← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي هلكى، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين (١)، وقيل هي بلغة عمان. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه. [سورة الفتح (٤٨): آية ١٥] ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه ﵃ إلى خيبر يفتتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا ولهذا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ قال مجاهد وقتادة وجويبر وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية واختاره ابن جرير (٢). وقال ابن زيد هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣] وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك وهي متأخرة عن غزوة الحديبية، وقال ابن جريج ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ يعني بتثبيطهم

стр. 3292

المسلمين عن الجهاد ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي أن نشرككم في المغانم ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ إلى ١٧] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)﴾ اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال [أحدها] أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما وبه يقول قتادة في رواية عنه [الثاني] ثقيف، قاله الضحاك. [الثالث] بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة. [الرابع] هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لم يأت أولئك بعد. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون قال وحدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة» قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ﵁ ففسر قول رسول الله ﷺ : «تقاتلوا قوما نعالهم الشعر» قال: هم البارزون يعني الأكراد، وقوله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال : ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى

стр. 3293

والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال ﵎ مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)﴾ يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري (١): حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق أن عبد الرحمن ﵁ قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا موسى يعني ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: فبايع رسول الله ﷺ لعثمان ﵁ بإحدى يديه على الأخرى فقال الناس: هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن هاهنا فقال رسول الله ﷺ : «لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف».

стр. 3294

[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٤] ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)﴾ قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ هي جميع المغانم إلى اليوم ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني صلح الحديبية (١) ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يعتبرون بذلك، فأن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ . وقوله ﵎: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي عن ابن عباس ﵄ هي خيبر، وهذا على قوله : ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال قتادة: هي مكة واختاره ابن جرير (٢)، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ يقول مبشرا لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين. ثم قال ﵎: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله

стр. 3295

الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين مع قلة عدد المسلمين وعددهم وكثرة المشركين وعددهم. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا فيه خير للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم فقال: «أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه». قال وفي ذلك أنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به. وقال أحمد (٣) أيضا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁. وسهيل بن عمرو بين يديه فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: «اكتب باسمك اللهم-وكتب-هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة» فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله «فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله تعالى بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال رسول الله ﷺ : «هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحدا أمانا؟»

стр. 3296

فقالوا: لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ الآية رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به. وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا جعفر عن ابن أبزى قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر ﵁: يا نبي الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع؟ قال: فبعث ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد ﵁: «يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل» فقال خالد ﵁: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، فقال: يا رسول الله ابعثني أين شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ قال فكف الله النبي ﷺ عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدا ﵁ لم يكن أسلم بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام المقبل فيعتمر، ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإذا قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديا، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل والله أعلم. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس ﵁ قال: إن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا، فأتي بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلا

стр. 3297

فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار فقال لهم: «هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟» قالوا: لا، فأرسلهم وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية (١). [سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)﴾ يقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش، ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله ﷺ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي هم الكفار دون غيرهم ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي أنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله : ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم ولكن بين إفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال ﵎: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد مولى بني هاشم، حدثنا حجر بن خلف قال: سمعت عبد الله بن عوف يقول: سمعت جنيد بن سبع يقول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين، ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه عن أبي جمعة جنيد بن سبع فذكره، والصواب أبو جعفر حبيب بن سباع، ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف به: وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة،

стр. 3298

وفينا نزلت ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ وقال ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري. حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة عن أبي حمزة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم. وقوله : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ وذلك حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وهي قول «لا إله إلا الله» كما قال ابن جرير وعبد الله ابن الإمام أحمد (١). حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة عن ثوير عن أبيه عن الطفيل، يعني ابن أبي بن كعب عن أبيه ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «وألزمهم كلمة التقوى» قال «لا إله إلا الله» (٢) وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » وأنزل الله في كتابه وذكر قوما فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة، وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير (٣) من حديث الزهري، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري والله أعلم. وقال مجاهد: كلمة التقوى الإخلاص، وقال عطاء بن أبي رباح هي «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن عباية بن ربعي عن علي ﵁ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال: «لا إله إلا الله والله اكبر» وكذا قال ابن عمر ﵄،

стр. 3299

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال: يقول شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى. وقال سعيد بن جبير ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله والجهاد في سبيله» وقال عطاء الخراساني هي «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال قتادة ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال «لا إله إلا الله» ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر، وقد قال النسائي: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار عن أبي رزين عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن بسر بن عبد الله عن أبي إدريس عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يقرأ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر ﵁ فأغلظ له فقال إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله تعالى، فقال عمر ﵁: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله تعالى ورسوله. وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون. أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵄ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل (٢)، قد لبست جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة (٣) أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ : «يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة».

стр. 3300

ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت، فقال رسول الله ﷺ : «ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها». ثم قال ﷺ للناس: «انزلوا» قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله ﷺ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد ﷺ ، وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه، فاتهموهم. قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ ، مشركها ومسلمها لا يخفون على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدا علينا عنوة، ولا يتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل غادر» فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلّم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي» في وجهه فبعثوا الهدي فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى فقال: يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، قالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال وأبو بكر ﵁ قاعد خلف رسول الله ﷺ

стр. 3301

فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال من هذا يا محمد؟ قال ﷺ : «هذا ابن أبي قحافة «قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة ﵁ واقف على رأس رسول الله ﷺ بالحديد، قال: فقرع يده ثم قال أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله أن لا تصل إليك قال ويحك ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ : «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره بأنه لم يأت يريد حربا. قال فقام من عند رسول الله ﷺ ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد ﷺ في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ ، فدعا عمر ﵁ ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني بها عثمان بن عفان ﵁. قال: فدعاه رسول الله ﷺ ، فبعثه يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان ﵁ حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه أردفه خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان ﵁: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . قال: واحتبسته قريش عندها قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان ﵁ قد قتل. قال محمد: فحدثني الزهري أن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدا فصالحه ولا تلن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل». فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، تكلما وأطالا الكلام وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب ﵁، فأتى أبا بكر

стр. 3302

﵁ فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ﵁: يا عمر الزم غرزه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر ﵁: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال ﷺ «بلى» قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال ﷺ : «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني» ثم قال عمر ﵁: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ : «اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» فقال له سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال. وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا، نحن في عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب. فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ ، قال وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال «صدقت» فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال فزاد الناس شرا إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا وإنا لن نغدر بهم». قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب ﵁، فجعل يمشي مع أبي جندل، وهو يقول

стр. 3303

اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضن الرجل بأبيه، قال ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس انحروا واحلقوا» قال: فما قام أحد، قال ثم عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل، حتى عاد ﷺ بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة ﵂ فقال «يا أم سلمة ما شأن الناس؟» قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدا حتى إذا أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون، قال حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح. هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق (١) بنحوه وفيه إغراب. وقد رواه أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به نحوه، وخالفه في أشياء، وقد رواه البخاري (٢) ﵀ في صحيحه فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة، فقال في كتاب الشروط من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره (٣) وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط (٤) أتاه عينه فقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال ﷺ : «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟» وفي لفظ: «أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم، فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقا من المشركين، وإلا تركناهم محزونين»، وفي لفظ «فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين

стр. 3304

محروبين (١)، وإن نجوا يكن عنقا قطعها الله . أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه». فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربا، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله علم إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ : «فروحوا إذن» وفي لفظ «فامضوا على اسم الله تعالى» حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش (٢) فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل (٣) فألحت، فقالوا: خلأت القصواء (٤) خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال ﷺ : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد (٥) قليل الماء يتبرضه (٦) الناس تبرضا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع ﷺ من كنانته سهما ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ : «إننا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، فأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا (٧)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره». قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال

стр. 3305

سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قاله رسول الله ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا (١) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ له نحوا من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا (٢) من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته ﷺ ، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر (٣)، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة ﵁ صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء». ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له ﷺ فرجع عروة إلى أصحابه. فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

стр. 3306

فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه ﵃، قال النبي ﷺ : «هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له». فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : «هذا مكرز وهو رجل فاجر» فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. وقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : «قد سهل لكم من أمركم» قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا النبي ﷺ بعلي ﵁ وقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ «اكتب باسمك اللهم-ثم قال-هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال له النبي ﷺ : «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله» قال الزهري: وذلك لقوله: «والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها» فقال له النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة (١) ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ : «إنا لم نقض الكتاب بعد» قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي ﷺ : «فأجزه لي» قال: ما أنا بمجيز ذلك لك قال «بلى فافعل» قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله . قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت ألست نبي الله حقا؟ قال ﷺ : «بلى» قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ﷺ «بلى» قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟

стр. 3307

قال ﷺ : «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال ﷺ : «بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟». قلت: لا. قال ﷺ : فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى، قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال الزهري قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالا. قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل ﷺ على أم سلمة ﵂، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة ﵂: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله ﷺ ، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ -حتى بلغ- ﴿بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر ﵁ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ حين رآه «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله تعالى منهم. فقال النبي ﷺ : «ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد». فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم: «فمن أتاه منهم فهو آمن» فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي

стр. 3308

كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ -حتى بلغ- ﴿حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. هكذا ساقه البخاري هاهنا. وقد أخرجه في التفسير وفي عمرة الحديبية وفي الحج وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك وهذا أشبه والله أعلم، ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وقال البخاري (١) في التفسير: حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله، فقال علي بن أبي طالب ﵁: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر ﵁ فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال ﷺ : «يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا» فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا، فنزلت سورة الفتح. وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان بن سلمة عن سهل بن حنيف به، وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أقدر على أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددته، وفي رواية: فنزلت سورة الفتح فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ فقرأها عليه (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: إن قريشا صالحوا النبي ﷺ وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي ﵁: «اكتب

стр. 3309

بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم. فقال ﷺ : «اكتب من محمد رسول الله» قال: لو نعلم أنك رسول الله لا تبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : «اكتب من محمد بن عبد الله» واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال ﷺ : «نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله» رواه مسلم (١) من حديث حماد بن سلمة به. وقال أحمد (٢) أيضا، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني سماك عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا فقلت لهم إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي ﵁: «اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» قالوا لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله ﷺ : «امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسولك امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» والله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة أخرجت من هذه؟ قالوا نعم ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي بنحوه. وروى الإمام أحمد (٣) عن يحيى بن آدم حدثنا زهير بن حرب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. [سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨] ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨)﴾ كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل وقع في نفوس بعض الصحابة ﵃ من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فقال له فيما قال أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال لا، قال النبي ﷺ : «فإنك آتيه ومطوف به» وبهذا أجاب الصديق رضي الله

стр. 3310

عنه أيضا حذو القذة بالقذة (١) ولهذا قال ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ﴾ هذا لتحقيق الخبر وتوكيده وليس هذا من الاستثناء في شيء. وقوله : ﴿آمِنِينَ﴾ أي في حال دخولكم. وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ حال مقدرة لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين وإنما كان هذا في ثاني الحال. كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : «رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : «رحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : «والمقصرين» في الثالثة أو الرابعة (٢). وقوله : ﴿لا تَخافُونَ﴾ حال مؤكدة في المعنى فأثبت لهم الأمن حال الدخول ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة. فأقام بها ذا الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه بعضها عنوة وبعضها صلحا، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه ﵃، ولم يغب منهم أحد، قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة، كما هو مقرر في موضعه ثم رجع إلى المدينة. فلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج ﷺ إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وسار أصحابه يلبون. فلما كان ﷺ قريبا من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد ما عرفناك تنقض العهد، فقال ﷺ : «وما ذاك؟» قال «دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح.

стр. 3311

فقال ﷺ : «لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج». فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه ﵃ غيظا وحنقا. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله يقودها وهو يقول: [رجز] باسم الذي لا دين إلا دينه … باسم الذي محمد رسوله خلّوا بني الكفّار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله … ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله … قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله … بأن خير القتل في سبيله (١) يا رب إني مؤمن بقيله فهذا مجموع من روايات متفرقة. قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء دخلها وعبد الله بن رواحة ﵁ آخذ بخطام ناقته ﷺ وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … إني شهيد أنه رسوله خلوا فكل الخير في رسوله … يا رب إني مؤمن بقيله نحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة ﵁ بين يديه وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغرزه وهو ﵁ يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله … يا رب إني مؤمن بقيله نحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله اليوم نضربكم على تأويله … ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

стр. 3312

وقال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا عن عبد الله، يعني ابن عثمان عن أبي الطفيل عن ابن عباس ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف (٢)، فقال أصحابه لو انتحرنا (٣) من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة (٤). قال ﷺ : لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم، فجمعوا له وبسطوا الأنطاع (٥) فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر فاضطبع ﷺ بردائه ثم قال «لا يرى القوم فيكم غميرة» (٦) فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء (٧)، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سنة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع: وقال أحمد (٨) أيضا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا (٩) الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم. فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا (١٠) أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به.

стр. 3313

وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة، فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. قال البخاري (١): وزاد ابن سلمة. يعني حماد بن سلمة، عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال ارملوا، ليري المشركين قوتهم والمشركون من قبل قعيقعان (٢)، وحدثنا محمد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليري المشركون قوته (٣). ورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به. وقال أيضا: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان حدثنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول الله ﷺ ، انفرد به البخاري (٤) دون مسلم. وقال البخاري (٥) أيضا: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا فليح وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر ﷺ من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج ﷺ ، وهو في صحيح مسلم أيضا. وقال البخاري (٦) أيضا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال ﷺ : «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «امح رسول الله» قال ﵁: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ

стр. 3314

رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها». فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة ﵁ تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي ﵁ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵃ فقال علي ﵁: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر ﵁: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ﵁: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي ﵁: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر ﵁ «أشبهت خلقي وخلقي وقال ﷺ لزيد ﵁: «أنت أخونا ومولانا» قال علي ﵁: ألا تتزوج ابنة حمزة ﵁؟ قال ﷺ : «إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفرد به من هذا الوجه. وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي فعلم الله من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحا قريبا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين. ثم قال ﵎ مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول ﷺ على عدوه، وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين ومشركين ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أي أنه رسوله وهو ناصره، والله أعلم. [سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾ يخبر تعالى عن محمد ﷺ أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه ﵃ فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ كما قال : ﴿فَسَوْفَ

стр. 3315

يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار، رحيما برا بالأخيار، غضوبا عبوسا في وجه الكافر ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (١). وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (٢). وشبك ﷺ بين أصابعه، كلا الحديثين في الصحيح. وقوله : ﴿تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقوله ﷻ : ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ يعني السمت الحسن (٣). وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون. وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقد أسنده ابن ماجة في سننه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (٤) والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله ظاهره للناس، كما

стр. 3316

روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر» العرزمي متروك. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان». وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة» ورواه أبو داود (٣) عن عبد الله بن محمد النفيلي عن زهير به، فالصحابة ﵃ خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نوه الله ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال هاهنا: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم قال ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي شب وطال ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ أي فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾. ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه، بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃ قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك، والأحاديث في فضائل الصحابة ﵃ والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم: ثم قال ﵎: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ من هذه لبيان

стр. 3317

الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي لذنوبهم ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي ثوابا جزيلا ورزقا كريما. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة ﵃ فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (١). آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.

стр. 3318

تفسير سورة الحجرات وهي مدنية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ إلى ٣] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ هذه آيات أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال ﵎: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى، قال ﷺ : «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال ﷺ : «فإن لم تجد؟» قال ﵁: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ ». وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم، وقال سفيان الثوري ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل، وقال الحسن البصري ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تدعوا قبل الإمام، وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا كذا وكذا، لو صنع كذا، فكره الله تعالى ذلك وتقدم فيه ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي فيما أمركم به ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ أي لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 3319

وقال البخاري (١): حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر ﵄، ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ الآية قال ابن الزبير ﵄ فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر ﵁. انفرد به دون مسلم. ثم قال البخاري (٢): حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حجاج عن ابن جريج، حدثني ابن أبي ملكية أن عبد الله بن الزبير ﵄ أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ﵁: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر ﵁: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا. وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عمر عن مخارق عن طارق بن شهاب عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار (٣). حصين بن عمر، هذا وإن كان ضعيفا لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ﵄ بنحو ذلك، والله أعلم. وقال البخاري (٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة

стр. 3320

عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة» تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ ، أنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزينا ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال النبي ﷺ : «لا، بل هو من أهل الجنة» قال أنس ﵁: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل ﵁. وقال مسلم (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت ﵁ في بيته قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟» فقال سعد ﵁: إنه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد ﵁ فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت ﵁: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد ﵁ للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «بل هو من أهل الجنة» ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي عن حيان بن هلال عن سليمان بن المغيرة به قال ولم يذكر سعد بن معاذ ﵁، وعن قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁ بنحوه، وقال ليس فيه ذكر سعد بن معاذ ﵁. حدثنا هريم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر عن ثابت عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية فاقتص الحديث ولم يذكر سعد بن معاذ ﵁ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة. فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ

стр. 3321

﵁، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ ﵁ موجودا، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآيات نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم. وقال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قال: قعد ثابت بن قيس ﵁ في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صيت رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، قال: وغلبه البكاء فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله تعالى، أو يرضى عني رسول الله ﷺ . قال: وأتى عاصم ﵁ رسول الله ﷺ فأخبره خبره فقال: «اذهب فادعه لي» فجاء عاصم ﵁ إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك، فقال: اكسر الضبة، قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال ﵁: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فقال النبي ﷺ : «أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟» فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله ﷺ ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله ﷺ . قال: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ الآية. وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊، لأنه محترم حيا وفي قبره صلوات الله وسلامه عليه دائما، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال

стр. 3322

﵎: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. وقوله : ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» (١) ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه، ورغب فيه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية، ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. [سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ ثم إنه ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة. ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ﵁ فيما أورده غير واحد. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس ﵁، أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله، فلم يجبه فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال ﷺ : «ذاك الله ».

стр. 3323

وقال ابن جرير (١): حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق عن البراء في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال ﷺ : «ذاك الله » وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلا. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا: أسلمنا ولم يقاتلك بنو أسد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي. حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرة النبي ﷺ فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بأذني، فمدها فجعل يقول «لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد» ورواه ابن جرير (٢) عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان به. [سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٦ إلى ٨] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال، وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ولله تعالى الحمد والمنة، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط،

стр. 3324

حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂. قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ يقول: قدمت على رسول الله فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته. ويرسل إلي يا رسول الله رسولا لإبّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول فلم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه (٢) فقال لهم إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ ، وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق أي خاف، فرجع حتى أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ فضرب البعث إلى الحارث ﵁ وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال ﵁: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟» قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ ، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله. قال فنزلت الحجرات ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ -إلى قوله- ﴿حَكِيمٌ﴾. ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب أنه الحارث بن ضرار كما تقدم.

стр. 3325

وقال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله قالت فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قالت فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا (٢) فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال ﵁ فأذن بصلاة العصر قالت ونزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾. وروى ابن جرير (٣) أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله ﷺ ، وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبا شديدا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، وإن النبي ﷺ استغشهم وهم بهم، فأنزل الله ﵎ عذرهم في الكتاب فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية. وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا ﵁ أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ﵁ فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله ﷺ يقول «التثبت من الله والعجلة من الشيطان» (٤) وكذا ذكر غير واحد من السلف

стр. 3326

منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] وقوله : ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم. قال الإمام أحمد (١): حدثنا بهز حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «الإسلام علانية والإيمان في القلب-قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول-التقوى هاهنا التقوى هاهنا» ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ : «استووا حتى أثني على ربي » فصاروا خلفه صفوفا فقال ﷺ : «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن من يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله

стр. 3327

الحق» ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به. وفي الحديث المرفوع: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (١) ثم قال: ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. [سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ إلى ١٠] ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ يقول تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطب يوما، ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢). فكان كما قال صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ أي حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال ﷺ : «تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه» (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عارم، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يحدث أن أنسا ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ ، لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ ، وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق النبي ﷺ إليه قال: «إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك» فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب

стр. 3328

ريحا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ (١) ورواه البخاري في الصلح عن مسدد ومسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى كلاهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه به نحوه. وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر بالصلح بينهما، وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له عمران، كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله تعالى. وقوله : ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي اعدلوا بينهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا» (٢) ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى به. وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط الصحيح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» (٣) ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» (٤) وفي الصحيح «والله في عون العبد ما كان العبد في عون

стр. 3329

أخيه» (١) وفي الصحيح أيضا «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثله» (٢) والأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٣) وفي الصحيح أيضا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه ﷺ (٤). وقال أحمد (٥): حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن ثابت حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده، وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني الفئتين المقتتلتين ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه. [سورة الحجرات (٤٩): آية ١١] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾ ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الكبر بطر الحق وغمص الناس-ويروى-وغمط الناس» (٦) والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ فنص على نهي الرجال، وعطف نهي النساء. وقوله ﵎: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾

стр. 3330

[الهمزة: ١] والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال : ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغيا عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي لا يقتل بعضكم بعضا. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يطعن بعضكم على بعض (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ أي لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ (٣) ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به. وقوله جل وعلا: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ أي بئس الصفة والاسم الفسوق. وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي من هذا ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾. [سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا. وقال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا» (٤) تفرد به ابن ماجة
следующие страницы →