← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله : ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ قال: هو عصارة القلب من هناك يكون الولد، وعن قتادة ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ من بين صلبه ونحره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ فيه قولان [أحدهما] على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما. [والقول الثاني] إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ أي يوم القيامة تبلى فيه السرائر أي تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال هذه غدرة فلان بن فلان» (١) وقوله تعالى: ﴿فَما لَهُ﴾ أي الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي في نفسه ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ أي من خارج منه أي لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك. [سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ إلى ١٧] ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾ قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم (٢)، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من هاهنا ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال ابن عباس: حق، وكذا قال قتادة، وقال آخر: حكم عدل ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أي بل هو جد حق، ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أي يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن، ثم قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل لهم ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي قليلا أي وسترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة.

стр. 3817

تفسير سورة الأعلى وهي مكية والدليل على ذلك ما رواه البخاري: حدثنا عبدان، أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿الشَّمْسِ وَضُحاها﴾ و ﴿اللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾» (٣) وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا سفيان عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا (٥). هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن إبراهيم، قال ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان، ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان به، كما رواه

стр. 3818

الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما. وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرّحمن ابن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، زادت عائشة والمعوذتين. وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان وعبد الله ابن مسعود وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃، ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه، ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية والله أعلم. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ١٣] ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)﴾ قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عبد الرّحمن حدثنا موسى يعني ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم» (٢) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن وكيع به قال وخولف فيه وكيع رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى. وقال ابن جرير (٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ

стр. 3819

﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] فأتى على آخرها ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ أي من جميع صنوف النباتات والزروع ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ قال ابن عباس: هشيما متغيرا، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه. قال ابن جرير (٢): وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام والذي أخرج المرعى، ﴿أَحْوى﴾ أخضر إلى السواد فجعله غثاء بعد ذلك، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب لمخالفته أقوال أهل التأويل، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي يا محمد ﴿فَلا تَنْسى﴾ وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ وهذا اختيار ابن جرير. وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله: وقيل: المراد بقوله: ﴿فَلا تَنْسى﴾ طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ أي لا تنسى أي ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه فلا عليك أن تتركه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه من ذلك شيء. وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أي ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ أي سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قبله يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم

стр. 3820

العذاب وأنواع النكال. قال الإمام أحمد (١): حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان يعني التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم-أو قال-ينبتون-في نهر الحياة-أو قال الحياة-أو قال الحيوان-أو قال نهر الجنة-فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» قال: وقال النبي ﷺ : «أما ترون الشجرة تكون خضراء ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية. وقال أحمد (٢) أيضا: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس-أو كما قال-تصيبهم النار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر (٣) ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية (٤)، ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله. ورواه أحمد (٥) أيضا عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحما، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». وقد قال الله تعالى إخبارا عن أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾ يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ أي طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة وتابع ما أنزل الله

стр. 3821

على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ أي أقام الصلاة في أوقاتها ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالا لشرع الله. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن أحمد العزرمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرّحمن عن أبيه عن عطاء بن السائب، عن عبد الرّحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله». ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها» ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير. وقال ابن جرير (١): حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، حدثنا مروان بن معاوية عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي، قال: فمررت به فقال: هل طعمت شيئا؟ قلت: نعم. قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك! قلت: قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء. (قلت): وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر ويتلو هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة فليقدم بين يدي صلاته زكاته فإن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وقال قتادة في هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ زكى ماله وأرضى خالقه. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ويهتم بما يزول عنه قريبا ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد عن أبي إسحاق عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له». وقال ابن جرير (٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن عطاء

стр. 3822

عن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ -فلما بلغ- ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع والهضم أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى» تفرد به أحمد، وقد رواه أيضا عن أبي سلمة الخزاعي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به مثله سواء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ قال النبي ﷺ : «كان كل هذا-أو كان هذا-في صحف إبراهيم وموسى» ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس غير هذا، وحديثا آخر رواه مثل هذا. وقال النسائي أخبرنا زكريا بن يحيى، أخبرنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم: ٣٦] قال: وفّى إبراهيم ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٧] يعني أن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤٢] الآيات إلى آخرهن. وهكذا قال عكرمة فيما رواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ يقول: الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى، وقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى، واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هذا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي مضمون هذا الكلام ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ وهذا الذي اختاره حسن قوي، وقد

стр. 3823

روي عن قتادة وابن زيد نحوه، والله أعلم، آخر تفسير سورة سبح، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة. تفسير سورة الغاشية وهي مكية قد تقدم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة وقال الإمام مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١). ورواه أبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلاهما عن مالك به، ورواه مسلم وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن ضمرة بن سعيد به. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٧] ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ الغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد لأنها تغشى الناس وتعمهم، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أي ذليلة قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها. وقوله تعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أي قد عملت عملا كثيرا ونصبت فيه وصليت يوم القيامة نارا حامية. وقال الحافظ أبو بكر البرقاني: حدثنا إبراهيم بن محمد المزكّى، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدير راهب، قال فناداه يا راهب، فأشرف قال فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله في كتابه: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ فذاك الذي أبكاني.

стр. 3824

وقال البخاري (١): قال ابن عباس ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ النصارى، وعن عكرمة والسدي ﴿عامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي و ﴿ناصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والإغلال، قال ابن عباس والحسن وقتادة ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ أي حارة شديدة الحر ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي قد انتهى حرها وغليانها، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار، وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم، وعنه أنها الحجارة، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة: هو الشبرق، قال قتادة: قريش تسميه في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع، قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض. وقال البخاري (٢): قال مجاهد: الضريع نبت يقال له الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم، وقال معمر عن قتادة هو الشبرق إذا يبس سمي الضريع، وقال سعيد عن قتادة ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ من شر الطعام وأبشعه وأخبثه، وقوله تعالى: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يعني لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور. [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ إلى ١٦] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ لما ذكر حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿ناعِمَةٌ﴾ أي يعرف النعيم فيها وإنما حصل لها ذلك بسعيها، وقال سفيان ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ قد رضيت عملها. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي رفيعة بهية في الغرفات آمنون ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ أي لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو كما قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ [مريم: ٦٢] وقال تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أي سارحة وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينا واحدة وإنما هذا جنس يعني فيها عيون جاريات. وقال ابن أبي حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أنهار الجنة تفجر من تحت تلال-أو من تحت جبال-المسك» ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك عليها الحور العين، قالوا فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني أواني الشرب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها.

стр. 3825

﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قال ابن عباس: النمارق الوسائد، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك والسدي والثوري وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قال ابن عباس الزرابي البسط، وكذا قال الضحاك وغير واحد، ومعنى مبثوثة أي هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها، وذكر هاهنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها (١)، وهي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟» قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها، قال: «قولوا إن شاء الله» قال القوم: إن شاء الله (٢)، ورواه ابن ماجة عن العباس بن عثمان الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به. [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ إلى ٢٦] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾ يقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت! أي كيف رفعها الله عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]. ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي جعلت منصوبة فإنها قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه وأنه الرب العظيم الخالق المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه، وهكذا أقسم ضمام في سؤاله على رسول الله ﷺ .

стр. 3826

كما رواه الإمام أحمد (١) حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «صدق» قال: فمن خلق السماء؟» قال: «الله» قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا؟ قال «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: «صدق» قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص منهن شيئا؟ فقال النبي ﷺ : «إن صدق ليدخلن الجنة» (٢). وقد رواه مسلم عن عمر الناقد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وعلقه البخاري ورواه الترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به ورواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس به بطوله وقال في آخره: وأنبأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل معها ابن صغير لها ترعى غنما، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله، قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله، قال: فإني لأسمع لله شأنا وألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحدثنا هذا. قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيرا ما يحدثنا بهذا، في إسناده ضعف وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني ضعفه ولده الإمام علي بن المديني وغيره. وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي فذكر يا محمد الناس بما

стр. 3827

أرسلت به إليهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (١) وهكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان والترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث سفيان بن سعيد الثوري به بهذه الزيادة، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ أي تولى عن العمل بأركانه وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] ولهذا قال: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ﴾. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا قتيبة، حدثنا ليث عن سعيد بن أبي هلال عن علي بن خالد أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله»، تفرد بإخراجه الإمام أحمد، وعلي بن خالد هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه ولم يزد على ما هاهنا، روى عن أبي أمامة وعنه سعيد بن أبي هلال، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ أي: مرجعهم ومنقلبهم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أي نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. آخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الفجر وهي مكية قال النسائي: أنبأنا عبد الوهاب بن الحكم أخبرني يحيى بن سعيد عن سليمان عن محارب بن دثار وأبي صالح عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه، فطول

стр. 3828

فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا فقال منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل الفتى فقال: يا رسول الله: جئت أصلي معه فطول علي، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ : «أفتان يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]- ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ [الشمس: ١]- ﴿وَالْفَجْرِ﴾ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]» (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ١٤] ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)﴾ أما الفجر فمعروف وهو الصبح، قاله علي وابن عباس وعكرمة ومجاهد والسدي، وعن مسروق ومحمد بن كعب ومجاهد: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، وقيل المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده كما قاله عكرمة، وقيل المراد به جميع النهار، وهو رواية عن ابن عباس، والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري (٢) عن ابن عباس مرفوعا «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد، وقد روى أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر»، ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، وكل منهما عن زيد بن الحباب به ورواه ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم من حديث زيد بن الحباب به، وهذا إسناد

стр. 3829

رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضا [قول ثان] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى [قول ثالث] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي عن النعمان، يعني ابن عبد السّلام، عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر، فقال: الشفع قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوتر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» (١). [قول رابع] قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر أقسم تعالى بخلقه، وهو رواية عن مجاهد والمشهور عنه الأول، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. [قول خامس] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال: الشفع الزوج، والوتر: الله . وقال أبو عبد الله عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ كل شيء خلقه الله شفع. السماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس والشمس والقمر ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] أي لتعلموا أن خالق الأزواج واحد [قول سادس] قال قتادة عن الحسن ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ هو العدد منه شفع ومنه وتر. [قول سابع في الآية الكريمة] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير، حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي

стр. 3830

الزبير عن جابر أن رسول الله قال: «الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث» هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضا والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عمران بن حصين ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر وهذا منقطع وموقوف ولفظه خاص بالمكتوبة وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه عام. قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام أن شيخا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: «هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن عفان وعن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى وكلاهما عن همام، وهو ابن يحيى، عن قتادة عن عمران بن عصام، عن شيخ عن عمران بن حصين، وكذا رواه أبو عيسى الترمذي (٢) عن عمرو بن علي عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام عن قتادة عن عمران بن عصام عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضا عن قتادة، وقد روي عن عمران بن عصام عن عمران نفسه والله أعلم. (قلت): ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ ، فذكره، هكذا رأيته في تفسيره فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام. وهكذا رواه ابن جرير (٣): أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: «هي الصلاة منها شفع ومنها وتر» فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة. وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل

стр. 3831

البصرة، وكان شريفا نبيلا حظيا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد، وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه والله أعلم، ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: أي إذا ذهب، وقال عبد الله بن الزبير ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ حتى يذهب بعضه بعضا، وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ إذا سار، وهذا يمكن حمله على ما قال ابن عباس أي ذهب، ويحتمل أن يكون المراد إذا سار أي أقبل، وقد يقال إن هذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ على إقباله كان قسما بإقبال الليل وإدبار النهار وبالعكس كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨] وكذا قال الضحاك ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ أي يجري، وقال عكرمة ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ يعني ليلة جمع ليلة المزدلفة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ قال: أسر يا سار ولا تبيتن إلا بجمع، وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي لذي عقل ولب ودين وحجا، وإنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحجر الحاكم على فلان إذا منعه التصرف ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان:٢٢] كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه المتواضعون لديه الخاضعون لوجهه الكريم. ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ وهؤلاء عاد الأولى وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧ - ١٠] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ عطف بيان زيادة تعريف بهم.

стр. 3832

وقوله تعالى: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ … ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أي القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم، أمة قديمة يعني عادا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد، وهذا قول حسن جيد وقوي، وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ كانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال العوفي عن ابن عباس: إنما قيل لهم ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ لطولهم، واختار الأول ابن جرير ورد الثاني فأصاب. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أعاد ابن زيد الضمير على العماد لارتفاعها وقال: بنوا عمدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد، وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد يعني في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف لأنه لو كان أراد ذلك لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه عن المقدام عن النبي ﷺ أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: «كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم» ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي قال: قرأت كتابا وقد سمى حيث قرأه أنا شداد بن عاد وأنا الذي رفعت العماد وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ . (قلت): فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحا يقاتلون به أو طول الواحد منهم، فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ مدينة إما دمشق كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القرظي أو غيرهما ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد

стр. 3833

وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾، مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر وترابها بنادق المسك وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام وتارة باليمن وتارة بالعراق وتارة بغير ذلك من البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره أن رجلا من الأعراب وهو عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئا. وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ هاهنا مطولة جدا فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة وألوان الجواهر واليواقيت واللئالئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت ولم يصح في ذلك شيء مما يقولونه إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم والله الهادي للصواب. وقول ابن جرير (١) يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ يعني يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس ينحتونها ويخرقونها، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ومنه يقال مجتابي النمار إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه ومنه الجيب أيضا وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر: [الطويل]

стр. 3834

ألا كل شيء ما خلا الله بائد … كما باد حي من شنيف ومارد (١) هم ضربوا في كل صمّاء صعدة … بأيد شداد أيّدات السواعد وقال ابن إسحاق: كانوا عربا وكان منزلهم بوادي القرى، وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها (٢)، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمة في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه، وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مطال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال، وقال ثابت البناني عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أي أنزل عليهم رجزا من السماء وأحل بهم عقوبة، لا يردها عن القوم المجرمين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والآخرة، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقال كلا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم الجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا وفي إسناده نظر وفي صحته، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه من وراء ذلك كله بالمرصاد». قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنا أي لو كان من كلامه لكان حسنا، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا

стр. 3835

أبي، حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع عن ابن عبد الكلاعي أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر قال: والصراط عليهن، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول ﴿قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها، قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها، قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه. [سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ٢٠] ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ يقول تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله تعالى: ﴿كَلاّ﴾ أي ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرا بأن يصبر. وقوله تعالى: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه-ثم قال بإصبعه-أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». وقال أبو داود (١): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز يعني ابن أبي حازم، حدثني أبي عن سهل يعني ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في ذلك ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾

стр. 3836

يعني الميراث ﴿أَكْلاً لَمًّا﴾ أي من أي جهة حصل لهم ذلك من حلال أو حرام ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي كثيرا، زاد بعضهم فاحشا. [سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ إلى ٣٠] ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كَلاّ﴾ أي حقا ﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال وقام الخلائق من قبورهم لربهم ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ يعني لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك. وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب ﵎: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن العلاء بن خالد الكاهلي عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (١) وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي عن عمر بن حفص به. ورواه أيضا عن عبد بن حميد عن أبي عامر عن سفيان الثوري عن العلاء بن خالد عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة عن مروان بن معاوية الفزاري عن العلاء بن خالد عن شقيق عن عبد الله قوله. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ أي عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أي وكيف تنفعه الذكرى ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ يعني يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيا ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا كما قال الإمام أحمد بن حنبل (٢): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: لو أن عبدا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله

стр. 3837

لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. ورواه بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عتبة بن عبد الله عن رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته ﴿راضِيَةً﴾ أي في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أي قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي في جملتهم ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك هاهنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان، وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁. وقال العوفي عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ يعني صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وروي عنه أنه كان يقرؤها «فادخلي في عبدي» ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ [غافر: ٤٣] أي إلى حكمه والوقوف بين يديه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: «أما إنه سيقال لك هذا» ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان عن أشعث عن سعيد بن جبير قال: قرأت عند النبي ﷺ ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ فقال أبو بكر ﵁ إن هذا لحسن، فقال له النبي ﷺ : «أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت» وكذا رواه ابن جرير (١) عن أبي كريب عن ابن يمان به وهذا مرسل حسن. ثم قال ابن أبي حاتم وحدثنا الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم ير على خلقته فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدري من تلاها

стр. 3838

﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس به فذكره. وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب بسنده عن قباث بن رزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم فجمعنا الملك وعرض علينا دينه على أن من امتنع ضربت عنقه فارتد ثلاثة وجاء الرابع فامتنع فضربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان يناديهم بأسمائهم قال الله تعالى في كتابه: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ثم غاص في الماء، قال فكادت النصارى أن يسلموا ووقع سرير الملك ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام قال وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي عن أبيها حدثني سليمان بن حبيب المحاربي حدثني أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك» ثم روى عن أبي سليمان بن وبر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمه، آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة البلد وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ١٠] ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ هذا قسم من الله ﵎ بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال خصيف عن مجاهد ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ لا رد عليهم. أقسم بهذا البلد. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾

стр. 3839

يعني مكة ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ قال أنت يا محمد يحل لك أن تقابل به، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد، وقال مجاهد ما أصبت فيه فهو حلال لك. وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أنت به من غير حرج ولا إثم، وقال الحسن البصري أحلها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته. «إن هذا البلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه (١)، وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» وفي لفظ آخر: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ قال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية عن شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له، ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن عبد الله القاضي به، وقال عكرمة الوالد العاقر وما ولد الذي يلد رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم وما ولد ولده، وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي أم المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده، وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني منتصبا، زاد ابن عباس في رواية عنه منتصبا في بطن أمه، والكبد الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سويا مستقيما كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٧] وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقال ابن جريج وعطاء عن ابن عباس: في كبد قال في شدة خلق ألم تر إليه وذكر مولده ونبات أسنانه، وقال مجاهد ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ وأرضعته كرها ومعيشته كره فهو يكابد ذلك.

стр. 3840

وقال سعيد بن جبير ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ في شدة وطلب معيشة، وقال عكرمة: في شدة وطول، وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو عاصم أخبرنا عبد الحميد بن جعفر سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في قيامه واعتداله فلم ينكر عليه أبو جعفر، وروي من طريق أبي مودود سمعت الحسن قرأ هذه الآية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: يكابد أمرا من أمر الدنيا وأمرا من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة، وقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد، واختار ابن جرير أن المراد بذلك مكابدة الأمور ومشاقها. وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال الحسن البصري: يعني ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ يأخذ ماله. وقال قتادة ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه، وقال السدي ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال الله ، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ أي يقول ابن آدم أنفقت مالا لبدا أي كثيرا قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ قال مجاهد أي أيحسب أن لم يره الله وكذا قال غيره من السلف: وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ أي يبصر بهما ﴿وَلِساناً﴾ أي ينطق به فيعبر عما في ضميره ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمالا لوجهه وفمه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانا وجعلت له غلافا فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجا وجعلت لك سترا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تطيق انتقامي». ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ الطريقين قال سفيان الثوري عن عاصم عن زر عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: الخير والشر، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين، وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» تفرد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي

стр. 3841

والجوزجاني منكر الحديث، وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثا منكرة كلها ما أعرف منها حديثا واحدا يشبه حديثه حديث الحسن-يعني البصري-لا يشبه حديث أنس. وقال ابن جرير (١): حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «يا أيها الناس إنهما النجدان نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» وكذا رواه حبيب ابن الشهيد ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب عن الحسن مرسلا، وهكذا أرسله قتادة وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عيسى بن عفان عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال الثديين، وروي عن الربيع بن خثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن عيسى بن عفان به ثم قال: والصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. [سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ٢٠] ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ قال ابن جرير (٢): حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي عطية عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أي دخل ﴿الْعَقَبَةَ﴾ قال: جبل في جهنم. وقال كعب الأحبار: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ هو سبعون درجة في جهنم وقال الحسن البصري: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ قال عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ﴾ وقال ابن زيد ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بينها فقال تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ﴾ قرئ فك رقبة بالإضافة، وقرئ على أنه فعل وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله يعني ابن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير عن سعيد بن مرجانة أنه سمع أبا هريرة يقول: قال

стр. 3842

رسول الله ﷺ : «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب-أي عضو-منها إربا منه من النار حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج» (١). فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفا، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، وقد رواه البخاري، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به، وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم. وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيّما مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظامه محررا من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظما من عظامها من النار» رواه ابن جرير (٢) هكذا وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي ﵁. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: «من بنى مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة». [طريق أخرى] قال أحمد (٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حريز عن سليم بن عامر أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثا ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل» (٥) وروى أبو داود والنسائي بعضه. [طريق أخرى] قال أحمد (٦): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم، قال سمعته يقول: «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا

стр. 3843

يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها» وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد. [حديث آخر] قال أبو داود (١): حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة عن ابن أبي عبلة عن الغريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار»، وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به. [حديث آخر] قال أحمد (٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام عن قتادة عن قيس الجذامي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار»، وحدثنا عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن قيسا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار» تفرد به أحمد (٣) من هذا الوجه. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرّحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم عن طلحة بن مصرف عن عبد الرّحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة، قال: «لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف (٥)، والفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير». وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال ابن عباس: ذي مجاعة، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد، والسغب هو الجوع، وقال إبراهيم النخعي: في يوم

стр. 3844

الطعام فيه عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام (١). وقوله تعالى: ﴿يَتِيماً﴾ أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أي ذا قرابة منه، قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام (٢) أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (٣) وقد رواه الترمذي والنسائي وهذا إسناد صحيح. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أي فقيرا مدقعا لاصقا بالتراب، وهو الدقعاء أيضا. قال ابن عباس: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب، وفي رواية هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء، وفي رواية عنه: هو البعيد التربة، قال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه، وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج، وقال سعيد بن جبير، هو الذي لا أحد له، وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال، وكل هذه قريبة المعنى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ثم مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي كان من المؤمنين العاملين صالحا «المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم كما جاء في الحديث الشريف الراحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٤) وفي الحديث الآخر «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (٥). وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو يرويه قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا» (٦). وقوله تعالى ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.

стр. 3845

ثم قال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي أصحاب الشمال ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها! قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية العوفي والحسن وقتادة والسدي ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة قال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش أي أغلقه وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وقال الضحاك ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حيط لا باب له، وقال قتادة ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم أي أطبقوها، قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا، رواه ابن أبي حاتم. آخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الشمس وهي مكية تقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى؟» (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ١٠] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾ قال مجاهد ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي وضوئها. وقال قتادة ﴿وَضُحاها﴾ النهار كله. قال ابن جرير (٢): والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ قال مجاهد: تبعها، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ قال: يتلو النهار، وقال قتادة: ﴿إِذا تَلاها﴾ ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال، وقال ابن

стр. 3846

زيد، هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر، وقال مالك عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ إذا غشيها النهار، وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى والنهار إذا جلا الظلمة لدلالة الكلام عليها. (قلت) ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ أي البسيطة لكان أولى ولصح تأويله في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية بن الوليد عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ غشى عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها، وهو قول قتادة: ويحتمل أن تكون بمعنى من يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ -أي بقوة- ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٨] وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ قال مجاهد: ﴿طَحاها﴾ دحاها، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَما طَحاها﴾ أي خلق فيها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَحاها﴾ قسمها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد ﴿طَحاها﴾ بسطها، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته أي بسطته. وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم:٣٠] وقال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» (١) أخرجاه من رواية أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» (٢).

стр. 3847

وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ بين لها الخير والشر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك والثوري، وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر، وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا قال: قلت له ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: سددك الله إنما سألتك لأخبر عقلك، إن رجلا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: «بل شيء قد قضي عليهم» قال: ففيم نعمل؟ قال: «من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٢) رواه أحمد ومسلم من حديث عزرة بن ثابت به. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى نفسه أي بطاعة الله كما قال قتادة: وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ أي دسسها أي أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك يعني عمرو بن هشام عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ قال النبي ﷺ : «أفلحت نفس زكاها الله » ورواه ابن أبي حاتم من حديث مالك به، وجويبر هذا هو ابن سعيد متروك الحديث، والضحاك

стр. 3848

لم يلق ابن عباس، وقال الطبراني، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ وقف ثم قال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها». [حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾» قال «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» لم يخرجوه من هذا الوجه، وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن صالح بن سعيد عن عائشة أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول «رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» تفرد به. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع. وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن (٣)، رواه مسلم من حديث أبي معاوية عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث وأبي عثمان النهدي عن زيد بن أرقم به. [سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ إلى ١٥] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾ يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، وقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْواها﴾ أي بأجمعها، والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، فأعقبهم ذلك تكذيبا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم ﵊ من الهدى واليقين ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ أي أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] الآية. وكان هذا الرجل عزيزا

стр. 3849

فيهم شريفا في قومه نسيبا رئيسا مطاعا، كما قال الإمام أحمد (١): حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» (٢) ورواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير (٣) وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن خثيم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «ألا أحدثك بأشقى الناس؟» قال: بلى. قال: «رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا-يعني قرنه-حتى تبتل منه هذه» يعني لحيته. وقوله تعالى: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ يعني صالحا ﵇ ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْياها﴾ أي لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ أي كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي غضب عليهم فدمر عليهم ﴿فَسَوّاها﴾ أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم وذكرهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَخافُ﴾ وقرئ فلا يخاف ﴿عُقْباها﴾ قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم، وقال الضحاك والسدي: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع، والقول الأول أولى لدلالة لسياق عليه والله أعلم. آخر تفسير سورة والشمس وضحاها، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الليل وهي مكية تقدم قوله ﵊ لمعاذ: «فهلا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:

стр. 3850

١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾» [الليل: ١]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ١١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤) فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١)﴾ قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم، عن علقمة أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم ارزقني جليسا صالحا قال فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ قال علقمة: «والذكر والأنثى» فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان محمد ﷺ ، وقد رواه البخاري (٢) هاهنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة فقال: كيف سمعته يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ -قال- «والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن أقرأ ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ والله لا أتابعهم، هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرؤوا ذلك كما هو المثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ فأقسم تعالى ب ﴿اللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ أي إذا غشى الخليقة بظلامه ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ أي بضيائه وإشراقه. ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ [النبأ: ٨] وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضا متضادا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ أي أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا ومتخالفة فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ أي أعطى ما أمر بإخراجه واتقى الله في أموره ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بالمجازاة على ذلك قاله قتادة، وقال خصيف بالثواب. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي

стр. 3851

بالخلف. وقال أبو عبد الرّحمن السلمي والضحاك ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بلا إله إلا الله وفي رواية عن عكرمة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي بما أنعم الله عليه، وفي رواية عن زيد بن أسلم ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم وقال مرة وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: «الحسنى: الجنة». وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قال ابن عباس: يعني للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بما عنده ﴿وَاسْتَغْنى﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه . رواه ابن أبي حاتم ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ أي بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أي لطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. [رواية أبي بكر الصديق ﵁] قال الإمام أحمد (١): حدثنا علي بن عياش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال «بل على أمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له». [رواية علي ﵁] قال البخاري (٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قال: ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى قوله ﴿لِلْعُسْرى﴾. وكذا رواه من طريق شعبة ووكيع عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرّحمن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله ومعه

стр. 3852

مخصرة (١) فنكس، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد-أو ما من نفس منفوسة (٢) -إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيسيرون إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ (٣) وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به. [رواية عبد الله بن عمر] قال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: «فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء (٥)، ورواه الترمذي في القدر عن بندار عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح. [حديث آخر من رواية جابر] قال ابن جرير (٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: «لأمر قد فرغ منه» فقال سراقة: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله ﷺ : كل عامل ميسر لعمله» ورواه مسلم (٧) عن أبي الطاهر عن ابن وهب به. [حديث آخر] قال ابن جرير (٨): حدثني يونس، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر

стр. 3853

لعمله الذي خلق له» قالا: فالآن نجد ونعمل. [رواية أبي الدرداء] قال الإمام أحمد (١): حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال: قالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال «بل أمر قد فرغ منه» فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: «كل امرئ مهيأ لما خلق له» تفرد به أحمد من هذا الوجه. [حديث آخر] قال ابن جرير (٢): حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد عن قتادة، حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا» وأنزل الله في ذلك القرآن ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله. [حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل إصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ﷺ : «اذهب» ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة فقال له: «أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة» فقال له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلا كثيرا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: «نعم». ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال لا إلا أن أعطى بها شيئا ولا أظنني أعطاه، قال: وما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين

стр. 3854

نخلة؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهودا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له «النخلة لك ولعيالك» قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ إلى آخر السورة، هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدا. قال ابن جرير (١): وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرّحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد-أظنه قال- ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ قال مجاهد: أي إذا مات وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار. [سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ إلى ٢١] ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾ قال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي نبين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ حكاه ابن جرير، وقوله

стр. 3855

تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى﴾ قال مجاهد: أي توهج. قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار» حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم. القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه». رواه البخاري (٣). وقال مسلم (٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا». وقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ أي لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي بقلبه ﴿وَتَوَلّى﴾ أي عن العمل بجوارحه وأركانه. قال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا شقي» قيل: ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية». وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري (٧) عن محمد بن سنان عن فليح به.
следующие страницы →