← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

تفسير سورة الجاثية وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٥] ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله ﵎ من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله : ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أي جنوبا وشمالا ودبورا وصبا (١)، برية وبحرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال أولا: ﴿لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا غريبا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة، والله أعلم. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٦ إلى ١١] ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اِتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾

стр. 3222

يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟ ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي أفاك في قوله كذاب حلاف مهين أثيم في فعله وقلبه كافر بآيات الله ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أي تقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أي على كفره وجحوده استكبارا وعنادا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ أي كأنه ما سمعها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابا أليما موجعا. ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً﴾ أي إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (١)، ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً﴾ أي لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ أي ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قال ﵎: ﴿هذا هُدىً﴾ يعني القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المؤلم الموجع. والله أعلم. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ إلى ١٥] ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ وهي السفن فيه بأمره تعالى. فإنه هو الذي أمر البحر بحملها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في المتاجر والمكاسب ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية، ثم قال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي من الكواكب والجبال والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به أي الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه ولهذا قال: ﴿جَمِيعاً مِنْهُ﴾ أي من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال ﵎: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 3223

وروى ابن جرير (١) من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ كل شيء هو من الله. وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار والظلمة والثرى. قال: وائت ابن عباس ﵄ فاسأله، فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله مما خلق ذلك كله. فرجع إليه فسأله فتلا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ هذا أثر غريب وفيه نكارة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ أي يصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس ﵄ وقتادة، وقال مجاهد: ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ لا ينالون نعم الله تعالى، وقوله ﵎: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله مجازيهم بأعمالكم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، والله أعلم. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ٢٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم وجعله الملك فيهم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي من المآكل والمشارب ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي في زمانهم ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي حججا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾

стр. 3224

يا محمد ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي سيفصل بينهم بحكمة العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم وأن تقصد منهجهم. ولهذا قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها﴾ أي اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين، وقال ﷻ هاهنا: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارا ودمارا وهلاكا ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ثم قال : ﴿هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يعني القرآن ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢١ إلى ٢٣] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ يقول تعالى: «لا يستوي المؤمنون والكافرون» كما قال : ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي عملوها وكسبوها ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ أي نساويهم بهم في الدنيا والآخرة ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء عن يزيد بن مرثد الباجي عن أبي ذر ﵁ قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله من الفاسقين، قيل: وما هن يا أبا ذر؟ قال يسلم حلال الله لله وحرام الله لله وأمر الله لله ونهي الله لله لا يؤتمن عليهن إلا الله. قال أبو القاسم ﷺ «كما أنه لا يجتني من الشوك العنب كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار». هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات أجل كما يجتني من الشوك العنب (١). وقد روى الطبراني من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن مسروق أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية

стр. 3225

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقال : ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي إنما يأتمر بهواه، فما رآه حسنا فعله وما رآه قبيحا تركه، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وعن مالك فيما روي عنه من التفسير لا يهوي شيئا إلا عبده، وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئا يهتدي به ولا يرى حجة يستضيء بها. ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٦] ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره» (١) وفي رواية «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» (٢) وقد أورده ابن جرير (٣) بسياق غريب جدا فقال: حدثنا

стр. 3226

أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ويسبون الدهر فقال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن شريح بن النعمان عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به. وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال «يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي، يقول وا دهراه وأنا الدهر» قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﵊ «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا يا خيبة الدهر، فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله ، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث. وقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أي إذا استدل عليهم وبين لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي إنما يجمعكم إلى يوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٢ - ١٣] ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] وقال هاهنا ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً﴾ [المعارج: ٦ - ٧] أي يرون وقوعه بعيدا والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا.

стр. 3227

[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٩] ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أي يوم القيامة ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ وهم الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات. وقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله تعالى يوما يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري حتى لحق بالله تعالى، ذكره ابن أبي حاتم ثم قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل ﵊ ويقول: نفسي نفسي نفسي! لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى أن عيسى ﵊ ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني! قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي على الركب. وقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها وليس على الركب، والأول أولى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه أن رسول الله ﷺ قال: «كأني أراكم جاثين بالكوم (١) دون جهنم» وقال إسماعيل بن أبي رافع المديني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁، مرفوعا في حديث الصور: فيتميز الناس وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ وهذا فيه جمع بين القولين ولا منافاة، والله أعلم. وقوله : ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ يعني كتاب أعمالها كقوله ﷻ : ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] ولهذا قال : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي تجازون بأعمالكم خيرها وشرها كقوله : ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥] ولهذا قال جلت عظمته: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص كقوله ﷻ : ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

стр. 3228

[الكهف: ٤٩] وقوله : ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس ﵄ وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ثم قرأ ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. [سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٧] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحات وهي الخالصة الموافقة للشرع ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ وهي الجنة كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء (١). ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي البين الواضح. ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، أما قرئت عليكم آيات الله تعالى فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوما مجرمين في أفعالكم مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟ ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ أي إذا قال لكم المؤمنون ذلك ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ﴾ أي لا نعرفها ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا﴾ أي إن نتوهم وقوعها إلا توهما أي مرجوحا ولهذا قال: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي بمتحققين. قال الله تعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي من العذاب والنكال ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ أي نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة:

стр. 3229

«ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني» (١). قال الله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ أي إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا تسخرون وتستهزءون بها ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال : ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ أي من النار ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يطلب منهم العتبى بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين، قال: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي المالك لهما وما فيهما، ولهذا قال ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: يعني السلطان أي هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما أسكنته ناري» (٢) ورواه مسلم من حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، عن رسول الله ﷺ بنحوه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي لا يغالب ولا يمانع ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره تعالى وتقدس لا إله إلا هو.

стр. 3230

سورة الأحقاف وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٦] ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾ يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد ﷺ ، صلوات الله عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال تعالى: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي لا على وجه العبث والباطل ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي لا هون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابا وأرسل إليهم رسولا، وهم معرضون عن ذلك كله أي وسيعلمون غب ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره ﴿أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي هاتوا كتابا من كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي دليل بين على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي لا دليل لكم لا نقليا ولا عقليا على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: أو أثرة من علم أي أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو أحد يأثر علما (١)، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: أو بينة من الأمر.

стр. 3231

وقال الإمام أحمد (١) حدثنا يحيى عن سفيان عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس ﵄، قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي ﷺ ، أو أثرة من علم، قال: الخط. وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: أو أثارة شيء يستخرجه فيثيره. وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضا: أو أثارة من علم يعني الخط. وقال قتادة: أو أثارة من علم خاصة من علم وكل هذه الأقوال متقاربة. وهي راجعة إلى ما قلناه وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه. وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أي لا أضل ممن يدعو من دون الله أصناما، ويطلب ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش، لأنها جماد حجارة صم، وقوله ﵎: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ كقوله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] أي سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل ﵊: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٧ إلى ٩] ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ يقول مخبرا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات أي في حال بيانها ووضوحها وجلائها يقولون ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي سحر واضح وقد كذبوا وافتروا وضلوا وكفروا ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ يعنون محمدا ﷺ قال الله : ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ [الجن: ٢٢ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] ولهذا قال هاهنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾

стр. 3232

هذا تهديد لهم ووعيد أكيد وترهيب شديد. وقوله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب عليكم وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: ٥ - ٦] وقوله ﵎: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست بأول رسول طرق العالم بل جاءت الرسل من قبلي فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم فإنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم، قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول، ولم يحك ابن جرير (١) ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] وهكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله تعالى، ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية، وقال الضحاك ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ أي ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة (٢)؟ وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير وأنه لا يجوز غيره ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا، أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٣)، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء، وهي امرأة من نسائهم أخبرته وكانت بايعت

стр. 3233

رسول الله ﷺ قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون ﵁ فاشتكى عثمان ﵁ عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه» فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل بي». قالت: فقلت والله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان ﵁ عينا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك عمله» فقد انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، وفي لفظ له «ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ما يفعل بي» (١) وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والغميصاء (٢) وبلال وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وما أشبه هؤلاء ﵃، وقوله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي إنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي بين النذارة وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل، والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ إلى ١٤] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزل علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ أي وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.

стр. 3234

وقوله : ﴿فَآمَنَ﴾ أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه، وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام ﵁ وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ﵁، وهذه كقوله ﵎: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام ﵁ كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير. وقال مالك عن أبي النضر عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام ﵁ (١). قال: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك به، وكذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله بن سلام وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام. وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا ﵃، وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذلك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا وأخطئوا خطأ بينا كما قال ﵎: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون: في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي كذب قديم أي مأثور عن الناس الأقدمين فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله ﷺ :

стр. 3235

«بطر الحق وغمط الناس» (١). ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ وهو التوراة ﴿إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي لما قبله من الكتب ﴿لِساناً عَرَبِيًّا﴾ أي فصيحا بينا واضحا ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ تقدم تفسيرها في سورة حم السجدة وقوله تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلون ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم، والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ إلى ١٦] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن كقوله : ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله ﷻ : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما. وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين فلا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ الآية. ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث شعبة بإسناده نحوه وأطول منه ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أي بمشقة أيضا من الطلق وشدته ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾. وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ [لقمان:

стр. 3236

١٤] وقوله ﵎: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي وصحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃. قال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت: ما يبكيك؟ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها فبلغ ذلك عليا ﵁: فأتاه فقال له ما تصنع، قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك، فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن: قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال: فقال عثمان ﵁ والله ما فطنت لهذا عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال: فقال بعجة: فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه. قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات (١)، رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله : ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرين شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين لأن الله تعالى يقول ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي قوي وشب وارتجل. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين، قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو عبد الله القواريري، حدثنا عروة بن قيس الأزدي، وكان قد بلغ مائة سنة، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ الستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة

стр. 3237

غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في أرضه» وقد روي هذا من غير وجه، وهو في مسند الإمام أحمد (١)، وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق، تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياء من الله ، وما أحسن قول الشاعر: [الطويل] صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه … فلمّا علاه قال للباطل: ابعد (٢)! ﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ﴾ أي في المستقبل ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي نسلي وعقبي ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد «اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا». قال الله : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فيغفر لهم الكثير من الزلل ويتقبل منهم اليسير من العمل. ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ أي هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال ابن جرير (٣) حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن الغطريف، عن جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، عن الروح الأمين ﵊ قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله تعالى له في الجنة» قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا قال: قلت فإن ذهبت الحسنة؟ قال ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله وزاد عن الروح الأمين.

стр. 3238

قال: قال الرب ﷻ : يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة فقال له يوما: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا ﵁، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه فقال علي ﵁: كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃، قالها ثلاثا. قال يوسف فقلت لمحمد بن حاطب: الله لسمعت هذا عن علي ﵁؟ قال: الله لسمعت هذا عن علي ﵁. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٧ إلى ٢٠] ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز، والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق ﵄ وفي صحة هذا نظر، والله تعالى أعلم. وقال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر ﵄ وهذا أيضا قاله ابن جريج. وقال آخرون عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وهذا أيضا قول السدي، وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ عقهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني، قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وأن يستخلفه فقد

стр. 3239

استخلف أبو بكر عمر ﵄، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: أهرقلية؟ إن أبا بكر ﵁ والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أف لكما؟ فقال عبد الرحمن ﵁: ألست ابن اللعين الذين لعن رسول الله ﷺ أباك؟ قال وسمعتهما عائشة ﵂ فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن ﵁ كذا وكذا؟ كذبت ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان ابن فلان، ثم انتحب مروان ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف. وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، ﵄، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري (١). [طريق أخرى] قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية ﵁ لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر ﵄. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله. وقوله: ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ أي يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم، من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِي قالَ﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود من طريق هشام بن عمار، حدثنا حماد بن

стр. 3240

عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أربعة لعنهم الله تعالى من فوق عرشه، وأمنت عليهم الملائكة: مضل المساكين» قال خالد الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء «والذي يقول للماعون ابن وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا» غريب جدا. وقوله ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي لكل عذاب بحسب عمله ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، درجات النار تذهب سفالا ودرجات الجنة تذهب علوا (١)، وقوله : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب. وتنزه عنها ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ وقال أبو مجلز: ليفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ وقوله : ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ فجوزوا من جنس عملهم فكما نعموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله ﵎ بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله من ذلك كله. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ إلى ٢٥] ﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ يقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذب من قومه ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ﴾ وهو هود ﵊، بعثه الله إلى عاد الأولى وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف وهو الجبل من الرمل، قاله ابن زيد، وقال عكرمة: الأحقاف الجبل والغار، وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف واد بحضر موت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار، وقال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها

стр. 3241

الشحر (١)، قال ابن ماجة: باب إذا دعا فليبدأ بنفسه. حدثنا الحسين بن علي الخلال، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «يرحمنا الله وأخا عاد» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين كقوله : ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] وكقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ … ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤] أي قال لهم هود ذلك فأجابه قومه قائلين ﴿أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أي لتصدنا عن آلهتنا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادا منهم وقوعه كقوله جلت عظمته ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ أي لا تعقلون ولا تفهمون. قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴿تُدَمِّرُ﴾ أي تخرب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من بلادهم مما من شأنه الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِّها﴾ أي بإذن الله لها في ذلك كقوله : ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي كالشيء البالي ولهذا قال : ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ أي قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا. وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جدا من غرائب الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سواد تخفق، وإذا بلال ﵁، متقلدا السيف بين يدي

стр. 3242

رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص ﵁ وجها قال: فجلست فدخل منزله، أو قال رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال ﷺ : «هل كان بينكم وبين تميم شيء؟» قلت: نعم وكان لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك فها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إني رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضرك؟ قال: قلت إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال «هيه وما وافد عاد؟» وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير أفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت نسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها، خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا، قال: فلما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل: وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (١). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة كما تقدم في سورة الأعراف. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى رأيت منه لهواته إنما كان يبستم وقالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا» (٣) وأخرجاه من حديث ابن وهب. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق

стр. 3243

السماء ترك عمله وإن كان في صلاته ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه» فإن كشفه الله تعالى حمد الله ، وإن أمطر قال: «اللهم صيبا نافعا». [طريق أخرى] قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر الطاهر، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» قالت: وإذا تخيلت (١) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة ﵂، فسألته فقال رسول الله ﷺ : «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ (٢) وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورتي الأعراف وهود بما أغنى عن إعادته هنا، ولله تعالى الحمد والمنة. وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر، فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا-قال-عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب، والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٨] ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ يقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وأحاط بهم العذاب، والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.

стр. 3244

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ يعني أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا، وقوله : ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ أي بيناها وأوضحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً﴾ أي فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها، والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٢] ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ قال الإمام أحمد (١): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة عن الزبير، ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن: ١٩] قال سفيان: اللّبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض، تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (ح) وقال الإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي أخبرنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء

стр. 3245

فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا يا قومنا ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ [الجن: ١] وأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث أبي عوانة. وقال الإمام أحمد (٢) أيضا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض (٣)، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ أيضا بمثل هذا السياق بطوله، وهكذا قال الحسن البصري إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم. وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك». قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل

стр. 3246

نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ قال صه، وكانوا تسعة وأحدهم زوبعة، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ -إلى- ﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فهذا مع الأول من رواية ابن عباس ﵄ يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه إرسالا قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة. فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقا من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود ﵁ أنه آذنته بهم شجرة (١)، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ﵄، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم ويحتمل أن يكون في المرة الأولى، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة أي أعلمته باستماعهم، والله أعلم. قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁. [ذكر الروايات عنه بذلك] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود عن الشعبي وابن أبي زائدة، أخبرنا داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة

стр. 3247

فقلنا اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال-في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: «إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم» قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال: قال الشعبي: سألوه الزاد، قال عامر: سألوه بمكة وكانوا من جن الجزيرة فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم-قال-فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن» وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل ابن علية به نحوه. وقال مسلم (١) أيضا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الحن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب فقيل استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم» قال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم». [طريق أخرى] عن ابن مسعود ﵁. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون». [طريق أخرى] فيها أنه كان معه ليلة الجن. قال ابن جرير (٢) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، وكان من أهل الشام قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه

стр. 3248

حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب، ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله مع الفجر فانطلق فتبرز ثم أتاني فقال: ما فعل الرهط. فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير (١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبي زرعة وهب بن راشد عن يونس بن يزيد الأيلي به. ورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن يونس به، وقد روى إسحاق بن راهويه عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحو ما تقدم ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة عن سعيد بن الحارث عن أبي المعلى عن ابن مسعود ﵁، فذكر نحوه أيضا. [طريق أخرى] قال أبو نعيم: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو، ولعله قد يكون قال البكالي يحدثه عمرو عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطا فقال: «كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت هلكت» فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة. [طريق أخرى] قال ابن جرير (٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ﵁: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطا وقال: «لا تبرح منها» فذكر مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله ﷺ ، فذعر ثلاث مرات حتى إذا كان قريبا من الصبح أتاني النبي ﷺ فقال: «أنمت؟» فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول «اجلسوا» فقال ﷺ : «لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم» ثم قال ﷺ «هل رأيت شيئا؟» قلت: نعم رأيت رجالا سودا مستشعرين ثيابا بيضا قال ﷺ : «أولئك جن نصيبين سألوني المتاع-والمتاع الزاد-فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله ﷺ : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة». [طريق أخرى] قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن

стр. 3249

قتادة قالا أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استتبعني رسول الله ﷺ فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتونني الليلة فاقرأ عليهم القرآن» فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي خطا وأجلسني فيه وقال لي «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحممة فقال لي: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء» قال: فلما أصبحت قلت لأعلمن علمي حيث كان رسول الله ﷺ قال فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا. [طريق أخرى] قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عثمان بن عمر عن الشمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخط لي خطا ثم تقدم إليهم، فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان بن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كانت ليلة الجن قال لي النبي ﷺ : «أمعك ماء؟» قلت: ليس معي ماء ولكن معي إداوة فيها نبيذ فقال النبي ﷺ : «تمرة طيبة وماء طهور» فتوضأ (٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي زيد به. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود ﵃ قال: إنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال: معي نبيذ في إداوة. قال ﷺ : «اصبب عليّ» فتوضأ. فقال النبي ﷺ : «يا عبد الله شراب وطهور» تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود ﵁. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي عن ميناء عن عبد الله ﵁ قال كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» هكذا رأيته في المسند مختصرا، وقد رواه

стр. 3250

الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قالا: حدثنا عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف. قال: «من؟» قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفس فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود» قلت: استخلف. قال: «من؟» قلت: عمر. فسكت ساعة ثم مضى ثم تنفس فقلت؟ ما شأنك؟ قال: «نعيت إلي نفسي» قلت: فاستخلف قال ﷺ «من؟» قلت: علي بن أبي طالب ﵁. قال ﷺ : «أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين». وهو حديث غريب جدا وأحرى به أن لا يكون محفوظا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا نزلت سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ [الفتح: ١ - ٣] وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما نص على ذلك ابن عباس ﵄، ووافقه عمر بن الخطاب ﵁ عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها، والله أعلم وقد رواه أبو نعيم أيضا عن الطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد الأسلمي، عن حرب بن صبيح عن سعيد بن سلمة عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود ﵁ فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب وسياق عجيب. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ خط حوله، فكان أحدهم مثل سودا النخل وقال: «لا تبرح مكانك فأقرئهم كتاب الله» فلما رأى الزّط قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي ﷺ «أمعك ماء؟» قلت: لا. قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم فتوضأ به. [طريق أخرى مرسلة] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ قال هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود ﵁: «أنظرني حتى آتيك» وخط عليه خطا وقال «لا تبرح حتى آتيك» فلما خشيهم ابن مسعود ﵁ كاد أن يذهب، فذكر قول رسول الله ﷺ فلم يبرح، فقال له النبي ﷺ : «لو ذهبت

стр. 3251

ما التقينا إلى يوم القيامة». [طريق أخرى مرسلة أيضا]: قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي الله ﷺ قال: «إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟» فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود ﵁ أخو هذيل، قال فدخل النبي ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخط عليه، وخط على ابن مسعود ﵁ خطا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله ﷺ ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال ﷺ : «اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق» رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم. فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير «قل أوحي إلي» من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي،: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة ﵁ يتبع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يوما فقال «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة. قال ﷺ : «ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة». فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال ﷺ : «أتاني وقد جن نصيبين فسألوني الزاد

стр. 3252

فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما» أخرجه البخاري (١) في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبا منه، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك. وقد روى ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد، فقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم. فهذا يدل على أنه روى القصتين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه عن ابن جريج عن مجاهد ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية، قال كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حيي وحسى ومنيثي وشاضر وماضر والأردوابيان والأحقم، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا، وهم كانوا عامة جنود إبليس. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود ﵁ كانوا تسعة أحدهم زوبعة، أتوه من أصل نخلة، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان، وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه ﷺ . ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري (٣) في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب، حدثني عمر هو ابن محمد قال: إن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك، قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: [السريع] ألم تر الجنّ وإبلاسها … ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها (٤)

стр. 3253

قال عمر ﵁: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح (١)، أمر نجيح رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا (٢) أن قيل هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر ﵁ بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، في إسلامه وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة. وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه، حدثنا أبو بكر القصري حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال فقال له عمر ﵁: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا، قال فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب قال: فقال له عمر ﵁: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد ﵁: فإني كنت نازلا بالهند وكان لي رئي من الجن، قال فبينما أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول: عجبت للجنّ وتحساسها … وشدّها العيس بأحلاسها (٣)

стр. 3254

تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما خير الجن كأنحاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال يا سواد بن قارب، إن الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول: [السريع] عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس قدماها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى قابها فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال: [السريع] عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها (١) تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت تسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ فإذا هو بالمدينة يعني مكة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك» قال: قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني قال ﷺ : «قل يا سواد» فقلت: [الطويل] أتاني رئيّ بعد ليل وهجعة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة: … أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمّرت عن ساقي الإزار ووسطت … بي الدّعلب الوجناء بين السباسب (٢) فأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كلّ غائب وأنك أدنى المرسلين شفاعة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (٣)

стр. 3255

قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: «أفلحت يا سواد» فقال له عمر ﵁: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه ﷺ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة، حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن عبدة المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه! فقال إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا ابن مسعود، فقال ﷺ : «ما أخذك أحد يعشيك؟» فقلت: لا، قال ﷺ : «فانطلق لعلي أجد لك شيئا». قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله ﷺ حجرة أم سلمة ﵂، فتركني قائما ودخل إلى أهله ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك، قال فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب (١) من نخل فعرض به على صدري فقال ﷺ : «انطلقت أنت معي حيث انطلقت» قلت: ما شاء الله فأعادها علي ثلاث مرات. كل ذلك أقول ما شاء الله فانطلق، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط ﷺ بعصاه خطا ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء ففرقت فقلت: ألحق برسول الله ﷺ فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: «اجلسوا» فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله فقال: «أنمت بعدي؟» فقلت: لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت، فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال «لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟».

стр. 3256

فقلت: رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة» قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» وهذا إسناد غريب جدا ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني نمير بن زيد القنبر. حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟» فأسكت القوم ثلاثا، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم. ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التيمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك فقلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرا. قلنا: ومن عمرو، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال فقلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» وهذا حديث غريب جدا، والله أعلم. قال أبو نعيم، وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁، فجاء رجل

стр. 3257

فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الاخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك. وقوله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ أي طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي استمعوا وهذا أدب منهم. وقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد». ورواه الترمذي (١) في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير كذا قال. وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله. وقوله : ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أي فرغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ كقوله جل وعلا: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولا لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقال : ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل ﵊ ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي

стр. 3258

بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته. فأما قوله ﵎ في الأنعام: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل ﵊ أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعا. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي في الاعتقاد والإخبار ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي في العمليات ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل إن من هاهنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل إنها على بابها للتبعيض ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام وهو مقام تبجح ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة، والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله : ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧] فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك

стр. 3259

ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضا على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقا أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحا، وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضا عن الطعام والشراب كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها، ثم قال مخبرا عنهم ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ﴾ أي لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودا وفودا كما تقدم بيانه، ولله الحمد والمنة والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي ولم يكرثه (١) خلقهن بل قال لها كوني فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر

стр. 3260

على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال ﷻ مهددا ومتوعدا لمن كفر به ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي يقال لهم أما هذا حق أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ أي لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثم قال ﵎ آمرا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد ﷺ ، قد نص الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم قال: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله. ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله ﵎: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل: ١١] وكقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وكقوله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] الآية. وقوله جل وعلا: ﴿بَلاغٌ﴾. قال ابن جرير (١) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تقديره، وذلك لبث بلاغ، والآخر أن يكون تقديره هذا القرآن بلاغ. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، والله أعلم.
следующие страницы →