نزول الآية السابقة فوضعت الآية بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية وإلا فتكون قد وضعت في مكانها للمناسبة الموضوعية.
ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة على هامش هذه الآية كانت مستندا لما وضعه الفقهاء من قواعد وأحكام في موضوع الصيد وأكله. ومن هذه الأحاديث ما ورد في الكتب الخمسة منها حديث رواه الخمسة عن عدي بن حاتم جاء فيه «قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلّمة فيمسكن عليّ وأذكر اسم الله عليه. فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها. قلت فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا» «١» وللبخاري والترمذي «إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل» «٢» وللبخاري وأبي داود «يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتا وفيه سهمه قال يأكل إن شاء الله» «٣» ولمسلم وأبي داود في الذي يدرك صيده بعد ثلاث «.. فكله ما لم ينتن» «٤» وروى الترمذي عن عدي قال «سألت النبي ﷺ عن صيد البازي قال ما أمسك عليك فكل» «٥» .
ولقد أورد ابن كثير حديث عدي بن حاتم معزوا إلى الصحيحين وفيه مباينة وزيادة لما ورد في التاج فرأينا من المفيد نقله لأن ابن كثير من أئمة الحديث «قال عدي بن حاتم قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتلن. قال وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمّ على غيره. قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟. فقال إذا رميت بالمعراض
стр. 4412
فخزق فكله وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله. وفي لفظ لهما إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإنّ أخذ الكلب ذكاته. وفي رواية لهما فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» وقد عقب ابن كثير قائلا فهذا دليل الجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث. ثم قال وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. ثم أخذ يسوق أحاديث في تأييد جواز أكلها وفي بعض مسائل أخرى لم ترد في الكتب الخمسة ولكنه نبّه على أنها جيدة الأسناد. وأورد بعضها البغوي أيضا ونبّه التنبيه نفسه، والمفسران من أئمة الحديث.
ومن هذه الأحاديث حديث عن سلمان الفارسي قال «قال رسول الله ﷺ إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي» وحديث عن أبي ثعلبة الخشني قال «قلت يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها. فقال كل ما أمسكن عليك. فقال ذكيا وغير ذكي وإن أكل منه. قال نعم وإن أكل منه.
قلت يا رسول الله أفتني في قوسي. قال كل ما ردت عليك قوسك. قال ذكيا وغير ذكي قال نعم وإن تغيب عنك ما لم يصلّ- أي ينتن- أو تجد فيه أثر غير سهمك.
قال أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال اغسلها وكل فيها» . وهناك صيغ أخرى لحديث أبي ثعلبة جاء في إحداها «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردّت عليك يدك» وفي إحداها «قلت يا رسول الله إنّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس هو معلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي. قال أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها. وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل. وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل. وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» وهناك أقوال أخرى مروية عن بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم تدور في النطاق الذي دارت فيه الأحاديث المروية عن النبي ﷺ لم نر ضرورة إلى إيرادها لأن فيها تكرارا لا فائدة منه.
стр. 4413
والأحاديث التي ساقها ابن كثير والبغوي في حلّ الصيد الذي يأكل منه الجارح أو الكلب لم تحلّ الخلاف بين الفقهاء.
حيث ظل بعضهم يذهب إلى التحريم مطلقا وبعضهم إلى الحل مطلقا. وقد توسط بعضهم فقال بالحلّ في حالة الجوع. والأحاديث التي تحرم أكل ما أكل منه الكلب أقوى سندا كما هو ظاهر. والقول يحلّه في حالة الجوع وجيه ومتسق مع المبدأ العام الذي يحلّ أكل المحرم في حالة الاضطرار والمخمصة والله تعالى أعلم.
هذا، ومع أن تعبير قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ قد يكون في مقامه قاصرا على الأنعام والطيور التي يسوغ أكلها فإن فيه معنى الجواب المبادر القوي العام والشامل لكل طيب. وهذا متسق مع التلقين القرآني المنطوي في آيات عديدة مكية ومدنية «١» من توخى الشريعة الإسلامية- قرآنا وسنة- تحليل الطيبات جميعها.
والطيبات كما هو المتبادر هي كل ما لم ينص الشارع على تحريمه. وهي من هذا الاعتبار واسعة النطاق جدا. لأن ما نصّ الشارع من قرآن وسنّة على تحريمه محدود جدا. وهكذا ينطوي في العبارة القرآنية ما انطوى في كثير من الآيات من تيسير التشريع القرآني للمسلمين. ويلمس في كلمة الطيبات معنى تصوري رفيع في صدد تهذيب نفس المسلم وذوقه. وتنزيههما عن كل مستكره في المأكل والمشرب وسائر شؤون الحياة. وفي هذا الذي تكرر في القرآن بأساليب متنوعة ومواضيع عديدة ما فيه من روعة وجلال.
وفي سياق جملة وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واعتبارها شاملة لكل شيء حينما يراد أكله أورد ابن كثير أحاديث نبوية عديدة. منها ما ورد في بعض الكتب الخمسة. من ذلك حديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال النبي ﷺ أما إنّه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم. فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله فإن
стр. 4414
نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله أوّله وآخره» «١» وحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي جاء فيه «إنّ الشيطان يستحلّ الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه» «٢» وحديث رواه الثلاثة أنفسهم عن جابر عن النبي ﷺ «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم العشاء» . وحديث رواه أبو داود جاء فيه «قال جماعة يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع. قال فلعلّكم تفترقون. قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه» «٣» .
وفي الأحاديث تعليم وتأديب وتوجيه نحو الله في كل ظرف وشكر نعمته وابتغاء بركته.
[سورة المائدة (٥) : آية ٥]
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
. تعليق على الآية الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... إلخ
وما فيها من أحكام وتلقين وصور وتمحيص دلالة أهل الكتاب فيها في الآية تقرير تشريعي وجّه الخطاب فيه إلى المسلمين واحتوى:
стр. 4415
(١) توكيدا لحلّ الطيبات وإباحتها لهم بصورة عامة.
(٢) وحلّ طعام الكتابيين وإباحته لهم وحلّ طعامهم للكتابيين وإباحته لهم.
(٣) وحلّ التزوج بالمحصنات من المؤمنين والكتابيين وإباحته لهم ضمن نطاقه الشرعي من عقد ومهر ورغبة صادقة في الإحصان وليس بقصد السفاح والتخادن وقضاء الشهوة فقط.
(٤) وإنذار لهم بوجوب الوقوف عند حدود الله وعدم تجاوزها. وبيانا لما في تجاوزها من كفر بما آمنوا به. ولما يؤدي هذا إليه من حبوط عمل وخسران في الآخرة.
ولم نطلع على رواية خاصة بمناسبة نزول الآية. غير أن الطبري روى عن قتادة أن الله لما أحلّ طعام أهل الكتاب ونساءهم في الآية قال أناس من المسلمين كيف نتزوج نساءهم وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) .
وهذا يقتضي أن تكون الآية نزلت على دفعتين مع أن الجملة منسجمة مع شطر الآية الأول ومعطوفة عليه.
ولقد أورد الطبري أقوالا عديدة معزوة إلى علماء التابعين تفيد أنهم فهموا من جملة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ أنها في صدد ذبائح أهل الكتاب أو أوّلوها بذلك. وجاراه في ذلك معظم المفسرين بعده «١» حيث يتبادر على ضوء ذلك أن الآية متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وأن مضمونها يلهم أنها وما قبلها سلسلة متلاحقة. وأن إباحة التزوج بالمحصنات من المؤمنات والكتابيات قد جاء على سبيل الاستطراد. فإن لم تكن الآية نزلت مع سابقاتها فتكون قد نزلت عقبها فوضعت بعدها، أو وضعت بعدها للمناسبة الموضوعية.
ومع ذلك فمن المحتمل جدا أن يكون أورد على النبي ﷺ استفتاء في أمر
стр. 4416
ذبائح أهل الكتاب ونسائهم أو وقعت وقائع متصلة بذلك فاقتضت الحكمة تنزيل الآية ولعلّ ما ذكر في الآيات السابقة من الحالات التي يحرم فيها أكل الأنعام مما أثار ذلك وقد يخطر بالبال أيضا أن يكون ذلك في مناسبة وقعة خيبر التي وقعت بعد صلح الحديبية بمدة قصيرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الفتح استئناسا من كون الآيات قد نزلت بعد ذلك الصلح بمدة قصيرة على ما ذكرناه قبل. ولقد روي أن امرأة يهودية أهدت للنبي ﷺ شاة مطبوخة. وأنه تزوج صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود التي كانت بين السبايا «١» . فلعل بعض المسلمين تساءل عن الأمر فنزلت الآية تؤيد ما فعله النبي ﷺ وهو ما تكرر وقوعه ومرت أمثلة عديدة منه. وجملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) قد تكون تضمنت إيذانا بأن ما فعله النبي ﷺ إنما كان بإلهام الله تعالى لحكمة سامية. وإنذارا للمسلمين بأن عليهم أن يؤمنوا بكل ما يفعله النبي ﷺ لأنه رسول الله وأن من يتردد أو يرتاب في ذلك يحبط عمله ويكون من الخاسرين في الآخرة. والله أعلم.
ويلفت النظر إلى كلمة الْيَوْمَ التي استهلت بها الآية ثم إلى جملة أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ بعدها والتي احتوت مثلها الآية السابقة للآية. فهذا وذاك من القرائن التي نراها قوية على صلة الآية بما سبقها نظما وسياقا وموضوعا وعلى قوّة احتمال نزولها معها أو عقبها وعلى ضعف احتمال انصراف كلمة الْيَوْمَ في الآية الثالثة إلى يوم عرفة في حجة الوداع كيوم لنزولها.
والحكمة في هذا التشريع بليغة بعيدة المدى. فالقرآن ما فتىء يقرر وحدة المنبع والهدف التي تجمع بين المسلمين وأهل الكتاب وتجعلهم بمثابة جبهة واحدة ويوجب على المسلمين احترام كتبهم وأنبيائهم. فجاء هذا التشريع المستمد من تلك الوحدة التي ينطوي فيها تقرير كون الكتابيين مؤمنين بالله على كل حال صراحة أو تأويلا ولا يشبهون المشركين والوثنيين في طعامهم وذبائحهم ومناكحهم
стр. 4417
وهذا ما علّل به المفسرون حكمة التشريع خطوة جديدة قوية في سبيل إزالة الجفوة وتوطيد التآنس والتواثق والتعامل والتقارب عمليا بينهم. ووسيلة لإظهار محاسن الإسلام ورحابة صدره.
وسياق الآية يلهم بقوة أنها نزلت بعد وقعة الحديبية. أو لعلها نزلت بعد وقعة خيبر التي كانت عقب تلك الوقعة. وبعبارة ثانية بعد خضد شوكة اليهود في المدينة والقرى. وهذا يجعل من المتبادر بالإضافة إلى تلك الحكمة أن المسلمين صاروا في موقف الآمن المطمئن وبخاصة من ناحية اليهود الذين هم الكتلة الكتابية الكبرى في بيئتهم وأنه لم يبق ما يوجب التقاطع بينهم وبين المسلمين فكان ذلك من أسباب وحكمة التنزيل. وقد اختصصنا اليهود بالذكر لأنه لم يكن في بيئة النبي ﷺ كتلة كبيرة من النصارى تستطيع أن تلعب دورا مؤذيا ومناوئا كالدور الذي لعبه اليهود أولا. ولأن النصارى الذين كانوا في هذه البيئة كانوا على قدر كبير من الدمائة وحسن النّية والبعد عن المناوأة والعداء وقد اندمج معظمهم في الإسلام ثانيا. ولأن النصارى عامة كانوا إجمالا أكثر دماثة وأحسن أخلاقا وأصفى قلبا من اليهود. وقد فرقت إحدى آيات هذه السورة بين الفريقين في مواقفهما من النبي ﷺ ورسالته ومن المسلمين فقالت لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) .
وأثنت آية في سورة الحديد على أخلاقهم ثناء محببا هو على الغالب سجل لما كان واقع غالبهم وخاصة في بيئة النبي ﷺ وهي قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ... هذا في حين احتوت آيات مدنية كثيرة تسجيلا لما كان من واقع غالب اليهود من أخلاق سيئة وقلوب قاسية وانحرافات خلقية ودينية خطيرة مما مرّ منه أمثلة كثيرة في سور البقرة وآل عمران والنساء والجمعة التي مرّ تفسيرها.
وواضح أن صيغة الآية تشريعية عامة. وأن ما نبهنا عليه مما احتوته من
стр. 4418
الحكم الظاهرة والمستنبطة شامل الاستمرار والمدى في كل ظروف المسلمين وأمكنتهم. وفي هذا ما فيه من التوجيه الحكيم في صدد التقريب والتيسير والتأليف والتأنيس بين المسلمين والكتابيين وبخاصة حينما يكون هؤلاء منسجمين مع المسلمين في تواد وتفاهم. ولا يكون منهم مواقف عدائية ومكائد ونوايا مريبة ضد المسلمين يخشى عواقبها في ظروف ومظاهر الحياة الخاصة والعامة.
ولقد أورد المفسرون «١» أقوالا كثيرة معظمها معزو إلى ابن عباس وعلماء التابعين وتابعيهم في صدد ما انطوى في الآية من أحكام نوجزها ونعلّق عليها كما يلي:
أولا: في صدد الطعام:
١- مع ما قلناه من أن أهل التأويل القدماء فهموا من جملة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ أن المقصود هو ذبائحهم فقد رووا عن ابن عباس وأبي الدرداء والشعبي أن الجملة عامة الشمول. وفيها إباحة أكل جميع طعام أهل الكتاب على اختلاف أنواعه. واستدرك بعضهم فقالوا إن ما يحلّ لنا من طعامهم هو ما هو حلال لهم في شريعتهم. واستدرك آخرون فقالوا إن ما هو محرّم علينا نصّا يظل محرّما علينا لو قدموه لنا ولو كان حلالا في شريعتهم كالميتة حتف أنفها أو ما يموت من نهش السباع أو وقذا أو نطحا أو تردّيا أو خنقا ولحم الخنزير والدم المسفوح أو ما يدخل الخمر فيه من طعام وما ذبح على سبيل الميسر. وهذه المحرمات وردت في الآية الثالثة من السورة وآية أخرى وردت في هذه السورة وفيها إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) وهناك محرّمات أخرى وردت في أحاديث نبوية وأوردناها في سياق تفسير الآية [١٤٥] من سورة الأنعام.
والقول الأول هو مقتضى الآية. والاستدراك الثاني هو حقّ وصواب.
وتكون القاعدة أنه لا يجوز للمسلمين أن يأكلوا طعاما من أهل الكتاب محرّم
стр. 4419
عليهم في كتاب الله وسنّة رسوله. أما الاستدراك الأول فلا يكون صوابا فيما نرى إلّا في نطاق الاستدراك الثاني. فالخمر عندهم غير محرم فلا يصح للمسلم تناوله أو تناول طعام مصنوع به. ولا مانع يمنع المسلمين من أكل طعام فيه شحوم بقر وغنم لأن هذه الشحوم غير محرمة على المسلمين، وإن كانت محرمة على الكتابيين في شريعتهم ونعني اليهود. ويقاس على هذا غيره مما هو محرم عندهم وغير محرم عند المسلمين.
٢- وفي مسألة حلّ ذبائح أهل الكتاب أقوال، فالآية [١٢١] من سورة الأنعام نهت عن أكل الذبائح التي لا يذكر اسم الله عليها. وبعض أهل التأويل قالوا مع ذلك بإباحة أكل الذبائح المنذورة للكنائس أو التي يذكر اسم المسيح عليها.
ولقد روى البغوي عن ابن عمر أنه كان يحرّم ما ذكر اسم المسيح عليه ثم قال- البغوي- ولكن أكثر أهل العلم على حلّه. وروى- البغوي- أن الشعبي سئل عن ذلك فقال إنه حلّ. فقد أحلّ الله طعامهم وهو يعلم ما يقولون وروى المفسر نفسه عن الحسن أن اليهودي أو النصراني إذا ذبح فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكل وإذا غاب عنك فقد أحلّ لك. ولم نر قولا في الذبيحة التي لا يذكر الكتابي اسم الله ولا غيره عليها. وتقتضي الآية [١٢١] من سورة الأنعام تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. غير أن هناك أحاديث أوردناها في سياق تفسير هذه الآية تذكر أن المسلم إذا نسي ذكر الله حين الذبح لا يضره ذلك ويأكل مما ذبحه لأنه لا يؤمن إلا بالله وحده. ولا يكون عدم الذكر منه عمدا. وقد يصح أن يقال قياسا على ذلك والله أعلم أن ذبيحة الكتابي أيضا تؤكل إذا نسي أن يذكر اسم الله عليها نسيانا وغير متعمّد على اعتبار أنه يؤمن بالله صراحة أو تأويلا ويتعبّد له. وتبعا لذلك قد يكون في القول الثالث الوسط صواب وسداد. فلا يجوز لمسلم أن يأكل ذبيحة الكتابي إذا سمع أو تيقن أنه ذكر اسم غير اسم الله عليها أما في حالة الغياب وعدم التيقن أو النسيان غير المتعمد فيبقى الأصل هو الوارد وهو حلّها على اعتبار أن ذابحها مؤمن بالله.
٣- وهناك قولان عن أهل التأويل في ذبائح النصارى واليهود الذين هم من
стр. 4420
جنس عربي حيث يذهب بعضهم إلى أن جملة الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لا تنطبق عليهم فلا تحلّ ذبائحهم وحيث يذهب بعضهم إلى أن المقصد من الجملة هو الذي يدين بإحدى الديانتين ويدخل نصارى العرب ويهودهم في نطاق ذلك. وهذا هو الوجيه السديد فيما نرى والله أعلم.
٤- والمؤولون يركزون أقوالهم على الذبائح في الدرجة الأولى لأن في الحيوانات ما هو محرّم علينا ولأن طريقة الذبح تتحمل التحريم والتحليل.
والجمهور على أن طعام أهل الكتاب من غير الذبائح ومما لا يدخله خمر حلال للمسلمين.. وهذا سديد بل هو من باب أولى.
٥- وجلّ المفسرين القدماء بل كلّهم يديرون الكلام في صدد أهل الكتاب على اليهود والنصارى. ونرجح أن ذلك بسبب الواقع المتمثل في كون هؤلاء هم المعروفون عند المسلمين المتصلون بهم.
ولقد نبهنا قبل أن في القرآن قرائن قد تفيد أن كلمة أهل الكتاب أشمل من اليهود والنصارى فيكون الموقف من ذبائح أهل الملل التي تدعي أن عندها كتبا موحاة من الله على بعض أنبيائها ويكون عليها سمة من سمات الكتب السماوية نفس الموقف من ذبائح اليهود والنصارى. وإذا كانت هذه الملل منحرفة أو كان في كتبها التي تدعي أنها سماوية مناقضات للقرآن فهذا شأن اليهود والنصارى وما في أيديهم الآن من كتب.
ولقد عقد رشيد رضا فصلا طويلا على هذه المسألة انتهى فيه إلى ما انتهينا إليه. وقد ذكر أنه ورد عليه سؤال من «جاوة» في حكم الزواج من الجاويين غير المسلمين وأنه أفتاهم بالحل إذا كانت في أيديهم كتب يدعون أنها موحاة من الله على أنبيائهم. وقال إن هذا عام في من يدعي ذلك في الهند والصين واليابان أيضا. ولم يذكر رشيد رضا مسألة الذبائح وكلامه يقتضي أن تكون ذبائحهم أيضا حلالا مثل نسائهم في نطاق ما شرحناه سابقا.
٦- ولقد استطرد بعض المفسرين المتأخرين قليلا إلى ذكر المجوس
стр. 4421
والصابئين. فقال الزمخشري إن السنّة في المجوس هي أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. ولم يذكر سندا لقوله. وأورد رواية عن ابن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس.
وقال ابن كثير قولا مشابها مع إشارته إلى رأي فقيه من أصحاب الشافعي والحنبلي اسمه أبو ثور كان يقول بحل ذبائحهم ونسائهم لحديث مروي عن النبي ﷺ أنه أخذ الجزية منهم وأنه قال سنّوا بهم سنة أهل الكتاب. ولأن الخلفاء الراشدين ساروا على ذلك.
والحديث المذكور أورده الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج في سياق ذكر موقف تردد وقفه عمر بن الخطاب في أخذ الجزية من المجوس وعدمه وقال ما أدري ما أصنع بهؤلاء فقال عبد الرحمن بن عوف «أشهد أن رسول الله قال سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» «١» .
وقد روى أبو يوسف حديثا طويلا آخر يفيد أن عليّ بن أبي طالب قال «إنه كان للمجوس كتاب يقرأونه فانحرفوا عنه وإن النبي أخذ الخراج منهم لكتابهم وحرّم ذبائحهم ونساءهم لشركهم» «٢» والجملة الأخيرة من الحديث الطويل محلّ نظر. فاليهود والنصارى أهل كتاب. وقد انحرفوا ويعدون من ناحية ما مشركين على ما ذكرناه قبل ومع ذلك فليس هناك خلاف في حلّ ذبائحهم ونسائهم.
وكتاب الخراج ليس بعد كتاب حديث. غير أن في الكتب الخمسة أحاديث تفيد أن النبي ﷺ وخلفاءه أخذوا الجزية من المجوس. منها حديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف قال «إنّ النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» «٣» وحديث رواه الترمذي «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس
стр. 4422
البحرين وأخذها عمر من فارس وأخذها عثمان من الفرس والبربر» «١» فإذا كان ما رواه أبو يوسف ثم أبو ثور من أن النبي ﷺ قال سنّوا بهم سنة أهل الكتاب صحيحا فيكون قول أبي ثور بحلّ ذبائحهم ونسائهم في محلّه. مع التنبيه على أن أخذ الجزية منهم وهو ما اقتصر حديثا البخاري وأبو داود والترمذي على ذكره لا يعني أنهم أهل كتاب. لأن هناك حديثا رواه الخمسة إلا البخاري عن بريدة وأوردناه في تعليق طويل لنا في سورة الكافرون يذكر أن النبي ﷺ أجاز أخذ الجزية من المشركين أيضا «٢» .
ونذكر في هذه المناسبة أنه من المعلوم المشهور أنه كان في بلاد الفرس التي كانت مشهورة بأنها مجوسية رجل دين عظيم اسمه زرادشت وله كتاب.
وننبه على أن بحث كتابية المجوسي وعدمها هو الآن في نطاق البحث النظري. لأنه ليس في بلاد الفرس الآن مجوس يؤخذ منهم جزية وأن الإسلام قد عمّها منذ أكثر من ألف عام.
أما الصابئة فإن الزمخشري قال إن حكمهم عند أبي حنيفة هو حكم أهل الكتاب وإن صاحبيه قالا: إنهما صنفان صنف يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرؤون ويعبدون النجوم. فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. والمرجح أن المقصود بهذا التقسيم هم الطائفة التي كانت في بلاد العراق في زمن أبي حنيفة والتي تعرف اليوم باسم (الصبة) وليس هناك أثر نبوي وثيق في صددهم بحيث يمكن القول إن هذه الأقوال اجتهادية وتطبيقية مستمدة من واقع كان.
٧- ولقد استطرد رشيد رضا إلى مسألة طعام غير أهل الكتاب من الوثنيين والمشركين فقال ما مفاده إن القرآن لم يحرم طعامهم نصّا كما حرّم نساءهم. وإن اقتصار الآية على تحليل طعام أهل الكتاب لا يعني بالضرورة تحريم طعام غيرهم.
وإن كل ما هنالك أن القرآن حرّم أكل ما أهلّ لغير الله كما حرّم الميتة والدم ولحم
стр. 4423
الخنزير. فيكون هذا التحريم هو الضابط القرآني في صدد طعام غير أهل الكتاب. وهو قول سديد مع إضافة كون القرآن حرّم الخمر ويستتبع ذلك الطعام الذي يصنع به وأن هناك أحاديث حرّمت أكل حيوانات أخرى غير الخنزير أيضا.
وعلى ضوء ذلك يصحّ أن يقال إن المشركين والوثنيين لو قدموا للمسلمين طعاما بدون لحم وخمر من خبز وتمر وحبوب وخضروات وفواكه وعسل وزيت وبيض جاز لهم أكله.
٨- ونقول استطرادا إنه ليس في القرآن كما إنه ليس في السنّة فيما اطلعنا عليه تحريم على المسلمين إطعام غير المسلمين من غير الكتابيين من طعامهم، والحكمة الملموحة في النّص على تبادل الطعام بين المسلمين والكتابيين هي التأنيس وقصد حسن التواصل والتعايش بين الذين تجمعهم في العقيدة والمبادئ مصدر واحد وهو الله تعالى. ويبقى إطعام المسلمين لغير المسلمين من غير الكتابيين مباحا أيضا على اعتبار أن الأصل هو الإباحة والإطلاق ما لم يرد نصّ.
لقد أباح القرآن للمسلمين أن يأكلوا من الأطعمة المحرمة إذا ما اضطروا على شرط الالتزام بقدر الضرورة وعدم تجاوزها وهذه الرخصة في نطاقها واردة بالنسبة لما يقدمه أهل الكتاب وغيرهم أو يضعونه من طعام ولو كان في أصله حرام على المسلمين بطبيعة الحال.
وثانيا: في موضوع التزوج بالكتابيات في كتب التفسير أقوال عديدة في صدد الآية ومداها. ومعظمها وارد في الطبري نوجزها ونعلّق عليها بما يلي:
١- هناك خلاف بين المؤولين في المقصود بكلمة وَالْمُحْصَناتُ حيث قال بعضهم إنهن الحرائر وبعضهم بأنهن العفيفات. وأصحاب القول الأول لا يفرقون بين العفيفات وغير العفيفات وإنما يخرجون الإماء. وأصحاب القول الثاني لا يفرقون بين الحرائر والإماء وإنما يخرجون العفيفات.
والكلمة تتحمل من حيث الاستعمال القرآني المعنيين. وقد جاء المعنيان في الآية [٢٥] من سورة النساء هذه وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ
стр. 4424
الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ
حيث عنت كلمة وَالْمُحْصَناتُ الأولى (الحرائر) والثانية (العفيفات) . والكلمة تعني معنى ثالثا وهو (المتزوجات) وقد ورد هذا في الآية [٢٤] من سورة النساء وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وهذا المعنى غير وارد هنا لأن ورود الكلمة في آية النساء [٢٤] هذه كان على سبيل تحريم التزوج بالمتزوجات وهو حكم محكم.
ولقد قال الطبري بعد ما أورده من الأقوال «إن أولى الأقوال بالصواب أن كلمة وَالْمُحْصَناتُ تعني الحرائر سواء أكنّ عفيفات أم فاجرات. وأن الله جلّ ثناؤه شرط نكاح الإماء بالإيمان وأنه قد أحلّ لنا حرائر المؤمنات وإن أتين بفاحشة لقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فيكون قد أحلّ لنا حرائر أهل الكتاب وإن كنّ أتين بفاحشة.
ويتبادر لنا أن ترجيحه لكون كلمة وَالْمُحْصَناتُ عنت الحرائر دون الإماء هو الأوجه لأن الآية تضمنت أن يكون التزوج بالكتابيات بمهر وعقد. وهو ما يتوقع بالنسبة للحرائر دون الإماء. ويبقى بذلك قيد الْمُؤْمِناتِ لمن يراد التزوج بهن من الإماء الوارد في آية سورة النساء [٢٥] محكما والله تعالى أعلم.
٢- ويقيّد الطبري الزواج بالكتابيات اللاتي أتين بفاحشة بتوبتهن ويقيس ذلك على جواز الزواج بالمؤمنات اللاتي يأتين بفاحشة إذا تبن. ويسوق بعض الأحاديث الصحابية في ذلك. وقد أوردنا هذه الأحاديث في سياق تفسير الآية الثالثة من سورة النور وعلقنا عليها وذكرنا ما هناك من خلاف في هذا الموضوع ورجحنا ما ذهب إليه الجمهور من جواز التزوج بالزانية إذا تابت. ونقول هنا إن كلام الطبري وقياسه صواب وسديد. والله تعالى أعلم.
стр. 4425
٣- يروي الطبري عن بعض أهل التأويل إباحة التزوج بالذميات دون الحربيات «١» وعن بعضهم أن الآية عنت أهل الكتاب الذين كانوا كذلك حين نزولها فلا تشمل من دخل في دينهم بعدها. وعن بعضهم أن الوصف هو في صدد الواقع السابق وأن الإجازة هي في صدد التزوج بالكتابية إذا أسلمت فلا يجوز التزوج بها وهي على دينها. وعن بعضهم إناطة الإجازة بتمسك الكتابيين بشرائعهم وهذا يشمل المرأة وأهلها بالدرجة الأولى. وعن بعضهم إجازة التزوج بالكتابيات غير العربيات فقط. وعن بعضهم أن الآية مطلقة تجيز التزوج بالحرائر من الكتابيات بدون قيد ولا تفريق ولا زمن. ولم نطلع على أثر نبوي في سياق هذه الأقوال حيث تكون على الأرجح اجتهادية. ومن المحتمل أن بعضها أي التي لا تجيز التزوج بالكتابية وهي على دينها مستلهمة من آية سورة البقرة [٢٢١] التي تنهى عن التزوج بالمشركات ومن آية سورة الممتحنة [١٠] التي تنهى عن التمسك بعصم الزوجات الكافرات. وأهل الكتاب يعدون كفارا لأنهم يجحدون رسالة النبي. وقد يعدون من ناحية ما مشركين لأن اليهود يقولون العزير ابن الله والنصارى يقولون المسيح ابن الله أو أن الله ثالث ثلاثة أو أن المسيح هو الله. غير أن جمهور المفسرين والفقهاء فهموا أن الآية هي في صدد جواز تزوج المسلم بالكتابية وهي على دينها بحيث يمكن القول إن في الآية تقييدا لآية البقرة والممتحنة وجعلهما قاصرتين على المشركات والوثنيات.
٤- ونستطرد إلى القول إن بعض المتمحلين يقولون إنه ليس في القرآن نصّ على تحريم زواج المسلمات من الكتابيين. وهذا مردود. أولا بأن الآية بإباحتها زواج المسلمين بالكتابيات فقط قد انطوى فيها حصر ذلك في هذه الناحية. وثانيا
стр. 4426
بأن الآية في احتوائها جملة مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ قد قصدت تنبيه رجال المسلمين إلى أن هذه الإجازة مشروطة بأن يكون هدفهم الإحصان لا المسافحة ولا المخادنة اللتين كان النساء الكتابيات متعرضات لهما أكثر حيث ينطوي في هذا أيضا حصر الإجازة في رجال المسلمين. وثالثا باتفاق المسلمين على ذلك منذ العهد النبوي بدون خلاف ... وهناك حديث أورده المفسر القاسمي ومرويّا عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال «أحلّ لنا ذبائح أهل الكتاب وأحلّ لنا نساؤهم. وحرّم عليهم أن يتزوجوا نساءنا» والحديث لم يرد في الصحاح. ولكن القاسمي عالم في الحديث. والحديث بعد متوافق مع روح الآية بل وفحواها.
وحكمة المنع ظاهرة فالرجل بطبيعته هو القوّام على الزوجة وهو ربّ الأسرة وإليه ينسب النسل. فالخوف منتف من وجهة نظر الشريعة الإسلامية أو كالمنتفي من تأثير الأم الديني. واحتمال الانتفاع بمزاياها واندماجها في الإسلام هو الأقوى.
وهذا خلاف للحالة إذا ما عكست. وقد يضاف إلى هذا اعتبار مهم آخر. وهو أن المسلم يحترم أنبياء الكتابيين وكتبهم فليس للكتابية أن تشعر بحرج من التزوج به لأنها مطمئنة على احترامه لما تقدسه. في حين أن الكتابي لا يعترف بنبي المسلمة ولا بكتابها وبالتالي لا يحترمهما فيكون عليها حرج من التزوج به، لأنها لا تكون معه مطمئنة على ما تقدسه.
٥- ويلحظ أن آية النساء [٢٤] نبهت على وجوب استهداف الإحصان وإنشاء الأسرة وعدم قصد قضاء الشهوة أو المسافحة وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. ولقد تكررت هذه العبارة في الآية التي نحن في صددها حيث يلمح في ذلك قصد توكيد هذا الأمر في حالة التزوج بالكتابيات أيضا وبالتالي عناية التنزيل القرآني بهذا الهدف الاجتماعي ووجوب ملاحظته في كل الحالات. والإخلال بهذا الهدف في حالة التزوج بالكتابيات أكثر توقعا فكان من الحكمة توكيده في هذا المقام مع زيادة مهمة وهي وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أي لا يكون ذلك بقصد المخادنة. أي المخاللة. والفرق بين هذا والمسافحة أن المسافحة قد تكون عابرة وأن المخادنة قد تكون دائمة.
стр. 4427
٦- والسياق يجعلنا نذكر حالة أخرى في صدد الكتابيات. وهي استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن. ولقد أباحت آيات النساء [٣ و ٢٤] والمؤمنون [٦] والأحزاب [٥٠ و ٥٢] والمعارج [٣٠] استفراش المسلمين للإماء اللاتي يملكونهن دون تقيد بقيد المؤمنات. وهناك آثار نبوية تجيز استفراش المسلمين لما ملكت أيمانهم مطلقا أيضا أوردناها في سياق تفسير آيات سورة النساء [٢٤ و ٢٥] فيكون الإماء الكتابيات مشمولات بهذه الإباحة.
٧- ولقد استطرد بعض المفسرين إلى المجوس والصابئة في سياق بحث الزواج أيضا. وهذه المسألة بحثناها في سياق مسألة الطعام فنكتفي بهذا التنبيه.
٨- وما ذكرناه في بحث الطعام في صدد من يدعي أنه أهل كتاب من غير اليهود والنصارى ينسحب على هذا البحث. فنكتفي كذلك بهذا التنبيه.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦ الى ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
. تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... إلخ والآية التالية لها وما فيهما من أحكام وتلقين ومسألة المسح على الخفين وما ورد في كل ذلك من أحاديث
عبارة الآيتين واضحة. وقد احتوتا:
стр. 4428
(١) خطابا موجها للمؤمنين يأمرهم عند قيامهم للصلاة أن يغسلوا أيديهم ووجوههم وأرجلهم ويمسحوا برؤوسهم. ويغتسلوا إذا كانوا جنبا. وإذا لم يجدوا ماء في سفر أو حضر أو كانوا مرضى يؤذيهم الماء ووجب عليهم الوضوء أو الاغتسال من الجنابة بسبب قضاء حاجتهم في الغائط للأول وملامسة النساء للثاني فيجزيهم أن يمسحوا أيديهم ووجوههم من صعيد طيب.
(٢) وتنبيها تعليليا بأن الله تعالى لم يرد بأمره إعناتا وإحراجا وإنما يريد تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم.
(٣) وتذكيرا بما ارتبطوا به من ميثاق مع الله تعالى حينما آمنوا به وبرسالة رسوله وقالوا سمعنا وأطعنا لتوكيد القيام بما يؤمرون به وبوجوب تقوى الله الذي يعرف ما في الصدور كما يعرف الظواهر.
ولقد روى الطبري حديثا موصولا إلى سعد بن أبي وقاص قال «كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلّمه فلا يكلّمنا ونسلّم عليه فلا يردّ علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة فقلنا يا رسول الله نكلّمك فلا تكلّمنا ونسلّم عليك فلا تردّ علينا حتى نزلت آية الرخصة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... إلخ.
وروى البخاري ومسلم والترمذي حديثا عن عائشة جاء فيه «سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ النبي ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال حبست الناس في قلادة. فأحسست بالموت لمكان رسول الله ﷺ وقد أوجعني. ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... إلخ فقال أسيد بن حضير لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلّا بركة لهم» «١» .
стр. 4429
وقد أورد الطبري وغيره من المفسرين هذا الحديث كسبب لنزول آية سورة النساء [٤٣] التي فيها رخصة التيمم. وقد روى البخاري حديثا عن عائشة في صدد هذه الآية جاء فيه «هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي ﷺ في طلبها رجالا فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلّوا على غير وضوء فأنزل الله تعالى آية التيمّم» «١» .
والحادث متشابه في الحديثين مما قد يسوغ القول إنه واحد وإن من المستبعد أن تكون الآيتان نزلتا فيه مع بعد ما بين نزولهما.
وحديث سعد بن أبي وقاص لم يرد في كتب الصحاح وليس فيه على احتمال صحته قرينة على أن الآية نزلت بسبب ما ذكر فيه. وكل ما يمكن أن يفيده أن النبي ﷺ ظلّ على عادته بعدم ردّ السلام على أصحابه وهو على غير وضوء إلى أن نزلت الآية.
ولما كان من المتفق عليه أن النبي ﷺ والمسلمين كانوا يتوضأون للصلاة في مكة واستمروا على ذلك في المدينة على ما شرحناه وأوردنا الآثار الواردة في صدده في سياق آية النساء المذكورة. ولما كان من الأرجح أن يكون الحادث المذكور في حديث عائشة قد وقع في ظروف نزول آية النساء على ما ذكرناه أيضا في سياق تفسيرها وشرحها. ولا سيما أن الطبري والبغوي وهما من أقدم المفسرين الذين وصل إلينا كتب تفسيرهم لم يورداه ولم يوردا رواية ما من بابه في سياق آية المائدة التي نحن في صددها. ثم لما كان من الملحوظ أن هذه الآية وحدة تامة منسجمة. فالذي يتبادر لنا أن فريقا من المسلمين أخذوا يتهاونون في أمر الوضوء والطهارة أو في أشكالهما وأركانهما أو لا يرون ذلك واجبا فاقتضت حكمة التنزيل تنزيل الآية للتوكيد ولبيان الأشكال والأركان مع ذكر رخصة التيمم لإتمام الموضوع.
стр. 4430
ويلحظ أن الآية الثانية منسجمة مع الآية الأولى ومعطوفة عليها حيث يتبادر أنها جاءت بمثابة تعقيب وتدعيم لما أمرت به الآية الأولى. وقد يكون منها تأييد لما قلناه من أن بعض المسلمين تهاونوا في أمر الوضوء والاغتسال من الجنابة فاقتضت حكمة التنزيل تذكيرهم بنعمة الله عليهم. وميثاقه الذي أخذه منهم على السمع لما يأمرهم به وطاعته.
والتوكيد عليهم بتقواه وتنبيههم إلى أنه عليم بكل ما في نفوسهم بالإضافة إلى أعمالهم الظاهرة.
والتناسب قائم بين الآيتين وما سبقهما من حيث القصد التشريعي. فإما أن تكونا نزلتا بعد الآيات السابقة مباشرة فوضعتا بأمر رسول الله بعدها للتناسب التشريعي والظرفي. أو وضعت بعدها للتناسب التشريعي وحسب. ونرجح على كل حال أنها نزلت بعد الآيات التي سبقتها إما فورا وإما بعد مدة ما والله تعالى أعلم.
ولقد صرف بعض المؤولين جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ في الآية الأولى إلى قصد تعليل إيجاب التيمم إذا فقد الماء أو آذى. ومنهم من صرفها إلى قصد تعليل إيجاب الوضوء. والجملة تتحمل المعنيين. وإن كان صرفها إلى تعليل التيمم أقوى لأنه الأقرب إليها تتضمن قصد إشعار المسلمين دائما بشعور الطهارة ووجوبها وليس للإحراج.
ومهما يكن من أمر ففي الجملة معنى يصح أن يكون نبراسا يستمدّ منه المسلمون نورا وهدى في مختلف أمورهم وهو كون الله تعالى إنما يتوخى في تكاليفه ورخصه نفع المسلمين وطهارتهم ماديا وروحيا دون قصد الإحراج. وفي هذا من الجلال ما فيه.
وأسلوب الآية الثانية قوي نافذ. ومع أنها موجهة إلى المؤمنين في عهد رسول الله في صدد ما أمروا به في الآية الأولى فإن إطلاق عبارتها يجعل ما احتوته
стр. 4431
من هتاف وتذكير وتنبيه مستمر المدى شاملا لكل ما أمر الله به ورسمه ونهى عنه.
ولقد قلنا إن الآثار تؤيد أن الوضوء كان ممارسا منذ وقت مبكر من العهد المكي. وفي نزول الآية الأولى متأخرة مع ممارسة الوضوء قبلها بمدة طويلة مشهد من المشاهد الكثيرة التي احتوت ممارسة النبي ﷺ وتشريعاته لفروض وأمور وأعمال دينية وسياسية واجتماعية وحربية بدون وحي قرآني ثم ينزل الوحي القرآني مؤيدا لتلك الممارسة والتشريعات والأعمال.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها الطبري وغيره عن أهل التأويل في مدى جملة وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا منها أنه الميثاق الذي أخذه الله من بني آدم على ما جاء في آية سورة الأعراف [١٦٩] ومنها أنها البيعة التي روي أن النبي أخذها من وفد الأوس والخزرج قبيل هجرته. والتي تمّت الهجرة بناء عليها والتي روي أن صيغتها هي صيغة آية الممتحنة هذه مع التذكير يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) ومنها ما عناه الحديث الذي رواه الشيخان والنسائي عن عبادة بن الصامت الذي جاء فيه «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» ومنها أنه ما اعتبر ميثاقا مأخوذا من كل مسلم على السمع والطاعة حين يعلن إسلامه وإيمانه وينضوي إلى الدين الإسلامي. ونحن نطمئن بالقول الأخير لأنه متساوق مع فحوى الآية التي شمل الهتاف بها لكل أمر ولكل مؤمن ولكل زمن. والله تعالى أعلم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية الأولى أحاديث نبوية بفضل الوضوء منها ما ورد في الكتب الخمسة منها حديث رواه الخمسة إلا أبا داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء. فمن
стр. 4432
استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل» «١» وحديث رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» «٢» وحديث رواه مسلم عن عثمان عن النبي ﷺ قال «من توضّأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» «٣» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» «٤» وحديث رواه الخمسة إلا البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
ولا صدقة من غلول» «٥» .
ومما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية بإيجابها على كل مسلم ومسلمة غسل أطرافهما المكشوفة أكثر من مرة في اليوم والاغتسال من الجنابة التي يمكن أن تتكرر مرارا في الشهر بالإضافة إلى ما تضمنته آية سورة المدثر الثالثة من إيجاب تطهير ثيابهم. وإلى ما تضمنته الأحاديث النبوية العديدة في هذا الأمر «٦» قد هدفت إلى جعل المسلمين مثالا في العناية بطهارة الجسد والثوب في موازاة ما هدفت إليه بالرسالة المحمدية في جعلهم مثالا في الطهارة الروحية على ما عبرت عنه آية سورة البقرة كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ
стр. 4433
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) . وآية سورة آل عمران [١٢٩] المماثلة لها.
وفي كتب التفسير «١» أقوال كثيرة معزوة إلى النبي ﷺ وبعض أصحابه وتابعيهم في صدد ما انطوى في الآية الأولى من أحكام نوجزها ونعلق عليها بمايلي باستثناء ما ورد في الاغتسال والتيمم وكيفياته ونواقض الوضوء وموجبات الغسل ومدى ملامسة النساء حيث ألممنا بذلك في سياق جملة مماثلة في آية سورة النساء [٤٣] :
١- اختلف في قراءة أَرْجُلَكُمْ حيث قرئت بفتح اللام وبكسرها. وترتب على ذلك خلاف. فمن قرأها بالكسر قال إن الآية أمرت بالمسح على الرجلين لأن الكلمة معطوفة على وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ومن قرأها بالفتح أوجب غسل الرجلين لأنها تكون معطوفة على الوجه واليدين. وعلّل أصحاب هذا القول تأخيرها للترتيب في عملية الوضوء حيث يكون غسل الرجلين آخرها واستندوا إلى أحاديث عن كيفية وضوء النبي ﷺ وغسله لرجليه سنوردها بعد. ومنها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال «أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم يقول: ويل للعراقيب من النار» «٢» وحديث رواه مسلم وأبو داود عن عمر «أن رجلا توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلّى» «٣» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن المستورد قال «رأيت النبيّ ﷺ يخلّل أصابع رجليه بخنصره» «٤» .
والأكثر على وجوب غسل الرجلين. وهو الأوجه فيما يتبادر لنا ولعلّ جملة إِلَى الْكَعْبَيْنِ قرينة قرآنية على ذلك حيث لا تبدو حكمة لو كان القصد مسحا.
стр. 4434
وهذا ما عليه جمهور أهل السنة. أما الشيعة فهم يقرأون لام أَرْجُلَكُمْ بالكسر ويقولون بالمسح دون الغسل. ولا يأخذون بالأحاديث التي لا يرويها أئمتهم. وقد روى الطبرسي عن إمامهم أبي جعفر أن شخصا سأله عن المسح على الرجلين فقال له هو الذي نزل به جبريل.
٢- إن نصّ الآية يفيد أن الوضوء واجب على كل مسلم كلّما قام إلى الصلاة، وهناك رواية عن عكرمة أن عليّ بن أبي طالب ﵁ كان يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ الآية. ورواية عن ابن سيرين أن الخلفاء الراشدين كانوا يتوضأون لكل صلاة. ورواية عن عبد الله بن حنظلة أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة فشقّ ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلّا من حدث. ورواية عن ابن بريدة عن أبيه من طرق عديدة أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلّى الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله. قال: عمدا فعلته»
. ورواية عن عمرو بن عامر أنه سأل أنسا: أكان رسول الله يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلّي الصلوات بوضوء واحد «٢» . وروايات عديدة عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعكرمة وأبي موسى وأبي العالية تفيد أن سنّة رسول الله وأصحابه لا توجب الوضوء إلّا بعد حدث وأنهم كانوا يصلّون بوضوء واحد أكثر من صلاة. ورواية عن أبي غطيف قال صليت مع ابن عمر الظهر فأتى مجلسا فجلست معه فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة ثم رجع إلى مجلسه فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ فقلت: أسنّة ما أراك تصنع؟ قال: لا وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كاف للصلوات كلّها ما لم أحدث ولكن سمعت رسول الله يقول من
стр. 4435
توضأ على طهر كتب له عشر حسنات فأنا رغبت في ذلك «١» .
ويستفاد من حديثي أنس وأبي بريدة الصحيحين بخاصة أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة. وكان أصحابه يحذون حذوه ثم ألهم التخفيف عن أمته فصلّى بوضوء واحد أكثر من صلاة. وفسر بعمله التخفيفي وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة إذا كان المرء على غير طهر. وهذا ما عليه جمهور المسلمين بالتواتر الذي لم ينقطع من الصدر الإسلامي الأول وإن كان يستحبّ مع ذلك أن يتوضأ المسلم لكل صلاة طهرا على طهر.
٣- والآية لا تذكر إلّا غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين أو مسحهما على اختلاف القراءة. غير أن حديثا رواه الخمسة احتوى تفصيلا لكيفية الوضوء جاء فيه «أنّ عثمان دعا بوضوء فغسل كفّيه، ثلاث مرات ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجه هـ ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا وقال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه، وفي رواية مضمض واستنشق واستنثر بثلاث غرفات من ماء وفي أخرى مسح رأسه ثلاثا وفي أخرى مسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه» «٢» . وإلى هذا فقد روى البخاري وأبو داود والترمذي حديثا عن عبد الله بن زيد «أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين» «٣» - أي بدلا من ثلاث مرات لكل عمل- وحديثا عن ابن عباس «أن النبي توضأ مرة مرة» «٤» . ومن الكيفيات المروية أيضا ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس «أنس النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفّا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلّل به
стр. 4436
لحيته وقال: هكذا أمرني ربّي» . وما رواه الاثنان عن أنس أيضا «قال النبي ﷺ إذا توضأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك» «١» وما رواه الاثنان أيضا عن المستورد قال: «رأيت النبي ﷺ يخلّل أصابع رجليه بخنصره» «٢» وما رواه الاثنان كذلك عن ابن عباس «أنّ النبي مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» «٣» وما رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن المغيرة «أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» «٤» وما رواه أبو داود «أن النبي ﷺ قال أسبغ الوضوء وخلّل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائما» «٥» .
٤- وفي الأقوال المأثورة عن ابن عباس وغيره على ما جاء في الطبري والبغوي والخازن وابن كثير ما يفيد وجوب غسل المرفقين نفسهما وما يفيد عدم وجوب ذلك والاكتفاء بغسل اليدين إلى حد المرفقين. لأن صيغة الآية تتحمل هذا وتتحمل ذاك. وليس هناك أثر نبوي صريح وثابت في ذلك. وهذا جعل المسألة خلافية في المذاهب الفقهية.
٥- وكما اختلف في دخول المرفقين في اليدين وعدمه اختلف في الكعبين أيضا لنفس السبب فكان غسلهما أو غسل الرجلين لحدودهما مسألة خلافية بدورها.
٦- ولقد اختلف في الترتيب فمنهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه.
والموجبون استندوا إلى ترتيب الآية من جهة وإلى الأحاديث في عملية وضوء النبي ﷺ من جهة. وهو الأوجه فيما يتبادر لنا.
٧- ولقد اصطلح الفقهاء على تسمية غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس أركانا أو فروضا وبقية العملية سنّة. ومنهم من قال إن من يفعل الأركان
стр. 4437
فقط يجزيه وتصح صلاته. غير أن الأكثر على كون بقية العملية المروية في الأحاديث واجبة مع الاختلاف في العدد من مرة لكل عمل إلى ثلاث بسبب اختلاف الروايات.
٨- ولقد ذهب بعضهم إلى أن نية الوضوء للصلاة ركن من أركانه. وذهب بعضهم إلى عدم ضرورة ذلك. ولقد روى أبو داود والترمذي حديثا عن النبي ﷺ جاء فيه «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» «١» والمتبادر أن التسمية عند مباشرة الوضوء التي يوجبها هذا الحديث هي تعبير عملي عن النية.
٩- ولقد رأى بعضهم في الآية دلالة على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة.
وساق على ذلك حديثا رواه معزوا إلى أصحاب السنن عن عبد الله بن عباس جاء فيه «إنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدّم إليه طعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» «٢» .
١٠- ومن سنن الوضوء المستحبة الاستياك حيث روى مالك والبخاري حديثا عن النبي ﷺ جاء فيه «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ وضوء» «٣» ولقد روى البخاري والنسائي حديثا آخر عن عائشة قالت «قال النبيّ ﷺ : السواك مطهرة للفم ومرضاة للربّ» «٤» .
١١- واختلف في كيفية مسح الرأس ومقداره، فمنهم من أوجب مسحه جميعا ومنهم من أوجب مسح بعضه أو ربعه لأن الأحاديث المروية في ذلك مختلفة على ما مرّ ذكره.
١٢- والمفسرون يستطردون في سياق تفسير هذه الآيات أو آية الوضوء بنوع خاص إلى ذكر المسح على الخفين. ومن المحتمل أن يكون ذلك بسبب اختلاف قراءة أَرْجُلَكُمْ ومجيء هذه الكلمة بعد جملة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
стр. 4438
حيث ذهب بعضهم إلى أنها معطوفة على هذه الجملة وأن مفهومها هو مسح الرجلين وليس غسلها على ما ذكرناه قبل.
ولقد أوردوا في سياق ذلك أحاديث عديدة عن المسح على الخفين معظمها ورد في مساند الأحاديث الصحيحة «١» . وليس فيها أية إشارة إلى صلة هذه المسألة بقراءة أَرْجُلَكُمْ حيث يصحّ القول إنها تشريع نبوي للتخفيف والتيسير وأن ذكرها في سياق الآيات هو للمناسبة أو تطبيق متأخر. وأساس السنّة لبس الخفين على طهر فلا يكون بينها وبين روح الآية القرآنية تناقض. وقد أخذ بهذه السنة معظم المذاهب الإسلامية. ومن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين حديث رواه الخمسة عن المغيرة بن شعبة «أنّ رسول الله ﷺ خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصبّ عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين وفي رواية لأبي داود أن المغيرة قال له يا رسول الله: نسيت، قال بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربّي » «٢» . وحديث رواه أبو داود وأحمد والترمذي عن بريدة «أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفّين أسودين ساذجين فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما» «٣» وحديث رواه البخاري ومسلم عن المغيرة قال «كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفّيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» «٤» وحديث رواه أصحاب السنن عن المغيرة «أنّ رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين وعقّب أبو داود على ذلك فقال إن عليا وابن مسعود والبراء وأنسا وأبا أمامة وسهل بن سعد مسحوا على الجوربين. وعقّب الترمذي فقال إن سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: «يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين إذا كانا ثخينين» «٥» . وقد روى أبو داود والترمذي
стр. 4439
عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال «المسح على الخفّين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة» «١» وروى مسلم والنسائي عن علي بن أبي طالب «أنّ النبي ﷺ جعل المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» «٢» .
١٤- ويناسب البحث الإلمام بأحكام المياه التي يصحّ الوضوء والاغتسال بها. وقد رويت أحاديث عديدة في ذلك منها ما ورد في الكتب الخمسة. وهذه جملة منها:
١- روى أصحاب السنن عن أبي هريرة قال «سأل رجل رسول الله ﷺ أنّا نركب البحر ونحمل القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله ﷺ هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته» «٣» .
٢- روى أصحاب السنن عن ابن عمر قال «سئل النبي ﷺ عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من الدوابّ والسباع فقال رسول الله ﷺ إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث» . وفي رواية «إذا بلغ الماء قلّتين بقلال هجر لم ينجسه شيء» «٤» .
٣- روى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه وفي رواية ثم يتوضأ منه. وفي رواية نهى أن يبال في الماء الراكد» «٥» .
стр. 4440
٤- روى البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمر قال «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله جميعا من إناء واحد ندلي فيه أيدينا» «١» .
٥- روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب. فقال كيف يفعل يا أبا هريرة. قال يتناوله تناولا» «٢» .
٦- روى أصحاب السنن عن كبشة أنها أحضرت لأبي قتادة ماء للوضوء فجاءت هرّة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت فرآني أنظر إليه فقال أتعجبين يا بنت أخي فقلت نعم فقال إن رسول الله قال إنها ليست بنجس إنها من الطوّافين عليكم والطوافات» «٣» .
٧- روى الشافعي والبيهقي عن جابر قال «سئل رسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلّها» «٤» .
وهناك أحاديث أخرى في الكتب الخمسة وغيرها. فاكتفينا بما تقدم مع التنبيه على أن في كتب التفسير والفقه خلافات وتفريعات نتيجة لتعدد الأحاديث واختلافها ورتبها وتفسيرها لا يتسع المنهج لتفصيلها.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) .
стр. 4441
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ... والآيتين التاليتين لها
عبارة الآيات واضحة. وقد احتوت أولاها هتافا للمسلمين بأن يكونوا قوامين لله فيما أمر ونهى ومراعين جانبه وحده في الشهادة بالقسط والحق والعمل بهما والتعاون على إقرارهما دون أن يكون لبغضهم لقوم ما تأثير يؤدي إلى الإخلال بواجب العدل والانحراف عن جادة القسط والحق. فهذا هو واجبهم وهو الأمثل بالمؤمنين. والمحقق لمعنى تقوى الله. والموجب لرضائه. وعليهم أن يلاحظوا دائما أنه خبير بكل ما يفعلونه. أما الآيتان الثانية والثالثة فقد احتوتا تعقيبا على ذلك الهتاف ودعما له وتثبيتا للمسلمين: فالذين آمنوا بالله ولزموا حدوده وعملوا الصالحات لهم المغفرة والأجر العظيم وعدا من الله. أما الذين يكفرون بالله ويكذبون بآياته وينحرفون عن حدوده فهم أصحاب الجحيم.
ولقد روى الطبري أن الآية الأولى نزلت في اليهود حينما همّوا بقتل النبي ﷺ . وهذه الرواية وروايات مقاربة من بابها مروية في تفسير الطبري وغيره كسبب لنزول الآية التي تأتي بعد هذه الآيات. ولم يرو المفسرون الآخرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في صدد هذه الآيات. وفحوى الآيات يجعل المناسبة التي يرويها الطبري أكثر ملاءمة لنزول الآية التالية. ويحمل على التوقف فيها بالنسبة لهذه الآيات.
والذي يتبادر لنا من روحها وفحواها أنها نزلت في مناسبة أخرى كان فيها خصومة أو مقاضاة بين فريق من المسلمين وآخر من غيرهم. وحاول الفريق المسلم أو عمد إلى الجنف على الفريق الثاني أو الشهادة في حقه شهادة غير صحيحة متأثرا بعدائه وبغضائه. بل وقد يخطر للبال أن يكون موضوع الآيات متصلا بالآية الثانية من السورة التي تحذر المسلمين من أن يحملهم بغضاؤهم لقوم على الإثم والعدوان والتعاون عليهما. فإن صحّ هذا أمكن القول أن الآيات جزء
стр. 4442
من السلسلة السابقة التي يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة أو متلاحقة. وقد يبرر هذا ما بين الآيات من تماثل في الخطاب الموجّه للمؤمنين وفي الهدف التشريعي والتحذيري. وإن لم يصح فإن من المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها فوضعت بعدها أو وضعت بعدها للتناسب التشريعي. والله أعلم.
والمبدأ الذي احتوته الآية الأولى متسق من حيث الأصل مع تقريرات القرآن ومبادئه التي تضمنتها آيات كثيرة مكية ومدنية. وقد جاء ما يقاربها بنوع خاص في آية سورة النساء [١٣٥] . غير أن الأسلوب الذي جاءت به الآية والتعقيب والتدعيم والتبشير والإنذار الذي جاء في الآيتين التاليتين لها يجعل ما احتوته قويا ساطعا، ويجعلها من أروع الآيات القرآنية وأبعدها مدى في مجال الحق والعدل والتجرد والنزاهة شهادة وعملا وقضاء وتطمينا. وفي واجب مراعاة جانب الله وحده في هذا المجال وعدم التأثر فيه بعداء وبغضاء وأحقاد. وإذا لوحظ أن الشنآن إنما كان على الأكثر واردا فيما بين المسلمين وغير المسلمين تجلّت روعة الآية ومداها أكثر.
وهناك أحاديث عديدة في وجوب العدل والحكم به والشهادة به أوردناها في سياق الآية [١٣٥] من سورة النساء التي فيها أمر مماثل لما في هذه الآية فنكتفي بهذا التنبيه.
[سورة المائدة (٥) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... إلخ وما فيها من تلقين
عبارة الآية واضحة. وقد احتوت خطابا للمؤمنين تذكرهم فيه بما كان من
стр. 4443
نعمة الله عليهم ورعايته لهم حينما همّ قوم أن يعتدوا عليهم فصرفهم عنهم.
وانتهت بالأمر بتقوى الله ودعوة إلى الاتكال عليه.
وقد روى الطبري من طرق عديدة وبصيغ مختلفة أن الآية نزلت في مناسبة ما كان من يهود بني النضير من التآمر على اغتيال النبي ﷺ حينما ذهب إليهم للاستعانة بهم على دية بعض القتلى حسب العهد الذي بينه وبينهم. وروى في الوقت نفسه أنها في صدد ما تعرّض له النبي والمسلمون من كسرة أمام الكفار يوم وقعة (بطن نخلة) أو تآمر من بعضهم على قتله. وقد نزل عليه جبريل وأخبره بذلك حتى صلوا صلاة الخوف. وروى أيضا أنها في صدد ما كان من أعرابي من نية غدر بالنبي ﷺ حينما رآه تحت شجرة وهو في غرّة أثناء هذه الوقعة حيث عمد الأعرابي إلى سيف النبي المعلّق فأخذه وقال له من يمنعك مني. فقال الله. ولم يلبث أن شلّت يده وسقط السيف من يده. وجاء أصحاب رسول الله وهو على هذه الحالة وأرادوا الفتك به فمنعهم رسول الله وأطلقه. وعلى ما ذكره ابن سعد وابن هشام أيضا «١» . ويروي الطبري رواية أخرى مفادها أن الحادث هو محاولة اغتيال النبي ﷺ من قبل شخص أرسلته قريش بعد وقعة بدر التي كانت في السنة الثانية للهجرة. والمفسرون الآخرون أوردوا بدورهم هذه الروايات.
ويلحظ أن الروايات تروي أحداثا وقعت في السنة الثانية للهجرة والآيات على ما يلهمه السياق نزلت بعد وقعتي الحديبية وخيبر. ولقد روي أن بعض خيالة قريش أرادوا أن يأخذوا المسلمين على غرة في الحديبية كما روي أن قبائل غطفان وأسد تجمعوا لغزو المدينة أثناء رحلة النبي والمسلمين إلى الحديبية على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة الفتح التي سبق تفسيرها قبل هذه السورة فكفّ الله أيديهم حيث يرد بالبال أن الآية بسبيل التذكير بمثل هذا الحادث القريب. ولعلّه الحادث الأول لأن روايته أوثق.
стр. 4444
ويلحظ كذلك شيء من الانسجام بين الآية والآيات الثلاث السابقة لها بحيث يتبادر أنها نزلت معها على سبيل توكيد الله ومراقبته. وأن ما احتوته من إشارة إنما كانت على سبيل التذكير في موقف يؤمر المسلمون فيه بتقوى الله والتزام حدوده.
ولقد انتهت الآية بالتنبيه إلى أن على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويعتمدوا عليه فهو كافيهم ومنجيهم من الأخطار. ومثل هذا تكرر كثيرا في الآيات المكية والمدنية لما في ذلك من معالجة روحية وبثّ للقوة المعنوية في المسلمين لمواجهة ما كانوا يتعرضون له من أخطار ومواقف محرجة. وتلقينها مستمر المدى للمسلمين في كل ظرف ومكان بطبيعة الحال على ما شرحناه شرحا وافيا في إحدى المناسبات السابقة.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
. (١) النقيب: لغة من نقب الشيء أي بحثه وفحصه، ونقيب القوم من يفحص ويبحث أحوالهم، ثم صار علما على رئيسهم وصاحب التوجيه والأمر فيهم.
стр. 4445
(٢) خائنة: بمعنى خيانة.
تعليق على الآية وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ... والآيتين التاليتين لها وما فيها من صور وتلقين
عبارة الآيات واضحة. وفيها تذكير بما كان من أمر بني إسرائيل والنصارى.
وبما أخذه الله عليهم من ميثاق بالثبات على طريق الحقّ والقيام بالواجبات المفروضة عليهم وتصديق الرسل الذين يأتونهم بالهدى من قبل الله وتأييدهم. وبما كان من نقضهم لهذا الميثاق وانحرافهم عن جادة الحق والواجب. وما كان من تحريف اليهود لكلام الله. وما كان من نتيجة لذلك من استحقاقهم للعنته وتقسية قلوبهم.
وما كان من نزاع وعداء وبغضاء بين النصارى واستمرار ذلك إلى يوم القيامة حيث ينبئهم الله ويفصل بينهم فيما كانوا يصنعونه. والمتبادر أن جملة فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ أسلوبية وأن الأولى أن تحمل على أن القصد منها هو تقرير كون ما قام بين النصارى من نزاع وبغضاء وعداء هو بسبب ما كان من إهمالهم ما أمروا به وانحرافهم عن طريق الحق. وروح العبارة وفحواها يدعمان ذلك.
وفي الآية الثانية جملة اعتراضية فيها خطاب للنبي ﷺ بأنه ما يزال يطلع على خيانة من اليهود بسبيل توكيد استمرارهم فيما ارتكسوا فيه من انحرافات ونقض ميثاق باستثناء القليل منهم الذين يجب على النبي ﷺ العفو والتسامح معهم لأن الله يحبّ المحسنين.
ولم نطلع على مناسبة خاصة لنزول الآيات وورودها في الترتيب بعد السلسلة التشريعية يمكن أن يسوغ القول أنه قصد بها تذكير المسلمين بما كان من أمر أهل الكتاب وانحرافهم ونقضهم مواثيق الله وبما كان من نكال الله لهم باللعنة والبغضاء والعداوة وتقسية القلوب على سبيل العظة والدعوة إلى الاعتبار والتوكيد على الاستقامة على أوامر الله والتزام حدوده. وفي الآية السابعة من السورة تذكير
стр. 4446
بميثاق الله الذي أخذه الله من المسلمين مما قد يقوي التوجيه، ويجعل صلة ما بين هذه الآية والآيات السابقة.
وفي الآيات صور لواقع اليهود والنصارى في زمن النبي ﷺ استمرارا لما قبله من انحراف واختلاف وعداوة ومذاهب وأحزاب وقتال فيما بينهم مما حكته عنهم آيات كثيرة في سورة البقرة وآل عمران والنساء ببيانات أوفى وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار.
ولقد ذكر الطبري عزوا إلى ابن إسحاق خبر الاثني عشر نقيبا الذين أمر الله موسى إقامتهم ليكونوا كفلاء على قومهم ثم ذكر أن موسى أرسلهم للتجسس على الأرض المقدسة وذكر أسماءهم. وذكر ذلك ابن كثير أيضا وأورد نفس الأسماء ثم قال إنه رأى في السفر الرابع من التوراة أسماء غير هذه الأسماء وأوردها. وفي سفر العدد المتداول اليوم وهو فعلا السفر الرابع من أسفار العهد القديم خبران مستقلان. واحد في الإصحاح الثاني منه يذكر خبر أمر الله لموسى بإقامة رئيس على كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر وأسماءهم الذين يذكر أن الله أوحى بها. وثان في الإصحاح الثالث عشر منه يذكر أن الله أوحى لموسى بانتداب رجل من كل سبط ليذهبوا ويتجسسوا على أرض كنعان. والأسماء المذكورة في صدد كل خبر مختلفة. والسفر يذكر أن الله أوحى بأسماء الخبر الأول فقط.
والأسماء التي أوردها الطبري هي أسماء الخبر الثاني حيث يبدو أن ابن إسحاق الذي يعزو الطبري إليه مزج الخبرين وسمى أسماء الخبر الثاني. وأن ابن كثير ظن أنه صحح الأسماء. ولم ينتبه إلى أن في السفر خبرين لكل منهما أسماء مختلفة عن الآخر. والمتبادر أن الاثني عشر نقيبا المذكور خبرهم في الآيات هم الذين ذكر خبرهم في الإصحاح الثاني من سفر العدد لأنهم انتدبوا بوحي الله كما ذكر الإصحاح ليكونوا رؤساء لأسباطهم. ولم نر ضرورة إلى ذكر الأسماء لأن الهدف القرآني لا يقتضيه.
وفي أسفار الخروج والأحبار والعدد وتثنية الاشتراع المتداولة اليوم والتي
стр. 4447
تؤرخ رسالة موسى وهارون وسيرتهما وسيرة بني إسرائيل في عهدهما ثم في أسفار عديدة أخرى مما يعود إلى حقبة ما بعد موسى وهارون من أسفار العهد القديم فصول كثيرة عن لسان الله مبلغة بواسطة موسى وأنبياء بني إسرائيل الآخرين لبني إسرائيل فيها وصايا متنوعة في التزام توحيد الله وعبادته وحده والأعمال الصالحة واجتناب الشرك والأصنام والأعمال السيئة. وفي إنذار الذين ينحرفون عن ذلك عليها سمة الوحي الرباني. وفي الأناجيل المتداولة التي تحكي رسالة وسيرة المسيح ﵇ فصول كثيرة من هذا الباب أيضا مبلّغة من المسيح لبني إسرائيل وغيرهم ممن اتبع المسيح ولم يتبعه على سمة الوحي الرباني كذلك.
فالمتبادر أن ذلك هو المواثيق التي ذكرت الآيات أن الله تعالى قد أخذها من نقباء بني إسرائيل وأسباطهم ومن النصارى فانحرف معظمهم عنها فاستحقوا ما تضمنته الآيات من اللعنة والتنديد والإنذار.
ولقد لحظ بعض المفسرين عدد النقباء في الآية ولحظوا أن المسيح ﵇ اتخذ مثل عددهم تلامذة وحواريين على ما شرحناه في سياق تفسير سورة آل عمران. وأن النبي ﷺ جعل على جماعات الخزرج والأوس حينما بايعوه بيعة العقبة الثانية اثني عشر نقيبا على ما شرحناه في سياق سورة الأنفال حيث رأوا في هذا إلهاما ربّانيا متوافقا مع ما كان من ذلك بالنسبة لموسى أولا ولعيسى ثانيا ﵉ والله تعالى أعلم.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)
.
стр. 4448
تعليق على الآية يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً ... إلخ والآية التالية لها. ومدى ما فيها من دعوة صريحة لأهل الكتاب وروعة أسلوبها وهدفها ورسل النبي ﷺ وكتبه إلى ملوكهم. ومسألة تحريف وإخفاء الكتب السماوية السابقة
الآيتان موجهتان إلى أهل الكتاب وعبارتهما واضحة. وفيهما إيذان لهم بأنه قد جاءهم رسول الله ليبين لهم كثيرا مما أخفوا وأهملوا من كتاب الله وأحكامه.
وليتسامح معهم في أمور كثيرة. ومعه كتاب من الله ونور مبين من شأنهما هداية من حسنت نيته ورغب في رضاء الله ورضوانه إلى سبيل الأمن والسلام والطريق المستقيم وأخرجهم من الظلمات إلى النور.
وينطوي في العبارة القرآنية تقرير كون ما جاء مع رسول الله ﷺ من كتاب ونور كفيلين بإنقاذ أهل الكتاب المخاطبين من الخلافات والإشكالات والانحرافات التي ارتكسوا فيها فأدّت إلى النتائج التي ذكرتها الآيات السابقة.
ولقد روى الطبري عن عكرمة أن يهودا جاؤوا إلى النبي ﷺ يسألونه عن الرجم واجتمعوا في بيت فقال لهم أيّكم أعلم فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى ورفع الطور وبالمواثيق التي أخذت عليهم أن يقول الحق.
فقال إن نساءنا نساء حسان فكثر فينا القتل فاختصرنا.. فجلدنا مائة وحلقنا الرؤوس وخالفنا بين الرؤوس إلى الدواب. فحكم النبي ﷺ على الزاني منهم بالرجم فأنزل الله يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ الآية وأنزل فيهم كذلك هذه الآية وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [٧٦] . والآية الثانية من آيات سورة البقرة.
وجعلنا كمناسبة للرواية غريب. وروي مثل هذه الرواية كمناسبة لنزول آيات أخرى من هذه السورة. وفحوى الآيتين اللتين نحن في صددهما والسياق السابق لهما
стр. 4449
يسوغ التوقف في الرواية والقول إن الآيتين متصلتان بما سبقهما وإنهما جاءتا على سبيل الاستطراد إلى دعوة أهل الكتاب عقب الآيات الثلاث التي احتوت حكاية ما كان من نقض اليهود والنصارى لمواثيق الله وانحرافهم عنها وتعرضهم لسخط الله ونقمته بسبب ذلك وتقرير ما كان من واقع أمرهم عند نزولها لتهيب بهم إلى الانضواء إلى ما جاء به رسول الله والاهتداء بهدي نور الله وكتابه.
وأسلوب الدعوة في الآيتين قوي موجّه إلى العقل والقلب معا كما هو ظاهر. والمتبادر أنه ينطوي فيه قصد التأنيس والتذكير بما يجمع بين هذه الدعوة وأهل الكتاب من رسالات الله وكتبه ومواثيقه. وتقرير كونها بمثابة إنقاذ لهم مما هم فيه من خلاف ونزاع. وفرصة للسير في طريق الأمن والسلام.
ودعوة أهل الكتاب في هذه الآيات إلى الإيمان برسالة النبي ﷺ المصدقة لما عندهم ليست جديدة. فقد تكررت في القرآن المكي والمدني بأساليب متنوعة قبل هذه المرة. غير أنه يلحظ أنها جاءت هنا صريحة أكثر في بيان كون رسول الله قد أرسل إليهم وكون القرآن نورا وهدى لهم وأكثر تعميما وتوجيها في الخطاب.
ولما كان فريق من أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد آمنوا قبل نزول هذه الآية بالرسالة المحمدية في مكة ثم في المدينة نتيجة للدعوة السابقة ولما رآه الذين آمنوا من تطابق بينها وبين ما عندهم على ما ذكرته آيات عديدة مكية ومدنية أوردناها في مناسبات سابقة فتكون الدعوة في الآية استئنافية موجهة إلى الذين لم يؤمنوا بعد لأسباب متنوعة نبهنا عليها كذلك في مناسبات سابقة.
ومن الغريب أن تكون هذه الصراحة في هذه الآية- وقد جاء بعد قليل آية أخرى فيها صراحة قوية بأسلوب آخر- ثم يصرّ المبشرون وبعض المستشرقين على القول إن ما في القرآن من نصوص لا يدلّ على شمول رسالة النبي ﷺ لغير العرب من الملل والنحل الأخرى. بل وإننا لنرى في هاتين الآيتين وفي الآية التي تأتي بعد قليل ما يمكن أن يكون فيه تأييد لما روته الروايات من إرسال النبي ﷺ رسله وكتبه
стр. 4450
إلى ملوك الأقطار المجاورة لجزيرة العرب وأكثرهم نصارى وهم ملوك الروم ومصر والحبشة وغسان والفرس يبلغهم أنه رسول الله إليهم ويدعوهم إلى الإسلام من حيث إن هذه الآيات وأمثالها وبخاصة الآيتين [٦٦- ٦٧] من هذه السورة اللتين سوف نشرحهما في مناسبتهما هي التي حفزت النبي ﷺ إلى خطوات عملية في سبيل تبليغ دعوته إليهم وإلى غيرهم من ملوك وأمراء وزعماء الأنحاء البعيدة عن الحجاز من جزيرة العرب مثل اليمن وحضرموت والبحرين وعمان. والروايات تذكر «١» أن هذا الأمر قد وقع بعد صلح الحديبية وفراغ بال النبي من قريش واليهود في المدينة والمقري الأخرى. وهذه الآيات قد نزلت على ما يلهمه سياق السلسلة منذ بدء السورة بعد صلح الحديبية.
ولقد أثرت نصوص مختلفة لكتاب الدعوة الذي أرسله النبي ﷺ للملوك وأشهرها هذا النصّ المعنون إلى هرقل (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين «٢» يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) [آل عمران: ٦٤] ) » .
ونحن نعرف أن بعض المستشرقين يشككون في ذلك بسبب ثغرات وعلل زعموها في النصوص العديدة المروية. بل وبعضهم يقول إن النبي ﷺ