← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3921–3956 · переход к 3926.

стр. 3921

عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم (١)، ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق، ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به. وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف، وقال إسرائيل: هو نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء. وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت وترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت، وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن عائشة ﵂ قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه، هذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه والله أعلم قال السهيلي ورواه الدارقطني مرفوعا من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ . ثم قال البخاري (٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، ورواه أيضا من حديث هشيم عن أبي بسر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير، وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير. وهذا التفسير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري، حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة، والقرآن وثواب الآخرة وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل، وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك.

стр. 3922

وقال ابن جرير (١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم أخبرنا عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد عن جرير عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا، وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد (٢): حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل» (٣) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعا، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن جرير (٤): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت». وقال ابن جرير (٥): حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام بن عثمان عن عبد الرّحمن الأعرج عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده، سأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت: خرج يا نبي الله آنفا عامدا نحوك فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أو لا تدخل يا رسول الله؟ فدخل فقدمت إليه حيسا فأكل منه، فقالت: يا رسول الله ﷺ هنيئا لك ومريئا، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر فقال: «أجل وعرضه-يعني أرضه-ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ». حرام بن عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة.

стр. 3923

وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها. وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وإسماعيل بن أبي خالد وغير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية، وقيل: المراد بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يروى هذا عن علي ولا يصح، وعن الشعبي مثله وعن أبي جعفر الباقر ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل ﴿وَانْحَرْ﴾ أي واستقبل بنحرك القبلة، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم القاضي سنة خمس وخمسين ومائتين، حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال رسول الله ﷺ : يا جبريل ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟» فقال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. وهكذا رواه الحاكم في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به، وعن عطاء الخراساني: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل وأبرز نحرك يعني به الاعتدال، رواه ابن أبي حاتم وكل هذه الأقوال غريبة جدا، والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: «من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم» قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» (١).

стр. 3924

قال أبو جعفر بن جرير (١): والصواب قول من قال إن معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي وعطاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق (٢) عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش، وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا الصبي المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية فقال: أنتم خير منه، قال فنزلت ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح، وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال بتر محمد الليلة فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شانِئَكَ﴾ يعني عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم، وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا بتر محمد، فأنزل الله ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد. آخر تفسير سورة الكوثر، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الكافرون وهي مكية ثبت في صحيح مسلم (٣) عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾

стр. 3925

في ركعتي الطواف، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين، قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وقال أحمد (٢) أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ أربعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وقال أحمد (٣): حدثنا أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبيري، حدثنا سفيان هو الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ شهرا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٤)، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي أحمد الزبيري، وأخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي إسحاق به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل هو ابن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال له: «هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟» قال: أراها زينب، قال ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها قال: «ما فعلت الجارية؟» قال: تركتها عند أمها. قال: «فمجيء ما جاء بك» قال: جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال: «اقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» تفرد به أحمد. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو القطراني حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك». وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد الرّحمن بن زيد أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى يختمها. وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن

стр. 3926

الحارث بن جبلة قال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله عند منامي، قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك» والله أعلم. وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد البر أخضر أو أحمر أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه قرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى يختمها. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦] ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده لا شريك له، فما هاهنا بمعنى من، ثم قال: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ [النجم: ٢٣]. فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله أي لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤٤] وقال: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. وقال البخاري (١) يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون فحذف الياء كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ و ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً﴾ [المائدة: ٦٤] انتهى ما ذكره.

стр. 3927

ونقل ابن جرير (١) عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وكقوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] وحكاه بعضهم كابن الجوزي وغيره عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال [أولها] ما ذكرناه أولا [والثاني] ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ في المستقبل [الثالث] إن ذلك تأكيد محض [وثم قول رابع] نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ نفي قبوله لذلك بالكلية لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا، وهو قول حسن أيضا، والله أعلم. وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر ملة واحدة، تورثه اليهود من النصارى وبالعكس إذ كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود، وبالعكس لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (٢). آخر تفسير سورة قل يا أيها الكافرون. تفسير سورة النصر وهي مدنية قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وقال النسائي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر عن أبي العميس ح وأخبرنا محمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس عن عبد المجيد بن سهيل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال صدقت (٣). وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي عن صدقة بن

стр. 3928

يسار عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: «إنه قد نعيت إلي نفسي» فبكت ثم ضحكت وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ثم قال: «اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي» فضحكت، وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣] ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (٣)﴾ قال البخاري (١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول، تفرد به البخاري. وروى ابن جرير عن محمد بن حميد عن مهران عن الثوري عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة أو نحوها. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ : «نعيت إلي نفسي» فإنه مقبوض في تلك السنة، تفرد به أحمد: وروى العوفي عن ابن عباس مثله وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد إنها أجل رسول الله ﷺ نعي إليه.

стр. 3929

وقال ابن جرير (١): حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسن بن عيسى الحنفي، عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال: «الله أكبر! الله أكبر! جاء نصر الله والفتح! جاء أهل اليمن-قيل يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال-قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» ثم رواه عن الأعلى عن ابن ثور عن معمر عن عكرمة مرسلا. وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك «جاء الفتح ونصر الله، وجاء أهل اليمن» فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان». وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ علم النبي ﷺ أنه قد نعيت إليه نفسه، فقيل إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها، حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: لما نزلت نعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه (٣). وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن عون عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها فقال: «الناس حيّز وأنا وأصحابي حيّز -وقال-لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه. وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة

стр. 3930

ليضربه فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرد به أحمد. وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا» (١) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي له ونستغفره. معنى مليح صحيح وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها فكيف صلاها ذلك اليوم، وقد كان مسافرا لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسع عشر يوما، يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوا من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح. قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين كما ورد في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين. وأما ما فسر به ابن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله ﷺ روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة وهي قريتك التي أخرجتك ودخل الناس في دين الله أفواجا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾. قال النسائي أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: «جاء الفتح وجاء نصر الله وجاء أهل اليمن، فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم لينة قلوبهم، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان». وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك

стр. 3931

اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (١) وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث منصور به. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قوله: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا، فقد رأيتها ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ ورواه مسلم (٣) من طريق داود بن أبي هند به. وقال ابن جرير (٤): حدثنا أبو السائب حدثنا حفص حدثنا عاصم عن الشعبي، عن أم سلمة قالت كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده قال: «إني أمرت بها-فقال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة، غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد فيكتب هاهنا. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرّحيم» ثلاثا تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن مرة عن شعبة عن أبي إسحاق به، والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري (٦) في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم

стр. 3932

بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي الحديث، وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا «السيرة» فمن أراده فليراجعه هناك ولله الحمد والمنة. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار حدثني جار لجابر بن عبد الله قال قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله فسلّم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا». آخر تفسير سورة النصر، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة المسد وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٥] ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ قال البخاري (٢): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ -قالوا: نعم، قال: -فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبّا لك فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٣) الأول دعاء عليه والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه. قال الإمام أحمد (٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرّحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليا فأسلم قال: رأيت

стр. 3933

النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب، ثم رواه عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه فذكره قال أبو الزناد قلت لربيعة كنت يومئذ صغيرا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة، تفرد به أحمد (١). وقال محمد بن إسحاق (٢): حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به» وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب، رواه أحمد (٣) أيضا والطبراني بهذا اللفظ، فقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي خسر وخاب وضل عمله وسعيه ﴿وَتَبَّ﴾ أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه. وقوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ قال ابن عباس وغيره ﴿وَما كَسَبَ﴾ يعني ولده، وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله، وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب الأليم بمالي وولدي فأنزل الله تعالى ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ أي ذات لهب وشرر وإحراق شديد ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده. فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يعني تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مستعدة له ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال مجاهد وعروة: من مسد النار، وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ كانت تمشي بالنميمة واختاره ابن جرير.

стр. 3934

وقال العوفي عن ابن عباس وعطية الجدلي والضحاك وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ . قال ابن جرير: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب فعيرت بذلك، كذا حكاه ولن يعزه إلى أحد، والصحيح الأول والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد يعني فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال: المسد الليف، وقال عروة بن الزبير: المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعن الثوري: هي قلادة من نار طولها سبعون ذراعا، وقال الجوهري: المسد الليف، والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجدت فتله. وقال مجاهد ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان حدثنا الوليد بن كثير عن أبي بدوس عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: [رجز] مذمما أبينا … ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله لقد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ : «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت: تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعد أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السّلام بن حرب، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله ﷺ جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول الله ﷺ : «إنه سيحال بيني وبينها» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر، لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: «لا، ما زال ملك يسترني حتى ولت».

стр. 3935

ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر ﵁. وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي في عنقها حبل من نار جهنم ترفع به إلى شفيرها ثم ترمى إلى أسفلها، ثم كذلك دائما، قال أبو الخطاب بن دحية في كتاب التنوير، وقد روى ذلك وعبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رشاء، وأنشد في ذلك: [رجز] وبكرة ومحورا صرارا … ومسدا من أبق مغارا قال: والأبق القنب. وقال الآخر: [رجز] يا مسد الخوص تعوّذ مني … إن تك لدنا لينا فإني (١) ما شئت من أشمط مقسئنّ قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا، لا مسرا ولا معلنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة، آخر تفسير السورة، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الإخلاص وهي مكية (ذكر سبب نزولها وفضلها) قال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو سعيد محمد بن ميسر الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد «انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وكذا رواه الترمذي (٣) وابن جرير (٤) عن أحمد بن منيع، زاد ابن جرير ومحمود بن خداش عن أبي سعيد محمد بن ميسر به زاد ابن جرير والترمذي قال ﴿الصَّمَدُ﴾

стр. 3936

الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد محمد بن ميسر به، ثم رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية، فذكره مرسلا ثم لم يذكر حدثنا، ثم قال الترمذي: وهذا أصح من حديث أبي سعيد. [حديث آخر في معناه] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا سريج بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد عن الشعبي عن جابر ﵁ أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: انسب لنا ربك، فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخرها إسناد متقارب، وقد رواه ابن جرير عن محمد بن عوف عن سريج فذكره، وقد أرسله غير واحد من السلف، وروى عبيد بن إسحاق العطار عن قيس بن الربيع عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قال الطبراني: ورواه الفريابي وغيره عن قيس عن أبي عاصم، عن أبي وائل مرسلا، ثم روى الطبراني من حديث عبد الرّحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل شيء نسبة ونسبة الله ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد ليس بأجوف». [حديث آخر في فضلها] قال البخاري (١): حدثنا محمد هو الذهلي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو عن ابن أبي هلال أن أبا الرّجال محمد بن عبد الرّحمن، حدثه عن أمه عمرة بنت عبد الرّحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فسألوه فقال لأنها صفة الرّحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله تعالى يحبه» هكذا رواه في كتاب التوحيد، ومنهم من يسقط ذكر محمد الذهلي ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح، وقد رواه مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضا من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به. [حديث آخر] قال البخاري (٤) في كتاب الصلاة، وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس رضي الله

стр. 3937

عنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة: فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر فقال: «يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة» قال إني أحبها، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة». هكذا رواه البخاري تعليقا مجزوما به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي (١) في جامعه عن البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر فذكر بإسناده مثله سواء، ثم قال الترمذي: غريب من حديث عبيد الله عن ثابت. قال: وروى مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قال: «إن حبك إياها أدخلك الجنة» وهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد (٢) في مسنده متصلا، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ : «حبك إياها أدخلك الجنة». [حديث في كونها تعدل ثلث القرآن] قال البخاري (٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» زاد إسماعيل بن جعفر عن مالك عن عبد الرّحمن بن عبد الله عن أبيه عن أبي سعيد قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان عن النبي ﷺ وقد رواه البخاري (٤) أيضا عن عبد الله بن يوسف والقعنبي، ورواه أبو داود (٥) عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به، وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين عن إسماعيل بن جعفر عن مالك به.

стр. 3938

[حديث آخر] قال البخاري (١): حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة» فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله. فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما عن أبي سعيد، قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله قال: قال أبو عبد الله البخاري عن إبراهيم مرسل وعن الضحاك مسند. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بقل هو الله أحد، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن-أو ثلثه-». [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة»؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن. قال: فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب فقال: «صدق أبو أيوب». [حديث آخر] قال أبو عيسى الترمذي (٤): حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا يزيد بن كيسان، أخبرني أبو حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» فحشد من حشد ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم دخل فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : «فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: «إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن الا وإنها تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه مسلم (٥) في صحيحه عن محمد بن بشار به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٦): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي عن زائدة بن قدامة عن

стр. 3939

منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن» هذا حديث تساعي الإسناد للإمام أحمد ورواه الترمذي (١) والنسائي (٢) كلاهما عن محمد بن بشار بندار زاد الترمذي وقتيبة كلاهما عن عبد الرّحمن بن مهدي به فصار لهما عشاريا، وفي رواية الترمذي عن امرأة أبي أيوب عن أبي أيوب به، وحسنه ثم قال وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مسعود، وهذا حديث حسن ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث أحسن من رواية زائدة، وتابعه على روايته إسرائيل والفضيل بن عياض، وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور واضطربوا فيه. [حديث آخر] قال أحمد: حدثنا هشيم عن حصين عن هلال بن يساف، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بقل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن» ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث هشيم عن حصين عن ابن أبي ليلى به. ولم يقع في روايته هلال بن يساف. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس، عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه ابن ماجة (٤) عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به. ورواه النسائي في اليوم والليلة من طرق أخر عن عمرو بن ميمون مرفوعا وموقوفا. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا بهز، حدثنا بكير بن أبي السميط حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟» قالوا: نعم يا رسول الله نحن أضعف من ذلك وأعجز، قال: «فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقل هو الله أحد ثلث القرآن» ورواه مسلم (٦) والنسائي من حديث قتادة به.

стр. 3940

[حديث آخر] قال الإمام أحمد (١): حدثنا أمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن عمه الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن هو ابن عوف، عن أمه وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: قال رسول الله ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، تعدل ثلث القرآن» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن عمرو بن علي عن أمية بن خالد به، ثم رواه من طريق مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن قوله. ورواه النسائي أيضا في اليوم والليلة من حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل الأنصاري عن الزهري، عن حميد بن عبد الرّحمن أن نفرا من أصحاب محمد ﷺ حدثوه عن النبي ﷺ أنه قال: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن لمن صلّى بها». [حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة] قال الإمام مالك بن أنس (٢) عن عبيد الله بن عبد الرّحمن عن عبيد بن حنين قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد، فقال رسول الله ﷺ : «وجبت-قلت وما وجبت قال-الجنة» ورواه الترمذي (٣) والنسائي من حديث مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك، وتقدم حديث «حبك إياها أدخلك الجنة». [حديث في تكرار قراءتها] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا قطر بن نسير، حدثنا عيسى بن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات في ليلة فإنها تعدل ثلث القرآن» هذا إسناد ضعيف وأجود منه. [حديث آخر] قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي فقال: «قل» فسكت. قال «قل» قلت: ما أقول؟ قال «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا، تكفيك كل يوم مرتين» (٤) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عقبة بن عامر فذكره ولفظه «تكفك كل شيء».

стр. 3941

[حديث آخر في ذلك] قال الإمام أحمد (١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة عن الأزهر بن عبد الله عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد، عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة» تفرد به أحمد والخليل بن مرة، ضعفه البخاري وغيره بمرة. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكثر وأطيب» تفرد به أحمد. ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، قال الدارمي: وكان من الأبدال أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ قال: من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة، ومن قرأها. عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب: إذا نكثر قصورنا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أوسع من ذلك» (٣) وهذا مرسل جيد. [حديث آخر] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا نصر بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتني أم كثير الأنصارية عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ قل هو الله أحد خمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين سنة» إسناده ضعيف. [حديث آخر] قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع: حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ قل هو الله أحد في يوم مائتي مرة كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين»، إسناد ضعيف، حاتم بن ميمون ضعفه البخاري وغيره، ورواه الترمذي (٤) عن محمد بن مرزوق البصري عن حاتم بن ميمون به. ولفظه: «من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين».

стр. 3942

قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه، ثم قرأ قل هو الله أحد مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب : يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» ثم قال غريب من حديث ثابت، وقد روي من غير هذا الوجه عنه، وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حبان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ قل هو الله أحد مائتي مرة حط الله عنه ذنوب مائتي سنة» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر والأغلب ابن تميم، وهما متقاربان في سوء الحفظ. [حديث آخر] في الدعاء بما تضمنته من الأسماء. قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرّحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. قال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق عن مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن غريب. [حديث آخر] في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور عن عمر بن شيبان عن أبي شداد عن جابر بن عبد الله: قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى دينا خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد» قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله، قال «أو إحداهن». [حديث] في قراءتها عند دخول المنزل. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان عن مروان بن سالم عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ قل هو الله أحد حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران» إسناده ضعيف. [حديث] في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون عن العلاء أبي محمد الثقفي. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور، لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «يا جبريل مالي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثله فيما مضى؟» قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي،

стр. 3943

مات بالمدينة اليوم فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: «وفيم ذلك؟» قال: كان يكثر قراءة قل هو الله أحد في الليل وفي النهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: «نعم» فصلى عليه، وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريق يزيد بن هارون عن العلاء أبي محمد وهو متهم بالوضع، والله أعلم. [طريق أخرى] قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله حدثنا عثمان بن الهيثم مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي عن محمود أبي عبد الله عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي. عليه؟ قال: «نعم» فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ : «يا جبريل بم نال هذه المنزلة من الله تعالى؟» قال: بحبه قل هو الله أحد، وقراءته إياها ذاهبا وجائيا قائما وقاعدا وعلى كل حال. ورواه البيهقي من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن عن محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس فذكره، وهذا هو الصواب ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور، وقد روي هذا من طرق أخر تركناها اختصارا وكلها ضعيفة. [حديث آخر] في فضلها مع المعوذتين. قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عقبة بن عامر قال لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذته بيده فقلت: يا رسول الله ﷺ بم نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة أخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ فابتدأني فأخذ بيدي فقال: «يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم»؟ قال: قلت بلى جعلني الله فداك. قال: فأقرأني ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ثم قال: «يا عقبة لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن» قال: فما نسيتهن منذ قال لا تنسهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن، قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: «يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك» روى الترمذي (٢) بعضه في الزهد من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، فقال: هذا حديث حسن وقد رواه أحمد من طريق آخر: حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن عياش عن أسيد بن عبد الرّحمن الخثعمي عن فروة بن مجاهد اللخمي عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ، فذكر مثله سواء تفرد به أحمد.

стр. 3944

[حديث آخر] في الاستشفاء بهن قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا المفضل عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» (١) وهكذا رواه أهل السنن من حديث عقيل به. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤] ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾ قد تقدم ذكر سبب نزولها، وقال عكرمة. لما قالت اليهود نحن نعبد عزيرا ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الّذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار، وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود مثله. وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن أيضا ﴿الصَّمَدُ﴾ الحي القيوم الذي لا زوال له وقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم وقال الربيع بن أنس هو الذي لم يلد ولم يولد كأنه جعل ما بعده تفسيرا له وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهو تفسير جيد، وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير عن أبي بن كعب في ذلك وهو صريح فيه، وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية

стр. 3945

العوفي والضحاك والسدي ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا جوف له. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿الصَّمَدُ﴾ المصمت الذي لا جوف له (١)، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة أيضا ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ، روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثنا صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلم إلا قد رفعه قال: «الصمد الذي لا جوف له» وهذا غريب جدا والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة وهي صفات ربنا ، هو الذي يصمد إليه في الحوائج وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ يعني لا صاحبة له وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي هو مالك كل شيء وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه. قال الله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ - ١٥٩] وفي صحيح البخاري «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» (٢) وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه

стр. 3946

إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: «اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» (١) ورواه أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعا بمثله تفرد بهما من هذين الوجهين. آخر تفسير سورة الإخلاص، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الفلق وهي مدنية قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه فقال: أشهد أن رسول الله أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، فقلتها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ . ورواه أبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة وعاصم بن بهدلة أنهما سمعا زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يحكي المعوذتين من المصحف، فقال: إني سألت رسول الله ﷺ فقال لي: «قيل لي قل فقلت» فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . وقال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عاصم عن زر قال: سألت ابن مسعود عن المعوذتين فقال: سألت النبي ﷺ عنهما فقال: «قيل لي فقلت لكم فقولوا» قال أبي: فقال لنا النبي ﷺ فنحن نقول. وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش، وحدثنا عاصم عن زر قال: سألت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت النبي ﷺ فقال: «قيل لي فقلت» فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ (٣). ورواه البخاري أيضا والنسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب به. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصلت بن بهرام عن إبراهيم عن علقمة قال: كان عبد الله يحكي المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما. ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، ورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرّحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحكي

стр. 3947

المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ قال: «قيل لي فقلت» (١) وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء وأن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃ أثبتوهما في المصاحف الأئمة ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك ولله الحمد والمنة. وقد روى مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ (٢) ورواه أحمد ومسلم أيضا والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عقبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر عن القاسم أبي عبد الرّحمن عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي «يا عقبة ألا تركب» قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة ثم ركب ثم قال: «يا عقبة ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس» قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما ثم مربي فقال: «كيف رأيت يا عقبة اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت» (٤) ورواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك كلاهما عن ابن جابر به، ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب عن معن بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرّحمن عن عقبة به. [طريق أخرى] قال أحمد (٥): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم عن يزيد بن محمد القرشي عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة (٦)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن علي بن رباح، وقال الترمذي: غريب.

стр. 3948

[طريق أخرى] قال أحمد (١): حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ بالمعوذتين فإنك لن تقرأ بمثلهما» تفرد به أحمد. [طريق أخرى] قال أحمد (٢): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية حدثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء فركبها، فأخذ عقبة يقودها له فقال رسول الله ﷺ : «اقرأ قل أعوذ برب الفلق» فأعادها له حتى قرأها فعرف أني لم أفرح بها جدا فقال: «لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها» ورواه النسائي (٣) عن عمرو بن عثمان عن بقية به، ورواه النسائي أيضا من حديث الثوري عن معاوية بن صالح عن عبد الرّحمن بن نفير عن أبيه عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين فذكر نحوه. [طريق أخرى] قال النسائي (٤): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان عن زياد أبي الأسد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾. [طريق أخرى] قال النسائي (٥): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث عن أبي عجلان عن سعيد المقبري عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: «يا عقبة قل» قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني ثم قال «قل» قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال «قل أعوذ برب الفلق» فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: «قل فقلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «قل أعوذ برب الناس» فقرأتها ثم أتيت على آخرها ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «ما سأل سائل بمثلها ولا استعاذ مستعيذ بمثلها». [طريق أخرى] قال النسائي (٦) أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرّحمن حدثنا معاوية عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح. [طريق أخرى] قال النسائي (٧): أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران أسلم عن عقبة بن عامر قال اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب فوضعت يدي على قدميه

стр. 3949

فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف فقال: «لن تقرأ شيئا أنفع عند الله من قل أعوذ برب الفلق». [حديث آخر] قال النسائي (١): أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي عبد الله عن ابن عائش الجهني أن النبي ﷺ قال له: «يا ابن عائش ألا أدلك-أو ألا أخبرك-بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون» قال: بلى يا رسول الله. قال: «قل أعوذ برب الفلق-وقل أعوذ برب الناس هاتان السورتان» فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث. وقد تقدم في رواية صدي بن عجلان وفروة بن مجاهد عنه «ألا أعلمك ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ -و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ -و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾». [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا جريري عن أبي العلاء قال: قال رجل كنا مع رسول الله ﷺ في سفر والناس يعتقبون وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب من بعدي منكبي فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه فقال: «إذا صليت فاقرأ بهما» الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر والله أعلم. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية به. [حديث آخر] قال النسائي (٣): أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان عن عقبة بن عامر عن عبد الله الأسلمي هو ابن أنيس أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: «قل» فلم أدر ما أقول ثم قال لي «قل» قلت: ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم قال لي: قل. قلت ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ حتى فرغت منها ثم قال لي «قل» قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ : «هكذا فتعوذ وما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط». [حديث آخر] قال النسائي (٤): أنبأنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بدل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة عن سعيد الجريري، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ يا جابر» قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال «اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾

стр. 3950

-و- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فقرأتهما فقال: «اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما» وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. وقال الإمام مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها (١)، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم وعيسى بن يونس وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عمر ثمانيتهم عن مالك به. وتقدم في آخر سورة ﴿ن﴾ من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما (٢)، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الفلق الصبح، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿الْفَلَقِ﴾ الصبح، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد ومالك عن زيد بن أسلم مثل هذا، قال القرظي وابن زيد وابن جرير (٣): وهي كقوله تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق، وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله، وقال كعب الأحبار ﴿الْفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا ﴿الْفَلَقِ﴾ جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه، خرجت منه نار تضج منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه، وكذا روي عن عمرو بن عنبسة وابن

стр. 3951

عباس والسدي وغيرهم. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (١): حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الفلق جب في جهنم مغطى» إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرّحمن الحبلي ﴿الْفَلَقِ﴾ من أسماء جهنم، وقال ابن جرير: والصواب القول الأول إنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري (٢) في صحيحه رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أي من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ قال مجاهد: غاسق الليل إذا وقب غروب الشمس، حكاه البخاري عنه، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخصيف والحسن وقتادة: إذا وقب إنه الليل إذا أقبل بظلامه. وقال الزهري ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ الشمس إذا غربت، وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل إذا ذهب، وقال أبو المهزم عن أبي هريرة ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ الكوكب، وقال ابن زيد: كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها (٣). قال ابن جرير (٤): ولهؤلاء من الآثار ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله ابن. أخي همام، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرّحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ -النجم الغاسق» (قلت) وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ، قال ابن جرير وقال آخرون: هو القمر. (قلت) وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (٥): حدثنا أبو داود الحفري عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع وقال: «تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب» (٦) ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث محمد بن عبد الرّحمن بن أبي ذئب عن خاله

стр. 3952

الحارث بن عبد الرّحمن به. وقال الترمذي حديث حسن صحيح ولفظه «تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» ولفظ النسائي «تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب» قال أصحاب القول الأول: وهو آية الليل إذا ولج هذا لا ينافي قولنا لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء إلا بالليل فهو يرجع إلى ما قلناه والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: يعني السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد. وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين، وفي الحديث الآخر أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال «نعم» فقال: باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك (٢)، ولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رؤوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم وفضحهم، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يوما من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فاستخرجها فجاءه بها فحللها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه حتى مات، ورواه النسائي (٤) عن هناد عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير. وقال البخاري في كتاب الطب من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة، فسألت هشاما عنه، فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا فقال: «يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب (٥)، قال: ومن طبه، قال

стр. 3953

لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة (١)، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت رعوفة (٢) في بئر ذروان» قالت: فأتى ﷺ البئر حتى استخرجه فقال: «هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة (٣) الحناء وكأن نخلها رؤوس الشياطين» قال: فاستخرج فقلت: أفلا تنشرت؟ (٤) فقال: «أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا» (٥). وأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبي ضمرة أنس بن عياض وأبي أسامة ويحيى القطان وفيه قالت حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وعنده فأمر بالبئر فدفنت، وذكر أنه رواه عن هشام أيضا ابن أبي الزناد والليث بن سعد، وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير، ورواه أحمد عن عفان عن وهيب عن هشام به. ورواه الإمام أحمد (٦) أيضا عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لبث النبي ﷺ ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث. وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره، قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ ، فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي ﷺ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها. وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له ابن أعصم، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال له ذروان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر؟ قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان. والجف قشر الطلع، والرعوفة حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح (٧)،

стр. 3954

فانتبه رسول الله ﷺ مذعورا، وقال: «يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي» ثم بعث رسول الله ﷺ عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله تعالى السورتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين، الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله ﷺ أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : «أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا» هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم. تفسير سورة الناس وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ (٦)﴾ هذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية والملك والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله. وقد ثبت في الصحيح أنه «ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» (١)، وثبت في الصحيح عن أنس في قصة زيارة صفية للنبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال رسول الله ﷺ : «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا-أو قال شرا» (٢)، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر حدثنا عدي بن أبي عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان واضع

стр. 3955

خطمه (١) على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس» غريب. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله ﷺ قال عثر بالنبي ﷺ حماره فقلت تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : «لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب وغلب، تفرد به أحمد إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم إذا كان في المسجد جاءه الشيطان فأبس به كما يبسّ (٤) الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه أو ألجمه» قال أبو هريرة ﵁: وأنتم ترون ذلك أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله ، تفرد به أحمد. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس (٥)، وكذا قال مجاهد وقتادة وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: ذكر لي أن الشيطان أو الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْواسِ﴾ قال: هو الشيطان يأمر فإذا أطيع خنس (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ هل يختص هذا ببني آدم كما هو الظاهر أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبا، وقال ابن جرير (٧): وقد استعمل فيهم رجال من الجن فلا بدع في إطلاق الناس عليهم. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ هل هو تفصيل لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وهذا يقوي القول الثاني وقيل لقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ تفسير للذي

стр. 3956

يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢]. وكما قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع حدثنا المسعودي حدثنا أبو عمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: «يا أبا ذر هل صليت؟» قلت: لا قال: «قم فصل» قال: فقمت فصليت ثم جلست فقال: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» قال: فقلت يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «نعم» قال: فقلت يا رسول الله الصلاة؟ قال: «خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر» قلت يا رسول الله فالصوم قال: «فرض مجزئ وعند الله مزيد» قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: «أضعاف مضاعفة» قلت: يا رسول الله فأيها أفضل، قال: «جهد من مقل أو سر إلى فقير» قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم». قلت: يا رسول الله ونبيا كان؟ قال: نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا» وقال مرة: «خمسة عشر» قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم، قال «آية الكرسي ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ورواه النسائي (٢) من حديث أبي عمر الدمشقي به وقد أخرج هذا الحديث مطولا جدا أبو حاتم بن حبان في صحيحه بطريق آخر ولفظ آخر مطول جدا. فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمداني عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحدث نفسي بالشيء لأن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به قال: فقال النبي ﷺ : «الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٤) ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن ذر به. آخر التفسير ولله الحمد والمنة والحمد لله رب العالمين.