تحديد المقدار في الكتاب والسنة مع حضهما على التساهل فيه بالنسبة للناس الذين لا يقدرون على الكثير وهم الأكثرية الساحقة تلمح في كون طبيعة الحياة التي فيها التفاوت في المقدرة والمراتب الاجتماعية لا تتعارض مع الزيادة بالنسبة للقادرين بل تجعل ذلك مما لا يمكن تفاديه. وهكذا تتسق الشريعة الإسلامية مع مصلحة الأكثرية الساحقة من الناس ومع طبيعة الحياة في مختلف الظروف وهذا من مرشحاتها للشمول والخلود. ولقد روى أبو داود والنسائي وأحمد حديثا عن أمّ حبيبة أم المؤمنين قالت «إنها كانت تحت عبد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوّجها النجاشي النبيّ ﷺ وأمهرها منه أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى رسول الله مع شرحبيل بن حسنة» «١» حيث يمكن الاستئناس بهذا على ما قلناه والله سبحانه أعلم.
[سورة النساء (٤) : آية ٢٢]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)
. تعليق على الآية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إلخ
عبارة الآية واضحة. وهي في نهي المسلمين عن عادة بشعة جاهلية وتشنيعها وإبطالها.
وقد روى المفسرون «٢» أنه كان من عادة العرب قبل الإسلام- ومنهم من روى ذلك عن أهل المدينة خاصة- إذا مات رجل منهم عن زوجة وله ابن بالغ من غيرها وألقى عليها ثوبا فإن ذلك يكون بمثابة إعلان رغبته فيها فيصبح أحق بها من نفسها إن شاء تزوجها وإن شاء زوجها لغيره وإن شاء أمسكها في بيته وإن شاء سرحها مقابل فدية تفدي بها نفسها من مال تدفعه أو حق تتنازل عنه له. وقد رووا
стр. 3817
هذا في سياق الآيات السابقة كما ذكرنا قبل. ورووا إلى هذا أن الآية نزلت في مناسبة مراجعة امرأة كانت زوجة لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، فلما مات خطبها ابنه فأتت رسول الله وأخبرته وقالت إني أعدّ ابنه ابنا لي فما لبثت الآية أن نزلت بالنهي. كذلك مما رووه أن الآية نزلت في مناسبة حالات متعددة من هذا الباب ذكروا أسماء أصحابها من قريش حيث خلف صفوان بن أمية والأسود بن خلف على زوجتي أبويهما.
ويلحظ أولا أن الآية منصبة على النهي عن نكاح زوجات الآباء وتشنيعه فقط، وثانيا أنه جاء بعدها فصل فيه بيان المحرم على المسلمين من الأنكحة والحلال لهم حيث يسوغ القول إنها غير منقطعة عن السياق السابق واللاحق موضوعا وظرفا. وهذا لا يمنع أن يكون بعض الروايات أو جميعها وقعت أو مما كان يقع وإن امرأة شكت أمرها إلى رسول الله ﷺ قبل نزول الآية وما بعدها من ما فيه محرمات الأنكحة.
وأسلوب الآية قوي في التشنيع حاسم في النهي. والمتبادر أن استثناء ما قد سلف قد استهدف تسوية نتائجه الطبيعية كالذرية التي نتجت من هذا النكاح تسوية شرعية وحقوقية. وفي هذا من الحكمة والحق ما هو ظاهر.
ويستفاد من أقوال المفسرين «١» ورواياتهم عن أهل التأويل أن الاستثناء أي جملة إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ هو من أجل الأولاد الذين ولدوا من هذه الحالة قبل تحريمها ليعتبروا أولادا شرعيين لأنهم من نكاح كان سائغا وليس للسماح باستمرار الزوجية بين زوجة الأب وابن الزوج. وهو حق سديد، ولقد روى الترمذي حديثا عن فيروز الديلمي قال «أتيت النبي ﷺ فقلت له إني أسلمت وتحتي أختان فقال اختر أيّتهما شئت وفي رواية طلّق أيّتهما شئت» «٢» وقد حرمت آية تأتي بعد هذا جمع الأختين إلّا ما قد سلف حيث يدعم هذا ذلك القول.
стр. 3818
ولقد قال المفسر ابن كثير في سياق تفسير الآية إن من يتزوج زوجة أبيه بعد تحريم ذلك يكون مرتدا عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. وأورد للتدليل على ذلك حديثا رواه أصحاب السنن والإمام أحمد عن البراء بن عازب قال «لقيت عمي ومعه راية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله» «١» حيث يفيد أن النبي ﷺ شرع هذه العقوبة لمثل هذا الجرم الفظيع حينما اقترف في الإسلام رغم التحريم والتسفيه الشديدين اللذين احتوتهما الآية.
وهناك أقوال يوردها المفسرون ومنهم من يعزوها أو يعزو بعضها إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم في مدى الآية «٢» من ذلك أن لفظ الآباء يشمل الجد بحيث يكون التحريم شاملا لنكاح ما نكحه الجد من قبل حفيده ومنها أن زوجة الأب تحرم على الابن ولو لم يدخل بها أن كان طلقها أو مات عنها قبل الدخول. ومنها أن التحريم يشمل ما استفرشه الآباء من إمائهم وما باشروه مباشرة بدون جماع من إمائهم وزوجاتهم بل ومن يكونون خلوا بهن منهن أو رأوهن مجردات أي عاريات. ثمّ تخلوا عنهن بدون جماع، وهذه أقوال وجيهة. وهناك اختلاف في ما جامعه الآباء سفاحا وما باشروه مباشرة وقبلوه بشهوة بدون جماع من نساء حرائر وإماء ولم يكنّ زوجاتهم وملك يمينهم. فبعض المؤولين والفقهاء أخذوا جملة وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ على معنى الجماع بالزواج أو بالسفاح وألحق به المباشرة والتقبيل بشهوة. وقال إن ذلك يحرم المرأة المزني بها أو المباشرة أو المقبلة بشهوة على الأبناء. وعزا الخازن هذا القول إلى عمران بن الحصين وجابر بن زيد والحسن وفقهاء العراق. ورتب أصحاب هذا الرأي حرمة المصاهرة عليه بحيث تكون بنت الزنا محرمة على أخيها الشرعي وعلى والد أبيها.
وبعضهم أخذوا الجملة على معنى عقد الزواج وقالوا بعدم حرمة من ليس زوجة
стр. 3819
بعقد يجب فيه الصداق على الزوج ويلحق به الولد وتجب فيه العدة على الزوجة، وعزا الخازن هذا القول إلى علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومالك والشافعي وفقهاء الحجاز ومعنى هذا أن زواج الابن من امرأة زنى بها الأب غير محرم فضلا عن ما باشره أو خلا بها أو قبله بشهوة من نساء حراما.
وهذا الرأي مستفاد من الجزء الثاني من موطأ مالك.
وإذا لحظنا أن القرآن إنما استعمل كلمة (النكاح) ومشتقاتها في مقام الزواج وعقده دون استثناء. مما مثاله ما جاء في آية البقرة وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [٢٢١] وفي آية الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [٤٩] ومما سوف يأتي أمثلة له في هذه السورة وما بعدها يكون القول الثاني هو الأوجه. وإن كان ضمير المرء يشعر أن القول الأول لا يخلو من وجاهة أيضا باستثناء اللمس والتقبيل بشهوة والمباشرة بدون جماع للمرأة غير الزوجة لأن هذه الأفعال لا يمكن أن تدخل في وصف النكاح ولو حمل على محمل الجماع.
والمتبادر أن الإماء يلحقن بالحرائر في كلا القولين والله تعالى أعلم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
.
стр. 3820
(١) ربائبكم: جمع ربيبة وهي بنت الزوجة والمتبادر أن التسمية من معنى كون الزوج يرب أو يربي بنت زوجته في كنفه.
(٢) في حجوركم: بمعنى في كفالتكم مع أمهاتهن.
(٣) حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة.
(٤) المحصنات من النساء: كلمة المحصنات جاءت في مقامات في القرآن في معان متنوعة. منها الحرائر ومنها العفيفات ومنها المتزوجات والجمهور على أنها هنا بالمعنى الأخير وهو الملموح من روح الآية.
(٥) أجورهن: بمعنى مهورهن.
(٦) فريضة: مفروضة متفقا عليها.
الخطاب في الآيتين موجّه إلى المسلمين وقد أوذنوا فيه بما كتب الله لهم من الحلال والحرام في الأنكحة كما يلي:
١- حرم عليهم التزوج بأمهاتهم، وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم، وخالاتهم، وبنات إخوتهم، وبنات أخواتهم، ومرضعاتهم اللاتي يعتبرن أمهاتهم، وبنات مرضعاتهم اللاتي يعتبرن أخواتهم، وأمهات زوجاتهم، وبنات زوجاتهم من أزواج غيرهم إذا كانوا قد دخلوا بهن باستثناء اللاتي يطلقوهن قبل الدخول بهن، وزوجات أبنائهم الذين من أصلابهم، وجمع الأختين في آن واحد مع العفو عما كان من ذلك قبل نزول الآيات والنساء المتزوجات باستثناء ما ملكته أيمانهم.
٢- وأبيح لهم أن يتزوجوا بغير هذه المحرمات مع تنبيههم إلى وجوب أن تكون غايتهم الإحصان والعفة عن الزنا والسفاح. وإلى وجوب أدائهم مهرا للمرأة التي يتزوجون بها كفرض متفق عليه مع إباحة التراضي في شأنه بعد تسميته وأدائه زيادة أو نقصا حسب التراضي.
الجزء الثامن من التفسير الحديث ٥
стр. 3821
تعليق على الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ ... إلخ والآية التالية لها وما يتصل بهما من أحكام
ولم نطلع على مناسبة خاصة لنزول الآيتين. وما احتوتاه هو تشريعات رئيسية قد لا تحتاج إلى مناسبات خاصة. غير أن الّذي نرجحه أنهما نزلتا بسبب حوادث متنوعة في صدد حرام الأنكحة وحلالها كثرت في مناسباتها الاستفتاءات والمناقشات. وهو المتسق مع ما جرت عليه حكمة التنزيل في التشريع وغير التشريع في الأعمّ الأغلب.
والتناسب الموضوعي الخاص بين الآيتين والآية السابقة لها أولا والتناسب الموضوعي العام بينهما وبين الآيات السابقة جملة واضح. فإما أن تكون الآيتان نزلتا بعد السياق السابق بدون فاصل فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي والظرفي وإما أن تكونا نزلتا لحدتهما بعد وقت ما فوضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي.
ولم نطلع على روايات تفيد أن شيئا من المحرمات المذكورة وبخاصة الرئيسية منها مثل الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وزوجة الابن من الصلب كان مباحا عند العرب قبل الإسلام وقد تكون جملة إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في صدد نكاح زوجات الآباء والجمع بين الأختين قرينة على أن المحرمات المذكورة في الآيتين وبخاصة الرئيسية كانت محرمة قبل الإسلام.
ولعلهم كانوا يتساهلون في غير هذه المحرمات الرئيسية كأمهات الرضاع وأخوات الرضاع والربائب مثل تساهلهم في نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين. وكانوا إلى هذا يتشددون في تحريم نكاح أرامل ومطلقات الأبناء حتى شمل ذلك مطلقات الأبناء بالتبني فاقتضت حكمة التنزيل إيحاء هذه الآيات لتكون أحكاما صريحة شاملة لجميع الحالات بأسلوب حاسم.
стр. 3822
والنصّ على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط وقيد تحريم الربائب بالدخول بأمهاتهن وما ورد من أحاديث حرمة الرضاع على ما سوف نورده بعد قد يكون قرائن على ما نقول.
والنصّ على تحريم زوجة الابن من الصلب فقط الذي خرج به تحريم زوجة الابن بالتبني من المحرمات قد يدل على أن هذه الآيات قد نزلت بعد إبطال تقليد التبني وتوابعه في سورة الأحزاب. ولعل ذلك من أسباب تقديم سورة الأحزاب على هذه السورة في روايات ترتيب النزول.
وقد نبّه المفسرون «١» والفقهاء ومنهم من عزا قوله إلى أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم على أن تعبير الأب في المحرمات يشمل الجد وتعبير الأم يشمل الجدة، وتعبير الابن يشمل ابن الابن وبنت الابن، وتعبير البنت يشمل ابن البنت وبنت البنت، وتعبير العمة يشمل عمة الأب وعمة الأم، وتعبير الخالة يشمل خالة الأب وخالة الأم. وهذا وجيه ومتسق مع روح الآيات وأساليب اللغة العربية، ونبهوا كذلك على حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها استنادا إلى حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة جاء فيه «أنّ النبي ﷺ قال لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» «٢» وهذا تشريع نبوي لحالة سكت القرآن عنها.
ونبهوا كذلك على حرمة وطء الرجل والدة أمته التي يستفرشها ولا بناتها من غيره ولا بنات أبنائها وبناتهم أيضا ولو كن ملك يمينه. وهو قول سديد. ولم نقع على قول في عمات الأمة التي يستفرشها سيدها وخالاتها أو الجمع بينها وبينهن.
ويتبادر لنا أن هذا ينسحب عليه ذلك الأصل لأن تعليله جنسي ولا يتبدل في حالة الحرية والرق. والله أعلم. ونبهوا أيضا على أن زوجات الكفار داخلات في مدى عبارة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ محرمات على المسلمين على اعتبار أنهن ذوات أزواج سواء أكنّ مشركات أم كتابيات باستثناء ما يسبيه المسلمون من
стр. 3823
أعدائهم الكفار نتيجة لحرب وقتال من نساء حيث أبيح لهم أن يستفرشوهن لأنهن غدون ملك يمين لهم على ما تفيده جملة إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مما سوف نزيده شرحا بعد.
وفي موطأ مالك «١» حالات أخرى. منها عزوا إلى زيد بن ثابت (عدم صحة زواج رجل من أم زوجة عقد عليها ثم طلقها قبل أن يمسها لأنه صارت أم زوجته على كل حال) وهذا متسق مع إطلاق العبارة القرآنية. ومنها بدون عزو إلى أحد (حالة الرجل تكون تحته امرأة فيجامع أمها. حيث تحرم عليه زوجته وأمها معا) .
وهذا اجتهاد تطبيقي للجملة القرآنية إذا أخذ بقول من يقول بحرمة المرأة التي يصيبها الرجل ولو سفاحا. وقد علقنا على هذا سابقا.
ولم يذكر شيء في الآيات عن دين النساء اللاتي يحل للمسلم أن يتزوجهن.
غير أن الآية التالية لهذه الآيات مباشرة ذكرت ذلك بأسلوب يفيد وجوب كونهن من المؤمنات. ولقد حرمت آية البقرة [٢٢٠] نكاح المشركات على ما شرحناه قبل. ولقد أدخل تعديل على ذلك بإباحة الكتابيات في آية سورة المائدة [٥] على ما سوف نشرحه بعد.
وفي صدد حرمة الرضاع روى الخمسة عن عائشة ﵂ حديثا جاء فيه «قال النبي ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» «٢» . وحديثا ثانيا رواه الشيخان جاء فيه «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم» «٣» . وحديثا ثالثا رواه جميعهم عدا الترمذي عن أم حبيبة «قالت يا رسول الله إنا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة فقال: بنت أم سلمة، قلت نعم قال فو الله لو لم تكن في حجري ما حلّت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة» «٤»
стр. 3824
وحديثا رابعا رواه الخمسة إلّا البخاري عن أمّ الفضل جاء فيه «قال النبي ﷺ :
لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصّة أو المصتان» «١» . وحديثا خامسا رواه البخاري والترمذي عن عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت أرضعتكما فأتيت النبي ﷺ فأخبرته وقلت إن المرأة كاذبة فأعرض، فأتيته من قبل وجهه وقلت إنها كاذبة، قال كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك» «٢» . وحديثا سادسا رواه الترمذي جاء فيه «أن ابن عباس سئل عن امرأتين في عصمة رجل واحد أرضعت إحداهما جارية (بنتا) والأخرى غلاما أتحلّ الجارية للغلام فقال لا إن اللقاح واحد» «٣» . وحديثا سابعا رواه الترمذي عن أم سلمة قالت «قال رسول الله ﷺ لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» «٤» . وحديثا ثامنا عن ابن عباس رواه الدارقطني جاء فيه «قال رسول الله لا يحرم من الرضاع إلّا ما كان في الحولين» «٥» .
وفي موطأ مالك أحاديث أخرى. منها حديث عن عائشة قالت: «جاء عمي من الرضاعة يستأذن عليّ فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله فسألته فقال إنه عمك فأذني له قالت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قال إنه عمك فليلج عليك» «٦» وحديث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه أخبره «أن عائشة زوج النبي كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها. ولا يدخل عليها من أرضعته نساء أخواتها» «٧» .
وليس في الأحاديث ما ينقض الجملة الواردة في الآية الأولى في تحريم
стр. 3825
المرضعات وبناتهن وإنما فيها توضيح وتوسيع ومن الواجب الأخذ بها بحيث يصح القول على ضوئها وضوء الجملة القرآنية أن الرضاعة المشبعة في سن الرضاعة هي التي تحرم النكاح وأن الرضاعة بهذا الوصف تحرم من الأنكحة ما يحرمه الرحم والولادة حيث تغدو المرضعة بمثابة أم الطفل أو الطفلة التي رضعت منها فتحرم هي على الطفل كما يحرم عليه بناتها وأخواتها وعماتها وخالاتها وبنات أبنائها وبنات بناتها ويحرم على الطفلة أبو المرضعة وأبناؤها وإخوتها وأعمامها وأخوالها ويحرم على الطفل من رضع معه منها من بنات غير بناتها ويحرم على الطفلة من رضع معها منها من صبيان غير صبيان مرضعتها مع التنبيه على أن هناك بعض اختلافات مذهبية لا يتحمل منهج التفسير بسطها.
ولقد روى الخمسة إلّا البخاري حديثا عن عائشة جاء فيه «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله وهنّ فيما يقرأ من القرآن» «١» ، ونحن في حيرة من هذا الحديث. ففي عهد أبيها حرر مصحف رسمي ليكون الإمام والمرجع على ملأ من المسلمين ولا يعقل أن تسكت على عدم إثبات قرآن مات النبي ﷺ وهو قرآن في المصحف ولا يعقل أن ترد شهادتها في ذلك ونرجح أن في الأمر التباسا وقد ناقش رشيد رضا هذه المسألة وقال ما مفاده أن رواية الخمس عنها هي المعتمدة وبها يقول أهل الحديث ويرون أن العمل بها يجمع بين الأحاديث. ورواية القرآن كقرآن لا تثبت إلا بالتواتر وليس هناك تواتر يؤيد صحة ما روي في هذا عن عائشة ﵂.
وعلى كل حال فإن قصارى الأمر تقرير كون حرمة الرضاع منوطة بالرضاعة الكثيرة المشبعة لا بالمصة والمصتين وهو ما تضمنت الأحاديث الأخرى تقريره.
ولقد روى مالك قولا عن سعيد بن المسيب «٢» (إن كل ما كان في الحولين وإن كانت قطرة واحدة يحرّم) وعن ابن شهاب (إن الرضاعة قليلها وكثيرها إذا
стр. 3826
كانت في الحولين تحرم) ولا يروي الإمام مالك ما رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الخمسة وأوردناه آنفا عن النبي ﷺ ولا ندري إذا كانت لم تبلغه أو لم تثبت عنده وعند سعيد وابن شهاب. وما دامت هذه الأحاديث واردة في كتب الصحاح فهي الأكثر وثاقة ولزوما وما فيها هو الأسدّ والأوجه في الوقت نفسه والله تعالى أعلم.
وقد تعددت أقوال المفسرين ورواياتهم في تأويل جملة إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بعد جملة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ «١» منها أنها في صدد إباحة التزوج بسبايا الأعداء اللاتي يكون لهن أزواج أو وطئهن كإماء. حيث يكون السبي قد جعلهن ملك يمين المسلمين وأحلّ لهم وطئهن رغم كونهن ذوات أزواج، وقد رووا في صدد ذلك عن أبي سعيد الخدري «أنّ رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبيا لهن أزواج من المشركين فكرهوا غشيانهن فأنزل الله هذه الآية بإباحتهن» «٢» ومنها أنها في صدد الأمة التي تكون مستفرشة من سيدها فيبيعها أو يهبها لغيره حيث تضمنت الجملة على رأي أصحاب هذا القول إباحة استفراشها من سيدها الجديد أيضا. ومنها أن الجملة في صدد إباحة استفراش الإماء من قبل مالكيهن بدون تحديد، بالإضافة إلى أربع زوجات شرعيات، واعتبار ذلك غير مقيد بما قيد به الزواج من عدد ومهر إلخ.
وقد يكون القول الأول هو الأكثر اتساقا مع مقام الجملة. غير أن الجملة جزء من آية والآية جزء من سياق بحيث يسوغ التوقف في التسليم بنزول الجملة لحدتها حسب الرواية المروية عن أبي سعيد الخدري. ولعل حادث جيش أوطاس كان سابقا لنزول الآيات فأباح النبي ﷺ للمجاهدين وطء سبايا المشركين ثم أيد القرآن ما أباحه النبي ﷺ في سياق بيان الحلال والحرام من الأنكحة.
стр. 3827
وننبه في هذه المناسبة على أن وطء المسبية والأمة التي يبيعها سيدها أو يهبها وتكون مستفرشة له قبل بيعها لا يجوز إلّا بعد استبراء رحمها. وقد روي أن المسلمين أخذوا يقعون على سبايا خيبر فأرسل النبي مناديا ينادي «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعن على امرأة من السبي حتى يستبرئها» «١» وهناك حديث رواه أبو داود والترمذي أيضا عن النبي ﷺ قال «لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة» «٢» . وواضح من إطلاق الآية والأحاديث أن المسلم يستطيع أن يستفرش أمته سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة إطلاقا وهو ما عليه الجمهور دون خلاف. أما آية البقرة [٢٢٠] التي نهي فيها عن نكاح المشركات فهي في صدد التزوج بهن بعقد على ما نبهنا عليه في مناسبتها.
ومما نبّه عليه المفسرون «٣» وأهل التأويل في هذا الصدد أن سيد الأمة حينما يهبها أو يبيعها تخرج من نطاق ملك يمينه فلا تعود تحل له وهي في ملك غيره إلّا إذا اشتراها ثانية أو وهبت له. وإلّا إذا تزوجها بعقد مما أباحته آية تأتي بعد قليل.
وهذا سديد وجيه. وننبه على أن بيع الأمة وهبتها يسوغان إذا لم تلد من سيدها فإذا ولدت صارت أم ولد ولم يعد يسوغ بيعها وهبتها وتصبح بعد موت سيدها حرة.
ونذكر بهذه المناسبة بالتعليق الذي علقناه على هذا الموضوع في سياق الآيات الأولى من سورة المؤمنون لأن فيه بعض البيان الذي يحسن ملاحظته حين قراءة هذا الكلام.
واستثناء ما قد سلف من حالة جمع الأختين هو مثل استثناء حالة زواج الابن من زوجة والده لتسوية النتائج الطبيعية تسوية حقوقية وشرعية كما قلنا في صدد استثناء الحالة الثانية.
стр. 3828
ولقد أورد المفسرون «١» حديثا رواه أبو داود عن الضحاك بن فيروز عن أبيه أنه قال لرسول الله ﷺ إني أسلمت وتحتي أختان فقال طلق أيتهما شئت. والمتبادر أن ذلك كان بعد نزول الآيات وكتطبيق لها.
ولقد نبّه المفسرون إلى أن عقد نكاح الأخت مع الأخت باطل. فإن كان العقد على الأختين معا فالعقد عليهما باطل وإن كان العقد على واحدة بعد أخرى فعقد الثانية باطل. كذلك نبهوا إلى أن حرمة الجمع بين الأختين شاملة لملك اليمين أيضا بحيث قالوا عزوا إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم أنه لا يجوز لسيد أن يستفرش أختين في آن واحد. وقد فرضوا حالة ثالثة وهي أن تكون واحدة ملك يمين وثانية حرة وقالوا إن هناك من جوز ذلك ولكن الأكثر على خلافه.
ورووا بسبيل ذلك حديثا أخرجه الإمام مالك جاء فيه: أن رجلا سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأمّا أنا فلا أحب أن أصنع ذلك فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول الله هو في رواية علي بن أبي طالب وفي رواية الزبير بن العوام فسأله فقال: أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحدا فعل ذلك إلّا جعلته نكالا «٢» . والنهي عن جمع الأختين في الآية مطلق بحيث يتبادر أنه شامل للأخوات مطلقا سواء أكن حرائر أو إماء أو بعضهن حرائر وبعضهن إماء والله أعلم.
وهناك نقاط أخرى متصلة بمدى الآيات رأينا من المفيد الإلمام بها:
إن الآيات تأمر بإيتاء النساء مهورهن وفرضها لهن فريضة. وآيات البقرة [٢٣٦ و ٢٣٧] تفيد سواغ عقد النكاح بدون تعيين المهر وأدائه مسبقا. فيكون الأمر في الآيات التي نحن في صددها مطلقا لإيجاب أداء المهر سواء كان قبل العقد أم بعده وهناك حديث رواه أصحاب السنن في صدد ذلك وفي صدد المهر الواجب في هذه الحالة جاء فيه «سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض
стр. 3829
لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط ولها ميراثه وعليها العدّة فقام معقل بن سنان فقال قضى رسول الله في بروع بنت وأشق مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود» «١» . ويقاس على هذا جواز العقد والدخول قبل فرض الصداق وأدائه واستحقاق المرأة المدخول بها صداق أمثالها كما هو المتبادر. أما مهر المرأة المطلقة في مثل هذه الحالة فالحكم في آيات البقرة [٢٣٦ و ٢٣٧] وفي نطاق ما شرحناها.
٢- وإيجاب إعطاء المرأة مهرها يمنع تزويج الرجل بنته أو أخته لرجل مقابل تزوج بنت الرجل أو أخته بدون مهر وهو ما عرف بالشغار الذي نهى عنه النبي ﷺ أيضا في أحاديث سبق إيرادها قبل قليل.
٣- ولقد سبق تعليق على المهور والمغالاة فيها قبل قليل أيضا فنكتفي به في صدد مقادير المهور في الإسلام. وهناك أحاديث لم نوردها في التعليق رأينا أن نوردها هنا لأن فيها سننا للمسلمين في بعض الحالات. من ذلك حديث رواه الترمذي وصححه جاء فيه «تزوجت امرأة من بني فزارة على نعلين فقال رسول الله أرضيت نفسك بنعلين قالت نعم فأجازه» «٢» . وحديث رواه الخمسة عن سهل بن سعد جاء فيه «إنّ امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت جئت لأهب لك نفسي فنظر رسول الله إليها وصعّد نظره ثم طأطأ رأسه. فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم تكن لك حاجة بها فزوجنيها فقال هل عندك من شيء قال لا والله يا رسول الله قال فاذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا قال انظر ولو خاتما من حديد فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ولكن هذا إزاري فلها نصفه فقال رسول الله ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام
стр. 3830
فرآه رسول الله موليا فأمر به فدعي فقال ما معك من القرآن قال معي سورة كذا وسورة كذا عددها قال أتقرأهن عن ظهر قلبك قال نعم قال اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن وفي رواية زوجتكها بما معك من القرآن» «١» .
٤- وغير المحرمات في الآية المسموح للمسلم التزوج بهن يجب أن يكون بموافقتهن على ما يستفاد من أحاديث نبوية عديدة منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت» «٢» . وفي رواية «الثيب أحقّ بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها» «٣» . وحديث رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها» «٤» . وحديث رواه البخاري وأبو داود عن خنساء بن خدام الأنصارية «أن أباها زوجها وهي ثيّب فكرهت ذلك فأتت رسول الله فردّ نكاحها» «٥» وحديث رواه أبو داود وأحمد جاء فيه «جاءت جارية بكر إلى النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ » «٦» . وجمهور الفقهاء على أن هذه الأحاديث هي بالنسبة للبالغات، وأن للولي أن يزوج غير البالغة بدون حاجة إلى استئمارها وإذنها لأنها غير راشدة. وليس هناك حديث صريح في إثبات ذلك ونفيه. والقول وجيه سديد بتعليله.
٥- والأحاديث لا تنفي مع ذلك دور الولي للبالغات وإنما تحتم استئماره لمن هي تحت ولايته إن كانت بكرا وتمنعه من تزويجها وهي غير موافقة. وتجعل الثيب أكثر انطلاقا في حقها في التصرف في نفسها.
стр. 3831
على أن هناك أحاديث تجعل دور الولي أقوى بروزا. منها حديث رواه أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي ﷺ قال «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل. ثلاث مرات. فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها. فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» «١» .
وصيغة الحديث تحتمل أن يكون في حق البكر والثيب معا. وهناك حديث يرويه أحمد والبيهقي جاء فيه «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» «٢» وحديث رواه أصحاب السنن عن سمرة عن النبي ﷺ قال «أيما امرأة زوّجها وليّان فهي للأول منهما» «٣» ، وليس في الأحاديث ما يخلّ في وجوب استئمار البكر والثيب وإذنهما مما قررته الأحاديث السابقة كما هو المتبادر.
وننبه على أن آيات سورة البقرة [٢٢٨- ٢٣١ و ٢٣٤ و ٢٤٠] تقرر بشيء من القوة والصراحة بأن للمرأة المطلقة والمترملة أن تتصرف بنفسها بدون تدخل وليها بل إن الآية [٢٣١] تنهى الولي عن ممانعتها من الرجوع إلى زوجها إذا تراضت معه.
وبناء على ذلك ثم على نصوص الأحاديث فإن المذاهب الفقهية مع اتفاقها على حق الولي في تزويج من هي تحت ولايته إذا كانت بالغة بكرا كانت أم ثيبا مع الحصول على إذنها وموافقتها فإن منها من لا يرى ضرورة لموافقة ولي ولا لشهود ومنها من يرى ذلك ضروريا ومنها من لا يرى ذلك ضروريا بالنسبة للثيب دون البكر. ومنها من جعل للقاصرة حق الخيار والرفض حينما تبلغ إذا كرهت تزويج وليها لها.
ويتبادر لنا على ضوء الآيات والأحاديث أن الصواب هو أن للثيب حق
стр. 3832
التصرف بنفسها دون ضرورة للولي. وإن موافقة الولي ضرورية بالنسبة للبكر بشرط موافقتها هي أيضا. وأن للقاصرة البكر التي يزوجها وليها الخيار حين بلوغها إذا لم يكن زوجها قد دخل بها. أما الشاهدان فنعتقد بضرورتهما لأن ذلك أحوط من الغش والخداع والضرر والله تعالى أعلم.
٦- وفي صدد المرأة التي يظهر فيها عاهة روى الإمامان مالك والشافعي عن عمر قال «أيما رجل تزوّج امرأة بها جنون أو جذام أو برص فمسّها فلها صداقها كاملا ولزوجها غرم ذلك على وليها» «١» .
٧- وفي صدد الوفاء بما يشرطه الزوج على نفسه من شروط روى الخمسة عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال «إن أحق الشرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» «٢» .
وهذا الحديث واسع الآفاق بحيث يمكن أن يشمل كل شرط شرطه الزوج على نفسه لزوجته من لباس وسكن ومعاش وعدم قسمة للزوجة الثانية وعدم الزواج بأخرى وجعل الطلاق بيدها وعدم إخراجها من بلدها وعدم منعها من العمل وعدم إجبارها على الخدمة والعمل إلخ. وقد قال هذا غير واحد من المفسرين والمؤولين والفقهاء. وهناك من ساق حديثا رواه الخمسة عن عائشة عن النبي ﷺ قال «كلّ شرط ليس في كتاب الله باطل» «٣» وقالوا إن هذا الحديث ضابط للأمر فما كان من شرط لا يتناقض مع ما أباحه كتاب الله ورسوله أو منعاه وجب الوفاء به، ومن الأمثلة التي سيقت مسألة شرط عدم التزوج بأخرى وعدم القسمة للأخرى وعدم إخراج الزوجة من بلدها لأن كل هذا من حق الرجل شرعا وفاق كتاب الله وسنّة رسوله. ومع صواب القول إن الحديث يكون ضابطا فإن للمرأة أن ترفع أمرها للحاكم ليقدر مدى انطباق الشرط على شرع الله ورسوله فيلزم به الزوج والله أعلم.
стр. 3833
٨- وفي صدد الحثّ على الزواج روى الخمسة حديثا عن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» «١» ومن المفسرين من أوّل (الباءة) بالقدرة المالية ومنهم من أولها بالقدرة الجنسية.
والراجح أنها بالمعنى الأول. بقرينة نهاية الحديث.
٩- وفي صدد إيجاب تزويج صاحب الخلق والدين ترجيحا على غيره ممن يكونون في حالة مالية أو اجتماعية أرقى ويكون دونه دينا وخلقا روى الترمذي وحسنه عن أبي حاتم المزني عن النبي ﷺ قال «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟
قال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات» «٢» .
١٠- وفي صدد المرأة الفضلى للزواج روى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» «٣» . وللنسائي ومسلم «إن الدنيا كلّها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» «٤» . وروى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن معقل بن يسار قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أحببت امرأة ذات جمال وحسب وإنها لا تلد أفأتزوجها قال لا. ثم أتاه الثانية فنهاه. ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» «٥» وروى أصحاب السنن «قيل يا رسول الله أي النساء خير قال التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في
стр. 3834
نفسها ولا مالها بما يكره» «١» .
١١- وفي صدد نظر الرجل إلى من يريد أن يتزوجها روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال «كنت عند النبي فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له أنظرت إليها قال لا. قال فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا» «٢» وحديث رواه أبو داود والشافعي والحاكم وصححه عن جابر عن النبي ﷺ قال «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» «٣» .
وحديث رواه النسائي والترمذي وحسنه عن المغيرة قال إنه خطب امرأة فقال النبي له «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» «٤» .
١٢- وفي صدد إعلان النكاح روى الترمذي وأحمد عن عائشة عن النبي ﷺ قال «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف» «٥» .
تعليق وتمحيص في صدد نكاح المتعة
ولقد كانت جملة فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ موضوع تأويلات وروايات عديدة ومختلفة «٦» منها أنها في معنى كون المهور الواجب إعطاؤها للنساء هي
стр. 3835
مقابل استمتاع الرجال بهن بالنكاح وكونها يجب أن تكون مقدارا معينا متفقا عليه مع رفع الحرج عن الزوجين فيما يتراضيان عليه بعد ذلك فيه إذا ما طرأت ظروف تدعو إلى تبديل من زيادة أو نقص أو تسامح ... إلخ وأن الاستمتاع هو كناية عن الوطء الذي يباح للرجال بعد العقد وأداء المهر. ومنها أن الجملة احتوت إباحة نكاح المتعة. وهو عقد بين امرأة ورجل على مدة معينة يستمتع بها فيها لقاء أجر معين فإذا انتهت المدة انفسخ العقد دون تطليق مع جواز التراضي على تمديد المدة لقاء أجر جديد. وكان هذا جاريا عند العرب قبل الإسلام.
ومع أن في استنباط إباحة نكاح المتعة من العبارة تحميلا لا تتحمله هي وبقية الآية والآيات السابقة وأن التأويل الذي تقدم هو الأوجه حسب ما يتبادر لنا مع التنبيه إلى نقطة هامة وهي أن المهر ليس مقابل الوطء فحسب وإنما هو لتوطيد الميثاق الزوجي بصورة عامة فإن المفسرين جميعهم أداروا الكلام في سياق هذه الآية على نكاح المتعة.
ولقد عزوا إلى ابن عباس أقوالا ليس منها شي واردا في الصحاح منها أن الآية محكمة في إباحة نكاح المتعة وأنه كان يزيد بعد عبارة فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ جملة إلى أجل مسمى وأن أبا نضرة قال له ما أقرؤها كذلك فقال له والله إن الله أنزلها كذلك ثلاث مرات. ومنها أن عمارا سأل ابن عباس عن المتعة فقال له هي متعة لا سفاح ولا نكاح ولا طلاق ولا توارث ومنها أنه قال لما كثر كلام الناس عن إباحته للمتعة وانتشارها أنا ما أفتيت بها على الإطلاق وإنما قلت تحل للمضطر كما تحل الميتة له. ومنها أنه رجع عن قوله وقال بتحريمها وأن الآية الأولى من سورة الطلاق نسختها.
ولقد أوردوا أحاديث فيها إباحة للمتعة ثم تحريم لها. وفي بعضها تناقض في الوقت نفسه. حيث روي النهي في ظروف وقعة خيبر بينما رويت الإباحة في ظروف فتح مكة التي كانت بعد خيبر بسنتين. ومن هذه الأحاديث حديث رواه الشيخان عن جابر وسلمة قالا «كنا في جيش فقال لنا رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن
стр. 3836
تستمتعوا فاستمتعوا» «١» ومنها حديث عن سبرة الجهني رواه الإمام أحمد جاء فيه «أن سبرة غزا مع رسول الله في فتح مكة قال فأقمنا بها خمس عشرة فأذن لنا رسول الله في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد، وبردي خلق وبرد ابن عمي جديد غض. حتى إذا كنا بأسفل مكة أو بأعلاها تلقتنا فتاة مثل البكرة العطنطة فقلنا هل لك أن يستمتع منك أحدنا فقالت وماذا تبذلان؟ فنشر كل منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين ويراها صاحبي تنظر إليّ بعطفها فقال إن برد هذا خلق وبردي جديد غض فتقول برد هذا لا بأس به ثلاث مرات أو مرتين ثم استمتعت منها» «٢» . ومنها حديث رواه الخمسة عن علي بن أبي طالب «أنّ النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية» «٣» . ومنها حديث رواه مسلم عن سلمة قال «رخص النبيّ عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها» «٤» . ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن سبرة قال «رأيت رسول الله قائما بين الركن والباب وهو يقول يا أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٥» . ومنها عن عمر بن الخطاب أنه قال «نهى النبي عن المتعة وأيّما رجل أو امرأة يأتوني بهما فسوف أرجمهما بالحجارة» .
ومع أن الخمسة رووا عن علي بن أبي طالب أن النبي نهى عن المتعة يوم خيبر على ما أوردناه قبل فقد روى عنه قوله «لولا أن عمر نهى عن المتعة لما زنى إلّا شقيّ» «٦» حيث توهم الرواية أن عمر نهى عنها اجتهادا. ويستبعد جدا صدور هذا القول من علي الذي روى أن النبي هو الذي نهى عنها. ولأن فيه اتهاما لعمر
стр. 3837
أنه نهى عن شيء كان سائغا في حياة النبي. والرواية المروية عن عمر التي تذكر أنه نهى عن المتعة استنادا إلى نهي النبي عنها هي الأكثر وجاهة وورودا.
ومن باب الرواية الآنفة الذكر المروية عن علي ثلاث روايات أخرى. واحدة عن عمران بن الحصين أنه قال «إنّ آية المتعة نزلت في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وإن رسول الله أذن لنا وتمتعنا ولم ينهنا عنها. فقال رجل بعده وبرأيه ما شاء» «١» والرجل المقصود هو عمر. وواحدة جاء فيها «سئل جابر بن عبد الله عن المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر» «٢» وواحدة بدون راو عن عمر بن الخطاب أنه قال «متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما وهما متعة النكاح ومتعة الحج» «٣» .
والروايات الأربع التي يرويها الطبرسي الشيعي لم ترد في الصحاح ولم يوردها الطبري ولا البغوي ولا ابن كثير ولا الخازن الذين اهتموا لاستيفاء الروايات والأحاديث المأثورة في سياق الآيات عن النبي ﷺ وأصحابه وتابعيهم باستثناء الأولى التي أوردها الطبري وحده. وإيراده لها لا يثبتها لأن الحديث الذي يذكر أن النبي ﷺ نهى عنها والذي يرويه الخمسة هو الأوثق. ورواية الروايات الأربع مجتمعة في تفسير الطبرسي الشيعي والراجح أنها وردت في كتب تفسير شيعية قبله وبعده تثير الشبهة في صنعها من الشيعة الذين يحللون المتعة ويقولون إن النبي ﷺ لم يحرمها وإنما حرمها عمر والذين يحاولون تشويه اسم عمر ﵁ في كل مناسبة لهواهم الحزبي ولو كان ذلك في مناسبات وصيغ لا تتسق مع عقل ومنطق وتخرج عمر من ربقة الإسلام في نسبة تحريم ما أحله الله ورسوله والعياذ بالله كما جاء في الرواية الرابعة مما أوردنا منه أمثلة كثيرة. ولا يمكن أن يعقل صدور هذا من عمر وأن يسكت أصحاب رسول الله ويرضوا عنه ومن جملتهم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
стр. 3838
وعلى كل حال فإن جل أئمة السنة وعلمائها انتهوا إلى القول بأن تحريم المتعة صار محكما. أما أئمة الشيعة فإنهم انتهوا إلى القول بأن إباحتها هي التي ظلت محكمة حيث يبدو أنهم لا يثبتون أحاديث تحريمها ويثبتون أحاديث حلها من جهة، وما روي عن ابن عباس في صدد تأويله للآية واعتباره إياها محكمة في حل المتعة من جهة ثم ما روي عن علي وعمران بن الحصين وعبد الله بن جابر من أن عمر هو الذي حرمها وأنها كانت حلالا ممارسا في عهد النبي ثم في عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر من جهة.
والنفس تطمئن بما انتهى إليه أئمة السنة أكثر ولا سيما إن الآية التي جاءت فيها العبارة والآيات السابقة لها منصبة على الزواج وتعظيم رابطته ووجوب الاحتفاظ بالزوجات وحسن معاشرتهن وتحمل ما يكره منهن والإحصان والأولاد والمواريث والمهور وما يحل التزوج به من النساء وإبطال بعض عادات الجاهلية منه مثل نكاح زوجة الأب والجمع بين الأختين. ثم ننبه على كون الزواج هو للإحصان وليس للشهوة فحسب وننهى عن قصد السفاح. والمتعة على كل حال ليست نكاحا ولا إحصانا في معناهما ومداهما الصحيحين ولا تخرج عن كونها نوعا من أنواع المخادنة وليس فيها قصد تأسيس علاقة زوجية ثابتة وإقامة كيان أسروي وإنجاب ذرية مما هو منطو في الآيات. ويتبادر لنا من كل ما روي وقيل أن مسألة المتعة وحلها وتحريمها متصلة بما روي من أحاديث أكثر مما هي منطوية في الجملة القرآنية. وإن من المحتمل أن تكون مما أباحها رسول الله في ظرف ثم نهى عنها.
ولقد روي حديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير جاء فيه «إن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت له إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج فزعا يجر رداءه فقال هذه المتعة لو كنت تقدمت فيها لرجمت» وحديث آخر أخرجه الإمام مسلم عن عروة أيضا جاء فيه «إن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى بصائرهم يفتون بالمتعة- يعرض بذلك بعبد الله بن عباس- فناداه عبد الله إنك لجلف جاف
стр. 3839
لعمري. لقد كانت المتعة على عهد إمام المتقين «يعني النبي ﷺ » فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجاري» والحديثان يفيدان أن عبد الله بن الزبير يعتبر المتعة زنا يستحق حدّ الزنا. وأن عمر أوشك أن يعتبرها كذلك. غير أن الحديثين لم يردا في الصحاح وأن المستفاد من أقوال جمهور الفقهاء السنيين أنها وإن كانت محرمة فلا يوقع فيها حدّ الزنا للشبهة القائمة حول حلها وحرمتها عملا بالقاعدة الشرعية المشهورة (ادرأوا الحدود بالشبهات) «١» ونعتقد أن بين أئمة الشيعة الذين يقولون بإباحتها علماء مجتهدون وأتقياء ورعون يبعد أن يحرموا ويحللوا جزافا دون قناعة بقطع النظر عن احتمال الخطأ والصواب في ذلك. هذا إلى أنهم قد يرون في إباحة هذا النكاح حكمة وهي منع المسلم من الوقوع في إثم الزنا أو العنت الشديد بالحرمان. والله أعلم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) .
стр. 3840
(١) طولا: سعة وقدرة مالية أو فضلا من مال. وفسّرها بعضهم بالإمكان والقدرة مطلقا ومنها (يد فلان طائلة) بمعنى قادرة مادّيّا ومعنويّا.
(٢) المحصنات: في المرتين اللتين وردت فيهما الكلمة بمعنى الحرائر.
(٣) فتياتكم: إمائكم. وكان العرب يسمون الصبيان من عبيدهم فتيانا والبنات فتيات.
(٤) محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان: الجملة على سبيل وصف ما ينبغي أن يكون حالهن بعد الزواج أو القصد من زواجهن وهو أن يكنّ متعففات لا يرتكسن في الزنا ولا في اتخاذ الأخدان. والخدن هو الخليل في السر. والمسافحة هي الزنا إطلاقا مع أي كان.
(٥) فإذا أحصن: فإذا تزوجن وصرن محصنات بالزواج.
(٦) فاحشة: هنا بمعنى الزنا.
(٧) العذاب: هنا بمعنى حد الزنا وعقوبته.
(٨) العنت: الشدة. وهنا كناية عن غلبة الشهوة وحملها صاحبها على الإثم.
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجّه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم:
(١) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
(٢) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
(٣) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة ويؤدي لها مهرها
стр. 3841
بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
(٤) وبأن الأمة حينما تتزوج من حرّ تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحدّ الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصّها رائعان قويا النفوذ.
وقد وجّه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين:
(١) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد أن يبين لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
(٢) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلّا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي (مسافحات ومتخذي أخدان) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السرّ وحسب.
ولقد روى الطبري عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة
стр. 3842
فَإِذا أُحْصِنَّ بمعنى (فإذا أسلمن) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى (فإذا تزوجن) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقاتها موضوعا ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية [٢٢] .
وجملة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حدّ الزنا. هذا في حين أن الآيات [١٥- ١٨] نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [٥] حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
стр. 3843
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات إن المفسرين «١» أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة الْمُحْصَناتُ في آية المائدة حيث قيل إنها بمعنى (الحرائر) كما قيل إنها بمعنى (العفائف) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن. والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول «٢» إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه.
وجملة فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مطلقة تتضمن إباحة ذلك بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نصّ الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد. وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أوّل جملة بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن
стр. 3844
مالكها باطل «١» . وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي ﷺ قال «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل» «٢» . وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه، والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى إن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذا باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته، والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على أنهن أحق بمهورهن وإنه لا حقّ لمالكهن فيه، ثم قال وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك وإن إضافته إليهن لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله.
ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات «٣» ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلّا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ في آية الأحزاب [٥] قرينة على ذلك. فما دام الزوج حرّا
стр. 3845
فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حق بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز وهو (أم ولد) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه أن النبي ﷺ قال «أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه» «١» مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونصّ العبارة القرآنية وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا.
وينطوي في جملة ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ على ما شرحناه قبل أولا وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا وتعبير بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
стр. 3846
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وعلى المتزوجين مائة جلدة ورجم بالحجارة حتى الموت «١» فقد قال المفسرون والفقهاء إن عقوبة الأمة المتزوجة تظل خمسين جلدة وتغريب نصف عام لأن عقوبة الرجم لا تنصف «٢» ووجاهة هذا القول ظاهرة.
وننبه على أن هناك من قال إنه لا تغريب على الأمة الزانية ولو كانت محصنه.
والقياس يقضي أن يكون القول الأول هو الأوجه.
ونصّ الآية يفيد أن إحصان الأمة هو حالة تزوجها بعقد ومهر. وقد يرد سؤال عما إذا كانت الأمة المستفرشة من مالكها تعد محصنة أم لا. ويتبادر لنا أنها تعد كذلك. لأن الحكمة من تشديد العقوبة على المحصنين هي كون رغباتهم الجنسية متوفرة بالزواج أو بالاستفراش. والله تعالى أعلم.
وواضح من نص الآية أن نصف العذاب هو على الأمة التي أحصنت.
أما عقوبة الأمة غير المحصنة فهناك حديث يرويه ابن كثير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «ليس على أمة حدّ حتى تحصن» وروى ابن كثير أن ابن عباس كان يأخذ بهذا ويفتي بضرب الأمة إذا زنت ولم تكن محصنة ضربا تأديبيا دون حدّ معين من الجلدات. والحديث ليس من الصحاح. وهناك حديث رواه مسلم عن علي بن أبي طالب «أنه خطب يوما فقال أيها الناس أقيموا الحدّ على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن. فإن أمة لرسول الله زنت فأمرني أن أجلدها فإذا
стр. 3847
هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها قتلتها فذكرت ذلك للنبي فقال لي أحسنت» «١» وقد أورد ابن كثير هذا الحديث مع زيادة مهمة فيها توضيح جاء فيها «إن النبي ﷺ قال لعلي اتركها حتى تتماثل فإذا تعافت فاجلدها خمسين» «٢» وليس في حديث علي وضوح بما إذا كانت الأمة محصنة أم لا. بل إن قول عليّ «أقيموا الحدّ على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن، قد يفيد أن الأمة التي أمره النبي بجلدها لم تكن محصنة. وهناك حديث آخر رواه الخمسة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرّب. ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرّب. ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل شعر» «٣» . وروى ابن كثير هذا الحديث بزيادة في أوله وهي «سئل النبي عن الأمة إذا زنت ولم تحصن» «٤» .
ولو لم تصح الزيادة فإن صيغة الحديث تفيد ضمنا أن الأمر في صدد الأمة التي لم تحصن بزواج. فهو أمر موجه إلى مالكها. وليس في الحديث تعيين لعدد الجلدات، غير أن هناك حديثا يرويه الإمام مالك عن عياش بن ربيعة «أن عمر بن الخطاب أمره مع فتية من قريش بجلد ولائد الأمارة خمسين خمسين من الزنا» وولائد الأمارة هنّ إماء كان يملكهن بيت المال. والراجح أنهن لم يكن متزوجات. والمتبادر أن عمر لا بد من أن يكون أمر بذلك بناء على سنة نبوية.
وهذا العدد قد ورد في الزيادة التي يرويها ابن كثير على حديث علي بن أبي طالب الذي يرويه مسلم. بحيث يمكن القول إن تعبير (فليجلدها) في حديث الخمسة عن أبي هريرة قد قصد جلدها بالحد المعين على الإماء المحصنات وهو خمسون. فيكون النبي ﷺ والحالة هذه قد جعل حدّ الأمة غير المحصنة مثل حدّ الأمة المحصنة.
وهذه الأحاديث أوثق من حديث ابن عباس الذي يرويه ابن كثير والذي ذكر فيه أنه ليس على الأمة حدّ حتى تحصن وإنما تأديب مهما بدا وجيها. والله تعالى أعلم.
стр. 3848
وقد فسّر شارح الحديث الذي يرويه الخمسة عن أبي هريرة جملة (ولا يثرب) بعدم القسوة في الجلد. وهذا وجيه واجب الالتزام. والمتبادر أن ذلك متصل بحالة الإماء وقوة احتمال ارتكاسهن في البغاء أكثر من الحرائر.
هذا، ولقد نبّه الإمام مالك على بعض أمور متصلة بنكاح العبيد نرى المناسبة قائمة للإلمام بها «١» .
من ذلك عدم جواز تزوج العبد لسيدته الحرة. وعدم جواز تزوج الحرّ لأمته «٢» . ومن ذلك جواز تزوج العبد للحرة بإذن مالكه أسوة بجواز تزوج الحر للأمة بإذن مالكها. ومن ذلك انفساخ النكاح في حالة تملك الحرة لزوجها العبد بعد تزوجها به وتملك الحر لزوجته الأمة بعد تزوجه بها. وإذا أعتقت الحرة زوجها بعد تملكها إياه وأعتق الحر أمته بعد تملكه إياها لا تعود حالة الزوجية بينهما إلّا بعقد جديد. ومن ذلك كراهية تزوج الحر أمة بعقد وعنده زوجة حرة ومن ذلك جواز جمع العبد لأربع زوجات أسوة بالحر ولا يورد الإمام أحاديث نبوية وصحابية على ما ساق. ونراها اجتهادات في محلها غير متعارضة مع النصوص القرآنية والنبوية بل ومستلهمة من هذه النصوص والله أعلم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) .
стр. 3849
عبارة الآيات واضحة. والخطاب فيها موجّه للمسلمين وقد تضمن:
(١) نهيا عن أكل بعضهم أموال بعض بالباطل مستثنيا ما يدخل على بعضهم من بعض من الربح عن طريق التجارة والتراضي.
(٢) ونهيا عن قتل أنفسهم.
(٣) وتعقيبا على ما نهوا عنه يتضمن تقرير كون الله بهم رحيما ييسر لهم الرزق الحلال ويشملهم بالرحمة والعناية فلا يجوز أن يتحايل بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا ويعتدي بعضهم على بعض.
(٤) وإنذارا لمن يفعل ذلك منهم بالنار مما هو يسير على الله .
(٥) وتنبيها على وجوب اجتناب الكبائر التي ينهاهم الله عنها. ووعدا بتسامح الله مع من يجتنبها فيما يمكن أن يصدر منه من هفوات ثانوية حيث يغفرها له وييسر له الدخول في المدخل الكريم.
(٦) ونهيا عن التنافس والتحاسد وتشهي ما فضل الله به بعضهم على بعض في القسمة والأنصبة والربح والرزق. مع تقرير حق الرجال فيما أحرزوا وكسبوا وحق النساء فيما أحرزن وكسبن وتقرير كون الله هو المتفضل عليهم جميعا وأن عليهم أن يسألوه من فضله فهو العليم بمقتضيات كل شيء.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... إلخ والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على مناسبة خاصة في نزول الآيات الثلاث الأولى. وقد روى المفسرون «١» أن الآية الرابعة نزلت في مناسبة قول أم سلمة لرسول الله ﷺ يغزو
стр. 3850
الرجال ولا يغزو النساء وجعل نصيب النساء نصف نصيب الرجال. وقد روى هذا الترمذي أيضا وهذا لفظه عن أم سلمة قالت يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فنزلت الآية. وشيء من هذا روي عن أم سلمة في سياق آيات سورة آل عمران [١٩٥] وسورة الأحزاب [٣٥] على ما ذكرناه سابقا. والذي يتبادر لنا أن هذه الآية غير منفصلة عن الآيات الثلاث وأن النهي فيها متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم بالباطل وهذا ما جعلنا نعرض الآيات الأربع معا.
ويجعلنا نميل إلى القول إن في رواية نزولها في مناسبة ما قالته أم سلمة التباسا. بل ويتبادر لنا من روحها وانسجامها مع الآيات الثلاث أن فيها نهيا عن أكل أموال النساء من حيث كون الرجال اعتادوا أن يتحايلوا على أموال النساء بشتى الطرق فاحتوت الآية بمناسبة النهي الوارد في الآية الأولى تثبيتا لحقوقهن ونهيا عن العدوان والتحايل عليها بأسلوب آخر جعلها تدخل في عموم النهي وفي مشمول الكبائر.
وإذا صحّ هذا التوجيه كما نرجو فتكون الآية الرابعة قد انطوت على تنبيه حاسم على حق المرأة فيما يدخل إلى يدها من مال مشروع من مختلف الطرق وحرية تصرفها فيه وأهليتها الاستقلالية لهذا التصرف ثم على حقها في النشاط والاكتساب وأهليتها لهما. بل إن هذا منطو في الآية على كل حال على ما تلهمه روحها ومضمونها بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي مرت في هذه السورة وفي سورة البقرة وشرحناها شرحا يغني عن التكرار.
والآيات الأربع كما قلنا وحدة تامة. وفيما احتوته من أوامر ونواه وإنذار وتبشير ووعيد تلقينات جليلة مستمرة المدى في صدد المواضيع المتنوعة التي تضمنتها على ما شرحناه في تأويلها شرحا يغني عن التكرار. وقد تكرر مثل ذلك بمختلف الأساليب في فصول عديدة مكية ومدنية معا. لأن ما احتوته متصل بمختلف أعمال الناس وصلاتهم ببعضهم وحياتهم ومصالحهم فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الفصول فيه.
ومع ما شرحناه لمدى الآية الأخيرة وقولنا باتصال مداها بمسائل أنصبة
стр. 3851
الإرث التي عينها الله تعالى في آيات المواريث للرجال والنساء فإن فيها تلقينا عاما يجدر التنويه به. وهو عدم طمع الناس فيما عند غيرهم مما هو من كسبهم وجهدهم وحقهم الشرعي. مع التنبيه على أن هذا لا يعني عدم التمني بأن يكون لهم مثل ذلك أو عدم الجهد في الحصول عليه من طرقه الشرعية السائغة بل إن الفقرة الأخيرة من الآية تتضمن حثا على ذلك.
وجملة لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ في الآية الأولى تأتي للمرة الثانية. وقد جاءت قبل في آية سورة البقرة [١٨٨] وشرحنا مداها بما يغني عن التكرار إلّا أن نقول إن تكرارها يفيد أن حكمة التنزيل قد توخت التوكيد على وجوب قيام التعامل بين المسلمين وبخاصة في الشؤون المالية على الحق والإنصاف واجتناب كل جنف وحيلة ووسيلة باطلة. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل.
ولقد وقف المفسرون «١» عند جملة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وهذا لم يرد في آية سورة البقرة. وقد رووا عن أهل التأويل أن التراضي الذي يجب أخذ المسلمين أموال بعضهم به في التجارة هو منح الخيار للبائع والشاري في النقض والإمضاء بعد عقد الصفقة حتى لا يبقى في نفس أي من البائع والشاري أي شيء. وروى الطبري في صدد ذلك حديثا عن مهران بن ميمون جاء فيه «قال رسول الله ﷺ البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغشّ مسلما» وحديثا آخر عن أبي قلابة قال «قال النبي ﷺ لا يفترقن بيعان إلّا عن رضا» وحديثا آخر عن ابن عباس جاء فيه «إن النبي ﷺ بايع رجلا ثم قال له اختر فقال اخترت. فقال هكذا البيع» .
وهذه الأحاديث لم ترد في الصحاح. وهذا لا يمنع صحتها، إن لم تكن نصا فروحا. وهناك أحاديث وردت في الصحاح من بابها. منها حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه «إنّ رجلا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال إذا
стр. 3852
بايعت فقل لا خلابة وفي رواية لا خيابة» «١» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يفترقنّ اثنان إلّا عن تراض» «٢» . وحديث رواه الخمسة عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» «٣» وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما تقدم «٤» . وينطوي في الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني وتعليم وتوضيح نبويان يجب الوقوف عندهما.
وهناك من قال إن الخيار الممنوح في الأحاديث يجب أن يكون في مجلس البيع وهناك من لم ير ذلك ضروريا. وأصحاب هذا المذهب أوّلوا جملة «ما لم يتفرقا» في الحديث بأنها ما لم يتفرقا في القول «٥» . وقد صوب الطبري القول الأول، إلا إذا تراضى المتبايعان على الخيار بعد الافتراق. ولعلّ هذا هو الأسدّ الأوجه.
ولقد حمل بعض المفسرين جملة وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ على ظاهرها.
ومنهم من حملها على النهي عن تعريض النفس للقتل بقتل الغير أو بأكل مال الغير بالباطل أو للهلاك بالموبقات «٦» . ويتبادر لنا أن النهي متصل بموضوع الآيات ولا سيما أنه جزء من الآية الأولى التي تنهى الناس عن أكل أموال بعضهم بالباطل.
فإما أن تكون الآية رمت إلى مفهوم معنوي وهو ما يكون في أكل الناس أموال بعضهم بالباطل الذي يكون قتل النفس في معنى من معانيه وفي تعريضها لعقوبة الله. وإما أن تكون رمت إلى النهي عن العدوان على النفس بسبيل الإرث ومشاكله
стр. 3853
ولا سيما أن مشاكل الإرث كثيرا ما تبعث على البغي والجريمة. ولعل التشريع الإرثي الجديد قد أحدث بعض الأحقاد وساق بعض الناس إلى البغي والعدوان.
ولعلّ الآية الرابعة رمت فيما رمت إليه إلى تهدئة النفوس في صدد ذلك وتوطينها على الامتثال لما شرع الله.
وهذا الذي نقوله لا يقلل وجاهة حمل الجملة على ظاهرها من حيث كون قتل الإنسان نفسه مما يقدم عليه بعض الناس في كل ظرف ومكان بسبب ما يلمّ بهم من أزمات نفسية ومادية وجملة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً التي جاءت بعد الجملة تنطوي في هذا المقام على تهدئة ومعالجة حيث تهتف بالمسلمين: إن الله يظل شاملا إياهم برحمته فيجب أن لا ييأسوا ويقدموا على قتل أنفسهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق ذلك بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا. ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلدا فيها. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها» «١» وحديث رواه البخاري عن جندب بن عبد الله البجلي قال «قال رسول الله ﷺ كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا فحزّ بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عبدي بادرني بنفسه حرّمت عليه الجنة» «٢» حيث يفيد هذا أن قاتل نفسه مخلد في النار وحيث ينطوي فيه على كل حال تنبيه على أن قتل الإنسان نفسه ليس أمرا شخصيا، له الحرية فيه وإنما هو جريمة كبرى يعاقب الله عليها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي حديثا عن جابر بن سمرة قال «أتي النبيّ ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلّ عليه» «٣» .
стр. 3854
ومما لا ريب فيه أن هذه الجريمة داخلة في جملة الكبائر المنهي عنها التي نبهت الآية الثالثة من الآيات على وجوب تجنبها ووعدت من يتجنبها بالمدخل الكريم.
وبعض المفسرين أوّلوا المدخل الكريم بالجنة. ومع وجاهة هذا التأويل فإن إطلاق الجملة القرآنية يسوغ القول باحتمال أن يكون ذلك في الحياة أيضا. ولقد وعد المتقون بالحياة الحسنة في الدنيا بالإضافة إلى ما هو أحسن في الآخرة كما جاء في آية سورة النحل هذه وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) «١» .
ولا شك في أن اجتناب الكبائر يضمن للمسلم حياة كريمة مطمئنة في الدنيا بالإضافة إلى ما يضمنه من نعيم ورضوان في الآخرة.
ومع أن المتبادر أن جملة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ راجعة إلى ما ذكرته الآية الأولى من الآيات لأنها متصلة بها مباشرة فإن الطبري روى عن عبد الله بن مسعود وغيره أن ذلك يشمل كل ما ورد من المنهيات في جميع الآيات من أول السورة. ومع ذلك فإن جمهور المفسرين أخذوها على إطلاقها أيضا واعتبروها شاملة على الحثّ على اجتناب كل ما نهى الله ورسوله عنه من كبائر.
وليس في هذا بعد عن مفهوم الجملة ظاهر فيما نرى.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة فيها بيان كبائر الذنوب وموبقاتها.
ولقد أوردنا طائفة من هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية [٣١] من سورة النجم فنكتفي بهذا التنبيه. مع تكرار القول إن ما جاء في الأحاديث ليس على سبيل الحصر وإن في القرآن كبائر لم تذكر بأعيانها بهذا الوصف في الأحاديث مثل الكذب والميسر والظلم والنفاق والفساد في الأرض إلخ.
ولقد أولنا كلمة سَيِّئاتِكُمْ في الجملة التي جاءت بعد الجملة السابق
стр. 3855
ذكرها بالذنوب الثانوية استلهاما من روح الجملة ونصها. وعلى هذا فيكون في جملة نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ بعد جملة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ بشرى للمؤمنين وتخفيف عنهم ينطوي فيهما معالجة وحكمة ربانية جليلة. فالله يعلم ضعف الإنسان وعدم استطاعته التفلت من نزعات النفس وأهوائها بالمرة ويعلم أن هناك ما قد يدق عن فهم مداه بصورة عامة من هفوات قد تبدر منه عن حسن نية أو غفلة أو بغير تعمد للأذى والإثم والمخالفة أو ما يكون ضرره وأذاه محدودا فآذن المسلمين في هذه الجملة أن المهم هو اقتراف الموبقات والكبائر والفواحش فإذا ما اجتنبوها ودللوا بذلك على التزامهم حدود الله وقاموا بما عليهم من واجبات نحوه ونحو خلقه أسبغ عفوه وغفرانه على ما يلمون به من الأخطاء والهفوات الثانوية. وقد تضمنت هذا المعنى آيات سورة النجم هذه وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ [٣٢] على ما شرحناه في سياق تفسيرها.
[سورة النساء (٤) : آية ٣٣]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
. (١) موالي: جمع مولى في معنى الوارث على قول الجمهور.
تعليق على الآية وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... إلخ
لم نطلع على رواية في مناسبة نزول هذه الآية. وقد يتبادر أنها استمرار للآيات السابقة وأن الضمير المخاطب فيها راجع إلى المؤمنين الذين وجه إليهم الخطاب في تلك الآيات.
ولقد تعددت أقوال المفسرين في مفهوم الفقرة الأولى من الآية. فهناك من قال