة المتوفى عنها زوجها نفقة طيلة مدة حدادها. وقال إن ذلك دين على التركة قياسا على المطلقة التي جعل لها ذلك في آية سورة

стр. 3241

الطلاق هذه: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) . وهناك من لم يوجب لها لأنها صارت صاحبة حقّ إرثي في تركة زوجها. وهو الربع إن لم يكن ولد والثمن إن كان ولد على ما جاء في آية سورة النساء السابعة. وقد تطمئن النفس بالقول الثاني أكثر لأن هناك فرقا واضحا بين حالة المطلقة التي لا ترث وحالة الأرملة الوارثة والله أعلم. ١٠- في حالة الزوجة التي يموت زوجها قبل أن يدخل بها أورد ابن كثير حديثا رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وصححه الترمذي يفيد أن النبي ﷺ قضى في مثل هذه الحالة بحق الزوجة في مهر كامل وفي إيجاب مدة الإحداد عليها وفي حقها في إرث زوجها «١» فيكون العمل به والله تعالى أعلم. ١١- وهناك حالة أخرى هي حالة المرأة التي فقدت زوجها ولا تدري أين هو حيث روى الإمام مالك عن عمر أنها تنتظر أربع سنين ثم تعتدّ أربعة أشهر وعشرا ثم تحلّ أي تتزوج. وعقب الإمام مالك قائلا: «إن تزوجت بعد انقضاء مدتها فدخل بها زوجها الجديد أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها إذا ظهر بعد ذلك» «٢» . ولقد روى البخاري عن ابن المسيّب قوله: «إذا فقد الزوج في الصف في القتال فتتربّص امرأته سنة» «٣» وروى البخاري عن الزهري قوله: «إذا كان الزوج أسيرا يعلم مكانه فلا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله. فإذا انقطع خبره فسنته سنّة المفقود» «٤» ولم نطلع على أثر نبوي في هذه الحالة والاجتهادات سديدة والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٦ الى ٢٣٧] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) .

стр. 3242

(١) متّعوهن: أعطوهن شيئا نافعا من مال أو ثياب بمثابة تعويض. في هاتين الآيتين أحكام في الطلاق قبل الدخول: فليس من بأس على الأزواج إذا طلقوا زوجاتهم قبل الدخول بهن. فإذا كان وقع ذلك قبل أن يسمي لهن مهرا يستحققن تعويضا يكون متناسبا مع قدرة الرجل المالية ومع ما هو معروف معتاد بالنسبة للأمثال. وهذا حق على المحسنين أي الذين يتوخون في أعمالهم المقاصد الحسنة. وإذا كان وقع بعد تسمية المهر يستحققن نصف المهر ما لم يعفون عنه أي لم يتنازلن عنه أو يتنازل الذي بيده عقدة النكاح. والتنازل أقرب لتقوى الله ورضائه. ويجب على الناس أن لا ينسيهم الموقف ما بينهم من علاقات الفضل والمودة وما يجب عليهم تجاه بعضهم من حسن تعامل وتسامح ورغبة في كسب الفضل. والله بصير بما يعملونه فعليهم أن لا يعملوا إلّا ما فيه رضاؤه وتقواه. تعليقات على الآية لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ... والآية التالية لها الآيتان متصلتان بالسياق، وقد روى الخازن أن الآية الأولى نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها. والرواية لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة ولا مانع مع ذلك من صحتها. وحينئذ تكون الآية الثانية نزلت معها لبيان حكم من يسمي مهرها أيضا، وقد وضعت الآيتان في ترتيبهما للتناسب الموضوعي أو لنزولهما بعد الآيات السابقة. ويلفت النظر إلى ما احتوته الآيتان من حثّ على التقوى والإحسان والتسامح

стр. 3243

والعفو وعدم نسيان الفضل بين الذين يكون لهم صلة بالموقف مما هو متساوق مع ما احتوته الآيات السابقة وهادف مثلها إلى تنبيه المسلم إلى واجباته في ذلك في هذا الموقف الذي يكون عادة من المواقف النفسانية الحرجة. ويتبادر لنا أن عدم اشتراط سبب للتطليق قبل الدخول لا يعني أنه لا بأس على الرجل أن يطلق بغير باعث صحيح وعادل واستجابة للنزوة والفورة والهوى الشخصي على ما تلهمه روح الآيات عامة التي يجب على المسلم أن يجعلها هي الضابط له في مثل هذه الحالة أيضا أي أن يكون غير متعمد للأذى والمضارة والمكايدة وغير شاذ عن مقتضى الحق والعدل. وأن يكون ذاكرا قول رسول الله ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» . وفي كتب التفسير أحاديث وأقوال وتأويلات في صدد الآيتين ومداهما وأحكامهما نوجزها ونعلق عليها بما يلي: ١- إن بعضهم قرأ تَمَسُّوهُنَّ بضم التاء مع ألف بعدها (تماسوهن) وقالوا: إن هذه الكلمة بمعنى تشارك بدني الزوجين في التماس. وعلى كل حال فالجمهور على أن الجملة القرآنية بمعنى الجماع. ٢- لقد عزي إلى أبي حنيفة أن الزوج إذا خلا بزوجته ولم يكن هناك مانع من الجماع من حيض أو عاهة رحم فإن خلوته معها تعد دخولا وتستحق كامل مهرها إذا طلقها. ويتبادر لنا أن هذا غير متسق مع النص القرآني الذي يجعل المسيس شرطا لاستحقاق المهر الكامل بعد الطلاق والله أعلم. ٣- الجمهور على أن ال فَرِيضَةً بمعنى المهر. ٤- الجمهور على أن المطلقة المسمى مهرها لا تستحق متعة. غير أن هناك آية أخرى تأتي بعد قليل مطلقة في إيجاب المتعة للمطلقات. وقد جعل هذا بعض المجتهدين يقولون بحقها بالمتعة والله أعلم. ٥- تعددت صفات المتعة، فهناك من قال أعلاها خادم ثم بعض الفضة ثم

стр. 3244

الكسوة. وأوسطها ثياب المرأة في بيتها. وهناك من عين خمارا ودرعا وجلبابا وملحفة وإزارا. وروى بعضهم عن الحسن أنه متع مطلقة له بعشرة آلاف درهم. وهناك حديث لم يرد في الكتب المعتبرة أن النبي ﷺ تزوج أميمة بنت شرحبيل فلما دخلت عليه وبسط إليها يده كأنما كرهت فأمر بتجهيزها وكسوتها بثوبين. وحديث لم يرد كذلك في الكتب المعتبرة أن النبي ﷺ أمر أحد أصحابه الذي طلق زوجته قبل الدخول أن يمتعها ولو بقلنسوة. ومهما يكن من أمر فإن جملة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ تسوغ القول إن المقدار متموج حسب حالة الزوج الاجتماعية والمالية، وأن القادر على الأحسن لا يصح أن يعطي الزهيد البخس. ٦- هناك من قال مع ذلك إن متعة من لم يسم مهرها يجب أن تعدل نصف مهر مثلها استنباطا من إيجاب نصف المهر إذا كان مسمى، وهذا وجيه مع ملاحظة تلقين العبارة القرآنية السابقة ومداها بالنسبة لحالة الزوج والزوجة الاجتماعية والمالية. ٧- هناك من قال إن جملة: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ تعني ولي الزوجة ومن قال إنه الزوج، والجمهور على الثاني وهو الأوجه. بل مؤيد بروح الآية وفحواها. فولي الزوجة لا يملك عقدة النكاح ملكا تاما في جميع الحالات وموافقة البكر البالغة شرط والثيّب أحق بنفسها من وليها «١» على ما جاء في الأحاديث. والزوجة هي التي تقبض مهرها وتتصرف به على ما قررته آيات عديدة في سورة النساء. وفي جملة يَعْفُونَ دليل. فالجملة تعني الزوجة المطلقة وهذا يعني أن القرآن قرر حقها المستقل في ذلك وليس من حكمة لشرط عقد وليّها وهي موجودة والمهر حق واجب للزوجة ولا يملك الولي التنازل عنه في أي حال. ٨- وجملة إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ على ضوء ما

стр. 3245

تقدم تعني التنازل من جانب الزوج عن النصف الثاني من المهر المسمى ومنحه للزوجة كاملا. والتنازل من جانب الزوجة عن النصف المستحق لها لأنها لا تستحق جميع المهر حتى تتنازل عنه. ٩- هناك من صرف جملة وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إلى الزوج بسبيل حثه على منح كامل المهر لمطلقته. فهو المنفق والدافع للمهر وقد فضله الله درجة فصار عليه أن يؤدي حق هذا التفضيل. ولا يخلو هذا من وجاهة وإن كان هذا لا يتنافى مع احتمال كون الجملة موجهة للزوجين معا بسبيل حثّ كل منهما على التسامح والمفارقة بالحسنى. ١٠- لقد استنبط بعضهم من الآية الأولى جواز عقد النكاح قبل تعيين المهر. فإذا تم الدخول ولم يسم مهر وجب للزوجة مهر أمثالها ولها نصف مهر أمثالها إذا لم يتم الدخول وهذا وجيه سديد. ١١- هناك من قال إن المفوضة بطلاق نفسها إذا طلقت نفسها قبل الدخول لا تستحق الذمة، ولم نطلع على أثر نبوي وراشدي في ذلك. ومع أن المتبادر أن مصدر الطلاق لم يتغير وهو الزوج بتفويضه زوجته بطلاق نفسها وأن حقه في التطليق قائم وأن صفة المطلقة لا ترتفع عن التي تطلق نفسها بموجب التفويض فإن ذلك القول وجيه من حيث إنه ليس من محل للتعزية والترضية في هذه الحال وهما من أهداف المتعة. ومع ذلك نقول إن إطلاق النص القرآني في الآية [٢٤٢] التي تأتي بعد قليل بخاصة يسوغ القول إنها تستحق المتعة والله أعلم. ١٢- في صدد صفة الطلاق قبل الدخول عزا الإمام مالك إلى أبي هريرة وابن عباس رأيا مفاده أنه إذا كان طلاقا مطلقا بدون عدد يعد الطلاق بائنا، عدته حيضة ويجوز للزوج أن يرجع إلى زوجته بعقد ومهر جديدين إذا شاءا أو تراضيا. وإذا كان طلاقا باتا ثلاثا أو لثالث مرة فتكون بينونة كبرى ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره «١» . ولم نطلع على أثر نبوي والرأي سديد وجيه فيما هو المتبادر.

стр. 3246

١٣- هناك من قال إن متعة المطلقة التي لم يسم مهرها هي على سبيل الندب لا الإيجاب، وهناك من قال إنها واجبة، واستلهم أصحاب القول الأول صيغة الآية، واستلهم أصحاب القول الثاني الآية [٢٤٢] التي فيها كلمة (حقا) والتي تأتي بعد قليل. ونحن نرى هذا هو الأوجه والله أعلم. وفي سورة الأحزاب هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٤٩) والنص مطلق مثل إطلاقه في الآية [٢٤٢] وفي هذا تدعيم لوجاهة القول والله تعالى أعلم. ولقد قال أصحاب هذا القول إن من حق المطلقة التي لم يسم مهرها أن ترفع أمرها إلى الحاكم وأن على هذا أن يحكم لها بالمتعة وأن الزوج يحبس بها حتى يؤديها. وأنه إذا مات قبل أدائها تكون دينا على تركته وهذا وجيه تبعا لوجاهة القول لأنه نتيجة له، والله تعالى أعلم. وفي آية الأحزاب التي أوردناها تتمة للتشريع الذي احتوته الآيتان حيث يظهر أن بعضهم سألوا فنزلت الآية لترفع العدة عن المطلقة قبل المسّ. لأن العدة في الأصل لاستبراء الرحم وفسح المجال للمراجعة ولا محل لهذا وذاك في هذه الحالة ويكون للمطلقة أن تتزوج حالا. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) . في الآيتين: أمر موجه إلى المسلمين بالمحافظة على الصلوات وبخاصة الصلاة الوسطى وأدائها في أوقاتها. وقيامهم فيها خاشعين خاضعين لله وحده وتنبيه على أنه لا ينبغي أن يمنعهم من ذلك مانع حتى في حالة الخوف والخطر. فعليهم في هذه الحالة أن يؤدوا الصلاة أثناء ركوبهم إذا كانوا راكبين أو مشيهم إذا كانوا مترجلين. فواجب ذكر الله وأداء حقه في العبادة مترتب عليهم يجب أن يؤدوه في

стр. 3247

حالتي الأمن والخوف فهو الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمونه وعليهم شكره وذكره. تعليق على الآية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ... إلخ والآية التي بعدها والآيتان فصل مستقل لا صلة به بالسياق السابق ولا باللاحق، وقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فلا يكون وراءه إلّا الصف أو الصفان فقال لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة فنزلتا لتحثا على وجوب إقامة الصلاة في أوقاتها في أي حال، ومن المحتمل أن تكون الآيتان قد نزلتا بعد الآيات السابقة لها فأمر النبي ﷺ بوضعها في مقامها ولو لم يكن بينها وبين السياق مناسبة وفي هذا صورة من صور التأليف القرآني. ولقد تعددت الأقوال في الصلاة الوسطى، فمنها أنها صلاة الظهر لأن وقتها وسط النهار، وقد يتفق هذا مع الحديث المروي عن زيد، ومنها أنها صلاة الفجر لأنها متوسطة بين صلاتي النهار الظهر والعصر وصلاتي الليل المغرب والعشاء. وهي أشق من غيرها، ومنها أنها صلاة العصر. وقد روى المفسرون مع كل قول أقوالا وأحاديث معزوة إلى النبي ﷺ وأصحابه، فقد عزي القول بأنها صلاة الفجر إلى ابن عباس في روايات عديدة، وعزي القول بأنها صلاة الظهر إلى زيد بن ثابت. غير أن القول بأنها صلاة العصر مؤيد بأحاديث أقوى، فقد روى أصحاب الخمسة حديثا عن علي ﵁ جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلّاها بين العشاءين» «١» . وقد روى الترمذي حديثا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر» «٢» وقد روى الترمذي

стр. 3248

حديثا عن أبي يونس مولى عائشة ﵂ جاء فيه: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فآذنّي فلما بلغتها أعلمتها، فأملت عليّ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالت سمعتها من رسول الله ﷺ «١» . وهكذا يكون تأويل الصلاة الوسطى بصلاة العصر هو الأوجه المؤيد بأحاديث صحيحة وهو ما عليه الجمهور ولقد أثر عن النبي ﷺ أحاديث عديدة منها ما هو صحيح فيها تنويه بصلاة العصر وإنذار لمن تفوته مما فيه تساوق مع التلقين القرآني، من ذلك حديث رواه البخاري والنسائي عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» «٢» . وحديث رواه الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» «٣» . ولقد روى الزمخشري في سياق الآية رواية تفيد أن النبي ﷺ كان يجلس إلى أصحابه بعد صلاة العصر فيتحلقون حوله ويستمعون إلى عظاته وأحاديثه ويتذاكرون فيما بينهم من أمور وما يكون من شؤون. وهذه الرواية لم ترد في كتب الصحاح ولا يمنع هذا من صحتها حيث ينطوي فيها توضيح ما لاهتمام كتاب الله ورسوله بهذه الصلاة والله أعلم. وما تقدم هو في صدد الفقرة الأولى من الآية الأولى وفي صدد الفقرة الثانية منها أي: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) روى البخاري والترمذي حديثا عن زيد بن أرقم قال: «كنّا نتكلّم في الصلاة يكلّم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت فأمرنا بالسكوت» . حيث ينطوي في الحديث ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ وعملوا به من تلقين الآية. وهناك أحاديث أخرى أوردها ابن كثير تفيد أن الأمر بذلك كان من النبي ﷺ أيضا. منها حديث أخرجه مسلم جاء فيه: «إن النبيّ ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلّم في الصلاة: إن هذه الصلاة لا يصحّ فيها شيء من كلام

стр. 3249

الناس إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله» . وحديث آخر وصف بالصحيح عن ابن مسعود قال: «كنا نسلّم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا فلما قدمنا سلمنا عليه فلم يردّ عليّ فأخذني ما قرب وما بعد فلما سلّم قال إني لم أردّ عليك لأني كنت في الصلاة وإن الله يحدث ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة» . وحديث آخر يرويه الحافظ أبو يعلى: «إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلّموا» . والتلقين المنطوي في الجملة القرآنية على ضوء الأحاديث هو تنبيه المؤمنين إلى وجوب استحضار الله وحده في أذهانهم حينما يكونون في الصلاة وعدم إشغالها بأي شيء آخر عن ذلك لأنه من المقاصد المهمة في الصلاة. وفي صدد فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً نقول إنها في صدد إيجاب الصلاة في كل حال في أوقاتها. وإساغة لإقامتها في الخوف في حالة السير مشيا وفي حالة الركوب. وفي سورة النساء آيات أخرى في صدد ذلك سوف نزيد هذا الموضوع شرحا ونورد ما ورد فيه من أحاديث في مناسبتها. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٠] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) . (١) وصية: قرئت بالفتح على تقدير (فليوصوا وصية) وقرئت بالرفع على اعتبار الإيجاب والحكم. وتبعا لاختلاف قراءة (وصية) يكون في الآية أمر للأزواج بأن يوصوا حين

стр. 3250

تحضرهم الوفاة بأن ينفق على زوجاتهم من بعدهم حولا كاملا وبأن لا يخرجن من مسكنهن طيلة هذه المدة أو يكون فيها أمر رباني بإيجاب تنفيذ ذلك. وبالإضافة إلى هذا فإن فيها تسويغا لخروجهن قبل نهاية المدة إذا شئن، ورفعا للحرج عن ذي العلاقة والولاية فيما يفعلنه في أنفسهن من التصرفات المشروعة وتنبيها على أن الله تعالى عزيز تجب طاعته حكيم لا يأمر إلا بما فيه الخير والمصلحة. وروح الآية وفحواها يلهمان أن ما تقرره للزوجة هو واجب على ورثة زوجها وتركتها سواء أوصى هو بذلك أم لم يوص. وأن معنى مَتاعاً هنا هو نفقة معيشتها. تعليق على الآية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ... والآية فصل تشريعي من باب الفصول التي سبقت ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد السياق السابق فوضعت في ترتيبها أو وضعت في ترتيبها للمماثلة التشريعية. ولقد روى الخازن أنها نزلت في امرأة رجل من الطائف هاجر إلى المدينة مع أبويه وزوجته فمات فلم تعط زوجته شيئا من ميراثه وكان ذلك قبل نزول آيات المواريث في سورة النساء، فرفعت أمرها إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى الآية فأمرهم النبي ﷺ أن يبقوها في بيتها سنة وينفقوا عليها. والرواية لم ترد في كتب الصحاح ويلحظ أنها لا تتسق تماما مع فحوى الآية ويتبادر لنا أنها في شأن أرملة أراد أهل زوجها إخراجها وامتنعوا عن النفقة عليها. ولا يمنع هذا أن تكون طبقت على الجملة التي رواها الخازن. ويروي الطبري عن ابن عباس وآخرين أن حكم هذه الآية كان جاريا قبل نزول الآية [٢٣٤] من هذه السورة وقبل نزول آيات المواقيت في سورة النساء. وأنها نسخت فأنقصت المدة إلى أربعة أشهر وعشر في الآية [٢٣٤] وحملت الأرملة نفقة نفسها لأنها صارت ترث من زوجها. ويروي الطبري عن مجاهد

стр. 3251

وآخرين أيضا أن حكم الآية ظل محكما لمن تشاء من الزوجات البقاء في بيت زوجها المتوفى سنة مع إيجاب نفقتها، ويبقى حكم الآية [٢٣٤] وما ورد في صددها من أحاديث أوردناها قبل محكما بالنسبة لهذه الزوجة. وقد صوب الطبري القول الأول غير أن الذي يتبادر لنا استلهاما من مجيء هذه الآية بعد الآية [٢٣٤] أن القول الثاني هو الأوجه وليس هناك حديث وثيق بالنسخ. أما مسألة نفقتها طول السنة فالذي يتبادر لنا أن نسخها بآية المواريث هو وجيه وآية المواريث نزلت بعدها والله أعلم. وعلى صحة استنتاج بقاء الآية محكمة في حق الزوجة في البقاء في بيت زوجها المتوفى عنها سنة كاملة وعدم الحرج مع ذلك من خروجها أثناء هذه المدة فالذي يتبادر لنا مع الآية ومقاصدها أنها لو خرجت لحاجتها ثم أرادت أن تعود إلى بيت زوجها لإتمام مدة السنة فلها ذلك، والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) . في الآيتين توكيد لحق المتعة والتعويض للمطلقات في نطاق العرف والعادة والأمثال. وتقرير كون هذا واجب الأداء على المتقين لغضب الله والراغبين في رضائه. وبيان بأن الله ينزل آياته ليعرف المؤمنون منها ما يجب عليهم فيعقلوه ويسيروا وفقه. وقد روى المفسرون «١» أن الآيتين نزلتا بسبب فهم بعض المسلمين من جملة حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ الواردة في الآية [٢٣٦] أنهم غير ملزمين بالمتعة فإن أحبوا متعوا وإلّا فلا واجب عليهم، والرواية لم ترد في كتب الصحاح ولكنها محتملة الصحة. وقد وضعت الآيتان في ترتيبهما للتناسب والتقارب الموضوعي وربما

стр. 3252

نزلتا بعد سابقتهما. وقد صارتا خاتمة للفصول التشريعية المتعلقة بالطلاق والترمل وأسلوبهما متسق مع أسلوب الآيات السابقة المتعلقة بالموضوعين مستهدف ما استهدفته من حماية المرأة وتوكيد حقها. ولقد اختلفت الأقوال التي يرويها المفسرون في المطلقات اللاتي عنتهن الآيتان. فهناك قول بأنهن المطلقات قبل المسيس اللاتي لم يسم لهن مهر تثبيتا لحقهن الذي ذكر في الآية [٢٣٦] والذي اختلف في استحبابه ووجوبه. وهناك قول بأنهن المطلقات عامة بما فيهن المدخول بهن. وقد أورد أصحاب القول الثاني آية سورة الأحزاب هذه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) كدليل على قولهم. وإطلاق العبارة في الآية وعلى ضوء آية سورة الأحزاب قد يجعل القول الثاني هو الأوجه. ويمكن أن يقال على ضوء هذا إن حكمة التنزيل قد شاءت أن يكون في إمتاع المطلقة المدخول بها والتي يمضها الطلاق ويحزن نفسها على كل حال تعزية وترضية وفي هذا تمام البرّ والرحمة وهو ما يلحظ في التشريعات السابقة بصورة عامة. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) . في الآيات تذكير بقصة جماعة من ألوف فروا من ديارهم خوفا من الموت فلم يفدهم فرارهم شيئا حيث أماتهم الله دفعة واحدة ثم أحياهم ليعرفوا قدرته وفضله. فالله هو صاحب الأفضال على الناس ولو كان أكثرهم لا يشكرونه.

стр. 3253

وأعقب القصة أمر موجه إلى المسلمين بالقتال في سبيل الله، وتنبيه لهم على أن الله سميع لكل ما يقولون عليم به. وحثّ لهم على إقراض الله قرضا حسنا مما ينطوي فيه حثّ لهم على إنفاق المال في سبيل الله وتنويه بمن يفعل ذلك وبشرى بأن الله يرده إليه أضعافا مضاعفة وتنبيه على أن بسط الرزق وقبضه بيد الله وأن مرجع الناس جميعا إليه مما ينطوي فيه توكيد في الحثّ على الإنفاق في سبيل الله أيضا. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ... إلخ وعلى الآيتين التاليتين لها الآيات فصل جديد ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة لها فوضعت في ترتيبها، الصلة ملموحة بين الآية الأولى والآيتين التاليتين لها على ما سوف نشرحه بعد، وهذا ما جعلنا نعرضها معا. وقد روى المفسرون «١» أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة قول النبي ﷺ في مجلس من مجالسه: من تصدّق فله مثلاه في الجنّة. فقال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله لي حديقتان إن تصدقت بإحداهما فإن لي مثليها في الجنة؟ قال: نعم. قال: وأم الدحداح والصبية معي؟ قال: نعم. فتصدق بأفضل حديقتيه فنزلت الآية. ولم نطلع على سبب نزول الآيتين اللتين قبلها، والذي يتبادر لنا أن الآيات الثلاث فصل واحد منسجم ومتساق المدى، وقد احتوت الآية الأولى منها قصة بسبيل بيان أن الفرار من الموت لا يقي منه، والثانية احتوت أمرا للمسلمين بالقتال مما ينطوي فيه تنبيه على عدم التهيب من ذلك خوفا من الموت. والثالثة احتوت حثا على الإنفاق في سبيل الله الذي هو من لوازم الجهاد وضروراته. ولا يمنع هذا أن تكون قصة أبي الدحداح صحيحة ولكن الأكثر احتمالا واتساقا مع نص الآية أن تكون

стр. 3254

وقعت بعد نزول الآيات حيث استجاب إلى ما فيها من حثّ وتشويق. ولقد روى الطبري وغيره روايات متنوعة عن القصة المذكورة في الآية الأولى مختلفة الصيغ متفقة المدى. منها رواية عن ابن عباس أنها في صدد أربعة آلاف أو ثلاثين ألفا فروا من قريتهم من الوباء أو من الجهاد خوفا من الموت فأماتهم الله، فمر عليهم نبيّ فدعا الله أن يحييهم فأحياهم ليثبت لهم أن موتهم وحياتهم في يد الله وأمره. ومنها رواية عن أشعث بن أسلم البصري في سياق طويل لا يخلو من إغراب مفادها أن يهوديين أخبرا عمر بن الخطاب أن هذه قصة جماعة من بني إسرائيل خرجوا من مدينتهم ألوفا حذر الموت من الوباء فأماتهم الله حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي لينادي عليهم ففعل فأحياهم الله تعالى. ولقد ورد في الإصحاح ٣٧ من سفر نبوءة حزقيل أحد أسفار العهد القديم المتداولة اليوم خبر فيه بعض المشابهة لهذه القصة. حيث يبدو أن مما كان يتداوله اليهود في زمن النبي ﷺ من قصصهم القديمة. والراجح أن سامعي القرآن من المسلمين أو بعضهم كان يعرفها من اليهود فاقتضت حكمة التنزيل تذكيرهم بها على سبيل تخفيف استشعارهم بالخوف من الموت وحضهم على القتال والإنفاق في سبيل الله مما ورد في الآيات في ظرف كان بعضهم يتهيب من ذلك أو يتلكأ فيه. ولقد احتوت الآيات [٢١٨، ٢٦٢، ٢٧٢] من سورة البقرة التي سبق تفسيرها إشارة ما إلى ذلك. والمتبادر أن بعضهم ظل مع ذلك يتهيب ويتكرر فاقتضت الحكمة معالجة الأمر مجددا في الآيات، ولقد جاء بعد هذه الآيات فصل فيه قصة طلب بني إسرائيل تعيين ملك عليهم ليقاتلوا تحت لوائه أعداءهم ونكث أكثرهم عن ما قطعوه على أنفسهم من عهد القتال مما نرجح أنه سيق استطرادا لتدعيم أمر القتال والإنفاق الذي احتوته الآيات الثانية والثالثة كما هو شأن الآية الأولى. وبعبارة أخرى إنه جاء تدعيما للمعالجة التي اقتضتها حكمة الله.

стр. 3255

استطراد إلى الفرار من الوباء لقد استطرد ابن كثير في سياق تفسير الآية الأولى إلى موضوع الفرار من الوباء وأورد حادثا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وحديثا عن النبي ﷺ رواه الشيخان عن ابن عباس جاء فيه: أن عمر خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فقال عمر لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن نرجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين في الاختلاف فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبّح على ظهر فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان عمر يكره خلافه. نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا لها عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله. وجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيّبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه، فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف» «١» . وفي الحديث تعليم صحيح نبوي بليغ يجب الالتزام به. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٦ الى ٢٥٢] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) .

стр. 3256

(١) طالوت: تعريب شاؤول المذكور في سفر صموئيل. (٢) بسطة في العلم والجسم: إشارة إلى ما كان عليه طالوت من جسامة حيث روى سفر صموئيل أنه كان أطول الناس قامة. (٣) التابوت: هنا هو صندوق كان بنو إسرائيل يحفظون فيه الذخائر

стр. 3257

الدينية المقدسة منذ عهد موسى وهرون. (٤) سكينة من ربكم: طمأنينة تطمئن بها نفوسكم يبعثها إليكم ربكم. (٥) فصل: بمعنى سار. (٦) من لم يطعمه: من لم يذقه ويشرب منه. (٧) الذين يظنون أنهم ملاقو الله: الذين يتيقنون من لقاء ربهم. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ... إلخ والآيات التالية لها من [٢٤٦- ٢٥٢] الآيات فصل جديد، وفيها قصة من تاريخ بني إسرائيل القديم من بعد موسى ﵇ ، وعبارتها واضحة، والآيتان الأخيرتان منها جاءتا بمثابة تعقيب على القصة احتوت أولاهما تسويغا للحروب الدفاعية وتقريرا لضرورتها، فلو لم يلهم الله المعتدى عليهم بالوقوف موقف الدفاع فيدفع بذلك بعض الناس ببعض لعمّ الفساد وساد الأشرار البغاة. وهذا من فضل الله على خلقه ومن آثار حكمته في توجيه الناس والفطرة التي فطرهم عليها، واحتوت الثانية توكيدا وجه الخطاب فيه للنبي ﷺ بأنه من رسل الله وبأن الله قد أنزل آياته عليه بالحق حسب ما رآه من مقتضيات الحكمة والمصلحة. ولم نطلع على رواية خاصة في سبب نزول الآيات، والمتبادر منها أنها جاءت كما قلنا قبل للتدعيم استطرادا للأمر الموجه إلى المسلمين بالقتال والإنفاق في سبيل الله الذي احتوته الآيات السابقة لها ومن المحتمل أن تكون نزلت مع الآيات الثلاث. وإلا فتكون نزلت بعدها فورا وبدء المجموعتين بجملة أَلَمْ تَرَ مما يؤيد ذلك. ويؤيد في الوقت نفسه أن المسلمين أو بعضهم كانوا يعرفون ما فيهما من قصص والله أعلم. وقد انطوت على تلقينات جليلة ومعالجة روحية قوية في صدد الجهاد في سبيل الله والثبات فيه. وفي النعي على المترددين والمتمردين

стр. 3258

والجبناء، وفي التنويه بالمخلصين الصابرين وتأييد الله لهم، وفي صدد بيان كون المهم في مثل هذه المواقف هو الإخلاص والصبر واليقين بالله ونصره ولقائه لا الكثرة، فالصابرون المخلصون الموقنون منتصرون بإذن الله مهما كان عددهم قليلا. وفي الآيات نقاط بارزة نعتقد أنها من الجوهري في التذكير والعظة والتدعيم والتلقين الذي انطوى فيها، مثل إبداء الإسرائيليين الرغبة في القتال بسبب ما حل فيهم من عدوان الغير عليهم ومثل ما كان من شك نبيهم في صدق رغبتهم. ومثل ما وقع من تمردهم على اختيار الله وعلى أوامر الملك ومطالبتهم بالآيات للتدليل على صدق الاختيار. ومثل تهيبهم العدو وارتدادهم عن لقائه وما ظهر منهم من الانحراف والمخالفة في الامتحان الذي امتحنهم الله به حيث منعهم من الشرب من ماء النهر عبّا، ومثل ثياب المخلصين المؤمنين وصبرهم وانتصارهم أخيرا. وهذه النقاط تقوي التوجيه الذي وجهناه في سياق الآيات السابقة من تهيب بعض المسلمين وترددهم في الاستجابة إلى دعوة النبي ﷺ في موقف جهادي، وما قلناه من أن هذا الفصل قد سيق بسبيل التذكير والتمثيل والعظة والتنويه والتنديد معا. ومما يزيد في قوة العظة والتدعيم ما بين محتويات الفصل وبين ظروف المسلمين وبخاصة المهاجرين الذين كان الانتداب إلى القتال قبل وقعة بدر قاصرا عليهم على ما ذكرناه في مناسبة سابقة حين نزوله من تماثل أو تقارب. فاليهود نالهم الأذى والعدوان بعد موسى فدفعهم هذا إلى طلب القتال ثم نكص أكثرهم، والمهاجرون نالهم مثل ذلك فحري بهم أن يعتبروا ويتعظوا ولا يكونوا مثل أكثر اليهود. والآيتان الأخيرتان التعقيبيتان متصلتان بهذا المعنى اتصالا وثيقا، فالجهاد الذي دعى إليه النبي ﷺ وفرضه القرآن ضرورة لا بد منها لأن البغي والعدوان إذا لم يدفعا استشرى الشر والفساد. وهذا مما لا يرضاه الله تعالى لعباده المؤمنين

стр. 3259

ولذلك سوغ الجهاد في سبيل دفع البغي والظلم. وفي هذا ما فيه من حكمة اجتماعية بليغة وتلقين جليل مستمر المدى. وفي المحاورة بين بني إسرائيل ونبيهم التي شاءت حكمة التنزيل أن تحكيها عظة بالغة حيث تضمنت تقرير كون بسطة العلم والجسم تؤهل صاحبها للملك والقيادة أكثر من بسطة المال. وظاهر مما تقدم أن القصة لم تكن مرادة لذاتها ولذلك اقتصرت حكمة التنزيل على الخلاصة التي احتوتها الآيات والتي استهدف بها العبرة والعظة والتمثيل. ولقد فصلت القصة في أسفار القضاة وصموئيل الأول وصموئيل الثاني من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. والخلاصة القرآنية متفقة بعض الاتفاق مع ما جاء في هذه الأسفار ومتغايرة بعض التغاير أيضا. والذي نرجحه أن ما كان يتداوله اليهود ويعرفه العرب عن طريقهم هو المتسق مع الخلاصة القرآنية. وفي الأسفار التاريخية العائدة لما بعد موسى، والمتداولة اليوم أخبار متناقضة كما يظهر من مقارنة أسفار أخبار الأيام وأسفار الملوك. فليس من مانع من أن يكون هناك أسفار ضاعت فيها ما هو المتفق مع الخلاصة القرآنية وهو ما نعتقده ونبهنا عليه في مناسبات سابقة. وخلاصة ما ورد في الأسفار المتداولة اليوم المذكورة آنفا عن القصة أن بني إسرائيل تعرضوا بعد موسى ويوشع لعدوان من الفلسطينيين في جنوب فلسطين، ومن الكنعانيين في شمالها، ومن الآشوريين في العراق، والآراميين في الشام، والمصريين ومن دول شرق الأردن وتناحروا معهم ردحا، وتداولت الأيام بينهم. ثم كان للفلسطينيين عليهم غلبة شديدة حتى لقد احتلوا كثيرا من بلادهم ومدنهم وأخذوا تابوتهم الذي فيه الألواح والمدونات التشريعية الربانية التي كتبها موسى على ما شرحناه في سورة الأعراف. وكانوا من قبل يقاتلون بقيادة قواد يظهرون من آن لآخر باسم قضاة فطلبوا من نبيهم صموئيل أن يقيم عليهم ملكا فأقام عليهم

стр. 3260

طالوت الذي كان أطولهم قامة ومسحه بالزيت فصار ذلك سنّة متبعة وصار ملكهم يسمى مسيح الربّ. وأخذوا يتقاتلون مع الفلسطينيين وتداولت الأيام بينهم، وأصاب الفلسطينيين بعض البلاء الرباني الذي أجبرهم على إعادة التابوت إليهم تجرّه الثيران بدون سواقين، ثم كان تصاف بينهم وبرز قائدهم جالوت وطلب المبارزة فهابوه ولكن داود وكان فتى تقدم إليه ورشقه بحجر من مقلاعه فقتله وكسب الإسرائيليون المعركة نتيجة لذلك، وقد خشي طالوت على نفسه وملكه من داود فصار يطارده إلى أن مات وبايع بنو إسرائيل داود بالملك من بعده. وفي كتب التفسير روايات معزوة إلى علماء الأخبار بأسماء وبدون أسماء فيها تفصيلات كثيرة «١» . وفيها مفارقات تدل على أن الرواة والمفسرين لم يطلعوا على الأسفار ودونوا ما سمعوه من غثّ وسمين وصحيح وخيال وإن كانت الروايات والتفصيلات تدل في الوقت نفسه على أن قصص بني إسرائيل المشار إليها اقتضابا في الخلاصة القرآنية كانت متداولة في البيئة العربية والإسلامية في زمن النبي ﷺ وبذلك تستحكم العظة والعبرة القرآنية. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) . تعليق على الآية تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... إلخ عبارة الآية واضحة ولم نطلع على رواية في نزولها، والمتبادر أنها جاءت استطرادية وتعقيبية وتعليلية معا لما احتوته الآيات السابقة. ومتصلة بموضوعها
следующие страницы →