والمتبادر أن هذه الآيات هي التي جعلت الذي يقول إن الجماع هو المس وإن الملامسة هي ملامسة بدنية تنقض الوضوء فقط.
وهكذا قام بين مذاهب الفقه لأهل السنة والجماعة مذهبان في هذا الأمر لكل منهما اجتهاد سائغ مستند إلى قرآن وحديث. واحد يقول إن الملامسة في الآية هي ملامسة بدنية وهي تنقض الوضوء، وواحد يقول إن الملامسة في الآية هي بمعنى الجماع وإن الملامسة البدنية لا تنقض الوضوء ونحن نحترم الرأيين ولا نرى حرجا على المسلم أن يعمل بأحدهما والله تعالى أعلم.
هذا، وفي كتب التفسير أحاديث وروايات أخرى في صدد التيمم من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن عمران بن الحصين «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك» .
وعلى ترجيحنا استنادا إلى النصوص القرآنية بأن الملامسة لا تعني الجماع فتكون الجملة القرآنية خالية من حكم التيمم بالنسبة لمن يصيبهم جنابة ولا يجدون ماء فكان هذا الحديث مبيّنا لهذا الحكم الذي سكت عنه القرآن.
وهناك أحاديث نبوية عديدة تذكر نواقض أخرى للوضوء غير التبرز والتبول المكنى عنهما في الآية في جملة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ.
وغير الملامسة المذكورة في الآية على رأي من أوّلها بمس بشرة المرأة مطلقا. من ذلك خروج المذي من ذكر الرجل الذي ذكر في أحاديث سابقة. ويقاس عليها خروج نزيف دموي من أحد السبيلين ومن ذلك الفساء والضراط والنوم في حالة الإضجاع والقيء ورعاف الدم ومسّ الفرج وأكل لحوم الإبل وما غير شيه على النار مع اختلافات فقهية في بعض ذلك بسبب اختلاف الأحاديث وتضاربها «١» .
стр. 3887
وحكمة الوضوء والاغتسال لا تحتاج إلى شرح طويل. ففي غسل الأطراف المكشوفة أكثر من مرة كل يوم نظافة مستمرة ذات فوائد عظمى صحية ومظهرية.
والمباشرة الجنسية وما بسبيلها تثير هياجا يذهل المرء بعض اللحظات عن كل شيء والاغتسال يهدىء هياج الجسم ويعيد إلى النفس سكونها. وهو وسيلة إلى تطهير الجسم جميعه وتنظيفه من آن لآخر مما فيه كذلك فوائد صحية ومظهرية عظمى.
ولعل جعلهما واجبا دينيا ينطوي فيه إلزام المسلمين به دون أي إهمال وتقصير. بل هذا ما تلهمه جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ في الآية [٦] من سورة المائدة التي أمر فيها بالوضوء. ويضاف إلى هذا ما في الوضوء والاغتسال من مظهر الاحتفال بالصلاة والوقوف بين يدي الله في حالة تامة من النظافة والطهارة متوافقة مع ما تنطوي عليه الصلاة من مظهر إيمان المسلم بربّه وإسلام نفسه إليه.
ثامنا: وقد يوهم نظم الآية أن جملة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً شاملة لجمله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى غير أن الجمهور متفقون على أن المرض يجيز للمريض التيمم في حالتي الحدثين الأصغر والأكبر مع وجود الماء. وهذا وجيه سديد مستفاد من حكمة التشريع الذي تضمنته الآية. وفي بعض الأحاديث التي سوف نوردها بعد قليل صراحة بذلك.
تاسعا: ليس هناك أثر نبوي وصحابي وثيق بل ولا غير وثيق يفيد أن التيمم كان في العهد المكي حيث يمكن القول إنه تشريع قرآني مدني اقتضته ظروف المسلمين المستجدة.
والمتبادر أن الحكمة من هذه العملية هي تعظيم شأن الصلاة ومواضع الصلاة وأوقات الصلاة فواجب الصلاة على المسلم مكرر في اليوم الواحد خمس مرات.
وهي ركن من أركان الإسلام يجب أداؤه في أوقاته. فإذا تعذر الماء الذي يتطهر به المسلم ويستعد للوقوف أمام ربّه متعبّدا خاشعا فبالمسح يظهر نيته للتطهر
стр. 3888
واحتفاله بالصلاة وأدائها في أوقاتها إظهارا رمزيا فلا تفوته عبادة الله في الأوقات المعينة لها.
والمتبادر أن جملة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ليست من مشمول جملة فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فهذه الجملة هي والله أعلم بالنسبة لمن لم يجد ماء فعلا في حين أن في الجملة الأولى ترخيصا بالتيمم للمريض مع وجود الماء إذا تيقن أن استعمال الماء في الاغتسال من الجنابة أو لأجل الوضوء يسبب ضررا أو خطرا على حياته وصحته.
عاشرا: إن جمهور المفسرين والمؤولين والفقهاء على وجوب البحث عن الماء. وعدم جواز التيمم إلّا بعد اليأس من وجوده وهذا وجيه.
أما كيفية التيمم فهناك أحاديث عديدة فيها منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الخمسة جاء فيه «جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر إذ كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصلّ وأما أنا فتمكنت وصلّيت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا فضرب بكفّيه على الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه» «١» وحديث رواه الخمسة والشافعي عن أبي الجهم قال «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النبي حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇. ولفظ الشافعي فمسح وجهه وذراعيه» «٢» . ولأبي داود عن ابن عمر «فضرب يديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم ردّ على الرجل السلام وقال لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلّا أني لم أكن على طهر» «٣» .
أما مدة التيمم فلم نطلع على حديث صحيح فيها عن النبي ﷺ . وقد روى
стр. 3889
الطبري عن علي وابن عمر والشعبي والنخعي أن التيمم يجب لكل صلاة وعن عطاء والحسن أنه كالوضوء يصلى به أكثر من صلاة ما دامت أسبابه قائمة. وقد صوب الطبري القول الأول وعلل تصويبه بأن الأصل القرآني هو الوضوء أو التيمم حين القيام للصلاة، والسنّة أجازت أكثر من صلاة بوضوء واحد ولم يرد ذلك بالنسبة للتيمم. ونرى في هذا وجاهة أكثر.
وننبه على أن المستفاد من أقوال المؤولين والمفسرين والفقهاء على أن هناك اتفاقا على جواز الصلاة النافلة بين وقتي صلاتين مكتوبتين متواليتين بتيمم واحد.
وهناك مسألة، وهي وجوب قضاء الصلاة بالتيمم وعدمه عند وجود الماء.
وقد روى البخاري ومالك والشافعي عن ابن عمر أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة «١» وروى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد قال «خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمّما وصلّيا. ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين» «٢» . وهذا يعني أن المسلم بالخيار إن شاء أعاد الصلاة التي يصليها بالتيمم حين وجود الماء وإن شاء لم يعد وإن كانت الإعادة أكثر أجرا. وننبه على كلمة «وجدا الماء في الوقت» حيث يمكن أن يعني هذا أنه إذا وجد الماء بعد فوات وقت الصلاة فلا يكون محل للخيار حيث يكون قد صلى المسلم المكتوبة عليه بالتيمم في وقتها وبذلك أتم واجبه والله أعلم.
والمستفاد مما يسوقه المفسرون من أقوال لهم وللمؤولين والفقهاء في صدد المرض الذي يبيح التيمم أنه الجروح والقروح التي يؤذيها الماء ولا يمكن عصبها
стр. 3890
والمسح على العصابة، ثم المريض الواهن والشيخ الواهن اللذين يؤذيهما الماء.
وعلى كل حال إن المسألة دينية إيمانية موكولة للمؤمن المفروض أنه لا يبحث عن فتوى بدون مبرر ليخلص نفسه من مؤونة استعمال الماء للوضوء والاغتسال. والذي لا يفعل ذلك إذا اعتقد هو أو قال له الخبراء إن استعمال الماء يؤذيه أو يزيد مرضه حقا والله تعالى أعلم. وهناك حديثان فيهما ما يصح الاستئناس بهما على ذلك يروي أحدهما البخاري وأبو داود عن عمرو بن العاص قال «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت أن اغتسل فأهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فضحك رسول الله ولم يقل شيئا» «١» ويروي ثانيهما أبو داود عن جابر قال «خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجّه في رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرته بذلك فقال قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» «٢» ولقد روى الخازن عن أبي حنيفة أن من مذهبه جواز التيمم إذا تعذر الماء الموجود بسبب قوة قاهرة حيث يكون ذلك بمثابة عدم وجوده بحيث لو كان هناك بئر ليس عنده أداة لاستخراج الماء بها أو كان عنده خطر بوجود عدو أو سبع جاز للمسلم أن يتيمم. ووجاهة القول ظاهرة فيما نرى والله أعلم.
وهناك احتمال لم نطلع على قول أو أثر فيه وهو أن يكون مع المسافر ماء قليل لا يكفي لشربه ووضوئه واغتساله ولا يجد ماء في طريق سفره. ويتبادر لنا أن هذا يكون في حكم انفقاد الماء للوضوء والاغتسال ويبرر التيمم والله تعالى أعلم.
(٣) راعنا ليّا بألسنتهم: كانوا يلوون ألسنتهم بكلمة راعنا لتكون بمعنى الرعونة استهزاء بالنبي. وفي سورة البقرة آية من هذا الباب نهى المسلمون فيها عن ترديد هذه الكلمة تقليدا لليهود وهي الآية [١٠٤] .
(٤) لا يظلمون فتيلا: لا ينقص من أجرهم وحقهم مقدار فتلة من خيط والعبارة لأجل التقليل وتمثيل الضالة.
(٥) الجبت والطاغوت: أول المؤولون الجبت بالأصنام والطاغوت بما يشرك به الله عموما. وهناك من أول الجبت بالسحر والطاغوت بالسحرة والكهان أو بسدنة الأصنام. والتأويل الأول هو الأوجه المتساوق مع مدى الآية.
(٦) نقيرا: قشرة النواة أو شقها أو نقرتها التي تكون في ظهرها. والقصد أقل شيء مهما كان تافها.
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ إلخ وما بعدها لآخر الآية [٥٧]
عبارة الآيات واضحة. وفيها إشارات تنديدية إلى مواقف عداء وكيد وكفر وهزء وتمرد وتآمر بدرت من اليهود، وحملة شديدة عليهم بسببها وكشف عن أخلاقهم وطبائعهم الكريهة ودعوة مجددة لهم إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم والسير في طريق الإخلاص والصلاح، وتذكير بما كان من نكال الله لأهل السبت منهم، وإنذار بنكال مماثل إذا لم يستجيبوا، بالإضافة إلى النار الأخروية الدائمة الرهيبة.
وهي فصل جديد لا يبدو أن له صلة بالفصول السابقة. وقد روى المفسرون روايات عديدة في مناسبة نزولها «١» من ذلك أن الآيات الثلاث الأولى نزلت في
стр. 3893
صدد ما كان اليهود يستعملونه من أساليب الخطاب التي كانوا يقصدون بها السخرية بالنبي والطعن في دينه ويقولون إنه لو كان نبيا لعرف ذلك، وقد ذكروا في سياق ذلك اسم رفاعه بن التابوت من زعمائهم وقالوا إنه كان يلوي لسانه سخرية بالنبي ويطعن في الإسلام. وأن الآية الرابعة نزلت في صدد دعوة بعض أحبار اليهود أو يهود بني قينقاع إلى الإيمان وإبائهم. وأن الآية الخامسة نزلت في وحشي الحبشي قاتل حمزة ورفاق له كتبوا للنبي من مكة أنهم يريدون أن يتبعوه إذا كانت رحمة الله تتسع لذنوبهم، وفي رواية أنها نزلت جوابا على سؤال رجل من المسلمين عن احتمال غفران الله للشرك حينما نزلت الآية يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [٥٣] من سورة الزمر حيث سكت النبي عن الجواب فأعاد الرجل سؤاله مرتين ثانيتين فنزلت. وأن الآيتين السادسة والسابعة نزلتا في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فسألوه هل على هؤلاء من ذنب فقال لا فقالوا ما نحن إلّا كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما عملناه بالليل يكفر عنا بالنهار. لأننا أحباء الله. وأن الآيتين الثامنة والتاسعة نزلتا في وفد زعماء من اليهود ذهبوا إلى مكة برئاسة زعماء بني النضير الذين تزعموا يهود خيبر بعد إجلائهم من المدينة ليحرضوا قريشا على النبي والمسلمين ويتحالفوا معهم، فطلب القرشيون أن يسجدوا لأصنامهم فأجابوهم وسألوهم بصفتهم أهل علم وكتاب عمن هو الأهدى أهم أم محمد؟ فقالوا لهم إنهم هم الأهدى وحلفوا لهم عند أصنامهم على وعدهم بنصرتهم عليه. وألصقوا أكبادهم بالأصنام كالمشركين. وأن الآية العاشرة نزلت بمناسبة انتقاد اليهود النبي على ما صار من تبدل حاله من ضعف إلى قوة وما صار يسير فيه من مظاهر السلطان أو بمناسبة ما ظهر منهم من حسد وغيظ مما آتى الله نبيه وأصحابه من نصر وفضل وهدى.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح من جهة ومنها ما لا يستقيم مع موضوع الآيات وروحها وظروف نزولها من جهة أخرى وإن كان بعضها يتسق إجمالا مع مضمون الآيات ورواية نزول الآية في وحشي ورفاقه
стр. 3894
أوردت في سياق آيات الزمر [٥٤- ٥٩] وقد فنّدناها ونبهنا على عدم اتساقها مع روح الآية وظروفها.
والذي يتبادر لنا ويلهمه أسلوب الآيات ونظمها وانسجامها أنها سلسلة تامة نزلت فصلا واحدا في حق اليهود. وهذا لا يمنع أن يكون قد بدر من اليهود بوادر عديدة في مناسبات مختلفة مما روته الروايات وما لم تروه. فجاءت الآيات تنعى عليهم وتندد بهم وتفضحهم وتنذرهم في سياق مناسبة من المناسبات لا نستطيع أن نعينها بجزم وإن كنا نظن أنها مناسبة ذهاب وفد اليهود إلى مكة لتحريض القرشيين على النبي والمسلمين وما فعلوه في مكة وما قالوه لقريش على ما ذكرته الروايات، وفيه اتساق لمضمون الآية [٥١] وهي أشد المناسبات استدعاء للحملة عليهم والتنديد بهم وإنذارهم بهذا الأسلوب القارع الذي جاء في الآيات. وقد يبدو لأول وهلة أن الآية [٤٨] لا صلة لها باليهود. غير أن المناسبة المذكورة تجعل صلتها بهم قائمة بل شديدة. فقد أعلنوا أيمانهم بالأصنام وحلفوا عندها وتبركوا بها أو سجدوا لها وقالوا لقريش المشركين إنهم أهدى من محمد وهو الداعي إلى وحدة الله ومكارم الأخلاق. فجاءت الآية لتعظم جريمة الشرك ولتشير إلى هذا الموقف الشركي البشع ولتقول إن الله وإن كان غفورا يغفر كل ذنب فهو لا يمكن أن يغفر ذنب الشرك به.
وننبه على أن في هذه السورة آية أخرى قريبة للآية [٤٨] وهي الآية [١١٦] غير أن هذه جاءت في سياق آخر ومدى آخر متصلين بالشرك العربي فكان أن اقتضت حكمة التنزيل التكرار. وبينما وصف مشركو العرب في الآية [١١٦] بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا وصف اليهود في الآية [٤٨] بأنهم افتروا إثما عظيما فتناسق الوصف مع كل من الفريقين.
وجملة انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بعد التنديد بالذين يزكون أنفسهم بدون تعيين هويتهم تعيين هذه الهوية وكونهم اليهود. لأنهم كانوا يقولون نحن أحباء الله وأبناؤه وشعبه المختار الذين يرعاهم وهو ربّ
стр. 3895
إسرائيل «١» فكذبتهم الآية وأعلنت أن هذا افتراء على الله تعالى.
وهذا الفصل يدل على استمرار اليهود في مواقفهم التي وقفوها منذ قدوم النبي ﷺ من مكة صدا عن سبيل الله ومكايدة وتشكيكا ووسوسة وتآمرا وسوء أدب وهزء مع الزهو والتبجح وعريض الدعوى مما احتوته الفصول العديدة الطويلة في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أكثره وتدل على أن هذا الاستمرار إنما كان ينشأ عن الغيظ الذي أكل صدورهم من انتشار دعوة النبي وتوطد أمره وسلطانه وعلى أن هذه المواقف كانت تحدث بعض النتائج المؤذية نفسيّا وظرفيّا للنبي والمسلمين.
ولعل أشنع ما حكته عنهم الآيات وأبشعه أن يدفعهم الحقد والحسد والعداء إلى الإيمان بالأصنام والسجود لها وعدم التورع عن الشهادة الفاجرة بأن المشركين هم أهدى من المسلمين الموحدين. وهو موقف يدمغهم بطابع من العار لا يمكن أن يمحى.
ومن المعلوم أن اليهود في المدينة كانوا ثلاث قبائل أو كتل وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد أجلي بنو قينقاع في السنة الثانية وبنو النضير في السنة الثالثة ونكل ببني قريظة في السنة الخامسة للهجرة على ما شرحناه في سياق تفسير سور الأنفال والحشر والأحزاب. ولا بد من أن يكون هذا الفصل قد نزل وبعض هؤلاء موجود في المدينة يواجه النبي والمسلمين ويقف منهم هذه المواقف التي ذكرتها الآيات لأن الحملة لا يكون لها مكان لو كان نزل بعد جلاء جميع اليهود عن المدينة.
ورواية ذهاب وفد اليهود إلى مكة تذكر أنهم كانوا زعماء بني النضير الذين حلّوا بعد جلائهم عن المدينة في خيبر وتزعموا يهودها، وقد نتج عن ذلك زحف
стр. 3896
الأحزاب على المدينة ومظاهرة بني قريظة لها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب. وهكذا يمكن أن يقال إن هذا الفصل نزل قبل التنكيل ببني قريظة وأنه قد يكون شاملا في إنذاره وتنديده ليهود خيبر وزعماء بني النضير الذين تزعموهم أيضا. بل ليس هناك ما يمنع أن يكون نزل قبل جلاء بني النضير وأن ما روي من مواقف الوفد اليهودي وأقواله في مكة كان في مناسبة أخرى والله أعلم. وروايات السيرة «١» تذكر أن زعماء بني النضير جاؤوا من خيبر إلى المدينة وألحوا على بني قريظة الذين بقوا فيها حتى نقضوا عهدهم مع النبي والمسلمين وأن النبي زحف عليهم ونكل بهم عقب ارتداد الأحزاب عن المدينة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأحزاب.
وحكمة وضع هذا الفصل في مكانه من السورة خافية علينا لأنه لا يبدو له صلة بما سبقه وبما لحقه من آيات إلّا أن يكون نزل بعد الآية السابقة له مباشرة فأمر النبي ﷺ بوضعه بعدها للمناسبة الظرفية.
وعلى كل حال فهو مثال آخر مما ذكرناه في مقدمة السورة عن كيفية تأليفها حيث يرجح أنه نزل قبل فصل وقعتي الأحزاب وبني قريظة اللتين ذكرتا في سورة الأحزاب المتقدمة على هذه السورة في روايات النزول.
وآيات الفصل تحتوي وصفا قويا لأخلاق اليهود المعاصرين للنبي ﷺ من خبث ومكر وكيد ودسّ وتحريف كلام وليّ لسان وتبجح وزهو وغرور وتزكية نفس وسوء أدب وبخل بأي شيء مهما تفه على أي غريب وحسد لأية نعمة وخير وفضل يصيب غيرهم وطمع بما في أيدي غيرهم مع ما تفضل الله عليهم وعلى آبائهم من خيرات وبركات وملك عظيم، وعدم تورع عن أي تناقض مهما كان شديد البشاعة قوي الخزي بسبيل أحقادهم ومآربهم. ولقد حكيت هذه الأخلاق عن أسلافهم وظلت متحققة في أخلاقهم إجمالا دون تبديل من لدن نزول أسفار العهد القديم إلى الآن ولعلهم في ذلك شاذون عن كل ما سواهم في الدنيا منذ الأزمنة القديمة
стр. 3897
إلى الآن وصاروا به أسوأ البشر من حيث الأخلاق والسلوك نحو سائر البشر.
والآيتان [٤٦ و ٥٥] احتوتا استثناء تكرر في آيات عديدة لفئة قليلة من اليهود ظهر منها نية حسنة فأذعنت للحق وصدقت برسالة النبي ودعوته وآمنت وحسن إسلامها. وقد أشير إلى ذلك في آيات سورة الأعراف [١٥٧] وآل عمران [١١٣ و ١١٩] وفي الآية [١٦٢] من سورة النساء هذه. وتتجلى في هذا صورة رائعة من الإنصاف لا تدع أية شبهة لأي منصف من غير المسلمين في صدق الحملات والنعوت والوقائع القرآنية بالنسبة لليهود. وإذ نقول هذا بهذا الأسلوب إنما نقوله للمساجلة. ونحن نؤمن به أعمق الإيمان.
ولقد ورد في آيات سورة الأعراف [١٦٣- ١٦٨] حملة شديدة على اليهود وإشارة إلى الذين اعتدوا منهم في السبت وما حلّ فيهم من نكال الله ولعنته بسبب ذلك كما وردت إشارة إلى ذلك في آيات سورة البقرة [٦٥، ٦٦] . فالإنذار والإشارة الواردان في الآية [٤٧] من الآيات التي نحن في صددها إنما يمتان إلى هذه الحادثة. ولقد علقنا عليها بما فيه الكفاية في المناسبات السابقة فلا نرى ضرورة للإعادة إلّا القول بأن أسلوب الإنذار هنا قارع رهيب. ولعله آخر إنذار يوجه لليهود مع تجديد الدعوة إلى الإيمان بالرسالة المحمدية التي جاءت مصدقة لما معهم لأن النبي كان قد أجلى بني قينقاع ثم بني النضير ولم يلبث إلا قليلا حتى نكل ببني قريظة وطهر المدينة من رجسهم.
ولقد تعددت تأويلات المؤولين التي يرويها المفسرون لجملة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها منها أن نجعل وجوههم في أقفيتهم فيمشوا القهقرى ومنها أن نطمس عنهم الهدى فيرتدوا إلى الضلال ولا يكون لهم فلاح أبدا. ومنها أن نطمس على وجوههم ونجعلها مكان إستاتهم. وعلى كل حال فإن فيها إنذارا بمسخ مادي أو معنوي.
وتعددت التأويلات كذلك لجملة كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ منها أن الله يجدد جلودهم كلما احترقت الجلود الأولى ومنها أن
стр. 3898
الله يزيل من الجلود السابقة أثر الاحتراق ويعيد شعورها السابق بألم العذاب. ومع واجب الإيمان بالمشهد الأخروي الذي انطوى في الجملة فإن الإنذار الرهيب من حكمته كما هو المتبادر.
ومن التأويلات المروية لجملة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أنها عنت ما أحلّه الله للنبي من زوجات عديدة. ومن التأويلات المروية لجملة فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً أنها عنت ملك داود وسليمان وما كان لهما من مئات الزوجات. وقد فند الطبري هذين التأويلين وأكد أن الجملة الأولى في صدد حسدهم العرب والنبي وأصحابه على ما آتاهم الله من نبوة وهدى وعزة وفضل. وأن الجملة الثانية في صدد ما كان آل إبراهيم السابقين من مثل ذلك وهو الصواب الأسدّ.
والآية انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً التي جاءت بعد التنديد باليهود لتزكيتهم أنفسهم بليغة المدى حيث انطوى فيها تكذيب لزعمهم أنهم أحباء الله وأصفياؤه والحظوة لديه وتزكيتهم لأنفسهم نتيجة لهذا الزعم. وتقرير لكون ذلك منهم افتراء على الله تعالى.
وفي سورة البقرة حكاية لزعم زعمه اليهود بأنه لن يدخل الجنة إلّا من كان هودا وتكذيب له. وتقرير للأمر في نصابه الحق بأن الذي يسلم وجهه لله وهو محسن هو الذي ينال حظوة عند الله. ويأمن الخوف والحزن. وذلك في الآيتين [١١١ و ١١٢] وفي هذا تلقين عام مستمر المدى كما هو المتبادر.
ومع أن الآية [٤٨] هي في صدد تعظيم جريمة الشرك وتقرير كون الله لا يمكن أن يغفره فإنها تتحمل النظر موضوعيا من حيث ما احتوته من إيذان رباني بغفران غير الشرك من الذنوب ومن أن هذا الغفران يكون لمن يشاء الله. ولقد وقف المفسرون عند الأمر الأول وأوردوا بعض الأحاديث النبوية. منها ما رواه أصحاب الكتب الخمسة ومنها ما رواه أئمة آخرون. ومن ذلك حديث رواه الإمام أحمد وأورده ابن كثير عن أنس بن مالك قال «قال النبي ﷺ الظلم ثلاثة. ظلم لا يغفره
стр. 3899
الله وظلم يغفره وظلم لا يترك الله منه شيئا. فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك. وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض» وفي الحديث تساوق مع التلقين القرآني في صدد الشرك. وتأميل للمؤمن بغفران الله في ما يكون بينه وبين ربّه وتشديد على حقوق العباد.. ومن ذلك حديث ورد في فصل التفسير في التاج رواه مسلم والإمام أحمد جاء فيه «من لقي ربّه لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به دخل النار» «١» وهذا الحديث يفيد مع الحديث السابق أن الشرك وحده هو الذي يخلد صاحبه في النار. وقد يعني هذا من ناحية العقيدة الإسلامية الإيمانية أن المؤمن إذا اقترف آثاما وهو مؤمن لا يخلد في النار وكل أمره أن يعذبه الله على آثامه إذا شاء ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة. ومن ذلك حديث مشهور رواه الشيخان والترمذي عن أبي ذرّ الغفاري عن النبي ﷺ قال «أتاني جبريل ﵇ فبشّرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق. قال وإن زنى وإن سرق. قلت وإن زنى وإن سرق. قال وإن زنى وإن سرق. ثم قال في الرابعة على رغم أنف أبي ذرّ» «٢» .
والمتبادر أن هذا الحديث يفهم على ضوء ما شرحناه آنفا. أي أن الله يعذب الآثم إذا لم يكن مشركا أو مستحلا لإثمه ما شاء ثم يدخله الجنة. وعلى كل حال ففي الأحاديث تساوق مع مدى الآية من هذه الناحية من حيث تأميل المؤمنين بعفو الله ورحمته وهذا مع تنبيهنا على أن عذاب الله للآثم المؤمن يستحق إذا مات دون توبة وأن غفران الله له متاح إذا مات وأصلح وعمل صالحا على ما شرحناه في مناسبات سابقة. وللمفسر الخازن كلام سديد فيه توافق لما تقدم أورده في سياق تفسير الآية [١١٦] من هذه السورة المماثلة في عبارتها للآية التي نحن في صددها.
وبالنسبة إلى النقطة الثانية الموضوعية أي (إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء) نقول إنه مع واجب التسليم لله بمطلق المشيئة. فإن الذي يتبادر لنا أن العبارة
стр. 3900
أسلوبية على ما جرى عليه النظم القرآني. وأن في القرآن ضوابط تجعل غفران الله ورحمته وهدايته للذين علم أنهم يستحقونها بعقائدهم ونياتهم وسلوكهم على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة «١» وإنه ما دامت حكمة التنزيل اقتضت أن يكون في القرآن مثل هذه الضوابط فمن الواجب الوقوف عندها دون جدل كلامي لا طائل من ورائه ولا ضرورة إليه. وفي كلام المفسر الخازن ما يتوافق كذلك مع هذا. والله تعالى أعلم.
ولقد عقد المفسر القاسمي نبذة طويلة في سياق الآية [٤٨] استقاها من كتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم في مدى الشرك الذي لا يغفره الله ويخلد صاحبها في النار، خلاصتها أن الشرك نوعان: شرك بالله في أسمائه وصفاته وأفعاله واتخاذ آلهة أخرى معه. وشرك به في المعاملة. ويدخل في الأول كل أنواع الشرك بما في ذلك إسناد الحوادث والتأثير لغير الله أو عبادة غير الله ولو للشفاعة ونيل الحظوة والقربى عند الله وتعطيل أسماء الله وصفاته. ويدخل في الثاني الحلف بغير الله والتوكل على غير الله والتوسل لغير الله والنذر لغير الله والتوبة لغير الله والخشية والرجاء من غير الله والاستنصار بغير الله إن كان يفعل ذلك باعتقاد تأثير هذا الغير.
وفي هذا وذاك وجاهة متساوقة مع التقريرات القرآنية التي تتميز بها العقيدة الإسلامية على غيرها في توحيد الله ﷻ توحيدا كلّه صفاء ونقاء وبعد عن كل شائبة وتأويل مهما كان، وبأي اعتبار كان على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة.
هذا، ومع خصوصية الآيات الموضوعية والظرفية فإن فيها تلقينات أخلاقية مستمرة المدى في تقبيح التبجح والزهو بالنفس وحسد الناس ولا سيما حينما يكون الحاسد متمتعا بفضل الله بالسعة والرخاء. وسوء الأدب في الخطاب وغمز الناس والسخرية منهم والمكابرة في الحق رغم ظهور أعلامه وقيام حجته والارتكاس في شهادة الزور والتخلي عن المبادئ الإيمانية والدينية بسبيل كيد الخصم وأذيته والتآمر عليه.
стр. 3901
[سورة النساء (٤) : آية ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
. في الآية خطاب للسامعين الذين تلهم أنهم المسلمون بأن الله تعالى يأمرهم بحفظ الأمانات وردها إلى أصحابها. وبالعدل بين الناس إذا حكّموهم في مشاكلهم وحكموا بينهم. وأعقب الأمرين تعقيب تنويه بهذه الأوامر وخطورة شأنها، وتنبيه على أن الله سميع بصير تجب مراقبته في كل موقف وعمل وحال.
تعليق على الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... إلخ
روى المفسرون روايات عديدة متفقة المدى مختلفة الصيغة في نزول الآية خلاصتها أن النبي ﷺ أخذ يوم فتح مكة مفتاح الكعبة من سادنها عثمان بن طلحة ودخل إلى الكعبة ثم خرج منها فسأله عمّه العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بذلك السقاية والسدانة فأنزل الله الآية فردّ المفتاح إلى عثمان قائلا له خذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلّا ظالم وقال له إن الله قد أنزل في شأنه قرآنا وتلا الآية فكان هذا سبب إسلامه. والروايات لم ترد في الصحاح إلّا حديث رواه الخمسة عن ابن عمر ذكر فيه أن النبي ﷺ أخذ المفتاح من عثمان ودخل الكعبة وصلى فيها دون ذكر لنزول الآية وردّ المفتاح إلى عثمان «١» .
ويلحظ أن الآية جاءت في سياق نرجح أنه نزل قبل فتح مكة بمدة غير قصيرة ولقد جاء بعد هذه الآية آية فيها أمر للمسلمين بإطاعة الله ورسوله وأولي الأمر وردّ ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله ثم آيات بعدها فيها حكاية لموقف وقفه المنافقون فيه صدّ عن التقاضي عند رسول الله حيث يجعل كل هذا صلة وثيقة بين الآية والآيات التي بعدها فضلا عن أنه لا تفهم أية حكمة في وضع آية في شأن وقع يوم
стр. 3902
الفتح المكي في هذا السياق. والذي يتبادر لنا نظرا للروايات العديدة التي تروى في مسألة مفتاح الكعبة أن النبي ﷺ ردّ هذا المفتاح إلى سادن الكعبة بتلقين هذه الآية التي روي أنه تلاها حينئذ، وأن الأمر التبس مع الرواة فظنوا أن الآية نزلت حينئذ والله أعلم.
والآية وما بعدها فصل جديد كما هو المتبادر ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت بعدها للتناسب الظرفي والله أعلم.
والآية فصل تام لذاتها، ومن الآيات المحكمة، وهذا ما جعلنا نوردها لحدتها. ولقد روى الطبري عن ابن عباس وغيره أنها في صدد تشريع عام بوجوب رد الأمانات والحقوق إلى أصحابها والحكم بين الناس بالعدل والحق وأن الخطاب فيها موجه لأولي الأمر من المسلمين وهذا سديد وجيه. غير أن إطلاق العبارة في الآية وتوجيه الخطاب بصيغة الجمع أولا وموضوعه العام ثانيا يجعلان الآية عامة التوجيه والشمول للمسلمين جميعهم عامتهم وحكامهم وأولي الأمر منهم في كل ظرف ومكان على ما هو المتبادر ولا سيما إنه يكون أحيانا كثيرة عند الناس أمانات لبعضهم وينتدب أناس أحيانا كمحكمين بين غيرهم حيث يكون في هذا الإطلاق أولا وفي تعبير النَّاسِ ثانيا تلقينات جليلة مستمرة المدى من حيث إيجاب العدل وتقريره وحفظ الأمانات والحقوق وردها إلى المسلمين وأولياء أمرهم معا في كل وقت وبقطع النظر عن أي اعتبار وصفة وطبقة ونحلة وملة وجنس. وهذا من طوابع الشرع الإسلامي الخالدة. قد تكرر وروده بهذا الإطلاق في مواضع كثيرة من القرآن منها ما مرّ ومنها ما يأتي ومما يأتي آيتان في سورة المائدة إحداهما تأمر المسلمين بأن لا يمنعهم أي عداء وبغضاء بينهم وبين الغير من العدل وبأن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط في كل حال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨] وثانيتهما تأمر النبي بالحكم بين اليهود بالقسط إذا حكّموه مهما بدا منهم من مواقف الدسّ والتحريض سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ
стр. 3903
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[٤٢] حيث ينطوي في الآيتين ما قلناه من انطواء الآية التي نحن في صددها على وجوب العدل بين الناس بقطع النظر عن أي اعتبار.
ولقد أورد المفسرون بعض الأحاديث النبوية في سياق هذه الآية في صدد العدل في القضاء والأئمة العادلين والجائرين منها ما رواه أصحاب الكتب الخمسة. ومن ذلك حديث رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال «إنّ المقسطين عند الله على منائر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا» «١» . وحديث رواه الترمذي عن النبي ﷺ جاء فيه «إنّ أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر» «٢» . وحديث رواه الترمذي كذلك عن رسول الله قال «إنّ الله تعالى مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تبرّأ الله منه وألزمه الشيطان» «٣» وهناك أحاديث أخرى من هذا الباب منها حديث رواه أبو داود بسند صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله على جوره فله الجنة ومن غلب جوره على عدله فله النار» «٤» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن النبي ﷺ قال «القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحقّ فقضى به. ورجل عرف الحقّ فجار في الحكم فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» «٥» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيه تعظيم لخطورة مهمة القضاء جاء فيه «من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين» «٦» .
стр. 3904
وينطوي في الأحاديث تلقين نبوي متساوق مع التلقين القرآني في واجب العدل بين الناس كما ينطوي في الآية والأحاديث تقرير كون ذلك مبدأ محكما من مبادئ الدين الإسلامي الذي يجب على المسلمين وقضاتهم وأمرائهم الالتزام به.
والآية احتوت أمرا آخر وهو أداء الأمانات إلى أهلها. ولقد علقنا على موضوع الأمانة وخطورتها في كتاب الله وسنة رسوله وأوردنا طائفة من الآيات والأحاديث في ذلك في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة (المؤمنون) فلا نرى ضرورة للتكرار ويحسن مراجعة ذلك حين قراءة هذا التعليق لتكون الصورة بارزة للقارىء.
على أن بعض الأئمة نبهوا على معان خاصة في الجملة الواردة في الآية في ذلك. وفي تفسير القاسمي نبذة عن الإمام ابن تيمية خلاصتها أن أداء الأمانات نوعان أحدهما تولية أمور المسلمين إلى أهلها الأصلح لها فإن ذلك أمانة في عنق المسلمين وأولياء أمورهم. وأورد حديثا وصفه بالصحيح أخرجه الحاكم عن النبي ﷺ قال «من ولي من أمر المسلمين شيئا فولّى رجلا يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» وحديثا آخر رواه البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إذا ضيعت الأمانة فانتظر قيام الساعة. قيل يا رسول الله وما إضاعتها قال إذا وسّد الأمر إلى غير أهله» وأما ثاني نوعي أداء الأمانات فهو أداء المسلم ما اؤتمن عليه من مال وودائع ورهن إلخ. وأورد في صدد ذلك أحاديث أوردناها في تعليقنا على آيات سورة (المؤمنون) .
وفي تفسير رشيد رضا نبذة طويلة أيضا في صدد هذه الجملة جاء فيها فيما جاء أن أداء الأمانة يشمل بالإضافة إلى أداء المسلم ما اؤتمن عليه العلماء الذين يكون العلم فيهم بمثابة أمانة يجب عليهم أداؤها بما يفيد الناس. وبالأسلوب المفيد بحيث يكون مخالفة هذا وذاك خيانة للأمانة. وأورد في صدد ذلك الآية [١٨٧] من سورة آل عمران التي تندد بالذين يكتمون ما أوتوا من علم وينبذونه وراء ظهورهم ويشترون به ثمنا قليلا. ويشمل كذلك حفظ الأسرار التي يؤتمن المسلم عليها. ويشمل أمانة المسلم في معاملته مع غيره بصدق وإخلاص وحسن
стр. 3905
نية وبعد عن المكر والغش والاحتيال. وكل هذه الأقوال وجيه سديد. وفي الأحاديث النبوية تعليم وتلقين وتحذير واجب الالتزام.
ولم يترك مفسرو الشيعة هذه الآية حيث رووا عن بعض الأئمة أنها تعني أمانة الحكم والولاية للأئمة وأمر الله بتسليمها إليهم لأنهم أهلها. والتكلف والتعسف والهوى يطبع هذه الرواية كما هو ظاهر «١» .
[سورة النساء (٤) : آية ٥٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
. (١) تأويلا: هنا بمعنى مخرجا وعاقبة ونتيجة ومصيرا. وهذه المعاني لا تخرج عن نطاق معنى الكلمة اللغوي الذي هو من آل بمعنى صار.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وشرح ما في صددها من مبادئ وأحكام
عبارة الآية واضحة. وقد تضمنت أمرا للمسلمين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم. وبردّ كل خلاف ونزاع بينهم في أي شيء إلى الله ورسوله. وقد جعلت الآية هذا دليلا أو شرطا لصحة إيمان المسلمين بالله واليوم الآخر. وقررت أن في ذلك الخير وأحسن الحلول والمخارج والأحكام.
ولقد روى المفسرون روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية. منها أن النبي ﷺ أمّر أميرا على سرية اختلف في اسمه حيث روت رواية أنه عبد الله بن حذافة ورواية أنه خالد بن الوليد وأن أحد رجال السرية أجار شخصا من الذين
стр. 3906
أرادت السرية الإغارة عليهم أعلن إسلامه بدون الرجوع إلى أميره فاعترض الأمير ورفع الأمر إلى النبي فأجاز الإجارة مع التنبيه على أن لا يتكرر ذلك بدون علم الأمير. فنزلت الآية لتوطيد طاعة الأمير. ومن الروايات أن تمردا وقع من أفراد سرية على أميرها فشكى القائد إلى النبي فنزلت الآية بسبيل ذلك وبعض المفسرين «١» يعزون بعض هذه الروايات باستثناء رواية خالد بن الوليد إلى البخاري ومسلم والترمذي. ولم نجدها في الكتب التي بين أيدينا وخالد بن الوليد لم يكن أسلم في ظروف نزول الآية على ما نرجح ونخشى أن يكون اسمه قد أقحم لغرض دعائي لأن الرواية تذكر أنه اختلف مع عمار وصار بينهما تشاد وتشاتم وأن النبي ﷺ قال من أبغض عمارا أبغضه الله ... والذي يتبادر لنا أن الآية في صدد أعم مما جاء في الروايات. وأنها هدفت إلى توطيد طاعة الله ورسوله وأولي الأمر على المسلمين بصورة عامة في مناسبة ما مما كانت حكمة التنزيل تقتضيه في العهد المدني بسبب تركيب المجتمع الإسلامي فيه على ما نبهنا عليه في سياق تفسير الآيات الأولى من سورة الأنفال. ونرجح أن المناسبة التي نزلت فيها هي المذكورة في الآيات التالية لها على ما سوف نشرحه بعد بحيث يمكن أن يقال إن السياق واحد بل وإنه بدأ بالآية [٥٨] واستمر إلى الآية [٦٥] وهذا يبدو قوي الوضوح إذا ما أنعم النظر فيه. وبقطع النظر عن تعدد الروايات فإن ترجيحنا لا يمنع أن يكون وقع حادث اختلاف بين أمير سرية وأحد أفرادها أو جماعة منهم فرفع الأمر إلى رسول الله فتلا الآية بسبيل توطيد طاعة الأمير فالتبس الأمر على الرواة. والله تعالى أعلم.
والآية على كل حال جملة تشريعية تامة مثل سابقتها. وهذا ما جعلنا نفردها عن السياق أيضا. وإطلاقها يفيد كما هو المتبادر أن ما احتوته هو تشريع مستمر للمسلمين في كل ظرف ومكان.
والجمهور متفقون على أن طاعة الله تتمثل في طاعة القرآن والتزام ما فيه من
стр. 3907
حدود وأحكام ومبادئ وأوامر ونواه. وأن طاعة الرسول تتمثل في السير وفق أوامره ونواهيه وتعليماته وإرشاداته في حياته ووفق سننه القولية والفعلية بعد مماته.
وينطوي في الآية في الوقت نفسه تقرير كون القرآن والسنة هما المرجعان الرئيسيان اللذان يجب الرجوع إليهما في كل نزاع بين المسلمين والوقوف عند ما فيهما من حدود ورسوم. وهذا الواجب يترتب على المسلمين وعلى أولي الأمر منهم. وسواء أكان النزاع فيما بين المسلمين أو فيما بينهم وبين أولي الأمر منهم.
ويتبادر لنا أن جملة فَإِنْ تَنازَعْتُمْ تعني أيضا الاختلاف في الاجتهاد والمواقف جدلا نظريا أو مواقف فعلية.
ويلفت النظر بخاصة إلى نقطة هامة. وهي أمر الآية برد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله حصرا. حيث ينطوي في هذا أنه ليس للمسلمين أن يردوا ذلك إلى أولي الأمر الذين أمرت الآية بطاعتهم بالإضافة إلى الله ورسوله. بل يكون كتاب الله وسنة رسوله هما الحكم في ذلك وأنه ليس لأولي الأمر أن يصدروا في ذلك أوامر غير ما ورد في كتاب الله وسنّة رسوله وأن يحملوا المسلمين على طاعتهم فيما يصدرون.
على أن هناك ما يمكن قوله ففي القرآن والسنّة تشريعات وأوامر ونواه محددة كما فيهما مبادئ وتلقينات وتوجيهات وخطوط عامة. وهذه بخاصة شاملة واسعة بحيث يسوغ القول إن من الممكن على ضوئها حل كل نزاع أو مشكلة أو مسألة ليس فيها تحديد صريح وقطعي في كتاب الله وسنّة رسوله. وهذا من أسرار ترشح الشريعة الإسلامية للخلود والشمول فيما يتبادر لنا.
ومرجعية كتاب الله وسنّة رسوله تصدق على هذه كما تصدق على تلك بطبيعة الحال.
والأمور المحددة القطعية في كتاب الله وسنّة رسوله تظل محكمة لا يجوز فيها اجتهاد ولا تحوير ولا تبديل. أما عدا ذلك فيصح أن يجتهد في حله في نطاق
стр. 3908
المبادئ والتلقينات والتوجيهات والخطوط العامة في كتاب الله وسنّة رسوله التي ذكرنا شمولها وسعتها. وفي هذه السورة هذه الآية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... [٨٣] التي يمكن على ما يتبادر لنا أن يقال على ضوئها إن حل الأمور المتنازع فيها والتي يحتاج حلّها إلى اجتهاد لعدم ورودها محددة وقطعية في كتاب الله وسنّة رسوله يناط بأولي الأمر من المسلمين وأهل الحل والعقد والعلم منهم الذين يؤهلهم علمهم وعقلهم وتجربتهم وممارستهم لاستنباط الأحكام من مآخذها. واستلهام تلك المبادئ والتوجيهات والتلقينات والخطوط العامة في كتاب الله وسنة رسوله. وقد يصح أن نذكر جملة وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ في الآية [١٥٩] من سورة آل عمران وجملة وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ في الآية [٣٨] من سورة الشورى في هذا السياق. وهذا شامل لكل ظرف ومكان وشأن كما هو المتبادر.
وننبّه في هذه المناسبة على أن لعلماء الأصول في العصور الإسلامية الأولى تقريرات في الخطة التي ينبغي أن يسار عليها في حل ما ليس فيه في القرآن والسنة شيء صريح ومحدد يقوم على أساس حل ذلك وفقا لإجماع علماء المسلمين.
وما لا يكون وما لا يمكن أن يكون فيه إجماع يسار فيه على مقتضى القياس على أمثال جرت في عهد النبي وخلفائه الراشدين. وما لا يكون فيه أمثال يسار فيه على الاستحسان أو الاستصلاح حسب الترتيب. مع واجب التنبيه على أن هذه التقريرات ليست مجمعا عليها حيث اختلف الأصوليون في إمكانية وواقعية الإجماع وحجيته. وفي الاعتماد على القياس وتعيين مداه أو التوسع فيه. وفي الاستحسان والاستصلاح وظروفهما ومبرراتهما. وهناك من قال بإمكانية وواقعية حجية إجماع صدر الإسلام أو أصحاب رسول الله فقط لأن مجتهدي هذا العهد وعلماءه قليلون والرقعة غير منبسطة في حين أن المسلمين تفرقوا في أبعاد شاسعة.
وصارت واقعية الإجماع وإمكانيته متعذرتين.
وهذا الخلاف من جهة وما هناك من خلافات اجتهادية فما ليس فيه نصّ
стр. 3909
محدد وقطعي ورتب الأحاديث والأخذ بالاستحسان والقياس والمصالح وعدمه من جهة أخرى من أسباب تعدد المذاهب الفقهية في ذلك.
وهناك خلاف بين العلماء المتأخرين في وجوب الوقوف عند أقوال واجتهادات أئمة الفقه المشهورين وفي جواز الاجتهاد لمن يؤهله علمه وخبرته وممارسته وعقله لاستنباط الأحكام من مآخذها فيما ليس فيه نصّ صريح أو محدد من قرآن وسنة. ونحن مع الجواز. ففضل الله لا يجوز حصره وتحريمه على أحد ولا زمن ولا جيل. وكتاب الله وسنن رسوله موجهة للمؤمنين في كل ظرف ومكان. وفي كتاب الله آيات كثيرة تهتف بالمؤمنين إطلاقا ليتدبروا كتاب الله ويتفكروا فيه ويعقلوه مع واجب القول إن أقوال واجتهادات أئمة الفقه وعلمائه في القرون الإسلامية الأولى كنوز ثمينة يجب أن تكون ملهمات ومآخذ لمن يتصدون للاجتهاد والنظر من المتأخرين.
وبديهي أن الأمر الذي تتضمنه الآية من جهة والإيمان بالله ورسوله من جهة أخرى موجبات لإطاعة الله ورسوله وما يمثلهما من القرآن والسنن بدون قيد وشرط. أما أولو الأمر فقد رويت أحاديث عديدة تفيد أن طاعتهم منوطة بما فيه مصلحة المسلمين وما لا يتناقض مع ما في كتاب الله وسنن رسوله من أوامر ونواه وحدود وأنه لا طاعة لهم في معصية ولا فيما ليس فيه مصلحة للمسلمين ولا فيما يتناقض مع القرآن والسنّة. من ذلك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «١» وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ قال «أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدّع الأطراف. وفي رواية إن أمّر عليكم عبد مجدّع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» «٢» وحديث رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر
стр. 3910
والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم وفي رواية أن لا ننازع الأمر أهله إلّا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» «١» وحديث رواه الطبري بطرقه عن أبي هريرة قال «قال النبي ﷺ سيليكم بعدي ولاة فيليكم البرّ ببرّه والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم وإن أساؤوا فعليهم» وهذا الحديث لم يرد في الصحاح. ولكن هذا لا يمنع صحته. وقد ورد في الصحاح أحاديث من بابه. منها حديث رواه الشيخان عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية» «٢» وحديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برىء. ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قيل يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلّوا» «٣» وحديث رواه مسلم عن عرفجة قال «سمعت رسول الله يقول ستكون هناك هنات وهنات فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» «٤» وحديث رواه مسلم عن عوف بن مالك عن النبي ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم ويصلّون عليكم وتصلّون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال لا ما أقاموا الصلاة فيكم وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة» » .
وكلمة مِنْكُمْ في الآية تعني أن أولي الأمر الذين تجب على المسلمين طاعتهم هم الذين يكونون منهم أي (مسلمين) وينطوي في هذا عدم جواز طاعة المسلم لحاكم أو سلطان أو أمير غير مسلم كما هو المتبادر.
стр. 3911
وفي هذا ما فيه من تلقين جليل مستمر المدى بعدم الرضا لحكم الأجنبي والخضوع والاستسلام له وحفز المسلم على التمرّد عليه والتخلّص من سيطرته وبذل ما يستطيع من جهد في هذا السبيل. وفي هذه السورة آيات مؤيدة لهذا التلقين وهي الآيات [٧٦ و ٩٧- ١٠٠] على ما سوف نشرحه بعد.
ولقد روى المفسرون أقوالا عن ابن عباس وبعض التابعين أن وَأُولِي الْأَمْرِ الذين تجب طاعتهم هم أولو العلم والفقه كما رووا عن بعض التابعين أنهم الولاة والحكام. وقد صوب الطبري القول الثاني دون الأول استئناسا بالأحاديث النبوية التي رويناها قبل واستنادا إليها وهو الحقّ والصواب فيما يتبادر لنا مع القول إن المقصود بهم في حياة النبي ﷺ لأن الآية تشمل ذلك- هم الذين كان النبي ينتدبهم لقيادة الجيوش والمهمات الأخرى التي يكون لهم فيها حق الأمر على من معهم من المسلمين كما هو المتبادر. وهناك حديث رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة فيه تأييد لذلك جاء فيه «قال النبي ﷺ من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» «١» . ومن المعروف اليقيني أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ وبعده بمدة ما طبقة يمكن أن توصف بأولي العلم والفقه يمكن أن يراجعها الناس أو تتصدى للأمر والنهي فيهم بهذه الصفة وهذا مما يوجه ويقوي ترجيح الطبري والله أعلم.
وننبّه على أننا لا نريد بهذا أن نضعف حق العلماء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى ما فيه الخير والسداد والحقّ من شؤون دينية وغير دينية ولا واجب عامة المسلمين بطاعتهم في ذلك. وفي سورة المائدة آية تندد بالأحبار والربانيين لأنهم لا ينهون عامة اليهود عن قول الإثم وأكل السحت وهي الآية [٦٣] حيث يمكن أن تلهم أن من واجب العلماء أن يأمروا العامة بالمعروف وينهوهم عن المنكر. وهناك آية أخرى في سورة الأنبياء تأمر السامعين بسؤال أهل العلم وهي الآية المنكر. وفي سورتي النحل والأنبياء آيتان تأمران السامعين بسؤال أهل العلم
стр. 3912
وهما [٤٣] و [٧] . وهناك آيات أخرى مرّ شرحها والتعليق عليها فيها تقرير واجب أهل العلم في بيان ما آتاهم الله من العلم والكتاب وتندد بمن يكتمون ذلك وتنذرهم بل وتلعنهم مثل آيات البقرة [١٥٩ و ١٧٤] وآل عمران [١٨٢] وعلى عامة المسلمين بالمقابل إطاعة أوامر العلماء واتباع توضيحاتهم على شرط أن يكونوا ملتزمين بكتاب الله وسنن رسوله وللعامة أن يطلبوا منهم سندا إذا لم يكن الأمر واضحا لهم وليس عليهم طاعتهم طاعة عمياء. والله تعالى أعلم.
ولقد روى الطبرسي الشيعي عن الإمامين الباقر والصادق أن أولي الأمر في الآية هم الأئمة من آل محمد. لأن الأمر بطاعة أولي الأمر مطلق مثل الأمر بطاعة الله ورسوله ولا يصح إيجاب إطاعة أحد بإطلاق إلّا من ثبتت عصمته وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد. وروى الكاشي «١» حديثا طويلا عن علي بن أبي طالب ﵁ يذكر أن النبي ﷺ فسر له جملة وَأُولِي الْأَمْرِ بأنه هو والأئمة من نسله إلى الثاني عشر المهدي المنتظر وسماهم له واحدا واحدا.
والتعسف ظاهر في هذا. ونحن ننزه عليا ﵁ عن الحديث المنسوب إليه. هذا فضلا عن ما في الأحاديث من مناقضته لتعبير وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ الذي يفيد شمولا ولا يمكن أن يفيد حصرا في فرد بعد وفاة فرد من أسرة واحدة ويقف عند الثاني عشر في القرن الثالث الهجري.. ثم فضلا عن ما فيها من تعطيل للحكم القرآني المتصل بمصلحة المجتمع الإسلامي المستمرة الذي ظل وسيظل يقوم على رأسه أولو أمر يحتاج المسلمون إلى ضابط إزاءهم وهذا الضابط هو هذه الآية وما ورد في الأحاديث النبوية من حدود وقيود.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) .
стр. 3913
(١) الطاغوت: قال الجمهور إن الكلمة هنا عنت أحد حكام اليهود أو أحد كهان العرب.
(٢) شجر بينهم: نشب بينهم.
وجّه الخطاب في الآيات إلى النبي ﷺ وقد تضمنت:
(١) سؤالا فيه معنى التنديد بفريق من المسلمين يدعون الإيمان بما أنزل الله على النبي والأنبياء من قبله ثم يناقضون أنفسهم فيريدون أن يتحاكموا إلى طاغية أمروا أن يكفروا بحكمه لأنه ليس من عند الله وبذلك يستسلمون لوساوس الشيطان التي تبعدهم عن جادة الحق والهدى وتورطهم في مهاوي الضلال العميقة. وإذا ما نبهوا إلى تصرفهم المنحرف ودعوا إلى التحاكم أمام النبي بما أنزل الله أبى المنافقون وصدّوا عن ذلك.
(٢) وتساؤلا آخر فيه معنى الإنذار والفضيحة لهم عما يكون أمرهم إذا حلت فيهم مصيبة من جراء انحرافهم عن الحق حيث كانوا يشعرون بالخزي ويتراجعون خوفا- لا إيمانا- ويأتون إلى الرسول ليحلفوا له أنهم لم يريدوا صدّا عنه ولا جحودا بما أنزل الله وأن نيتهم حسنة وأن كل ما أرادوه هو التوفيق في الخصومة وحلّها بالمعروف والحسنى.
стр. 3914
(٣) وإشارة تقريعية إليهم: فالله يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية.
وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية. ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم.
(٤) وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن الله تعالى لم يرسل رسولا للناس إلّا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلّا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف، ثم ارتضوا بحكمه رضاء تامّا ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد.
(٥) والتفاتا تأنيبيّا إلى المحكي عنهم: فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين الله على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم الله. ولو فعلوا هذا لوجدوا الله توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه.
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ... إلخ وما بعدها إلى آخر الآية [٦٥]
ولقد روى المفسرون «١» في صدد هذه الآيات عدة روايات. منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبى المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود: كعب بن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت. ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي
стр. 3915
الخزرج على مسألة قصاص ودية قتلى فقال المسلمون ننطلق إلى النبي فنحكمه فأبى المنافقون اليهود وطلبوا الاحتكام إلى كاهن اسمه أبو برزة الأسلمي. ومنها أن الخلاف على الدية كان بين فريقين من اليهود فطلب فريق الاحتكام إلى النبي ورفض الآخر وطلب الاحتكام إلى الكاهن المذكور. ومنها أن الآية الأخيرة نزلت في مناسبة خصومة على ماء بين الزبير بن العوام وجار لأرضه من الأنصار حكم فيها النبي للزبير فطعن الأنصاري في حكمه واتهمه بمحاباة الزبير لأنه ابن عمته حتى تغير وجه النبي من ذلك «١» . ومنها «٢» أن هذه الآية نزلت في مناسبة احتكام شخصين إلى النبي في أمر فلم يرض المحكوم عليه بالحكم وطلب الاحتكام إلى أبي بكر فذهبا إليه فقال لهما أنتما على ما قضى رسول الله فطلب الاحتكام إلى عمر فلما سمع عمر كلامهما دخل بيته فتقلد سيفه ثم خرج فضرب به رأس الذي أبى حكم النبي فقتله فاشتكى أهله إلى النبي فقال ما كنت أظن أن عمر يجترىء على قتل مؤمن فنزلت الآية تنفي عن القتيل صدق إيمانه. وباستثناء الرواية التي فيها خصومة بين الزبير والأنصاري ليس شيء من الروايات واردا في الصحاح. وليس في حديث هذه الخصومة ما يفيد أن الآية نزلت في مناسبتها بأسلوب صريح. وهذا بالإضافة إلى أن الآية المذكورة تبدو كنتيجة للآيات السابقة. وهذا لا ينفي تلك الخصومة. ومن المحتمل أن يكون النبي ﷺ تلا الآية فالتبس الأمر على الرواة.
وباستثناء رواية نزول الآيات في جماعة من اليهود المنافقين فإن الروايات الأخرى لا تتطابق مع الآيات. وجملة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ قد تعني اليهود وبالتالي قد تجعل الرواية التي استثنيناها أكثر ورودا كما هو المتبادر كمناسبة لنزول الآيات التي تبدو وحدة منسجمة لتحتوي تنديدا باليهود المنافقين ثم لتوطد سلطة النبي ﷺ القضائية. وما زلنا عند ترجيحنا بأن تكون الآيتان السابقتان لهذه الآيات نزلتا مع هذه الآيات لتكونا تمهيدا تشريعيّا
стр. 3916
عاما في توطيد طاعة الله ورسوله وردّ الأمور إليهما والحكم بين الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها.
ولعل جملة وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ في الآية [٦٤] ثم الآية [٦٥] من القرائن على ذلك حيث ينطوي فيهما توكيد بوجوب طاعة رسول الله وتحكيمه والرضاء بحكمه وهو تكرار بأسلوب آخر للأمر الوارد في الآية [٥٩] والله أعلم.
والآيات قوية حاسمة في صدد الهدف الذي استهدفته. وفيها صورة من صور السيرة النبوية في العهد المدني وما كان يلقاه النبي من مواقف ومشاكل مزعجة ممضة وبخاصة من المنافقين ومرضى القلوب. وقد انطوى فيها معالجة بأسلوب في منتهى الروعة والبلاغة امتزجت فيه الشدة والتنديد والتكذيب والإنذار بالعظة والرفق والتأميل والرغبة في الارعواء. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل أخلاقي واجتماعي. وبخاصة سياسة الرعية والحكم الصالح. بالإضافة إلى ما في الآيات من مثل ذلك في تقبيح مواقف الكيد والدسّ والتمرد واللحاح التي يقفها مرضى القلوب تجاه الحق والعدل مما يمكن أن يحدث في كل ظرف ومكان.
ولقد وقف المفسر القاسمي عند الآية [٦٥] وقال إن كل حديث صحّ عن رسول الله يدخل فيها بحيث إنه يتعين على كل مسلم أن يلتزم به في أي شأن كان وأن الذي لا يفعل ذلك يدخل في وعيد الآية الشديد وأورد أقوالا للشافعي وابن تيمية في سبيل توكيد ذلك في سياق طويل.
ولقد وقف عندها رشيد رضا أيضا. وقال فيما قاله إن العلماء استدلوا بالآية على أن النصّ لا يعارض ولا يخصص بالقياس وأن من بلغه حديث للرسول ورده بمخالفة قياسية فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان في نصّ الآية. ثم قال والآية تدل من باب أولى على بطلان التقليد. فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ورسوله. وإذا كان للعامي أن يتبع الجزء الثامن من التفسير الحديث ١١
стр. 3917
العلماء فليس معنى ذلك أن يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة. وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا على آرائهم وأقيستهم المعارضة للنصّ.
والأقوال سديدة وجيهة وفي القرآن آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آيات آل عمران [٢١ و ٢٢] والنساء [٨٠] والحشر [٧] وواضح أن هذا يقتضي التحري الشديد في سند الحديث ومتنه معا حتى تصبح صحته يقينية. ومع أن أئمة الحديث ﵏ قد بذلوا جهدا عظيما شكره الله لهم في تصنيف الأحاديث النبوية ونقد رواتها وأنه صار هناك نتيجة لذلك مجموعة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي يجب تلقيها بالقبول والوقوف عندها فإنّ اهتمامهم لتدقيق المتون لم يكن بقدر اهتمامهم لتدقيق الرواة مما أدى إلى إشكالات كثيرة. وهناك أحاديث توصف بالصحاح فيها أحكام متغايرة يمكن أن يكون بعضها متقدما على بعض وبعضها ناسخا لبعض أو بعضها أقوى من بعض أو بعضها يثير الحيرة لأنه يتعارض مع نصوص قرآنية ووقائع تعيينية. ولعل ما بين المذاهب الفقهية من خلافات ومناقضات ناتج عن ذلك والله تعالى أعلم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٦ الى ٧٠]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
. في الفقرة الأولى من الآية الأولى تقرير تنديدي بأن الله لو كتب على الذين هم موضوع الكلام السابق أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما استجاب إلى ذلك إلّا قليل منهم. أما بقية الآية والآيات التالية لها فقد احتوت حثّا وتدعيما لطاعة الله ورسوله والاستجابة لما يأمران به:
стр. 3918
(١) فإن الواجب والإيمان يقضيان بذلك.
(٢) ولو فعل الذين وقفوا ذلك الموقف ما يؤمرون به لكان أكثر نفعا وخيرا لهم وأشد تثبيتا لإيمانهم، ولنالوا رضاء الله وأجره العظيم. ولشملهم بتوفيقه وهدايته إلى كل ما فيه خيرهم وصلاحهم. لأن الذين يطيعون الله ورسوله هم رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ونعمت هذه الرفقة. وهذا هو فضل الله الذي يجب أن يتسابق إليه المسلمون.
تعليق على الآية وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ... إلخ والآيات الثلاث بعدها
وقد روى المفسرون «١» أن مسلما ويهوديّا تفاخرا فقال اليهودي: لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا، فقال المسلم: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا، فأنزل الله الآية الأولى أو الفقرة الثانية منها. ورووا أن النبي ﷺ رأى أنصاريّا محزونا فسأله عن سبب حزنه فقال له: نحن نغدو عليك ونروح وننظر في وجهك ونجالسك وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك فأحزنني ذلك، فأنزل الله الآية الثالثة من الآيات، فأرسل النبي إلى الأنصاري فبشره. وهناك رواية تذكر أن هذا المروي عن الأنصاري أو شيء مثله قد وقع من جماعة من أصحاب رسول الله. وهناك روايات في صيغ أخرى من باب هذه الروايات.
والروايات لم ترد في الصحاح. والآيات كما يبدو وحدة منسجمة. وقد قال المفسرون إن ضمير الجمع الغائب فيها عائد إلى المنافقين موضوع الكلام في الآيات السابقة. وهذا حق ووجيه ويسوغ الترجيح بأن الآيات جاءت معقبة على الآيات السابقة وداعمة لما أوجبته من طاعة الله والرسول والتحاكم إلى الرسول
стр. 3919
والتسليم بأحكامه وبسبيل التنويه بمن يفعل ذلك والتنديد الشديد بالذين لم يفعلوا ذلك ووقفوا ويقفون مثل ذلك الموقف المكروه.
وهذا لا يمنع أن يكون للروايات أصل ما وأن تكون كل من الآيتين قد تليت في المناسبة المروية على سبيل الاستشهاد والتطبيق. والله أعلم.
هذا، والتنويه بالذين يطيعون الله ورسوله في الآية الأخيرة بليغ المدى حيث يتضمن بشرى بأنهم سيكونون مع تلك الطبقة المصطفاة من عباد الله. وهذا أمر مفهوم لأن طاعة الله ورسوله تعني التزام كل أمر وكل رسم وكل حدّ وكل حثّ وكل نهي. وحينما يكون المرء على هذا القدر من الاستغراق يكون أهلا لتلك المرتبة. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا نبويا فيه تقرير لهذا المعنى رواه الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله. وصليت الخمس. وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا- ونصب أصبعيه- ما لم يعقّ والديه» .
ولقد وقف المفسرون عند كلمة وَالشُّهَداءِ في الآية وأوردوا بعض الأحاديث التي فيها طوائف عديدة تحسب في عداد الشهداء منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله» «١» . ومع ذلك فالمتبادر لنا أن الكلمة تعني الشهيد في سبيل الله في الدرجة الأولى. ويجيء بعد هذه الآيات فصل في الجهاد وحضّ على القتال في سبيل الله حيث يمكن أن يكون مناسبة أو تأييد ما لهذا الترجيح. والله أعلم.
ولقد وقفوا عند كلمة وَالصِّدِّيقِينَ وروى الطبري معنيين لها أحدهما أنها تعني اتباع الأنبياء الذين صدقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم.
стр. 3920
وثانيهما أنها بمعنى المتصدقين. وقد رجح الطبري أن الكلمة من الصدق لا من الصدقة وأنها مبالغة بمعنى الذي يكثر تصديق قوله بفعله.
ونحن نرجح القول الأول. ومع هذا فإن هناك حديثا رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله عن النبي ﷺ قال «عليكم بالصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ وإن البرّ يهدي إلى الجنّة. وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا» «١» . ومعلوم أن أبا بكر ﵁ كان يلقب بالصديق. وقد علل ذلك بأنه كان شديد التصديق وسريع التصديق لكل ما كان يقوله النبي ويخبر به ويفعله. فيجوز أن تكون هذه المعاني واردة بالنسبة للكلمة. وأكثر المؤولين على أن الصالحين هم الذين صلحت سيرتهم أو سريرتهم وعلانيتهم. وهم على ما يستلهم من روح الآية وترتيب الصفات في مرتبة دون المراتب الثلاث السابقة.
والصفات وترتيبها مما هو متساوق مع طبيعة الأشياء من حيث تفاوت عباد الله في الفضل بحسب سيرتهم وفضل الله عليهم.
ولمفسري الشيعة تفسير يرويه الطبرسي عن أبي عبد الله جاء فيه «إن كلمتي الصدّيق والشهيد تعنيان الأئمة من آل محمد. وإن الصالحين ما عداهم من صالحي هذه الأمة» وفي هذا تعسف ظاهر وحجر لفضل الله كما هو المتبادر.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) .
стр. 3921
(١) ثبات: جماعة بعد جماعة أو سرية بعد سرية.
(٢) ليبطئن: بمعنى التثبيط والتعويق عن القتال والتخويف منه.
(٣) يشرون: هنا بمعنى يبيعون على ما قاله المؤولون. وليس من مانع أن تكون في معناها اللغوي المعروف فيكون معنى الجملة (الذين يشترون الحياة الآخرة بالدنيا) ولقد كان الخوارج يسمون أنفسهم (الشراة) على هذا المعنى على الأرجح واقتباسا من الكلمة ومداها على كل حال.
(٤) والمستضعفين: الذين استضعفهم الكفار فتسلطوا عليهم أو ضعفوا عن نضالهم. والجملة معطوفة على سبيل الله أي وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين ونصرتهم.
(٥) القرية الظالم أهلها: جمهور المفسرين على أن الجملة تعني مكة.
(٦- ٧) الطاغوت والشيطان: هنا مترادفان بمعنى الشيطان.
وفي هذه الآيات:
(١) نداء موجه للمسلمين يؤمرون فيه بالحذر والاستعداد للعدو والنفرة إلى الجهاد جماعة بعد جماعة أو جمعا واحدا.
(٢) وإشارة تنديدية إلى فريق منهم يثبط همم المسلمين عن الجهاد ويبطئهم فيه، ويظهر ارتياحه وغبطته إذا أصاب سرية من المجاهدين مصيبة وهزيمة لأنه لم يخرج فيها، ويعد ذلك من مظاهر نعمة الله عليه وعنايته به. ثم هو لا يخجل من حسد سرية يفتح الله عليها بنصر وغنيمة ولا يمنع نفسه من التمني أن لو كان فيها فيكون له نصيب فيما نالته كأنه لم يكن بينه وبين أفرادها مودة توجب عليه أن يفرح لما تناله من نصر وغنيمة ويحزن لما يصيبها من مصيبة وهزيمة.
стр. 3922
(٣) وتحريض للمؤمنين المخلصين، فعلى الذين يفضلون الآخرة على الدنيا وما عند الله على ما في الحياة أن يقاتلوا في سبيل الله. ووعد لهم بعظيم الأجر عند الله سواء اقتلوا وماتوا شهداء أم انتصروا وفازوا على الأعداء.
(٤) وسؤال إنكاري فيه معنى التنديد والحثّ عن سبب قعود القاعدين من المسلمين عن الجهاد في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين من المسلمين الذين تسلط عليهم الكفار في مكة وأرهقوهم بالأذى والظلم مما جعلهم يجأرون إلى الله مبتهلين أن يهيىء لهم أسباب النجاة من الظالمين وبلدهم وأن يقيض لهم نصيرا ينصرهم وينقذهم.
(٥) وبيان لحالة المسلمين والكفار من القتال على سبيل التحريض والحث أيضا. فالمؤمنون إذا قاتلوا فإنما يقاتلون في سبيل الله ولهم منه التأييد والأجر في حين أن الكفار إنما يقاتلون في سبيل الشيطان. فعلى المؤمنين أن لا يهابوا الكفار فإنما هم يقاتلون أولياء الشيطان وإن كيد الشيطان ضعيف لن يقف أمام تأييد الله ونصره.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً وما بعدها لآخر الآية [٧٦]
والآيات فصل جديد أو بالأحرى جزء من فصل جديد لأن الآيات التالية لها استمرار لها موضوعا وسياقا. وليس بينها وبين السياق السابق وموضوعه صلة.
وإن كان يلمح شيء من التناسب بينها وبين سابقاتها من حيث إنها تحتوي تنديدا بفريق من المسلمين يقف موقفا غير مستحب من الجهاد في سبيل الله ودعوته والمجاهدين مشابها للتنديد الذي احتوته الآيات السابقة بفريق من المسلمين يقف موقفا غير مستحب من الاحتكام لرسول الله والتسليم بحكمه. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت بعدها بسبب اتصال ظرف النزول أو تكون نزلت لحدتها في وقت آخر ووضعت بعد الفصل السابق بسبب ذلك التناسب.
стр. 3923
ولم يرو المفسرون على ما اطلعنا عليه رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات.
والذي يتبادر لنا ويلهمه مضمونها وروحها أنها نزلت في ظرف أخذ يصل فيه إلى النبي أخبار عن اشتداد الأذى والضغط على المسلمين المستضعفين الذين تسلط عليهم أقاربهم في مكة ومنعوهم من الالتحاق بالنبي، وقد ذكرت ذلك الروايات وذكرت أسماء بعضهم معا «١» ، فأخذ النبي يستثير حمية المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله وسبيل إنقاذهم وإزعاج الكفار في مكة من أجل ذلك. ويظهر- وهو ما يلهمه مضمون الآيات- أن فريقا من المسلمين والمرجح أنهم من المنافقين ومرضى القلوب كانوا يقفون من ذلك موقف المعارض المثبط. فكان ذلك كله سبب نزول الآيات داعية حاثة مهونة منددة. وفي كل هذا صور من صور السيرة النبوية في العهد المدني.
وليس في الآيات ما يساعد على تعيين الظروف التي نزلت فيها الآيات وإن كان من الممكن أن يلمح فيها وفي الآيات التالية لها قرينة على أنها نزلت في وقت مبكر.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها انطوت على تلقينات جليلة مستمرة وشاملة. وأوجبت على المسلمين واجبات دائمة واحتوت علاجا روحيا يمدهم بالقوة. فالجهاد ضد من يناصبهم العداء ويتربص بهم الدوائر واجب. والاستعداد له والحذر منه وعدم الاطمئنان بما يبدو منه أحيانا من سكون واجب. ومساعدة المسلمين لإخوانهم المستضعفين الذين توقعهم الظروف في أيدي الأعداء وتحكم البغاة والطغاة لتحريرهم منهم واجب. والتكاسل عن هذه الواجبات تقصير يسخط الله والتثبيط عنها إثم منكر عنده. والإقبال عليها عنوان على الإيمان والإخلاص والمقبلون عليها مؤيدون بنصر الله ونائلون للأجر العظيم عنده. وليس لأعدائهم قوة روحية تساعدهم على الصبر الدائم لأنهم يسيرون بوساوس الشيطان. وهذه
стр. 3924
القوة متوفرة للمسلمين لأنهم يجاهدون في سبيل الله. ولهم الفوز والأجر العظيم على كل حال سواء غلبوا أو غلبوا وقتلوا.
يضاف إلى هذا ما في الصورة التي رسمتها الآيات للمنافقين ومرضى القلوب والجبناء من تلقين مستمر لأنها من الصور التي تظهر في كل ظرف من ظروف الجهاد والنضال حيث تعمد هذه الفئات إلى التثبيط والتعويق والتخويف ولا تتورع عن إظهار الحسد والغيظ إذا كان فوز ونصر، والشماتة والفرح إذا كانت هزيمة ومصيبة. والجملة القرآنية تنطوي على تقبيح هذه الفئات والتشنيع عليهم والإهابة بالمسلمين إلى اجتناب أخلاقهم وحضهم على الوقوف منهم موقف الشدة والزراية.
والآية [٧٤] بخاصة جديرة بالتنويه والتنبيه من حيث انطواؤها على أمر رباني حاسم لكل مسلم بأن يقاتل في سبيل الله دون حساب للعاقبة والنتيجة في الدنيا ودون أن يكون قلة المقاتلين وكثرة الأعداء مانعتين لهم من القتال ودون مبالاة بالتثبيط والتبطيء اللذين يحاولهما مرضى القلوب إذا كان هذا القتال هو السبيل الوحيد للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولمكافحة الظلم والظالمين. ولقد أورد الخازن في سياق هذه الآية حديثا ورد في صحيحي البخاري ومسلم بصيغة أوفى وهي «تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة حين كلم لونه لون دم وريحه مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل. ولفظ البخاري لوددت أني أقتل في سبيل الله فأحيا ثم أقتل فأحيا ثم أقتل فأحيا ثم أقتل» «١» حيث ينطوي في الحديث تلقين متساوق مع التلقين القرآني من
стр. 3925
حثّ وتشويق وترغيب بأسلوب نافذ. وهناك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن جابر عن النبي ﷺ يحسن أن يورد في هذا المقام جاء فيه «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. ولفظ أبي داود ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال. وفي لفظ مسلم لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» «١» حيث ينطوي في الحديث بشرى وتطمين نبويان رائعان في مداهما بأن أمر الله تعالى وهتافه في الآية سوف يظل متحققا مطاعا.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٧ الى ٨٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)
. (١) بروج مشيّدة: البروج هنا بمعنى الحصون العالية. وهناك من قرأ (مشيدة) بضم الميم وتشديد الياء بمعنى المبنية بالجصّ الأبيض الذي كان من أسباب متانة البناء. وهناك من قرأها بفتح الميم وكسر الشين بمعنى مزينة أو حصينة.
في هذه الآيات:
(١) تساؤل إنكاري وتعجبي في مقام التنديد بفريق من المسلمين بسبب