← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

(١) طالوت: تعريب شاؤول المذكور في سفر صموئيل. (٢) بسطة في العلم والجسم: إشارة إلى ما كان عليه طالوت من جسامة حيث روى سفر صموئيل أنه كان أطول الناس قامة. (٣) التابوت: هنا هو صندوق كان بنو إسرائيل يحفظون فيه الذخائر

стр. 3257

الدينية المقدسة منذ عهد موسى وهرون. (٤) سكينة من ربكم: طمأنينة تطمئن بها نفوسكم يبعثها إليكم ربكم. (٥) فصل: بمعنى سار. (٦) من لم يطعمه: من لم يذقه ويشرب منه. (٧) الذين يظنون أنهم ملاقو الله: الذين يتيقنون من لقاء ربهم. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ... إلخ والآيات التالية لها من [٢٤٦- ٢٥٢] الآيات فصل جديد، وفيها قصة من تاريخ بني إسرائيل القديم من بعد موسى ﵇ ، وعبارتها واضحة، والآيتان الأخيرتان منها جاءتا بمثابة تعقيب على القصة احتوت أولاهما تسويغا للحروب الدفاعية وتقريرا لضرورتها، فلو لم يلهم الله المعتدى عليهم بالوقوف موقف الدفاع فيدفع بذلك بعض الناس ببعض لعمّ الفساد وساد الأشرار البغاة. وهذا من فضل الله على خلقه ومن آثار حكمته في توجيه الناس والفطرة التي فطرهم عليها، واحتوت الثانية توكيدا وجه الخطاب فيه للنبي ﷺ بأنه من رسل الله وبأن الله قد أنزل آياته عليه بالحق حسب ما رآه من مقتضيات الحكمة والمصلحة. ولم نطلع على رواية خاصة في سبب نزول الآيات، والمتبادر منها أنها جاءت كما قلنا قبل للتدعيم استطرادا للأمر الموجه إلى المسلمين بالقتال والإنفاق في سبيل الله الذي احتوته الآيات السابقة لها ومن المحتمل أن تكون نزلت مع الآيات الثلاث. وإلا فتكون نزلت بعدها فورا وبدء المجموعتين بجملة أَلَمْ تَرَ مما يؤيد ذلك. ويؤيد في الوقت نفسه أن المسلمين أو بعضهم كانوا يعرفون ما فيهما من قصص والله أعلم. وقد انطوت على تلقينات جليلة ومعالجة روحية قوية في صدد الجهاد في سبيل الله والثبات فيه. وفي النعي على المترددين والمتمردين

стр. 3258

والجبناء، وفي التنويه بالمخلصين الصابرين وتأييد الله لهم، وفي صدد بيان كون المهم في مثل هذه المواقف هو الإخلاص والصبر واليقين بالله ونصره ولقائه لا الكثرة، فالصابرون المخلصون الموقنون منتصرون بإذن الله مهما كان عددهم قليلا. وفي الآيات نقاط بارزة نعتقد أنها من الجوهري في التذكير والعظة والتدعيم والتلقين الذي انطوى فيها، مثل إبداء الإسرائيليين الرغبة في القتال بسبب ما حل فيهم من عدوان الغير عليهم ومثل ما كان من شك نبيهم في صدق رغبتهم. ومثل ما وقع من تمردهم على اختيار الله وعلى أوامر الملك ومطالبتهم بالآيات للتدليل على صدق الاختيار. ومثل تهيبهم العدو وارتدادهم عن لقائه وما ظهر منهم من الانحراف والمخالفة في الامتحان الذي امتحنهم الله به حيث منعهم من الشرب من ماء النهر عبّا، ومثل ثياب المخلصين المؤمنين وصبرهم وانتصارهم أخيرا. وهذه النقاط تقوي التوجيه الذي وجهناه في سياق الآيات السابقة من تهيب بعض المسلمين وترددهم في الاستجابة إلى دعوة النبي ﷺ في موقف جهادي، وما قلناه من أن هذا الفصل قد سيق بسبيل التذكير والتمثيل والعظة والتنويه والتنديد معا. ومما يزيد في قوة العظة والتدعيم ما بين محتويات الفصل وبين ظروف المسلمين وبخاصة المهاجرين الذين كان الانتداب إلى القتال قبل وقعة بدر قاصرا عليهم على ما ذكرناه في مناسبة سابقة حين نزوله من تماثل أو تقارب. فاليهود نالهم الأذى والعدوان بعد موسى فدفعهم هذا إلى طلب القتال ثم نكص أكثرهم، والمهاجرون نالهم مثل ذلك فحري بهم أن يعتبروا ويتعظوا ولا يكونوا مثل أكثر اليهود. والآيتان الأخيرتان التعقيبيتان متصلتان بهذا المعنى اتصالا وثيقا، فالجهاد الذي دعى إليه النبي ﷺ وفرضه القرآن ضرورة لا بد منها لأن البغي والعدوان إذا لم يدفعا استشرى الشر والفساد. وهذا مما لا يرضاه الله تعالى لعباده المؤمنين

стр. 3259

ولذلك سوغ الجهاد في سبيل دفع البغي والظلم. وفي هذا ما فيه من حكمة اجتماعية بليغة وتلقين جليل مستمر المدى. وفي المحاورة بين بني إسرائيل ونبيهم التي شاءت حكمة التنزيل أن تحكيها عظة بالغة حيث تضمنت تقرير كون بسطة العلم والجسم تؤهل صاحبها للملك والقيادة أكثر من بسطة المال. وظاهر مما تقدم أن القصة لم تكن مرادة لذاتها ولذلك اقتصرت حكمة التنزيل على الخلاصة التي احتوتها الآيات والتي استهدف بها العبرة والعظة والتمثيل. ولقد فصلت القصة في أسفار القضاة وصموئيل الأول وصموئيل الثاني من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. والخلاصة القرآنية متفقة بعض الاتفاق مع ما جاء في هذه الأسفار ومتغايرة بعض التغاير أيضا. والذي نرجحه أن ما كان يتداوله اليهود ويعرفه العرب عن طريقهم هو المتسق مع الخلاصة القرآنية. وفي الأسفار التاريخية العائدة لما بعد موسى، والمتداولة اليوم أخبار متناقضة كما يظهر من مقارنة أسفار أخبار الأيام وأسفار الملوك. فليس من مانع من أن يكون هناك أسفار ضاعت فيها ما هو المتفق مع الخلاصة القرآنية وهو ما نعتقده ونبهنا عليه في مناسبات سابقة. وخلاصة ما ورد في الأسفار المتداولة اليوم المذكورة آنفا عن القصة أن بني إسرائيل تعرضوا بعد موسى ويوشع لعدوان من الفلسطينيين في جنوب فلسطين، ومن الكنعانيين في شمالها، ومن الآشوريين في العراق، والآراميين في الشام، والمصريين ومن دول شرق الأردن وتناحروا معهم ردحا، وتداولت الأيام بينهم. ثم كان للفلسطينيين عليهم غلبة شديدة حتى لقد احتلوا كثيرا من بلادهم ومدنهم وأخذوا تابوتهم الذي فيه الألواح والمدونات التشريعية الربانية التي كتبها موسى على ما شرحناه في سورة الأعراف. وكانوا من قبل يقاتلون بقيادة قواد يظهرون من آن لآخر باسم قضاة فطلبوا من نبيهم صموئيل أن يقيم عليهم ملكا فأقام عليهم

стр. 3260

طالوت الذي كان أطولهم قامة ومسحه بالزيت فصار ذلك سنّة متبعة وصار ملكهم يسمى مسيح الربّ. وأخذوا يتقاتلون مع الفلسطينيين وتداولت الأيام بينهم، وأصاب الفلسطينيين بعض البلاء الرباني الذي أجبرهم على إعادة التابوت إليهم تجرّه الثيران بدون سواقين، ثم كان تصاف بينهم وبرز قائدهم جالوت وطلب المبارزة فهابوه ولكن داود وكان فتى تقدم إليه ورشقه بحجر من مقلاعه فقتله وكسب الإسرائيليون المعركة نتيجة لذلك، وقد خشي طالوت على نفسه وملكه من داود فصار يطارده إلى أن مات وبايع بنو إسرائيل داود بالملك من بعده. وفي كتب التفسير روايات معزوة إلى علماء الأخبار بأسماء وبدون أسماء فيها تفصيلات كثيرة «١» . وفيها مفارقات تدل على أن الرواة والمفسرين لم يطلعوا على الأسفار ودونوا ما سمعوه من غثّ وسمين وصحيح وخيال وإن كانت الروايات والتفصيلات تدل في الوقت نفسه على أن قصص بني إسرائيل المشار إليها اقتضابا في الخلاصة القرآنية كانت متداولة في البيئة العربية والإسلامية في زمن النبي ﷺ وبذلك تستحكم العظة والعبرة القرآنية. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) . تعليق على الآية تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... إلخ عبارة الآية واضحة ولم نطلع على رواية في نزولها، والمتبادر أنها جاءت استطرادية وتعقيبية وتعليلية معا لما احتوته الآيات السابقة. ومتصلة بموضوعها

стр. 3261

ويتبادر لنا أنها تضمنت تقرير ما يلي: إن الله قد أرسل رسله بآياته وبيناته، فكان يقتضي أن يؤمن الناس جميعا ولا يختلفوا، ولا يكون بينهم نزاع وقتال وفساد في الأرض وأحقاد. ولكن مشيئة الله في خلقه اقتضت أن يكون الناس ذوي قابليات اختيارية ومتفاوتة فكان منهم نتيجة لذلك الكافر والمؤمن، والخبيث والطيب، ومن الطبيعي أن يكون بينهم خلاف وقتال ومن الطبيعي أن يدعى المعتدى عليه إلى القتال لدفع شر المعتدي وأذاه وليكون التوازن بدفع الناس بعضهم ببعض. والله قادر على أن لا يكون الناس أنواعا متفاوتين مختلفين ولكن حكمته اقتضت أن يكونوا مختارين غير مجبرين فكان هذا التنوع والتفاوت والخلاف والقتال. والآية بهذا البيان المستلهم من روحها ومن روح التقريرات القرآنية عامة تنطوي على جليل التلقين وحكيم التعليل. ولعل اختصاص موسى بالذكر تلميحا- في جملة مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وعيسى تصريحا هو بسبب ما احتوته الخلاصة القرآنية عن بني إسرائيل في معرض العبرة والتذكير أولا وبسبب ما كان يقع في عصر النبي ﷺ وقبله من اختلافات ومنازعات وفتن وقتال بين اليهود فيما بينهم وبين النصارى فيما بينهم ثم بين اليهود والنصارى أيضا مما ذكرته روايات التاريخ القديم «١» وقد أشير إلى ما

стр. 3262

بينهم من خلاف ونزاع وبغضاء وعداء في آيات كثيرة مكية ومدنية منها ما مرّ ومنها ما سوف يأتي. وقد قال المفسرون «١» في صدد تعبير وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ إن المقصود به التنويه بفضل النبي ﷺ ورفعة درجته على سائر الأنبياء. ولقد قال الخازن في صدد ذلك إنه لم يؤت نبي من الأنبياء آية أو معجزة إلا وأوتي نبينا محمد ﷺ مثل ذلك ثم أخذ يشير إلى ما روي من معجزاته التي أعظمها وأظهرها القرآن والكلام للمفسر نفسه. ثم أورد حديثا عن أبي هريرة رواه الشيخان أيضا جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» وحديثا ثانيا عن جابر رواه الشيخان كذلك جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» . وحديثا آخر عن أبي هريرة رواه أصحاب السنن جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : فضلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلائق كافة، وختم بي النبيّون» . ولقد تساءل ابن كثير عما يمكن أن يورد من نقض بين ما ورد من أحاديث في تفضيل النبي ﷺ وبين ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة من حديث جاء فيه: «استبّ رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم وجه اليهودي وقال: أيّ خبيث، وعلى محمد ﷺ . فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم فقال رسول الله ﷺ : لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من

стр. 3263

يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور فلا تفضلوني على الأنبياء، وفي رواية: لا تفضلوا بين الأنبياء» . ثم قال ابن كثير: والجواب على ذلك من وجوه: أحدها أن يكون ذلك قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر، والثاني أنه قال ذلك من باب التواضع، والثالث أنه نهى عن التفضيل في مثل الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر، والرابع أنه أراد بذلك النهي عن التفضيل بسائق العصبية. ومع إيماننا التام العميق بعظم فضائل سيدنا محمد ﷺ ورفعة شأنه ودرجاته عند الله وما ميزه الله عن غيره من الأنبياء من الميزات العظيمة التي ذكرت في القرآن بأساليب متنوعة في السور المكية والمدنية معا وذكرت في هذه الأحاديث وأحاديث أخرى سنوردها في مناسبات آتية أكثر ملاءمة، فإننا نلحظ أن التعبير هنا مطلق عام ومن قبيل ما جاء في آية سورة الإسراء هذه: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) وليس هناك آثار وثيقة متصلة بالنبي ﷺ وأصحابه تفيد أن هذا التعبير هنا هو عائد إلى النبي ﷺ . هذا، ولقد ورد في سورة البقرة وفي سلسلة بني إسرائيل آية فيها نفس الجملة التنويهية التي وردت في هذه الآيات في حقّ عيسى ﵇ وعلقنا عليها تعليقا يغني عن التكرار. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) . (١) خلّة: مودة وصداقة. عبارة الآية مفهومة ولم نطلع على رواية خاصة بنزولها، والمتبادر أنها ليست منقطعة عن السياق بل فيها عود على بدء وربط بين الدعوة إلى القتال والإنفاق في سبيل الله التي تضمنتها الآيتان اللتان سبقت فصل بني إسرائيل. والحث فيها قوي،

стр. 3264

وبعض المفسرين «١» قالوا إنها في صدد الزكاة ونرجح أنها عامة الحثّ حيث يدخل فيها الزكاة الواجبة والصدقات التطوعية في مختلف الوجوه وجملة مِمَّا رَزَقْناكُمْ هي في صدد التنبيه إلى أن في أيدي القادرين على الإنفاق من مال هو من رزق الله وفضله فمن واجبهم أن يأتمروا بأمر الله وينفقوا مما رزقهم وفي هذا مغزى جليل. وقد تكرر بأساليب أخرى في سور عديدة مكية ومدنية. وتعبير وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ يحتمل أن يكون في صدد المصير الأخروي وبيان كون الكفار بكفرهم هم الذين يظلمون أنفسهم ويعرضونها لنكال الله في الآخرة. وهذا تكرر بأساليب أخرى في سور عديدة مكية ومدنية. ويحتمل أن يكون تعبير وَالْكافِرُونَ في معنى الجاحدين بنعمة الله الذين يبخلون في الإنفاق من المال الذي رزقهم الله إياه، فهم في ذلك ظالمون لأنفسهم منحرفون عن جادة الحق والإيمان. ويحتمل أن يكون بسبيل تقرير كون الكافرين هم الذين لا ينفقون مما رزقهم الله فيظلمون أنفسهم بالمصير الرهيب الذي سوف يصيرون إليه في الآخرة حيث لا ينفع المرء إلّا عمله دون ما شفاعة أحد أو خلّة مع أحد والله أعلم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) . (١) القيوم: القائم الدائم بالأمر والمراقبة. (٢) سنة: الحالة بين اليقظة والنوم، وهي أول النوم. (٣) يؤوده: يعجزه أو يشق عليه أو يثقل عليه.

стр. 3265

تعليق على آية الكرسي الآية من جوامع الآيات القرآنية وروائعها في صدد تقرير وحدة الله وكمال صفاته وإحاطته وقدرته. فهو الإله الذي لا إله غيره. الحي الدائم الحياة، والقيم الدائم القيام بأمر خلقه، الذي تنزه عن أي نوع من أنواع الغفلة عن ذلك بما يحدثه النوم أو النعاس، الذي له ما في السموات والأرض، والذي لا يشفع أحد عنده إلّا بإذنه ورضائه، والذي يعلم ما بين أيدي كل خلقه وما خلفهم دون أن يكون لأحد إحاطة ما بشيء من علم إلّا ما شاء هو، والذي وسع كرسيه السموات والأرض ولا يشق عليه حفظهما، والعلي العظيم الذي لا يداني علوّه وعظمته شيء. ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآية، ويحتمل أن تكون متصلة بما سبقها. فالله الذي يفعل ما يريد وهو ما قررته الآية السابقة لها هو المنفرد في الألوهية المتصف بجميع صفات الكمال ويحتمل أن تكون متصلة بما بعدها فالله الذي يجب الإيمان به والكفر بسواه وهذا ما جاء في الآيات التي بعدها هو ذلك المتصف بهذه الصفات وليس ما يمنع أن تكون متصلة بما قبلها وبما بعدها معا. فالسياق متصل ببعض سواء أكانت الآيات نزلت دفعة واحدة أم متتابعة. أم كان ترتيبها ترتيبا موضوعيا، وهذه الاحتمالات مما تلهم صيغة الآية وموضوعها والآيات السابقة واللاحقة معا. ولقد عرفت هذه الآية بآية الكرسي، وأثرت أحاديث عديدة عن النبي ﷺ فيها، منها حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : لكلّ شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيّدة آي القرآن هي آية الكرسي» «١» . وحديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي بن كعب قال: «قال رسول الله ﷺ : يا أبا المنذر أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب على صدري وقال: ليهنك

стр. 3266

العلم يا أبا المنذر» «١» . وحديث رواه الإمام أحمد عن أبي ذرّ جاء فيه: «قلت: يا رسول الله أيّ ما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم» «٢» . وهذه هي المرة الأولى والوحيدة التي وردت فيها كلمة (الكرسي) منسوبة إلى الله تعالى. وقد وردت في سورة (ص) منسوبة إلى سليمان ﵇ ، وأصل الكلمة المقعد أو السرير الذي يجلس عليه المرء. ولقد تعددت الأحاديث والأقوال التي يرويها المفسرون في صفة كرسي الله هو كما هو شأنه في صدد العرش والقلم واللوح على ما شرحناه في تفسير سور القلم والتكوير والبروج. وليس فيما يوردونه عن كرسي الله حديث صحيح، وفيما يوردونه ما لا يخلو من غرابة ولا ينسجم مع صفات الله وتنزهه. فمن ذلك مثلا ما يرويه الطبري عن السدي قال: «السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يديّ العرش، ويجلس الله على العرش والكرسي موضع قدميه» . وحديث يروى عن ابن زيد لم يرد في كتب الصحاح عن النبي قال: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلّا حلقة ملقاة بأرض فلاة» . وحديث يرويه الطبري عن عبد الله بن خليفة عن النبي ﷺ قال: «إن كرسيّه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الحديد إذا ركب» . وإلى جانب هذه الأحاديث وأمثالها يورد المفسرون عن أهل التأويل ما يفيد أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه. وهذا هو الأظهر المنسجم مع صفات الله وتنزهه كما هو المتبادر. وفي اللغة (كرس الرجل) بمعنى كثر علمه. وقد رأى بعضهم بين هذا وبين مقام حكمة

стр. 3267

كرسيه صلة ما فقال إن الجملة قد تعني إحاطة علم الله بما في السموات وما في الأرض. ومهما بدا في هذا من تكلف فإنه لا يخلو من وجاهة والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٦ الى ٢٥٧] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) . (١) الطاغوت: جاء في القرآن مرادفا للشيطان. وجاء بمعنى الأوثان وجاء بمعنى الشركاء وأصل معنى الكلمة شديد الطغيان، والطغيان هو الظلم والبغي والعدوان، وجاء كناية عن كاهن أو ساحر أو قاض يهودي «١» . تعليق على الآية لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ... إلخ والآية التالية لها في الآيتين: هتاف بالناس أن لا إكراه في الدين ولا قسر عليه، وأن قد تبين الرشد من الغي والهدى من الضلال بما أنزل الله من آيات بينات فالذي يختار الإيمان ويسلك طريق الرشد ويكفر بالطاغوت فيكون قد نجى نفسه واستمسك بعروة متينة لا تنفصم والله سميع لكل ما يقوله الناس عليم بنواياهم وأعمالهم. وتقرير تعقيبي: فالله هو ولي الذين يؤمنون به ينصرهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، والطاغوت هو ولي الذين كفروا بالله يقودهم إلى الظلمات ويبعدهم عن النور وهؤلاء هم أصحاب النار الذين استحقوا الخلود فيها. وقد روي أن الآية الأولى نزلت في رجل من الأنصار كان له غلام أسود

стр. 3268

وكان يريد إكراهه على الإسلام فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فنزلت. وهناك روايات وأقوال أخرى، منها أن نساء الأنصار كن ينذرن إن ولدن ذكرا أن يجعلنه في اليهود أو النصارى ابتغاء طول عمره فنشأت منهم ناشئة على ذلك فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فنزلت. ومنها أنه كان لأنصاري ابنان تنصّرا على يد تجار من الشام وهاجرا إليها فأراد أبوهما اللحاق بهما لردهما إلى الإسلام فنزلت «١» . وليس شيء من ذلك واردا في كتب الأحاديث المعتبرة. والانسجام تام بين الآيتين وفحواهما تقريري عام، ويتبادر لنا أنهما غير منقطعتين عن السياق وبخاصة عن آية الكرسي بحيث يرد أن تكون حكمة التنزيل شاءت تنزيلهما مع تلك الآية أو بعدها لبيان ما في الآية من الدلائل الباهرة على عظمة الله وكمال صفاته ووحدانيته ووجوب عبادته وحده واتباع رسوله الذي أرسله مبشرا بدينه، وأن هذا لا يحتاج إلّا إلى رغبة صادقة بدون إكراه بعد أن ظهر الرشد من الغي والهدى من الضلال بهذه القوة والنصاعة. وهذا لا ينفي أن تكون بعض الأحداث التي روتها الروايات قد كانت ترفع الأمر إلى النبي ﷺ فتلا الآية الأولى كحكم فصل في الموقف فالتبس الأمر على الرواة، والله أعلم. ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون ويقولونها في مدى الآية الأولى. من ذلك أن حكم الآية خاص بأهل الكتاب وبغير العرب فلا يجوز إكراههم على الإسلام إذا قبلوا الجزية، وأنها منسوخة بالنسبة لمشركي العرب فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. ومن ذلك أن الآية نزلت قبل الإذن بالقتال وإن الإذن نسخها بالنسبة للجميع فصار لا يقبل من أحد إلّا الإسلام ويكرهون عليه. ثم أذن القرآن بأخذ الجزية من أهل الكتاب وحسب. وليس شيء من هذه الأقوال واردا في كتب الصحاح، ولقد عالجنا هذا الموضوع في تعليق مسهب عقدناه في تفسير سورة (الكافرون) في صدد حرية التدين في الإسلام لكل ذي نحلة، وانتهينا إلى أن هذا المبدأ المنطوي في سورة

стр. 3269

(الكافرون) ثم في الآية التي نحن الآن في صددها أمر محكم غير منسوخ. وأن قتال المسلمين لغيرهم هو بالنسبة للأعداء المعتدين وأن على المسلمين أن يكفوا عن قتال عدوهم إذا انتهوا عن موقفهم العدائي العدواني بالإسلام أو بالصلح كجزية أو بدون جزية حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين دون تفريق بين كتابي وعربي وغير عربي ومشرك وأيدنا ذلك بالآيات والأحاديث فنكتفي بهذا التنبيه. والآيتان في حد ذاتهما جملة تامة، وورود المبدأ القرآني الجليل فيهما وبعد سياق أمر المؤمنين فيه بالقتال والإنفاق في سبيل الله ذو معنى خاص حتى تؤكد محكمية هذا المبدأ كما هو المتبادر. وفي عبارة فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بعد عبارة قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ينطوي تقرير كون الناس لهم عقول وإرادة اختيارية يستطيعون أن يميزوا بها بين الرشد والغي والهدى والضلال وكون اختيار الإيمان أو الكفر بعد ذلك هو من مكتسبات أصحابهما وهم الذين يتحملون تبعاتهما. وهذا متسق مع التقريرات القرآنية الكثيرة التي مرت أمثلة عديدة منها كما أنه يدعم المبدأ القرآني الذي ينطوي في الآيات. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) . (١) حاجّ: حاجج وجادل. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ... إلخ في الآية إشارة تنبيهية أو تذكيرية إلى قصة الملك الذي جادل إبراهيم في الله

стр. 3270

اغترارا بما كان له من ملك وسلطان، وقد قال له إبراهيم: إن ربي يحيي ويميت، فرد الملك قائلا مغالطا: أنا أيضا أفعل مثله فأقتل من أشاء فيموت وأعفو عمن أشاء فيحيا. فعمد إبراهيم إلى حجة لا تتسع للمغالطة فقال له: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الملك الكافر أمام التحدي وعجز. وانتهت الآية بتقرير أن الله لا يهدي القوم الظالمين أي الذين غلبت عليهم صفة الظلم والانحراف. وجمهور المفسرين «١» على أن هذه المحاججة وقعت بين إبراهيم وبين نمرود ملك بابل في سياق تمرد إبراهيم على الوثنية وإعلانه إيمانه بالله وحده وإسلامه النفس إليه وقد عزوا ذلك إلى علماء الأخبار من التابعين وتابعيهم، وهذه القصة ككثير غيرها مما يتصل بإبراهيم غير واردة في سفر التكوين مثل جميع القصص التي وردت في القرآن في صدد مواقف إبراهيم مع أبيه وقومه ومواقفهم معه على ما نبهنا عليه في سور سبق تفسيرها. ولا يمنع هذا أن تكون وردت في أسفار كانت متداولة بين اليهود بل هذا ما نعتقده على ما شرحناه في المناسبات المماثلة السابقة وتكون القصة والحالة هذه مما يعرفه العرب السامعون. وورود القصة بعد تقرير صفات الله وعظمته ووضوح الرشد من الغي يلهم أنها قد استهدفت التذكير والعظة وهذا هو شأن القصص القرآنية. كأنما أريد أن يقال إنه إذا كان أناس يقفون من دعوة النبي ﷺ إلى الله وحده موقف المكابرة والعناد ويعمون عن الرشد مهما أفحمتهم البينات فقد كان ممن سبقهم من يقف مثل هذا الموقف. والفقرة الأخيرة من الآية توثق هذا التوجيه بما فيها من نعي على الظالمين وتنديد بهم نعيا وتنديدا ينطويان على تقرير كون عدم إسعاد الظالمين المنحرفين عن جادة الحق وهدايتهم هو بسبب ما غلب عليهم من خبث وارتكسوا فيه من ظلم وانحراف حيث يمنعهم ذلك من الاهتداء بهدي الله ونوره. وقد تكون الفقرة منطوية في ذات الوقت على قصد التسرية عن النبي ﷺ أيضا تجاه مواقف

стр. 3271

العناد والمكابرة التي كان يقفها الظالمون البغاة، وهم أكثر العرب وزعماؤهم في الظرف الذي نزلت فيه الآية والذي يرجح أنه أوائل العهد المدني. وفي كتب التفسير بيانات على هامش هذه القصة مروية عن علماء الأخبار من التابعين وتابعيهم مشوبة بالإغراب والخيال. وجاء فيها ما جاء أن اسم هذا الملك هو نمرود بن كنعان وأنه أول من تجبر وادعى الربوبية. وأنه أحضر سجينين محكومين بالإعدام فعفى عن أحدهما وأعدم الآخر وكان هذا تصديقا لما قاله إنه هو أيضا يحيي ويميت وأن هذا الملك هو الذي أمر بإلقاء إبراهيم في النار وأن الله سلط على جيشه بعوضا ستر السماء فأكل لحومهم وشرب دماءهم ثم سلط عليه بعوضة دخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق ثم هلك. وأنه بنى صرحا إلى السماء فدمره الله وأن هذا هو ما أشير إليه في آية النحل: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [٢٦] . وعلى كل حال فإن هذه البيانات قد تؤيد ما قلناه من أن هذه القصص كقصص إبراهيم ﵇ الأخرى التي لم ترد في سفر التكوين ووردت في القرآن مما كان متداولا في البيئة العربية عن طريق اليهود على الأرجح فاقتضت حكمة التنزيل التذكير بها بالأسلوب الذي جاءت به تعقيبا على الآيات السابقة وللمقاصد التي نبهنا عليها والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) . (١) لم يتسنه: لم يتغير من مرّ السنين.

стр. 3272

(٢) ننشزها: نرفعها. وقرئت بالراء بمعنى نحييها أو نطهرها. تعليق على الآية أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ... إلخ وفي هذه الآية إشارة تنبيهية أو تذكيرية بقصة ثانية وهي قصة شخص مرّ على مدينة مدمرة خاوية فتساءل تساؤل المستبعد اليائس كيف يمكن أن يحيي الله هذه المدينة؟ فأماته الله مئة عام ثم أحياه وسأله كم لبثت؟ فقال: يوما أو بعض يوم ظنا منه أنه كان نائما فقال الله تعالى له: بل مئة عام كاملة. وإنك لترى طعامك وشرابك لم يتغيرا طيلة هذه المدة في حين أن حمارك قد مات ولم يبق منه إلا عظام نخرة. وها أنا آمر فتجتمع عظامه ثم تكتسي لحما ثم تدب فيها الروح فيكون ذلك آية لك وللناس على قدرة الله على ما تستبعده وتتساءل عنه، وحينئذ اقتنع الرجل بقدرة الله على كل شيء وأعلن اعترافه بها. وروح الآية وفحواها يلهمان أن الرجل كان مؤمنا وأهلا لوحي الله وخطابه، وأنه قال ما قال في حالة نفسية بائسة. ويروي المفسرون عن علماء الأخبار أن القصة من قصص بني إسرائيل وقد رووا عنهم تفصيلات مسهبة لها فيها شيء مما ورد في بعض أسفار العهد القديم المتداولة اليوم مع شيء غير وارد فيها. وفي هذا وذاك إغراب وخيال وخلاصة ذلك أن الذي مرّ بالقرية هو أحد أنبياء بني إسرائيل مع اختلاف في اسمه بين العزير وأرميا بن حلقيا الذي قال بعضهم إنه الخضر. مع التركيز على رجحان كونه أرميا وكون القرية هي بيت المقدس. وأن قوله كان بعد تدمير بختنصر ملك بابل لهذه المدينة وسبيه أهلها حيث وقف على أطلالها باكيا نادبا يائسا من عمرانها ثانية. فأماته الله مائة عام مع حفظ جسده من البلى وكان حماره هلك بعده وكان معه زوادة من تين وعنب وماء ثم بعثه الله من موته وأنشر عظام حماره وبعث فيه الروح وهو يعاين ذلك ليثبت له أنه مات مائة عام حيث ظن أنه نام طول النهار فقط وأيد ظنه عدم تغير زوادته وليثبت له كذلك أن الله قادر على إحياء المدينة كما أحيا

стр. 3273

الحمار بعد هلاكه وتفتت أعضائه وعظامه. وأن الله لم يلبث أن أمر ملكا عظيما من ملوك الفرس ليرسل قومه ويعمروا بيت المقدس ففعل، وأن ذلك قد تم أثناء موت أرميا فلما أحياه الله ورأى معجزة الحمار والزوادة ثم شاهد ما كان من تجدد عمران المدينة. وننبه على أن هذه القصة لم ترد في الأسفار وإنما الذي ورد في الأسفار بكاء أرميا ومراثيه على خراب القدس ثم سماح ملك الفرس الذي قوض مملكة بابل لمن شاء من المسبيين من الإسرائيليين بالعودة إلى القدس وتجديدها ففعلوا «١» . وعلى كل حال فرواية علماء الأخبار من الصدر الأول لهذه القصة بإسهاب استغرق في تفسير الطبري ثلاث عشرة صفحة تدل على أنها مما كان متداولا في أوساط اليهود ثم في البيئة العربية عن طريقهم في عصر النبي ﷺ . ونعتقد أن ذلك مما كان واردا في بعض القراطيس اليهودية التي لم تصل إلينا. وفي صدد القصة نرى من واجب المسلم أن يقف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيراده وأن يؤمن أنه لا بد لإيرادها بالأسلوب الذي جاءت به حكمة يمكن أن يكون منها قصد التمثيل على تنوع مواقف الناس من الله تعالى. فالملك الكافر أنكر الله وقدرته واغتر حتى ظن نفسه ندّا لله وهذا الرجل سارع إلى الاعتراف بقدرة الله حينما رأى الدليل لأنه حسن النية راغب في الحق. وهكذا تتصل الآية بسابقتها وتتصل الآيتان بالسياق جميعه اتصال تذكير وتمثيل وموعظة وتسرية، وتستحكم الحجة القرآنية على السامعين لأن ما فيها متسق مع حوادث يعرفونها. ولقد أريد صرف هذه القصة إلى مفهوم معنوي ورمزي، ونحن لا نطمئن إلى مثل هذا الأسلوب ولا نرى فيه طائلا. فالقصة لم تكن مجهولة كما تلهم روح الآية والروايات التي وردت في سياقها معزوة إلى تابعين وتابعي تابعين فأوردت على سبيل التذكير والتمثيل والعظة، والله أعلم.

стр. 3274

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) . (١) فصرهن إليك: اضممهن إليك. ومما قيل في معنى (صرهن) قطعهن. من التصرية بمعنى القطع. أو إنها بمعنى إمالة وجوههن إليه لذبحهن لأن الذبح يكون كذلك. تعليق على الآية وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ... إلخ وفي هذه الآية إشارة تنبيهية أو تذكيرية إلى قصة ثالثة، حيث سأل إبراهيم ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى بعد ما يموتون فسأله عما إذا كان غير مؤمن بقدرته حتى يسأل ذلك فأكد إيمانه ولكنه أبدى رغبته في الاطمئنان العياني فأمره حينئذ أن يمسك أربعة من الطيور ويذبحها ويقطع أجزاءها ويوزعها على جبال مختلفة ثم يدعوها إليه فتأتي إليه حية مسرعة. وانتهت الآية بخطاب موجه إليه ليعلم أن الله عزيز لا يعجزه شيء، حكيم لا يفعل إلا ما فيه الصواب والسداد. ومع أن الآية لم تذكر نتيجة التجربة فإنها منطوية في أسلوبها كما هو المتبادر والمقدر على أن إبراهيم فعل ما أمره الله وأن الأجزاء تجمعت وعادت إليها الحياة بقدرة الله وسعت إلى إبراهيم ﵇ . ولقد روى الطبري وغيره عن علماء الأخبار روايات وبيانات في صدد محتوى الآية. منها رواية في صيغ عديدة متقاربة تفيد أن إبراهيم ﵇ رأى جيفة قد بليت وتقسمتها الرياح والسباع والجوارح فقال سبحان الله كيف يحيي

стр. 3275

الله هذه. أو قال: ربّ قد علمت أنك قادر على ذلك فأرني كيف يكون. ومنها أنه لما انتهى من محاججة الملك الكافر وقع في نفسه أن يسأل الله كيف يحيي الموتى. ومما روي في صدد تنفيذ الأمر أن الله أمره أن يأخذ ديكا وطاووسا وغرابا وحمامة ويقطعها ويخلط لحومها بريشها ودمائها ويجعل على كل جبل جزءا من هذا الخليط ثم يناديها ففعل فأخذت أجزاء كل طير تتجمع حتى تم التجمع ثم دبت فيها الحياة وجاءت إليه ساعية. وليس شيء مما رواه المفسرون واردا في كتب الصحاح ولكن هذه البينات المروية من صدر الإسلام تفيد أن القصة مما كان متداولا في بيئة النبي ﷺ وعصره. وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين المتداول اليوم قصة فيها شيء من التشابه مع هذه القصة خلاصتها أن الله لما بشر إبراهيم بأن نسله سيكون كثيرا لا يحصى، قال له: وكيف أعرف ذلك وأنا عقيم، وليس لي وريث من صلبي؟ فقال له: خذ عجلة ثنية وعنزة ثنية وكبشا ثنيا ويمامة وشطرها أنصافا ثم اجعل كل شطر قبالة صاحبه وتقف القصة في السفر عند هذا الحد. ومهما يكن من أمر فيمكن أن يقال إن القصة انطوت على موقف نبي من أنبياء الله المعروفين أبدى رغبة في الاطمئنان العياني لقدرة الله فحقق الله رغبته. ومن الجائز ونحن نرجح ذلك أن تكون القصة التي وردت في سفر التكوين شيئا مشابها لها كانت مما يتداوله اليهود في أسفار أخرى وأن سامعي القرآن كانوا يعرفونها عن طريقهم. وفي صدد القصة ذاتها نقول هنا كما قلنا قبل: إن من واجب المسلم أن يقف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيراده بالأسلوب الذي وردت به وأن يؤمن بأن في ذلك حكمة قد تكون أو قد يكون منها التذكير بموقف آخر من مواقف المؤمنين بالله وقدرته السامعين يعرفونه لأحد عظام أنبياء الله الذين كان ملء سمعهم وكانوا ينتسبون إليه ليكون فيه العظة والعبرة لهم ثم لسامعي القرآن وقارئيه عامة، والله تعالى أعلم.

стр. 3276

ونرجح أن القصص الثلاث نزلت متتابعة ووضعت في ترتيبها بسبب ذلك، بل لا نستبعد أن تكون نزلت دفعة واحدة لتكون بمثابة تعقيب على الآيتين [٢٥٦ و ٢٥٧] وبينهما لبيان مواقف متنوعة لكافر ومؤمنين، والله تعالى أعلم. وهذه القصة والتي قبلها تنطويان على تبرير الرغبة في الطمأنينة والاستزادة من معرفة آلاء الله ومشاهد عظمته وبراهين قدرته إذا لم تكن منبعثة عن خبث ومكر وجحود ومكابرة. فليس ما يمنع المؤمن من ذلك وليس في هذا ما يمكن أن يكون دليلا أو مظهرا على شك المؤمن في إيمانه بالله وقدرته. فالشك والإيمان لا يمكن أن يجتمعا وكل ما هناك أنه يصح أن يود المؤمن رؤية ما يجعل يقينه الغيبي يقينا عيانيا. ولقد روى البخاري ومسلم حديثا نبويا جاء فيه: «نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم إذ قال ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي» . وروى المفسرون أن النبي ﷺ قال ذلك حينما رأى ناسا يظنون أن إبراهيم شكّ في قدرة ربّه وإيمانه به، وأوّلوا الحديث على ضوء هذه الرواية بقصد نفي الشك عن إبراهيم وكأنما أراد أن يقول نحن لا نشك فأولى بإبراهيم أن لا يشك «١» . [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦١ الى ٢٧٤] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) .

стр. 3277

(١) منا: الكلمة هنا بمعنى تعداد النعمة على المنعم عليه على سبيل التفضل وتحميل الجميل.

стр. 3278

(٢) الأذى: هنا بمعنى أي عمل أو قول أو إشارة فيها جرح نفس المتصدق عليه وأذيتها. (٣) صفوان: الصخرة الملساء. (٤) وابل: المطر الكثير المنهمر. (٥) صلدا: أجرد أو أملس. (٦) لا يقدرون على شيء مما كسبوا: لا يحصلون على شيء مما زرعوه ولا ينتفعون به. (٧) ربوة: الأرض السمينة العميقة التراب أو الأرض المرتفعة عن الماء الجارف. (٨) طل: الرذاذ أو المطر الخفيف أو الندى. (٩) إعصار فيه نار: كناية عن الريح الشديدة الحارة أو ريح السموم. (١٠) الطيبات: هنا بمعنى الثمر الجيد لا الرديء ولا الفاسد. (١١) ولا تيمموا: ولا تقصدوا. (١٢) الخبيث: هنا بمعنى الشيء الرديء من الثمر. (١٣) إلا أن تغمضوا فيه: إلا أن تأخذوه على كره وغضاضه إذا أهدي أو أعطي لكم أو تبخسون ثمنه عن ثمن الجيد حينما تتقاضون مالكم على أصحابها من دين وحقوق. (١٤) الحكمة: هنا بمعنى الإصابة والسداد في القول والعمل. (١٥) الذين أحصروا في سبيل الله: قيل إنّها تعني الذين حبسوا أنفسهم أو حبسوا على الجهاد. وقيل إنها بمعنى الذين حصروا أو حوصروا من العدو في أرضه. (١٦) ضربا في الأرض: بمعنى سعيا في سبيل الرزق. (١٧) التعفف: عدم الطلب والسؤال. (١٨) إلحافا: تشديدا بالسؤال والطلب.

стр. 3279

تعليقات على الآية مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... إلخ وما بعدها من [٢٦١- ٢٧٤] في هذه الآيات: ١- تمثيل لأجر الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، فهم كمن زرع زرعا الحبة منه تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. وتعقيب على ذلك بسبيل الحثّ، فالله يضاعف أجر الأعمال الصالحة ما يشاء من فضله وهو واسع الفضل عليم بأعمال الناس ونواياهم. ٢- تنويه بالذين ينفقون أموالهم في سبيل الله من دون منّ ولا أذى. سواء أكان بالإشارة أم بالكلام أم بالعمل، فهؤلاء لهم أجرهم العظيم عند الله ولن يلقوا لديه ما يخيفهم أو يحزنهم. ٣- ونهي عن المنّ والأذى وتنبيه على أن الكلمة الطيبة وإظهار الرأفة والعاطفة للمحتاج إلى الصدقة خير من الصدقة إذا أعطيت مع المنّ والأذى، وأن الله غني عن مثل هذه الصدقات حليم لا يتعجل بالغضب على مستحقه الذي يمنّ ويؤذي في سياق ما يعطيه من صدقات. ٤- وتشديد ثان في النهي عن ذلك فهو مبطل لأجر الصدقة، وحري بالمؤمنين أن لا يصدر ذلك منهم. ومثل الذي يحدث منه كمثل من ينفق ماله رياء، ولا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر، وتمثيل صدقات هؤلاء وأولئك بالتراب القليل الذي تحته صخر فمهما نزل عليه من وابل المطر لا يصلح للنبات والنماء ولا يلبث الوابل أن يجرفه وتظهر من تحته الصخرة صلداء ملساء، ولا يمكن أن ينتفعوا بأي شيء مما أنفقوه لأنه ليس صادرا منهم عن حبّ التقرب إلى الله وابتغاء الخير لذاته وهؤلاء هم جاحدون ساءت نياتهم وخبثت سرائرهم فليس لهم إلى هدى الله ورضائه من سبيل.

стр. 3280

٥- وتمثيل للذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله ورضائه وإيقانا ورغبة صادقة في فعل الخير فهم كأرض بستان سمينة جيدة تنبت نباتها حسنا وتؤتي أكلها مضاعفا سواء أكان المطر الذي ينزل عليها وابلا أو طلا. ٦- وتساؤل على سبيل التمثيل عما إذا كان أحد يودّ لنفسه أن تكون له جنة من نخيل وأعناب جيدة النماء والثمر وفيها المياه الكافية فتهب عليها ريح سموم فتحرقها في وقت يكون فيه في آخر عمره غير مستطيع إصلاح ما فسد منها وله ذرية ضعفاء ليس لهم طاقة على هذا الإصلاح كأنما أريد بذلك تشبيه الإنفاق رياء ومع المنّ والأذى كالنار المحرقة التي تعصف بأجره حين يكون في موقفه الحرج أمام الله في ظرف لا يكون إمكان لتلافي الأمر فيه. ٧- وأمر موجه إلى المسلمين بوجوب التصدق من أحسن ما يكون عندهم من مال وغلّة. ونهي عن قصد اختيار الرديء الفاسد الذي لا يقبلون هم أنفسهم أن يأخذوه إلّا بثمن بخس ومع الغضاضة والاستكراه. وتنبيه على أن الله غني عن مثل هذه الصدقات في حين أنه يحمد لمستحق الحمد عمله الطيب. وإشارة تذكيرية إلى أن ما في أيديهم هو مما رزقهم إياه الله فيجب عليهم الإنفاق مما يسر لهم من الكسب ومن ثمرات الأرض الطيبة. ٨- وتنبيه على أن الإمساك أو الإنفاق من الخبيث الرديء دون الطيب إنما يكون استجابة لوسوسة الشيطان الذي يخوف المرء من الفقر حتى يمنعه عن الإنفاق والذي لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء والمعاصي. في حين أن الله إذ يأمر بالإنفاق من طيب المال وبدون أذى ولا رياء ويحثّ عليه إنما يدعوهم إلى ما فيه خيرهم واعدا إياهم بالرحمة والغفران وزيادة الفضل وأنه واسع الفضل عليم بنوايا الناس وأعمالهم. ٩- وتنويه بالذين يفهمون الأمور حق الفهم فذلك هو الحكمة التي يهبها الله لمن يشاء، ومن رزقها فقد رزق الخير الكثير ولا يرزقها وينتفع بها إلا ذوو العقول النيرة والقلوب السليمة.

стр. 3281

١٠- وتقرير بأن الله يعلم بكل نفقة ينفقها الناس وبكل نذر يقيدون به أنفسهم في سبيل الخير والبرّ والقربى. ولن يكون للظالمين المجرمين والأشرار نصير عند الله كأنما تحث الجملة القرآنية على حسن النية في الإنفاق والنذور ووفاء الصدقات والنذور التي يقطع المرء على نفسه عهدا بإعطائها دون بخس ولا تقصير. ١١- وإشارة إلى أن الصدقات هي فضيلة وخير وقربى في كل حال، سواء أظهرها أصحابها أم أخفوها وهم يعطونها للمحتاجين. واستدراك بأن إعطاءها خفية أفضل وتنبيه على أن الله خبير بأعمال الناس ونواياهم ويكفر عن الصادقين المخلصين ذنوبهم وهفواتهم. ١٢- وخطاب موجه إلى النبي ﷺ أو إلى السامع إطلاقا بأنه ليس عليه أن يهدي الناس جميعا فالهدى هدى الله. والتفات في الخطاب إلى المسلمين: فمما ينفقونه إنما هو لخيرهم إذا ما كان ابتغاء وجه الله وأن أجرهم عليه يوفّى دون بخس أو نقص. ١٣- وتنبيه على وجوب الاهتمام لأمر فقراء المسلمين الذين حبسوا على سبيل الله ولم يعد في إمكانهم التكسب والارتزاق من جهة وهم متعففون لا يتشددون في السؤال من جهة أخرى. فواجب إعطاء هؤلاء أعظم وألزم والله عليم بما ينفقه الناس على أمثالهم وموفيهم عليه أجورهم. ١٤- وتنويه أخير بالذين ينفقون أموالهم في كل حال بالليل وبالنهار وبالسر وبالعلن فلهم أجرهم العظيم عند الله ولن يكون لهم ما يخيفهم أو يحزنهم. وننبه على أن الآيات وإن كانت بدأت بآية فيها تنويه بالذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وحثّ على ذلك فإن فيها ما يفيد أن التنويه والحثّ شاملان للذين يتصدقون على الفقراء مطلقا بحيث يصح أن يقال إن القرآن اعتبر هذا أيضا إنفاقا في سبيل الله. وبذلك تكون الآيات فصلا رائعا في الإنفاق في سبيل الله والتصدق على

стр. 3282

الفقراء وفضائل ذلك ومستحباته ومكروهاته وآدابه وشروطه. مع التنبيه على أن المتبادر من روح الآيات وفحواها أنها ليست في صدد الزكاة الواجب أداؤها بل هي في صدد الإنفاق بصورة مطلقة بحيث تشمل الواجب والتطوع معا. ولقد روى المفسرون روايات في مناسبة نزول بعض هذه الآيات فروى الخازن أن الآية [٢٦١] نزلت في مناسبة ما بذله عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ من مال طائل في تجهيز غزوة تبوك. وروى الطبري وغيره أن قوما من الأنصار كانوا يأتون بالخشف من التمر فيجعلونه فيما يعطونه من زكاة أو يعلقون أقناء فيها خشف في حبل بين اسطوانتي مسجد رسول الله ﷺ ليأكل منها الفقراء فنزلت الآية [٢٦٧] لتنهى عن ذلك. وروى الطبرسي أن هذه الآية نزلت في جماعة كانوا يتصدقون من ربا دخل عليهم في الجاهلية. وروى الطبري وغيره أن النبي ﷺ كان يمنع الصدقات عن المحتاجين من المشركين ليحملهم على الإسلام أو بعض المسلمين كانوا يفعلون ذلك بالنسبة لأقاربهم وأنسبائهم فأنزل الله الآية [٢٧٢] في صدد إجازة إعطاء الصدقات للمحتاجين ولو كانوا غير مسلمين. وروى ابن كثير أن الآية [٢٧١] نزلت في التنويه بأبي بكر وعمر لتسابقهما إلى إعطاء الصدقات وفعل الخير. وروى الطبري وغيره أن الآية [٢٧٣] نزلت في أهل الصفة، وهم جماعة من فقراء المسلمين الغرباء كانوا يبقون في مسجد رسول الله ﷺ ويعيشون مما يعطيهم إياه المسلمون ويتقدمون للخروج في كل سرية أو غزوة جهادية ويتعففون عن السؤال ولا يستطيعون السعي في سبيل الرزق. وهناك رواية أخرى تذكر أنها نزلت في جماعة من المسلمين حال عداء الكفار الذين هم خارج المسلمين دون سعيهم وخروجهم للكسب. وروى الطبري أن الآية [٢٧٦] عنت أصحاب الخيل المربوطة في سبيل الله لأنهم ينفقون على دوابهم. وروى الطبرسي أن هذه الآية نزلت تنويها بعلي بن أبي طالب لأنه كان ينفق ماله في الليل والنهار والسر والعلن وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح باستثناء حديث رواه الترمذي في صدد الآية [٢٦٧] حيث روى عن البراء قال: «كنّا معشر الأنصار أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان

стр. 3283

الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه بالمسجد. وكان أهل الصفة يأكلون منه وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يأتي أحدهم بالقنو فيه الشيص والخشف فأنزل الله الآية» «١» . ويمكن أن يورد ملاحظات على بعض هذه الروايات مثل كون الآية [٢٦١] في صدد ما أنفقه عثمان وعبد الرحمن في غزوة تبوك التي كانت في أواخر حياة النبي ﷺ بينما الآيات كما يبدو مبكرة. والروايات المروية في صدد الآيات [٢٦٧ و ٢٧٢ و ٢٧٤] منطبقة على الآيات وقد تكون صحيحة، وحديث البراء يدعم صحة الرواية المروية في نزول الآية [٢٦٧] . على أننا نلحظ من جهة أخرى أن آيات الفصل منسجمة مع بعضها وتؤلف مجموعة أو وحدة مترابطة بحيث يسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة. ونرجح أن فيها عودا على بدء وأنها متصلة بأول الفصل السابق الذي فيه دعوة إلى القتال والإنفاق في سبيل الله وأن الآيات التي جاءت بين هذه وتلك جاءت على سبيل الاستطراد والتمثيل والموعظة. وهو أسلوب مألوف في القرآن ولا يقتضي هذا أن تكون جميع هذه الفصول نزلت دفعة واحدة إذ من المحتمل أن تكون نزلت متتابعة أو شيئا بعد شيء ثم وضعت في ترتيب وسياق واحد للتناسب أو التقارب. ولا يمنع هذا أن يكون شيء مما ذكرته الرواية المروية في صدد الآيات [٢٦٧ و ٢٧٢ و ٢٧٤] كان يقع في ظروف نزول الآيات فاحتوت الآيات تنبيهات ومواعظ في صددها. ولقد احتوت الآيات من بليغ التلقينات وجليل المواعظ والتوجيهات ما بلغ الذروة العليا التي لا يطاولها شيء في بابها والتي تظل عنوانا خالدا من عناوين التلقينات القرآنية الخالدة سواء أفي التنبيه والتشديد على تقبيح المن والأذى وتفضيل الكلمة الطيبة على الصدقة التي يرافقها منّ وأذى، أم في إيجاب الإنفاق من الطيب الحلال دون الخبيث. والتنبيه على أن الله هو الذي ييسر للناس ما ينالونه من رزق، فهو ماله وعليهم أن ينفقوا الطيب الحلال منه، أم في الحث

стр. 3284

الشديد على الإنفاق في سبيل الله أولا وعلى الفقراء إطلاقا في أي وقت وحال ثانيا، وبقطع النظر عن الجنس والدين لأن المتصدق إنما يتصدق قربة عن نفسه وابتغاء وجه الله وأن الهدى الله فلا ينبغي أن يضيع الفقير ويحرم لمجرد أن دينه غير دين الغني، أم في التنبيه على فضل إخفاء الصدقات لتكون خالصة لوجه الله غير مؤذية وجارحة للمتصدق عليه، أم في التنبيه على أن الامتناع عن التصدق هو من وساوس الشيطان وتخويفه صاحب المال من الفقر مع أن الله يعد المتصدقين المغفرة وزيادة الفضل، أم في وجوب الاهتمام للفقراء الذين يتعففون عن السؤال أو الذين يمنعهم حبسهم أنفسهم على سبيل الله ومصلحة المسلمين أو حبس الظروف القاهرة لهم عن التكسب وضمان رزقهم، أم في التنبيه على أن التزام وصايا الله هو من الحكمة البليغة التي يجب أن يتذكرها ويعمل بها ذوو العقول النيرة والقلوب السليمة، أم في التنبيه على أن المنحرفين منها هم الظالمون لأنفسهم الذين لا يمكن أن ينصرهم الله أم في التشويق العظيم المنطوي في وعد الله بمضاعفة أجر ما ينفقه المسلم أضعافا مضاعفة. وإذا لوحظ أن في القرآن المكي والمدني آيات كثيرة أخرى في الحضّ على الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء والمساكين والتنويه بمن يفعل ذلك والتنديد بمن يقصر في ذلك مما مرّت أمثلة كثيرة في السور التي سبق تفسيرها وما يأتي في سور آتية يظهر عظم عناية حكمة التنزيل بهذين الأمرين الخطيرين من حيث إن الأول هو سبيل قوة الإسلام والمسلمين ودفع العدوان عنهما وضمان عزتهما وحريتهما والدعوة إلى الدين الإسلامي ومبادئه وما يؤدي ذلك إليه من انتشار هذا الدين الذي رسخه الله ليظهر على الدين كله وكل هذا منطو في تعبير سَبِيلِ اللَّهِ ومن حيث أن الثاني هو سبيل سد حاجة المعوزين من المسلمين الذين يؤلفون طوائف كبيرة جدا في كل مجتمع وإيجاب ذلك على الميسورين الذين هم الأقلية حتى لا تتعطل الدعوة إلى الإسلام ولا يتعرض المسلمون للأخطار والعدوان وحتى تخف المرارة في نفوس تلك الطوائف ضد الأقلية الموسرة ويتفادى بذلك اضطراب المجتمع الإسلامي.

стр. 3285

وإذا لوحظ أن القرآن قرر في هذه الآيات وأمثالها مما سبق تفسيره وما يأتي في سور أخرى أن ما في أيدي أصحاب الأموال من أموال هي أموال الله وأنه إنما جعلهم مستخلفين فيها وأنه هو الذي رزقهم بها ويسرها لهم بدا جانب آخر من روعة التلقين القرآني فيه تخفيف لوقع الإنفاق والأمر به على النفوس وإيذان للأغنياء بأنهم ليسوا إلا وكلاء على مال الله فيجب عليهم أن يطيعوا أمر صاحبه وينفقوه فيما يأمرهم به، وبأنهم ليس لهم حقّ في المنّ على من يعطونه إياه من عباد الله وأذيتهم بسبب ذلك. ولقد روى المفسرون في سياق آيات هذه السلسلة أحاديث نبوية عديدة فيها هي الأخرى توجيهات وتلقينات بليغة المدى متسقة مع توجيهات الآيات وتلقيناتها وتوضيح لما سكت عنه القرآن. ومن هذه الأحاديث ما ورد في الكتب الخمسة المعتبرة ومنها ما ورد في كتب ومساند أئمة آخرين. من ذلك حديث رواه الطبري في صيغ عديدة ومن طرق مختلفة في سياق الآية [٢٦٨] عن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ : إنّ للشيطان لمّة من ابن آدم وللملك لمّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشرّ وتكذيب بالحقّ. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) «١» . ومن ذلك حديث أورده ابن كثير في صدد الآية [٢٦٣] برواية مسلم عن أبي ذرّ قال: «قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب» «٢» . وحديث آخر في صدد الآية أورده ابن كثير بإخراج ابن مردويه جاء فيه: «لا يدخل الجنّة منّان» وأورد ابن كثير في صدد الآية [٢٧٠]

стр. 3286

حديثا رواه الشيخان أيضا عن رسول الله ﷺ جاء فيه: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه منهم رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه» «١» . وأورد ابن كثير في سياق الآية [٢٧٣] حديثا عن سعد بن أبي وقاص قال: «قال رسول الله ﷺ : إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت درجة أو رفعة» . وأورد ابن كثير في سياق الآية [٢٦٨] حديثا رواه البزار عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيّب ولا يقبل الله إلا الطيب فيتلقاها الرحمن ﵎ بيده فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه أو فصيله» «٢» . وحديثا آخر رواه البزار جاء فيه: «إن الخبيث لا يكفّر الخبيث ولكن الطيب يكفّر الخبيث» «٣» . وهناك أحاديث يرويها المفسرون في صدد التنديد بالإلحاح والإلحاف في السؤال وفي سياق ما جاء في الآية [٢٧٣] من التنويه بالذين لا يسألون الناس إلحافا منها حديثان أوردهما الطبري عن قتادة: «أن النبي ﷺ كان يقول إن الله يحبّ المتعفّف ويبغض السائل الملحف» و «أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» . وفي كتب التفسير أحاديث أخرى من باب بما أوردناه فاكتفينا بما أوردناه. وهناك أحاديث أخرى في تعريف المسكين ومن تحلّ عليه الصدقة ومن يحلّ له السؤال أجلنا إيرادها إلى تفسير آية مصارف الصدقات في سورة التوبة لأنها أكثر ملاءمة. وهناك أحاديث كثيرة في الإنفاق ووعد الله بالإخلاف على المنفقين أوردنا طائفة منها في سياق تفسير الآية [٣٩] من سورة سبأ فلم نر ضرورة لإيرادها ثانية في مناسبة ما في الآيات من حثّ على الإنفاق وتنويه بالمنفقين واكتفينا بهذا التذكير. وبمناسبة التنديد بالذين ينفقون أموالهم رئاء الناس الوارد في الآية [٢٦٤] نذكر أننا أوردنا طائفة من الأحاديث في ذلك في سياق تفسير سورة الماعون ونكتفي بهذا التذكير دون إيرادها ثانية.

стр. 3287

ولقد استطرد رشيد رضا في مناسبة الآية [٢٧٣] إلى ذكر بعض طوائف المسلمين يعيشون في الزوايا والتكايا عيشة تبطل وكسل على ما يوقف عليها من طعام ومال بزعم أنهم متفرغون لعبادة الله ومشبهين أنفسهم بأهل الصفة في مسجد رسول الله ﷺ الذين روي أن الآية نزلت في شأنهم على ما ذكرناه قبل برغم ما في الآية من صراحة بأنهم أحصروا في سبيل الله. وأدخل في استطراده مشايخ الطرق ومريديهم الذين لا يعملون ولا يتكسبون ويعيشون على الناس وذكرنا ما يفعله هؤلاء من فرض أنفسهم على الناس وما يقدمون عليه من أذى وانتقام من الذين لا يضيفونهم ولا يهدون إليهم الهدايا وندد بهم ونبه على ما في ذلك كله من شذوذ عن نصوص وتلقينات كتاب الله وأحاديث رسوله، وفي هذا حق وسداد مع القول إن هذه الصورة آخذة بالتضاؤل. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) . (١) الربا: أصل معنى الكلمة الزيادة والنمو وفي الآيات جملة فيها هذا

стр. 3288

المعنى وهي يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وهذا المعنى ملموح في آية سورة الروم [٣٩] . ثم صارت علما على أخذ زيادة على مال متجانس بدون عوض ولو كان المال دينا. (٢) الذي يتخبطه الشيطان من المس: تشبيه بحالة المصروع حيث كان الناس من القديم يعتقدون أن الصرع هو مسّ جني فخوطبوا بالتعبير المألوف عندهم. (٣) يمحق الله الربا: يذهب ببركة مال الربا ويتلفه. (٤) فأذنوا بحرب من الله ورسوله: إنذار لهم وتنبيه بأنهم إن لم يتركوا الربا يكونوا في حالة حرب مع الله ورسوله. (٥) وإن تبتم: فإن كففتم عن تعاطي الربا. (٦) نظرة: انتظار وإمهال. (٧) ميسرة: حالة اليسر. تعليق على آيات الربا في هذه الآيات: ١- تمثيل فيه تشنيع وإنذار للذين يأخذون ويأكلون الربا. فهؤلاء حينما يقومون من قبورهم ليوم القيامة يقومون يتخبطون كما يتخبط المصروع من مسّ الشيطان. وتعليل لهذا بأنهم استحلوا الربا وقالوا إنه كالبيع في حين أن الله أحلّ البيع وحرّم الربا. ٢- وإنذار للذين كانوا يتعاطون الربا قبل نزول الآيات: فالذين يتعظون بأمر الله وينتهون عن الربا بعد سماع النهي، فما أخذوه سابقا يبقى لهم وأمرهم موكول إلى الله، ومن لم ينتهوا ويتوبوا فإنهم يستحقون الخلود في النار. ٣- وتقرير رباني في صدد الربا والصدقات: فالله تعالى يمحق الربا ولا يبارك فيه في حين أنه ينمي المال الذي يتصدق منه ويضاعف أجر المتصدقين. والله لا يحب الكافرين الآثمين الذين يستحلون الحرام ويرتكبون الآثام.

стр. 3289

٤- وتنويه بالمؤمنين الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ولا يستحلون الحرام ولا يرتكبون الآثام، ومعنى الجملتين مندمج في جملة: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فهؤلاء لهم أجرهم عند ربهم ولن يكون لهم ما يخيفهم ويحزنهم. ٥- وخطاب موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه بتقوى الله والوقوف عند أوامره ونواهيه والتنازل عما لهم في ذمم الناس من ربا إذا كانوا مؤمنين حقا. والاكتفاء باستيفاء رؤوس أموالهم فقط وإنذار لهم إذا لم يتوبوا ويكفوا عن تعاطي الربا بأنهم يكونون كمن أعلن الحرب على الله ورسوله أو كمن أعلن عليه الله ورسوله حربا. ٦- وأمر آخر موجه إليهم أيضا: فعليهم أن يمهلوا المدين المعسر إلى أن يوسر وأن لا يرهقوه. وإذا تصدقوا وتنازلوا عن دينهم في حالة العسر فهو خير لهم. ٧- وأمر آخر لهم باتقاء ويلات وبلاء اليوم الذي يقفون فيه بين يدي الله وتوفّى فيه كل نفس ما كسبت دون نقص ولا بخس. ويندمج في الآية معنى أن هذا الاتقاء إنما يكون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه. ٨- وجملة وَإِنْ تُبْتُمْ تفتح باب التوبة لمن يستيقظ ضميره فيتقي الله وينتهي عن أكل الربا وتعاطيه. وقد يقال على ضوء ذلك إن الخلود في النار الذي ذكر في الآية [٢٧٥] هو للمصرّ على فعل ما حرّم الله حيث يكون بذلك قد استحلّ الحرام فاستحقّ الخلود في النار. والآيات فصل تام في الربا وتحريمه، ويلمح مع ذلك شيء من الصلة بينها وبين الآيات السابقة من ناحية الحثّ على التصدق على المعسرين ومن ناحية تقرير كون الله يمحق الربا ويتلفه بينما يزيد مال المتصدقين وينميه. وقد تكون نزلت لحدتها ووضعت في ترتيبها إما بسبب نزولها بعد الفصل السابق أو للتناسب الملموح بينها وبين ما قبلها.

стр. 3290

ومن الجدير بالتنبيه أن في سورة الروم آية ذكر فيها الربا والزكاة على سبيل المقارنة واحتوت الكراهية للأول والتنويه بالثانية وهي: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ الروم: [٣٩] حيث يظهر تساوق الأسلوب القرآني بين ما جاء هنا وما جاء هناك وتبدو من خلال ذلك الصلة بين هذا الفصل وما قبله. وقد روى المفسرون «١» أن الآية [٢٧٨] نزلت في مناسبة مطالبة العباس بن عبد المطلب وخالد بن الوليد أو رجل من بني المغيرة لدين لهما بالربا عند بعض الثقفيين قبل إسلامهما فرفع الأمر إلى النبي فنزلت. وأن الآية [٢٨١] آخر آية نزلت من القرآن. وقالوا كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل دين من بيع إلى أجل فإذا حلّ الأجل ولم يكن عنده قضاء طلب المدين من الدائن تأخير الأجل مقابل زيادة في الدين وهذا هو الربا. والذي نلحظه أن الآيات فصل تام منسجم سبكا وموضوعا، ونرجح أنه نزل دفعة واحدة ولا ينفي هذا أن يكون تشدد أصحاب الأموال المرابين من المسلمين في طلب أموالهم من مدينين معسرين من الأسباب المباشرة لنزول الآيات. ويتبادر لنا أن الآية الأخيرة منسجمة مع سابقاتها انسجاما وثيقا، ولذلك نتوقف في رواية كونها لحدتها آخر القرآن نزولا، ونرجح أنها نزلت مع هذه الآيات. فإذا كان لرواية نزولها كآخر آيات القرآن أصل فالمتبادر أن ذلك يشمل الفصل جميعه. وقد روى البخاري «٢» حديثا في هذا الباب عن ابن عباس جاء فيه: «آخر آيه نزلت على النبي ﷺ آية الرّبا» حيث يمكن أن يكون قصد بذلك آيات الفصل كلها لأنها تدور على الربا وحيث يمكن أن يقال إن الفصل إلى آخر الآية [٢٨١] نزل دفعة واحدة في أواخر عهد النبي ﷺ . ولقد روي أن النبي قال في

стр. 3291

حجة وداعه فيما قال «١» : «إن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كلّه» وهذا مما يستأنس به كذلك لأن العباس آمن قبل الفتح المكي ثم هاجر عقبه إلى المدينة فلو كانت الآيات نزلت قبل حجة الوداع لما كان للعباس ربا يطالب به، لأنه لا يمكن إلا أن يتقيد بأمر الله المشدد. ومع هذا فإننا ننبه على أن هناك روايات تذكر غير هذه الآية كآخر ما نزل من القرآن على ما سوف ننبه إليه في مناسبته. والآيات شديدة وحاسمة في تحريم الربا كما هو ظاهر في صيغتها، ومع ما قاله المفسرون في تعريف ربا الجاهلية فقد أوردوا «٢» أحاديث وروايات وأقوالا عن النبي ﷺ وأصحابه وتابعيهم بعضها ورد في كتب الأحاديث الصحيحة تتضمن تعريفا بالربا في الإسلام وهو أخذ زيادة في مال متجانس كيلا أو وزنا أو نوعا بدون مقابل. وسواء أكانت المعاملة فورية أو مؤجلة فإذا أعطى امرؤ امرأ آخر ذهبا أو فضة أو برّا أو تمرا وأخذ بدل الذهب ذهبا وبدل الفضة فضة وبدل البرّ برّا وبدل التمر تمرا بزيادة ما في نوع أو وزن فالزيادة هي الربا الذي تحرمه الآيات ولو كان الأداء دينا مؤجلا. ولا مانع من أخذ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ إذا روعي في ذلك المساواة التامة جنسا ووزنا وكيلا. أما إذا أعطى امرؤ ذهبا فتقاضى بدله فضة أو شعيرا أو تمرا أو أعطى شعيرا فتقاضى بدله برّا أو نقدا من ذهب أو فضة بزيادة ما فالزيادة في الوزن والكيل والنوع هي ربح حلال لأن العملية تكون عملية بيع سواء أكانت فورية أو مؤجلة. ويطلق الفقهاء على الربا الذي يكون في العملية الفورية (ربا التفاضل) وفي العملية المؤجلة (ربا النسيئة) . ومن هذه الأحاديث حديث رواه الخمسة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم

стр. 3292

إذا كان يدا بيد. وزاد في رواية فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء» «١» . وحديث آخر رواه الخمسة كذلك عن مالك بن أوس قال: التمست صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة. وعمر يسمع فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبرّ بالبرّ ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» «٢» . ويفهم من روح الآيات أن الناس كانوا في عصر النبي ﷺ يرون الزيادة ربحا سواء أكان هناك مماثلة في الجنس والوزن أم لا ويعتبرون العملية بيعا وشراء فنبهت الآيات على الفرق بين العملين لأن الزيادة في البيع والشراء في السلع المختلفة هي مقابل جهد ووقت ومال وتفرغ، في حين أن الزيادة في السلع والأجناس والمقادير المتماثلة هي بدون عوض ما. كذلك يفهم من روح الآيات أنه كان للحاجة والإعسار أثر في تعاطي الربا ولم يكن تقاضيه معاملة بيع وشراء وتجارة، أي أن المرء كان يحتاج إلى مال ينفقه في شؤونه الخاصة أو سلعة يحتاج إليها في معيشته فيستدينها على أن يردها من جنسها بعد مدة بزيادة في المقدار وقد روت الروايات أن الربا كان يتضاعف بسبب الإعسار إلى أن يبلغ أضعافا مضاعفة ويستغرق جميع مال المدين وما في حيازته. وإلى هذا أشارت آية سورة آل عمران هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) . وإذا صح أن هذه الآيات كان من آخر ما نزل من القرآن والحديث الذي أوردناه يؤيد ذلك فتكون آية آل عمران هذه قد نزلت قبلها فنهت عن أكل الربا أضعافا مضاعفة كخطوة أولى ثم جاءت هذه الآيات لتحرّمه تحريما حاسما. وهذا من أساليب التشريع القرآني حيث اقتضت حكمة التنزيل التدرج في إلغاء العادات التي كانت راسخة وذات تأثير شديد في المجتمع. وقد سار القرآن على هذا

стр. 3293

الأسلوب في تحريم الخمر والميسر على ما ذكرناه في مناسبة سابقة في هذه السورة لأنهما كان لهما تأثير شديد ورسوخ في المجتمع. على أن من الحق أن يقال إن آية آل عمران المذكورة هي الخطوة التشريعية الأولى. أما نواة كراهية الربا والتنفير منه فقد جاءت في القرآن المكي في آية سورة الروم هذه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) . وهكذا يتساوق التلقين القرآني المكي مع التلقين القرآني المدني في هذه المسألة كما يتساوق في سائر المسائل بالأسلوب الذي كان يتلاءم مع كل من العهدين المكي والمدني. ولقد استهدفت الآيات التي نحن في صددها- بالإضافة إلى تشنيعها بالربا وتحريمه- بثّ روح البرّ والتسامح والتكافل بين المسلمين. فإذا ما ضاق الأمر على امرئ فاحتاج إلى ما يفرج به ضيقه وجب أن ينال حاجته من أخيه القادر برّا ورحمة وأريحية بدون عوض أو زيادة. وإذا استحق دين على امرئ وكان معسرا وجب أن ينال التسامح والإمهال برا ورحمة وأريحية بدون عوض أو زيادة كذلك، وإذا كان إعساره شديدا وجب على الدائن أن يتنازل عن دينه صدقة لوجه الله. وفي هذا ما فيه من الروعة والجلال والتلقين المستمر المدى. ومشهد المحتاجين والمعسرين وما يتعرضون له من إرهاق المرابين واستغلالهم وما يجرّه الربا في مثل هذه الظروف من خراب ودمار ويثيره من أحقاد وضغائن ويسببه من ذلة وهوان واضطراب وقلق من المشاهد المعروفة التي تثير دائما الآلام والاشمئزاز وتجعل وجه المجتمع الذي تقع فيه كالحا قاسيا، وتبرر الحكمة الربانية في منع أسبابها هذا الأسلوب القوي الحاسم وتبرز قصد البرّ والرأفة والمعونة والتسامح والتصدق، وبكلمة ثانية التكافل الاجتماعي بين المسلمين يجعل ذلك التلقين الجليل قويا جليلا بليغا. ومما ذكره المفسرون أن الاشتغال بالربا من شأنه أن يضعف الرغبة في العمل والنشاط الاقتصادي والتجاري لأنه ربح يأتي بيسر وسهولة كالميسر. وهذا أيضا

стр. 3294

تعليل وجيه يضاف إلى التعليلات السابقة. وفي سورة النساء آية تذكر أن الله قد نهى بني إسرائيل عن الربا وهي: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) . ونصوص أسفار العهد القديم المتداولة متباينة ففي بعضها نهي عن أخذه من بني إسرائيل فقط كما جاء في الإصحاح (٢٢) من سفر الخروج و (٢٣) من سفر التثنية. وفي بعضها نهي مطلق وتنديد بأخذه كما جاء في الإصحاح (١٤) من المزامير و (٢٨) من الأمثال و (١٨) من نبوءة حزقيل. ونرجح أن نصّ السفرين الأولين محرف ما دام القرآن يذكر أن الله قد نهاهم عنه مطلقا والأسفار الأخرى تؤيد ذلك. وآية النساء على كل حال تقرر أنهم خالفوا شريعة تحريم الربا وتعاطوه في بيئة النبي ﷺ ممتدا إلى ما قبله. ولقد كان العرب المتمولون يتعاطونه كذلك على ما تفيده الآيات ويأخذونه أضعافا مضاعفة. ولقد كان مما فشا في مختلف البيئات في غير جزيرة العرب أيضا. وقد ارتكس فيه النصارى كما ارتكس اليهود وكان مترافقا في كل بيئة بتلك المشاهد المريرة المدمرة. فلا غرو أن حرمته الشريعة الإسلامية التي هدفت فيما هدفت إليه إلى إقامة مجتمع إنساني يضمّ مختلف الأجناس والألوان والطبقات ويسوده التعاطف والبرّ والتراحم والتعاون، ويمتنع فيه الناس عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل وبدون جهد تحريما حاسما وشاملا مع الإنذار الرهيب القاصم. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في التحذير من الربا وإنذار متعاطيه، منها حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن جابر قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده قال هم سواء» «١» . وحديث أخرجه الطبراني عن ابن عباس جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ : من أعان ظالما ليدحض به حقا فقد برىء من ذمّة الله ورسوله، ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية ومن نبت لحمه

стр. 3295

من سحت فالنار أولى به» «١» . وحديث رواه الشيخان والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة ذكر فيه أن «أكل الربا من جملة الموبقات السبع التي أمر النبي ﷺ باجتنابها» «٢» . هذا، وروح الآيات والأحاديث وما روي من مشاهد الربا ومآسيه ومضاعفاته كل ذلك يلهم أن الربا قد حرّم بهذا الأسلوب القاصم بسبب تلك المشاهد والمآسي والمضاعفات. ولقد ارتكس العالم عامة والمسلمون منهم في ذلك حتى صار الربا بلاء عاما لا يكاد يتفلّت منه أحد بصورة من الصور ولا سيما في ظل نظام المصارف الذي عمّ كل الأقطار. مما كشف الله عن عيبه لرسول الله ﷺ فقال في حديث رواه الإمام أحمد عن الحسن عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا، فقيل له: الناس كلّهم؟ قال: من لم يأكله ناله غباره» «٣» . ولقد شهدنا في حياتنا ممولين يستغلون عوز الفلاحين وغيرهم فيداينونهم المائة بمائة وثلاثين بل وأربعين وخمسين لسنة واحدة بل لموسم زراعي واحد، ويستغرق الربا جميع ما لهم من أرض وعقار وماشية ويشتد عليهم خناق العوز والمذلة وسمعنا من مثل ذلك كثيرا من آبائنا في بلادنا ومن غيرهم في البلاد العربية الأخرى. ولقد وجد المرابون بعض المشايخ الجهال الذين كانوا يفتونهم في عملهم بزعم إخراج عملياتهم من نطاق الربا المحرم حيث يجرون عملية بيع صورية عن المبلغ الزائد الذي يكتبونه في سند الدين. ولقد شهدنا أغنياء كثيرين فأصبحوا فقراء أذلاء بعد أن كانوا واسعي الثراء محاطين بالتكريم والتبجيل بسبب استغراقهم في الدين ورباه. ولقد شهدنا في الوقت نفسه مصير كثيرين ممن كانوا يأكلون الربا إلى مثل ذلك المصير. ولقد عرفنا أن الله كان يلحظ بعنايته الذين يؤتون الزكاة ويتصدقون
следующие страницы →