البزار: خولف فيه عبد الرزاق ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية وقال في آخره «فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة».
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية أو ثلاث عشرة قال: «أعتق عددهن نسما» قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت.
وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي قربت إلى أهلها وقوله تعالى:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ هذا هو الجواب أي إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ قال: لهذا أجري الحديث.
[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ٢٩]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾
روى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام عن الوليد بن سريع عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح فسمعته يقرأ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (١) ورواه النسائي عن بندار
стр. 3782
عن غندر عن شعبة عن الحجاج بن عاصم عن أبي الأسود عن عمرو بن حريث به نحوه، قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل.
وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن لا ﴿أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن خالد عن علي قال: هي النجوم، وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة وهو السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فالله أعلم، وروى يونس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنها النجوم، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا محمد بن بشار حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق، وقال بعض الأئمة، إنما قيل للنجوم الخنس أي في حال طلوعها ثم هي جوار في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها كنس، من قول العرب أوى الظبي إلى كناسة إذا تغيب فيه.
وقال الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله فلا أقسم بالخنس قال بقر الوحش، وكذا قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عبد الله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ ما هي با عمرو؟ قلت البقر قال وأنا أرى ذلك، وكذا روى يونس عن أبي إسحاق عن أبيه وقال أبو داود الطيالسي عن عمرو عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قال البقر تكنس إلى الظل وكذا قال سعيد بن جبير، وقال العوفي عن ابن عباس هي الظباء، وكذا قال سعيد أيضا ومجاهد والضحاك، وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد هي الظباء والبقر.
وقال ابن جرير (٣) حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد أنهما تذاكرا هذه الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ فقال إبراهيم لمجاهد قل فيها بما سمعت، قال:
فقال مجاهد كنا نسمع فيها شيئا وناس يقولون إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، قال: فقال
стр. 3783
إبراهيم إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ هل هو النجوم أو الظباء وبقر الوحش قال ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ فيه قولان أحدهما إقباله بظلامه وقال مجاهد أظلم وقال سعيد بن جبير إذا نشأ، وقال الحسن البصري إذا غشي الناس، وكذا قال عطية العوفي وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ أي إذا ذهب فتولى.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سمع أبا عبد الرّحمن السلمي قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثوب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ هذا حين أدبر حسن.
وقد اختار ابن جرير (١) أن المراد بقوله: ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر قال لقوله ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا: [رجز] حتى إذا الصبح له تنفّسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا (٢)
أي أدبر، وعندي أن المراد بقوله ﴿إِذا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا لكن الإقبال هاهنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعام: ٩٦] وغير ذلك من الآيات، وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما والله أعلم. وقال ابن جرير (٣): وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا.
[السريع] عسعس حتى لو يشا إدّنا … كان له من ضوئه مقبس (٤)
يريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال، قال الفراء وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع وقوله
стр. 3784
تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة، إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي ﵁. وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو جبريل ﵊، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦] أي شديد الخلق شديد البطش والفعل ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة عند الله ومنزلة رفيعة، قال أبو صالح في قوله تعالى:
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى قال قتادة ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي في السموات يعني ليس هو من أفناد الملائكة بل هو من السادة والأشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا ﷺ بقوله تعالى:
﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمدا ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ يعني ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي البين وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم: ٥ - ١٠] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل ﵇، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤيا وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٣ - ١٦] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم وقد نزلت بعد سورة الإسراء.
وقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي وما محمد على ما أنزله الله إليه بضنين أي بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد أي ببخيل بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء أي ما هو بكاذب وما هو بفاجر. والظنين المتهم والضنين البخيل. وقال قتادة:
كان القرآن غيبا فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد واختار ابن جرير (١) قراءة الضاد.
стр. 3785
قلت: وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أي وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم أي لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له كما قال تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند الله كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي من إله، وقال قتادة ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي عن كتاب الله وعن طاعته.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي ليست المشيئة موكولة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين. قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
آخر تفسير سورة التكوير. ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الانفطار
وهي مكية
قال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول فقال النبي ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت» (١) وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذكر ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ في إفراد النسائي. وقد تقدم من رواية عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت» (٢).
стр. 3786
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ١٢]
﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)﴾
يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي انشقت كما قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي تساقطت ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها.
وقال الكلبي: ملئت ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قال ابن عباس: بحثت، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي إذا كان هذا حصل هذا. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال الكريم حتى يقول قائلهم غره كرمه، بل المعنى في هذه الآية:
ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم أي العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق. كما جاء في الحديث «يقول الله تعالى يوم القيامة يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟».
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان أن عمر سمع رجلا يقرأ ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال عمر: الجهل. وقال أيضا: حدثنا عمر بن شبّه، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال ابن عمر: غره والله جهله، قال: وروي عن ابن عباس والربيع بن خثيم والحسن مثل ذلك وقال قتادة: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيء، ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان.
وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي ما غرك بي لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ لقلت: غرني كرم الكريم. قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة فأنزل الله تعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.
стр. 3787
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك سويا مستقيما معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو النضر، حدثنا حريز، حدثني عبد الرّحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: «قال الله : يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة؟» وكذا رواه ابن ماجة (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور بن يزيد عن عبد الرّحمن بن ميسرة.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم. وقال ابن جرير (٣): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح، حدثني أبي عن جدي أن النبي ﷺ قال له: «ما ولد لك؟» قال:
يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية. قال «فمن يشبه؟» قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: «مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: شكلك.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به، وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت، لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس كان متروك الحديث، وقال ابن حبان، يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات، ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود، قال «هل لك من إبل؟» قال نعم، قال: «فما ألوانها» قال: حمر، قال: «فهل فيها من أورق» قال: نعم، قال: «فأنى أتاها ذلك» قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال:
«وهذا عسى أن يكون نزعة عرق» (٤).
وقد قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ إن شاء في صورة
стр. 3788
كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير (١). وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد حدثنا عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أوليستره أخوه».
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» ثم قال حفص بن سليمان: لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث.
(قلت): وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم-وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم-فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله
стр. 3789
ذكروه بينهم وسموه وقالوا هلك الليلة فلان»، ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث.
[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ إلى ١٩]
﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾
يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ولم يقابلوه بالمعاصي، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبيد الله عن محارب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء» ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي يوم الحساب والجزاء والقيامة ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى:
﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ونذكر هاهنا حديث «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا» وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ [الفرقان: ١٦] وكقوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال قتادة ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد.
آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
تفسير سورة المطففين
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٦]
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)﴾
قال النسائي وابن ماجة: أخبرنا محمد بن عقيل، زاد ابن ماجة وعبد الرّحمن بن بشر قالا:
حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي عن يزيد وهو ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش
стр. 3790
عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلا أهل مكة أو أهل المدينة قال: حق لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل عن ضرار عن عبد الله المكتب عن رجل عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرّحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال:
وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ -حتى بلغ- ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والمراد بالتطفيف هاهنا البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ أي من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي ينقصون، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديا ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله كالوا ووزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.
وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرّحمن: ٩] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال ثم قال تعالى: متوعدا لهم: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه.
قال الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٣) رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن
стр. 3791
عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضا، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به.
ولفظ الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ لعظمة الرّحمن يوم القيامة حتى أن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم».
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد يعني ابن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين-قال-فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما» (٣) رواه مسلم عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد عن ابن المبارك، كلاهما عن ابن جابر به.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا عبد الرّحمن حدثه عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق». الفرد به أحمد.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ العجز ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه-وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده هكذا ومنهم من يغطيه عرقه» وضرب بيده إشارة، انفرد به أحمد، وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل يقومون ثلاثمائة سنة، وقيل يقومون أربعين ألف سنة ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا «في يوم كان مقداره خمسين ألف
стр. 3792
سنة» (١).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السّلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبشير الغفاري: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟» قال بشير: المستعان الله، قال «فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب» ورواه ابن جرير من طريق عبد السّلام به.
وفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة (٢). وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحواري عن عاصم بن حميد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرا ويحمد عشرا، ويسبح عشرا ويستغفر عشرا ويقول: «اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني» ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة (٣).
[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ إلى ١٧]
﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾
يقول تعالى حقا ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق، كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أي هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل:
يقول الله في روح الكافر اكتبوا كتابه في سجين (٤). وسجين هي تحت الأرض السابعة، وقيل: صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل بئر في جهنم.
стр. 3793
وقد روى ابن جرير (١) في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الفلق جب في جهنم مغطى وأما سجين فمفتوح» والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٥] وقال هاهنا: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرا لقوله ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، وقد تقدم الكلام على قوله ويل بما أغنى عن إعادته وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس ويل له ويل له» (٢).
ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره، قال الله تعالى: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.
وقوله تعالى: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] قال الله تعالى:
стр. 3794
﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار والغين للمقربين، وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقال أحمد (٢): حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾». وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية.
كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة. وقد قال ابن جرير (٣) محمد بن عمار الرازي: حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية أو كلاما هذا
стр. 3795
معناه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرّحمن من أهل النيران ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير.
[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ إلى ٢٨]
﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾
يقول تعالى: حقا ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ وهم بخلاف الفجار ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين. قال الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين، وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يعني الجنة. وفي رواية العوفي عنه أعمالهم في السماء عند الله وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: عليون ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظما أمره ومفخما شأنه ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ثم قال تعالى مؤكدا لما كتب لهم ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهم الملائكة قاله قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ وهي السرر تحت الحجال ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قيل: معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد وقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله ، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين» (١) وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي صفة الترافه والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم.
وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من
стр. 3796
أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، قال الإمام أحمد (١): حدثنا حسن، حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة» وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي خلطه مسك، وقال العوفي عن ابن عباس:
طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وكذا قال قتادة والضحاك، وقال إبراهيم والحسن ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي عاقبته مسك.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد (٢)، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: طيبه مسك.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه، قاله أبو صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا، قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.
[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي محتقرين لهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي إذا انقلب أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أي لكونهم على غير دينهم.
قال الله تعالى: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على
стр. 3797
هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١] ولهذا قال هاهنا ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي إلى الله في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون ليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.
آخر تفسير سورة المطففين، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الانشقاق
وهي مكية
قال مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة أن أبا هريرة قرأ بهم ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها (١)، رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به. وقال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر عن أبيه عن بكر عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له. فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه، ورواه أيضا عن مسدد عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد عن يزيد بن زريع عن التيمي عن بكر عن أبي رافع فذكره. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن سليمان بن طرخان التيمي به، وقد رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة، زاد النسائي وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الأعلى: ١].
стр. 3798
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ١٥]
﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥)﴾
يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أي: استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق وذلك يوم القيامة ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي وحق لها أن تطيع أمره لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بسطت وفرشت ووسعت.
قال ابن جرير (١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري، عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرّحمن والله ما رآه قبلها، فأقول يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي فيقول الله صدق ثم أشفع، فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض-قال-وهو المقام المحمود».
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ أي ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت منهم، قاله مجاهد وسعيد وقتادة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ كما تقدم.
وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ أي إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾ أي فملاق ربك، ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم، قال العوفي عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ يقول: تعمل عملا تلقى الله به خيرا كان أو شرا.
وقال قتادة: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ إن كدحك يا ابن آدم لضعيف فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله ثم قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ أي سهلا بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق
стр. 3799
أعماله فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» قالت فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ قال: «ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» (٢) وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير (٣) من حديث أيوب السختياني به.
وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا» فقلت: أليس الله يقول ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ قال: «ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عذب» وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت، وقد رواه أيضا عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه حاتم بن أبي صغيرة به.
قال ابن جرير (٥): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم عن الحريش بن الخريت أخي الزبير عن ابن أبي مليكة عن عائشة، قالت: من نوقش الحساب-أو من حوسب-عذب.
قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم. وقال أحمد (٦): حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته:
«اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» صحيح على شرط مسلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة: قاله قتادة والضحاك: ﴿مَسْرُوراً﴾ أي فرحا مغتبطا بما أعطاه الله . وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: إنكم تعملون أعمالا لا تعرف ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله
стр. 3800
فمسرور أو مكظوم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً﴾ أي خسارا وهلاكا ﴿وَيَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي فرحا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحور هو الرجوع قال الله: ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه كان به بصيرا أي عليما خبيرا.
[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ٢٥]
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾
روي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق الحمرة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة عن أبي هريرة قال: الشفق البياض، فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس كما قاله مجاهد وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة قال الخليل بن أحمد الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة فإذا ذهب قيل غاب الشفق وقال الجوهري: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة، وكذا قال عكرمة الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (١) ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هو النهار كله وفي رواية عنه أيضا أنه قال الشفق الشمس رواهما ابن أبي حاتم، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ أي جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام وقال ابن جرير (٢): أقسم الله بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا. وقال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض وقالوا هو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: ﴿وَما وَسَقَ﴾ وما جمع، قال قتادة:
وما جمع من نجم ودابة، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر: [رجز]
стр. 3801
مستوسقات لو يجدن سائقا (١)
وقد قال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ إذا استوى. وقال الحسن: إذا اجتمع إذا امتلأ، وقال قتادة إذا استدار ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلا لليل وما وسق.
وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال البخاري: أخبرنا سعيد بن النضر أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال: قال ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال قال هذا نبيكم ﷺ (٢)، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال سمعت هذا من نبيكم ﷺ فيكون قوله نبيكم مرفوعا على الفاعلية من قال، وهو الأظهر، والله أعلم كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم ﷺ .
وقال ابن جرير (٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال يعني نبيكم ﷺ يقول حالا بعد حال، وهذا لفظه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال. وكذا قال عكرمة ومرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح ويحتمل أن يكون المراد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال، قال هذا يعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعا على أن هذا، ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرا والله أعلم، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: محمد ﷺ ويؤيد هذا المعنى قراءة عمرو ابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بفتح التاء والباء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ سماء بعد سماء (قلت): يعنون ليلة الإسراء.
وقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن ابن عباس ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ منزلا على منزل، وكذا
стр. 3802
رواه العوفي عن ابن عباس مثله وزاد ويقال أمرا بعد أمر وحالا بعد حال، وقال السدي نفسه ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل (قلت): كأنه أراد معنى الحديث الصحيح «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى قال «فمن؟» (١) وهذا محتمل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولا يقول في قول الله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال في كل عشرين سنة تحدثون أمرا لم تكونوا عليه، وقال الأعمش حدثنا إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾. قال السماء تنشق ثم تحمر ثم تكون لونا بعد لون وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال السماء مرة كالدهان ومرة تنشق.
وروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ يا محمد يعني حالا بعد حال، ثم قال ورواه جابر عن مجاهد عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافا في الدنيا فاتضعوا في الآخرة. وقال عكرمة ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال فطيما بعد ما كان رضيعا، وشيخا بعد ما كان شابا، وقال الحسن البصري ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ يقول حالا بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة.
وقال ابن أبي حاتم ذكر عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه اكتب أجله اكتب أثره.
اكتب شقيا أو سعيدا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره رد الروح في جسده ثم ارتفع ملك الموت وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائقا وآخر شهيدا، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾» قال رسول الله ﷺ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: «حالا بعد حال» ثم قال النبي ﷺ : «إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» هذا حديث منكر وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح، والله أعلم.
стр. 3803
ثم قال ابن جرير (١) بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين:
والصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجها إلى رسول الله ﷺ جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا.
وقوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاما وإكراما واحتراما؟ وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة:
يكتمون في صدورهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعد لهم عذابا أليما.
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ هذا استثناء منقطع يعني لكن الذين آمنوا أي بقلوبهم وعملوا الصالحات أي بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك غير محسوب وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال السدي قال بعضهم ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير منقوص، وقال بعضهم ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن الله له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم فله عليهم المنة دائما سرمدا والحمد لله وحده أبدا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
آخر تفسير سورة الانشقاق. ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
تفسير سورة البروج
وهي مكية
قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الصمد حدثنا زريق بن أبي سلمى حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة ب ﴿السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ (٣) وقال أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا حماد بن عباد السدوسي
стр. 3804
سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء، تفرد به أحمد.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ١٠]
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾
يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله تعالى:
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١] قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي: البروج النجوم وعن مجاهد أيضا: البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء، وقال المنهال بن عمرو ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ الخلق الحسن، واختار ابن جرير (١) أنها منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرا ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستمر ليلتين.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة ﴿وَشاهِدٍ﴾ يوم الجمعة وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة» وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة، أما علي فرفعه إلى النبي ﷺ وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال يعني الشاهد يوم الجمعة ويوم مشهود يوم القيامة، وقال أحمد (٣) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس،
стр. 3805
سمعت عمارا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد، ثم قال ابن جرير (١): حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال:
قال رسول الله ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة وإن الشاهد يوم الجمعة وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا».
ثم قال ابن جرير (٢): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة». وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب، ثم قال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال:
الشاهد هو محمد ﷺ والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وحدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال: سأل رجل الحسن بن علي عن ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: سألت أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمرو ابن الزبير فقالا:
يوم الذبح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد ﷺ ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٤).
وهكذا قال الحسن البصري وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب:
ومشهود يوم القيامة، وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وعن عكرمة أيضا: الشاهد محمد ﷺ والمشهود يوم الجمعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد الإنسان والمشهود يوم الجمعة، هكذا رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة، وبه عن سفيان
стр. 3806
الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: يوم الذبح ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود، قال ابن جرير (١) وقال آخرون: المشهود يوم الجمعة، ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن:
حدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» وعن سعيد بن جبير الشاهد الله، وتلا ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ والمشهود نحن، حكاه البغوي، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ أي لعن أصحاب الأخدود وجمعه أخاديد وهي الحفير في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله ، فقهر وهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم فحفروا لهم في الأرض أخدودا وأججوا فيه نارا وأعدوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى:
﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض ولا تخفى عليه خافية.
وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليهم علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها، وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض ثم أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقيل غير ذلك.
стр. 3807
وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر، وكان بين السحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حسبك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك، فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر.
قال فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا. فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر السحر، قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه.
ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي: فقال أنا قال لا، ربي وربك الله، قال ولك رب غيري؟ قال نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء! قال ما أشفي أحدا إنما يشفي الله ، قال أنا؟ قال لا. قال أولك رب غيري؟ قال ربي وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى بالراهب فقال ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض.
وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه (٢) من فوقه، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى فبعث به مع نفر في قرقور (٣) فقال إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون.
стр. 3808
وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي:
اصبري يا أماه فإنك على الحق».
وهكذا رواه مسلم (١) في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه، ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن عفان عن حماد بن سلمة ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله، وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد-المعنى واحد-قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر همس والهمس في بعض قولهم تحريك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، قال: «إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء.
فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا» قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاما فهما أو قال: فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا، فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: يقول الله : ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ -حتى بلغ- ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
قال: فأما الغلام فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل (٢)، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وهذا السياق ليس فيه صراحة، أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى والله أعلم.
стр. 3809
وقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة (١) بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران-ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد-ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: نزلها رجل فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر.
فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه، والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى أقداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح، حتى إذا حصاها أوقد نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه، ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع فقال أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.
فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول نعم، فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له، فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره ودعا له، فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه نجران بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به وتوحد الله، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران
стр. 3810
على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم ﵇ من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.
قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر فالله أعلم أي ذلك كان، قال فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل، فخد الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله ﷺ :
﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس واسمه زرعة، ويسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن تبان أسعد أبي كرب وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، فكان تهود من تهود من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفا ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان، ذهب فارسا وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه فذهب إلى قيصر ملك الشام فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هاربا فلجج في البحر فغرق، واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون فكانوا قريبا من سبعمائة، ففتح بهم اليمن ورجع الملك إلى حمير، وسنذكر طرفا من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١].
وقال ابن إسحاق (١): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها تفجرت دما، وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا.
وقد قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ﵀: حدثنا أبو بلال الأشعري،
стр. 3811
حدثنا إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطا من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلا صالحا، فحفر الأساس فوجد فيه رجلا قائما معه سيف فيه مكتوب:
أنا الحارث بن مضاض نقمت على أصحاب الأخدود، فاستخرجه أبو موسى وبنى الحائط فثبت. (قلت): هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي، أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد نبت بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام (١) إنه أول شعر قالته العرب: [الطويل] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر (٢)
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر
وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديما بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمن الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السّلام وهو أشبه، والله أعلم. وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان عن عبد الرّحمن بن جبير قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أتونا وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد، وفي العراق في أرض بابل بختنصر الذي صنع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل فأوقد لهم أتونا وألقى فيه الحطب والنار ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله تعالى عليهما بردا وسلاما وأنقذهما منها وألقى فيها الذين بغوا عليه، وهم تسعة رهط فأكلتهم النار.
وقال أسباط عن السدي في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ قال: كانت الأخدود ثلاثة: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن. رواه ابن أبي حاتم، وعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحد بنجران باليمن والأخرى بالشام والأخرى بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس، فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت
стр. 3812
بنجران.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع هو ابن أنس في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ قال:
سمعنا أنهم كانوا قوما في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥]، فكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم، فأبوا عليه فخد أخدودا من نار وقال لهم الجبار ووقفهم عليها: اختاروا هذه أو الذي نحن فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا، وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية، فقالوا لهم أي آباؤهم لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله : ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ورواه ابن جرير (١): حدثت عن عمار عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي حرقوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
[سورة البروج (٨٥): الآيات ١١ إلى ٢٢]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ويعيده كما
стр. 3813
بدأه بلا ممانع ولا مدافع.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ أي يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذنب من أي شيء كان، والودود قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، والمجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش وكلاهما معنى صحيح ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي مهما أراد فعله لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا فما قال لك؟ قال:
قال لي إني فعال لما أريد.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ فقام يستمع فقال: «نعم قد جاءني».
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي هم في شك وريب وكفر وعناد ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي هو قادر عليهم قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي عظيم كريم ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أي هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.
قال ابن جرير (١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ في جبهة إسرافيل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح أن أبا الأعبس هو عبد الرّحمن بن سلمان قال: ما من شيء قضى الله: القرآن، فما قبله وما بعده إلا وهو في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه.
وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه، وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر: أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام
стр. 3814
ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.
وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء»
آخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الطارق
وهي مكية
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد قال عبد الله وسمعته أنا منه، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الله بن عبد الرّحمن الطائفي عن عبد الرّحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ حتى ختمها قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم فقال من معهم من قريش، نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه (١)، وقال النسائي: حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم عن مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق والشمس وضحاها ونحوها؟» (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
стр. 3815
[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ١٠]
﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)﴾
يقسم ﵎ بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة ولهذا قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ ثم قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقا لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا (١) أي يأتيهم فجأة بالليل، وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء «إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (٢). وقوله تعالى: ﴿الثّاقِبُ﴾ قال ابن عباس: المضيء وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها، وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ أي كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد:١١]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله تعالى:
﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ يعني المني يخرج دفقا من الرجل والمرأة، فيتولد منهما الولد، بإذن الله ، ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها.
وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مسعر، سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ قال: هذه الترائب، ووضع يده على صدره.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: تريبة المرأة موضع القلادة، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الترائب بين ثدييها، وعن مجاهد:
الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر، وعنه أيضا: الترائب أسفل من التراقي، وقال سفيان الثوري: فوق الثديين، وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين، وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي
стр. 3816
حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله : ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ قال: هو عصارة القلب من هناك يكون الولد، وعن قتادة ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ من بين صلبه ونحره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ فيه قولان [أحدهما] على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما. [والقول الثاني] إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ أي يوم القيامة تبلى فيه السرائر أي تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا.
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال هذه غدرة فلان بن فلان» (١) وقوله تعالى: ﴿فَما لَهُ﴾ أي الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي في نفسه ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ أي من خارج منه أي لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك.
[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ إلى ١٧]
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾
قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم (٢)، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من هاهنا ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال ابن عباس: حق، وكذا قال قتادة، وقال آخر: حكم عدل ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أي بل هو جد حق، ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أي يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن، ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل لهم ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي قليلا أي وسترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة.
стр. 3817
تفسير سورة الأعلى
وهي مكية
والدليل على ذلك ما رواه البخاري: حدثنا عبدان، أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها (١).
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿الشَّمْسِ وَضُحاها﴾ و ﴿اللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾» (٣) وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا سفيان عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا (٥).
هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن إبراهيم، قال ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان، ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان به، كما رواه
стр. 3818
الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرّحمن ابن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، زادت عائشة والمعوذتين. وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان وعبد الله ابن مسعود وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃، ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه، ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية والله أعلم.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ١٣]
﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عبد الرّحمن حدثنا موسى يعني ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم» (٢) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن وكيع به قال وخولف فيه وكيع رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.
وقال ابن جرير (٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ
стр. 3819
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ أي من جميع صنوف النباتات والزروع ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ قال ابن عباس: هشيما متغيرا، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه.
قال ابن جرير (٢): وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام والذي أخرج المرعى، ﴿أَحْوى﴾ أخضر إلى السواد فجعله غثاء بعد ذلك، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب لمخالفته أقوال أهل التأويل، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي يا محمد ﴿فَلا تَنْسى﴾ وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ وهذا اختيار ابن جرير. وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله: وقيل: المراد بقوله: ﴿فَلا تَنْسى﴾ طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ أي لا تنسى أي ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه فلا عليك أن تتركه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أي ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قبله يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم
стр. 3820
العذاب وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان يعني التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم-أو قال-ينبتون-في نهر الحياة-أو قال الحياة-أو قال الحيوان-أو قال نهر الجنة-فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» قال: وقال النبي ﷺ : «أما ترون الشجرة تكون خضراء ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية.
وقال أحمد (٢) أيضا: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس-أو كما قال-تصيبهم النار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر (٣) ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية (٤)، ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله.
ورواه أحمد (٥) أيضا عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحما، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». وقد قال الله تعالى إخبارا عن أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾
يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ أي طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة وتابع ما أنزل الله