← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

فقلت: رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة» قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال ﷺ «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» وهذا إسناد غريب جدا ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني نمير بن زيد القنبر. حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير بن العوام ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟» فأسكت القوم ثلاثا، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم. ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التيمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك فقلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرا. قلنا: ومن عمرو، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال فقلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» وهذا حديث غريب جدا، والله أعلم. قال أبو نعيم، وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله ﷺ يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁، فجاء رجل

стр. 3257

فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الاخر، قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ قال: فقال عثمان لذلك الرجل إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك. وقوله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ أي طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي استمعوا وهذا أدب منهم. وقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد». ورواه الترمذي (١) في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير كذا قال. وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله. وقوله : ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أي فرغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ كقوله جل وعلا: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولا لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقال : ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل ﵊ ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي

стр. 3258

بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته. فأما قوله ﵎ في الأنعام: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل ﵊ أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتني أكون فيه جذعا. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي في الاعتقاد والإخبار ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي في العمليات ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل إن من هاهنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل إنها على بابها للتبعيض ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام وهو مقام تبجح ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة، والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله : ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧] فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك

стр. 3259

ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضا على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقا أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحا، وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضا عن الطعام والشراب كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها، ثم قال مخبرا عنهم ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ﴾ أي لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودا وفودا كما تقدم بيانه، ولله الحمد والمنة والله أعلم. [سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي ولم يكرثه (١) خلقهن بل قال لها كوني فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر

стр. 3260

على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال ﷻ مهددا ومتوعدا لمن كفر به ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي يقال لهم أما هذا حق أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ أي لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثم قال ﵎ آمرا رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد ﷺ ، قد نص الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم قال: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله. ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله ﵎: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل: ١١] وكقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦] وكقوله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] الآية. وقوله جل وعلا: ﴿بَلاغٌ﴾. قال ابن جرير (١) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تقديره، وذلك لبث بلاغ، والآخر أن يكون تقديره هذا القرآن بلاغ. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، والله أعلم.

стр. 3261

سورة محمد وهي مدنية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٣] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾ يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بآيات الله ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي آمنت قلوبهم وسرائرهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ عطف خاص على عام وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه. وقوله وتبارك تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة ولهذا قال ﷻ : ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس «يهديكم الله ويصلح بالكم» (١). ثم قال : ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ أي إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل أي اختاروا الباطل على الحق ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ أي يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، والله أعلم. [سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٩] ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾

стр. 3262

يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أي إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي أهلكتموهم قتلا ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء والتقليل من القتل يومئذ فقال: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، رواه العوفي عن ابن عباس ﵄. وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وقال الآخرون وهم الأكثرون: ليست منسوخة، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر. وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما شئت (١). وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضا، وهذه المسألة محررة في علم الفروع وقد دللنا على ذلك في كتابنا «الأحكام» ولله الحمد والمنة. وقوله : ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊ (٢)، وكأنه أخذه من قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال» (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله ﷺ فقال إني سيبت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها وقلت: لا قتال، فقال له النبي ﷺ : «الآن جاء القتال لا تزال

стр. 3263

طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقد دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (١) وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ﵁ قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فتح قالوا يا رسول الله سيبت الخيل ووضعت السلاح ووضعت الحرب أوزارها قالوا لا قتال قال: «كذبوا الآن جاء القتال، لا يزال الله تعالى يرفع قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وعقر دار المسلمين بالشام». وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب. وقال قتادة ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ حتى لا يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ثم قال بعضهم: ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ أي أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله ، وقيل أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى. وقوله : ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وقال ﵎ في سورة براءة: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) في مسنده حيث قال: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي-رجل كانت له صحبة-قال: قال رسول الله ﷺ «يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من

стр. 3264

الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان» تفرد به أحمد ﵀. [حديث آخر] قال أحمد (١) أيضا: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج الحور العين ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» (٢). وقد أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يغفر للشهيد كل شيء إلا الدّين» (٣) وروي من حديث جماعة من الصحابة ﵃، وقال أبو الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (٤) ورواه أبو داود والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا. وقوله ﵎: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يونس: ٩]. وقوله ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أي أمرهم وحالهم ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي عرفهم بها وهداهم إليها. قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا (٥)، وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا، وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه، ذكره ابن أبي حاتم ﵀. وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا رواه البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل

стр. 3265

الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا» (١). ثم قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ كقوله : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ كما جاء في الحديث «من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة» ثم قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ﴾ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وقد ثبت الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش!» (٢) أي فلا شفاه الله . وقوله : ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي لا يريدونه ولا يحبونه ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾. [سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ إلى ١٣] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾. ثم قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر ﵄ فلم يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله بل أبقى الله تعالى لك ما يسوؤك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مثلة (٣) لم آمر بها، ولم تسوؤني، ثم

стр. 3266

ذهب يرتجز ويقول: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله وما نقول قال ﷺ قولوا: «الله أعلى وأجل» ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﷺ : «ألا تجيبوه؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» (١). ثم قال : ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي يوم القيامة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ﴾ أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام خضما وقضما، وليس لهم همة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح «المؤمن يأكل في معىّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (٢) ثم قال تعالى: ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ أي يوم جزائهم، وقوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني مكة ﴿أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي الذين أخرجوك من بين أظهرهم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار أراه قال فالتفت إلى مكة وقال: «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك» فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول (٣) الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾. [سورة محمد (٤٧): الآيات ١٤ إلى ١٥] ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾

стр. 3267

يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] ثم قال ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ قال عكرمة ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي نعتها ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: يعني غير متغير (١). وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير منتن، والعرب تقول: أسن الماء إذ تغير ريحه، وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: غير آسن يعني الصافي الذي لا كدر فيه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع «لم يخرج من ضروع الماشية» ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] وفي حديث مرفوع «لم يعصرها الرجال بأقدامهم» ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح. وفي حديث مرفوع «لم يخرج من بطون النحل». وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد» ورواه الترمذي (٣) في صفة الجنة عن محمد بن بشار عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه الأنهار تشخب (٤) من جنة عدن

стр. 3268

في جوبة (١) ثم تصدع بعد أنهارا» (٢) وفي الصحيح «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن» (٣). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصقر السكري قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم، وحدثنيه أيضا أبي الأسود عن عاصم بن لقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة؟ قال ﷺ : «على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة» قلت: يا رسول الله أولنا فيها زوجات مصلحات؟ قال «الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد» (٤) وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ وطينها المسك الأذفر (٥)، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعا. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ كقوله : ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] وقوله ﵎: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] وقوله : ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي مع ذلك كله. وقوله : ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ أي هؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، أي ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ أي حارا شديد الحر لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء-عياذا بالله تعالى من ذلك.

стр. 3269

[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ إلى ١٩] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾ يقول تعالى مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئا فإذا خرجوا من عنده ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﵃ ﴿ماذا قالَ آنِفاً﴾ أي الساعة. لا يعقلون ما قال ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح. ثم قال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ أي والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أي ألهمهم رشدهم. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي وهم غافلون عنها ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ أي أمارات اقترابها كقوله ﵎: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧] وكقوله جلت عظمته: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقوله : ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقوله جل وعلا: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة، لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر ﷺ بأمارات الساعة وأشراطها وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما هو مبسوط في موضعه. وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة وهو كما قال ولهذا جاء في أسمائه ﷺ أنه نبي التوبة ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي (١). وقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٢) ثم قال تعالى: ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ أي فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]. ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].

стр. 3270

وقوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه قوله : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي» (١). وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت» (٢) وفي الصحيح أنه قال: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه فقلت غفر الله لك يا رسول الله فقال ﷺ : «ولك» فقلت أستغفر لك. فقال رسول الله ﷺ : «نعم ولكم» وقرأ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ثم نظرت إلى نغض كتفه (٤) الأيمن-أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك-فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل (٥)، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول به، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى: حدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور عن أبي نصيرة عن أبي رجاء عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون». وفي الأثر المروي «قال إبليس وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (٦) والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا. وقوله ﵎: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم كقوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وكقوله : ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦٠] وهذا القول ذهب

стр. 3271

إليه ابن جريج وهو اختيار ابن جرير (١)، وعن ابن عباس ﵄ متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وقال السدي متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، والله أعلم. [سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٣] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾ يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله وأمر به نكل عنه كثير من الناس كقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٧٧] وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي مشتملة على حكم القتال ولهذا قال: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال مشجعا لهم ﴿فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا أي في الحالة الراهنة ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي جد الحال، وحضر القتال ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾ أي خلصوا له النية ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾. وقوله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الجهاد ونكلتم عنه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ من طرق عديدة ووجوه كثيرة. قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خلق الله تعالى الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوى الرحمن فقال مه، فقالت هذا مقام العائذ بك من

стр. 3272

القطيعة فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» (١) قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ ثم رواه البخاري من طريقين آخرين عن معاوية بن أبي مزرد به قال قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾. ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد به. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل ابن علية، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» (٣). أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث إسماعيل هو ابن علية به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان ﵁ رسول الله ﷺ قال: «من سره النسأ (٥) في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه». تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيح. وقال أحمد (٦) أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون أفأكافئهم؟ قال ﷺ : «لا، إذن تتركون جميعا ولكن جد بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك» تفرد به أحمد من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا يعلى، حدثنا قطر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري (٨). وقال أحمد (٩): حدثنا بهز، حدثنا

стр. 3273

حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة عن أبي ثمامة الثقفي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة المغزل (١) تتكلم بلسان طلق ذلق (٢)، فتقطع من قطعها وتصل من وصلها». وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنة (٤) من الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها بتته» (٥) وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به، وهذا هو الذي يروي بتسلسل الأولية (٦) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا يزيد بن هارون حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو مريض فقال له عبد الرحمن ﵁، وصلت رحمك إن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمها من اسمي، فمن يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته-أو قال-من بتها أبته» (٨) تفرد به أحمد (٩) من هذا الوجه، ورواه أحمد أيضا من حديث الزهري عن أبي سلمة عن الرداد-أو أبي الرداد-عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن أبيه، والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى ابن يونس عن الحجاج بن يونس عن الحجاج بن الفرافصة، عن أبي عمر البصري عن سليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها

стр. 3274

اختلف» (١) وبه قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم» والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم. [سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٨] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾ يقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه وناهيا عن الإعراض عنه فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، قال ابن جرير (٢): حدثنا بشر حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ يوما ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾ أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ أي غرهم وخدعهم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي مالؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون. ولهذا قال الله : ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ أي ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به كقوله ﵎: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]. ثم قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:

стр. 3275

٩٣] ولهذا قال هاهنا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾. [سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)﴾ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين، بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم، ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ يقول ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة وردا للسرائر إلى عالمها ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. وفي الحديث «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها إن خيرا فخير وإن شرا فشر» وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سلمة عن عياض بن عياض عن أبيه عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم-ثم قال-قم يا فلان، قم يا فلان قم يا فلان-حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال-إن فيكم أو منكم-منافقين فاتقوا الله» قال فمر عمر ﵁ برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال: بعدا لك سائر اليوم. وقوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي ﴿حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس ﵄ في مثل هذا: إلا لنعلم أي لنرى.

стр. 3276

[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)﴾ يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي (١) في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع «لا إله إلا الله ذنب» كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ثم روي من طريق عبد الله بن المبارك أخبرني بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها. ثم أمر ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي بالردة، ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ كقوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية. ثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا عن الأعداء ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم

стр. 3277

وعددكم، .. ولهذا قال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي في حال علوكم على عدوكم .. فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ إلى ذلك. وقوله جلت عظمته: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا والله أعلم. [سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨] ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾ يقول تعالى تحقيرا لأمر الدنيا وتهوينا لشأنها ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم ويرجع ثوابه إليكم، ثم قال ﷻ : ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي يحرجكم تبخلوا ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾. قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي لا يجيب إلى ذلك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ أي عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه دائما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي بالذات إليه، فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير (١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا

стр. 3278

استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ﵁ ثم قال «هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال ولله الحمد والمنة.

стр. 3279

تفسير سورة الفتح وهي مدنية قال الإمام أحمد (١) حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجّع (٢) فيها قال معاوية لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته (٣)، أخرجاه من حديث شعبة به. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ إلى ٣] ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)﴾ نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ ، من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع أنزل الله هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود ﵁ وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية (٤). وقال البخاري (٥): حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة. والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتانا فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم

стр. 3280

تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليّ، قال فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألححت رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي يا عمر، أين عمر قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء قال: فقال النبي ﷺ «نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ (٢) ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك ﵀، وقال علي بن المديني هذا إسناد مدني جيد لم نجده إلا عندهم. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية. قال النبي ﷺ : «لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض» ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئا مريئا يا نبي الله لقد بين الله ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه ﷺ ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ -حتى بلغ- ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ أخرجاه في الصحيحين (٤) من رواية قتادة به. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون (٦) الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ قال: فقال: رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أي رسول الله أو فتح هو؟ قال ﷺ : «إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهما. وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس أعطي الفارس سهمين وأعطي الراجل

стр. 3281

سهما ورواه أبو داود (١) في الجهاد عن محمد بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به. وقال ابن جرير (٢) حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، حدثنا جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم قال: فقلنا أيقظوه فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك يفعل من نام أو نسي» قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها (٣) بشجرة، فأتيته بها فركبها فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سرى عنه أخبرنا أنه أنزل عليه ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (٤) وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (٦) أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله ﷺ أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ : «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا». أخرجه مسلم (٨) في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن عون الخراز وكان ثقة بمكة حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر عن قتادة عن أنس قال قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال ساقاه-فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون

стр. 3282

عبدا شكورا» غريب من هذا الوجه فقوله: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ أي بينا ظاهرا والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر وانتشر العلم النافع والإيمان. وقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، وهو صلوات الله وسلامه عليه في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: «حبسها حابس الفيل» ثم قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها» (١) فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ أي بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك كما جاء في الحديث الصحيح «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى» (٢) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما عاقبت أي في الدنيا والآخرة أحدا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله ﵎ فيه. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ٤ إلى ٧] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)﴾ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي جعل الطمأنينة، قاله ابن عباس ﵄ وعنه: الرحمة وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة ﵃، يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك

стр. 3283

واستقرت زادهم إيمانا مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال : ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. ثم قال : ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ قد تقدم حديث أنس ﵁ حين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ كقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ ثم قال مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام ومن الكفرة والمنافقين ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ إلى ١٠] ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً﴾ أي على الخلق ﴿وَمُبَشِّراً﴾ أي للمؤمنين ﴿وَنَذِيراً﴾ أي للكافرين وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: تعظموه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي تسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي أول النهار وآخره. ثم قال لرسوله ﷺ تشريفا له وتعظيما وتكريما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو

стр. 3284

تعالى هو المبايع بواسطة رسوله الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري: حدثنا علي بن بكار عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله» وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر «والله ليبعثه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق فمن استلمه فقد بايع الله تعالى» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي ثوابا جزيلا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر (١) بالحديبية، وكان الصحابة ﵃ الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل ألفا وثلاثمائة، وقيل وأربعمائة، وقيل وخمسمائة، والأوسط أصح. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قال البخاري (٢): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمرو عن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ورواه مسلم (٣) من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه أيضا من حديث الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: كنا يومئذ ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم (٤)، وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهما من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت (٥) بالماء حتى كفتهم فقيل لجابر ﵁: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفا وأربعمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا (٦)، وفي رواية في الصحيحين عن

стр. 3285

جابر ﵁ أنهم كانوا خمس عشرة مائة (١). وروى البخاري من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال كانوا أربع عشرة مائة قال ﵀: وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول خمس عشرة مائة ثم ذكر الوهم فقال أربع عشرة مائة، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العباس الدوري عن يحيى بن معين عن شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفا وأربعمائة، وكذلك هو الذي في رواية سلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والبراء بن عازب ﵃، وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير، وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفا وأربعمائة وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. وروى محمد بن إسحاق في السيرة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله ﵄ فيما بلغني عنه يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة (٢)، كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ذكر سبب هذه البيعة العظيمة قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان ﵁، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته. فخرج عثمان ﵁ إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين

стр. 3286

دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان ﵁ حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان ﵁ قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: «لا نبرح حتى نناجز القوم». ودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبد الله ﵄ يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر ﵁ يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ (١) إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من أمر عثمان ﵁ باطل (٢). وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير ﵄ قريبا من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشا بعثوا وعندهم عثمان ﵁، سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ ، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ وأمر بالبيعة، فأخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا تمتام، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان ﵁ رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله» فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان ﵁ خيرا من أيديهم لأنفسهم. قال ابن هشام وحدثني من أثق به

стр. 3287

عمن حدثه بإسناد له عن ابن مليكة عن ابن عمر ﵄ قال: بايع رسول الله ﷺ لعثمان ﵁، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبد الملك بن هشام النحوي: فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (١)، وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ : «علام تبايعني؟ فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك، هذا أبو سنان وهب الأسدي ﵁. وقال البخاري (٢): حدثنا شجاع بن الوليد أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر عن نافع ﵁ قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر ﵄ أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر ﵁ يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر ﵁ لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ﵁، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر ﵁، وعمر ﵁ يستلئم (٣) للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر ﵄. ثم قال البخاري، وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال يعني عمر ﵁: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ، فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر ﵁، فخرج فبايع. وقد أسنده البيهقي عن أبي عمرو الأديب عن أبي بكر الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، عن دحيم، حدثني الوليد بن مسلم فذكره، وقال الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁، قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم (٤) عن قتيبة عنه. وروى مسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار ﵁ قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس،

стр. 3288

وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. وقال البخاري (١): حدثنا المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. وقال البخاري (٢) أيضا: حدثنا أبو عاصم! حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال ﷺ : «يا سلمة ألا تبايع؟» قلت: قد بايعت، قال ﷺ : «أقبل فبايع». فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت. وأخرجه مسلم (٣) من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها يعني الركي (٤)، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال ﷺ : «بايعني يا سلمة قال: فقلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس قال ﷺ : «وأيضا» قال ورآني رسول الله ﷺ : عزلا (٥) فأعطاني حجفة أو درقة (٦)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال ﷺ : «ألا تبايع يا سلمة؟» قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال ﷺ : «وأيضا» فبايعته الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : «يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت يا رسول الله لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «إنك كالذي قال الأول اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي». قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحسّه وآكل من

стр. 3289

طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثا في يدي ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مركز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه» فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وهكذا رواه مسلم (١) عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه أو قريبا منه. وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم، وقال أبو بكر الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر ﵁ قال، لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعيره، رواه مسلم (٢) من حديث ابن جريج عن ابن الزبير به. وقال الحميدي أيضا: حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابرا ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فقال لنا رسول الله ﷺ : «أنتم خير أهل الأرض اليوم» (٣) قال جابر ﵁: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان إنهم اختلفوا في موضعها أخرجاه من حديث سفيان، وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا يونس حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر» قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره فقلنا تعال فبايع. فقال: أصيب بعيري

стр. 3290

أحب إلي من أن أبايع وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يصعد الثنية ثنية المرار (١) فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل» فكان أول من صعد خيل بني الخزرج ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ﷺ : «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ . فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم (٢) عن عبيد الله به. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا ﵁ يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة ﵂: «لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت لحفصة ﵂ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ : قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] رواه مسلم (٣)، وفيه أيضا عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: إن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ : «كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية» (٤) ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: ١٨]. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١١ إلى ١٤] ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤)﴾ يقول تعالى مخبرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم لذلك وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه

стр. 3291

التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي هلكى، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين (١)، وقيل هي بلغة عمان. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه. [سورة الفتح (٤٨): آية ١٥] ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه ﵃ إلى خيبر يفتتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا ولهذا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ قال مجاهد وقتادة وجويبر وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية واختاره ابن جرير (٢). وقال ابن زيد هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣] وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك وهي متأخرة عن غزوة الحديبية، وقال ابن جريج ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ يعني بتثبيطهم

стр. 3292

المسلمين عن الجهاد ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي أن نشرككم في المغانم ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ إلى ١٧] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)﴾ اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال [أحدها] أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما وبه يقول قتادة في رواية عنه [الثاني] ثقيف، قاله الضحاك. [الثالث] بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة. [الرابع] هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لم يأت أولئك بعد. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون قال وحدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة» قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ﵁ ففسر قول رسول الله ﷺ : «تقاتلوا قوما نعالهم الشعر» قال: هم البارزون يعني الأكراد، وقوله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال : ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى

стр. 3293

والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال ﵎ مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)﴾ يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري (١): حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق أن عبد الرحمن ﵁ قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا موسى يعني ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: فبايع رسول الله ﷺ لعثمان ﵁ بإحدى يديه على الأخرى فقال الناس: هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن هاهنا فقال رسول الله ﷺ : «لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف».

стр. 3294

[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٤] ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)﴾ قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ هي جميع المغانم إلى اليوم ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني صلح الحديبية (١) ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يعتبرون بذلك، فأن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ . وقوله ﵎: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي عن ابن عباس ﵄ هي خيبر، وهذا على قوله : ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال قتادة: هي مكة واختاره ابن جرير (٢)، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ يقول مبشرا لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين. ثم قال ﵎: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله

стр. 3295

الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين مع قلة عدد المسلمين وعددهم وكثرة المشركين وعددهم. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا فيه خير للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم فقال: «أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه». قال وفي ذلك أنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به. وقال أحمد (٣) أيضا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁. وسهيل بن عمرو بين يديه فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: «اكتب باسمك اللهم-وكتب-هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة» فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله «فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله تعالى بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال رسول الله ﷺ : «هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحدا أمانا؟»
следующие страницы →