حجة وداعه فيما قال «١» : «إن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كلّه» وهذا مما يستأنس به كذلك لأن العباس آمن قبل الفتح المكي ثم هاجر عقبه إلى المدينة فلو كانت الآيات نزلت قبل حجة الوداع لما كان للعباس ربا يطالب به، لأنه لا يمكن إلا أن يتقيد بأمر الله المشدد. ومع هذا فإننا ننبه على أن هناك روايات تذكر غير هذه الآية كآخر ما نزل من القرآن على ما سوف ننبه إليه في مناسبته.
والآيات شديدة وحاسمة في تحريم الربا كما هو ظاهر في صيغتها، ومع ما قاله المفسرون في تعريف ربا الجاهلية فقد أوردوا «٢» أحاديث وروايات وأقوالا عن النبي ﷺ وأصحابه وتابعيهم بعضها ورد في كتب الأحاديث الصحيحة تتضمن تعريفا بالربا في الإسلام وهو أخذ زيادة في مال متجانس كيلا أو وزنا أو نوعا بدون مقابل. وسواء أكانت المعاملة فورية أو مؤجلة فإذا أعطى امرؤ امرأ آخر ذهبا أو فضة أو برّا أو تمرا وأخذ بدل الذهب ذهبا وبدل الفضة فضة وبدل البرّ برّا وبدل التمر تمرا بزيادة ما في نوع أو وزن فالزيادة هي الربا الذي تحرمه الآيات ولو كان الأداء دينا مؤجلا. ولا مانع من أخذ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ إذا روعي في ذلك المساواة التامة جنسا ووزنا وكيلا. أما إذا أعطى امرؤ ذهبا فتقاضى بدله فضة أو شعيرا أو تمرا أو أعطى شعيرا فتقاضى بدله برّا أو نقدا من ذهب أو فضة بزيادة ما فالزيادة في الوزن والكيل والنوع هي ربح حلال لأن العملية تكون عملية بيع سواء أكانت فورية أو مؤجلة. ويطلق الفقهاء على الربا الذي يكون في العملية الفورية (ربا التفاضل) وفي العملية المؤجلة (ربا النسيئة) . ومن هذه الأحاديث حديث رواه الخمسة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ :
«الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم
стр. 3292
إذا كان يدا بيد. وزاد في رواية فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء» «١» . وحديث آخر رواه الخمسة كذلك عن مالك بن أوس قال: التمست صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة. وعمر يسمع فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبرّ بالبرّ ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» «٢» .
ويفهم من روح الآيات أن الناس كانوا في عصر النبي ﷺ يرون الزيادة ربحا سواء أكان هناك مماثلة في الجنس والوزن أم لا ويعتبرون العملية بيعا وشراء فنبهت الآيات على الفرق بين العملين لأن الزيادة في البيع والشراء في السلع المختلفة هي مقابل جهد ووقت ومال وتفرغ، في حين أن الزيادة في السلع والأجناس والمقادير المتماثلة هي بدون عوض ما.
كذلك يفهم من روح الآيات أنه كان للحاجة والإعسار أثر في تعاطي الربا ولم يكن تقاضيه معاملة بيع وشراء وتجارة، أي أن المرء كان يحتاج إلى مال ينفقه في شؤونه الخاصة أو سلعة يحتاج إليها في معيشته فيستدينها على أن يردها من جنسها بعد مدة بزيادة في المقدار وقد روت الروايات أن الربا كان يتضاعف بسبب الإعسار إلى أن يبلغ أضعافا مضاعفة ويستغرق جميع مال المدين وما في حيازته.
وإلى هذا أشارت آية سورة آل عمران هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) .
وإذا صح أن هذه الآيات كان من آخر ما نزل من القرآن والحديث الذي أوردناه يؤيد ذلك فتكون آية آل عمران هذه قد نزلت قبلها فنهت عن أكل الربا أضعافا مضاعفة كخطوة أولى ثم جاءت هذه الآيات لتحرّمه تحريما حاسما. وهذا من أساليب التشريع القرآني حيث اقتضت حكمة التنزيل التدرج في إلغاء العادات التي كانت راسخة وذات تأثير شديد في المجتمع. وقد سار القرآن على هذا
стр. 3293
الأسلوب في تحريم الخمر والميسر على ما ذكرناه في مناسبة سابقة في هذه السورة لأنهما كان لهما تأثير شديد ورسوخ في المجتمع.
على أن من الحق أن يقال إن آية آل عمران المذكورة هي الخطوة التشريعية الأولى. أما نواة كراهية الربا والتنفير منه فقد جاءت في القرآن المكي في آية سورة الروم هذه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) . وهكذا يتساوق التلقين القرآني المكي مع التلقين القرآني المدني في هذه المسألة كما يتساوق في سائر المسائل بالأسلوب الذي كان يتلاءم مع كل من العهدين المكي والمدني.
ولقد استهدفت الآيات التي نحن في صددها- بالإضافة إلى تشنيعها بالربا وتحريمه- بثّ روح البرّ والتسامح والتكافل بين المسلمين. فإذا ما ضاق الأمر على امرئ فاحتاج إلى ما يفرج به ضيقه وجب أن ينال حاجته من أخيه القادر برّا ورحمة وأريحية بدون عوض أو زيادة. وإذا استحق دين على امرئ وكان معسرا وجب أن ينال التسامح والإمهال برا ورحمة وأريحية بدون عوض أو زيادة كذلك، وإذا كان إعساره شديدا وجب على الدائن أن يتنازل عن دينه صدقة لوجه الله. وفي هذا ما فيه من الروعة والجلال والتلقين المستمر المدى.
ومشهد المحتاجين والمعسرين وما يتعرضون له من إرهاق المرابين واستغلالهم وما يجرّه الربا في مثل هذه الظروف من خراب ودمار ويثيره من أحقاد وضغائن ويسببه من ذلة وهوان واضطراب وقلق من المشاهد المعروفة التي تثير دائما الآلام والاشمئزاز وتجعل وجه المجتمع الذي تقع فيه كالحا قاسيا، وتبرر الحكمة الربانية في منع أسبابها هذا الأسلوب القوي الحاسم وتبرز قصد البرّ والرأفة والمعونة والتسامح والتصدق، وبكلمة ثانية التكافل الاجتماعي بين المسلمين يجعل ذلك التلقين الجليل قويا جليلا بليغا.
ومما ذكره المفسرون أن الاشتغال بالربا من شأنه أن يضعف الرغبة في العمل والنشاط الاقتصادي والتجاري لأنه ربح يأتي بيسر وسهولة كالميسر. وهذا أيضا
стр. 3294
تعليل وجيه يضاف إلى التعليلات السابقة.
وفي سورة النساء آية تذكر أن الله قد نهى بني إسرائيل عن الربا وهي:
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) . ونصوص أسفار العهد القديم المتداولة متباينة ففي بعضها نهي عن أخذه من بني إسرائيل فقط كما جاء في الإصحاح (٢٢) من سفر الخروج و (٢٣) من سفر التثنية. وفي بعضها نهي مطلق وتنديد بأخذه كما جاء في الإصحاح (١٤) من المزامير و (٢٨) من الأمثال و (١٨) من نبوءة حزقيل. ونرجح أن نصّ السفرين الأولين محرف ما دام القرآن يذكر أن الله قد نهاهم عنه مطلقا والأسفار الأخرى تؤيد ذلك.
وآية النساء على كل حال تقرر أنهم خالفوا شريعة تحريم الربا وتعاطوه في بيئة النبي ﷺ ممتدا إلى ما قبله.
ولقد كان العرب المتمولون يتعاطونه كذلك على ما تفيده الآيات ويأخذونه أضعافا مضاعفة. ولقد كان مما فشا في مختلف البيئات في غير جزيرة العرب أيضا. وقد ارتكس فيه النصارى كما ارتكس اليهود وكان مترافقا في كل بيئة بتلك المشاهد المريرة المدمرة. فلا غرو أن حرمته الشريعة الإسلامية التي هدفت فيما هدفت إليه إلى إقامة مجتمع إنساني يضمّ مختلف الأجناس والألوان والطبقات ويسوده التعاطف والبرّ والتراحم والتعاون، ويمتنع فيه الناس عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل وبدون جهد تحريما حاسما وشاملا مع الإنذار الرهيب القاصم.
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في التحذير من الربا وإنذار متعاطيه، منها حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن جابر قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده قال هم سواء» «١» . وحديث أخرجه الطبراني عن ابن عباس جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : من أعان ظالما ليدحض به حقا فقد برىء من ذمّة الله ورسوله، ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية ومن نبت لحمه
стр. 3295
من سحت فالنار أولى به» «١» . وحديث رواه الشيخان والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة ذكر فيه أن «أكل الربا من جملة الموبقات السبع التي أمر النبي ﷺ باجتنابها» «٢» .
هذا، وروح الآيات والأحاديث وما روي من مشاهد الربا ومآسيه ومضاعفاته كل ذلك يلهم أن الربا قد حرّم بهذا الأسلوب القاصم بسبب تلك المشاهد والمآسي والمضاعفات.
ولقد ارتكس العالم عامة والمسلمون منهم في ذلك حتى صار الربا بلاء عاما لا يكاد يتفلّت منه أحد بصورة من الصور ولا سيما في ظل نظام المصارف الذي عمّ كل الأقطار. مما كشف الله عن عيبه لرسول الله ﷺ فقال في حديث رواه الإمام أحمد عن الحسن عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا، فقيل له: الناس كلّهم؟ قال: من لم يأكله ناله غباره» «٣» . ولقد شهدنا في حياتنا ممولين يستغلون عوز الفلاحين وغيرهم فيداينونهم المائة بمائة وثلاثين بل وأربعين وخمسين لسنة واحدة بل لموسم زراعي واحد، ويستغرق الربا جميع ما لهم من أرض وعقار وماشية ويشتد عليهم خناق العوز والمذلة وسمعنا من مثل ذلك كثيرا من آبائنا في بلادنا ومن غيرهم في البلاد العربية الأخرى. ولقد وجد المرابون بعض المشايخ الجهال الذين كانوا يفتونهم في عملهم بزعم إخراج عملياتهم من نطاق الربا المحرم حيث يجرون عملية بيع صورية عن المبلغ الزائد الذي يكتبونه في سند الدين. ولقد شهدنا أغنياء كثيرين فأصبحوا فقراء أذلاء بعد أن كانوا واسعي الثراء محاطين بالتكريم والتبجيل بسبب استغراقهم في الدين ورباه. ولقد شهدنا في الوقت نفسه مصير كثيرين ممن كانوا يأكلون الربا إلى مثل ذلك المصير. ولقد عرفنا أن الله كان يلحظ بعنايته الذين يؤتون الزكاة ويتصدقون
стр. 3296
عن إخلاص وإيمان ولا يتعاطون الربا فينمي أموالهم ويقيهم شرّ النكبات والخسائر أو يعوض عليهم ما أصابهم من ذلك. فتحققت لنا المعجزة القرآنية المنطوية في جملة يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ صدق الله العظيم.
وإنه لمن واجب علماء المسلمين ودعاة الإصلاح وأولياء الأمر الصالحين أن يتداعوا لإيجاد مخرج للمسلمين من هذا البلاء العام الذي يرتكسون فيه ويعيشون خلاله في حالة حرب على الله ورسوله وفي لعنة الله ورسوله والعياذ بالله.
والحكومات الإسلامية اليوم تسمح للمصارف بالعمل بفوائد معتدلة أو زهيدة ولأجل تنمية الأعمال التجارية والزراعية والصناعية وتفريج أزمات الناس وتحريرهم من استغلال المرابين الجشع. ويتحقق بذلك فوائد ومنافع للناس ولا ندري إن كانت هذه الحكومات قد وجدت مسوغا شرعيا لذلك ولا سيما إن هذا كان في زمن دولة الخلافة العثمانية التي كانت تغلب عليها الصيغة الدينية ولو بالمظاهر والتي كانت تجتهد في أخذ فتاوى من العلماء لمثل هذه الأمور. وقد أنشأت في أواخر عهدها مصرفا زراعيا حكوميا بهدف تخليص الفلاحين من استغلال المرابين الفاحش. وكانت تقرضهم المال بفائدة كانت تعد زهيدة ومقدارها تسعة في المائة ونعتقد أنها استندت في ذلك إلى فتاو شرعية. ولقد كان من نتيجة جهود أساطين فقهائها تلك الموسوعة الفقهية الهامة الشهيرة التي عرفت باسم «مجلة الأحكام الشرعية» والتي احتوت قواعد فقهية لمختلف المعاملات ومن المستحسن هذا الأمر على ضوء ذلك دراسة عميقة لعل الدارسين يجدون ذلك المخرج المنشود.
هذا، وبعض المؤولين قالوا إن جملة وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ هي في صدد الربا موضوع الكلام وإنها بسبيل الأمر بالتأجيل بدون زيادة. وليست في صدد الدين بصورة عامة الذي ينشأ عن العقود المشروعة من بيع وشراء وإجارة إلخ ... في حين قال بعضهم إنها تشمل الدين مطلقا. والجملة
стр. 3297
مطلقة بحيث يكون الرجحان للقول الثاني فيما يتبادر لنا. وقد أورد هؤلاء أحاديث في صدد التيسير على المعسر مطلقا مما فيه تأييد للقول الثاني. من ذلك حديث رواه الإمام أحمد عن أسعد بن زرارة قال: «قال رسول الله ﷺ : من سرّه أن يظلّه الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه فلييسر على معسر أو ليضع عنه» «١» . وحديث رواه الإمام نفسه عن بريدة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أنظر معسرا فله بكلّ يوم مثله صدقة، وفي رواية مثلاه صدقة» «٢» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» «٣» . وفي الأحاديث بالإضافة إلى تأييدها الإطلاق حثّ على التسامح والبرّ وتنويه بفضيلة إنظار المعسرين والتساهل معهم مما يتساوق مع التلقين القرآني.
تعليق على جملة الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ...
لقد كانت هذه الجملة موضوع جدل كلامي بين أهل السنة والمعتزلة حيث أثبت الأولون حقيقتها وأنكرها الآخرون. ومما قاله الزمخشري إن الآية تعبير عما كان يزعم العرب في الجاهلية وتابعه في ذلك الطبري والبيضاوي. ولقد أورد المثبتون أحاديث نبوية منها ما ورد في الصحاح ولكنا لم نلمح منها ما في الجملة من مدى ومعنى. مثل حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخا من مسّ الشيطان إيّاه إلا مريم وابنها واقرأوا إن شئتم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٤» آل عمران: [٣٦] . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى
стр. 3298
ابن مريم ذهب يطعنه فطعن في الحجاب» «١» .
ولقد قلنا إننا لم نلمح في الأحاديث أنها متساوقة مع مدى الجملة حيث نرى أن الجملة عنت الصرعة التي يرتمي بها المصاب على الأرض وتجعله يتخبط، والمتداول بين الناس أن هذا من مسّ الشيطان. ولقد عقد القاسمي في تفسيره فصلا طويلا بذلك استشهد بأقوال الإمامين ابن تيمية وابن الجوزي وبفصل للبقاعي بسبيل إثبات مسّ الشيطان للجسم الإنساني وحدوث الصرع والجنون نتيجة لذلك وإخراج الشيطان منه بالرقى والآيات القرآنية وأورد حديثا طويلا أورده البقاعي في ذلك من إخراج الدارمي لم يرد في كتب الصحاح ونرى التوقف فيه أولى لأن فيه إغرابا شديدا. ومما ساقه البقاعي بسبل إثبات حقيقة ذلك ما ورد في الأناجيل المتداولة اليوم من حوادث عديدة نذكر ما كان من إخراج عيسى ﵇ الجنّ والشياطين من المرضى المصابين بالصرع والجنون، والأناجيل المتداولة تورد روايات فيها غثّ وسمين وحقيقة وخيال وذكريات ولا يصح سوقها بسبيل إثبات ذلك.
ولقد تصدى رشيد رضا لهذه المسألة وأشار إلى الخلاف فيها بين أهل السنة والمعتزلة فقال إن الآية لا تثبت ذلك ولا تنفيه وإنه ثبت عند أطباء العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي تعالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الجديدة. وقد تعالج بالإيهام. وإننا نحن المسلمين لسنا في حاجة إلى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل عليه في العلم لأجل تصحيح الروايات الآحادية وإن القرآن أرفع من أن يعارض العلم.
وهذا كلام سديد من دون ريب، وقد يصح أن يضاف إليه أولا: إن الآية في مقامها لا تتحمل هذا الجدل. وإن كلام الزمخشري ومن تابعه في الأصل متسق مع ما تكرر كثيرا في القرآن من كون حكمة التنزيل جرت على مخاطبة سامعيه للمرة الأولى بما هو معروف ومسموع ومعتقد به عندهم وعند الأمم الأخرى التي يتصلون بها أو يعرفون أخبارها.
стр. 3299
وثانيا: إنا نقول هنا ما قلناه في مناسبات سابقة مماثلة من أن الإيمان بما أخبره القرآن والأحاديث الصحيحة من أمور الجن والشياطين واجب على المسلم شأن سائر الأخبار الغيبية التي تذكر في القرآن والأحاديث مع إيكال ما لا يدركه العقل الإنساني من ذلك إلى الله سبحانه والقول آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا آل عمران: [٧] ومع الإيمان بأنه لا بد لذكر ما ذكر بالأسلوب الذي ذكر به في القرآن والأحاديث الصحيحة من حكمة، ولعلّ من ذلك هنا قصد التنديد والإنذار وليس هذا الأمر يعد من الأمور المحكمة التي لا يسع المسلم جهلها وليس له ولا عليه أن يتكلف فيها على ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة سابقة والله تعالى أعلم.
وإنه لمن واجب علماء المسلمين ودعاة الإصلاح وأولياء الأمر الصالحين أن يتداعوا لإيجاد مخرج للمسلمين من هذا البلاء العام الذي يرتكسون فيه ويعيشون خلاله في حالة حرب مع الله ورسوله وفي لعنة الله ورسوله والعياذ بالله.
وبعض المؤولين قالوا إن جملة وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [٢٨٠] هي في صدد الربا موضوع الكلام وأنها بسبيل الأمر بالتأجيل بدون زيادة وليست في صدد الدين بصورة عامة الذي ينشأ عن العقود المشروعة من بيع وشراء وإجارة إلخ. وبعضهم قالوا إنها تشمل الدين مطلقا والجملة مطلقة بحيث يجعل ذلك الرجحان للقول الثاني فيما يتبادر لنا. ولا سيما إن المفسرين يوردون أحاديث نبوية في ذلك حديث رواه الإمام أحمد عن أسعد بن زرارة قال: «قال رسول الله ﷺ : من سرّه أن يظلّله الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه فلييسّر على معسر أو ليضع عنه» .
وحديث رواه الإمام أحمد أيضا عن بريدة قال: «سمعت النبيّ ﷺ يقول: من أنظر معسرا فله بكلّ يوم مثله صدقة وفي رواية في كلّ يوم مثلاه صدقة» وحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» . وحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ : من أراد أن تستجاب
стр. 3300
دعوته وأن تكشف كربته فليفرّج عن معسر» . وحديث أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن حذيفة قال: «قال رسول الله ﷺ : أتي الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ قال: ما عملت لك يا ربّ مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها. قالها ثلاث مرات ثم قال عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال وكنت رجلا أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أيسّر على الموسر وأنظر المعسر فيقول الله أنا أحقّ من ييسّر ادخل الجنة» . وحديث رواه الإمام أحمد عن عثمان بن عفان قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: أظلّ الله عبدا في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه من أنظر معسرا أو ترك لغارم» «١» وحديث رواه الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من أنظر معسرا أو وضع عنه وقاه الله من قيح جهنم» «٢» .
وبعض هذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن هذا لا يمنع صحتها. وهي متسقة مع النص القرآني وفيها من الحثّ على التسامح والبرّ والتنويه بفضيلة إنظار المعسرين والتساهل معهم ما يتساوق مع التلقين القرآني.
ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن سعيد بن المسيب وحديثا رواه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في صيغتين متقاربتين عن عمر بن الخطاب أنه خطب المسلمين يوما فقال: «إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم» ، وجاء في الصيغة الثانية: «إن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسّرها لنا فدعوا الربا والريبة» . والحديث بصيغتيه لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ونحن نتوقف في هذا الحديث. فالله سبحانه قال لرسوله ﷺ : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النحل: [٤٤] ومن واجب المسلم أن يعتقد أن النبي ﷺ قد قام بهذه المهمة. والأحاديث الصحيحة العديدة في الربا ومداه
стр. 3301
تصح أن تورد كدليل على ذلك. ولا يبدو في الآيات غموض ولا إشكال والله تعالى أعلم.
ولقد كانت جملة الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ موضوع جدل مذهبي كلامي حيث أنكر الزمخشري وفقا لمذهب المعتزلة حقيقة الأمر وقال: إن الآية تعبير عما كان يزعم العرب في الجاهلية، وغمز الذين يعتقدون حقيقة ذلك وقال إن إنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. وقد تابعه البيضاوي والطبرسي في قوله وحيث ردّ أهل السنة على هذا القول وأوردوا بعض الأحاديث التي منها ما ورد في الكتب الصحيحة من ذلك حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
«ما من مولود يولد إلّا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخا من مسّ الشيطان إيّاه إلا مريم وابنها. واقرأوا إن شئتم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «١» آل عمران: [٣] . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: «كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعنه فطعن في الحجاب» «٢» . ومما لم يرد في تلك الكتب حديث عن النبي ﷺ قال: «التقطوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشّياطين» «٣» . وقد قابل القاضي ابن المنير غمز الزمخشري بالشتيمة فقال هذا خبطهم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. وقد عقد القاسمي فصلا طويلا في تفسيره للآية على هذه المسألة واقتبس من كتاب زاد المعاد لابن القيم نبذة طويلة فيها استشهاد ببعض أقوال وأفعال الإمام ابن تيمية بسبيل إثبات صحة وقائع مسّ الشيطان للجسم الإنساني وحدوث الصرع والجنون نتيجة لذلك وإخراج الشيطان منه بالرقى والآيات القرآنية. واقتبس القاسمي كذلك نبذة من مؤلف للعلامة البقاعي بسبيل تأييد ذلك فيها أولا بعض أحاديث نبوية أخرجها الدارمي ولم ترد في الكتب الصحيحة منها حديث مروي عن ابن عباس جاء فيه: «إن امرأة جاءت بابن لها إلى
стр. 3302
رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا. فمسح رسول الله صدره ودعا فثعّ ثعّة وخرج من صدره مثل الجرو الأسود فسعى» . وحديث عن جابر قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في سفر فركبنا مع رسول الله ﷺ ورسول الله بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلّنا فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كلّ يوم ثلاث مرات فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال: اخسأ يا عدوّ الله أنا رسول الله ثلاثا ثم دفعه إليها» . وذكر البقاعي في نبذته أن هذا الحديث أخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان في حرة واقم ومما جاء في صيغة الطبراني عن جابر: «فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيّها ومعها كبشان تسوقهما فقالت: يا رسول الله اقبل مني هديتي فو الذي بعثك بالحقّ ما عاد إليه بعد. فقال: خذوا منها واحدا وردّوا عليها الآخر» . وقال البقاعي في نبذته: إن هذا الحديث رواه أيضا البغوي في شرح السنة عن يعلي بن مرة ﵁ . وذكر القاسمي أن البقاعي ساق بعد ذلك ما جاء في الإنجيل قال وذلك كثير جدا. يعني ما وقع للمسيح ﵇ من إخراج الشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين بذلك «١» . وقال إنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا كافيا لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان. وقد تصدى رشيد رضا لهذه المسألة وأشار إلى الخلاف المذهبي فيها بين أهل السنة والمعتزلة وقال إن الآية لا تثبت ذلك ولا تنفيه. وأنه ثبت عند أطباء العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي تعالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الجديدة. وقد تعالج بالإيهام. وإننا نحن المسلمين لسنا في حاجة إلى النزاع فيما
стр. 3303
أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل عليه في العلم لأجل تصحيح الروايات الآحادية. وإن القرآن أرفع من أن يعارضه العلم. وهذا كلام سديد من دون ريب. وقد يصح أن يضاف إليه:
أولا: إن الآية في مقامها لا تتحمل هذا الجدل وإن كلام الزمخشري ومن تابعه في الأصل متسق مع ما تكرر كثيرا في القرآن من كون حكمة التنزيل جرت على مخاطبة سامعيه للمرة الأولى بما هو معروف ومسموع ومعتقد به عندهم وعند الأمم الأخرى التي يتصلون بها أو يعرفون أخبارها.
وثانيا: إننا نقول هنا ما قلناه في مناسبات سابقة مماثلة إن الإيمان بما أخبره القرآن والأحاديث الثابتة من أمور الجن والشياطين واجب على المسلم شأن سائر الأخبار الغيبية مع إيكال ما لا يدركه العقل الإنساني من ذلك إلى الله سبحانه والقول آمنا به كلّ من عند ربنا ومع الإيمان بأنه لا بدّ لذكر ما ذكر بالأسلوب الذي ذكر به في القرآن والثابت من الحديث من حكمة. ولعل من ذلك هنا قصد التنديد والإنذار. وليس هذا الأمر بعد من أمور الشريعة الإسلامية المحكمة والأساسية التي لا يسع المسلم جهلها وليس له ولا عليه أن يتكلف فيها على ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة سابقة والله تعالى أعلم.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٢ الى ٢٨٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
.
стр. 3304
(١) بالعدل: هنا بمعنى الحق والصدق والتمام.
(٢) الإملال: مرادف للإملاء وهنا بمعنى الإقرار والاعتراف أو التقرير.
(٣) يبخس: ينقص أو يكتم.
(٤) سفيها: ناقص العقل والتمييز إما بسبب مرض أو بسبب شيخوخة أو بسبب الطفولة.
(٥) ضعيفا: مريضا أو عاجزا جسمانيا أو لعي في لسانه إلخ.
(٦) أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى: بمعنى أن تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.
(٧) لا يأب الشهداء: لا يمتنعوا عن الاستجابة والشهادة.
(٨) أدنى ألّا ترتابوا: أكثر ضمانا لعدم الارتياب والشك.
تعليقات على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ... والآية التالية لها
في الآيتين تعليمات للمسلمين بما يفعلونه في ظروف الدين والبيع:
١- فعليهم إذا تداينوا بدين إلى أجل معين أن يكتبوا بالدين وثيقة.
٢- وعلى الكاتب أن يكتب الوثيقة بالحقّ ولا يجوز له أن يمتنع عن كتابتها على هذا الوجه لأن الله الذي يأمره بذلك هو الذي علمه.
стр. 3305
٣- وعلى الذي عليه الدين أن يقرر للكاتب ما عليه ليكتبه وأن يتقي الله فيما يقرره ولا ينقص منه شيئا. وإذا كان ناقص التمييز أو عاجزا عن التقرير أو مريضا فعلى وليّه أن يقرر الحق الذي عليه ليكتبه الكاتب.
٤- وعلى المسلمين أن يستشهدوا على وثيقة الدين رجلين منهم أو رجلا وامرأتين ممن يرضون وتطمئن إليهم نفوسهم. وجعل امرأتين مع الرجل في حالة عدم وجود رجلين هو لتذكر إحداهما الأخرى إذا نسيت.
٥- ولا يجوز للشهود أن يمتنعوا عن الشهادة إذا دعوا إليها.
٦- وعلى المسلمين أن لا يتهاونوا في كتابة وثائق الدين سواء أكان قليلا أو كثيرا فإن ذلك هو الأفضل والأعدل عند الله والأضمن لعدم الارتياب والشك فيما بينهم.
٧- ولا مانع من عدم تدوين المعاملة التجارية إذا كانت فورية لا دين فيها، أحدهم يسلم السلعة والآخر يدفع الثمن.
٨- وعلى أن يستشهدوا شهودا على ما يقع بينهم من بيوع.
٩- ولا يجوز في أي حال مضارة كاتب أو شهيد أو أذيتهما بالقول والفعل فذلك إثم وعصيان لأوامر الله.
١٠- وإذا كان الطرفان أو كلاهما على أهبة سفر ولم يجدا كاتبا يكتب وثيقة الدين فيحسن أن يقوم مقام الوثيقة رهن يسلمه المدين إلى الدائن.
١١- وإذا ائتمن الواحد آخر في حالة عدم إمكان كتابة سند الدين فيكون بدل ذلك رهن من المستدين إلى حين الأداء. وعلى المؤتمن أن يحقق ظن صاحبه في أمانته فيؤدي إليه ما ائتمنه عليه بحق وعدل.
١٢- ولا يجوز لأحد كتمان شهادته في أي أمر، ومن يكتمها فإنه آثم القلب.
١٣- وعلى المؤمنين على كل حال أن يتقوا الله ويراقبوه فيما يقوم بينهم من معاملات. فهو الذي يعلمهم ما يحسن لهم ويساعد على توثيق مصالحهم، وهو العليم بكل شيء الخبير بما يعملونه.
والآية الأولى أطول آية في القرآن. وقد روى ابن كثير رواية معزوة إلى
стр. 3306
شعيب بن المسيب أنه بلغه أن هذه الآية أحدث القرآن عهدا بالعرش أي آخر ما نزل من القرآن. ولم نطلع على رواية خاصة في سبب نزول الآيتين. والمتبادر أنهما متصلتان بسابقاتهما اتصالا استطراديا. فقد ذكر في الآيات السابقة الدين والبيع فأوحى بالآيتين للتشريع والتسليم في صدد ذلك. والراجح أنهما نزلتا بعد تلك الآيات مباشرة فوضعت بعدها للتناسب الموضوعي والزمني.
ولقد روى ابن كثير عن ابن عباس: أن الآية الأولى نزلت في السلم إلى أجل معلوم (وهو شراء غلة معينة في موسم آت بثمن معجل) وأنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله، وأنه روى حديثا عن النبي ﷺ جاء فيه: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم» غير أن الإطلاق في جملة إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يلهم أنه جاء كذلك ليكون شاملا لكل نوع من الدين.
وروعة التعليم والتشريع في الآيتين ظاهرة قوية لا تحتاج إلى إطناب. وقد روعي فيها تعليم المسلمين توثيق أمورهم التجارية، وتوطيد الحق والعدل فيما بينهم فيها، وعدم تركها فوضى بسبب ما ينتج عنها من مشاكل وخلافات وشحناء.
وبالتالي تلقينهم تنظيم أمورهم الدنيوية على الوجه الذي يكفل لهم الحق والعدل والطمأنينة والثقة وعدم النزاع. وجملة أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها
تلهم أن كتابة المعاملات التجارية الفورية أفضل وأن الاستثناء هو للتيسير والتخفيف.
وفي كتب التفسير أقوال وروايات عن أهل التأويل في مدى أحكام هذه الآيات نوجزها ونعلق عليها كما يلي. وهناك نقاط لم نطلع على قول فيها رأينا كذلك أن نوردها ونذكر ما يتبادر لنا فيها-:
١- لقد روى المفسرون قولين في مدى الأمر بكتابة الدين والاستشهاد عليه.
أحدهما أنه من باب الاستحباب والتشويق، وثانيهما أنه على سبيل الإيجاب.
ويتبادر لنا من روح الآية وفحواها وتوكيدها المتكرر ورفع الحرج عن عدم كتابة
стр. 3307
التجارة الحاضرة والمعاملة الفورية مع تفضيل الكتابة أن القول الثاني هو الأوجه.
٢- ورووا كذلك قولين في مدى واجب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. أحدهما أنه على سبيل التخيير والندب وثانيهما على سبيل الإيجاب. وقد يكون القول الأول هو الأوجه لأن الكاتب والشاهد شخصان حران لا يصح إرغامهما على ما لا يريدانه من كتابة أو شهادة. أما حين يقبل الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد على الواقعة بناء على طلب صاحب المصلحة فالجمهور متفقون على أن يكون حينئذ من الواجب على الكاتب أن يكتب بالعدل وعلى الشاهد أن يلبي الدعوة ويشهد بالحق. ولا يكون هذا على سبيل الاستحباب والتخيير وهذا سديد وواضح من العبارة القرآنية أيضا.
٣- والمتبادر من العبارة القرآنية أن الشهود المعنيين هم الذين طلب منهم أن يحضروا ويشهدوا على الواقعة وقد تقع معاملات بين طرفين ويكون أناس حاضرين الواقعة صدفة ولم يحضر الطرفان شهودا خصيصين. ولم نطلع على قول في مثل هذه الحالة. والمتبادر أن من واجب هؤلاء أداء الشهادة إذا ما دعوا إليها ولا يصح لهم أن يمتنعوا ويكتموا لأن في ذلك إضاعة لحقّ قد لا يثبت بدون شهادتهم.
٤- والمفسرون يروون أقوالا عديدة في مدى جملة وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ منها أن المعني بهذا الأمر الكاتب والشاهد. وأن الجملة توجب عليهما عدم مضارة صاحب المصلحة والحق. وعلى الكاتب أن يكتب بالعدل والشاهد أن يشهد بالحق. ومنها أن المعني بهذا الأمر أصحاب المصلحة. فلا يجوز لهم إرغام الكاتب على الكتابة ولا شخصا ما على المجيء والشهادة على العملية ويسبب لهما بذلك ضررا في إضاعة وقت وخسران عمل. ومنها أن المعني بهذا الأمر أصحاب المصلحة من جانب آخر وهو أنه لا يجوز لهم أن يضاروا ويؤذوا الكاتب على كتابته بالعدل والشاهد على شهادته بالحق. وروح الآية تلهم أن القول الأخير هو الأكثر ورودا ووجاهة.
٥- والمتبادر أن الإشارة إلى واجب الإملاء والتقرير على ولي السفيه
стр. 3308
والعاجز والمريض تنطوي على كون أقوال هؤلاء واعترافاتهم في حق أنفسهم غير نافذة. وقد تفيد العبارة القرآنية أن المقصود من (الولي) الذي يجب أن ينوب عن هذه الفئات في الإملاء والتقرير هو الذي له حق الولاية على هذه الفئات بسبب درجة قرابته لهم. غير أن الجمهور على أن القضاء الشرعي مخول في إقامة الأولياء أيضا على أمثال هذه الفئات ليكونوا مسؤولين عن رعاية حقوق هذه الفئات ومصالحها. وهذا حقّ وصواب. وحتى بالنسبة للذين تخولهم قرابتهم الولاية حيث يكون الأولى أن تكون ممارستهم للولاية بعلم وإقرار القضاء حتى يكونوا مسؤولين أمامه، والله أعلم.
٦- وقد روى المفسرون في صدد جملة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أنها في صدد حفظ الأمانات وردها إلى أصحابها وعدم المماراة فيها وتبديدها إطلاقا. ومنها أنها في صدد الرهن الذي يعطيه المدين للدائن عوضا عن سند الدين حينما تتعسر كتابته على ما جاء في الآية: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ حيث توجب الجملة على الدائن فقط الرهن سليما بدون تبديد على اعتبار أنه أمانة في يده ورده إلى المدين كما هو حينما يرد هذا ما عليه من دين. ومنها أن ذلك في حالة تعسر الكتابة وتعسر الرهن واعتماد الدائن على أمانة المدين وحسب. حيث توجب الجملة على المدين قيامه بحق من ائتمنه على ماله ورده إليه. وفحوى العبارة ومقامها متسقان أكثر مع المعنى الثاني وقد يتسقان مع المعنى الثالث أيضا. والمعنى الأول وارد الوجوب دائما وفي كل حال. وليس بينه وبين المعنيين تعارض وقد أوجبت آية سورة النساء [٥٨] ردّ الأمانات إلى أهلها. ونوهت آيات مكية عديدة بمن يرعى أمانته وعهده كما جاء في آيات المؤمنون [٨] والمعارج [٢٩] .
٧- وجمهور المفسرين على أنه ينطوي في جملة مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ شرط تحقق العدالة في الشهود. أو أن ذلك هو المقصود من الجملة أي يجب أن يكونوا من المعروفين بالاستقامة غير المتهمين في ذممهم. ومع ما في هذا من
стр. 3309
وجاهة فإنه يتبادر لنا أن الجملة أوسع مدى بحيث تنيط استشهاد الشهود بثقة المستشهدين ورضائهم النفسي والقلبي.
٨- وكلمة مِنْ رِجالِكُمْ في صفة الشهود تفيد وجوب اختيارهم من المسلمين مع توفر العدالة وطمأنينة صاحب المصلحة. ولقد روى المفسرون أقوالا في شمول العبارة للأرقاء المسلمين. حيث قال بعضهم بالشمول وبعضهم حصر الشهادة في أحرار المسلمين. ويتبادر لنا أن القول الأول هو الأوجه فقد خاطب القرآن المؤمنين بكل ما يتصل بشؤون الدين والدنيا بدون تمييز بين الأرقاء والأحرار. واعتبرهم جميعا بعضهم من بعضهم وبعضهم أولياء بعض في آيات عديدة مثل آية سورة آل عمران [١٩٥] والتوبة [٧١] وكان المؤمنون الذين عنتهم هذه الآيات خليطا من أحرار وأرقاء. وفي إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية فصل في ذلك قرر فيه أنه ليس هناك أي أثر وثيق برفض شهادة العبد المسلم. وأنه يدخل في شمول كلمة رِجالِكُمْ. وفي جملة وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ في سورة الطلاق وقال إن الميزان العادل وكتاب الله وسنّة رسوله وإجماع الصحابة على قبول شهادته. وروي عن أنس بن مالك قوله: «ما علمت أحدا ردّ شهادة العبد» «١» .
٩- ولقد تطرق بعض المفسرين إلى جواز وعدم جواز شهادة واستشهاد غير المسلمين في سياق هذه العبارة أيضا، وأوردوا أقوالا مختلفة منها منع ذلك بناء على صراحة العبارة هنا وقالوا إن المسلم لا يشهد عليه إلا مسلم ولا ينبغي له أن يستشهد إلا مسلما. ومنها إجازة ذلك استنادا إلى آية سورة المائدة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) غير أن الذين قالوا بالمنع قالوا إن آية المائدة منسوخة بآية البقرة التي نزلت بعدها. وهناك من قال إن الحالة التي نزلت فيها آية المائدة تتسع
стр. 3310
لذلك لأنها حالة سفر وغربة قد لا يكون فيها شهود مسلمون. ولابن القيم فصول في هذا الباب أنكر فيها نسخ آية المائدة لأنها في صدد حالة تتحمل استشهاد وشهادة غير المسلمين «١» . وهذا حق.
ولقد تصدى رشيد رضا لهذه المسألة وعقد فصلا طويلا لها انتهى به إلى ترجيح شهادة غير المسلمين على المسلمين إذا كان حق المسلم لا يثبت إلا بها.
وقال فيما قال: إن البينة في الشرع أعمّ من الشهادة وإن كل ما يتبين به الحق بينة كالقرائن المنطقية، وإن شهادة غير المسلم يمكن أن تدخل في معنى البينة المستدل عليه بالكتاب والسنة واللغة إذا كان يتبين بها الحق للحاكم. وفي هذا حق وسداد فيما هو المتبادر. وليس هناك فيما اطلعنا عليه أثر نبوي صحيح يمنع شهادة غير المسلم على المسلم إذا لم يكن مطعونا في أمانته وعدله. وكل ما اطلعنا عليه حديث رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ ردّ شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه وردّ شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم» وفي رواية أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية» «٢» .
وقد يضاف إلى هؤلاء المشهور بالفسق وقاذف المحصنات على ما جاء في آية سورة الحجرات هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وفي آيات النور هذه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) .
ومع ذلك فإن من الممكن استدراك أمر على ضوء آية سورة المائدة، وهو إنه إذا كان الشهود مختارين اختيارا ومدعووين دعوة للشهادة فالأولى أن يكونوا
стр. 3311
مسلمين ما دام هذا ممكنا. فإن لم يكن هذا ممكنا أو إذا كانت الواقعة التي يراد الاستشهاد عليها فورية ولم يشهدها غير مسلمين فتكون شهادتهم سائغة إذا كانوا عدولا غير متهمين لأن الحق يضيع على صاحبه بدون ذلك، والله تعالى أعلم.
١٠- وعبارة فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ تفيد اعتبار شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد وقد عللت الآية هذا مما ينطوي فيه الإشارة إلى مشاغل المرأة وما تؤدي إليه من غلبة النسيان عليها. ولقد زاد المفسرون على التعليل القرآني تعليلا آخر وهو نقص عقل المرأة واستندوا في ذلك إلى الحديث النبوي الذي يصف المرأة فيه بنقص العقل ويدلل على ذلك بأن الله جعل شهادتها نصف شهادة الرجل والذي أوردناه في سياق تفسير الآية [٢١] من سورة الروم وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. وذلك التعليق يجعلنا نعتقد أن التعليل المنطوي في الآية هو الوارد الحق. ثم يجعلنا نقول إن جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في الآية ليس من شأنه أن يخلّ بما منحه الله للمرأة المسلمة في القرآن من حقوق وقرره لها من أهلية يجعلانها مثل الرجل في أمور الدين والدنيا سواء بسواء باستثناء الحياة الزوجية، ومركز الرجل المتفوق درجة فيها عليها مما شرحناه في سياق آية الروم المذكورة وفي مناسبات سابقة أخرى وفي سياق تفسير آيات فصل الطلاق في هذه السورة، ومما سوف نزيده شرحا في مناسبات أخرى في سور آتية.
١١- ولقد قلنا في الفقرة (٣) إن العبارة القرآنية تفيد أن الشهود المعنيين فيها هم شهود يختارهم صاحب المصلحة ممن يرضى ويدعوهم لشهود الحادثة والشهادة عليها. وفي ضوء ذلك يرد سؤال عن حكم الحالة التي تكون فورية ويكون شاهدها امرأة واحدة أو امرأتان أو رجل وامرأة ولم يكن الظرف يتيح إحضار شهود أو يفيد فيه ذلك. وهذه حالات تقع كثيرا في مختلف الأحداث والظروف. والمتبادر أنه يجب الأخذ بشهادة المرأة أو المرأتين أو المرأة والرجل ويكون ذلك في مقام البينة التي يثبت بها الحق ويكون عدم الأخذ بها مما يضيع الحق. والله ورسوله لا يرضيان عن ذلك وليس في الآية ولا في القرآن ولا في الأحاديث ما يمنع ذلك. ولقد تطرق ابن القيم إلى هذه الحالة أيضا ونقل عن
стр. 3312
الإمام ابن تيمية تسويغه الأخذ بشهادة المرأة فيها. وأورد حديثا وصفه بالصحيح عن عقبة بن الحرث: «أنه سأل رسول الله ﷺ قائلا: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت إنها أرضعتنا فأمره بفراق امرأته. فقال إنها كاذبة فقال دعها عنك» «١» .
وعقب على هذا بقوله إن في هذا قبولا بشهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمة.
١٢- لقد استطرد المفسرون بمناسبة الآية إلى شهادة النساء في غير شؤون الدين. وأوردوا أقوالا لبعض علماء التابعين وبعض أئمة الفقه ولأنفسهم تفيد أن شهادة النساء غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود ولو في نطاق النصاب المذكور في الآية فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ولا تقبل إلّا في الأموال وما من العادة أن تعرفه وتشهده كالولادة والرضاع والبكارة والثيوبة ونحو ذلك. وليس في القرآن ما يؤيد هذا القول ولم نطلع على حديث صحيح يؤيده كذلك، والحديث الذي أوردناه قبل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه أبو داود والترمذي (الفقرة ٩) ينص على كون المردود شهادتهم هم الخائن والخائنة والزاني والزانية وذو الغمر والقانع (التابع) لمستخدميه. وآيات سورة الحجرات والنور التي أوردناها في الفقرة المذكورة ترد شهادة الفاسق وقاذف المحصنات وحسب.
وكل هذا يجعلنا نتوقف في منع قبول شهادة المرأة في الحدود والعقوبات.
ولقد ناقش ابن القيم «٢» هذه المسألة أيضا وانتهى إلى القول إن النصوص القرآنية والآثار النبوية لا تقيد شهادة المرأة في أمور دون أمور وإن شهادتها تصح في جميع الشؤون. واستشهد في ذلك إلى جملة وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ في الآية [٢] من سورة الطلاق وإلى جملة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ
стр. 3313
بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ في آية سورة المائدة [١٠٦] قائلا: إن المتفق عليه أن كل خطاب بصيغة الجمع المخاطب المذكور للمؤمنين في القرآن يشمل المؤمنين والمؤمنات حقا إذا لم يكن فيه قرينة مخصصة وهذا حق وصواب. وقد يكون من الدلائل عليه جملة:
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [٢٨٢] في الآية التي نحن في صددها دون آيات الطلاق والمائدة. ويصح أن يقال إن جملة: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ في آية سورة النساء وجملة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ في آية سورة النور [٤] من هذا الباب. وهذا كله يسيغ القول أيضا إن شهادة المرأة في غير مسألة الدين معادلة لشهادة الرجل مع التذكير بما أوردناه في الفقرتين ١٠ و ١١ في صدد هذه المسألة.
وإذا لحظنا أن من الحدود حدّ الزنا الذي أمرت آية النساء [١٥] استشهاد أربعة عليه وأن احتمال مشاهدة المرأة لهذه الجريمة أقوى بدا لنا ذلك المنع أكثر غرابة. ولا ندري ماذا يقول المانعون إذا لم يكن مشاهدو جرائم القتل والزنا والسرقة وهي التي قرر القرآن لها العقوبات والحدود غير نساء. فهل تذهب هذه الجرائم هدرا بغير عقاب، وإن الله ورسوله ليأبيان ذلك والله تعالى أعلم.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤]
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
. في الآية: تقرير بمطلق ملكية الله تعالى وتصرفه بما في السموات والأرض.
وتنبيه موجه للسامعين بأنه محيط بكل ما يبدونه ويخفونه ومحصيه عليهم ومحاسبهم به ثم معاملهم بما تشاء حكمته فيغفر ويتجاوز عمن يشاء ويؤاخذ ويعذب من يشاء وهو القادر على كل شيء في جميع الأحوال.
стр. 3314
تعليق على الآية لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ...
وقد روى الطبري أقوالا عديدة معزوة إلى ابن عباس وبعض التابعين وتابعيهم تفيد أن هذه الآية متصلة بالشهادة وأدائها وكتمها. وهو الموضوع الذي احتوته الآيات السابقة وقال الطبرسي: إن الآية استمرار للآيات السابقة فيما احتوته من تنبيه وتذكير وإنذار. وهذا لا يخرج عما رواه الطبري.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح. ومع ذلك فقد تكون وجيهة ويكون فيها بالتبعية توكيد الصلة بين الآيات السابقة وهذه الآية. وإن كان إطلاق العبارة فيها يثير شيئا من التردد. فإذا صحت الأقوال فتكون حكمة التنزيل قد اقتضت أن تأتي العبارة مطلقة الشمول لتكون عامة. والله تعالى أعلم.
تعليقات وأحاديث في صدد هذه الآية
١- في صدد ما جاء في الآية من أن الله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء نقول: إن الذي ينسجم مع حكمة الله وتقريرات القرآن الكثيرة وأهدافه أن الغفران الإلهي إنما يكون للمؤمنين المتقين ذوي النوايا الحسنة. وإن العذاب الإلهي إنما يكون لمنحرفين عن الحق والهدى من كفار ومنافقين وطغاة وظالمين.
ولقد أورد الطبري في سياق الآية حديثا ورد أيضا في التاج برواية الشيخين وهذا نص التاج الذي ليس فيه فرق جوهري مع نص الطبري: «قيل لابن عمر:
كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول يدنو أحدكم من ربّه حتى يضع كنفه عليه فيقول أعملت كذا وكذا فيقول نعم ويقول أعملت كذا وكذا فيقول نعم فيقرّره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار فينادى على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين
стр. 3315
كذبوا على ربّهم ألا لعنة الله على الظالمين» «١» .
ومع استغرابنا لسوق هذا الحديث في سياق الآية التي يروي الطبري عن أهل التأويل أنها في صدد الشهادة المذكورة في الآيات السابقة لأنه لا يبدو صلة ما بينه وبين الشهادة إلّا من بعيد جدا، فإن فيه شيئا من التوضيح لما ورد في الآية من كون محاسبة الله لعباده هي على ما يبدونه مما في أنفسهم أو يخفونه من عزمات الشر وسيء النيات كما أن فيه دعما لما قلناه من أن الله تعالى إنما يغفر للمؤمنين المخلصين ويعذب الكافرين الظالمين. ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله ﷺ من مشاهد أخروية فإن من الحكمة الملموحة في الحديث تبشير المؤمنين المخلصين وإنذار الكفار الظالمين.
٢- ولقد روى المفسرون عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم أن أصحاب رسول الله ﷺ لما نزلت الآية هلعوا من احتمال مؤاخذة الله لهم وتعذيبهم على خطرات النفس ووساوسها. وهرعوا إلى النبي ﷺ قائلين: هلكنا إذا كان الله مؤاخذنا على ما نحدث به نفوسنا. وأن النبي ﷺ أمرهم بالإذعان لله وتفويض الأمر إليه، ففعلوا فلم تلبث أن نزلت الآيتان اللتان بعدها فنسختاها.
ولقد روى المفسرون ذلك بصيغ عديدة، ومنها صيغة رواها البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «لما نزلت لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
إلخ اشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ فأتوه ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم سمعنا وعصينا. بل قولوا سمعا وطاعة غفرانك ربّنا وإليك المصير قالها مرتين. فلما قالها القوم وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله الآية التالية لها فكرروها فلما فعلوا ذلك نسخ الله تلك الآية وأنزل الآية الثانية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... إلخ وقرأوها فلما قالوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا،
стр. 3316
قال: نعم، ولما قالوا: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال نعم، ولما قالوا: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
قال: نعم. ولما قالوا: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) . قال: نعم» «١» .
وقد يلحظ أن قول أبي هريرة إن الآيتين الثانيتين نسختا الآية التي نحن في صددها يتحمّل التوقف لأن الآية الثانية من الآيتين ثبتت كون الإنسان يحاسب على ما كسب من قول وفعل وهذا يدخل في معنى وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ في الآية التي نحن في صددها. ولقد روى الطبري حديثا عن ابن عباس جاء فيه: إن الآية الثانية من الآيتين نسخت الوسوسة وثبتت القول والفعل مما فيه دعم لما قلناه.
ولقد روى الطبري في الوقت نفسه عن ابن عباس حديثا جاء فيه: «إن الآية لم تنسخ وإن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول إني أخبركم بما أخفيتم في نفوسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم وأما أهل الشكّ والريبة والنفاق والكفار فيخبرهم ويعذّبهم» . وهناك روايات أخرى يرويها الطبري أيضا عن مجاهد والربيع وغيرهما تفيد أن الآية لم تنسخ.
وتعليقا على هذه الروايات دون الأولى نقول:
أولا: إن الآية موجهة للمؤمنين دون الكفار الذين ماتوا وهم كفار لأنهم خارجون عن نطاق الغفران ومخلدون في النار بنصوص قرآنية قطعية ومتكررة.
وثانيا: إن جملة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ تؤيد بقوة قول النسخ الجزئي الذي جاء في قول ابن عباس الأول بحيث يصحّ التوقف في ما جاء في الأقوال الأخرى.
وهناك حديث صحيح يرويه الخمسة بهذه الصيغة «تجاوز الله لأمتي عما حدّثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» . وحديث آخر صحيح أيضا يرويه
стр. 3317
الخمسة عن ابن عباس جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربّه: «قال الله:
إن من همّ بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبتها له حسنة وإن همّ بسيئة فعملها كتبتها له سيئة واحدة» . وهذا يدعم قول النسخ الجزئي، ومن الحكمة الملموحة فيه تبشير المؤمنين وتطمينهم وتحذير من السيئات على كل حال.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)
. (١) إصرا: عهدا ثقيل الوطأة.
تعليق على الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة
عبارة الآيتين واضحة، لا تحتاج إلى أداء آخر.
ويلحظ أن في الأولى تقريرا عن لسان النبي ﷺ والمؤمنين بإيمانهم وقولهم سمعنا وأطعنا. وإن في أول الآية الثانية تقريرا عن الله بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ثم دعاء بلسان المؤمنين.
ومثل هذه الصورة القرآنية تكرر بأساليب متنوعة في سور سابقة وعلقنا عليها بأن الإيمان بأن جميع ما في القرآن من صور كلامية هو من وحي الله عقيدة واجبة على المؤمنين. وهذا ما يقال بالنسبة لهاتين الآيتين اللتين اقتضت حكمة التنزيل
стр. 3318
إيحاءهما بالأسلوب الذي أوحيتا به. وبعبارة أخرى إن الآيتين قد أوحيتا صيغة قرآنية فيها تعليم رباني للنبي ﷺ والمؤمنين بما يقولونه ويدعون به وفيها تقرير رباني خفّف به وقع الآية السابقة للآيتين التي هلع لها المؤمنون أو عدلت أو نسخت به، والله تعالى أعلم.
ولقد أوردنا آنفا حديثا رواه الأربعة عن أبي هريرة ذكرت فيه المناسبة التي نزلت فيها هاتان الآيتان، وليس هناك ما ينقض ذلك أو ما فيه مباينة لذلك فيحسن الوقوف عنده.
ولقد جاءت الآيتان في ذات الوقت خاتمة قوية لسورة البقرة التي احتوت أسس الدعوة الإسلامية وأهدافها وكثيرا من التشريعات والتلقينات والمبادئ التعبدية والاجتماعية والأخلاقية وإعلانا قويا لإيمان النبي والمؤمنين بكل ما أنزل إليهم. وإذعانهم لكل ما أمروا به ونهوا عنه. وطابع الختام على الآيتين بارز كشأن كثير من خواتيم السور الأخرى، ولقد احتوى مطلع السورة تنويها بالمتقين الذين يؤمنون بما أنزل إلى النبي ﷺ وتبشيرا لهم بالفلاح. وهكذا يرتبط أول السورة بآخرها وتبدو صورة من صور الحكمة الربانية النبوية في تأليف السورة.
ولقد أثرت في التنويه بهذه الخاتمة أحاديث نبوية منها حديث أورده ابن كثير في سياق تفسيرها معزوا إلى مسلم عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قطّ قال: فنزل منه ملك فأتى النبيّ فقال له أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلّا أوتيته» «١» . ومنها حديث رواه الأربعة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» «٢» . ومنها حديث أورده ابن كثير من
стр. 3319
إخراج الإمام أحمد وابن مردويه عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش» . ولقد جاء في الحديث الذي أوردناه في سياق الآية السابقة عن أبي هريرة أن الله تعالى كان يقول نعم بعد كل مقطع من الدعاء الذي حكته الآية الثانية من الآيتين اللتين نحن في صددهما. ولقد أخرج الطبري وأورد أحاديث أخرى عن ابن عباس مثل هذا الحديث بفروق يسيرة.
ولو لم يكن أحاديث نبوية فإنه يصح أن يقال إن الله تعالى حين شاءت حكمته أن يعلم المؤمنين الدعاء الوارد في الآية وأن يحكيه عن لسانهم في كتابه الكريم تكون حكمته قد شاءت أن يستجيب الله إلى هذا الدعاء إذا ما صدر من أعماق قلوب عباده، والله تعالى أعلم.
والآيتان جملة تامة احتوتا مبادئ قرآنية محكمة تكرر تقريرها في القرآن المكي والمدني بأساليب متنوعة. منها: العقيدة الإسلامية وهي الإيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله بدون تفريق والسمع والطاعة وإسلام النفس إطلاقا لله. ومنها: أن الله قد جعل الإنسان أهلا وذا قابلية لاكتساب أعماله ورتب عليه نتائج ذلك. فما اكتسبه من أعمال سيئة فجريرتها عليه وما اكتسبه من أعمال سنية فله أجره عليها. ومنها: أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده على ما يصدر منهم بسائق الخطأ والنسيان. ومنها: أن الله تعالى جعل الشريعة الإسلامية خالية من التكاليف الشديدة التي فرضت على الملل السابقة. ومنها: أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يحملها ما لا طاقة لها به. ومنها: أن الله مولى المؤمنين ووليهم وأنهم منصورون على الكافرين ومعفوّ عنهم ومغفور لهم ومشمولون برحمته إذا ما آمنوا واتقوا وأخلصوا حقّ الإيمان والتقوى والإخلاص.
وقد تكون صيغة الآية الثانية لا تنطوي على تقرير هذه المبادئ تقريرا مباشرا. غير أن الله وقد شاءت حكمته أن يعلم المؤمنين أن يدعوه بما دعوه تكون قد شاءت أن يستجيب لهم وتغدو مبادئ قرآنية. وهذا مدعوم الحديث الصحيح الذي أوردناه وفيه سبب نزول الآية، فضلا عن أن هذه المبادئ مما
стр. 3320
تكرر تقريرها في القرآن تقريرا ربانيا مباشرا مما مرّ منه أمثلة كثيرة وعلقنا عليها وأوردنا أحاديث نبوية متساوقة معها. ومبدأ عدم تكليف الله نفسا إلا وسعها مقرر لأول مرة في آية سورة الأعراف [٤٢] ومبدأ كون الله أرسل رسوله ليضع عن الناس الإصر والأغلال التي كانت عليهم مقرر في الآية [١٥٧] من سورة الأعراف أيضا.
ومبدأ عدم مؤاخذة الله للمسلمين على ما يصدر منهم بسائق الخطأ والنسيان متسق مع مبدأ عدم تكليف الله نفسا غير وسعها وعدم تحميلها ما لا طاقة لها به.
ومثل هذا يقال بالنسبة لمبدأ عدم مؤاخذة الله الناس بما نسوه أو فعلوه خطأ.
فإن ذلك متسق مع هذا المبدأ أيضا. وهناك حديث رواه ابن ماجه في سننه وابن حبان وصححه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «١» .
ونختم كلامنا عن هذه السورة بترديد الدعاء: «ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين» . ونسأل الله أن يكون دعاؤنا خالصا وأن يستجيب لنا والحمد لله ربّ العالمين.
[تمّ بتوفيق الله تعالى الجزء السادس ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع وأوله تفسير سورة الأنفال]
стр. 3321
فهرس محتويات الجزء السادس
تفسير سورة الحج ٧ تعليق على تسميات اليهود والنصارى والمجوس والصابئة ٢١ تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
مع بيان حكمة الإبقاء على تقاليد الحج ٣٤ تعليق على موضوع النذر ٤٠ تعليق على الأمر باجتناب قول الزور ٤٥ استدلال على ممارسة المسلمين الحج قبل فتح مكة ٤٦ دلالة تعبير حنفاء لله في هذا المقام ٤٧ تعليق على جملة لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ... ٥٢
تعليق على خطورة أمر القوانين قبل الإسلام وحكمة الإبقاء عليها ٥٣ تعليق على الآية إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ ... وما يليها ٥٥ التلقينات البليغة المنطوية في هذه الآيات ٥٨ تعليق على جملة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ ٦٢ تعليق على الآيات وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ... ٦٥
تلقين الآية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... وما يليها ٦٨ تعليق على الآية وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ وجرأة النبي ٧٥ تعليقات على الآيتين الأخيرتين من السورة ٧٨ تعليق على جملة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ٨٣ تعليق على جملة وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ٨٧ تفسير سورة الرحمن ٨٩ تفسير سورة الإنسان ١٠٥ تعليق على موضوع النذر ١٠٩ تفسير سورة الزلزلة ١١٨ طائفة من الروايات والأحاديث في سياق آيات هذه السورة ١١٩ تفسير سورة البقرة ١٢٣ مقدمة للسورة ١٢٣ تعليق على ترتيب السور في المصحف ١٢٥ تعليق على حركة النفاق وأسبابها ومداها ١٣٥ تعليق على رواية في صدد الآية [١٤] ١٣٨ تعليق على روايات الشيعة في صدد الآيات عامة ١٣٩ تعليق على ما جاء في بعض كتب التفسير في سياق أَنُؤْمِنُ ... ١٤٠
تعليق على التحدي بإتيان شيء من مثل القرآن ١٤٥ تعليق على زعم بعض المستشرقين بأن هذه الآيات مكية ١٤٦ تعليق على جملة كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ ١٤٧ تعليق على جملة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وما بعدها ١٥١ تعليق على الآية وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ... وما بعدها ١٥٤
стр. 3322
تعليق على تقديم تعليم آدم على الأمر بالسجود له ١٥٨ تعليق على توبة آدم وحكمة ذكرها ١٥٩ تعليق على أولى الحلقات الواردة في يهود بني إسرائيل ١٦١ تلقينات الآيات الواردة في حق اليهود [٤٠- ٤٨] ١٦٣ جنسية يهود الحجاز الذين وجه إليهم الخطاب ١٦٥ تعليق على الحلقة الثانية في يهود بني إسرائيل [٤٧- ٥٧] ١٦٩ تعليق على آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ... ١٧٣
تعليق على الحلقة الثالثة في يهود بني إسرائيل ١٧٥ تعليق على الحلقة الرابعة في يهود بني إسرائيل ١٧٨ تعليق على الحلقة الخامسة في يهود بني إسرائيل ١٨١ استطراد إلى بيان أسباب تنكر اليهود للدعوة الإسلامية ١٨٤ تعليق على الآية بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ... ١٨٧
تعليق على الحلقة السادسة في يهود بني إسرائيل ١٨٩ تعليق على الحلقة السابعة في يهود بني إسرائيل ١٩٣ تعليق على جملة وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ... ١٩٧
تعليق على الآية قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... وما يليها ٢٠٠ تعليق على الحلقة الثامنة في يهود بني إسرائيل ٢٠٤ تعليق على الحلقة التاسعة في يهود بني إسرائيل ٢٠٧ تعليق على الحلقة العاشرة في يهود بني إسرائيل ٢١٥ تعليق على الحلقة الحادية عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٢٢ تعليق على الحلقة الثانية عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٢٦ تعليق على الحلقة الثالثة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٣٠ تعليق على الحلقة الرابعة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٣٢ تعليق على الحلقة الخامسة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٣٧ تعليق على الحلقة السادسة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٤٣ تعليق على الحلقة السابعة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٤٦ تعليق على الحلقة الثامنة عشرة في يهود بني إسرائيل ٢٥١ مدى تبديل القبلة في الرسالة الإسلامية ٢٥٨ احتمال أن يكون التبديل إلهاما ربانيا ٢٥٩ تعليق على الآية وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... ٢٦١
تعليق على الآية كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا ... ٢٦٣
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا ... وما بعدها ٢٦٥ تعليق على الآية إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... ٢٦٨
تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا ... وما بعدها ٢٧٢ استطراد إلى موضوع لعن الكفار وغيرهم ٢٧٤ استطراد إلى تفسير الشيعة للآيات ٢٧٥
стр. 3323
تعليق على الآية لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... وما فيها ٢٨٤ تعليق على آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ... وما بعدها ٢٨٧ تعليق على آيات الوصية ٢٩٤ تعليق على آيات الصيام ورمضان ٣٠٠ تعليق على الآية وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ ... ٣٢١
تعليق على الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... وما بعدها ٣٢٧ تعليق على الشهر الحرام ٣٣٦ تعليق على آية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... ٣٤٠
تعليقات على الآية الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ... وما يليها ٣٥٢ تعليق على الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ... وما يليها ٣٦٣ تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ... ٣٦٦
تعليق على جملة وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ٣٧٠ تعليق على جملة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... ٣٧١
تعليق على الآية أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ... ٣٧٤
تعليق على آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ٣٧٨ تعليق على الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ... وما يليها ٣٨٣ حكم المرتد عن دينه من المسلمين ٣٨٦ تعليق على الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... وما يليها ٣٨٨ تعليق على الآية وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ ... وما يليها ٣٩٢ تعليق على الآية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... وما يليها ٣٩٥ تعليق على الآية وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ... وما يليها ٤٠٣ تعليق على الآية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... وما يليها ٤٠٧ حالات متصلة بموضوع علاقة الزوج الجنسية بزوجته ٤١١ تعليق على الآية وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ٤١٢ تعليق على الآية الطَّلاقُ مَرَّتانِ ...
وما يليها ٤١٨ تعليق على الآية وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ ... ٤٢٩
التلقين المنطوي في جملة وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ ... ٤٣٠
تعليق على الآية وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ ... ٤٣١
تعقيب عام في صدد الطلاق وإناطته بالقضاء ٤٣٢ تعليق على الآية وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ... ٤٣٥
تعليق على الآية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ... وما يليها ٤٣٩ تعليق على الآية لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ ... وما يليها ٤٤٥ تعليق على الآية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ ... وما يليها ٤٥٠ تعليق على الآية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ ... ٤٥٣
стр. 3324
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ... وما يليها ٤٥٦ استطراد إلى الفرار من الوباء ٤٥٨ تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... وما يليها ٤٦٠ تعليق على الآية تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ ... ٤٦٣
تعليق على آية الكرسي ٤٦٨ تعليق على الآية لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ...
وما يليها ٤٧٠ تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ ... ٤٧٢
تعليق على الآية أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ... ٤٧٥ تعليق على الآية وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي ... ٤٧٧
تعليقات على الآية مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ... وما يليها ٤٨٢ تعليق على آيات الربا ٤٩١ تعليق على جملة الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ ... ٥٠٠
تعليقات على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ ... وما يليها ٥٠٧ تعليق على الآية لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ٥١٧
تعليقات وأحاديث في صدد هذه الآيات ٥١٧ تعليق على الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة ٥٢٠
стр. 3325
الجزء السابع
السور المفسرة في هذا الجزء «١» ١- الأنفال ٢- آل عمران ٣- الحشر ٤- سورة الجمعة ٥- الأحزاب
стр. 3326
سورة الأنفال
في هذه السورة إشارات على سبيل الموعظة والعتاب والتذكير إلى وقعة بدر وظروفها ومشاهدها وما كان لها من آثار في المسلمين والكفار. وفيها تشديد وتوطيد لسلطان النبي ﷺ وطاعته. وتوطيد للوحدة الإسلامية والإخلاص للمصلحة العامة وعدم التأثّر بأي اعتبار شخصي أو أسروي في سبيل ذلك. وإنذار شديد للمخالفين والكفار والغادرين والخائنين. وحثّ على الاستعداد للعدو وقتاله والثبات أمامه إلى أن يرعوي وتتوطد كلمة الله وحرية دينه مع الدعوة المكررة إلى الإسلام والارعواء ومقابلة الميول السلمية بمثلها. وفيها تشريع لخمس الغنائم الحربية وتخصيصه للمصالح الإسلامية العامة والمحتاجين.
وفصول السورة منسجمة متسلسلة السياق مما يسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو فصولا متتابعة عقب وقعة بدر.
وقد روي أن الآيات [٣٠- ٣٦] مكية، ونحن نشك في هذه الرواية لأن الآيات منسجمة في سياقها موضوعا وسبكا. وقد شكّ في ذلك مفسرون آخرون أيضا.
وبعض رواة ترتيب نزول السور المدنية يذكرون هذه السورة ثانية السور نزولا وبعضهم يذكرونها ثالثة بل بعضهم يذكرونها رابعة «١» . وعلى كل حال فإن نزولها عقب وقعة بدر يكاد يكون يقينيا وتلهمه فحوى آياتها بقوة وهو المتفق عليه. وهذه الوقعة كانت بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بسنة وشهور قليلة
стр. 3327
مختلف على عددها. ولما كانت آيات البقرة [٢١٧- ٢١٨] نزلت في صدد سرية عبد الله بن جحش على ما ذكرناه في سياقها في الجزء السابق وهي آخر سرية سيّرها النبي قبل وقعة بدر فيكون ترتيبها كثانية السور نزولا مقاربا وإن لم يمكن أن يقال إنه صحيح كل الصحة. وهذا التحفظ بسبب آيات في سورة آل عمران وهي قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) التي يكاد يجمع الرواة على أنها في صدد إنذار يهود بني قينقاع التي احتوت سورة الأنفال آيات يجمع الرواة كذلك على أنها في صدد حصار هؤلاء اليهود وإجلائهم ثم بسبب احتمال نزول فصول عديدة من سورة البقرة بعد سورة الأنفال حيث احتوت سورة البقرة فصولا عديدة متأخرة في النزول كثيرا على ما نبهنا عليه في مقدمتها والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
. (١) الأنفال: جمع نفل. وهو في أصله الزيادة على ما هو حق وواجب، ومنه نوافل العبادات. ومنه ما يعطى زيادة عن الحق من الغنائم. وكان يطلق كذلك على ما يفد من أسلاب الحرب من دواب وسلاح ومتاع. وصار جمعها (الأنفال) مرادفا لكلمة غنائم الحرب. وقد روي حديث جاء فيه أن النبي قال لأصحابه حينما
стр. 3328
ندبهم إلى الخروج إلى القافلة القرشية التي كانت في طريقها إلى مكة في ناحية بدر: اخرجوا إليها لعلّ الله أن ينفلكموهما والمتبادر أن التعبير استعمل على اعتبار أن الأنفال عطاء من الله للمسلمين.
(٢) ذات بينكم: دخيلة نفوسكم وسرائركم.
في الآيات:
١- حكاية لسؤال وجهه المسلمون إلى النبي ﷺ عن غنائم الحرب.
٢- وأمر بالإجابة بأنها لله والرسول.
٣- وتعقيب على الجواب بأمر موجّه إلى السائلين بتقوى الله ومراقبته وإصلاح سرائرهم وإطاعة الله ورسوله إن كانوا مؤمنين حقا.
٤- ووصف للمؤمنين حقا: فهم الذين يستشعرون بخوف الله وهيبته حينما يذكر اسمه. ويزدادون إيمانا حينما تتلى عليهم آياته. ويتوكلون عليه. ويفوضون الأمر إليه. وهم الذين يؤدون واجب الصلاة له. وينفقون مما رزقهم في وجوه البرّ والخير. فهؤلاء هم المؤمنون حقا المستحقون للدرجات الرفيعة عند الله والذين لهم المغفرة والرزق الكريم لديه.
وأسلوب الآيات قوي رائع من شأنه أن ينفذ إلى أعماق العقول والقلوب.
تعليق على الآيات الأربع الأولى من السورة
ولقد تعددت الروايات في سبب نزول الآيات «١» . منها المتفق في الجوهر مع اختلاف في الصيغة ومنها المختلف. ولقد أخرج الإمام أحمد حديثا عن عبادة بن الصامت جاء فيه: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدوّ فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون. وأقبلت طائفة على العسكر
стр. 3329
يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله لئلا يصيب العدوّ منه غرّة. حتى إذا كان الليل وفاء الناس إلى بعضهم قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منّا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله لستم بأحق بها منّا نحن أحدقنا برسول الله وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ فقسمها رسول الله على فواق بين المسلمين «١» . وأخرج ابن حبان حديثا عن عبادة أيضا جاء فيه: «فينا اصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله فقسمه بين المسلمين على السواء» «٢» . وأخرج الإمام أحمد حديثا عن سعد بن أبى وقاص جاء فيه أن أخاه عميرا قتل في بدر ثم قتل سعيد بن العاص وأخذ سيفه فأمره رسول الله أن يطرحه في القبض (أي في الغنائم) فرجع وبه ما لا يعلمه إلّا الله من قتل أخيه وحرمانه من سلبه، فما جاوز إلّا قليلا حتى نزلت آيات الأنفال الأولى. فقال له رسول الله اذهب فخذ سلبك «٣» .
رواية قصة سيف سعد رواها الترمذي في حديث صححه عن مصعب بن سعد عن سعد بصيغة أخرى جاء فيها «قال سعد لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت يا رسول الله إنّ الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال هذا ليس لي ولا لك. فقلت عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي. وجاء الرسول فقال إنك سألتني وليست لي وقد صارت لي وهو لك قال ونزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ» «٤» . وروى الطبري روايات أخرى عن ابن عباس منها «أن النبي فضّل أقواما على بلاء أي قال من فعل كذا فله كذا. فأبلى قوم وتخلّف
стр. 3330
آخرون فاختلفوا على الغنائم بعد انقضاء الحرب فجعلها الله لرسوله» . ومنها «أن الشبان يوم بدر تسارعوا إلى الحرب وبقي الشيوخ تحت الروايات فلما كانت الغنائم جاء الشباب يطلبونها فقال لهم الشيوخ لا تستأثروا عليها فإنّا كنا درءا لكم.
فتنازعوا فأنزل الله الآيات» «١» . وهناك رواية يرويها الطبرسي بالإضافة إلى الروايات السابقة عزوا إلى مجاهد تذكر «أن المهاجرين قالوا لماذا يرفع منّا الخمس ولماذا يخرج منّا فأنزل الله الآيات إيذانا بأن الأنفال جميعها لله ورسوله يقسمانها كيف شاءا» . ومع عدم نفي الروايات الأولى التي تنطوي على صور محتملة لما كان من أصحاب رسول الله حول قسمة غنائم بدر فإننا نميل إلى ترجيح صحة رواية الطبرسي عن مجاهد التي تفيد أن النبي ﷺ أراد أن يعزز خمس الغنائم لإنفاقه على مصالح المسلمين فاعترض فريق من المهاجرين على ذلك فاقتضت حكمة التنزيل إيذانهم في أول السورة بأن الغنائم جميعها لله ورسوله. وقد يؤيد هذا نص الآية [٤١] من السورة التي انصبّ التشريع فيها أو انحصر بالخمس بأسلوب قوي يؤذن فيه المؤمنون بأن ذلك هو ما يجب أن يعلموه ويقفوا عنده. وقد يؤيده ذلك ما يلمح في الآيات التي بعد هذه الآيات من إيذان متكرر بأن ما أحرزه المؤمنون من انتصار على أعدائهم إنما كان بتأييد الله. كأنما يساق ذلك لتبرير هذا التشريع ولتوكيد القول إن الغنائم والحالة هذه من حقّ الله ورسوله وليس لهم أي حقّ باعتراض وخلاف. بل وكأنما كان نزول هذه السورة من أجل ذلك، والله تعالى أعلم.
ولقد اختلفت الاجتهادات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل فيما إذا كانت الآية [٤١] قد نسخت هذه الآيات أم لا. من حيث إن هذه الآيات جعلت الغنائم كلها لله ورسوله والآية [٤١] حصرت حق الله ورسوله بالخمس. وقد عزي إلى ابن زيد قول بأنها محكمة لأنها قررت مبدأ لا يصح عليه النسخ وتغيير وهو أن الغنائم لله ولرسوله يقسمانها كيف شاءا وهذا هو الأوجه فيما يتبادر لنا. وما تقدم