(١) ثبات: جماعة بعد جماعة أو سرية بعد سرية.
(٢) ليبطئن: بمعنى التثبيط والتعويق عن القتال والتخويف منه.
(٣) يشرون: هنا بمعنى يبيعون على ما قاله المؤولون. وليس من مانع أن تكون في معناها اللغوي المعروف فيكون معنى الجملة (الذين يشترون الحياة الآخرة بالدنيا) ولقد كان الخوارج يسمون أنفسهم (الشراة) على هذا المعنى على الأرجح واقتباسا من الكلمة ومداها على كل حال.
(٤) والمستضعفين: الذين استضعفهم الكفار فتسلطوا عليهم أو ضعفوا عن نضالهم. والجملة معطوفة على سبيل الله أي وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين ونصرتهم.
(٥) القرية الظالم أهلها: جمهور المفسرين على أن الجملة تعني مكة.
(٦- ٧) الطاغوت والشيطان: هنا مترادفان بمعنى الشيطان.
وفي هذه الآيات:
(١) نداء موجه للمسلمين يؤمرون فيه بالحذر والاستعداد للعدو والنفرة إلى الجهاد جماعة بعد جماعة أو جمعا واحدا.
(٢) وإشارة تنديدية إلى فريق منهم يثبط همم المسلمين عن الجهاد ويبطئهم فيه، ويظهر ارتياحه وغبطته إذا أصاب سرية من المجاهدين مصيبة وهزيمة لأنه لم يخرج فيها، ويعد ذلك من مظاهر نعمة الله عليه وعنايته به. ثم هو لا يخجل من حسد سرية يفتح الله عليها بنصر وغنيمة ولا يمنع نفسه من التمني أن لو كان فيها فيكون له نصيب فيما نالته كأنه لم يكن بينه وبين أفرادها مودة توجب عليه أن يفرح لما تناله من نصر وغنيمة ويحزن لما يصيبها من مصيبة وهزيمة.
стр. 3922
(٣) وتحريض للمؤمنين المخلصين، فعلى الذين يفضلون الآخرة على الدنيا وما عند الله على ما في الحياة أن يقاتلوا في سبيل الله. ووعد لهم بعظيم الأجر عند الله سواء اقتلوا وماتوا شهداء أم انتصروا وفازوا على الأعداء.
(٤) وسؤال إنكاري فيه معنى التنديد والحثّ عن سبب قعود القاعدين من المسلمين عن الجهاد في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين من المسلمين الذين تسلط عليهم الكفار في مكة وأرهقوهم بالأذى والظلم مما جعلهم يجأرون إلى الله مبتهلين أن يهيىء لهم أسباب النجاة من الظالمين وبلدهم وأن يقيض لهم نصيرا ينصرهم وينقذهم.
(٥) وبيان لحالة المسلمين والكفار من القتال على سبيل التحريض والحث أيضا. فالمؤمنون إذا قاتلوا فإنما يقاتلون في سبيل الله ولهم منه التأييد والأجر في حين أن الكفار إنما يقاتلون في سبيل الشيطان. فعلى المؤمنين أن لا يهابوا الكفار فإنما هم يقاتلون أولياء الشيطان وإن كيد الشيطان ضعيف لن يقف أمام تأييد الله ونصره.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً وما بعدها لآخر الآية [٧٦]
والآيات فصل جديد أو بالأحرى جزء من فصل جديد لأن الآيات التالية لها استمرار لها موضوعا وسياقا. وليس بينها وبين السياق السابق وموضوعه صلة.
وإن كان يلمح شيء من التناسب بينها وبين سابقاتها من حيث إنها تحتوي تنديدا بفريق من المسلمين يقف موقفا غير مستحب من الجهاد في سبيل الله ودعوته والمجاهدين مشابها للتنديد الذي احتوته الآيات السابقة بفريق من المسلمين يقف موقفا غير مستحب من الاحتكام لرسول الله والتسليم بحكمه. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت بعدها بسبب اتصال ظرف النزول أو تكون نزلت لحدتها في وقت آخر ووضعت بعد الفصل السابق بسبب ذلك التناسب.
стр. 3923
ولم يرو المفسرون على ما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات.
والذي يتبادر لنا ويلهمه مضمونها وروحها أنها نزلت في ظرف أخذ يصل فيه إلى النبي أخبار عن اشتداد الأذى والضغط على المسلمين المستضعفين الذين تسلط عليهم أقاربهم في مكة ومنعوهم من الالتحاق بالنبي، وقد ذكرت ذلك الروايات وذكرت أسماء بعضهم معا «١» ، فأخذ النبي يستثير حمية المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله وسبيل إنقاذهم وإزعاج الكفار في مكة من أجل ذلك. ويظهر- وهو ما يلهمه مضمون الآيات- أن فريقا من المسلمين والمرجح أنهم من المنافقين ومرضى القلوب كانوا يقفون من ذلك موقف المعارض المثبط. فكان ذلك كله سبب نزول الآيات داعية حاثة مهونة منددة. وفي كل هذا صور من صور السيرة النبوية في العهد المدني.
وليس في الآيات ما يساعد على تعيين الظروف التي نزلت فيها الآيات وإن كان من الممكن أن يلمح فيها وفي الآيات التالية لها قرينة على أنها نزلت في وقت مبكر.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها انطوت على تلقينات جليلة مستمرة وشاملة. وأوجبت على المسلمين واجبات دائمة واحتوت علاجا روحيا يمدهم بالقوة. فالجهاد ضد من يناصبهم العداء ويتربص بهم الدوائر واجب. والاستعداد له والحذر منه وعدم الاطمئنان بما يبدو منه أحيانا من سكون واجب. ومساعدة المسلمين لإخوانهم المستضعفين الذين توقعهم الظروف في أيدي الأعداء وتحكم البغاة والطغاة لتحريرهم منهم واجب. والتكاسل عن هذه الواجبات تقصير يسخط الله والتثبيط عنها إثم منكر عنده. والإقبال عليها عنوان على الإيمان والإخلاص والمقبلون عليها مؤيدون بنصر الله ونائلون للأجر العظيم عنده. وليس لأعدائهم قوة روحية تساعدهم على الصبر الدائم لأنهم يسيرون بوساوس الشيطان. وهذه
стр. 3924
القوة متوفرة للمسلمين لأنهم يجاهدون في سبيل الله. ولهم الفوز والأجر العظيم على كل حال سواء غلبوا أو غلبوا وقتلوا.
يضاف إلى هذا ما في الصورة التي رسمتها الآيات للمنافقين ومرضى القلوب والجبناء من تلقين مستمر لأنها من الصور التي تظهر في كل ظرف من ظروف الجهاد والنضال حيث تعمد هذه الفئات إلى التثبيط والتعويق والتخويف ولا تتورع عن إظهار الحسد والغيظ إذا كان فوز ونصر، والشماتة والفرح إذا كانت هزيمة ومصيبة. والجملة القرآنية تنطوي على تقبيح هذه الفئات والتشنيع عليهم والإهابة بالمسلمين إلى اجتناب أخلاقهم وحضهم على الوقوف منهم موقف الشدة والزراية.
والآية [٧٤] بخاصة جديرة بالتنويه والتنبيه من حيث انطواؤها على أمر رباني حاسم لكل مسلم بأن يقاتل في سبيل الله دون حساب للعاقبة والنتيجة في الدنيا ودون أن يكون قلة المقاتلين وكثرة الأعداء مانعتين لهم من القتال ودون مبالاة بالتثبيط والتبطيء اللذين يحاولهما مرضى القلوب إذا كان هذا القتال هو السبيل الوحيد للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولمكافحة الظلم والظالمين. ولقد أورد الخازن في سياق هذه الآية حديثا ورد في صحيحي البخاري ومسلم بصيغة أوفى وهي «تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة حين كلم لونه لون دم وريحه مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل. ولفظ البخاري لوددت أني أقتل في سبيل الله فأحيا ثم أقتل فأحيا ثم أقتل فأحيا ثم أقتل» «١» حيث ينطوي في الحديث تلقين متساوق مع التلقين القرآني من
стр. 3925
حثّ وتشويق وترغيب بأسلوب نافذ. وهناك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن جابر عن النبي ﷺ يحسن أن يورد في هذا المقام جاء فيه «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. ولفظ أبي داود ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال. وفي لفظ مسلم لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» «١» حيث ينطوي في الحديث بشرى وتطمين نبويان رائعان في مداهما بأن أمر الله تعالى وهتافه في الآية سوف يظل متحققا مطاعا.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٧ الى ٨٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)
. (١) بروج مشيّدة: البروج هنا بمعنى الحصون العالية. وهناك من قرأ (مشيدة) بضم الميم وتشديد الياء بمعنى المبنية بالجصّ الأبيض الذي كان من أسباب متانة البناء. وهناك من قرأها بفتح الميم وكسر الشين بمعنى مزينة أو حصينة.
في هذه الآيات:
(١) تساؤل إنكاري وتعجبي في مقام التنديد بفريق من المسلمين بسبب
стр. 3926
ارتياعهم من فرض الله القتال عليهم وإظهارهم الخوف من الناس كخوفهم من الله أو أشدّ وتساؤلهم تساؤل الفزع المستنكر عن سبب فرض ربهم القتال عليهم وتمنيهم أن لو أخره مدة أخرى مع أن منهم من كانوا يستعجلونه ولم يؤذن لهم به، واكتفى منهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأمروا بكفّ أيديهم عن القتال.
(٢) وأمر للنبي ﷺ مطمئنا مهونا: فمدة الدنيا قصيرة ومتاعها تافه ضئيل.
والآخرة خير وأبقى لمن يتقي الله ويستجيب لأوامره. ولن ينقص من أجرهم عنده شيء إذا ساروا في طريق واجبهم وماتوا قبل إتمامه. والموت عليهم محتم حينما يأتي أجلهم وهو مدركهم سواء أكانوا في ساحات القتال أم في حصون عالية منيعة.
(٣) وحكاية تنطوي على التقريع لما كان يقوله هذا الفريق فإذا أصابتهم حسنة قالوا إنها من الله وإذا أصابتهم سيئة قالوا إنها من النبي بسبب أوامره وحركته. وأمر للنبي بالردّ عليهم بأن كل ذلك من الله وأن قولهم هذا لا يصدر إلا عن أناس لا يكادون يفهمون معنى الكلام ومرماه ومداه.
(٤) وتقرير قرآني مباشر وجّه الخطاب فيه للنبي ﷺ بأن ما أصابه من حسنة فمن الله وما أصابه من سيئة فمن نفسه، وبأن الله تعالى إنما أرسله رسولا مبلغا والله شهيد على كل شيء وكفى به شهيدا. وبأن الرسول إنما يبلغ أمر الله فمن أطاعه فإنما يطيع الله ومن أعرض عن الاستجابة إلى ما يدعو إليه ويأمر به فليس عليه تبعة فإن الله لم يرسله ليكون مسؤولا عن أعمال الناس ومكلفا بحفظهم من الانحراف والإعراض.
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ.. إلخ وما بعدها إلى آخر الآية [٨٠]
ولقد روى المفسرون عن بعض أهل التأويل من التابعين «١» في صدد الآية
стр. 3927
الأولى رواية تفيد أن بعض كبار المسلمين وأقويائهم مثل عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود استأذنوا النبي ﷺ في مكة بمقابلة أذية المشركين لهم وللمسلمين بالمثل وقالوا له لقد كنّا ونحن مشركون في عزّ ونكون الآن في ذلّ إذا رضينا بما يفعله فينا المشركون ولكن النبي ﷺ لم يأذن لهم لأن الله لم يكن قد أذن بذلك وأمرهم بالصبر والمثابرة على ما كتب الله عليهم من صلاة وزكاة. فلما فرض القتال على المسلمين بعد الهجرة وأذن لهم بقتال أعدائهم وأخذ النبي يدعوهم إلى ذلك ارتاع بعض المستأذنين وبدا منهم ما حكته الآيات. ومن الذين رووا هذه الرواية من روى أن الاستئذان وقع من أصحاب رسول الله الأولين وأن الاعتراض بدا من المنافقين. ومنهم من روى أن الاعتراض وقع حين نزول فرض الجهاد ثم تاب المعترضون وصاروا يستجيبون لدعوة النبي إلى الجهاد بإخلاص باستثناء المنافقين. وهناك رواية يرويها المفسرون تذكر أن الآية نزلت في اليهود الذين فعلوا في سابق تاريخهم ما حكته الآيات تحذيرا للمسلمين من أن يصنعوا صنيعهم. وقد رووا «١» في صدد الآية الثانية أن الفقرة الأولى منها نزلت ردا على المنافقين الذين قالوا إنه لو لم يخرج الذين قتلوا في وقعة أحد إلى القتال لما قتلوا وأن الفقرة الثانية منها حكاية لقول اليهود والمنافقين بأن النبي منذ قدم إلى المدينة جلب عليها وعلى أهلها المصائب لما كان من سوء المواسم وقلة الخصب ثم حكاية لقولهم إن نصر بدر كان من تيسير الله وفضله وإن هزيمة أحد كانت بسبب سوء تدبير النبي ﷺ .
وليس شيئا من هذه الروايات واردا في الصحاح. والذي يتبادر لنا وتلهمه الآيات مضمونا وروحا أنها وحدة منسجمة لا تتحمل هذا التقطيع والتفاوت في الفترات الذي يفيده تعدد الروايات وتباعد ظروفها وأن الآيات مع سابقاتها ولا حقاتها سياق واحد. وأن ما فيها من حكاية الفزع والارتياع من فرض الجهاد متصلة بالدعوة الواردة في الآيات السابقة. وأن ذلك إنما كان من المنافقين
стр. 3928
ومرضى القلوب الذين حكت الآيات السابقة موقفهم وأقوالهم. وأن الآيات استهدفت فيما استهدفته توكيد الحث على الجهاد وتوكيد واجب طاعة النبي وتسليته في هذا الموقف الممض الذي يقفه بعض المتظاهرين بالإسلام من الدعوة إلى الجهاد ومن التبرم به والتشاؤم منه. ولقد روت الروايات أن الحركات الجهادية الأولى بعد الهجرة وقبل وقعة بدر كانت من قبل المهاجرين فقط لأن النبي ﷺ إنما أخذ عهدا من الأنصار بالدفاع عنه ومن أجل هذا استشارهم قبل نشوب القتال في وقعة بدر فكان منهم ذلك الموقف الرائع على ما شرحناه في سياق تفسير آيات البقرة [١٩٠- ١٩٤ و ٢١٥- ٢١٨] وفي سياق تفسير سورة الأنفال. وعلى ضوء هذا يمكن القول إن المعنيين في الفقرة الأولى هم أهل المدينة الذين لم يكلفوا في بدء الأمر بحرب وقتال هجومي واكتفى منهم بالدفاع والقيام بواجب الصلاة والزكاة. فلما كتب القتال وقف المنافقون هذا الموقف الذي حكته الآيات فنزلت الآيات تندد بهم. وفي سورة محمد آية تؤيد كون المنافقين هم أصحاب هذا الموقف وهي وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ ... [٢٠- ٢١] حيث تفيد أن المؤمنين المخلصين كانوا ينتظرون منذ أوائل عهد المدينة أن يأذن الله لهم بالقتال وأن المنافقين وقفوا نفس الموقف الذي حكته الآيات التي نحن في صددها حينما أنزلت آية محكمة فرض فيها القتال أو ذكر فيها القتال وظهر عليهم الفزع الشديد كالذين يغشى عليهم من الموت..
وبناء على هذا نستطيع القول بشيء من الجزم إن ما تفيده الرواية من كون بعض المسلمين الأولين الذين كانوا يستأذنون النبي بمقابلة المشركين على أذاهم وعدوانهم في مكة فلا يؤذن لهم أو بعضهم والذين حكت الروايات ذلك عنهم في سياق تفسير بعض الآيات المكية ومنها آية سورة الجاثية [١٤] على ما شرحناه في سياقها هم أو بعضهم الذين خافوا واعترضوا حينما كتب الله على المسلمين الجهاد لا يمكن أن يكون صحيحا لا سيما والروايات مجمعة على أن السرايا والحركات الجهادية التي جرت قبل وقعة بدر إنما كانت منهم ومن أمثالهم حالما أذن الله لهم
стр. 3929
بمقابلة العدوان بمثله وبمقابلة أعدائهم المشركين الذين كانوا يقاتلونهم ويؤذونهم في آيات سورة الحج [٣٩- ٤١] وسورة البقرة [٢١٥] على ما شرحناه في سياق تفسيرها.
ويمكن القول والحالة هذه إن هذه الآيات قد نزلت كذلك مبكرة كسابقاتها.
وربما نزلت بعد وقعة بدر أو وقعة أحد. ولعل هذا من أسباب جعل هذه السورة في ترتيبها المتقدم بعض الشيء. وهذا الفصل مثل آخر مما قلناه في مقدمة السورة من وجود فصول فيها متقدمة في النزول على فصول في سور أخرى متقدمة عليها في الترتيب.
تعليق على جملة وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وعلى جملة ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
ولقد كانت هاتان الجملتان موضوع بحوث كلامية «١» وقد توهم بعضهم أن بينهما تناقضا وقد تصدى المفسر الخازن للتوفيق بينهما فقال إن إضافة كل شيء إلى الله هي على الحقيقة وإن إضافة السيئة للإنسان هي على المجاز لبيان كون ذلك بسبب ذنب اقترفه أو تقصير وقع فيه ومن قبيل وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ في الآية [٨٠] من سورة الشعراء حيث احتوت الجملة حكاية قول إبراهيم الذي نسب المرض وأسبابه لنفسه والشفاء لله تعالى. ولقد تصدى السيد رشيد رضا في تفسيره للمسألة فقال إن فيها حقيقتين الأولى كون الله تعالى خالق الأشياء التي هي مواد المنافع والمضار وواضع النظام والسنن لأسباب الوصول إلى هذه الأشياء بسعي الإنسان. والثانية كون الإنسان لا يقع في شيء يسوءه إلا بتقصير منه في استبانة الأسباب وتعرف السنن. ومهما يكن من أمر فإنه يتبادر لنا من سياق الآيات وروحها أنها لا تتحمل حيرة ولا جدلا. ولم تستهدف تقرير أصول كلامية. وأن التقريرات التي احتوتها هي ما اقتضاه سياق الكلام وظروفه. ففي الجملة الأولى
стр. 3930
حكاية لأقوال المنافقين الذين كانوا ينكرون أن ما نالهم من خير هو من بركة هجرة النبي إليهم وينسبونه إلى الله حتى لا يعترفوا بفضل هذه الهجرة وليس عن إيمان صادق. وكانوا في نفس الوقت ينسبون ما يصيبهم من كوارث حربية وغير حربية إلى النبي وهجرته إليهم. فنددت الآية الأولى بأقوالهم وردت عليهم. ثم احتوت الآية الثانية تقريرا توضيحيّا وتعقيبيّا على ذلك. فما يصيب النبي أو الإنسان من خير وتوفيق فهو من فضل الله حيث يكون قد سار وفق توجيهه. وما يصيبه من شرّ فهو من نفسه حيث يكون انحرف عن هذا التوجه. وعلى هذا فلا يكون في الجملتين ما يفيد عدم مسؤولية الإنسان عن عمله وعدم تأثير تقصير الإنسان فيما يقع عليه أحيانا من مصائب ونوائب. وهذه النقطة بخاصة أكثر ما دار حولها الجدل. مع أن في القرآن المكي والمدني تقريرات عديدة صريحة ومحكمة في ذلك. وهي التي ينبغي أن تكون الضابط في ما تحتويه العبارة القرآنية في بعض الآيات من إطلاق وعدم حسم مما تكون اقتضته حكمة التنزيل وسياق الكلام وظروفه على ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة سابقة.
ولقد روى الطبري عن أهل التأويل أن كلمة حَسَنَةٍ في الجملة الأولى عنت ما كان يناله المقاتلون من غنائم ونصر ورخاء وأن كلمة سَيِّئَةٍ فيما عنت ما كان ينالهم من شظف وهزيمة وجراح. وكانوا يقولون إن ما ينالهم من هذا هو من سوء تدبير النبي ومن ذاك هو من فضل الله ولا أثر للنبي فيه. وأن الآية بسبيل الرد عليهم وتسفيههم. كما روى قولهم أن الجملة الثانية إما أن تكون موجهة للسامع مطلقا أو للنبي ﷺ لتؤذنه بأن ما يصيبه من خير هو من فضل الله وما يصيبه من شرّ هو عقوبة على ما اجترحت يداه.
وهذا التأويل يدعم ما قلناه من أنه ليس في الآيات تناقض ولا تتحمل في مقامها جدلا مع التنبيه على أن جملة وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً تجعل الخطاب للنبي في الجملة الثانية هو الوارد.
وقد جاء في آية آتية بعد هذه الآيات بيان تنديدي بالمنافقين فيه تنبيه على أنه
стр. 3931
لو كان القرآن من عند غير الله لكان فيه اختلاف كثير حيث ينطوي في هذا تقرير لكون ما في الآيات لا يمكن أن يتناقض.
هذا، ومع خصوصية الآيات الزمنية من حيث احتواؤها على صورة من السيرة النبوية في العهد المدني فهي كسابقاتها تحتوي تلقينا عاما مستمر المدى والمدد بوجوب القتال في سبيل الله والإقدام عليه دون حساب للموت المحتوم على جميع الناس. والمحدد الأجل وإسلام الأمور إلى الله الذي هو وحده مرجع جميع الأمور ونتائجها. وبتقبيح الصورة التي ترسمها الآيات لمرضى القلوب والتي تظهر في كل ظروف القتال ووجوب اجتنابها أيضا.
والآية الأخيرة جديرة بالتنويه لما فيها من تقرير حاسم لكون طاعة الرسول هي عنوان أو دليل على طاعة الله الذي أرسله حيث ينطوي فيها أولا توكيد سلطان النبي على المسلمين وواجب طاعتهم له مما فتئت الآيات المدنية تكرره. وثانيا تقرير لعصمة النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربّه. فلا يمكن أن يؤذن الله المسلمين بأن طاعة رسوله عنوان ودليل على طاعته إلّا وهو يعلم أنه معصوم فيما يبلغه عن الله وفيما يأمرهم به بأمر الله وإلهامه. وأنه معصوم عن الأمر بما فيه شرّ وضرر على الإطلاق. وواضح أن طاعة الرسول التي هي عنوان طاعة الله بعد وفاته هي في اتباع ما صحّ عنه من سنن قولية وفعلية على ما شرحناه في مناسبة قريبة سابقة.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
. (١) ويقولون طاعة: ويقولون سمعا وطاعة لما تقول.
(٢) فإذا برزوا: فإذا خرجوا.
стр. 3932
(٣) بيّت: نوى في نفسه. وأصل التبييت ما يقرر في الليل من أمور وهجوم العدو على عدوّه ليلا مفاجأة وهو غار في ليله ونومه وبيوته. ومنه جملة أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً في آية سورة يونس [٥٠] .
وفي الآيتين:
(١) إشارة تنطوي على التنديد بالفريق الذي هو موضوع التقريع في الكلام السابق حيث كانوا يقولون سمعا وطاعة لما كان النبي يأمرهم به ثم لا يلبثون حينما يخرجون عنده أن يقرروا فيما بينهم خطة مخالفة لما أبرموه ووافقوا عليه.
(٢) وتنديد رباني لهم فالله مراقبهم ومحص عليهم أعمالهم ونياتهم ومجزيهم بما يستحقون.
(٣) وتسلية للنبي ﷺ وتهوين لأمرهم: فلا ينبغي أن يعبأ أو ينزعج من مواقفهم وليجعل اتكاله على الله ونعم هو الوكيل والمعتمد.
(٤) وتساؤل إنكاري ينطوي على التقريع لهم والتعجب من أمرهم: فالنبي إنما يتلو عليهم القرآن الذي يوحي به الله إليه. وإنما يأمرهم بالسير بمقتضى أمر الله فيه. ولو تدبروا فيه لما وجدوا فيما يتلوه عليهم ويأمرهم به أي اختلاف وتناقض.
وهذا دليل على أنه من عند الله . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
لم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآيتين والمتبادر أنهما متصلتان بالآيات السابقة سياقا وموضوعا واستمرارا لها. وفيها صورة أخرى من صور مواقف المنافقين الذين هم موضوع الكلام والتنديد في الآيات السابقة. وهي صورة خبيثة ممضة. ولذلك انطوى في الآيتين جواب وتحدّ قويان وتسلية وتطمين للنبي ﷺ وقد تلهم الآية الثانية أن المنافقين كانوا يظنون أن ما كان يأمر به النبي هو من عنده أو أنهم كانوا يشكون فيما يتلو من الفصول القرآنية بسبب ما كانوا يرونه من تنوع الأساليب. وقد نددت الآية بهم لأنهم يظنون أو يشكون بغير نظر وتدبر. وقررت أنهم لو نظروا فيه وتدبروا لما وجدوا أي اختلاف الجزء الثامن من التفسير الحديث ١٢
стр. 3933
في حين لو كان من عند غير الله لوجدوا من ذلك الشيء الكثير.
تعليق على الآية أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
ولقد تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل في صدد الاختلاف الذي كان يمكن أن يجدوه في القرآن لو كان من عند غير الله. من ذلك: الخلط والتناقض فيما هو حق وما هو باطل، وما هو خير وما هو شرّ، وما هو صواب وما هو خطأ. ومن ذلك أنه التفاوت البياني حيث لا يأتي القرآن على وتيرة واحدة أو طبقة واحدة من البلاغة والفصاحة. ومن ذلك أنه التناقض في الأخبار والتقريرات الغيبية والكونية. ومن ذلك أنه التناقض في التحليل والتحريم والحل والإباحة. ومن ذلك أنه التناقض في المبادئ والمقاصد. وأكثر هذه الأقوال معزوة إلى ابن عباس وغيره من أصحاب رسول الله وتابعيهم.
ومع أن جميع هذه الأقوال واردة في صدد مدى الآية العام فإن الذي يتبادر لنا ونراه متسقا مع سياق الآيات السابقة- والآيتان جزء من السياق كما قلنا- أن المنافقين اتخذوا أمر النبي ﷺ بكفّ الأيدي عن القتال ثم فرضه والدعوة إليه- وهذا ما أشير إليه في بعض الآيات السابقة- حجة للقول بأن النبي متناقض في أوامره ونواهيه. فاحتوت الآية ما احتوته من ردّ وتحدّ على النحو الذي شرحناه بأسلوب قوي التقرير بأن ذلك هو الحقّ الذي لا يتحمل مراء.
ومع أن المتبادر أن ذلك التقرير متصل مباشرة بموضوع الكلام السابق على ما نبهنا عليه فإنّ الردّ والتحدي جاءا بأسلوب عام ومطلق ينطبقان ويشملان كل ما جاء في القرآن المكي والمدني على السواء إذا ما نظر فيه بتدبر وتفكر مرتفعين إلى مستوى سموّ الهدف القرآني ومجردين عن الغرض والتعنت والرغبة في المراء واللعب بالألفاظ والتمحل في المسائل الوسائلية والمتشابهات حيث يجد المتدبر فيه بهذه الروح أن الأسس والمبادئ والأهداف والتقريرات والآيات المحكمات
стр. 3934
الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية متساوقة متطابقة تامة الانسجام والأحكام، ليس بينها اختلاف وتناقض. وما قد يراه من تنوع وتبدل لا يعدو أن يكون أسلوبيا وصورا تطورية وخطوات تشريعية اقتضتها ظروف الدعوة وسيرها وظروف المجتمع الذي نزلت فيه لأول مرة واقتضتها كذلك أهداف التدعيم. وليست هذه مع ذلك متناقضة أو جامدة لتكون محل تطبيق في الظرف الذي نزلت فيه فقط، وهي في الوقت نفسه متساوقة مع الأسس والأهداف والمبادئ.
ومن الأمور الهامة في هذا الأمر وجوب اعتبار القرآن كلا متكاملا يوضح بعضه بعضا ويتمم بعضه بعضا ويعطف بعضه على بعض. والناظر فيه إذا استوعب كل ما فيه واجد لكل ما قد يبدو له موهما تفسيرا ولكل ما قد يبدو له ناقصا تتمة ولكل ما قد يثير الحيرة تأويلا ويلمس بالتالي المعجزة الكبرى التي فيها مصداق الآية الكريمة ولقد اهتممنا بهذه المسألة في مناسبات كثيرة مرّت في السور التي سبق تفسيرها ففسرنا بعض الآيات ببعض وعطفنا بعضها على بعض وأتممنا بعضها ببعض فأثبتنا بالنصوص ما قررته الآية. ومن واجب المسلم على كل حال أن يؤمن بالآية. فإذا لم يستطع أن يستوعب القرآن ولم يتبين له تأويل لما قد يتوهمه أو ما يظنه مشكلا في إحدى الآيات فعليه أن يسأل أهل العلم المستوعبين أو يكل الأمر إلى الله تعالى ولا يجوز له أن يظن أن في القرآن اختلافا وتناقضا.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية أحاديث نبوية عديدة أوردناها في سياق تفسير آية المحكمات والمتشابهات في سورة آل عمران تذكر غضب رسول الله من الجدل في القرآن وتنهى عن ضرب بعضه ببعض وتقرر أن الله إنما أنزله ليصدق بعضه بعضا وتأمر بإيكال ما لم يتبين لناظره الوجه الحق لتأويله وحكمته إلى الله تعالى. حيث ينطوي فيها تلقين نبوي يجب الالتزام به وتأييد لما قررناه آنفا.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٣]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
.
стр. 3935
(١) أذاعوا به: أفشوه بين الناس.
(٢) الذين يستنبطونه: الذين يستطيعون معرفة الحقيقة فيه. والاستنباط في اللغة استخراج ما في الباطن وأكثر ما كان يطلق على استخراج الماء من جوف الأرض.
في هذه الآية:
(١) تنديد بالمنافقين الذين هم موضوع الكلام في السياق السابق لأنهم كانوا مما يفعلونه حينما يصل إليهم خبر من أخبار الحرب والسياسة وسواء أكان سارّا أو مسيئا ومطمئنا أو مثيرا للخوف أن يذيعوه بين الناس.
(٢) وبيان لما كان يوجبه عليهم الإخلاص والطاعة والإيمان وهو إبلاغه لرسول الله ولأولي الأمر منهم والوقوف عند هذا الحدّ حيث ينظر النبي وأولو الأمر في الأمر ويستعينوا بأهل الخبرة في معرفة الحقيقة ويتم التصرف في الأمر وفقا لما تقضي به المصلحة.
(٣) وتذكير للمسلمين بفضل الله تعالى ورحمته وعنايته وهدايته. وأنهم لولا ذلك لكان أكثرهم متبعين للشيطان.
تعليق على الآية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...
لم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآية.
والمتبادر أنها متصلة سياقا وموضوعا بالآيات السابقة أيضا. وفيها صورة خبيثة ممضة أخرى من مواقف المنافقين. وتوطيد لسلطان النبي ﷺ وأولي الأمر والعلم.
стр. 3936
وتأديب للمسلمين فيما يجب أن يسيروا عليه في مثل هذا الموقف وتقريع للذين يخالفون ذلك.
والمقصد من ذكر أولي الأمر مع الرسول يحتمل أن يكون كما هو المتبادر إيجاب ردّ الأمر إلى أولي الأمر أو الرؤساء في حال غيبة الرسول عنهم أو غيبتهم عنه أو في حالة وجودهم في سرية جهادية حيث كان قواد السرايا يلقبون بالأمراء وبأمراء المؤمنين في زمن النبي ﷺ «١» .
ومع خصوصية الآية الزمنية فإن فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى سواء أفي صدد ما يجب على أفراد المسلمين أم على أولي الأمر منهم: فليس للأفراد أن يقوموا بأعمال منفردة مما هو متصل بشؤون الدولة وأمنها وسلامتها. وعليهم حينما يتصل بعلمهم خبر متعلق بمثل ذلك أن يرفعوه إلى أولي الأمر فيهم. وعلى أولي الأمر أن يوكلوا أمور الدولة ومسائل سلامتها وأمنها إلى الخبراء المختصين أو يستشيروا فيها الخبراء المختصين أو يفعلوا الأمرين معا لأنهم هم القادرون على فهم الأمور واستنباط الحقائق من الوقائع وتحديد ما هو الأفضل والأصلح والأقوم. وقد يتفرع عن هذا أنه ليس للأفراد أن ينفردوا في تنفيذ ما قد يتراءى لهم من أعمال متصلة بشؤون الدولة. فهذا من شأن أولي الأمر والحل والعقد والعلم والخبرة. وعلى الأفراد أن يرفعوا ما يتراءى لهم أن فيه مصلحة إلى هؤلاء وأن يسمعوا ويطيعوا لهم. فإن الانفراد في ذلك مؤدّ إلى الفتنة والفوضى فضلا عن أنه غير مضمون الصواب.
والآية وإن كانت للتنديد بمن يتسرع في إذاعة ما يبلغه من أمر متصل بالأمن والخوف فإنه يتبادر لنا أن تلقينها شامل لكل من يتسرع في الكلام على عواهنه ويندمج في إشاعة الشائعات بغير تثبت وبكثير من الخوض فيما ليس فيه خير ومصلحة. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية بعض الأحاديث النبوية التي تنهى عن ذلك حيث يكون هذا المفسر قد استلهم منها ما استلهمناه من التلقين العام. ومما
стр. 3937
أورده حديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» «١» وحديث رواه الشيخان عن المغيرة بن شعبة قال «إنّ رسول الله ﷺ نهى عن قيل وقال» . وحديث رواه أبو داود جاء فيه: «بئس مطية الرجل زعموا» . وهناك أحاديث أخرى يمكن أن تساق في هذا المساق منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إن العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب وفي رواية إنّ العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار» «٢» وحديث رواه الشيخان والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال «قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» «٣» وحديث رواه الترمذي والحاكم وأحمد عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ قال «إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «٤» .
وفي الأحاديث تلقين وتأديب نبويان رائعان استلهمناهما من الآية من الشمول والله أعلم.
وكما أوّل بعض المفسرين جملة وَأُولِي الْأَمْرِ في الآية [٥٩] من هذه السورة بعلماء الدين وفقهائه أوّلوا الجملة هنا بذلك أيضا. وقالوا إن على الأفراد أن يردوا كل أمر من أمور الدين إليهم ويسيروا وفق ما يستنبطونه من قواعد وأحكام «٥» . ولقد علقنا على ذلك ورجحنا أن المقصود بأولي الأمر هم أولو الأمر السياسيون والعسكريون في الدرجة الأولى.
والعبارة القرآنية هنا أكثر صراحة ودلالة على كون المقصود بأولي الأمر هم
стр. 3938
أصحاب الحكم والسلطان والقيادة لأن الأمر الذي يجب على الناس ردّه إليهم هو مسائل الأمن والخوف وبعبارة ثانية مسائل الحرب والسياسة.
على أن محتوى الآية يمكن أن يكون موضع قياس من حيث إيجاب ردّ كل شيء إلى أولي العلم والخبرة والشأن فيه والسير فيه وفق ما يستنبطونه من مآخذه القرآنية والنبوية والأمثلة والعرف والمصلحة وحيث يدخل في ذلك الشؤون الفقهية والشؤون الاجتماعية والسياسية والحربية.
ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن ذلك منوط بقدرة هؤلاء على الاستنباط علما وعقلا وخبرة وأنه شامل لكل ظرف ودور.
ولقد روى الطبري أقوالا عديدة في مدى جملة إِلَّا قَلِيلًا منها أنهم أكابر أصحاب رسول الله. ومنها أنهم القادرون على الاستنباط ومعرفة الحقائق منهم.
ومنها أنهم الذين لا يذيعون ما يصل إليهم ويرفعونه إلى الرسول وأولي الأمر والعلم.
وجميع هذه الأقوال واردة. مع القول إن روح العبارة تسوغ القول بأنها هدفت إلى تحذير الجمهور من التصرف الفردي الاعتباطي ورفعها إلى القادرين على التصرف فيها وهم عادة الأقل. والله تعالى أعلم.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
. الخطاب في الآية موجّه إلى النبي ﷺ ويتضمن:
(١) تقرير ما يجب عليه: فعليه أن يقاتل في سبيل الله. وهو في هذا الأمر مسؤول عن نفسه غير ملزم بإجبار غيره. وعليه كذلك أن يحرّض المؤمنين على القتال.
(٢) وتأميلا للنبي والمؤمنين فعسى الله إذا ما وقفوا من الأعداء موقف الاستعداد والجهاد والتضامن أن يكفّ عنهم بأسهم وضررهم ويعينهم. وهو القادر على ذلك لأنه الأشدّ بأسا والأشدّ تنكيلا.
стр. 3939
تعليق على الآية فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ومسألة الإجبار على الجهاد والجندية
وقد روى المفسرون أن الآية نزلت في مناسبة دعوة النبي المسلمين إلى الخروج إلى موعد أبي سفيان الذي واعده بعد وقعة أحد من سنتها القابلة، حيث تثاقل الناس. فأعلن النبي بناء على هذه الآية أنه ذاهب إلى الموعد ولو بنفسه فانضمّ إليه من أصحابه سبعون ووصلوا المكان المتفق عليه وهو بدر فلم يجدوا أعداءهم لأن أبا سفيان أخلف الوعد بحجة الجدب «١» .
والرواية لم ترد في كتب الصحاح. ولم يروها الطبري. ولكنّا نرى صحتها محتملة بل إنه يرد على الخاطر أن السياق السابق منذ الآية [٧١] قد نزل والله أعلم في هذه المناسبة. فمن المحتمل أن يكون فريق من المسلمين المستجدين أو الذين في قلوبهم مرض ولم يرسخ إيمانهم قد ترددوا في الاستجابة إلى دعوة النبي إلى الخروج للقاء المشركين القرشيين بناء على موعد أبي سفيان وتذمروا بعد أن وقع عليهم ما وقع من هزيمة وخسائر في وقعة أحد فنزلت الآيات منددة مذكرة منذرة واعظة ثم جاءت الأخيرة التي نحن في صددها لحسم الموقف فأوجبت على النبي القتال بنفسه على كل حال وأعفته من المسئولية عن غيره والاكتفاء بتحريض المسلمين على القتال.
وفي الآية ثم في الآيات السابقة لها من الآية [٧٠] وما بعد صورة لما كان عليه الحال حين نزولها في أمر الجهاد كما هو المتبادر. حيث كان سلطان النبي ﷺ لم يتوطد توطيدا يجعله قادرا على التجنيد الإجباري إن صح التعبير. وقد استمر هذا طيلة حياته أيضا على ما تفيده آيات عديدة منها فصل طويل في سورة التوبة، نزل في مناسبة غزوة تبوك التي كانت في السنة التاسعة للهجرة. ولعل ذلك متصل بحياة العرب الاجتماعية والمعاشية. غير أن المنافقين وبعض المسلمين في
стр. 3940
المدينة والبادية كانوا يقفون نتيجة لذلك مواقف سلبية من دعوة النبي إلى الجهاد ويتثاقلون ويترددون فكان ذلك مما يؤلم النبي ويحزنه ويثيره وقد نزل في ذلك آيات قوية منددة منذرة، ومن أقوى ما نزل في هذا الباب آيات التوبة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) وآيات سورة الصف هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) .
وفي الآية معنى قوي حيث تأمر النبي بقتال من يجب قتاله في سبيل الله ولو كان وحده. لأن عليه أن يقوم بهذا الواجب على كل حال. والفرق بين هذه الآية والآية [٧٤] هو أن الآية [٧٤] هتفت بكل من يشري الحياة الدنيا بالآخرة أن يقاتل ويدخل في الهتاف النبي ﷺ وغيره وجماعات المسلمين وأفرادهم بعده في حين أن هذه الآية توجب ذلك على النبي ﷺ شخصيا ولو كان لوحده ولقد قال بعضهم «١» إن الله لم يأمره بذلك إلّا لما عرف من شجاعته وقدرته على مواجهة أعدائه مهما كثروا. ويتبادر لنا أن ما ذكرناه هو الأكثر وجاهة وورودا. وفي الآية [٧٤] دعم لذلك حيث تأمر كل مسلم ولو كان فردا بالقيام بهذا الواجب.
ولقد أورد ابن كثير «٢» حديثا رواه ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال «سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. قال لا. لقد قال الله تعالى لنبيه فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ» . والحديث ليس من الصحاح، ولكن صحته محتملة. وهو تفسير لأحد كبار أصحاب رسول الله للآية متطابق مع مداها نصا
стр. 3941
وروحا وفي النطاق الذي تبادر لنا أنه الأوجه والله تعالى أعلم.
ونستطرد إلى القول إنه ليس في هذا- فيما نعتقد- ما يمنع السلطان في الإسلام على إجبار القادرين من المسلمين على التجنيد والقتال ضدّ البغي والعدوان إذا قدر على ذلك. فالجهاد فرض من فروض الإسلام كالزكاة. وكونه فرض كفاية لا يضعف من فرضيته. ولقد ظلت أساليب الدعوة إلى أداء الزكاة هي الأخرى في نطاق الترغيب والترهيب والتشويق في زمن النبي ﷺ حيث كان هذا هو المتسق مع الحياة الاجتماعية والمعاشية القائمة، ثم صار السلطان الإسلامي آمرا مجبرا عليها وصار هذا الإجبار نظاما محكما من أنظمة الدولة في عهد أبي بكر ومن بعده حتى إن أبا بكر قاتل الممتنعين عن أداء الزكاة واعتبرهم مرتدين عن الإسلام. فليس ما يمنع أن يقاس الجهاد على الزكاة وأن يكون للسلطان الإسلامي حق إجبار القادرين عليه في نطاق ما تتطلبه المصلحة من ضمان سلامة المسلمين وكيانهم وحريتهم ودفع الأذى والبغي عنهم. وفي سورة التوبة آية تأمر بالمناوبة في النفرة إلى الجهاد وتجعل ذلك كفرض على مختلف فئات المسلمين وهي هذه وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) والله أعلم.
هذا، ومع خصوصية الآية الزمنية من حيث صلتها بالسيرة النبوية وبشخص النبي الكريم فإنّ فيها تلقينا جليلا شاملا وهو أن على كل مسلم أن يعتبر نفسه مخاطبا بالآية لأن له الأسوة الحسنة برسول الله. وأن على كل مسلم حينما يدعو داعي القتال في سبيل الله والقيام بواجب من الواجبات التي تتصل بمصلحة المسلمين العامة وأمنهم وسلامتهم أن يسارع إلى ذلك ويقدم عليه دون أن يعتذر بغيره أو يبالي بكثرة عدوه وصعوبة العمل المدعو إليه. وأن هذا مما يجب كذلك ومن باب أولى على أولي الأمر وأصحاب الشأن في المسلمين مع واجب آخر هو أن يكونوا في الطليعة في الإقدام على القيام بذلك الواجب ليكونوا الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة لغيرهم.
стр. 3942
ولقد ضرب الخليفة الأول أبو بكر ﵁ المثل العظيم في ذلك بعد رسول الله حينما نشبت حركة الردة، واتسع نطاقها حيث أبى أن يتراجع أو يتساهل حينما طلب إليه بعض كبار أصحابه ذلك بسبب الظروف الصعبة وخوفا من تفاقم الخطب فقال قولته الشهيرة بأنه لو لم يبق إلّا وحده لقاتلهم «١» .
[سورة النساء (٤) : آية ٨٥]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)
. (١) من يشفع: قيل في تأويلها في مقامها إنها من شفاعة الناس بعضهم ببعض أو بعضهم لبعض وقيل إنها بمعنى التأييد والمساندة والموالاة. ولعل هذا المعنى أكثر ورودا في مقامها مع سياق الآيات.
(٢) كفل: هنا بمعنى نصيب أو قسم أو تبعة.
(٣) مقيتا: قادرا أو مراقبا أو حسيبا.
في الآية تقرير عام يتضمن كون الذي يدعو إلى الخير ويشجع عليه ويعضده له نصيب من عواقبه الحسنة. وكون الذي يدعو إلى شرّ ويشجع عليه ويعضده له نصيب من عواقبه السيئة والله قادر على كل شيء مجز كلا بما يستحق.
تعليق على الآية مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ... إلخ
ولم يرو المفسرون رواية خاصة في نزول الآية. ولكنهم رووا عن بعض التابعين أنها نزلت في شفاعات الناس في بعضهم أو لبعضهم «٢» . وقد صرف
стр. 3943
الطبري الشفاعة الحسنة إلى الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ضد الكفار الأعداء، والشفاعة السيئة إلى موالاة الكفار ضد المسلمين. والذي يتبادر لنا أن الآية قد جاءت معقبة على الآيات السابقة. وأن القصد من الشفاعة الحسنة هو الدعوة إلى الجهاد وتعضيده والإقدام عليه، ومن الشفاعة السيئة التثبيط عنه والمعارضة فيه.
وهذا وذاك كان من متناول الآيات السابقة تنويها وتنديدا. ويأتي بعد الآية التالية لهذه الآية آيات فيها حملة وتحريض على المنافقين موضوع الكلام السابق حيث يؤيد هذا ما قلناه من صلة الآية بالسياق السابق وكونها استمرارا له.
ولقد رأينا رشيد رضا يذكر وجها آخر لتأويل الآية وهو أن من المحتمل أن يكون بعضهم اعتذر عن المنافقين الذين يقفون من الدعوة إلى الجهاد موقف المثبط والمتثاقل. أو يكون بعضهم تشفعوا فيهم فنزلت الآية لتنبههم إلى أن لكل صاحب شفاعة نصيبا من مدى شفاعته. من يشفع في مقام فيه خير ومصلحة يكن مصيبا وله الحسنى. ومن يشفع في مقام فيه شرّ وضرر لمصلحة المسلمين يكن مخطئا وعليه وزر ذلك. ولا يخلو هذا من وجاهة. وهو متصل بمدى الآية وشرحنا لها. ويجعل الاتصال بينها وبين ما قبلها قائما أيضا.
وينطوي في الآية تلقين مستمر المدى بتجنيد كل دعوة إلى الخير والسعي فيه وتقبيح كل دعوة إلى الضرر والسعي فيه، وتبشير لفاعلي الخير والساعين فيه والداعين إليه وإنذار لفاعلي الضرر والساعين فيه والداعين إليه.
ولقد اعتبر المفسرون الآية كما قلنا في صدد الشفاعة أي الوساطة بين الناس في قضاء مصالحهم وتجنيبهم ضرر بعضهم. والعبارة القرآنية بإطلاقها تتحمل هذا أيضا. ولقد أوردوا في سياق ذلك حديثا نبويا فيه حثّ على الشفاعة بين الناس جاء فيه عن أبي موسى قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال:
اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» «١» .
стр. 3944
[سورة النساء (٤) : آية ٨٦]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)
. في الآية خطاب موجّه للمسلمين فيه تنبيه على أنهم إذا ما حيّاهم أحد بتحية فواجبهم أن يجيبوا عليها بأحسن منها أو بمثلها على الأقل. وأن الله محص على الناس أعمالهم ومحاسبهم عليها.
تعليق على الآية وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ... إلخ
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآية.
وكلام المفسرين فيها كلام عن آية مستقلة فيها تأديب وتعليم للمسلمين في صدد السلام. والذي يتبادر لنا أنها هي الأخرى متصلة بالآيات السابقة كسابقاتها اتصال تعقيب وعظة وتأديب وتمثيل. فالمسلمون قد دعوا إلى الجهاد وهي دعوة إلى الخير. والمنافقون يقفون من هذه الدعوة موقف المعارضة والتثبيط. وواجب المسلمين الإجابة على الدعوة وأن لا يقصروا في ذلك أو يثبطوا عنها كما هو الأمر في حالة ما إذا حيّوا بتحية. حيث يجب عليهم أن يقابلوها بما هو أحسن منها أو بمثلها.
والآية بحدّ ذاتها فصل تام المعنى تحتوي تلقينا تأديبيا رفيعا للمسلمين في كل ظرف بوجوب مقابلة التحية بأحسن منها أو بمثلها على الأقل. وروحها تلهم أن التلقين التأديبي شامل للتحية أو الكلمة الطيبة أو الدعوة الطيبة أو العمل الطيب على السواء. وتوجب على المسلم حسن المقابلة على أي قول وعمل فيه خير وأدب وعطف وبرّ ونفع.
стр. 3945
وإطلاق الجملة القرآنية، وصيغة المجهول في جملة وَإِذا حُيِّيتُمْ تسوغان القول إن الأمر فيها عام يشمل كل فئة من الناس بقطع النظر عن الجنس والدين والعمر.
ولقد روى المفسرون أحاديث نبوية عديدة في السلام وآدابه، ومنها ما رواه أصحاب كتب الأحاديث الصحيحة. وفيها تأييد للشمول الذي ذكرناه آنفا.
من ذلك حديث رواه أبو داود والترمذي ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أفلا أدلّكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» «١» ، وحديث عن أبي هريرة رواه الترمذي «قال النبي ﷺ : اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وأفشوا السلام» «٢» وحديث عن أبي هريرة رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن النبي «يسلّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير» وحديث عن أنس رواه الترمذي قال «قال لي النبيّ: يا بني إذا دخلت على أهلك فسلّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك» «٣» وحديث عن سيار رواه الخمسة قال «كنت أمشي مع ثابت البناني فمرّ بصبيان فسلّم عليهم وقال كنت أمشي مع أنس فمرّ بصبيان فسلّم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع النبي ﷺ فمرّ بصبيان فسلّم عليهم» «٤» وحديث رواه أبو داود وابن ماجه عن أنس جاء فيه «انتهى إلينا رسول الله وأنا غلام في الغلمان فسلّم علينا» «٥» وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أسماء بنت زيد قالت «مرّ علينا النبي في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم» »
وحديث رواه البخاري والترمذي عن أسامة بن زيد جاء
стр. 3946
فيه «إن النبيّ مرّ بمجلس وفيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلّم عليهم» «١» وحديث رواه أبو داود عن علي أن النبي ﷺ قال «يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم» «٢» وحديث رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة قال «قال النبي إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلّم فليست الأولى بأحقّ من الآخرة» «٣» وحديث رواه الترمذي عن أبي جريّ أن النبي قال «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم ورحمة الله» «٤» وحديث عن جابر أن النبي قال «السلام قبل الكلام» «٥» وعنه قال «لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلّم» . وكلا الحديثين رواهما الترمذي بسند واحد.
وحديث رواه الترمذي وأبو داود جاء فيه «قيل يا رسول الله: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال أولاهما بالله» «٦» . ولقد أثر عن ابن عباس أنه قال «من سلّم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا» «٧» .
وجمهور العلماء متفقون على أن البدء بالسلام سنة مستحبة والردّ عليه واجب والممتنع عن الردّ آثم «٨» . وهذا متسق مع روح الآية ومضمونها.
ولقد روى مسلم وأبو داود حديثا جاء فيه «إنّ بعض أصحاب رسول الله قالوا له إنّ أهل الكتاب يسلّمون علينا فكيف نردّ عليهم فقال: قولوا وعليكم» «٩» . ومع هذا الحديث أحاديث مفسّرة ومعلّلة منها حديث عن ابن عمر عن النبي رواه البخاري ومسلم وأبو داود جاء فيه «إذا سلّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام
стр. 3947
عليك فقولوا وعليك» «١» ومنها حديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة قالت «دخل رهط من اليهود على رسول الله فقالوا: السام عليك، ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله، مهلا يا عائشة فإنّ الله يحبّ الرفق في الأمر كله.
فقلت يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟! قال فقد قلت وعليكم» وفي رواية لمسلم «فسمعت عائشة فسبّتهم فقال رسول الله: مه يا عائشة فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التفحّش» «٢» . وواضح من هذا أن التعليم النبوي متصل بما كان من مواقف اليهود الكيدية والعدائية والمؤذية، بحيث يسوغ القول إنه ليس من شأنه أن يمنع المسلم من ردّ التحية على غير المسلم بأحسن منها أو بمثلها إذا كانت بريئة من الكيد واللمز صادرة عن رغبة المسالمة والموادة عملا بنصّ الآية وبنص آية سورة الممتحنة هذه لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) بل وليس من شأنه أن يمنع المسلم من التسليم على جماعة من أهل الكتاب أو فيهم أهل كتاب استنادا إلى الحديث الذي رواه البخاري والترمذي الذي أوردناه آنفا. والله أعلم.
ويلحظ أن بعض الأحاديث لا تقتصر في تلقينها على التساوق مع الآية في إيجاب ردّ التحية بالأحسن أو بالمثل بل احتوت تأديبا ببدء الغير بالتحية أيضا.
وليس في هذا تناقض مع الآية وإنما هو توضيح وتتمة نبويان واجب الالتزام بهما أيضا.
ولقد علقنا في سورة الزخرف على موضوع السلام في القرآن والحديث ومداه فننبّه على ذلك في هذه المناسبة.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٧]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) .
стр. 3948
في الآية خطاب موجّه إلى السامعين يؤكد لهم بأن الله تعالى جامعهم إلى يوم القيامة وأن هذا أمر حتم لا يحتمل أي شكّ. فالله متنزه عن الإخلاف بوعده ووعيده ولا يمكن أن يقول إلّا صدقا.
ولم يرو المفسرون كذلك في ما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول هذه الآية. والمتبادر أنها هي الأخرى متصلة بالسياق اتصالا تعقيبيا كسابقاتها. فقد احتوت الآيات السابقة وعدا ووعيدا وتقرير كون الله تعالى حسيبا وقادرا على كل شيء ومحصيا أعمال الناس ومجزيا عليها بما تستحق فجاءت هذه الآية لتؤكد هذا بتوكيد جمع الناس إلى القيامة الذي يكون فيه الحساب والجزاء.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
. (١) أركسهم: أخزاهم وردّهم وأهلكهم.
(٢) من أضلّ الله: في بعض الأقوال أنها هنا في معنى من خذله الله وأخزاه وأشقاه. وعلى كل حال فجملة بِما كَسَبُوا تجعل جملة مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ من باب وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[البقرة: ٢٦] .
في هاتين الآيتين:
(١) سؤال موجّه إلى المؤمنين على سبيل الإنكار والتعجب عن سبب انقسامهم فرقتين في أمر المنافقين في حين أن أمرهم لا يتحمل ذلك لأن ما بدا منهم من نفاق ومواقف أظهر حالتهم التي ارتدوا بها إلى الكفر واستحقوا بها خزي الله وخذلانه وإضلاله.
(٢) وسؤال استنكاري عما إذا كان المؤمنون يريدون أو يظنون أنهم الجزء الثامن من التفسير الحديث ١٣
стр. 3949
يستطيعون أن يهدوا من أضلّه الله وأخزاه في حين أن من يخذله الله ويخزيه لن يكون له سبيل للخلاص من خزيه وخذلانه.
(٣) وتقرير لواقع نية المنافقين نحو المؤمنين. فهم يودون أن يكفروا كما كفروا ويرتكسوا في الخزي والضلال والكفر كما ارتكسوا حتى يكونوا وإياهم سواء.
(٤) ونهي للمؤمنين عن اتخاذ أولياء ونصراء منهم إلّا إذا هاجروا في سبيل الله وأخلصوا وقاموا بما عليهم من واجبات.
(٥) وإهدار لدمائهم إذا لم يرجعوا عن غيّهم ولم يتعظوا من هذا الإنذار حيث يجب على المسلمين في هذه الحالة أن يقتلوهم حيث وجدوهم وأن لا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا في أي حال.
تعليق على الآية فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ إلخ والآية التالية لها
وقد روى المفسرون «١» في سبب نزول هذه الآيات ثلاث روايات: منها أنها نزلت بحق أناس أسلموا وهاجروا إلى المدينة ثم احتالوا ولحقوا بدار الكفر زاعمين أنهم استوبؤوا المدينة واستثقلوا المقام فيها. ومنها أنها بحق أناس أسلموا ولم يهاجروا إلى المدينة مع قدرتهم على الهجرة. ومنها أنها بحق منافقي المدينة الذين خذلوا المسلمين في وقعة أحد حيث اختلف المخلصون في أمرهم فقالت فرقة بقتلهم وقالت فرقة بعدم قتلهم. والروايتان الأوليان لم تردا في الصحاح وقد ورد في معنى الرواية الثالثة حديث رواه البخاري والترمذي عن زيد بن ثابت جاء فيه «رجع ناس من أصحاب النبي ﷺ من أحد. وكان الناس فيهم فرقتين. فريق يقول اقتلهم وفريق يقول لا فنزلت فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» «٢» .
стр. 3950
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون لمعنى جملة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ منها «١» أنها بمعنى الهجرة والانتقال إل المدينة والالتحاق بالنبي ﷺ .
ومنها أنها تعني طاعة الله ورسوله والإخلاص لهما. والتضامن مع النبي والمسلمين. وروح الآية تتحمل هذه التأويلات. غير أن ظروف السيرة النبوية وانصباب الكلام والتنديد على المنافقين يجعل المعنى الأخير هو الأكثر ورودا، والله أعلم.
وبدء الآيات بحرف الفاء الذي فيه معنى التعقيب على ما سبق وذكر مواقف التثبيط والتبطيء والمراوغة والاعتراض على القتال في السياق السابق يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة. وأصحاب تلك المواقف هم منافقو المدينة بحيث يمكن أن يكون في هذا تأييد لحديث زيد. غير أننا مع ذلك نتوقف أن تكون الآيات نزلت في أمر وقعة أحد لأننا لا نرى مناسبة لذلك في هذا السياق. وقد ورد تفصيل ما جرى في هذه الوقعة في سورة آل عمران وندد فيها بالمنافقين تنديدا شديدا. ونرجح أنها في صدد مواقفهم المحكية في السياق السابق، وإن في الحديث التباسا أو تطبيقا والله أعلم.
ولقد رأينا القاسمي يستشكل أن يكون المقصودون منافقي المدينة من ناحية أنهم كانوا بين المسلمين فلا يكون محل للقول فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ولسنا نرى إشكالا ونرى أن العبارة يمكن أن تصدق على منافقي المدينة ولا سيما إذا أخذ بتأويل جملة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمعنى حتى يطيعوا الله ورسوله ويتضامنوا مع المسلمين. والله تعالى أعلم.
لقد جاءت الآيات حاسمة لاختلاف المسلمين في منافقي المدينة حيث أمرتهم إذا ظلوا على موقفهم وإعراضهم عن الجهاد في سبيل الله والإخلاص في طاعة الله ورسوله بأن يقتلوهم حيث وجدوهم ولا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا.
стр. 3951
وهذه هي المرة الثانية التي يأمر القرآن المسلمين فيها بقتل المنافقين حيث وجدوهم. والمرة الأولى جاءت في آية سورة الأحزاب [٦٠] باختلاف في الشرط والتعبير حيث ذكر في آية الأحزاب جملة لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ ... وذكر في هذه الآيات جملة فَإِنْ تَوَلَّوْا....
ولقد علقنا على هذه المسألة في سياق آية الأحزاب بما فيه الكفاية فلا نرى حاجة للإعادة أو الزيادة.
هذا، ولقد انطوى في الآيات تلقين جليل المدى بتحريم كل من يدعي الإسلام ثم لا يتضامن مع المسلمين في الأزمات والمواقف العصيبة التي تلمّ بهم ولا يقيم البرهان بذلك على صحة إسلامه وإخلاصه بل ويرتكس في الخزي أكثر فيودّ أن يكون المسلمون مثله في التخاذل. وهذه الصورة تظهر في كل ظرف ومكان في الأزمات والمواقف العصيبة والنضالية. وقد أمرت الآيات هنا وهناك بوجوب الوقوف منهم موقف الشدة والمطاردة والتنكيل. فضلا عن عدم التناصر والتضامن والتسامح معهم.
[سورة النساء (٤) : آية ٩٠]
إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
. (١) حصرت صدورهم: بمعنى ضاق عليهم الأمر أو تضايقوا من قتالكم أو قتال قومهم.
(٢) السلم: بمعنى الانقياد أو المسالمة.
في الآية استدراك استثنائي من حكم الآيتين السابقتين لمن ينتسبون إلى قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق سلم ولمن جاءوا إلى المسلمين يعتذرون عن قتالهم
стр. 3952
وقتال قومهم ويعلنون لهم أنهم لا يريدون أن يقاتلوهم مع قومهم ولا يريدون أن يقاتلوا قومهم معهم. فهؤلاء وأولئك إذا وقفوا فعلا موقف الكافّ عن قتال المسلمين وأظهروا لهم المسالمة الصادقة فليس للمسلمين عليهم سبيل لعداء وقتال. وجملة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ جاءت معترضة لبيان فضل الله على المسلمين بإلهام هؤلاء المسالمة وتعليل أو تدعيم عدم جعل الله للمسلمين عليهم سبيلا.
تعليق على الآية إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... إلخ وحكم علاقة المسالمين بالمسلمين
وقد روى المفسرون «١» أن المعني بالفريق الأول إما هو هلال بن عويمر السلمي الذي واثق رسول الله ﷺ عن قومه على أن لا يحيف على من أتاه منهم ولا يحيفون على من أتاهم منه، وإما سراقة بن مالك المدلجي الذي جاء إلى النبي ﷺ فأخذ منه ميثاقا بأن لا يغزو قومه فإن أسلمت قريش أسلموا لأنهم كانوا في عقد مع قريش. ورووا أن المعنّى بالفريق الثاني هم قبيلة أشجع التي قدم منها إلى المدينة نحو سبعمائة فحلوا في ضواحيها فأرسل النبي إليهم أحمالا من التمر ضيافة ثم سألهم ما الذي جاء بكم قالوا قرب دارنا منك وكراهيتنا حربك وحرب قومنا يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد فجئنا لنوادعك فقبل النبي ووادعهم.
وإلى هذه الروايات رووا أيضا أن الآية في صدد بني بكر الذين دخلوا في عهد قريش وبني خزاعة الذين دخلوا في عهد النبي- وهما قبيلتان في ناحية مكة متعاديتان- حينما عقد النبي مع قريش الصلح المعروف بصلح الحديبية حيث خيروا القبيلتين فاختار بنو بكر أن يكونوا مع قريش واختار بنو خزاعة أن يكونوا مع النبي. فصار بين بني خزاعة وبين النبي والمسلمين ميثاق وصار بنو بكر يصلون إلى قريش الذين صار بينهم وبين النبي والمسلمين ميثاق. وليس شيء من هذه
стр. 3953
الروايات واردا في الصحاح. والآية متصلة بالآيات السابقة وقد رجحنا نزول هذه الآيات في وقت مبكر. ولهذا فإننا نستبعد احتمال كون الآية في صدد بني بكر وبني خزاعة لأن صلح الحديبية كان متأخرا نوعا أي في السنة الهجرية السادسة. وروح الآية تلهم أن الاستثناء عائد إلى أناس معاهدين وإلى أناس يريدون الموادعة والوقوف موقف الحياد. وهذا وذاك ينطبقان على الروايات الأولى والثانية أكثر.
غير أن الذي يشكل علينا في الآية هو ما إذا كان المستثنون فيها ممن يدعي الإسلام أو ممن يصح عليه نعت المنافقين أو من الكفار. فصيغة الاستثناء تفيد أن المستثنين من نوع الفريق الذي هو موضوع الحديث في الآيات السابقة وهم المنافقون أو الذين اعتبروا كذلك لأنهم لم يقيموا الدليل على إيمانهم بالتضامن والقتال مع المسلمين والإخلاص في الطاعة لله ولرسوله. غير أن فحوى الآية يحتمل كثيرا معنى كون المستثنين غير مسلمين. فالمعاهدون والذين تنقبض صدورهم عن قتال المسلمين والذين لو شاء الله لسلطهم على المسلمين فقاتلوهم لا يكونون مسلمين بطبيعة الحال. وتعبير أَوْ جاؤُكُمْ مما يزيد الإشكال أيضا.
فإنه قد يفيد أن يكونوا جاءوا مسلمين وأرادوا أن يقفوا في قتال المسلمين مع قومهم موقف الحياد. كما يفيد أنهم جاءوا معتذرين معلنين حيادهم. وفحوى الآية يفيد أن حكمة التنزيل تعذرهم على هذا الموقف. ولم يشف صدرنا ما اطلعنا عليه من أقوال المفسرين في هذا الصدد.
على أننا مع كل هذا نرى النفس تطمئن إلى ترجيح كون الفريقين موضوع الحديث غير مسلمين. وهو ما تفيده الروايات أيضا. ولعل الاستثناء عائد إلى الفقرة الأخيرة من الآية السابقة التي تنهى عن الأمر بالقتل. وإذا صحّ هذا كما نرجو، تكون الآية استطرادية ويزول الإشكال.
ومهما يكن من أمر فالآية تنهى المسلمين عن قتال وقتل من ينتسب إلى معاهديهم، أو من يدخل في عهد معاهديهم، أو من يقف منهم موقف الحياد والسلم ولو كان منتسبا إلى قوم محاربين للمسلمين. وهكذا تكون قد احتوت
стр. 3954
تنظيما للعلاقات السياسية بين المسلمين وغير المسلمين. ووصفا لثلاث فئات من غير المسلمين وهي:
(١) المعاهدون. (٢) ومن يدخل في جوارهم وميثاقهم. (٣) والحياديون الذين يعلنون موقفا مسالما نحو المسلمين ويعتزلون قتالهم مع قومهم المحاربين للمسلمين. وقد قررت أنه ليس للمسلمين أن يقاتلوا أية فئة من هذه الفئات. وفي هذا من الحكمة ما يظل في أعلى مرتبة من أصول تنظيم العلاقات السياسية بين المسلمين وغير المسلمين على مدى الدهر. ويقوم على أسمى أسس الحق والعدل والإنصاف.
ولقد روى المفسرون «١» أن هذه الآية قد نسخت بآية في سورة التوبة تأمر بقتل المشركين إلى أن يتوبوا عن الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهي الآية [٥] ونصّها فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ والآيات التي جاءت قبل آية سورة التوبة هذه وبعدها تستثني الذين بينهم وبين المسلمين عهد وتأمر بإتمام عهدهم إلى مدته بالنسبة لمن بينهم وبين المسلمين مدة محددة وبالاستقامة معهم على العهد ما استقاموا لمن لم يكن بينهم مدة محددة. وبالتالي تجعل القول بنسخها وبخاصة بالنسبة للمعاهدين غريبا بل في غير محله. وقد لا حظ ذلك بعضهم «٢» وتساءل تساؤل المستنكر عما إذا كان يصح أن تكون منسوخة بشأن المعاهدين لأن ذلك يعني نقضا للعهد. وهي ملاحظة حق.
ولقد علقنا على هذه المسألة بما فيه الكفاية في مناسبات سابقة «٣» . وإن كان
стр. 3955
من شيء نقوله هنا زيادة على ذلك فهو كون ما تقدم هنا وفي المناسبات السابقة يسوغ التوكيد بمحكمية الآية. وهناك آثار نبوية وراشدية يستند إليها أئمة الفقه في إيجاب الدية على قاتل الذمي خطأ وفي إيجاب الدية المغلظة أي المضاعفة في قول وإيجاب القصاص في قول على قاتل الذمي عمدا «١» . وفي هذا توكيد بمحكمية حكم الآية. وتعبير الذمي مرادف للمعاهد. والتسمية آتية من كون المعاهدين يعطون العهد على ذمة الله ورسوله والمؤمنين أي كفالتهم وضمانهم. ولقد روى البخاري والترمذي عن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» «٢» حيث ينطوي في هذا توثيق لما قررناه. وليس في الآثار ما يمنع أن يقاس على هذا المسالم والحيادي بحيث يصح أن يقال إن حكم الآية شامل للمعاهدين والمسالمين والحياديين والله أعلم.
ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن حكم الآية ينطبق على الفئات الثلاث المستثناة سواء أكانوا أفرادا أم جماعة. فلا يجوز قتال أحد منهم ولا قتله. وهذا مثلهم من الآية بالإضافة إلى أنه المتسق مع المبدأ القرآني العام وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] .
[سورة النساء (٤) : آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
. في هذه الآية إشارة إلى فريق آخر ينتسبون إلى قوم أعداء للمسلمين يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين وجانب قومهم معا. ولكنهم مذبذبون لا يستقرون على
стр. 3956
حال ولا يمتنعون من الانسياق مع الفتنة إذا واجهوها. فهؤلاء لا يصحّ الاطمئنان بدعواهم الحياد وبتظاهرهم بالمودة إلّا إذا أقاموا الدليل على ذلك فعلا باعتزال المسلمين وإعلان المسالمة لهم بصراحة وكفّ أيديهم عنهم بصدق وإخلاص. فإذا لم يفعلوا هذا فحكمهم حكم قومهم. وللمسلمين أن يقاتلوهم ويقتلوهم أنّى وجدوهم. وقد جعل الله لهم عليهم الحجة البالغة.
تعليق على الآية سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ... إلخ وحكم المذبذبين في علاقاتهم بالمسلمين
وقد روى المفسرون أن الفريق المعني في الآية هو بعض جماعات من قبيلتي أسد وغطفان حيث كانوا يأتون إلى المدينة فيتظاهرون بالإسلام والولاء ليأمنوا المسلمين، فإذا ما رجعوا إلى قومهم أظهروا الشرك والعداء للمسلمين مثلهم بحجة أنهم يريدون بذلك أن يأمنوا قومهم وهناك روايات تذكر أنهم جماعة من قريش أو من قبائل أخرى كانوا يفعلون ذلك «١» .
والروايات لم ترد في الصحاح وفحوى الآية وروحها يسوغان القول إنها متصلة بالآيات السابقة موضوعا وسياقا. وهذا لا يمنع صحة ما روي في الروايات وأن يكون الوصف الذي وصفت به الفريق الموصوف فيها متحققا في جماعة من أسد وغطفان أو جماعة من مشركي قريش أو غيرهم فكان ذلك مناسبة لنزولها محتوية للحكم التشريعي في حق هذه الفئة لتتم بذلك السلسلة التشريعية في حق المنافقين والمعاهدين والمسالمين والمذبذبين.
والحجة التي يقوم عليها الحكم في الآية قوية مستقيمة متمشية مع الحق والإنصاف كما هو واضح. ويظل تلقينها قائما مستمرا ينطبق على كل حالة
стр. 3957
مماثلة بطبيعة الحال. والأساس الذي تلقنه هو أن يدع المسلمون من يطمئنون بصدق حياده وكفّ يده وبموقفه السلمي وشأنه ولا يبادئوه بعداء وقتال. ولو كان من قوم عدوّ محارب. وأن لا يقاتلوا إلّا الذين لا يثبتون لهم صدق دعواهم بالحياد والمسالمة فعلا باعتزال قتالهم وكفّ أيديهم ويرون فيهم تذبذبا ودورانا مع الظروف سواء أكانت مع المسلمين أو مع أعدائهم من قومهم لنجاة أنفسهم وأمنهم وحسب.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
. تعليق على الآية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ... إلخ والآية التالية لها وأحكام القتل الخطأ والعمد بالنسبة للمسلمين والمعاهدين
عبارة الآيتين واضحة. وفيها:
(١) تقرير بعدم جواز قتل مؤمن لمؤمن البتة بأسلوب فيه استبعاد احتمال وقوع ذلك إلّا أن يكون خطأ.
(٢) وإنذار قاصم لمن يقتل مؤمنا عمدا.
(٣) وتشريع في صدد قتل المؤمن خطأ في نطاق الأسس التالية:
стр. 3958
(١) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل مؤمنين فعلى القاتل أن يعتق رقبة مؤمنة كفارة عن عمله وتوبة لله. وأن يدفع الدية لأهله إلّا إذا عفوا وتنازلوا عنها صدقة لوجه الله تعالى.
(٢) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل كفارا وأعداء للمسلمين فعلى القاتل أن يعتق رقبة كفارة عن عمله وتوبة لله وكفى.
(٣) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل كفارا ومعاهدين للمسلمين فالحكم في ذلك حكم الأول. أي تحرير رقبة مؤمنة ودية مؤداة إلى أهله.
(٤) إذا لم يمكن للقاتل أن يجد أو يعتق رقبة مؤمنة فتكون الكفارة والتوبة بدلا من ذلك صيام شهرين متتابعين.
ولقد روى المفسرون روايات في مناسبة نزول كل من الآيتين. فرووا في نزول الأولى أنها نزلت في مسلم اسمه عياش بن أبي ربيعة قتل شخصا اسمه الحرث بن يزيد العامري كان احتال عليه وخطفه من المدينة ثم عذبه وجلده فحلف أن يقتله إذا تمكن منه ثم لقيه في حرة المدينة وكان جاء من مكة مسلما مهاجرا فقتله دون أن يعلم أنه أسلم. كما رووا أنها نزلت في أبي الدرداء وكان في سرية جهاد فلقي رجلا معه غنم فبادره هذا بكلمة التوحيد فلم يصدقه وقتله وسلب الغنم. فلما رجعوا إلى النبي أنّبه وغضب لعدم تصديقه وقال له فيما قال «هلّا شققت قلبه» . ورووا في نزول الآية الثانية أنها نزلت في شخص مسلم اسمه مقبس وجد أخاه مقتولا في محلة بني النجار في المدينة فراجع النبي فأرسل معه رجلا من بني النجار يبلغهم عن لسانه أن يسلموا القاتل للقصاص منه إذا كانوا يعرفونه أو يدفعوا الدية لأخيه إذا لم يكونوا يعرفونه فأنكروا معرفة القاتل ودفعوا الدية ولكن الأخ بعد قبضه الدية غدر بالنجاري الذي أرسله معه رسول الله فقتله بدم أخيه ثم رحل إلى مكة حيث كان قومه مرتدا كافرا. وتأثر النبي ﷺ منه وقال «لن أؤمنه في حل أو حرم ولا سلم ولا حرب» فقتل يوم الفتح.
ولم يرد شيء من هذه الروايات في الصحاح. وقد رويت رواية مماثلة
стр. 3959
للرواية التي ذكر فيها أبو الدرداء في مناسبة نزول الآية التي تأتي بعد هذه الآيات.
ويلحظ أن الروايات تجعل الآيتين منفصلتين وتفيد نزول كل منهما في مناسبة وظرف غير مناسبة وظرف نزول الأخرى. في حين أنهما كما يبدو من أسلوبهما وحدة منسجمة تسوغ القول إنهما نزلتا معا. ولقد بينت الآيات السابقة حكم غير المسلمين في مواقفهم من المسلمين ومواقف المسلمين منهم، وبينت هاتان الآيتان حكم قتل المؤمن للمؤمن مما فيه تناسب ما. وقد تكون الآيتان نزلتا بعد سابقاتهما فوضعتا في مكانهما بسبب التناسب الموضوعي والظرفي أو تكونان نزلتا في ظرف آخر فوضعتا مكانهما بسبب التناسب الموضوعي. وهذا لا يمنع بطبيعة الحال أن يكون وقع أحداث مماثلة لبعض ما روي في الروايات فتليت الآيات لبيان الحكم، فالتبس الأمر على الرواة والله تعالى أعلم.
ويلحظ أن الآية [٩٢] اقتصرت على الإنذار القاصم الأخروي للمؤمن الذي يقتل مؤمنا عمدا دون تعيين عقاب دنيوي. ويمكن أن يقال إن روح الآيتين تلهم أن هدفهما الرئيسي هو تعظيم دم المؤمن على المؤمن والتشديد فيه حتى ولو كان خطأ ثم تغليظ إثمه وجريمته بالإنذار الرهيب إذا كان عمدا والذي هو على سمع المؤمن ونفسه أشدّ وقعا وأكثر هولا فاقتضت حكمة التنزيل الاقتصار عليه في هذا المقام توكيدا لذلك الهدف والاكتفاء بتشريع قتل الخطأ الذي يعفو الله عنه إذا أدى فاعله الدية وتقدم إلى الله بالتوبة والكفارة.
وواضح أن هذا يظل تلقينا مستمر المدى بوجوب احترام المؤمن لدم أخيه وشدة احترازه من سفكه ولو خطأ فضلا عن العمد.
ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في تعظيم دم المؤمن على المؤمن وعظم إثم قتله. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله جاء فيه «قال النبي ﷺ : أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء وفي رواية أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» «١» . وحديث ثان
стр. 3960
رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر جاء فيه «قال النبي ﷺ لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» «١» . وحديث ثالث رواه أبو داود والنسائي جاء فيه «كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلّا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» «٢» . وحديث رابع رواه الترمذي والنسائي جاء فيه «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» «٣» وحديث خامس رواه الترمذي جاء فيه «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار» «٤» ، حيث يتساوق التلقين القرآني مع التلقين النبوي في هذا الأمر شأنهما في كل أمر.
ولقد روى أبو داود والنسائي عن ابن عياش عن النبي ﷺ حديثا جاء فيه «من قتل في عميّا في رمي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدا فهو قود ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل» «٥» . والمتبادر من روح الحديث وفحواه أنه لم يرد به حصر قتل الخطأ في الكيفية التي ذكرت فيه. فمن السائغ توسيع النطاق ليشمل كل قتل لم يكن القتل فيه مقصودا بأية آلة وفي أية حالة. ومن تحصيل الحاصل أن يعدّ من قبيل الخطأ قتل مؤمن لشخص يظنّه المؤمن خطأ أنه كافر محارب مما ذكرته الروايات كسبب لنزول الآيات.
ولقد روى المفسرون عن بعض المؤولين القدماء أن جملة وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ تعني أن يكون القتيل غير مؤمن من قوم معاهدين كما رووا عن بعض آخر أنها تعني مؤمنا من معاهدين غير مؤمنين. وحجة الأولين ومنهم ابن عباس أن الجملة لم تقل وَهُوَ مُؤْمِنٌ كما قالت عن الذي ذكر قبلها. والآية في صدد قتل المؤمن للمؤمن خطأ. وهذا يجعل القول الثاني هو