← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

التي نزلت في التشديد على حقّ اليتيم وحفظ ماله أن أولياء اليتامى كانوا من عصبتهم وأقاربهم الأدنين كالأخوة الكبار والأعمام وأن أموال اليتامى التي كانت على الأعمّ الأغلب من المواشي والزروع والثمار كانت مختلطة بأموالهم. ولذلك كانوا محل تهمة أكل أموالهم وتبديل الطيب منها بالخبيث. ومن هنا تبدو حكمة التشديد القرآني المتوالي. لأن هذا المجال الغريب ولأن الغريب لا يجرؤ على ما يجرؤ عليه عصبة اليتيم وأقاربه الأدنون. وحديث الشيخين عن عائشة الذي أوردناه قبل يفيد هذا أن ولي اليتيم كان يرى لنفسه حقّا في أخذ شيء من مال اليتيم القاصر مقابل النظر عليه وتدبيره فأباحت الآية هذا للفقير مع شرط الأكل بالمعروف أي عدم تجاوز الحد المتعارف على أنه حقّ معقول وسائغ. وأمرت الغني بالتعفف لأنه ليس في حاجة. فكان ذلك متسقا مع ما تكرر من مظاهر عناية حكمة التنزيل ورعايتها لليتيم. وفيه في الوقت نفسه دليل على أن أولياء اليتامى كانوا في العادة من ذوي عصبة اليتامى وأقربائهم الأدنين. ولقد روى المفسرون بعض الأحاديث النبوية في صدد ما يجوز للولي غير الغني أكله من مال اليتيم من ذلك حديث رواه الإمام أحمد جاء فيه «أنّ رجلا قال لرسول الله ﷺ ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ولا أن تقي مالك- أو قال- تفدي مالك بماله» «١» مما فيه توضيح تطبيقي للآية واتساق مع هدفها. ولقد روى المفسرون أقوالا عن بعض الصحابة والتابعين في صدد ما إذا كان ما يأخذه الفقير من مال اليتيم قرضا يجب رده إذا أيسر أم لا. فمنهم من قال إنه قرض، ومنهم من قال إنه مقابل الجهد والنظر. والقول الثاني هو الأوجه على

стр. 3782

ما هو المتبادر والأكثر اتساقا مع روح الآية والأحاديث وبخاصة مع صراحة الحديث المروي عن عائشة ﵂. والخطاب في الآية وإن كان موجها للأولياء فإن الذي يتبادر لنا أن هذا لا يعني أنه ليس لولي الأمر والحكام حق الإشراف على تطبيق أحكامها سواء أفي اختيار اليتامى والتثبت من بلوغهم الرشد بعد الحلم أم في مراقبة الأولياء ومنع إساءة تصرفهم في أموال اليتامى التي تحت أيديهم بأي وجه. فإن هذا مما يحقق الهدف القرآني. ولقد تعددت الأقوال في سنّ الرشد ودلائله وكيفية التثبت منه. ولم نطلع على حديث نبوي صحيح في ذلك. وقد عزا بعض المفسرين إلى ابن عباس وسعيد ابن جبير وغيرهم أن دلائل ذلك صلاح الدين وحفظ المال، وقال بعضهم إن من ذلك اجتناب الفواحش والتبذير ومع ما في هذه الأقوال من وجاهة فإن عدم تفصيل ذلك في القرآن والسنة الصحيحة قد يعني أنه ترك للمسلمين والحكام حسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. ولقد قال بعضهم إن سنّ الرشد هي السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. وروح الآية يفيد أن القصد من جملة فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً هو ثبوت رشدهم بعد بلوغهم الحلم. وهذا منوط بالتمييز والإدراك والأخلاق وليس بالسنّ. فإذا بلغ اليتيم الحلم ولم يثبت رشده بذلك يظل محجورا عليه كما قلنا قبل. وهذا المتفق عليه عند الجمهور. وهناك نقطة يحسن الإشارة إليها وهي تأخر ظهور القدرة الجنسية في اليتيم. وهو ما عبرت عنه الآية في جملة حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ لم نطلع على حديث نبوي وراشدي في ذلك. ولم نر أحدا من المفسرين فيما اطلعنا عليه تعرض لهذه النقطة والاحتلام في البلاد الحارة قد يكون قبل الخامسة عشرة وقد يتأخر في غيرها إلى بعدها. وقد يتأخر لسبب جسماني أو صحي أيضا. ولقد روى ابن كثير حديثا وصفه بالصحيح جاء فيه «رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم أو يستكمل الخمس عشرة ... » وروى الخمسة عن ابن عمر حديثا جاء فيه «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم

стр. 3783

عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه» «١» . والآية قد هدفت إلى إيجاب التثبت من بلوغ اليتيم سنّ الرجولة والرشد معا. وقد يمكن الاستئناس بالحديثين على أن سنّ الرجولة يمكن أن يكون في الخامسة عشرة ولو لم يكن احتلام بحيث يسوغ القول على ضوء ذلك أن اليتيم إذا بلغ الخامسة عشرة ولم يكن قد احتلم وثبت رشده يكون قد تحققت صلاحيته للتصرّف بماله وساغ دفعه إليه. والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ٧ الى ١٠] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) . (١) الأقربون وأولو القربى: يلفت النظر إلى الفرق في دلالة اللفظين حيث استعملا في موضعين متغايرين. فالأول استعمل في موضع الدلالة على الاستحقاق في الإرث حيث يفيد أنه يعني القربى القريبة التي تخول الإرث، والثاني استعمل في موضع الهبة والعطية حيث يفيد أنه يعني القربى البعيدة التي لا تخول الإرث. (٢) الرجال والنساء: المتبادر من روح الآيات ونصها أن الجملة تعني الذكور والإناث البالغين والقاصرين.

стр. 3784

تعليق على الآية لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ إلخ والآيات الثلاث التالية لها عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت: (١) تقريرا بحق كل من الرجال والنساء في ما يتركه والدوهم وأقاربهم القريبون من إرث كنصيب مفروض من الله. (٢) وحثا على منح ذوي القربى الذين لا تخولهم درجة قرابتهم الإرث والمساكين واليتامى منحا مما قسم على أصحاب الحق فيه وتطييب خاطرهم إذا ما حضروا قسمة التركة. (٣) ودعوة قوية إلى تقوى الله في تنفيذ أوامره. وقد انطوت الدعوة على تذكير وتمثيل قويين: فكل امرئ يخاف على ذريته إذا مات عنها وهي ضعيفة قاصرة أن يصيبها أذى وتهضم فعليه والحالة هذه أن يتقي الله فلا يتسبب بقول أو عمل فيهما أذى وهضم لذرية ضعيفة قاصرة ولا يقول ويعمل إلّا ما فيه الحق والخير والصلاح. (٤) وعودة إلى التنبيه على حقّ اليتامى بإنذار شديد لآكلي أموالهم وحقوقهم ومضيعيها بغيا وظلما وطمعا. فليعلم هؤلاء أنهم بذلك إنما يأكلون النار المحرقة وأنهم سيصلون هذه النار في الآخرة. وقد روى المفسرون رواية مختلفة في صيغها متفقة في مداها عن عكرمة وغيره مفادها أن الآية الأولى نزلت بمناسبة امرأة أنصارية مات زوجها وتركها مع يتيمة أو ثلاث يتيمات وخلّف مالا فأبى عم أو أعمام أو أبناء عمّ البنات أن يعطوهن شيئا من تركته على عادتهم قبل الإسلام في عدم توريث النساء فشكت أمرها إلى النبي ﷺ فقالوا له يا رسول الله لا تركب فرسا ولا تحمل كلا ولا تنكأ عدوا يكسب عليها ولا تكتسب فنزلت فأرسل إليهم بعدم التصرف بالتركة حتى

стр. 3785

ينظر ما ينزل في أمرها مفصلا ثم نزلت بعدها آيات المواريث فأمر بقسمة التركة وفقا لذلك «١» . ورووا أن الآية الرابعة أي [١٠] نزلت في رجل من غطفان أكل مال ابن أخيه اليتيم «٢» . والروايات متسقة مع مدى الآيات. وإن لم ترد في الصحاح وهذا لا يمنع احتمال صحتها على أن الذي يتبادر لنا أن الآيات منسجمة مع بعضها أولا وليست منقطعة الصلة بسابقاتها ولا حقاتها موضوعا وسياقا ثانيا. وجملة نَصِيباً مَفْرُوضاً بخاصة قرينة على صلتها بلا حقاتها التي تبين نصيب كل صاحب حقّ في الإرث بحيث يصحّ أن يقال إن هذه الآيات وما بعدها قد نزلت معا. وأن ما روته الروايتان من أحداث كانت مناسبة لنزول هذا الفصل. وقد اختلفت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم فيما إذا كانت الآية [٨] منسوخة بآيات المواريث الواردة بعد أم محكمة «٣» . وقد عزي القولان لابن عباس! والقول الثاني هو الأوجه فيما هو المتبادر وهو ما عليه الجمهور لأن هذه الآية كما يتبادر من روحها ومن الآية السابقة لها أنها في صدد الذين لا تخولهم درجة قرابتهم نصيبا في الإرث. فلا محل للقول أنها نسخت بآيات المواريث. ولقد روى المفسرون «٤» عن بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم أن هذه الآية في معرض الإيعاز على المشرف على الموت بالوصية للفئات المذكورة فيها. ونصّ الآية لا يتحمل ذلك فيما نرى لأنه يقرر أمرا بعد موت صاحب المال وإن كان القول في حد ذاته لا يخلو من وجاهة متسقة مع إيجاب القرآن على المسلم الذي يحضره الموت الوصية إذا ترك خيرا أي مالا على ما جاء في الآية [١٨٠] من

стр. 3786

سورة البقرة التي مرّ تفسيرها والتعليق عليها. ثم مع توكيد القرآن على وجوب تنفيذ وصية الميت على ما جاء في آيات تأتي بعد هذه الآيات حيث يفيد هذا أن وصية المسلم لغير ورثته بقصد صلة الرحم والبرّ مما كان مأمورا ومعمولا به ومرغوبا فيه. والمتبادر أن الذين حثت الآية على رزقهم من التركة من أولي القربى هم الذين لا تخولهم درجة قرابتهم نصيبا من التركة ويكونون فقراء بدليل جمعهم مع المساكين والمتبادر كذلك أن اليتامى الذين حثت الآية على إعطائهم هم اليتامى الفقراء بالدليل نفسه. والآية مطلقة بحيث لا تمنع أن يكون اليتامى والمساكين من الغرباء عن الميت أو أقاربه. وقد روى بعض المفسرين «١» أن الآية [٩] في صدد التنبيه على أصحاب المال بعدم تبذير أموالهم بالهبات والوصايا تبذيرا يؤدي إلى حرمان ذريتهم من بعدهم. ومنهم من قال إنها في صدد تنبيه أصحاب الأموال إلى وجوب الوصية لأقاربهم الفقراء واليتامى والمساكين «٢» . ومنهم من قال إنها في صدد التحذير من الإلحاح على صاحب المال في الإكثار من الهبات والوصايا لغير ذريته وتنبيههم إلى ما يؤدي ذلك إليه من حرمان ذرية الرجل والإهابة بهم إلى تذكر حالة ذريتهم أنفسهم إذا تركوها محرومة ضعيفة وإلى ألّا يقولوا إلّا المعروف الذي ليس فيه حرمان وأذى. ولا تخلو هذه الأقوال من وجاهة. وبخاصة القول الأخير الذي قد يتسق مع نصّ الآية. على أنه يتبادر لنا أن الآية مرتبطة بالتي بعدها التي تنذر آكلي مال اليتيم ظلما حيث تهيب بهم إلى تقوى الله في أفعالهم وأقوالهم والخوف على أولادهم من أن يصيروا أيتاما مهضومي الحقّ مأكولي المال من بعدهم. هذا والآية [٨] جديرة بالتنويه من حيث كونها حاسمة في صدد تثبيت حق النساء خاصة في الإرث لأن هذا الحق لم يكن معترفا به مما فيه توكيد للعناية

стр. 3787

الربانية بالمرأة على اختلاف حالاتها وفي تثبيت هذا الحق تثبيت لأهليتها للتصرف في المال. وتوهين من ناحية ما لما يساق من تطبيق وصف السفهاء عليها في مثل هذا المقام. كذلك فإن الآية [١٠] جديرة بالتنويه أيضا لقوة ما فيها من إنذار وزجر ضد آكلي أموال اليتامى وظالميهم مما كان موضوع عناية القرآن في آيات كثيرة مكية ومدنية. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية أحاديث نبوية عديدة متساوقة مع مدى وهدف الآية وإن لم ترد بنصّها في الصحاح. منها حديث أخرجه ابن مردويه عن أبي برزة قال «قال رسول الله ﷺ يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا قيل يا رسول الله من هم قال الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية» . [سورة النساء (٤) : الآيات ١١ الى ١٤] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) .

стр. 3788

(١) ولد: هذا اللفظ وجمعه في الآيات يعني الذكور والإناث. (٢) الكلالة: تطلق الكلمة على الميت بدون وارث أصلي أو فرعي مباشر أي الذي لا يكون له والد وأم وولد. والكلال هو الإعياء أي الضعف والعجز. كأنما الكلمة استعيرت لبيان عجز الميت وضعفه بفقده الوالد والولد من قبل. وأكثر المفسرين على أن الميت إذا ترك ابن ابن لا يعد موته كلالة «١» . تعليق على الآية يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ والآيات الثلاث التالية لها وشرح إجمالي لأحكام الإرث وتلقينات الآيات عبارة الآية واضحة. وقد احتوت بيان ما اقتضت الحكمة بيانه من الأنصبة المفروضة للرجال والنساء أو الذكور والإناث في إرث الأموات كما يلي: (١) نصيب الذكر هو ضعف نصيب الأنثى. (٢) إذا كان الميت أبا ولم يترك إلّا بنتا فلها نصف تركته. وإن ترك أكثر من بنتين فلهن ثلثاها. (٣) إذا كان للميت والدان وأولاد فلكل من والديه السدس. (٤) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد فلوالده الثلثان ولأمه الثلث. (٥) إذا كان للميت والدان وليس له أولاد وله إخوة فيكون للأم السدس بدلا من الثلث.

стр. 3789

(٦) للزوج نصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد. فإن كان لها ولد فله ربعها. (٧) للزوجات ربع تركة زوجهن إن لم يكن له ولد. فإن كان له ولد فلهن الثمن. (٨) إذا لم يكن للميت والدان ولا أولاد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما سدس التركة وإذا كان الإخوة والأخوات أكثر فهم شركاء في ثلث التركة. (٩) التركة التي تقسم على الورثة هي ما يبقى منها بعد سداد دين الميت وتنفيذ وصيته. وقد انتهت الآية الأولى بفقرة توطيدية لهذا التقسيم. فالناس لا يدرون حقيقة الأنفع لهم من آباء وأبناء ولكن الله أعلم بذلك. وقد أمر بما هو الأصلح لهم وجعله فريضة واجبة التنفيذ. وهو العليم الحكيم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويأمر بما فيه الحكمة والصلاح. وقد انتهت الآية الثانية بالتنبيه على عدم تعمد الإضرار والإجحاف بحقوق أحد. وعلى أن هذا التقسيم هو فريضة الله العليم الحليم الذي يعلم مقتضيات الأمور ويرأف بكل ذي حق ويعامله بمقتضى حلمه. وفي الآيتين الأخيرتين توطيد تعقيبي أيضا: فما تقدم من الأحكام هي حدود الله التي يجب الوقوف عندها وعدم الانحراف عنها والتلاعب فيها. ومن أطاع الله ورسوله والتزم حدود الله كانت له الجنة والفوز العظيم. ومن عصاهما وانحرف عن حدود الله وتجاوزها أدخله الله النار وكان له عنده العذاب المهين. ولقد رويت بعض الأحاديث والروايات في مناسبة نزول الآيات. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال «عادني النبي ﷺ وأبو بكر فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ورشّ عليّ فأفقت فقلت يا رسول الله

стр. 3790

ما تأمرني أن أصنع في مالي؟ فنزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» «١» ومنها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال «كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحبّ فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع» «٢» ومنها حديث رواه أبو داود والترمذي عن جابر قال «جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وإن عمّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال يقضي الله في ذلك فنزلت آيات المواريث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... فبعث رسول الله ﷺ إلى عمّهما فقال أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي هو لك» «٣» ومنها رواية عن السدي قال «كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري- أي البنات- ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلّا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن بن ثابت وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة فأخذوا ماله فشكت امرأته إلى النبي ﷺ فأنزل الله الآيات «٤» . وهذه الأحاديث تقتضي أن تكون الآيات نزلت مجزّأة في مناسبات مختلفة ويلحظ أن بعضها سيق كمناسبة لبعض الآيات السابقة. والذي يتبادر لنا من انسجام الآيات من أول السورة إلى آخر هذه الآيات وتسلسلها سياقا وموضوعا أنها نزلت في ظرف واحد دفعة واحدة أو تباعا لتحتوي ما احتوته من تشريعات وتحذيرات وتحديدات متنوعة متناسبة في صدد حقوق الأيتام واليتيمات وأموالهم وحقوق الزوجات ومهورهن والعدل بينهن وحقوق أصحاب الحق في التركات من رجال ونساء.

стр. 3791

وهذا لا يمنع طبعا أن تكون وقعت مناسبات ورفعت إلى النبي ﷺ شكايات وتظلمات واستفتاءات مما احتوته الأحاديث والروايات فكان ذلك مناسبات لنزول هذه السلسلة التشريعية. ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً وكلمة نَفْعاً حيث قيل إن النفع المذكور هو نفع الدنيا أو نفع الدنيا والدين أو نفع الآخرة وحيث قيل في تأويل الجملة كلها (إن الله قد عين أنصبة الوارثين من الآباء والأبناء بمقتضى حكمته التي يعرف بها ما هو الأنفع للناس ولم يترك ذلك لهم لأنهم لا يدرون أي شيء أنفع فيخطئون في تعيين الأنصبة وتقسيم التركة) وفي هذا سداد كما هو الظاهر. ويلحظ أن في الأحكام شيئا من الاقتضاب والإطلاق والفراغ. مثل إغفال الفقرة الأولى من الآية الأولى ذكر حالة وحقّ البنتين اللتين ترثان وحدهما أباهما، والاكتفاء بذكر حالة وحق بنت واحدة أو نساء فوق اثنتين. ومثل إغفال الفقرة الثانية من نفس الآية ذكر مستحق الباقي إذا كان الوارث والدين وبنتا واحدة حيث ذكر فيها أن الوالدين يأخذان السدسين والبنت النصف. ومثل السكوت عن مستحق السدس الذي ينقص من نصيب الأم إذا كان للوارث أخوة مع الوالدين. ومثل إغفال ذكر مستحق النصف الثاني من تركة الزوجة التي ليس لها ولد، ومستحق الأرباع الثلاثة من تركة الزوج الذي ليس له ولد. ومثل إغفال ذكر مستحق الثلثين الباقيين من تركة من يموت كلالة. وعلى كل حال فالمتبادر أن الآيات احتوت الأسس والأحكام الرئيسية التي اقتضت حكمة التنزيل بيانها. وقد أكملت بعض الآيات والسنن المأثورة النبوية والراشدية بيان وأحكام ما فيها من اقتضاب وإطلاق وفراغ. وصار كل ذلك موضوع أبحاث واستنباطات وتفريعات تكون منه علم واسع وخطير من العلوم الإسلامية الفقهية المعروف بعلم الفرائض. وجملة فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ هي كما هو المتبادر لبيان كون أحكام الإرث

стр. 3792

التي احتوتها الآيات مما رسمه الله وفرضه. وكلمة الفرائض التي سمى بها العلم المذكور آنفا هي جمع فريضة كما هو واضح. وقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على أحكام الإرث في عهد النبي ﷺ حيث جاء في حديث نبوي رواه الترمذي عن أبي هريرة «تعلّموا القرآن والفرائض وعلّموها الناس فإني مقبوض» «١» . ومما جاء في القرآن للتوضيح والتحديد والإتمام وسدّ الفراغ الآية الأخيرة من سورة النساء التي جعلت للأخ جميع تركة أخته المتوفاة كلالة وجعلت للأختين ثلثي تركة أخيهما المتوفى كلالة وجعلت جميع التركة لأخواته وإخوته إذا كانوا أكثر من ذلك على أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى. وقد بدأت الآية بجملة يَسْتَفْتُونَكَ حيث يدل ذلك على أنه وقع التباس في صدد ما احتوته الآية [١٢] من الآيات التي نحن في صددها من حكم إرث الذي يموت كلالة وهو السدس لكل من أخته وأخيه، والثلث إذا كانوا أكثر من ذلك فجاءت الآية الأخيرة من السورة في بيان حكم التوارث بين الإخوة الأشقاء أو الإخوة من أب الذين يورثون كلالة واعتبرت الآية [١٢] في صدد حكم التوارث بين الإخوة من أمّ على ما رواه جمهور المفسرين من طرق عديدة عن أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم وقالوا إن هذا متفق عليه «٢» . ومن ذلك الحالة التي أغفلتها الفقرة الأولى من الآية الأولى إلى الآية [١٠] ونبهنا عليها وهي عدم ذكر حكم البنتين حيث قيست على ما احتوته الآية الأخيرة من سورة النساء بالإضافة إلى الحديث النبوي الذي أوردناه قبل والذي روي فيه أن النبي ﷺ أعطى البنتين ثلثي تركة والدهما. ومن ما جاء في الأحاديث المأثورة أحاديث نبوية منعت التوارث بين المسلمين والكفار. منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أسامة بن

стр. 3793

زيد عن النبي ﷺ قال «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم» «١» وحديث آخر رواه أصحاب السنن جاء فيه «لا يتوارث أهل ملّتين شتى» «٢» ومن ذلك حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه «القاتل لا يرث» «٣» . ومن ذلك حديث رواه الترمذي جاء فيه «أيّما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث» «٤» . ومن ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود عن شرحبيل بن هذيل «أن ابن مسعود سئل عن حقّ بنت وبنت ابن وأخت فقال: أقضي بما قضى النبي ﷺ ، للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وما بقي فللأخت» «٥» حيث يفيد هذا أن بنت الابن المتوفى في حياة أبيه ترث من جدها إن لم يكن له ولد ذكر آخر يحجبها. وقد قيس على ذلك ابن الابن أيضا. وقد روي عن زيد بن ثابت حديث فيه توضيح أكثر لهذه الحالة جاء فيه «أولاد الأبناء بمنزلة الأبناء إذا لم يكن دونهم ابن. ذكرهم كذكرهم. وأنثاهم كأنثاهم. يرثون كما يرثون. ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع وجود ابن ذكر آخر» «٦» وننبه على أن العلماء نبهوا على أن هذا بالنسبة لابن الابن دون ابن البنت لأنه ليس من ذوي عصبة المورث «٧» . ومن ذلك ما روي عن ملاعنة رجل لامرأته ونفيه ولدها عنه حيث روي أن النبي ﷺ ألحق الولد بأمه وحرمه من ميراث الأب الذي نسبته أمه إليه وجعل التوارث بينه وبين أمه وورثتها من بعدها وحسب. وقد ورد هذا في حديث رواه

стр. 3794

البخاري وأبو داود «١» . ومن ذلك حديث رواه البخاري أن النبي ﷺ بعث معاذا معلّما وأميرا على قوم. فسئل عن رجل توفي وترك بنتا وأختا فأعطى كلا منهما النصف وكان ذلك في حياة النبي «٢» . وهذا قد يفيد أنه أفتى بما علم من فتاوى رسول الله. ومن ذلك أحاديث في إرث الجد والجدة حيث روى أصحاب السنن أن النبي قضى لرجل مات ابن ابن له بالسدس. كما رووا أن أبا بكر قضى لجدة بسدس تركة ابن ابن لها وأن عمر قضى للجد مع الإخوة بالثلث وأن النبي جعل للجدة السدس إذا لم تكن دونها أمّ «٣» والمتبادر أن الجد يستحق ذلك إذا كان ابنه ووالد ابنه متوفّى في حياته. ومن ذلك حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي جاء فيه «أنا مولى من لا مولى له. أرث ماله وأفكّ عانه والخال مولى من لا مولى له يرث ماله ويفكّ عانه» «٤» ولفظ رواية الترمذي «الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له» والفقرة الأولى توطد حق بيت المال في تركة من لا وارث له. والفقرة الثانية تجعل الخال وريثا إذا لم يكن للميت وريث من عصبته. ومن ذلك حديث رواه أبو داود والترمذي وحسّنه عن عائشة قالت «إن مولى للنبي ﷺ مات وترك شيئا ولم يدع ولدا ولا حميما فقال هاهنا أحد من أهل أرضه قالوا نعم قال فاعطوه ميراثه» «٥» ومن ذلك حديث رواه الخمسة في صدد ميراث

стр. 3795

رسول الله ﷺ خاصة عن أبي بكر ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال. وفي رواية لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة» «١» . ومن ذلك حديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن علي بن أبي طالب قال «إنكم تقرءون هذه الآية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وإن رسول الله قضى بالدين قبل الوصية. وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلّات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» «٢» والشطر الأول من هذا الحديث يزيل الإشكال في تقديم الوصية على الدين في النص القرآني. وهذا هو الحق العدل لأن الوصية هبة وتبرع من مال الواهب المتبرع والدين ليس ماله. وإنما هو مال غيره ولا يكون ما يتركه بعد موته مالا خالصا له إلا بعد إخراج ما ليس ماله. والحديث بالتالي يسوغ القول إن النّص القرآني ليس لترتيب أولوية وإنما هو أسلوبي وحسب. وفي الشطر الثاني من الحديث توضيح لمدى التوارث بين الأخوة وفي حالة موت الكلالة فالتركة يرثها في الدرجة الأولى الأخوة الأشقاء ذكورا وإناثا فإذا لم يكن له إخوة أشقاء فيرثه أخوته لأبيه. وننبه على أن هذا الشطر يجب أن يكون موضحا لآية النساء الأخيرة في الكلالة لأنها نزلت لأجل الأخوة من أب أو من أب وأمّ. أما إذا كان لميت الكلالة أخ أو أخت لأمه فيكون لكل منهما السدس وإن كانوا أكثر فللجميع الثلث حسب نصّ الآية [١٢] التي قلنا إن الفقهاء والمؤولين متفقون على أنها لأجل نصيب الأخوة من أم من ميت الكلالة. والمتفق عليه أن الأشقاء أو الأخوة من أب لا يحجبون نصيب الأخوة من أم إذا كان لميت الكلالة أخوة من أم وأخوة لأب وأم أو لأب. فهؤلاء يأخذون نصيبهم وفق آية النساء الأخيرة على ما سوف يأتي شرحها ووفق الشطر الثاني من الحديث الأخير بعد إخراج نصيب الأخوة من أم لأن هذا النصيب مفروض قرآنا.

стр. 3796

ولقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي حديثا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» «١» حيث يفيد هذا الحديث أن البواقي من تقسيم التركة حسب أحكام الآيات يعطي للأقرب فالأقرب إلى المتوفى من عصبته الذكور فقط الأخوة فأبناء الأخوة فالأعمام فأبناء الأعمام إلخ وأن الخال يأتي إذا لم يكن له عصبة ذكور. وهناك اصطلاح يستعمله علماء الفرائض، وهو الحجب ويريدون به القول بأن وجود طبقة من القرابة يحجب طبقة أخرى يحق لها أن ترث لو لم تكن الأولى موجودة. وقد جعلوا الحجب نوعين حجب نقصان وحجب حرمان. فمن الأول أن الولد يحجب الزوج من نصف تركة زوجته إلى الربع والزوجة من ربع تركة زوجها إلى الثمن. ويحجب الأب من الثلثين والأم من الثلث إلى السدس لكل منهما. والأخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس إذا لم يكن للميت ولد وورثه أبواه. ومن الثاني سقوط حق الأخوة للأم وأولاد الأم بالأب والجد وبالولد وولد الابن وسقوط حق الأخوة للأم والأب بالأب والأم والابن وابن الابن ... وبمناسبة الحجب ننبه على أننا لم نطلع على أثر نبوي عن مدى كلمة إِخْوَةٌ في جملة فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ في الآية الأولى. وفي هذه الجملة مسألتان، الأولى مسألة عدد الأخوة الذين يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. والثانية مسألة السدس الذي ينقص من نصيب الأم. ففي المسألة الأولى روى المفسرون عن بعض أصحاب رسول الله والتابعين قولين: أحدهما أن العدد الحاجب هو ثلاثة على الأقل أخذا بمدى جمع (إخوة) وثانيهما اثنان أخذا بجواز استعمال صيغة الجمع للاثنين. والجمهور على ما يستفاد من أقوال المفسرين هو على القول الثاني ويكون الأخ الواحد أو الأخت الواحدة غير حاجب. ويرد على بالنا خاطر وهو أي كلمة (الإخوة) للجنس فإذا صحّ هذا فيكون وجود أخ أو أخت فقط حاجبا أيضا والله تعالى أعلم. وفي المسألة الثانية الجمهور على أن

стр. 3797

السدس الذي ينقص من الأم يعود إلى الأب لأنه أولي ذكر في العصبة دون الإخوة. ونكتفي بما تقدم «١» وفيه سداد للفراغ والاقتضاب والإطلاق الملحوظ في الآيات دون تبسط في التفريعات والاصطلاحات والاستنباطات والتطبيقات لأنه خارج عن منهج التفسير. هذا، ومما يحسن لفت النظر إليه أن هذه الأحكام قد غيرت وعدلت ما كان جاريا قبل نزولها في أمر الميراث مما كان فيه تموج وجنف. فقد كان حق الآباء والأقربين حائرا أو غير ثابت حتى لقد اقتضت حكمة التنزيل التعجيل بالأمر بوجوب الوصية للوالدين والأقربين في آيات سورة البقرة [١٨٠- ١٨٢] وكان كذلك حق الإناث في مختلف حالاتهن أمهات كنّ أو بنات أو بنات أو زوجات أو أخوات حائرا غير ثابت وعرضة للتهضم والإنكار. فثبتت الآيات حق الوالدين وحق المرأة في جميع حالاتها وحق الأقربين على أساس الأقرب فالأقرب عصبة بقطع النظر عن كونهم ذكورا وإناثا وصغارا وكبارا وضعفاء وأقوياء وليس فيها غبن ولا إجحاف في حق أحد. ونريد أن نخصّ مسألة نصيب الأنثى في هذا المقام بكلمة لأن الأغيار غمزوا الشريعة الإسلامية بسبب جعلها نصيب الذكر ضعف نصيبها. مع أن الحكمة في ذلك ظاهرة بليغة وفيه كل الحق والإنصاف بل وربما كان فيه الإحسان الذي يفوق العدل. فالأنثى في غالب أحوالها مضمونة النفقة من ابنها أو أبيها أو زوجها بل أو أخيها. وحينما لا تكون كذلك فإنها لا تكون في الغالب مكلفة بغير نفسها. وذلك بعكس الذكر المكلف دائما بالإنفاق عليها وعلى أسرته مما هو مشاهد وممارس في مختلف الأدوار والبيئات دون استثناء. فإذا أضيف إلى هذا أن القرآن قد اهتمّ اهتماما عظيما بتثبيت حقها الذي كان ضائعا أو حائرا وحماها من الظلم والإجحاف ظهر أن في الغمز أو النقد قلبا للحقيقة وغضا لمزايا الشريعة الإسلامية

стр. 3798

على طول الخط. ومهما تطورت البشرية فلن يأتي طور فيما نعتقد تنعكس فيه الحالة ويكون الرجل عالة على المرأة أو تكون المرأة هي المنفقة على الأسرة دونه في الأعم الأغلب. وكل ما يحتمل أن يكون أن طوائف من النساء يعوّلن على كسبهن في معيشتهن فتقل رغبتهن في التقيد بقيد الزواج أو يطرأ على زوج مانع قاهر من صحة وظرف فتبذل الزوجة جهدها في الكسب للإنفاق على الأسرة أو للمشاركة في الإنفاق. وهذا لن يغير ما قررناه ويخفف من مسؤولية وأعباء نفقة الأسرة والمرأة عن ظهر الرجل. وواضح من هذا الشرح أن عدم تسوية المرأة بالرجل في الميراث ليس من شأنه أن يخل بما قرره الله ورسوله لها من أهلية تامة ومركز متساو مع الرجل في مختلف المجالات الأخرى. كذلك نريد أن نلفت النظر إلى ما في الأمر باحترام وصية المرأة المورثة المتوفاة وتنفيذها وتسديد ديونها من دلالة على ما وطده القرآن من شخصية المرأة وحقوقها وأهليتها التصرفية المدنية والمالية على قدم المساواة مع الرجل. فهي ترث كما يرث، وتوصي كما يوصي، وتستدين كما يستدين، وتمتلك كما يمتلك استقلالا عنه مما كان في الوقت الذي نزل فيه القرآن مفقودا كل الفقد في سائر أنحاء العالم المتحضر فضلا عن غيره، وظل كذلك بمقياس واسع بعده إلى أمد قريب. بل ما يزال بعض الأمم المتحضرة لم تحققه! ولقد عدّ جمهور العلماء والمفسرين أن الآيات قد نسخت أحكام آيات الوصية الواردة في سورة البقرة التي أشرنا إليها قبل قليل بالنسبة للذين جعلت لهم نصيبا مفروضا من تركة أمواتهم أي الوالدين والأقربين الأدنين وجاء الحديث النبوي «لا وصية لوارث» «١» مؤيدا لذلك وبقي حكم وجوب الوصية بالنسبة لمن ليس له نصيب محكما وهذا صواب. وقد نبهنا عليه في سياق شرح آيات البقرة المذكورة. والحديث المذكور وتوكيد وجوب تنفيذ وصية الميت في هذه الآيات دليل على بقاء وجوب الوصية لمن ليس له نصيب محكما. ولقد حددت السنة

стр. 3799

النطاق الذي يجب أن لا تتعداه الوصية. وقد شرحنا ذلك وأوردنا ما في صدده من أحاديث في سياق شرح آيات البقرة فلا نرى محلا للزيادة أو الإعادة. وتكرار توكيد وجوب تنفيذ وصية المورث وتسديد ديونه وتقديم ذلك على حقوق الوارثين ذو مغزى خطير بما فيه من الاتساق مع مقتضيات الحق والإنصاف والبرّ والإحسان التي قررها القرآن في مختلف المناسبات. وهو في أصله طبيعي لأن الديون والوصايا حقوق ثابتة في التركة للغير. والوارث إنما يحق له ما يفضل من تركة الميت بعدها. وتعبير غَيْرَ مُضَارٍّ مطلق. ومع أنه جاء في الآية الثانية فقط فإن إطلاقه قد يسوغ القول بأنه شامل لما جاء في هذه الآية وفي الآية الأولى معا. وإطلاقه يسوغ القول كذلك أن ما انطوى فيه من النهي عن المضارة موجه للمورث حين يستدين وحين يوصي وللورثة حين يقتسمون التركة وينفذون الوصية ويسددون الدين. وإن مما يشمله الأمر أن لا يتعمد المورث الإضرار بورثته في المبالغة في المنح والاستغراق في الدين. وأن لا ينسى في الوقت نفسه الوصية لأولي القربى واليتامى والمساكين. وأن لا يتعنت الورثة في أداء ما على التركة من حقوق للغير أي ديون ووصايا. ولا في إعطاء كل ذي حقّ حقّه من الورثة حسب أحكام الآيات وسنة الرسول. وتلقين هذا التعبير بهذا الشرح جليل متصل بمبادىء العدل والإنصاف والبرّ القرآنية ومستمر المدى كما هو واضح. ولقد روى الطبري بطرقه عن ابن عباس عن النبي ﷺ حديثا جاء فيه «قال النبي ﷺ الضرار في الوصية من الكبائر» وروى هذا الحديث من طرق أخرى غير منسوب إلى النبي ﷺ وكأنه من أقوال ابن عباس وبصيغ أخرى منها «الضرار والحيف من الكبائر» . وأورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال «قال رسول الله ﷺ إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشرّ عمله فيدخله النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل

стр. 3800

النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ثم قال أبو هريرة اقرأوا إذا شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله عَذابٌ مُهِينٌ» . وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها. وهناك حديث من باب الحديث الأخير رواه الترمذي وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة جاء فيه «قال رسول الله ﷺ إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» «١» . وفي الأحاديث تلقين متساوق مع التلقين القرآني كما هو ظاهر. والآيات [١٣ و ١٤] من الآيات التي نحن في صددها قويتا الأسلوب في صدد توطيد الأحكام والأوامر التي احتوتها آيات المواريث. ففي التزامها طاعة لله وفي عصيانها عصيان لله وتعدّ على حدوده. وقد جعلت الآية [١٤] عقوبة الخلود في النار لمن يتجاوز أحكام الله ويحتال عليها مستحلا لذلك. وهذا إنذار رهيب هدف فيما هدف إليه جعل المسلمين يتقون الله ولا يقدمون على مخالفة أحكامه وتجاوزها. وبعض المسلمين يعمدون إلى اختصاص بعض الورثة بشيء من أموالهم المنقولة وغير المنقولة في حياتهم فيسلمونهم الأموال المنقولة ويسجلون عليهم الأموال غير المنقولة. والذي يتبادر لنا أن هذا احتيال على حدود الله وأحكامه ويدخل في نطاق المضارة المنهي عنها والإنذار الرباني الرهيب. وهناك حديث نبوي في هذا الصدد بالذات رواه الخمسة عن النعمان بن بشير قال «انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله اشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي. فقال له أكلّ بنيك قد نحلت مثل هذا قال لا. قال فأشهد على هذا غيري. ثم قال أيسرّك أن يكونوا في البرّ إليك سواء. قال بلى. قال فلا إذا. وفي رواية أنه قال اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم» «٢» . وهناك حديث نبوي عام ومبدئي رواه مسلم وأبو داود عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى» «٣» .

стр. 3801

استطراد إلى الوقف ويدخل في ما تقدم فيما يتبادر لنا ما يعمد إليه بعض أصحاب الأملاك من وقف أملاكهم في حياتهم بقصد حرمان بناتهم المتزوجات من الغير أو حرمان بعض فئات من الورثة الذين جعلت الآيات لهم نصيبا مفروضا في تركات أمواتهم ومعلوم أن الذين يفعلون ذلك من أصحاب الأملاك لتحقيق تلك المقاصد يجعلون مصير هذه الأملاك أو بعض ريعها إلى جهة من جهات البرّ مستندين في ذلك إلى ما أساغته السنة النبوية من الوقف الخيري حيث روى الخمسة في هذا حديثا عن ابن عمر قال «أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فماذا تأمرني به. قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب ويكون ثمرها للفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. ولا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه» «١» وهذا العمل مما يصح أن يحتذي به أصحاب الأملاك ويشجعون عليه من دون ريب. ولكن استناد الذين يوقفون أملاكهم للمقاصد المذكورة سابقا ويغطونها بتخصيص شيء من ريعها أو بجعل مصيرها للخير غير مستقيم. وإنما هو أسلوب احتيالي على أحكام كتاب الله ورسوله. وقد عرف هذا النوع بالوقف الذري. وحتى لو كان توزيع ما يخصص من ريعه وفق الأنصبة الشرعية لما ساغ الاستناد فيه إلى ما فعله عمر بأمر رسول الله وتسويغه. ويظل يعتبر بدعة سيئة، وحسنا فعلت بعض الحكومات الإسلامية حينما تنبهت له ومنعته وحلت الموجود منه لمخالفته لروح التشريع من جهة ولأضرار عديدة تحققت به من جهة أخرى. وفي صدد الوقف الخيري البحت نرى أن ننبه على أمر، وهو وقف امرئ لجميع أملاكه للخير إذا كان له ورثة شرعيون. ونادرا ما يكون أحد لا يكون له ورثة شرعيون مهما كانت درجة صلتهم به.

стр. 3802

ويتبادر لنا أن ذلك لا يسوغ بوجود ورثة شرعيين مهما كانوا. وأنه يصح بل يجب ملاحظة الحديث النبوي الذي أوردناه في سياق آيات الوصية في سورة البقرة والذي يجعل الثلث هو الحد الأقصى للوصية في هذه الحالة. والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥ الى ١٨] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) . (١) الفاحشة: هنا بمعنى الزنا على قول الجمهور وهو ما تلهمه الآية أيضا. (٢) اللذان: الكلمة جمع مذكر في مقام اللذين على قول الجمهور. احتوت الآيتان الأوليان تشريعا بحق الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال وهي الزنا على تأويل جمهور المفسرين: (١) فإذا اقترفت النساء الفاحشة وشهد أربعة من المسلمين على ذلك حين استشهادهم فوجب حبسهن في البيوت إلى أن يمتن أو يأمر الله في شأنهن أمرا ويجعل لهن سبيلا وفكاكا بصورة ما. (٢) أما الرجال الذين يقترفون الفاحشة فوجب أذيتهم. فإذا تابوا وأصلحوا تركوا وشأنهم. فإن الله تواب رحيم يقبل التوبة من التائبين ويشملهم برحمته. أما الآيتان الأخريان فإنهما جاءتا استطراديتين في صدد التوبة لتقررا أن الله

стр. 3803

إنما يعد بقبول توبة الذين يقترفون الذنوب بسائق الجهل والطيش ثم يستشعرون حالا بخطائهم فيسارعون إلى التوبة قبل فوات الوقت. فهؤلاء هم الذين يتوب عليهم الله. أما الذين يظلون يرتكبون الآثام والموبقات بدون مبالاة إلى أن يحضرهم الموت ثم يستشعرون بالحسرة فيقولون تبنا أو الذين يموتون وهم كفار فلا توبة لهم ولهم عذاب أليم عند الله. ولقد شرحنا الآية [١٦] على اعتبار أن وَالَّذانِ جمع مذكر على ما عليه الجمهور والمأثور من اللغة يسمح به. وقد ذكر النساء في الآية [١٥] فصار من السائغ أن تكون الكلمة قد قصدت الرجال للمقابلة. ويكون على هذا تثنية فَآذُوهُما وفَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما هي للتساوق وحسب. على أن هناك من يقول إن الآية [١٥] هي بحق النساء الثيبات والمتزوجات وأن الآية [١٦] هي بحق الأبكار من الرجال والنساء على السواء. وهناك من يقول: إن الآية [١٦] تعني لواط الذكر بالذكر «١» . ولقد أورد الذين قالوا هذه الأحاديث النبوية الواردة في عقوبة جريمة اللواط والتي منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» «٢» ويلحظ أن الحديث عين عقوبة أشد من العقوبة التي عينتها الآية التي نحن في صددها والتي هي الخطوة التشريعية الأولى لمرتكبي الفاحشة. وهذا يجعلنا نرجح أن الحديث قد صدر في ظرف الخطوة التشريعية الثانية التي عينت عقوبة شديدة على الزنا على ما سوف نشرحه في سياق تفسير سورة النور بحيث يسوغ القول إن إيراد الحديث للتدليل على أن كلمة (اللذان) قد قصد بها لواط الذكر بالذكر في غير محله. ونحن نرجح أن هذه الكلمة في مقامها هي جمع مذكر على ما شرحناه قبل. والله تعالى أعلم.

стр. 3804

تعليق على الآية وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ والآيات الثلاث التالية لها ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع. وأنها نزلت بعدها. ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان [٦٨- ٦٩] والإسراء [٣٢] . وهو الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي. فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني. ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى. وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة. ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة وَالَّذانِ على ما رجحناه على جملة فَآذُوهُما وبالنسبة للنساء على جملة فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره إن فَآذُوهُما بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ. وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال «١» . وهذا مما يتسق مع روح الآيات. مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة. في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل

стр. 3805

والمرأة أو ظروفهما في ذلك الوقت من حيث إن الرجل مضطر إلى السعي والارتزاق فاكتفي في عقوبته بالضرب والتعزير ولم تكن المرأة في مثل هذا الاضطرار فعوقبت بالحبس حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا. ولقد روى المفسرون في سياق الآية حديثا عن عبادة بن الصامت قال «كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب وتغير لذلك وجهه. فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة. ورجم بالحجارة والبكر جلد ثم نفي سنة» «١» ومن المحتمل أن يكون الحديث النبوي صدر على أثر نزول آيات سورة النور التي فيها تشريع جلد مائة للزاني والزانية. وجمهور المفسرين والعلماء «٢» على أن الخطوة الثانية في سورة النور والأحاديث النبوية نسخت الآيات التي نحن في صددها. ويلحظ أولا أن في الخطوة الثانية تحديدا وتشديدا للعقوبة وهذا أحرى أن يسمى تعديلا لا نسخا. ويلحظ ثانيا أن استشهاد أربعة شهود ظل محكما في الخطوة الثانية. ولقد استند بعضهم إلى الآية الثانية فقال إن مرتكب الفاحشة إذا تاب تسقط عنه العقوبة. والعقوبة المعينة في الآية هي كما قلنا الخطوة الأولى ثم جاءت آيات سورة النور والأحاديث فنسختها وصارت هذه المحكمة لأنها تنصّ على وجوب اتباع الحدّ على الزاني والزانية بدون رأفة وبدون استدراك بحيث يكون ذلك القول غير سليم. وعدم سلامة القول يلمح أيضا من نصّ الآية الثانية حتى بقطع النظر عن أمر نسخها بآيات النور. فهي تأمر بأذية مرتكبي الفاحشة ثم الإعراض عنهما إذا تابا وأصلحا وهذا من نوع توبة من يرمي المحصنات ولم يأت بأربعة شهداء التي ذكرت في آيات سورة النور [٤ و ٥] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ

стр. 3806

جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ومرتكب الفاحشة يكون قد أثم من ناحيتين من ناحية مخالفته لله وارتكابه ما حرّمه ومن ناحية عدوانه على عرض آخر. فعليه الحدّ لهذا وإذا تاب فيحظى بعفو الله عن ذلك. وهناك بعض الأحاديث في هذا الصدد سنوردها ونعلق عليها في سياق شرح آيات النور «١» . وجملة فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ... لا تفيد فيما يتبادر لنا معنى الشهادة العيانية لجريمة الزنا فقط بل تفيد معنى الشهادة العلمية الخبرية أيضا بل قد تفيد هذه الشهادة في الدرجة الأولى إذا أمعن فيها. فكأنما تقول والله أعلم (إذا علمتم أن امرأة ترتكب الفاحشة فاسألوا عن سيرتها فإن شهد أربعة من المسلمين بذلك فامسكوها في البيت ... ) ومع أن الجمهور «٢» على أن الشهادة التي يثبت بها الزنا هي الشهادة العيانية أي رؤية العملية الجنسية الجريمة ومشاهدتها بدون استنتاج ولا تخمين ولا بناء على الروايات والشائعات والمعرفة الصادقة فإنّ نصّ العبارة القرآنية يجعلنا نشك في صواب ذلك ونصرّ على القول إن المقصود هو الشهادة العلمية. فالنص يأمر باستشهاد أربعة من المسلمين إطلاقا إذا ما عرف أن امرأة أتت فاحشة. وهذا إنما يكون بعد أن يعزى إليها ذلك ويعني بالتالي أنه شهادة علم وليس شهادة عيان. ولم نطلع على حديث نبوي صريح في ذلك. والحوادث التي روي أن النبي ﷺ أقام الحد فيها على الزناة كانت بناء على اعتراف أصحابها «٣» . وقد عبّر الحديث الذي

стр. 3807

يرويه ابن عباس والذي أشرنا إليه آنفا عن هذه الشهادة بجملة «إذا قامت البينة» . وهذا لا يفيد صراحة بأنها بينة عيانية. وقد يقال إن من الممكن أن يكون المقصود أنه حينما يعزى إلى امرأة عمل الفاحشة يطلب من المسلمين رصدها فإذا رآها أربعة منهم ترتكب الفاحشة عيانا شهدوا وإذا صحّ هذا الفرض برغم ما يبدو عليه من تكلف فإثبات الزنا يزداد صعوبة ويكون ذلك من حكمة إناطته بشهادة عيانية من أربعة من المسلمين حتى لا تهتك أعراض النساء بشهادات علمية وخبرية وقليلة والله تعالى أعلم. ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة النور حديثا عزاه إلى البخاري جاء فيه «إنّ عمر بن الخطاب ﵁ جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة والي الكوفة بالزنا لما شهدوا بأنهم رأوه مستبطنا المرأة لأن الشاهد الرابع وهو زياد لم يشهد بشهادتهم» ويتبادر لنا أن الذين جعلوا الشهادة التي يثبت بها الزنا عيانية قد استندوا إلى هذا الحديث. والذي يتبادر لنا أن هذا الحديث إذا صح هو في صدد حادثة معينة وليس في صدد مبدأ تحديد كيفية الشهادة بإثبات الزنا. هذا مع قولنا إن من المستبعد أن يكون الشهود الأربعة المذكورون في الحديث قد رأوا العملية صدفة وأنهم لا بدّ من أن يكونوا قد علموا بها مسبقا فترصدوها حتى شاهدوها. وننبه على أن جلد عمر للثلاثة المروي في الحديث مستند إلى آية في سورة النور وهي وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ... [٤] وسنزيد الآية شرحا في مناسبتها. ومهما يكن من أمر هذه النقطة فإن الحكمة في جعل عدد الشهود لإثبات جريمة الزنا بالشهادة أربعة ظاهرة بليغة. وبخاصة على ضوء ما يذهب إليه الجمهور من أنها يجب أن تكون عيانية. فهذه الجريمة من شأنها دائما أن تهزّ كيان الأسر وتثير الارتباك والهياج في المجتمع وتؤدي إلى عواقب وخيمة في ظروف كثيرة. والتشدد في إثبات وقوعها يحول دون كل ذلك. أما إذا شهد أربعة شهود عيان فمعنى ذلك أن المجرمين استهتروا استهتارا بشعا بمصلحة المجتمع وسلامة الأعراض بجريمتهم ويصبح إعلان الجريمة والتنكيل بمرتكبيها من مصلحة الجمهور.

стр. 3808

وكلمة (منكم) تفيد كما هو المتبادر وجوب كون الشهود الأربعة التي تثبت بشهادتهم جريمة الزنا من المسلمين. ولهذا فيما يتبادر مغزى بعيد المدى في الظرف الذي نزلت فيه الآية وفي كل ظرف معا. فالمفروض أن المؤمن المسلم يعرف خطورة إثم شهادة الزور وضرر إشاعة الفاحشة بين المسلمين ويعرف أن مصلحة المجتمع الإسلامي هي مصلحته. فلا يقدم على شهادة من هذا النوع في حق أخيه المسلم إلّا إذا كان على يقين منها بحيث يعتقد أنه مؤاخذ عند الله إذا كتمها في حين أن هذا لا يكون مؤكدا من غير المسلم في حق المسلم. وكلمة (منكم) تحتمل أن تشتمل الرجال والنساء معا. غير أن الجمهور على حصر حق الشهادة في الحدود بخاصة في الرجال. ولم نطلع في صدد ذلك على حديث نبوي صحيح. وإنما رأينا الإمام رشيد رضا يذكر في سياق تفسير الآية أن الزهري- وهو من علماء الحديث من التابعين- قال: (مضت السنّة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود) ونحن في حيرة من هذا. فقد تذهب الجريمة بدون عقاب إذا توقف إثباتها على شهادة امرأة مسلمة. هذا إلى أن فرصة النساء لمشاهدة مثل هذه الجريمة أكثر سنوحا من الرجال كما هو المتبادر، ولقد قلنا إننا لم نطلع على حديث نبوي صحيح. وهناك حديث رواه أبو داود والترمذي يصح أن يورد لأن فيه تأييدا لتحفظنا. حيث رويا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه «أن النبي ﷺ ردّ شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه وردّ شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم وفي رواية لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية» «١» فهذا الحديث مطلق. ويفيد أن كل من يكون متصفا بالصفات المذكورة سائغ الشهادة مطلقا في الحدود وغير الحدود معا وسواء أكان رجلا أو امرأة. والله تعالى أعلم. والجملة التي نحن في صددها قد جاءت في الآية التي فيها النساء. غير أنها

стр. 3809

شاملة للرجال الذين يأتون الفاحشة أيضا المذكورين في الآية التالية لها على ما هو المتبادر من حيث إن العقوبة المترتبة عليهم لا توقع إلّا بعد ثبوت جريمتهم بالطرق التي تثبت جريمة النساء. باستثناء الحبل بطبيعة الحال. أي بالشهادة التي عبر عنها في حديث ابن عباس بالبينة أيضا أو الاعتراف. وجملة فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما تفيد كما هو المتبادر أمرا بالكف عن أذاهما إذا أظهرا الندم والتوبة والصلاح. وهذا شرط قبول توبة التائب على ما جاء في آيات عديدة وشرحناه شرحا وافيا في سياق تفسير سورة الفرقان. ولعل كلمة وَأَصْلَحا بخاصة تنطوي في مقامها على إيجاب تلافي نتائج الفاحشة مما قد يدخل فيه التعويض والزواج. والله أعلم. وفي الآيتين [١٧- ١٨] اللتين جاءتا استطراديتين في صدد التوبة زيادة مهمة جديرة بالتنويه حيث توجب على المذنبين الإسراع في التوبة والصدق فيها وتنبه على أن تأخير التوبة إلى ساعة الموت يجعلها غير مقبولة عند الله. وفي هذا ما فيه من التلقين البليغ. فالتوبة إنما فتح بابها للناس حتى يندموا ويرعووا ويصلحوا ما أفسدوا وهم في متسع من حياتهم ومتعة من صحتهم وعمرهم. هذا، وجملة فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً وجملة فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وجملة فَآذُوهُما وجملة فَأَعْرِضُوا عَنْهُما وإن تكن موجهة للمسلمين فالمتبادر أن محل توجيهها في الدرجة الأولى هو أولو الأمر والشأن والحكم والسلطان منهم. وقد ذكر ذلك المفسر الخازن فيما ذكره في صدد ذلك. وهو حق لأنهم هم الذين يؤهلهم مركزهم واحترام الناس لأوامرهم ونواهيهم لاستشهاد الشهود والحكم بحبس النساء في البيوت وضرب الرجال وتعزيرهم. وهذا يعني بالتبعية أن هذه الأمور منوطة في الدرجة الأولى بهم وأن من واجب المسلمين رفعها إليهم. وعدم التصرف فيها مباشرة لما يؤدي إليه ذلك من فوضى وأخطاء وأهواء. هذا ولقد رأى المعتزلة في جملة إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ تأييدا لمذهبهم بأنه

стр. 3810

يجب على الله الأصلح لعباده «١» . وهذا تعبير مناف للأدب نحو الله لا يليق استعماله على ما نبهنا عليه في مناسبة سابقة أيضا. والمتبادر أن الجملة أسلوبية يقصد بها بيان كون الله تعالى إنما يتوب على الذين يعملون السيئات بجهالة ثم يتوبون من قريب. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٩ الى ٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) . عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت: (١) نهيا للمسلمين عن إمساك الزوجات مع الكراهية والبغض بقصد الكيد والإعنات وابتزاز أموالهن من مهور وغيرها. (٢) وأمرا لهم بمعاشرتهن بالحسنى والمعروف وتحملهن حتى في حال الشعور بكرههن. فليس كل ما يكرهه المرء شرا حقا. وقد يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا. (٣) وتحذيرا لهم في حال اعتزامهم على تركهن للتزوج بغيرهن ألا يأخذوا شيئا مما أعطوهن مهما كان كثيرا. ففي ذلك إثم وظلم كبيران بعد ما كان بينهما ما كان من صلة الزوجية العظمى والميثاق والعهد الذي تم به التراضي. (٤) واستثناء لحالة صدور فاحشة ثابتة منهن. فهذه حالة استثنائية خطيرة قد تسوغ للزوج الكره والفراق ومحاولة استرداد ما أعطاه كله أو بعضه.

стр. 3811

تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ... إلخ والآيتين التاليتين لها وما فيها من تلقينات ولقد روى البخاري عن ابن عباس أنه قال «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحقّ بها من أهلها فنزلت الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ» «١» . وهناك روايات أخرى يرويها الطبري وغيره ذكر في بعضها أسماء وأحداث معينة وفي بعضها أن ابن الزوج وأقاربه كانوا يمسكون الزوجة إذا توفي زوجها حتى تفتدي نفسها برد المهر وفي بعضها أنهم كانوا يلقون عليها ثوبا كإعلان بأنهم سيمسكونها عندهم. وفي بعضها أن أهل ابن الزوج يفعلون ذلك إذا كان هذا الابن صغيرا حتى يكبر فيمسكها أو يتركها. وأن الآية الأولى نزلت في منع هذه العادات المجحفة. ويلحظ أن الفقرة الأخيرة من الآية الأولى تنطوي على قرينة حاسمة على أن الخطاب فيها موجه للأزواج في صدد معاملتهم لزوجاتهم حيث يجعل ذلك رواية نزولها بسبب عادة إمساك ابن الزوج أو أقاربه لزوجة الأب لأنفسهم أو لأخذ الفدية منها غريبة. وقد يكون تعبير لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً من ما سوغ للمؤولين ولابن عباس ما قالوه كسبب لنزول الآية. ولقد رأينا الزمخشري يؤولها تأويلا وجيها متسقا مع ملاحظتنا وهو (لا يحلّ لكم أن تمسكوا زوجاتكم على كراهيتكم لهن حتى يمتن عندكم بقصد أن ترثوهن) وقد يكون من القرائن على أن الآية في صدد معاملة الأزواج لزوجاتهم ورود نهي عن نكاح زوجات الآباء في آية

стр. 3812

مستقلة تأتي بعد الآيات التي نحن في صددها. ونرجح أن الروايات المساقة هي في صدد هذه الآية وأن سوقها في صدد الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من قبيل الالتباس. والذي يتبادر لنا أن الآيات نزلت في مناسبة شكوى رفعها بعض الزوجات إلى النبي ﷺ في حق أزواجهن بسبب ما بدا من بعض المحاولات والمواقف التي تضمنتها الآية الأولى والله أعلم. ومع أن الآيات تبدو فصلا مستقلا فإن موضوعها متصل بموضوع النساء وحمايتهن وحقوقهن مما احتوت الآيات السابقة توطيده حتى ليصح أن يقال إنها استمرار لها. ومن المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها إن لم تكن نزلت معها فوضعت بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية. ولد سبقت وصايا ونواه وتحذيرات مماثلة في الآيات (٢٢٢- ٢٤٧) من سورة البقرة مما يؤكد ما كان يلقاه الزوجات من أزواجهن من المكايدة والأذى وما كان يعمد إليه الأزواج من أساليب لابتزاز أموالهن فاقتضت الحكمة مواصلة توكيد النواهي والتحذيرات للقضاء على هذه التصرفات المكروهة المتناقضة مع الحق والعدل والواجب والعهد الزوجي. وأسلوب الآيات هنا قوي رائع حقا. ينطوي على أبلغ التلقين وأروع العظة في حماية الزوجات وتعظيم شأن الصلة الزوجية ووجوب حسن معاشرتهن ومعاملتهن، وحمل النفس على ما تكره في هذا السبيل، والتعفف عن أموالهن ولو كانوا هم الذين أعطوها لهن لأنها صارت حقهن، وعدم التسرع في التخلي عنهن وتطليقهن. فإذا أضيف إليها ما احتوته الآيات العديدة الأخرى المكية والمدنية من مثل ذلك وفي صدده وقد مرّ منها أمثلة كثيرة بدا الأمر فذّا بالنسبة لجميع الشرائع، وصار من خصوصيات القرآن والشريعة الإسلامية ومرشحاتها للخلود والشمول. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا مقتطعا من حديث خطبة حجة وداع رسول الله رواه مسلم وأبو داود جاء فيه «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن

стр. 3813

بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «١» وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ قال «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبرّ بهنّ، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر» «٢» . وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر. مسألة المغالاة في المهور ولقد روى المفسرون في سياق الآية [٢٠] أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس في خلافته فقال «ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان الصداق في عهد النبي وأصحابه أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان في الإكثار تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم» . ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل الله؟ قال وأي ذلك؟ فقالت: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب- وفي رواية- فمن طابت نفسه فليفعل» «٣» . ورووا روايات أخرى من بابها جاء في إحداها أن عمر بن الخطاب قال: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت

стр. 3814

امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته «١» . وجاء في إحداها أن عمر قال «لا تزيدوا في مهور النساء، فقالت امرأة ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت إن الله قال وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ» «٢» وجاء في إحداها أن عمر قال لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من الفضة فمن زاد جعلت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة ما ذاك لك: قال لم؟ قالت إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال امرأة أصابت وأخطأ عمر «٣» . وهذه الروايات لم ترد في الصحاح وقد روى أصحاب السنن حديثا فيه نهي من عمر عن المغالاة في المهور فقط عن أبي العجفاء قال «خطبنا عمر فقال ألا لا تغالوا بصداق النساء فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ . ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية» «٤» . على أن عدم ورود قصة اعتراض إحدى النساء على عمر في هذا الحديث لا يمنع أن تكون روايته المروية بصيغ وطرق عديدة صحيحة. ولئن صحت فيكون فيه صورة رائعة عن العهد الراشدي. منها نباهة المرأة العربية وقدرتها على استنباط الأحكام من القرآن. وجرأتها على الدفاع عن حقوقها. وإقرار الرجال وفي

стр. 3815

مقدمتهم الخليفة بذلك ومنها تراجع الخليفة عن وصية وصاها حينما نبهته المرأة إلى احتمال مخالفة الوصية للتلقين القرآني. والمتبادر أن إيعاز عمر كان اجتهادا منه فيه مصلحة للمسلمين. وهناك حديث رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ جاء فيه «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» «١» وحديث ثان رواه أحمد والحاكم والبيهقي جاء فيه «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها» «٢» ومن المحتمل أن يكون عمر قد استأنس بهذه الأحاديث وأمثالها في إيعازه. وفي سورة النور آية تنطوي على تلقين قوي بوجوب تيسير الزواج لكل فئة وبخاصة للفقراء مما لا يتيسر إلّا بعدم المغالاة في المهور وهي وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) . وحتى على فرض صحة رواية احتجاج المرأة على عمر وتراجعه عن إيعازه فإنه ليس في الآية ما يصح الاستدلال به على أن المبلغ الكبير الذي عنته بلفظ القنطار هو المهر فقط حيث يمكن أن يكون مجموعة عطايا من الزوج. وعبارتها تهدف إلى حماية المرأة وعدم ابتزاز ما صار حقها الشرعي من مال أعطاه لها زوجها فيه المهر وغير المهر مهما كثر. ويظل تلقين آية سورة النور والأحاديث النبوية وإيعاز عمر واردا واجب الاحترام بل ومخولا للحكام الإشراف على مقادير المهور ومنع المغالاة فيها في كثير من الظروف التي لا يكون أكثر الناس فيها قادرين على دفع مهور عالية حيث يؤدي هذا إلى تعسير الزواج وتزايد الأيامى- أي العزاب- من رجال ونساء وعبيد وإماء، وبعبارة أخرى إلى تعطيل أمر الله الوارد في آية سورة النور أما القادرون فالذي يتبادر لنا أنه ليس في التلقين المشار إليه ما يحول دون زيادة المهر بينهم عن المقدار المحدد في الروايات المروية. ولعل حكمة عدم

стр. 3816

تحديد المقدار في الكتاب والسنة مع حضهما على التساهل فيه بالنسبة للناس الذين لا يقدرون على الكثير وهم الأكثرية الساحقة تلمح في كون طبيعة الحياة التي فيها التفاوت في المقدرة والمراتب الاجتماعية لا تتعارض مع الزيادة بالنسبة للقادرين بل تجعل ذلك مما لا يمكن تفاديه. وهكذا تتسق الشريعة الإسلامية مع مصلحة الأكثرية الساحقة من الناس ومع طبيعة الحياة في مختلف الظروف وهذا من مرشحاتها للشمول والخلود. ولقد روى أبو داود والنسائي وأحمد حديثا عن أمّ حبيبة أم المؤمنين قالت «إنها كانت تحت عبد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوّجها النجاشي النبيّ ﷺ وأمهرها منه أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى رسول الله مع شرحبيل بن حسنة» «١» حيث يمكن الاستئناس بهذا على ما قلناه والله سبحانه أعلم. [سورة النساء (٤) : آية ٢٢] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) . تعليق على الآية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إلخ عبارة الآية واضحة. وهي في نهي المسلمين عن عادة بشعة جاهلية وتشنيعها وإبطالها. وقد روى المفسرون «٢» أنه كان من عادة العرب قبل الإسلام- ومنهم من روى ذلك عن أهل المدينة خاصة- إذا مات رجل منهم عن زوجة وله ابن بالغ من غيرها وألقى عليها ثوبا فإن ذلك يكون بمثابة إعلان رغبته فيها فيصبح أحق بها من نفسها إن شاء تزوجها وإن شاء زوجها لغيره وإن شاء أمسكها في بيته وإن شاء سرحها مقابل فدية تفدي بها نفسها من مال تدفعه أو حق تتنازل عنه له. وقد رووا

стр. 3817

هذا في سياق الآيات السابقة كما ذكرنا قبل. ورووا إلى هذا أن الآية نزلت في مناسبة مراجعة امرأة كانت زوجة لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، فلما مات خطبها ابنه فأتت رسول الله وأخبرته وقالت إني أعدّ ابنه ابنا لي فما لبثت الآية أن نزلت بالنهي. كذلك مما رووه أن الآية نزلت في مناسبة حالات متعددة من هذا الباب ذكروا أسماء أصحابها من قريش حيث خلف صفوان بن أمية والأسود بن خلف على زوجتي أبويهما. ويلحظ أولا أن الآية منصبة على النهي عن نكاح زوجات الآباء وتشنيعه فقط، وثانيا أنه جاء بعدها فصل فيه بيان المحرم على المسلمين من الأنكحة والحلال لهم حيث يسوغ القول إنها غير منقطعة عن السياق السابق واللاحق موضوعا وظرفا. وهذا لا يمنع أن يكون بعض الروايات أو جميعها وقعت أو مما كان يقع وإن امرأة شكت أمرها إلى رسول الله ﷺ قبل نزول الآية وما بعدها من ما فيه محرمات الأنكحة. وأسلوب الآية قوي في التشنيع حاسم في النهي. والمتبادر أن استثناء ما قد سلف قد استهدف تسوية نتائجه الطبيعية كالذرية التي نتجت من هذا النكاح تسوية شرعية وحقوقية. وفي هذا من الحكمة والحق ما هو ظاهر. ويستفاد من أقوال المفسرين «١» ورواياتهم عن أهل التأويل أن الاستثناء أي جملة إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ هو من أجل الأولاد الذين ولدوا من هذه الحالة قبل تحريمها ليعتبروا أولادا شرعيين لأنهم من نكاح كان سائغا وليس للسماح باستمرار الزوجية بين زوجة الأب وابن الزوج. وهو حق سديد، ولقد روى الترمذي حديثا عن فيروز الديلمي قال «أتيت النبي ﷺ فقلت له إني أسلمت وتحتي أختان فقال اختر أيّتهما شئت وفي رواية طلّق أيّتهما شئت» «٢» وقد حرمت آية تأتي بعد هذا جمع الأختين إلّا ما قد سلف حيث يدعم هذا ذلك القول.

стр. 3818

ولقد قال المفسر ابن كثير في سياق تفسير الآية إن من يتزوج زوجة أبيه بعد تحريم ذلك يكون مرتدا عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. وأورد للتدليل على ذلك حديثا رواه أصحاب السنن والإمام أحمد عن البراء بن عازب قال «لقيت عمي ومعه راية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله» «١» حيث يفيد أن النبي ﷺ شرع هذه العقوبة لمثل هذا الجرم الفظيع حينما اقترف في الإسلام رغم التحريم والتسفيه الشديدين اللذين احتوتهما الآية. وهناك أقوال يوردها المفسرون ومنهم من يعزوها أو يعزو بعضها إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم في مدى الآية «٢» من ذلك أن لفظ الآباء يشمل الجد بحيث يكون التحريم شاملا لنكاح ما نكحه الجد من قبل حفيده ومنها أن زوجة الأب تحرم على الابن ولو لم يدخل بها أن كان طلقها أو مات عنها قبل الدخول. ومنها أن التحريم يشمل ما استفرشه الآباء من إمائهم وما باشروه مباشرة بدون جماع من إمائهم وزوجاتهم بل ومن يكونون خلوا بهن منهن أو رأوهن مجردات أي عاريات. ثمّ تخلوا عنهن بدون جماع، وهذه أقوال وجيهة. وهناك اختلاف في ما جامعه الآباء سفاحا وما باشروه مباشرة وقبلوه بشهوة بدون جماع من نساء حرائر وإماء ولم يكنّ زوجاتهم وملك يمينهم. فبعض المؤولين والفقهاء أخذوا جملة وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ على معنى الجماع بالزواج أو بالسفاح وألحق به المباشرة والتقبيل بشهوة. وقال إن ذلك يحرم المرأة المزني بها أو المباشرة أو المقبلة بشهوة على الأبناء. وعزا الخازن هذا القول إلى عمران بن الحصين وجابر بن زيد والحسن وفقهاء العراق. ورتب أصحاب هذا الرأي حرمة المصاهرة عليه بحيث تكون بنت الزنا محرمة على أخيها الشرعي وعلى والد أبيها. وبعضهم أخذوا الجملة على معنى عقد الزواج وقالوا بعدم حرمة من ليس زوجة

стр. 3819

بعقد يجب فيه الصداق على الزوج ويلحق به الولد وتجب فيه العدة على الزوجة، وعزا الخازن هذا القول إلى علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومالك والشافعي وفقهاء الحجاز ومعنى هذا أن زواج الابن من امرأة زنى بها الأب غير محرم فضلا عن ما باشره أو خلا بها أو قبله بشهوة من نساء حراما. وهذا الرأي مستفاد من الجزء الثاني من موطأ مالك. وإذا لحظنا أن القرآن إنما استعمل كلمة (النكاح) ومشتقاتها في مقام الزواج وعقده دون استثناء. مما مثاله ما جاء في آية البقرة وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [٢٢١] وفي آية الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [٤٩] ومما سوف يأتي أمثلة له في هذه السورة وما بعدها يكون القول الثاني هو الأوجه. وإن كان ضمير المرء يشعر أن القول الأول لا يخلو من وجاهة أيضا باستثناء اللمس والتقبيل بشهوة والمباشرة بدون جماع للمرأة غير الزوجة لأن هذه الأفعال لا يمكن أن تدخل في وصف النكاح ولو حمل على محمل الجماع. والمتبادر أن الإماء يلحقن بالحرائر في كلا القولين والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) .

стр. 3820

(١) ربائبكم: جمع ربيبة وهي بنت الزوجة والمتبادر أن التسمية من معنى كون الزوج يرب أو يربي بنت زوجته في كنفه. (٢) في حجوركم: بمعنى في كفالتكم مع أمهاتهن. (٣) حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. (٤) المحصنات من النساء: كلمة المحصنات جاءت في مقامات في القرآن في معان متنوعة. منها الحرائر ومنها العفيفات ومنها المتزوجات والجمهور على أنها هنا بالمعنى الأخير وهو الملموح من روح الآية. (٥) أجورهن: بمعنى مهورهن. (٦) فريضة: مفروضة متفقا عليها. الخطاب في الآيتين موجّه إلى المسلمين وقد أوذنوا فيه بما كتب الله لهم من الحلال والحرام في الأنكحة كما يلي: ١- حرم عليهم التزوج بأمهاتهم، وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم، وخالاتهم، وبنات إخوتهم، وبنات أخواتهم، ومرضعاتهم اللاتي يعتبرن أمهاتهم، وبنات مرضعاتهم اللاتي يعتبرن أخواتهم، وأمهات زوجاتهم، وبنات زوجاتهم من أزواج غيرهم إذا كانوا قد دخلوا بهن باستثناء اللاتي يطلقوهن قبل الدخول بهن، وزوجات أبنائهم الذين من أصلابهم، وجمع الأختين في آن واحد مع العفو عما كان من ذلك قبل نزول الآيات والنساء المتزوجات باستثناء ما ملكته أيمانهم. ٢- وأبيح لهم أن يتزوجوا بغير هذه المحرمات مع تنبيههم إلى وجوب أن تكون غايتهم الإحصان والعفة عن الزنا والسفاح. وإلى وجوب أدائهم مهرا للمرأة التي يتزوجون بها كفرض متفق عليه مع إباحة التراضي في شأنه بعد تسميته وأدائه زيادة أو نقصا حسب التراضي. الجزء الثامن من التفسير الحديث ٥
следующие страницы →