تعليق على الآية وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ ... ٤١٣
تعليق على الآية وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً ... ٤١٦
مدى حثّ القرآن على مكاتبة المماليك ٤١٨ تعليق على الآية فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ٤٢٤
تعليق على الآية وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ... ٤٣٢
تعليق على الآية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ ...
٤٣٥
تعليق على الآية وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا ... ٤٣٦
تأويل الشيعة لبعض الآيات السابقة والتعليق عليه ٤٤١ تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ... ٤٤٣
تعليق على الآية وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ... ٤٤٦
تعليق على الآية لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ... ٤٤٨
تعليق على مدى كلمة صَدِيقِكُمْ ٤٥١ تعليق على الآية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ... ٤٥٤
تفسير سورة المنافقون ٤٥٧ تعليق على الآية إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ ... ٤٥٨
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ... ٤٦٤
تفسير سورة المجادلة ٤٦٧ تعليق على الآية قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ ... ٤٦٩
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ ... ٤٧٨
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ... ٤٨٢
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ... ٤٨٦
تعليق على الآية أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ ... ٤٨٩
تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً ... ٤٩١
تعليق على الآية لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ... ٤٩٣
تفسير سورة الحجرات ٤٩٦ تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ ... ٤٩٧
كلمة عن حجرات رسول الله ٥٠٠ تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ... ٥٠١
تعليق على الآية وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ٥٠٤
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ... ٥١٢
стр. 4377
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... ٥١٥
تعليق على الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ... ٥٢١
تعليق على الآية قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ... ٥٢٥
تفسير سورة التحريم ٥٢٩ تعليق على الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... ٥٣١
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ... ٥٣٦
تعليق على الآية ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... ٥٤٠
استطراد إلى رواية إخوة وأخوات المسيح من أمه ٥٤٢ تفسير سورة التغابن ٥٤٤ تأويل جملة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ... ٥٤٦
تعليق على الآية ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... ٥٤٩
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ ... ٥٥١
تفسير سورة الصف ٥٥٥ تعليق على الآيات الأربع الأولى من السورة ٥٥٧ تعليق على الآية وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ ... ٥٦٠
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى ... ٥٧١
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ ... ٥٧٣
تفسير سورة الفتح ٥٧٥ تعليق على الآية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... ٥٧٧
تعليق على الآية لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ ... ٥٨٥
تعليق على الآية إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ... ٥٨٨
تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ... ٥٨٩
تعليق على الآية سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ... ٥٩٢
تعليق على الآية سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ ... ٥٩٤
تعليق على الآية لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ ... ٥٩٩
استطراد إلى ذكر وقعة خيبر وردّ على مزاعم المستشرقين ٦٠٠ تعليق على الآية وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ... ٦٠٤
تعليق على الآية هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... ٦٠٩
تعليق على الآية لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... ٦١٢
تعليق على الآية مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ... ٦١٥
стр. 4378
الجزء التاسع
السور المفسّرة في هذا الجزء «١» ١- المائدة.
٢- الممتحنة.
٣- الحديد.
٤- التوبة.
٥- النصر.
стр. 4379
سورة المائدة
في السورة فصول عديدة تضمنت أحكاما وتشريعات تعبدية واجتماعية وأخلاقية وسياسية ومعاشية وشخصية، مثل وجوب احترام العهود وتقاليد الحج وأمن الحجاج دون تأثر بعداء أو بغضاء، والأمر بالتعاون على البرّ والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان بسبب ذلك والحالات التي يحرم فيها أكل لحوم الأنعام. وحلّ صيد الجوارح. وحل طعام الكتابيين للمسلمين والتزوج بنسائهم وحلّ طعام المسلمين لهم. وأركان الوضوء والطهارة ورخصة التيمم. وتوكيد العدل شهادة وحكما دون تأثر بعداء أو بغضاء. والنهي عن تحريم الطيبات وتشريع حدّ الفساد في الأرض والسرقة وتحلّة اليمين. والنهي عن الخمر والميسر وذبائح القمار والأنصاب. والنهي عن صيد البرّ في الحج وتشريع كفارته مع تحليل صيد البحر. وتسفيه بعض العادات الجاهلية المتصلة بالأنعام. والتنويه بتقاليد الحج والكعبة ومنافعها. وتشريع الإشهاد على التركات وتحقيق صحة الشهادة.
وفيها كذلك فصول عديدة في النصارى واليهود. احتوت دعوتهم إلى الإسلام. وإيذانهم برسالة النبي إليهم. وكون القرآن جاء مصدقا لما قبله من الكتب ومهيمنا عليها. وتنديدا بأعمال ودسائس اليهود ومكرهم وربط حاضر أخلاقهم ومواقفهم بماضي أخلاق آبائهم ومواقفهم وحكاية تعجيزهم لموسى في صدد دخول الأرض المقدسة. وحكاية قتل أحد ابني آدم لأخيه وما احتوته شريعة اليهود من أحكام الجرائم. وحكمة اختلاف الشرائع عن بعضها. وتقرير كون اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للمسلمين وتحذيرا منهم. ونهيا عن موالاة اليهود
стр. 4380
والنصارى الذين يعادون المسلمين ويسخرون من دينهم. ووجوب حصر الولاء فيما بين المسلمين. وتنديدا بعقيدة النصارى بالمسيح وأمّه وتقريرا ببطلانها لذاتها وعلى لسان السيد المسيح. ومشهدا من مشاهد إيمان بعض النصارى الذين منهم قسيسون ورهبان بما أنزل على النبي ﷺ وثناء محببا عليهم. وتقرير كون النصارى هم أقرب الناس مودة للمسلمين. وفصلا عن رسالة المسيح لبني إسرائيل والمعجزات التي جاء بها ومواقفهم تجاهها. وإيمان الحواريين به واستنزال مائدة من السماء بناء على طلبهم. وقد سميت السورة باسمها بسبب ذلك.
وقد تخلل هذه الفصول وتلك أمثال ومواعظ استطرادية وتذكيرية وتدعيمية وتعقيبية أيضا.
ولقد أورد ابن كثير حديثا أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت «إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدقّ عضد الناقة» وحديثا أخرجه ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها «أنه كان في مسير مع رسول الله ﷺ فنزلت عليه سورة المائدة فاندقّ عنق الراحلة من ثقلها» وحديثا أخرجه الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: «أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها» وأورد حديثا أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو أيضا قال «آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح» «١» وحديثا أخرجه الحاكم عن جبير بن نفير قال «حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم فقالت أما أنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه وما وجدتم من حرام فحرّموه» . ولم ينفرد ابن كثير في إيراد هذه الأحاديث حيث أوردها مفسرون آخرون أقدم منه، مثل الطبري والبغوي والزمخشري، منهم من أوردها جميعها ومنهم من أورد بعضها. ومنهم من زاد عليها حيث روى الطبري عن عكرمة أن
стр. 4381
عمر بن الخطاب قال «نزلت سورة المائدة يوم عرفة ووافق يوم الجمعة» . وفي تفسير القاسمي حديث عن محمد بن كعب قال «نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة» .
وهذه الأحاديث تثير العجب. فالسورة تحتوي فصولا متعددة ومتنوعة.
وفحواها يلهم بقوة أنها نزلت في فترات مختلفة متفاوتة. وفحوى بعضها يلهم بقوة كذلك أن منها ما نزل قبل فصول أخرى في سور متقدمة عليها في الترتيب مثل فصول اليهود التي يمكن القول بقوة إنها نزلت في ظرف كان اليهود كتلة كبيرة وقوية في المدينة وعلى الأقل إنها نزلت قبل فصول وقعتي الأحزاب وبني قريظة في سورة الأحزاب أي قبل التنكيل ببني قريظة آخر من بقي من جماعات اليهود في المدينة، ومثل الفصل الذي يندد بالمنافقين لموالاتهم اليهود وقولهم إننا نخاف دائرة تدور علينا. وفحوى بعضها يلهم بقوة أيضا أنه نزل عقب صلح الحديبية وقبل فتح مكة على كل حال وقبل نزول سورة التوبة التي تأمر بقتال المشركين أنّى وجدوا وتأمر بمنعهم من الاقتراب من المسجد الحرام لأنهم نجس حيث أمر فصل من فصولها بالوفاء بالعهود والعقود ونهى عن صدّ حجاج بيت الله عن الذهاب إلى مكة للحج انتقاما من أهلها الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام. بل إن دلالات هذه الفصول على ذلك تكاد تكون قطعية.
وكل هذا يجعلنا نتوقف في الأحاديث التي تقول إنها نزلت دفعة واحدة أو إنها آخر ما نزل من القرآن، ونقول إن فصولها ألّفت تأليفا بعد تكامل نزول ما اقتضت حكمة التنزيل أن تحتويه من فصول. وكل ما يحتمل أن يكون أن بعض فصولها قد تأخر في النزول إلى أواخر عهد النبي ﷺ وأن تأليفها تأخر بناء على ذلك إلى أواخر هذا العهد. ومن الجدير بالذكر أنه ليس شيء من هذه الأحاديث واردا في الكتب الخمسة.
والمصحف الذي اعتمدناه يروي ترتيبها بعد سورة الفتح. وتروي هذا رواية أخرى. في حين أن هناك روايات ترتيب تجعلها بعد عدة سور بعد سورة
стр. 4382
الفتح «١» . وقد جارينا المصحف الذي اعتمدناه. والمتبادر أن رواية ترتيبها بعد سورة الفتح هي بسبب مطلع السورة الذي نرجح أنه نزل بعد صلح الحديبية بوقت قصير. والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
. (١) العقود: قيل إنها العهود والمواثيق. وقيل إنها التكاليف التي فرضها الله لأنها بمثابة عهد وميثاق. وقيل إنها عقود المحالفات الجاهلية. وقيل إن الفرق بين العقد والعهد هو أن الأول أوثق ولا يكون إلّا بين طرفين أو أكثر، في حين أن الثاني يمكن أن يكون من طرف واحد.
(٢) غير محلّي الصيد: غير محللين للصيد.
(٣) وأنتم حرم: وأنتم محرمون للحج أو العمرة. أو أنتم في داخل حدود الحرم أو أنتم في ظرف الأشهر الحرم على اختلاف الأقوال. والجملة تتحمل كلّا منها.
(٤) شعائر الله: مناسك الله أو الأنعام التي تشعر أو تجرح نذرا لتقربها عند الكعبة لله، وكانت تسمى شعيرة وجمعها شعائر على ما شرحناه في سورة الحج.
стр. 4383
(٥) الهدي: بهيمة الأنعام التي تنذر للقربان عند الكعبة على اعتبارها هدية لله تعالى.
(٦) القلائد: كناية عن بهيمة الأنعام التي يوضع في عنقها قلادة من جلد أو لحاء الشجر للإشارة إلى أنها منذورة للقربان لله. وقيل إن الحجاج في الجاهلية كانوا يضعون في أعناقهم قلائد من جلد أو لحاء الشجر فيأمنون بذلك من تعرض أحد لهم بسوء. وإن الكلمة تعني ذلك أيضا.
(٧) آمّين البيت الحرام: الذين يقصدون البيت الحرام للحج.
(٨) لا يجرمنّكم: لا يحملنّكم أو لا يدفعنكم.
(٩) شنآن: عداء وبغضاء.
في الآية الأولى:
(١) أمر للمسلمين بالوفاء بالعقود.
(٢) وإيذانهم أن الله قد أحلّ لهم بهيمة الأنعام باستثناء ما حرم من حالاتها في القرآن الذي يتلى عليهم وعلى أن لا يحللوا بناء على ذلك الصيد وهم في حالة الحرم.
(٣) وإباحة الصيد لهم بعد أن يتحللوا من حالة الإحرام.
وقد انتهت الآية بالتنبيه على أن الله تعالى يحكم بما يريد تنبيها ينطوي فيه إيجاب الوقوف عند حكم الله وإرادته.
وفي الآية الثانية:
(١) نهي للمسلمين عن خرق حرمة شعائر الله والشهر الحرام والهدي والقلائد التي تنذر قرابين لله.
(٢) ونهي كذلك عن العدوان على قاصدي زيارة البيت الحرام الذين يطلبون بذلك رحمة الله وفضله.
(٣) وتنبيه لهم بأنهم لا يجوز أن يحملهم بغضهم لقوم وحقدهم عليهم بسبب صدهم إياهم عن المسجد الحرام على البغي والعدوان.
стр. 4384
(٤) وأمر لهم بالتعاون والتضامن فيما فيه برّ وتقوى ونهي عن التعاون على الإثم والعدوان.
وانتهت الآية بأمرهم بتقوى الله وتنبيههم إلى أن الله شديد العقاب تنبيها ينطوي فيه إنذار لمن يخرق حرماته ويتجاوز أوامره ونواهيه وأحكامه.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في معنى شَعائِرَ اللَّهِ وفي معنى الْقَلائِدَ فمما رووه عن معنى الأولى أنها حدود الله ونواهيه أو أنها مناسك الحج وحرماته عامة. أو أنها الهدي المنذر للتضحية من الأنعام المشعر أي الذي يعلم بجرح لإسالة دمه حتى يحترمه الناس ولا يعتدوا عليه. ومما رووه عن معنى الثانية أنها الهدي المنذور للتضحية من الأنعام الذي يوضع في رقابه قلائد من الخيطان أو لحاء الشجر أو ورقه لمنع الاعتداء عليه أو أنه الحجاج الذين كانوا يضعون مثل هذه القلائد في رقابهم ليمنعوا عن أنفسهم العدوان أو أن التعبير قد شملهم. وكل هذه المعاني واردة بالنسبة للكلمتين وإن كنّا نرجح أنهما عنتا في الدرجة الأولى الأنعام المقلّدة بالقلائد المشعرة بالدم بالإضافة إلى ما في الآيات من استحلال الهدي بصورة عامة لأن في الآيات نهيا عن العدوان على الحجاج والتعاون على الإثم والعدوان وعدم إحلال الشهر الحرم. وفي الآية الأولى أمر بالوفاء بالعهود. وكل هذا يمكن أن يدخل في معنى حدود أوامر الله ونواهيه ومناسك الحج أيضا والله تعالى أعلم.
تعليق على الآيتين الأوليين من السورة ودلالات عباراتهما وما فيهما من أحكام وتلقين وصور
لم يرو المفسرون مناسبة لنزول الآية الأولى. وقد تعددت أقوالهم في دلالات عباراتها.
فأولا: روى الطبري عن ابن عباس أن العقود التي أمرت الفقرة الأولى منها هي عقود الله التي أوجبها على المسلمين فيما أحلّ وحرّم وفرض وبيّن من حدود.
стр. 4385
وروى عن قتادة أنها عقود المحالفات في الجاهلية وأن النبي ﷺ كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام. وروى لتأييد ذلك أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية فقال له: لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله. قال: نعم. قال: لا يزيده الإسلام إلّا شدة. وروى عن ابن زيد أن العقود المأمور بالوفاء بها في الآية هي عقد النكاح وعقد الشركة وعقد اليمين وعقد العهد وعقد الحلف. وروى قولا لآخرين لم يسمهم أنها أمر موجه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به الله عليهم من ميثاق بالعمل بما في التوراة والإنجيل من تصديق النبي ﷺ .
وما عدا القول الأخير الذي يبدو غريبا لأن الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين فإن الأقوال الأولى مما تتحمله العبارة القرآنية. وقد قال الطبري إن أولى الأقوال بالصواب هو قول ابن عباس.
ولم تخرج أقوال المفسرين عن نطاق ما أورده الطبري الذي استوعب جميع الأقوال في صدد الجملة.
على أنه يتبادر لنا على ضوء الآية الثانية على ما سوف نشرحه بعد أنها في صدد الأمر باحترام عقد صلح الحديبية.
وإن كان إطلاق العبارة يجعلها شاملة لكل عقد مشروع بين الناس ثم لكل ما صار بمثابة عقد بين الله والمسلمين بعد إذ آمنوا برسالة النبي ﷺ وما نزل عليه.
وواضح أن الجملة بذلك قد انطوت على تلقين جليل مستمر المدى بوجوب احترام المسلمين لعقودهم وعهودهم مع الله ومع الناس في كل ظرف وعدم الإخلال بها في أي حال. وهو ما تكرر تقريره بأساليب متنوعة وفي سور عديدة مكية ومدنية بحيث يصح أن يقال إنها من أهم المبادئ القرآنية المحكمة «١» .
стр. 4386
وقد قيدنا العقد بقيد المشروع لأن كل شرط أو قيد في أي تعاقد بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم مخالف لأوامر الله تعالى ونواهيه في القرآن وسنة رسوله باطل. وهذا أمر لا يحتمل شكّا في ذاته. وقد رويت أحاديث نبوية تؤيده جاء في أحدها «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا والمسلمون على شروطهم» «١» وجاء في حديث آخر عن عائشة «أنّ النبي ﷺ قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحقّ. وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق» «٢» .
وثانيا: روى الطبري عن قتادة أن جملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ هي لتحليل أكل لحوم الأنعام إطلاقا عدا ما ذكر في القرآن من حالاتها المحرمة. وهذه الحالات هي ما ذكرته الجملة التي بعدها غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أو ما ذكرته الآية الثالثة من السورة على اختلاف الأقوال. وروى كذلك عن ابن عمر وابن عباس أنها لتحليل أكل الأجنة التي توجد ميتة في بطون ما يذبح من الأنعام. وروى أيضا عن الربيع بن أنس ما يفيد أن عبارة بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ تشمل بالإضافة إلى الإبل والبقر والغنم بقر الوحش والظباء وأشباهها المماثلة للأنعام وأن الجملة تعني حلّ أكل هذه البهائم. وقد عقب على هذه الأقوال قائلا إن أولاها بالصواب هو أنها في صدد تحليل الأنعام الأليفة أي الإبل والبقر والغنم كلها أجنتها وسخالها وكيارها عدا ما ذكر في القرآن من حالاتها المحرمة. وأنكر أن تكون بقر الوحش والظباء التي تصطاد صيدا من جملتها.
стр. 4387
وقد ذكر البغوي رواية تذكر أنها في صدد تحليل الأجنة وأورد حديثا عن أبي سعيد بسبيل تأييد ذلك جاء فيه «قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه» «١» . وإلى هذا روي عن قتادة والحسن أن المقصود من الجملة هو تحليل ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم. والمراد من ذلك على الأغلب ما حكي عن تقاليد العرب من تحليل وتحريم في آيات سورة البقرة [١٧٣] والأنعام [١١٨ و ١١٩ و ١٣٨ و ١٣٩] والنحل [١١٤- ١١٦] والحج [٣٠] على ما شرحناه في سياقها وقد أورد البغوي إلى هذا قولا معزوا إلى الكلبي يفيد أن تعبير بهيمة الأنعام يشمل وحشها وهي الظباء وبقر الوحوش وحمر الوحش.
وليس في كتب التفسير الأخرى زيادة على ذلك. والذي يتبادر لنا على ضوء الجملة التي بعدها وهي غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أن مقصد الجملة أو من مقاصدها رفع الحرج عن المسلمين في ذبح الأنعام وأكلها وهم في حالة الحرم باستثناء ما ذكر من حالاتها في القرآن لأن تحليل أكل الأنعام مطلقا قد ورد في آيات سابقة مكية ومدنية عديدة. وفي أحدها ورد ذلك بعبارة مثل العبارة التي وردت هنا وهي ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [سورة الحج: ٣٠] ولا تبدو حكمة في ذكر ذلك بالمعنى الذي صرفوه إليه في هذا المقام. كما أن صرف العبارة إلى الأجنة بعدا وتكلفا. وهذا لا ينافي الخبر الذي احتواه حديث أبي سعيد وهو أنه أو غيره سأل رسول الله ﷺ عن أكل الأجنة الميتة. والحديث لم يرد ولم يورد في أصله لتفسير العبارة.
ويتبادر لنا من فحوى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
стр. 4388
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أن القول المروي عن الربيع بن أنس والكلبي بشمول كلمة بهيمة الأنعام للوحش المماثل لها في محلّه وأن الذي منع هو صيدها في حالة الحرم وحسب. والله أعلم.
ثالثا: لقد أوّل الطبري وغيره جملة وَأَنْتُمْ حُرُمٌ بحالة الإحرام للحج أو العمرة. وجملة غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ بأنها للتحذير من استحلال الصيد في الحالة المذكورة وقد أوضح بعضهم هذه الحالة إيضاحا متسقا مع الأحكام الإسلامية أيضا. وهي تسربل الرجال بالملابس والأزر غير المخيطة قبيل دخول حدود الحرم المكي وقبيل الوقوف في عرفات وفي أثناء زيارة الكعبة لأول مرة والوقوف في عرفات وامتناعهم عن الحلاقة وتقصير الشعر والتزين والتطيب ومباشرة النساء على ما شرحناه من سياق تفسير آيات البقرة [١٩٦- ٢٠٣] .
وبعضهم «١» زاد على ذلك فقال إن حالة الحرم تعني أيضا الوجود في داخل منطقة الحرم «٢» .
والقول الأول يعني أن الصيد يحل للمسلم حينما يتحلل من إحرامه خلال أشهر الحج ويتمتع بين العمرة والحج ولو كان في منطقة الحرم. والقول الثاني يعني أن الصيد لا يحل قط داخل منطقة الحرم سواء أكان المسلم محرما متسربلا
стр. 4389
بثياب الإحرام أو متحللا متمتعا. وإنما يحل خارج هذه المنطقة ولو كان ذلك خلال أشهر الحج.
وهذا وذاك مما قال به الفقهاء في سياق تقرير وبيان أحكام الحجّ ومناسكه استنادا إلى الآثار المروية. والقول الثاني مستلهم من حرمة القتال في منطقة المسجد الحرام المستفادة من آية البقرة وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ.. وتبعا لها كما هو المتبادر.
وهناك حالة ثالثة يمكن أن ينطبق عليها (حالة الحرم) وهي ظرف الأشهر الحرم استلهاما من الآيات التي تحرم القتال في الشهر الحرام على ما شرحناه في سياق سورة البقرة أو تبعا لها كما هو المتبادر. والروايات القديمة تفيد أن حرمة الأشهر الحرم كانت قبل الإسلام شاملة لجميع بلاد العرب وغير قاصرة على الحرم المكي وحجاجه على ما شرحناه في سياق سورة البقرة وأن الصيد كان محرما أثناءها سواء أكان ذلك داخل منطقة الحرم أم خارجها. وهذه الحالة تجعل الصيد محرما طيلة الأشهر الحرم سواء أكان في منطقة الحرم أم خارجها.
ولقد روى البخاري والنسائي عن أبي قتادة «أنه أصاب حمارا وحشيا وهو حلال فأتى به أصحابه وهم محرمون فأكلوا منه فقال بعضهم لو سألنا النبيّ ﷺ عنه فسألناه فقال قد أحسنتم هل معكم منه شيء قلنا نعم قال فاهدوا لنا فأتيناه منه فأكل وهو محرم» «١» وروى أصحاب السنن حديثا عن جابر عن النبي ﷺ قال «صيد البرّ لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» «٢» حيث يستفاد من الحديثين أن الصيد وأكله حلال لغير المحرم ولو في منطقة الحرم وفي الأشهر الحرم. وأنه يجوز للمحرم في منطقة الحرم في الأشهر الحرم أكله إذا لم يصده بنفسه أو يصد له خصيصا. وهذا إنما ينطبق على تأويل الكلمة بالتأويل الأول.
стр. 4390
ولا يعني هذا فيما يتبادر لنا أن القولين الثاني والثالث غير واردين. ومن الممكن أن يقال إن الحديثين قد تضمنا تعديلا استهدف التخفيف والتيسير والإذن للمسلمين بالصيد خارج منطقة الحرم خلال الأشهر الحرم حينما لا يكونون في حالة الإحرام والله تعالى أعلم.
وقد يرد سؤال عن سبب أو حكمة تحريم الصيد في (حالة الحرم) بينما أصل ذبح الأنعام الأليفة فيها سواء أكانت هي حالة الإحرام أو ظرف الأشهر الحرم أو منطقة المسجد الحرام. ولم نقع في كتب التفسير على ما اطلعنا عليه على جواب لذلك. والذي يتبادر لنا أن حلّ ذبح الأنعام الأليفة في حالة الحرم هو تشريع إسلامي. وأن تحريم الصيد فيها هو إقرار لعادة قديمة مع تعديلها تعديلا فيه تيسير للمسلمين بقصر حرمة الصيد على حالة الإحرام وإباحة ذبح الأنعام الأليفة للأكل في هذه الحالة. ولقد كان من جملة هذا التعديل تحليل صيد البحر مطلقا على ما سوف يجيء بيانه في مناسبة أخرى في هذه السورة. وأما من جهة ما قبل الإسلام فيتبادر لنا أن ذلك آت من فكرة تأمين ما من العادة أن يكون خائفا من الطيور والحيوانات البرية من مطاردة الصائد وهو مسلح بمثل سلاح القتال من قسي ونبال ورماح اتساقا مع فكرة تأمين العدو الذي من العادة أن يكون خائفا أو غير مطمئن وهذا غير وارد بالنسبة للأنعام الأليفة كما هو ظاهر.
هذا في صدد الآية الأولى. ولقد روى ابن كثير عن بعض الشيعة في سياق جملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عزوا إلى ابن عباس أنه قال «ما في القرآن آية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا أنّ عليا سيدها وشريفها وأميرها وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلّا علي بن أبي طالب» .
وفي هذا ما فيه من غلوّ عجيب لا يتسق مع منطق وحقّ. مع الاحترام لجلال قدر علي بن أبي طالب ﵁. وقد أنكر ابن كثير القول وعزاه إلى غلوّ الشيعة.
ونأتي الآن إلى الآية الثانية فنقول إن المفسرين يروون- كمناسبة لنزولها- أن
стр. 4391
الحطم بن هند البكري أحد بني قيس بن ثعلبة أتى النبي ﷺ وحده وخلف خيله خارج المدينة فدعاه إلى الإسلام فقال انظروا (انتظروا) لعلي أسلم ولي من أشاوره ثم خرج ومرّ بسرح من سرح المدينة فساقه. ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلّد وأهدى فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، وفي رواية قال له ناس من أصحابه خلّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا- أي الذي أخذ سرحنا- فقال إنه قد قلد. قالوا إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية فأبى عليهم ولم تلبث الآية أن نزلت «١» . وإلى هذه الرواية فإن ابن كثير يروي عن زيد بن أسلم أن المسلمين قد اشتد عليهم صدّ المشركين لهم عن البيت يوم الحديبية فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي ﷺ نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابهم فأنزل الله الآية.
وروى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المشركين كانوا يحجون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك في الآية.
وقد أورد الطبري أقوالا عديدة عن السدّي وقتادة وابن عباس ومجاهد في تأويل جملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً تفيد أنها في صدد المشركين وأنها تعني أنهم كانوا يلتمسون بحجهم فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم ومعايشهم ويترضونه.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح. ويلحظ (أولا) أن الآية احتوت نهيا عن أمور عديدة. (وثانيا) أن جملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً تلهم بقوة أكثر أنها في صدد حجاج مسلمين رأوا فيما تمّ من صلح الحديبية فرصة للذهاب إلى مكة بقصد العمرة أو الحج وقد أقرهما القرآن وفرضهما على المسلمين. فأراد بعضهم أن يصدّهم ويثبط عزيمتهم بأسلوب فيه عدوان ما. (وثالثا) أن في الآية أمرا لا صلة له بالروايات وهو ما احتوته جملة وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.
стр. 4392
وننبه على أن بعض المفسرين «١» رووا عن بعض التابعين أن جملة آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً قد عنت المسلمين. وهو ما قلنا إن فحواها يلهم ذلك بكل قوة..
وعلى كل حال فالمتبادر من فحوى الآية وروحها أنه بدا من بعض المسلمين حركة فيها إخلال بحرمة الحج وتقاليده التي منها حرمة الأشهر الحرم وحرمة الهدي الذي يهدى إلى الله من الأنعام مقلدا بالقلائد أو مشعرا بجرح ليسيل دمه علامة على ذلك حسب العادات القديمة. وفيها عدوان على الحجاج أو منعهم من الحج والعمرة بقصد إلحاق الضرر بأهل مكة انتقاما منهم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام يوم الحديبية فاقتضت حكمة التنزيل إنزال الآية متضمنة ما تضمنته من أوامر ونواه وتنبيهات مطلقة وعامة ورائعة على النحو الذي شرحناه قبل.
وبالإضافة إلى هذا فإنه يلحظ وجود مشاركة بين الآية الأولى والثانية حيث احتوت الأولى نهيا عن الصيد في حالة الحرم وإباحة له بعد التحلل من هذه الحالة. وهذه المشاركة قد تدل على ارتباط الآيتين ببعضهما ظرفا ونزولا وموضوعا. وإذا صحّ هذا وهو ما نرجوه إن شاء الله جاز القول إن جملة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قد تضمنت حثا على وجوب الوفاء بما تمّ بين المسلمين وأهل مكة من صلح أو مهادنة وعدم الإتيان بما يخلّ في ذلك.
وقد ينطوي في الآية الثانية بل في الآيتين معا على ضوء ما قلناه أنهما نزلتا بعد صلح الحديبية بمدة قصيرة. وقد يكون هذا هو المبرر لجعل ترتيب السورة بعد سورة الفتح.
والتحلل من حالة (الإحرام) الذي عبر عنه بالجملة وَإِذا حَلَلْتُمْ إما أن يكون أثناء أشهر الحج وإما أن يكون بعد انتهاء مناسك الحج جميعها وبعد الوقوف في عرفات. وما كان أثناء أشهر الحج يكون بعد زيارة الكعبة فقط وهي المسماة
стр. 4393
بالعمرة، حيث يصح أن يتمتع الحاج بحالة الحلّ بين العمرة ووقت الوقوف في عرفات على ما شرحناه في سياق آيات الحج في سورة البقرة. والتحلل من حالة الإحرام بالنسبة للقول بأنها التسربل بلباس الإحرام والامتناع عن الطيب والنساء هو ممارسة ما كان ممنوعا من حلاقة الشعر أو تقصيره ولبس الثياب المخيطة والتطيّب والتزين ومباشرة النساء بعد نحر الهدي. ولقد شرحنا قبل مدى حرمة الصيد في حالة الحرم. وهناك أحاديث نبوية تسوغ قتل الحيوانات الضارة في هذه الحالة صدرت عن النبي ﷺ فيما يبدو جوابا على سؤال أو بسبيل الاستدراك منها حديث رواه الخمسة عن حفصة عن النبي ﷺ قال «خمس من الدوابّ لا حرج على من قتلهن الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور. وفي رواية خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة» «١» ومنها حديث رواه البغوي بطرقه عن أبي سعيد الخدري قال «قال رسول الله ﷺ يقتل المحرم السبع العادي» «٢» . وحكمة الأحاديث ظاهرة فضلا عن أن هذه الحيوانات ليست صيدا.
والعبارة القرآنية في الآيتين مطلقة. بحيث تشمل صيد البرّ والبحر وقد اقتضت حكمة التنزيل أن يستثنى صيد البحر من التحريم في آية أخرى من هذه السورة على ما سوف يأتي شرحه بعد.
ولقد روى الطبري وغيره من المفسرين «٣» عن أهل التأويل أقوالا مختلفة في صدد ما إذا كانت الآية الثانية منسوخة أو محكمة. منها أن جميع الآية منسوخة بآية التوبة هذه فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ومنها أن المنسوخ منها هو وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
стр. 4394
فقط وأنها نسخت بآية التوبة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [٢٨] وبالآية الخامسة المذكورة آنفا أيضا. ومنها أن المنسوخ منها هو القلائد التي كان الحجاج يتقلدون بها خوفا من الاعتداء لأن الآية حرّمت إخافتهم. ومنها أن الآية في حق المسلمين وأنها محكمة لم ينسخ منها شيء.
والعجيب في هذه الروايات أن الذين يروونها رووا وقالوا إن سورة المائدة نزلت دفعة واحدة وإنها آخر ما نزل من القرآن! وننبه على أنه ليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح. ولقد رجحنا أن جملة آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ هن في صدد الحجاج المسلمين استلهاما من باقي الآية وهذا ما يجعلنا نتوقف في نسخها بآيات التوبة. وحتى على فرض أنهم من المشركين فإن الآية [٥] من سورة التوبة هي في صدد قتال المشركين الناكثين وقد استثنى سياقها المشركين المعاهدين المستقيمين على عهودهم وأمر بالاستقامة لهم ما استقاموا على ما شرحناه في مناسبات سابقة.
وليس في آيات التوبة ولا في آيات أخرى ما يمكن أن يدل على نسخ للقلائد سواء منها ما روي أنه قلائد الحجاج أم أنه قلائد الأنعام. وقد تكون القلائد بنوعيها قد أهملت بعد الفتح لأن كلمة الله أصبحت هي العليا وسلطان النبي أصبح هو النافذ وصار الحج مقصورا على المسلمين وحظر دخول المشركين للحرم وصار الهدي والحجاج في أمن وسلام فكان القول بالنسخ تطبيقا للممارسة وليس مستندا إلى نصّ، والله تعالى أعلم.
هذا، ومع خصوصية الآيتين الزمنية والموضوعية فإن الفقرات الأخيرة من الآية الثانية بخاصة احتوت تلقينا جليلا مستمر المدى. سواء أفي النهي عن التأثر ببغض قوم ما وجعله وسيلة أو مبررا للعدوان والإثم والضرر ولو كان على جماعة من غير المسلمين إذا كانوا مسالمين أو حياديين أو معاهدين، أم في بيان ما هو الأمثل بالمسلمين من التعاون على البرّ والتقوى وإيجابه، أم في تشديد الإنذار
стр. 4395
والنهي عن أي تعاون وتضامن فيما هو إثم وعدوان مطلقا. ونذكر بهذه المناسبة بما نبهنا عليه في مناسبات سابقة من أن مقابلة المسلم على عدوان المعتدي الكافر بالمثل لا يعدّ عدوانا وإنما هو دفاع.
والفقرة الأولى من الآية الأولى احتوت مثل هذا التلقين في أمرها بالوفاء بالعقود لأي كان.
وهذا وذاك متسقان مع المبادئ القرآنية العامة التي تكرر تقريرها في مختلف السور المكية والمدنية.
ولقد ساق ابن كثير بعض الأحاديث النبوية في سياق جملة وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. منها حديث رواه الإمام أحمد وروى صيغة مقاربة له الشيخان والترمذي عن جابر وهي هذه «قال النبي ﷺ لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما. إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر. وإن كان مظلوما فلينصره» «١» وحديث رواه الطبراني عن شمران بن صخر عن رسول الله ﷺ قال «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» . وهناك حديث مهم يحسن أن يساق في هذا المساق رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال «ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة. وليس منّا من مات على عصبيّة. قال واثلة قلت يا رسول الله ما العصبية قال أن تعين قومك على الظلم» «٢» .
[سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) .
стр. 4396
(١) وما أهلّ لغير الله به: وما ذبح باسم غير الله أو ما ذكر حين ذبحه اسم غير اسم الله.
(٢) المخنقة: المخنوقة أو الميتة خنقا.
(٣) الموقوذة: الميتة من الطعن والنخز والضرب.
(٤) المتردية: الميتة بسبب سقوطها من محلّ مرتفع.
(٥) النطيحة: الميتة بسبب نطح حيوان آخر لها.
(٦) وما أكل السبع: الذي يأكله وحش ضار.
(٧) إلّا ما ذكيتم: باستثناء ما ذبحتموه ذبحا شرعيا وذكرتم اسم الله عليه قبل أن يموت من تأثير العوارض المذكورة.
(٨) وما ذبح على النصب: وما ذبح عند الأوثان.
(٩) وأن تستقسموا بالأزلام: الأزلام: هي سهام كانوا يلقونها على سبيل المراهنة أو الاقتراع أو الاستخارة. والاستقسام: هو الاقتراع أو الاستخارة أو المراهنة. وسيأتي شرح ذلك بعد.
(١٠) في مخمصة: في مجاعة.
(١١) غير متجانف لإثم: غير قاصد مقارفة الإثم أو متعمّد له.
في الآية:
(١) بيان حالات الأنعام التي حرّم الله أكلها على المسلمين. وهي التي تموت ميتة طبيعية. أو خنقا. أو سقوطا من محل مرتفع. أو نطحا. أو ضربا ووقذا. أو من نهش وحش ضار مفترس. أو التي يذكر غير اسم الله عليها حين ذبحها. أو التي تذبح عند الأوثان كقربان لها. أو التي يستقسم عليها بالأزلام.
والدم ولحم الخنزير. مع استثناء أمرين في صدد محرمات الأنعام المذكورة حالاتها (الأول) في حالة بقاء رمق حياة في البهيمة التي تتعرض للموت خنقا أو
стр. 4397
سقوطا أو نطحا أو وقذا أو نهشا حيث يحل أكلها إذا ذبحت ذبحا شرعيا وذكر عليها اسم الله. (والثاني) في حالة الجوع الملجئ على شرط أن لا يتجاوز الأكل إلى أكثر من دفع الحاجة والخطر وأن لا يكون فيه تعمّد إثم ومعصية.
(٢) إيذان تنويهي وجّه الخطاب فيه إلى المسلمين بما كان من إكمال الله لهم دينهم وإتمام نعمته عليهم وارتضاء الإسلام لهم دينا. ويأس الكفار منهم بعد ذلك. مع هتاف لهم بعدم خشيتهم من الكفار وبخشية الله تعالى وحده.
ومن المحتمل أن تكون جملة ذلِكُمْ فِسْقٌ التي هي بمعنى العصيان والتمرد على الله خاصة بالمحرّمين الأخيرين وهما ما أهلّ به لغير الله والاستقسام بالأزلام، كما أن من المحتمل أن تكون شاملة لجميع المحرمات على الاعتبار نفسه. والعبارة تتحمل الاحتمالين. وقد تتحمل الاحتمال الأخير أكثر لأنها جاءت بعد ذكر جميع المحرمات. غير أن آية الأنعام [١٤٥] احتوت وصفين للنوعين حيث وصف الدم ولحم الخنزير والميتة بأنها رجس أي نجسة ووصفت ما أهل لغير الله به بأنه فسق حيث يمكن الاستئناس بهذا على أن الجملة هي خاصة بالمحرّمين الأخيرين والله أعلم.
تعليق على الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ.. إلخ وما فيها من أحكام وتلقين وما ورد في صددها من أقوال وأحاديث وتمحيص مسألة تاريخ نزول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وتعليق على مد ى متناولها
لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآية كمجموعة. وإنما رووا روايات في صدد نزول مقطع الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً أو هذا المقطع الذي قبله الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ حيث روى الطبري عزوا إلى ابن عباس والسدّي
стр. 4398
ومجاهد وقتادة وابن جريج أنه أو أنهما نزلا في حجة الوداع في يوم عرفة والنبي ﷺ يلقي خطبته على المسلمين حيث نظر أمامه فلم ير إلّا موحّدا ولم ير مشركا فحمد الله فنزل عليه جبريل بالمقطع أو المقطعين، وأنه لم يعش بعد نزولهما إلّا نحو ثمانين ليلة. ومما رواه الطبري في صدد ذلك أنه لما نزلت الآية أو المقطعان منها يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي ﷺ ما يبكيك فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا. فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. قال له صدقت. وروى كذلك حوارا جرى بين عمر وبين كعب الأحبار رواه الشيخان والترمذي بهذه الصيغة «قال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب لو علينا أنزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ لاتخذنا ذلك عيدا. فقال عمر إني أعلم أيّ يوم أنزلت هذه الآية. أنزلت يوم عرفة في يوم جمعة» «١» وفي رواية الطبري زيادة غير اسم كعب وهي قول عمر وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
وننبه على أن الطبري روى حوارا مماثلا لما روي بين عمر وكعب جرى بين ابن عباس ويهودي أيضا.
ويلحظ أن الروايات مع ذكرها كلمة الْيَوْمَ لم تذكر إلّا المقطعين غير مترافقين مع ما قبلهما ومع ما بعدهما. مع أنهما جزء من آية سبقه آية فيها تشريعات في صدد الحالات المحرمة من الأطعمة الحيوانية ولحقه مقطع ذو صلة وثيقة بالمقاطع السابقة له بحيث لا يفهم أية حكمة من إدماج هذا الجزء في آية يتصل أولها بآخرها اتصالا موضوعيا وثيقا لو كان نزل لحدته. وقد يقال ما دام قد ذكر (الآية) فيكون المراد بذلك جميع الآية وأن اختصاص ذكر هذا الجزء في الروايات لا يعني بالضرورة نزوله منفردا عنها. وهذا وارد. ولكن يرد معه أن الموضوع الرئيسي الذي احتوته الآية متصل بالآية الأولى من السورة اتصال توضيح وتفسير عبرت عنه جملة إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في هذه الآية التي قال جمهور المؤولين والمفسرين إنها تعني ما جاء في الآية الثالثة من السورة وهذا يجعل
стр. 4399
احتمال نزول هذه الآية مع الآيتين السابقتين لها قوي الورود. وبقية الآية بخاصة تقوي ذلك. والآيتان السابقتان وبخاصة الثانية قد نزلتا على ما رجحناه استلهاما من فحواها بعد وقت قصير من صلح الحديبية الذي بينه وبين حجة الوداع نحو أربع سنين. وهذا يحمل على التوقف في التسليم بالروايات المروية عن نزول الآية أو المقطعين يوم عرفة في حجة الوداع. ويسوغ الترجيح بأن ما جاء في الآية من أحكام عن محرمات الذبائح هو إتمام وتوضيح لجملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في الآية الأولى من السورة وبأن الآية الثالثة مع المقطعين نزلت مع الآيتين السابقتين لها وبأن حكمة التنزيل استهدفت بالمقطعين تدعيم الأوامر والنواهي والأحكام التي احتوتها الآيات الثلاث وتثبيت قلوب المسلمين حولها وحول الدين العظيم الذي جاءت لبيان مداه. وبأن من المحتمل أن يكون النبي ﷺ تلا المقطعين في حجة الوداع في عرفة الذي يمكن أن يكون قد صادف يوم الجمعة فالتبس الأمر على الرواة. وقد يتبادر لنا احتمال آخر وهو أن تكون الآيات الثلاث نزلت أثناء زيارة النبي ﷺ والمسلمين للكعبة في السنة التالية لصلح الحديبية حسب الشروط التي تم الاتفاق عليها مع قريش حيث اقتضت حكمة التنزيل تنزيلها آمرة بالوفاء بالعهود ومنبهة على ما يحسن بالمسلمين وموضحة ما هو حلال لهم وحرام عليهم من الصيد والذبائح وهاتفة بهم فإن الله قد أكمل لهم دينهم وأتمّ عليهم نعمته وبأن الكفار قد يئسوا من إطفاء نور دينهم والتغلب عليهم فالتبس الأمر على الرواة. وهذا التخريج أو ذاك يشمل ما رواه الشيخان والترمذي من حوار بين عمر بن الخطاب واليهودي. والله تعالى أعلم. ومما يحسن التنبيه عليه أن الآية الخامسة من السورة احتوت كلمة الْيَوْمَ مع احتوائها أحكاما وتشريعات جديدة. ولم يرد في أية رواية أنها نزلت مع المقطعين أو مع الآية التي فيها المقطعان. وفحوى الآية الرابعة التي قبلها يفيد أنها نزلت هي والآية الخامسة معا بسبب سؤال عن بعض الأمور أورد من بعض المسلمين نتيجة لما احتوته الآيات السابقة من أحكام واحتوت هي الأخرى أحكاما جديدة حيث يسوغ القول إن كلمة الْيَوْمَ في الآية الثالثة والآية الخامسة معا أسلوبية.
стр. 4400
ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن كلمة الْيَوْمَ لا تعني يوما بعينه.
وقال الزمخشري إن المراد هو الزمان والحاضر وما يدانيه ويتصل به كقولك كنت بالأمس شابا وأنت اليوم أشيب حيث لا يراد بهذا تخصيص الأمس واليوم بمدلولهما الزمني. وهذا مما يؤيد قولنا إن الكلمة أسلوبية.
ولقد عقب الطبري على تأويل المؤولين بأن الآية أو مقطعيها عنت إكمال فرائض الله وما للمسلمين من حاجة من أمر دينهم بعدها قائلا «إنه لا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قبض بل كان قبل وفاته أكثر تتابعا.
ويكون بذلك معنى أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ والحالة هذه خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله بكمال العبادات والأحكام والفرائض» . وهذا تعقيب سديد ولو أن المستفاد من كلام الطبري أنه فهم من حديث الشيخين والترمذي عن الحوار أن الآية أو المقطعين نزلا يوم عرفة في حجة الوداع. وقد تابعه معظم المفسرين لأنهم جروا على أن يكون ما ثبت عندهم من الأحاديث الصحابية أيضا هو الأولى بالتسليم في تفسير وتأويل القرآن. وهو ما نزال نراه غير متسق مع ما تلهمه الآيات فحوى ومقاما مع ما شرحناه ونرجو أن يكون فيه الصواب إن شاء الله.
ولقد روى المفسرون عن ابن عباس وغيره في تأويل جملة الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ أقوالا منها أنها بمعنى أنهم يئسوا من رجوع المسلمين إلى دين الآباء القديم. ومنها أنهم يئسوا من قهر المسلمين والتغلّب عليهم. ومنها أنهم لم يبق فيهم أي قوة يخشاها المسلمون منهم على دينهم. وكل هذا وارد.
والمقطعان في حدّ ذاتهما قويان رائعان في تنويههما وهتافهما ومداهما.
ولعلّهما من أروع المقاطع القرآنية في بابهما. ولعل هذه الروعة والمدى هما اللذان جعلا المؤولين ينظرون إليهما نظرة خاصة مستقلة. وإن لمن شأنهما من دون ريب أن يبعثا كل الطمأنينة والرخاء والغبطة والفرح والاعتزاز في المسلمين في أي ظرف ومكان وسواء منهم أصحاب رسول الله الذين وجّه الخطاب إليهم
стр. 4401
مباشرة أم الذين يأتون بعدهم لما خصهم الله به من السعادة والرعاية في الانضواء إلى الإسلام الذي ارتضاه لهم دينا وجعله شريعة تامة خالدة أكملها لهم وأتمّ نعمته بذلك عليهم لتستجيب إلى جميع حاجاتهم ولتحلّ جميع مشكلاتهم الروحية والمادية والدنيوية والأخروية ثم لتستجيب إلى جميع مشاكل البشر الذين رشحت لتكون لهم دينا وتحلّ جميع مشكلاتهم. وإن لمن شأنهما كذلك أن يوثقا بينهم رباط الأخوة والتضامن، وأن يبعثا فيهم القوة وعدم المبالاة بالأعداء والمضادين في تلك الظروف التي نزلا فيها وكان النضال قائما فيها بين الكفر والإيمان والشرك والتوحيد، والضلال والهدى، والظلمات والنور، والعصبية القبلية الضيقة والأخوة العامة، والتقاليد التي تحتوي كثيرا من الشذوذ والسخف والبغي والتمايز في الطبقات واستقطاب الثروة والغنى في جانب والفقر والعوز في جانب والدين الذي يدعو إلى الحق والهدى والمساواة والخير والتراحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البرّ والتقوى، ويقرر أن ما في أيدي الناس من مال هو مال الله وهم مستخلفون فيه وأن فيه لحقّا معلوما للمحرومين والمعوزين يجب أداؤه إليهم بدون منّ ولا تبرّم. ويحل الطيبات ويحرم الخبائث والفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ثم في أي ظرف آخر. لأن هذه الدعوة قد ظلت في أصولها القرآنية والنبوية صافية نقية تحتفظ بكل مزاياها وقوتها وفضائلها وعظمتها وسطوعها وسنائها.
ومن العجيب أن رواة الشيعة ومفسريهم لم يتركوا هذه الآية أو هذا المقطع على روائه وسنائه وإطلاقه وهتافه العام فأولوه بما فيه تأييد لهواهم. حيث روى الطبرسي عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله «أنّ الآية نزلت بعد أن نصّب النبيّ ﷺ عليا ﵁ علما للأنام يوم غدير خمّ منصرفه من حجة الوداع وكان ذلك آخر فريضة أنزلها الله تعالى» كما روى قولا معزوّا إلى أبي سعيد جاء فيه «أن الآية لمّا نزلت قال رسول الله ﷺ : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي فمن كنت مولاه فعليّ مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» .
стр. 4402
ولقد أورد ابن كثير نصّ هذا الحديث وقال إنه غير صحيح. والهوى الشيعي بارز عليه. وننبه هنا كما نبهنا في مناسبات سابقة على أننا لسنا في صدد إنكار مزايا علي بن أبي طالب ﵁ ومنزلته عند رسول الله ﷺ .
وكما اختلف أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم في مدى جملة أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ اختلف فيه أصحاب المذاهب الكلامية الذين جاءوا بعدهم.
حيث استدل بعضهم بالآية على أن القياس- وهو من أصول التشريع في الإسلام- باطل لأنها دلت على أن الله تعالى قد نصّ على الحكم في جميع الوقائع إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن كاملا وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك كان عبثا وإن كان على خلافه كان باطلا. وحيث استدل بعضهم بها على بطلان الاجتهاد والرأي من حيث إن القرآن يذكر أن الله قد أكمل للمسلمين دينهم فلم يعد هناك مجال لاجتهاد ولا رأي. وقد ردّ عليهم مخالفوهم ردودا عديدة موجز ما تفيده أن الجملة القرآنية قد عنت الأمور العامة والعمومات الشاملة مما يحتاج إليه المسلمون في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم دون المسائل الفردية. وإن مما يدخل في الباب ما جاء في آيات مكية من الإشارة إلى أن الله قد أنزل الكتاب تبيانا لكل شيء «١» . وأنه لم يفرط في الكتاب من شيء «٢» . مع أنه لم يكن نزل من التشريعات والأحكام شيء هام لأن ذلك إنما كان في العهد المدني. وأن السنة النبوية قد احتوت أمورا كثيرة رئيسية وثانوية لم ينص عليها القرآن صدرت عن النبي ﷺ قبل نزول هذه الجملة وبعدها. وأن القياس واستنباط الأحكام الجزئية والفردية من عموميات النصوص القرآنية والسنّة النبوية الثابتة لا يناقض ذلك «٣» . وفي هذا من السداد والوجاهة ما هو ظاهر. وإذا كان من شيء يحسن أن نقوله أيضا فهو أن القرآن والسنة قد احتويا من المبادئ والتقريرات والقواعد والأحكام ما فيه سداد لجميع حاجات المسلمين والبشر في مختلف
стр. 4403
الشؤون ومختلف الأزمنة والأمكنة بوجه عام بحيث يصح القول إن الشريعة الإسلامية التي يمثلها القرآن والسنة دين كامل وشريعة تامة. ومن هذه المبادئ والتقريرات والقواعد والأحكام ما هو محدود ومنه ما هو خطوط وتلقينات عامة.
ولما كانت حاجات الحياة في مختلف مجالاتها كثيرة ومتجددة ثم متبدلة بتبدل الظروف فقد اقتضت حكمة الله ورسوله أن يكون المحدود هو الأقل. وأن يترك للمسلمين أن يجدوا الحلول لمختلف حاجاتهم الأخرى بالاجتهاد والقياس والاقتباس والاستنباط على شرط أن يكون ذلك في نطاق تلك الخطوط والتلقينات العامة. ويصح أن نورد أمثلة كثيرة على ذلك. ونكتفي بمثل واحد. فالشريعة الإسلامية القرآنية والنبوية أوجبت أن يكون أمر المسلمين شورى بينهم وأمرت باستشارة المسلمين في الشؤون العامة السياسية والحربية مما شرحناه في سياق تفسير آية آل عمران [١٥٩] وسكتت عن بيان الكيفية لأن ذلك عرضة للتبدل والتطور على ما هو المتبادر. فهنا مجال اجتهاد أولي العلم والأمر والشأن من المسلمين لاختيار الطريقة المناسبة لتحقيق هذا الواجب. ولا يرد أي وارد لمنع ذلك. وقد نبهنا على كل هذا بشيء من الإسهاب أيضا في سياق تفسير آيات سورة النساء [٥٩ و ٨٣ و ١١٥] .
وهذا هو في صدد موضوعية الجملة الحرفية. غير أن من الحق أن ننبه مع ذلك في صدد مقام ورودها إلى ما ذكرناه قبل من أن الآية الثالثة احتوت إتماما وتوضيحا لجملة أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في الآية الأولى من السورة ومن أن المقطعين استهدفا التدعيم والتثبيت والتنويه. وإلى ما رجحناه من نزولها بعد قليل من صلح الحديبية الذي عاش النبي ﷺ بعده أربع سنوات أخرى نزل في أثنائها كثير من الأحكام القرآنية وصدر عن الرسول ﵇ كثير من البيانات في مختلف الشؤون وإلى ما أوردناه من قول الطبري من عدم اتفاق أهل التأويل في القرن الهجري الأول على كون الجملة تعني كمال العبادات والأحكام والشرائع حين نزولها حيث يسوغ القول بناء على ذلك أنها في مقامها دون موضوعها لا تستوجب الخلاف الكلامي الذي دار حولها بعد ذلك القرن. والله تعالى أعلم.
стр. 4404
والمحرمات الأربع الأول في مطلع الآية قد ذكر تحريمها في آيات عديدة مكية ومدنية في معرض الجدل بين النبي ﷺ والكفار على ما شرحناه في مناسبات آيات سورة البقرة [١٦٧- ١٧٦] والأنعام [١٢٥- ١٤٧] والنحل [١١٣- ١١٨] .
ويبدو أن حكمة التنزيل اقتضت إعادة ذكرها في هذه الآية في معرض تقريري وتشريعي عام مع غيرها من المحرمات لتكون جامعة مانعة. وقد اقتضت هذه الحكمة تكرار وتوكيد ما جاء في الآيات السابقة المذكورة من الرخصة للمضطر بنفس الشروط حتى يكون التشريع متساوقا.
والمتبادر أن تحريم أكل البهيمة التي تموت في الحالات الخمس هو تبع للأصل المحرم وهو أكل الميتة إطلاقا. وكان العرب يأكلونها على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة الأنعام المذكورة آنفا. والمتبادر أن العرب كانوا يأكلون ميتة البهيمة في جميع حالات موتها فقضت الآية بتحريم جميع الحالات تبعا للأصل في هذه الآية التشريعية الجامعة.
وكلمة وَالدَّمُ تأتي هنا بدون وصف. ومثل ذلك جاء في آية البقرة [١٢٣] وآية النحل [١١٥] غير أنها جاءت بوصف مَسْفُوحاً في آية الأنعام [١٤٥] وهو الوصف الذي يحرم به أكل الدم مطبوخا أو شربه حسب ما كان جاريا في الجاهلية على ما عليه جمهور العلماء الذين قالوا إن فيه إخراجا للدم الذي يكون عالقا باللحم والعروق وللطحال والكبد اللذين هما دم متجمد على ما شرحناه في سياق آية الأنعام المذكورة.
وفي كتب التفسير أحاديث وتأويلات متنوعة أخرى في صدد مدلول عبارات الآية وأحكامها رأينا من المفيد إيجازها والتعليق عليها بما يلي:
١- لقد روي في صدد جملة إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أن الاستثناء شامل للحالات التي ذكرت قبلها جميعها كما روي أن الاستثناء خاص بما نهشه السبع فقط. وقد صوّب الجمهور القول الأول وهو الأوجه.
٢- لقد نبّه المفسرون والمؤولون على أن كلمة السَّبُعُ تشمل كل
стр. 4405
حيوان مفترس آكل للحوم. وهذا سديد.
٣- لقد أجمعوا على أن الاستثناء لا يشمل الخنزير. لأن لحمه محرّم أصلا.
وهذا حقّ وصواب.
٤- مذهب الجمهور أن رمق الحياة الذي يصح أن يذكى الحيوان ليحل أكله إذا تعرض للحالات المذكورة في الآية هو أن يكون فيه على الأقل عين تطرف أو أذن أو يد أو رجل أو ذنب يتحرك. وهذا وجه يتسق مع روح الرخصة القرآنية.
٥- هناك من قال إن الإصابة إذا كانت في العنق وبنهش سبع بنوع خاص وصار الحيوان في حكم المذبوح فلا يحل أكله. والمتبادر أن هذا غير متسق مع عبارة الآية وروحها المطلقين. فما دام ظل في الحيوان رمق يصح تذكيته وأكله في أي جهة منه كان أثر الحادث وبأي سبب. والله أعلم.
٦- لقد رويت في مدى أداة الذبح وطريقته أحاديث عديدة. منها حديث رواه الخمسة عن رافع بن خديج جاء فيه «قلت يا رسول الله إنّا ملاقو العدوّ غدا وليست معنا مدى. قال أعجل أو أرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل. ليس السّنّ والظفر وسأحدثك أما السنّ فعظم. وأما الظفر فمدى الحبشة. قال وأصبنا نهب إبل وغنم فندّ منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه فقال النبي ﷺ إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش. فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا» «١» ومنها حديث رواه البخاري جاء فيه «كانت جارية لكعب بن مالك ترعى غنما له بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي ﷺ فقال كلوها» «٢» ومنها حديث رواه أبو داود جاء فيه «نهى النبي ﷺ عن شريطة الشيطان. وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج ثم تترك حتى تموت. قيل يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبّة قال لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك» «٣» .
стр. 4406
٧- في كتب التفسير أقوال وأحاديث عديدة في مدى الاضطرار والمخمصة الذي يحل للمسلم به أن يتناول المحرمات في الآية «١» . ولقد أوردنا طائفة منها وعلقنا عليها في سياق تفسير الآيتين [١١٨ و ١٤٥] من سورة الأنعام فنكتفي بهذا التنبيه.
٨- قال المفسرون والمؤولون إن النصب التي حرّم أكل ما ذبح عليها هي حجارة كانت تنصب عند أوثان الكعبة وغيرها. وكان المشركون يذبحون قرابينهم عندها. وكان بعضهم يتعبّد لها ويقرّب إليها رأسا أيضا. ولم تكن أصناما مخلقة.
والمتبادر أن القرآن حرّم أكل الذبائح التي تذبح عندها لأنها بمثابة ذبح لغير الله.
٩- إن كلام المفسرين في صدد الاستقسام بالأزلام الوارد في الآية يفيد أنه إجابة الأقداح أو السهام على سبيل الاستفتاء أو الاستخارة. ورووا بهذه المناسبة عادة عربية جاهلية في مكة وهي أنه كان عند سادن صنم (هبل) سبعة سهام أو أقداح- وهي ما تعنيه كلمة الأزلام على ما فسّره المفسرون- كتب على واحد منها (افعل) وعلى ثان منها (لا تفعل) وعلى ثالث (منكم) وعلى رابع (من غيركم) وعلى خامس (ملصق بكم) وعلى سادس (عقل) «٢» وترك السابع غفلا بدون كتابة «٣» . فإذا أراد امرؤ أو جماعة استفتاء الآلهة في مشكل أو موقف محرج أو محير من شؤون الدماء والأنساب والأسفار أو العزائم الأخرى جاءوا إلى السادن فطلبوا منه لقاء جعل مناسب إجالة الأقداح التي تناسب المطلب في كيس من جلد وتناولوا أحدها وعملوا بما يكون مكتوبا عليه. وإن كان السهم هو الغفل كان لهم الخيار بدون حرج. على أن في الروايات طريقة أخرى تسمى الاستقسام بالأزلام وهي من طرائق الميسر التي كان يذبح فيها بعير ثم يقترع بالسهام على من يغرم ثمنها وعلى كيفية توزيع لحمها على ما شرحناه في سياق تفسير آية البقرة [٢١٩] .
والذي نرجحه أن الاستقسام الوارد في الآية قد عنى هذه الطريقة دون تلك لأنها
стр. 4407
أكثر تناسبا مع بيان ما يحرم أكله من البهائم حيث أريد بذلك تحريم لحم البهيمة التي تذبح على سبيل الميسر. وقد عزا ابن كثير إلى مجاهد أنه قال إن الذي عنته الجملة هو القمار. وهذا مؤيد لترجيحنا.
ولقد روى المفسرون أحاديث نبوية عديدة في صدد الاستخارة وما يدخل في بابها أو معناها كالتنجيم والرمل والتطير والطرق والعرافة والكهانة والعيافة على هامش الجملة باعتبار أن الاستقسام يعني ذلك. فيها أحكام وتلقينات مفيدة فرأينا أن نوردها برغم ترجيحنا أن الجملة متصلة بالميسر أو القمار أو المراهنة وبعض هذه الأحاديث وارد في بعض الكتب الخمسة. منها حديث رواه أبو داود عن قبيصة قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول العيافة والطيرة والطرق من الجبت» «١» وحديث رواه مسلم وأحمد جاء فيه «من أتى عرّافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» «٢» وحديث أخرجه ابن مردويه عن أبي الدرداء قال «قال رسول الله ﷺ لن يلج الدرجات من تكهّن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا» «٣» وحديث عن ابن عباس رواه أبو داود وأحمد قال «قال النبي ﷺ من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» «٤» وحديث عن عمران بن حصين مرفوعا رواه البزار بإسناد حسن ورواه الطبراني بإسناد حسن كذلك جاء فيه عن النبي ﷺ «ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهّن أو تكهّن له أو سحر أو سحر له. ومن أتى كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» «٥» .
وظاهر من هذا أن الشرع الإسلامي قرآنا وسنّة يحرّم هذه الأمور. وفي ذلك من الحكمة والجلال ما لا يخفى.
стр. 4408
على أن هناك بعض أحاديث تجيز الاستخارة والتفاؤل فمن ذلك حديث رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كما يعلّمنا السورة من القرآن ويقول إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري- وفي رواية عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شرّ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضّني به» «١» ومن ذلك حديث عن أبي هريرة رواه البخاري ومسلم والترمذي عن النبي ﷺ قال «لا طيرة وخيرها الفأل قيل يا رسول الله وما الفأل قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» ، وفي رواية: «لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة» «٢» وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة أيضا «أنّ النبي ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال أخذنا فالك من فيك» «٣» وحديث عن بريدة رواه أبو داود والنسائي قال «كان النبيّ ﷺ لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه وإن كره اسمه رؤي ذلك في وجهه وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه فرح بها ورؤي بشر ذلك في وجهه وإن كره اسمها رؤي ذلك في وجهه» «٤» وحديث رواه أبو داود وأحمد جاء فيه «ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: أحسنها الفأل ولا تردّ مسلما. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهمّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت ولا يدفع السيئات إلّا أنت
стр. 4409
ولا حول ولا قوة إلّا بك» «١» وحديث رواه الترمذي جاء فيه «كان النبي ﷺ يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد يا نجيح» «٢» .
وليس في هذه المأثورات أي تناقض مع المأثورات السابقة لأنها متصلة بعقيدة التوحيد وكون الله وحده هو القادر الباسط القابض المعطي المانع الذي يرجع إليه المؤمنون ويستمدون منه القوة ويتوكلون عليه في شؤونهم.
ولقد جعل بعضهم القرعة من باب المنهيات في حين أجازها بعضهم لتطييب نفوس أصحاب الشأن والبراءة من التهمة في الإيثار «٣» . والمتبادر أن القول الثاني هو الأوجه لأن القرعة لا تدخل في الحقيقة في متناول المنهي عنه في المأثورات السابقة. والله أعلم.
[سورة المائدة (٥) : آية ٤]
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)
. (١) الجوارح: تطلق على الحيوانات والطيور الجارحة أي ذوات الأنياب والمخالب. ويدخل في نطاق الكلمة الكلاب والذئاب والنمور والسباع والفهود والضباع والصقور والنسور والبزاة. والراجح أن الكلمة هنا للإشارة إلى الجوارح التي تستعمل في الصيد كالكلاب والصقور والبزاة.
(٢) مكلّبين: من التكليب وهو تعليم الكلاب للصيد في الأصل ويستعمل في تعليم الجوارح للصيد عموما. وفي اللغة (كلاب) مؤدب الكلاب والجوارح.
стр. 4410
تعليق على الآية يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ وما فيها من أحكام وتلقين
في الآية حكاية لسؤال وجوابه. والجواب ينطوي على تعميم وتخصيص.
فقد حكت أن أناسا سألوا النبي ﷺ عما أحلّ لهم. وأمرت بتبليغ السائلين وبالتبعية جميع المسلمين بأن الله قد أحلّ لهم كلّ طيب بصورة عامة. وبأنه قد أحلّ لهم أكل الصيد الذي تمسكه الجوارح المعلّمة على أن يذكر اسم الله عليه. مع التنبيه إلى وجوب تقوى الله والتيقّن من سرعة حسابه على أعمالهم تنبيها ينطوي على الإنذار أو التحذير من مخالفة أوامر الله.
ولقد تعددت الأقوال في صرف جملة وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ «١» فقيل إنها بمعنى اذكروا اسم الله حينما ترسلون الجوارح المعلّمة لإمساك الصيد حتى إذا أتت بها ميتة جاز لكم أكلها. وقيل إنها بمعنى اذكروا اسم الله حينما تأكلونه. وقيل إنها بمعنى اذكروا اسم الله عليه حينما تذبحونه بعد إمساكه. وأوجه الأقوال هو الأول لأن حكم ما يموت بنهش السبع- والجوارح من السباع- قد تقدم ولأنه إذا لم يمت المنهوش وذكي حلّ أكله إطلاقا فلا يكون هناك حاجة إلى رخصة جديدة.
ولقد روى المفسرون عدة روايات في مناسبة نزول الآية. منها أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب فجاءه بعض المسلمين يسألونه عما يحلّ لهم اقتناؤه منها. ومنها أن بعض مسلمي البادية سألوه عن حكم ما تصيده جوارحهم المعلمة. وليس شيء من هذه الروايات واردا في الصحاح.
والآية صريحة بأنها نزلت جوابا على سؤال. ومن المحتمل أن تكون إحدى الروايتين أو كلتاهما صحيحة. كما أن من المحتمل أن يكون السؤال وقع بمناسبة ما احتوته الآية السابقة من بيان حل الحالات المحرمة أولا وما يموت من نهش السباع التي منها الجوارح ثانيا. ونحن نرجح هذا الاحتمال كمناسبة مباشرة للآية لأنه متسق مع محتوياتها ومع سياقها. ومن المحتمل أن يكون السؤال قد وقع عقب
стр. 4411
نزول الآية السابقة فوضعت الآية بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية وإلا فتكون قد وضعت في مكانها للمناسبة الموضوعية.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة على هامش هذه الآية كانت مستندا لما وضعه الفقهاء من قواعد وأحكام في موضوع الصيد وأكله. ومن هذه الأحاديث ما ورد في الكتب الخمسة منها حديث رواه الخمسة عن عدي بن حاتم جاء فيه «قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلّمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله عليه. فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها. قلت فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا» «١» وللبخاري والترمذي «إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل» «٢» وللبخاري وأبي داود «يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتا وفيه سهمه قال يأكل إن شاء الله» «٣» ولمسلم وأبي داود في الذي يدرك صيده بعد ثلاث «.. فكله ما لم ينتن» «٤» وروى الترمذي عن عدي قال «سألت النبي ﷺ عن صيد البازي قال ما أمسك عليك فكل» «٥» .
ولقد أورد ابن كثير حديث عدي بن حاتم معزوا إلى الصحيحين وفيه مباينة وزيادة لما ورد في التاج فرأينا من المفيد نقله لأن ابن كثير من أئمة الحديث «قال عدي بن حاتم قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتلن. قال وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمّ على غيره. قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟. فقال إذا رميت بالمعراض
стр. 4412
فخزق فكله وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله. وفي لفظ لهما إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإنّ أخذ الكلب ذكاته. وفي رواية لهما فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» وقد عقب ابن كثير قائلا فهذا دليل الجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث. ثم قال وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. ثم أخذ يسوق أحاديث في تأييد جواز أكلها وفي بعض مسائل أخرى لم ترد في الكتب الخمسة ولكنه نبّه على أنها جيدة الأسناد. وأورد بعضها البغوي أيضا ونبّه التنبيه نفسه، والمفسران من أئمة الحديث.
ومن هذه الأحاديث حديث عن سلمان الفارسي قال «قال رسول الله ﷺ إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي» وحديث عن أبي ثعلبة الخشني قال «قلت يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها. فقال كل ما أمسكن عليك. فقال ذكيا وغير ذكي وإن أكل منه. قال نعم وإن أكل منه.
قلت يا رسول الله أفتني في قوسي. قال كل ما ردت عليك قوسك. قال ذكيا وغير ذكي قال نعم وإن تغيب عنك ما لم يصلّ- أي ينتن- أو تجد فيه أثر غير سهمك.
قال أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال اغسلها وكل فيها» . وهناك صيغ أخرى لحديث أبي ثعلبة جاء في إحداها «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردّت عليك يدك» وفي إحداها «قلت يا رسول الله إنّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس هو معلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي. قال أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها. وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل. وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل. وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» وهناك أقوال أخرى مروية عن بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم تدور في النطاق الذي دارت فيه الأحاديث المروية عن النبي ﷺ لم نر ضرورة إلى إيرادها لأن فيها تكرارا لا فائدة منه.
стр. 4413
والأحاديث التي ساقها ابن كثير والبغوي في حلّ الصيد الذي يأكل منه الجارح أو الكلب لم تحلّ الخلاف بين الفقهاء.
حيث ظل بعضهم يذهب إلى التحريم مطلقا وبعضهم إلى الحل مطلقا. وقد توسط بعضهم فقال بالحلّ في حالة الجوع. والأحاديث التي تحرم أكل ما أكل منه الكلب أقوى سندا كما هو ظاهر. والقول يحلّه في حالة الجوع وجيه ومتسق مع المبدأ العام الذي يحلّ أكل المحرم في حالة الاضطرار والمخمصة والله تعالى أعلم.
هذا، ومع أن تعبير قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ قد يكون في مقامه قاصرا على الأنعام والطيور التي يسوغ أكلها فإن فيه معنى الجواب المبادر القوي العام والشامل لكل طيب. وهذا متسق مع التلقين القرآني المنطوي في آيات عديدة مكية ومدنية «١» من توخى الشريعة الإسلامية- قرآنا وسنة- تحليل الطيبات جميعها.
والطيبات كما هو المتبادر هي كل ما لم ينص الشارع على تحريمه. وهي من هذا الاعتبار واسعة النطاق جدا. لأن ما نصّ الشارع من قرآن وسنّة على تحريمه محدود جدا. وهكذا ينطوي في العبارة القرآنية ما انطوى في كثير من الآيات من تيسير التشريع القرآني للمسلمين. ويلمس في كلمة الطيبات معنى تصوري رفيع في صدد تهذيب نفس المسلم وذوقه. وتنزيههما عن كل مستكره في المأكل والمشرب وسائر شؤون الحياة. وفي هذا الذي تكرر في القرآن بأساليب متنوعة ومواضيع عديدة ما فيه من روعة وجلال.
وفي سياق جملة وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واعتبارها شاملة لكل شيء حينما يراد أكله أورد ابن كثير أحاديث نبوية عديدة. منها ما ورد في بعض الكتب الخمسة. من ذلك حديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال النبي ﷺ أما إنّه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم. فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله فإن
стр. 4414
نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله أوّله وآخره» «١» وحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي جاء فيه «إنّ الشيطان يستحلّ الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه» «٢» وحديث رواه الثلاثة أنفسهم عن جابر عن النبي ﷺ «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم العشاء» . وحديث رواه أبو داود جاء فيه «قال جماعة يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع. قال فلعلّكم تفترقون. قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه» «٣» .
وفي الأحاديث تعليم وتأديب وتوجيه نحو الله في كل ظرف وشكر نعمته وابتغاء بركته.
[سورة المائدة (٥) : آية ٥]
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
. تعليق على الآية الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... إلخ
وما فيها من أحكام وتلقين وصور وتمحيص دلالة أهل الكتاب فيها في الآية تقرير تشريعي وجّه الخطاب فيه إلى المسلمين واحتوى:
стр. 4415
(١) توكيدا لحلّ الطيبات وإباحتها لهم بصورة عامة.
(٢) وحلّ طعام الكتابيين وإباحته لهم وحلّ طعامهم للكتابيين وإباحته لهم.
(٣) وحلّ التزوج بالمحصنات من المؤمنين والكتابيين وإباحته لهم ضمن نطاقه الشرعي من عقد ومهر ورغبة صادقة في الإحصان وليس بقصد السفاح والتخادن وقضاء الشهوة فقط.
(٤) وإنذار لهم بوجوب الوقوف عند حدود الله وعدم تجاوزها. وبيانا لما في تجاوزها من كفر بما آمنوا به. ولما يؤدي هذا إليه من حبوط عمل وخسران في الآخرة.
ولم نطلع على رواية خاصة بمناسبة نزول الآية. غير أن الطبري روى عن قتادة أن الله لما أحلّ طعام أهل الكتاب ونساءهم في الآية قال أناس من المسلمين كيف نتزوج نساءهم وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) .
وهذا يقتضي أن تكون الآية نزلت على دفعتين مع أن الجملة منسجمة مع شطر الآية الأول ومعطوفة عليه.
ولقد أورد الطبري أقوالا عديدة معزوة إلى علماء التابعين تفيد أنهم فهموا من جملة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ أنها في صدد ذبائح أهل الكتاب أو أوّلوها بذلك. وجاراه في ذلك معظم المفسرين بعده «١» حيث يتبادر على ضوء ذلك أن الآية متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وأن مضمونها يلهم أنها وما قبلها سلسلة متلاحقة. وأن إباحة التزوج بالمحصنات من المؤمنات والكتابيات قد جاء على سبيل الاستطراد. فإن لم تكن الآية نزلت مع سابقاتها فتكون قد نزلت عقبها فوضعت بعدها، أو وضعت بعدها للمناسبة الموضوعية.
ومع ذلك فمن المحتمل جدا أن يكون أورد على النبي ﷺ استفتاء في أمر