﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
يخبر تعالى عن مآل الفجار من أهل كفرة الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي شر الخليقة التي برأها الله وذرأها ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله:
﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا بلى يا رسول الله. قال: «رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به».
آخر تفسير سورة لم يكن، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الزلزلة
وهي مكية
قال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس عن
стр. 3887
عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «أقرئني يا رسول الله»، قال له: «اقرأ ثلاثا من ذوات الراء» فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: «فاقرأ من ذوات حم» فقال مثل مقالته الأولى، فقال «اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل-ثم قال-علي به-فجاءه فقال له-أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة» فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: «لا ولكنك تأخذ من شعرك وتقلم أظافرك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذاك تمام أضحيتك عند الله » (١) وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرّحمن المقرئي به.
وقال الترمذي (٢): حدثنا محمد بن موسى الحرشي البصري حدثنا الحسن بن سلم بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سلم، وقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي عن الحسن بن سلم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن» هذا لفظه.
وقال الترمذي (٣) أيضا: حدثنا علي بن حجر. حدثنا يزيد بن هارون حدثنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة.
وقال أيضا حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري حدثني ابن أبي فديك أخبرني سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان» قال:
لا والله يا رسول الله ولا عندي ما أتزوج؟ -قال: «أليس معك قل هو الله أحد-قال بلى-قال -ثلث القرآن-قال أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟ -قال بلى. قال ربع القرآن-قال- أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ -قال بلى قال-ربع القرآن-قال-أليس معك إذا زلزلت الأرض-قال بلى، قال-ربع القرآن، تزوج تزوج» ثم قال هذا حديث حسن، تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب.
стр. 3888
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٨]
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾
قال ابن عباس: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي تحركت من أسفلها ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف، وهذه كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤].
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (١).
وقوله : ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ أي استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا إبراهيم حدثنا ابن المبارك وقال الترمذي وأبو عبد الرّحمن النسائي واللفظ له حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» (٣) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد سمع ربيعة الجرشي أن رسول الله ﷺ قال: «تحفظوا
стр. 3889
من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة».
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ قال البخاري (١): أوحى لها وأوحى إليها ووحى لها ووحى إليها واحد، وكذا قال ابن عباس: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: قال لها ربها قولي فقالت، وقال مجاهد: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ أي يرجعون عن موقف الحساب ﴿أَشْتاتاً﴾ أي أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جريج:
يتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي: ﴿أَشْتاتاً﴾ فرقا. وقوله تعالى:
﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ أي ليعلموا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
قال البخاري (٢): حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر» فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ورواه مسلم (٣) من حديث زيد بن أسلم به.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن محمد بن يونس المؤدب عن أبيه، عن جرير بن حازم عن الحسن البصري قال: حدثنا صعصعة عم الفرزدق فذكره.
стр. 3890
وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا «اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» (١) وله أيضا في الصحيح «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢) وفي الصحيح أيضا «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣) يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر «ردوا السائل ولو بظلف محرق» (٤).
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة (٦).
وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، أن عائشة أخبرته أن النبي ﷺ كان يقول:
«يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (٨) ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به.
وقال ابن جرير (٩): حدثني أبو الخطاب الحساني، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا سماك بن عطية، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إنّي أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر فقال: «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الخطاب به، ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب قال: في كتاب أبي قلابة عن أبي إدريس، إن أبا
стр. 3891
بكر كان يأكل مع النبي ﷺ فذكره، ورواه أيضا عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن قلابة أن أبا بكر وذكره.
[طريق أخرى] قال ابن جرير (١): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لما نزلت ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ : «ما يبكيك يا أبا بكر» قال: يبكيني هذه السورة: فقال له رسول الله ﷺ : «لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم».
[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرّحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان المصري قالا حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: لما أنزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قلت: يا رسول الله إني لراء عملي؟ قال «نعم» قلت: تلك الكبار الكبار. قال «نعم» قلت: الصغار الصغار قال «نعم» قلت: وأثكل أمي! قال: «أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشرة أمثالها-يعني إلى سبعمائة ضعف-ويضاعف الله لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفوالله ولن ينجو أحد منكم بعمله» قلت:
ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وذلك لما نزلت هذه الآية ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وزن أصغر النمل ﴿خَيْراً يَرَهُ﴾ يعني في كتابه ويسره ذلك، قال:
يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا بكل واحد عشر ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فإذا زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة.
стр. 3892
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا سليمان بن داود حدثنا عمران عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها.
آخر تفسير سورة الزلزلة ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة العاديات
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ١١]
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ يعني الإغارة وقت الصباح كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحا ويستمع الأذان فإن سمع أذانا وإلا أغار. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ يعني غبارا في مكان معترك الخيول ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ أي توسطن ذلك المكان كلهن جمع. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبد الله ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ قال:
الإبل، وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل، فبلغ عليا قول ابن عباس فقال:
ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان في سرية بعثت.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير (٢): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حدثه قال: بينا أنا في الحجر جالسا جاءني رجل فسألني عن ﴿الْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم فانفتل عني فذهب إلى علي ﵁ وهو عند سقاية زمزم فسأله عن ﴿الْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ فقال: سألت عنها أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت
стр. 3893
ابن عباس فقال الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على رأسه قال: أتفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ﵁، وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران، وقال العوفي وغيره عن ابن عباس: هي الخيل.
وقد قال بقول علي إنها الإبل جماعة منهم إبراهيم وعبيد بن عمير، وقال بقول ابن عباس آخرون منهم مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير، وقال ابن عباس وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب. وقال ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ يعني بحوافرها، وقيل أسعرن الحرب بين ركبانهن، قاله قتادة وعن ابن عباس ومجاهد ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ يعني مكر الرجال وقيل هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل المراد بذلك نيران القبائل، وقال: من فسرها بالخيل هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير: والصواب الأول أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحا في سبيل الله، وقال من فسرها بالإبل هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ هو المكان الذي إذا حلت فيه، أثارت به الغبار إما في حج أو غزو وقوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ قال العوفي عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعهن ويكون جمعا منصوبا على الحال المؤكدة، وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا غريبا جدا، فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا فأشهرت شهرا لا يأتيه منها خبر، فنزلت ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ ضبحت بأرجلها ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ صبحت القوم بغارة ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ أثارت بحوافرها التراب ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ قال: صبحت القوم جميعا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا هو المقسم عليه بمعنى إنه بنعم ربه لكفور جحود قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو الجوزاء وأبو العالية وأبو الضحى وسعيد بن جبير ومحمد بن قيس، والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الكنود الكفور، قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه.
стр. 3894
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ -قال-الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده» رواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير، وهو متروك فهذا إسناد ضعيف، وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث جرير بن عثمان عن حمزة بن هانئ عن أبي أمامة موقوفا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ قال قتادة وسفيان الثوري:
وإن الله على ذلك لشهيد ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي فيكون تقديره وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد أي بلسان حاله أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي وإنه لحب الخير وهو المال لشديد، وفيه مذهبان [أحدهما] أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال [والثاني] وإنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح. ثم قال ﵎ مزهدا في الدنيا ومرغبا في الآخرة ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ أي أخرج ما فيها من الأموات ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة.
آخر تفسير سورة العاديات، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة القارعة
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]
﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾
القارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك. ثم قال تعالى معظما أمرها ومهولا لشأنها: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
стр. 3895
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ يعني قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدي: العهن الصوف ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت حسناته على سيئاته ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ يعني في الجنة ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته.
وقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قيل معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم وعبر عنه بأمه يعني دماغه، روي نحو هذا عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح وقتادة، وقال قتادة: يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح يهوون في النار على رؤوسهم، وقيل معناه ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها ويصير في المعاد إليها ﴿هاوِيَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار، قال ابن جرير (١): وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها، وقال ابن زيد: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها وقرأ ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ قال ابن أبي حاتم وروي عن قتادة أنه قال: هي النار وهي مأواهم، ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾.
قال ابن جرير (٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا، قال ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية، وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا بأبسط من هذا، وقد أوردناه في كتاب صفة النار-أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه-وقوله تعالى: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي حارة شديدة الحر قوية اللهب والسعير.
قال أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزاء» ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم عن قتيبة عن المغيرة بن عبد الرّحمن عن أبي الزناد به، وفي بعض ألفاظه:
«أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (٣).
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرّحمن، حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن محمد بن زياد
стр. 3896
سمعت أبا هريرة يقول سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: «لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا» تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم، وروى الإمام أحمد (١) أيضا: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وعمرو عن يحيى بن جعدة: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق (٢) ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا».
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» تفرد به أيضا من هذا الوجه وهو على شرط مسلم أيضا.
وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا» وقد رواه أبو مصعب عن مالك ولم يرفعه.
وروى الترمذي وابن ماجة عن عباس الدوري عن يحيى بن بكير حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أو قد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» (٤) وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب.
وجاء في الحديث عند الإمام أحمد (٥) من طريق أبي عثمان النهدي عن أنس وأبي نضرة العبدي عن ابن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه».
وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء
стр. 3897
من بردها وأشد ما تجدون في الصيف من حرها» (١) وفي الصحيحين: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٢).
آخر تفسير سورة القارعة، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة التكاثر
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٨]
﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾
يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا زكريا بن يحيى الوقاد المصري حدثني خالد بن عبد الدائم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ -عن الطاعة- ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ -حتى يأتيكم الموت» وقال الحسن البصري ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد.
وفي صحيح البخاري في الرقاق منه وقال أخبرنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يعني «لو كان لابن آدم واد من ذهب» (٣).
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟» (٥) ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.
стр. 3898
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» تفرد به مسلم (١).
وقال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» (٢) وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل» (٤) أخرجاه في الصحيحين وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس واسمه الضحاك أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لك (٥)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة قال صالح بن حبان حدثني عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قال: نزلت في قبلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان، وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل وقال قتادة: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ أي صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأعراب يعوده فقال: «لا بأس طهور إن شاء الله» فقال:
стр. 3899
قلت طهور بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «فنعم إذن» (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال:
ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ ورواه الترمذي (٢) عن أبي كريب عن حكام بن سالم به، وقال غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن أبي داود العرضي، حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية: ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾، فقال بعث اليوم ورب الكعبة أي إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أيها الكفار ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أيها المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر، ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعدهم بهذا الحال، وهي رؤية أهل النار إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال:
«ما أخرجك هذه الساعة؟» فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله ﷺ . قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: «ما أخرجك يا ابن الخطاب؟» قال أخرجني الذي أخرجكما، قال:
стр. 3900
فقعد عمر وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما ثم قال: «هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا؟» قلنا: نعم.
قال: «مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات، وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السّلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم فقالت:
يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن تزيدني من سلامك، فقال لها رسول الله ﷺ : «خيرا» ثم قال: «أين أبو الهيثم لا أراه؟» قالت: يا رسول الله هو قريب ذهب يستعذب الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرّت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقا فقال له رسول الله ﷺ :
«حسبك يا أبا الهيثم» فقال: يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ : «هذا من النعيم الذي تسألون عنه»، هذا غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير (١): حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: «ما أجلسكما هاهنا؟» قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره» فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة فقال لها النبي ﷺ : «أين فلان؟» فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي ﷺ : «ألا كنت اجتنيت؟» فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة فقال له النبي ﷺ : «إياك والحلوب» فذبح لهم يومئذ فأكلوا، فقال له النبي ﷺ «لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم» (٢) ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به، ورواه أبو يعلى وابن ماجة من حديث المحاربي عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به، وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ بنحو من هذا السياق وهذه القصة.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا سريج، حدثنا حشرج عن أبي نصيرة عن أبي عسيب، يعني مولى رسول الله ﷺ قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي
стр. 3901
بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: «أطعمنا بسرا» فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب وقال: «لتسألن عن هذا يوم القيامة» قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: «نعم إلا من ثلاثة: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر» تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ : «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ورواه النسائي (٢) من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر به.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أحمد حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر فعن أي نعيم نسأل؟ قال: «أما إن ذلك سيكون».
وقال أحمد (٤): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حبيب، عن أبيه عن عمه قال كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلى رأسه أثر ماء، فقلنا يا رسول الله نراك طيب النفس، قال: «أجل» ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس بالغنى لمن اتقى الله والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى وطيب النفس من النعيم» ورواه ابن ماجة (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن سليمان به.
وقال الترمذي (٦): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرّحمن بن عزرم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ :
«إن أول ما يسأل عنه-يعني يوم القيامة-العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد؟» تفرد به الترمذي ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم عن
стр. 3902
عبد الله بن العلاء بن زبير به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال: «إن ذلك سيكون» (١) وقد رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان هو ابن عيينة به ورواه أحمد عنه وقال الترمذي حسن وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال لما نزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى أظنه عن عامر عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله:
﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال «الأمن والصحة» وقال زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة.
وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم الغداء والعشاء. وقال أبو قلابة. من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾.
وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٢) ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، حدثنا أبو حمزة عن ليث عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فوق الإزار
стр. 3903
وظل الحائط والخبز، يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه» ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه، قال إسحاق بن عبد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله -قال عفان يوم القيامة-يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك؟» تفرد به من هذا الوجه. آخر تفسير سورة التكاثر، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة العصر
وهي مكية
ذكروا أن عمرو بن العاص وقد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسليمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال:
وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر وسترك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.
وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف (بمساوئ الأخلاق) في الجزء الثاني منه شيئا من هذا أو قريبا منه. والوبر دويبة تشبه الهر أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن. فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبيد الله بن حصن قال:
كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر، وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾
стр. 3904
العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وقال مالك عن زيد بن أسلم:
هو العشي، والمشهور الأول فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ﴾ وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.
آخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الهمزة
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾
الهماز بالقول واللماز بالفعل يعني يزدري الناس وينتقص بهم، وقد تقدم بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] قال ابن عباس: همزة لمزة، طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهمزة يهمزة قي وجهه واللمزة من خلفه وقال قتادة: الهمزة واللمزة لسانه وعينه ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم (١). وقال مجاهد: الهمزة باليدين والعين واللمزة باللسان وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك عن زيد بن أسلم: همزة لحوم الناس، ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق وقيل غيره وقال مجاهد هي عامة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ أي جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده كقوله تعالى:
﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج: ١٨] قاله السدي وابن جرير، وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ ألهاه ماله بالنهار هذا إلى هذا فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة.
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار ﴿كَلاّ﴾ أي ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم صفة من أسماء النار لأنها تحطم من فيها ولهذا قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قال ثابت البناني:
стр. 3905
تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء ثم يقول لقد بلغ منهم العذاب ثم يبكي، وقال محمد بن كعب:
تأكل كل شيء من جسده حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قال: مطبقة. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن أسيد عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح قوله ولم يرفعه.
وقوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قال عطية العوفي: عمد من حديد، وقال السدي من نار، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة، وقال العوفي عن ابن عباس: أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب: وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني القيود الثقال.
آخر تفسير سورة ويل لكل همزة لمزة، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الفيل
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٥]
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قوما نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب: قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس، وكان آخر ملوك حمير وكان مشركا وهو الذي قتل أصحاب
стр. 3906
الأخدود، وكانوا نصارى وكانوا قريبا من عشرين ألفا فلم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام، وكان نصرانيا، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار واستلبوا الملك من حمير وهلك ذو نواس غريقا في البحر.
واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا ولكن ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك، فأجابه إلى ذلك فتبارزا وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحا فداوى جرحه فبرأ واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن.
فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه وبعث مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه من تراب اليمن.
وجز ناصيته، فأرسلها معه ويقول في كتابه ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله.
وأرسل أبرهة يقول للنجاشي إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء عالية الفناء مزخرفة الأرجاء سمتها العرب القليس لارتفاعها لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها ليلا، فأحدث فيها وكرّ راجعا، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا.
وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا وكان يوما فيه هواء شديد، فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فتأهب أبرهة لذلك وسار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال كان معه أيضا ثمانية أفيال، وقيل اثنا عشر فيلا غيره فالله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد.
стр. 3907
فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريده من هدمه وخرابه، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله من كرامة البيت وتعظيمه وأسر ذو نفر، فاستصحبه معه ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه شهران وناهس فقاتلوه، فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب فأراد قتله ثم عفا عنه واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز.
فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه أبا رغال دليلا، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به. وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له الأسود بن مقصود فهجاه بعض العرب فيما ذكره ابن إسحاق، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة فاذهب معي إليه، فذهب معه.
فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه.
قال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك، ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يمنع … رحله فامنع حلالك (١)
стр. 3908
لا يغلبنّ صليبهم … ومحالهم أبدا محالك
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال، وذكر مقاتل بن سلمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق فينتقم الله منهم، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وكان اسمه محمودا، وعبأ جيشه فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بإذنه وقال:
ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل إذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.
وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس ولا يصيب منهم أحدا إلا هلك. وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول: [رجز] أين المفرّ والإله الطالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب (١)
قال ابن إسحاق وقال نفيل في ذلك أيضا: [الوافر] ألا حيّيت عنا يا ردينا … نعمناكم مع الإصباح عينا
ودينة لو رأيت ولا تريه … لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري … ولم تأس على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا
فكل القوم تسأل عن نفيل … كأن علي للحبشان دينا
وذكر الواقدي بإسناده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وطال الفصل في ذلك، هذا
стр. 3909
وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم ومسعود بن عمرو الثقفي على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرا أبابيل أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار وجاءت فحلقت عليهم وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.
وقال محمد بن كعب جاءوا بفيلين فأما محمود فربض وأما الآخر فشجع فحصب.
وقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة فأما محمود وهو فيل الملك فربض ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع فحصب فهربت بقية الفيلة. وقال عطاء بن يسار وغيره. ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة بل منهم من هلك سريعا ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم وقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
وذكر مقاتل بن سليمان أن قريشا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام، وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ … ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
قال ابن هشام (١): الأبابيل الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج الحجر والجل الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين. قال:
والعصف ورق الزرع الذي لم يقضب واحدته عصفة، انتهى ما ذكره.
стр. 3910
وقد قال حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرّحمن ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ قال الفرق، وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضا. وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل شتى متتابعة مجتمعة وقال ابن زيد الأبابيل المختلفة تأتي من هاهنا ومن هاهنا أتتهم من كل مكان، وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل إبيل.
وقال ابن جرير (١): حدثني عبد الأعلى، حدثني داود عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ﴾ هي الأقاطيع كالإبل المؤبلة، وحدثنا أبو كريب: حدثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين عن ابن عباس ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ﴾ قال: لهم خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلب. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾.
قال: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع وحدثنا ابن بشار: حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ قال: هي طيور سود بحرية في مناقيرها وأظافرها الحجارة (٢)، وهذه أسانيد صحيحة.
وقال سعيد بن جبير: كانت طيرا خضرا لها مناقير صفر تختلف عليهم، وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب (٣). ورواه عنهم ابن أبي حاتم: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزعة حجرين في رجليه وحجرا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا، وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس: حجارة من سجيل، قال طين في حجارة سنك وكل وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة، وعنه أيضا: العصف التبن والمأكول القصيل يجز للدواب، وكذلك قال الحسن البصري، وعن ابن عباس: العصف القشرة التي على الحبة
стр. 3911
كالغلاف على الحنطة.
وقال ابن زيد: العصف ورق الزرع وورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار درينا والمعنى أن الله أهلكهم ودمرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيرا، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح كما جرى لملكهم أبرهة فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات فملك بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه فرد لله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك وجاءته وفود العرب للتهنئة، وقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرّحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان ورواه الواقدي عن عائشة مثله، ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس عند إساف ونائلة حيث يذبح المشركون ذبائحهم.
(قلت): كان اسم قائد الفيل أنيسا. وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له شمر بن مقصود، وكان الجيش عشرين ألفا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى، وهذا السياق غريب جدا وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره، والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار، وهكذا روي عن ابن لهيعة عن الأسود عن عروة أن أبرهة بعث الأسود بن مقصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق (١) شيئا من أشعار العرب فيما كان من قصة أصحاب الفيل فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعرى: [الطويل] تنكلوا عن بطن مكة إنها … كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت … إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى … فلسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم … والله من فوق العباد يقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري: [المتقارب] ومن صنعه يوم فيل الحبوش … إذ كل ما بعثوه رزم (٢)
стр. 3912
محاجنهم تحت أقرابه … وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يمموه قفاه كلم
فولى وأدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثم
فأرسل من فوقهم حاصبا … يلفهم مثل لف القزم
يحض على الصبر أحبارهم … وقد ثأجوا كثؤاج الغنم
وقال أبو الصلت بن ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:
[الخفيف] إن آيات ربنا باقيات … ما يماري فيهن إلا الكفور (١)
خلق الليل والنهار فكل … مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب رحيم … بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمّس حتى … صار يحبو كأنه معقور
لازما حلقه الجران كما قطر … من ظهر كبكب محذور
حوله من ملوك كندة أبطال … ملاويث في الحروب صقور
خلفوه ثم ابذعروا جميعا … كلهم عظم ساقه مكسور
كل دين يوم القيامة عند … الله إلا دين الحنيفة بور
وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته فزجروها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء أي حرنت، فقال رسول الله ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل-ثم قال- والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها» ثم زجرها فقامت (٢). والحديث من أفراد البخاري وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة:
«إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فليبلغ الشاهد الغائب» (٣).
آخر تفسير سورة الفيل، ولله الحمد والمنة.
стр. 3913
تفسير سورة قريش
وهي مكية
[ذكر حديث غريب في فضلها] قال البيهقي في كتاب الخلافيات: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عبد الله المديني، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله أبي عتيق عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة عن أبيه عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «فضل الله قريشا بسبع خلال: إني منهم وإن النبوة فيهم والحجابة والسقاية فيهم، وإن الله نصرهم على الفيل، وإنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وإن الله أنزل فيهم سورة من القرآن-ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾».
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾
هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام كتبوا بينهما سطر بسم الله الرّحمن الرّحيم، وإن كانت متعلقة بما قبلها كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، لأن المعنى عندهما حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ﴾ بدل من الأول ومفسر له ولهذا قال تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
قال ابن جرير (١): الصواب أن اللام لام التعجب كأنه يقول اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
стр. 3914
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] وقوله تعالى:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣].
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العدني حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل لكم قريش لإيلاف قريش» ثم قال: حدثنا أبي حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني حدثنا عيسى يعني ابن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف» هكذا رأيته عن أسامة بن زيد وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن أم سلمة الأنصارية ﵂ فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية والله أعلم.
آخر تفسير سورة لإيلاف قريش ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الماعون
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾
يقول تعالى: أرأيت يا محمد الذي يكذب بالدين وهو المعاد والجزاء والثواب ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه ولا يطعمه ولا يحسن إليه ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨] يعني الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته، ثم قال
стр. 3915
تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني المنافقين الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر ولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق وأبو الضحى.
وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي.
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (١) فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص إلى آخر وقتها، وهو وقت الكراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا، ولهذا قال لا يذكر الله فيها إلا قليلا، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يصل بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] وقال تعالى هاهنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾.
وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس عن الحسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:
«إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة أعد ذلك للمرائين من أمة محمد لحامل كتاب الله وللمصدق في غير ذات الله وللحاج إلى بيت الله وللخارج في سبيل الله».
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة قال كنا جلوسا عند أبي عبيدة، فذكروا الرياء فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : من سمّع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره» ورواه أيضا عن غندر ويحيى القطان عن شعبة عن عمرو بن مرة عن رجل عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ
стр. 3916
فذكره، ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ أن من عمل عملا لله فأطلع عليه الناس فأعجبه ذلك أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أصلي فدخل علي رجل فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «كتب لك أجران: أجر السر وأجر العلانية».
قال أبو علي هارون بن معروف بلغني أن ابن المبارك قال نعم الحديث للمرائين، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة، وقد رواه غيره عنه، قال أبو يعلى أيضا: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل:
يا رسول الله الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه قال قال رسول الله ﷺ : «له أجران أجر السر وأجر العلانية» (١). وقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى وابن ماجة عن بندار كلاهما عن أبي داود الطيالسي عن أبي سنان الشيباني، واسمه ضرار ابن مرة، ثم قال الترمذي غريب وقد رواه الأعمش وغيره عن حبيب عن أبي صالح مرسلا.
وقد قال أبو جعفر بن جرير (٢): حدثني أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي، حدثني رجل عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال: «الله أكبر هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا هو الذي إن صلّى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه» فيه جابر الجعفي وهو ضعيف وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٣) أيضا: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية ويحتمل صلاتها بعد وقتها شرعا أو تأخيرها عن أول الوقت، وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فروخ عن عكرمة بن إبراهيم به، ثم رواه عن أبي الربيع عن جابر عن عاصم عن مصعب عن أبيه موقوفا:
سهوا عنها حتى ضاع الوقت، وهذا أصح إسنادا وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم.
стр. 3917
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ أي لا أحسنوا عبادة ربهم ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى، وقد قال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال علي: الماعون الزكاة، وكذا رواه السدي عن أبي صالح عن علي، وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر، وبه يقول محمد بن الحنيفة وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وعطاء وعطية العوفي، والزهري والحسن وقتادة والضحاك وابن زيد، وقال الحسن البصري: إن صلّى راءى وإن فاتته لم يأس عليها ويمنع زكاة ماله وفي لفظ صدقة ماله.
وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وضمنت الزكاة فمنعوها. وقال الأعمش وشعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر. وقال المسعودي عن سلمة بن كهيل عن أبي العبيدين أنه سئل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك.
وقال ابن جرير (١): حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي العبيدين وسعد بن عياض عن عبد الله قال: كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر لا يستغنى عنهن، وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ مثله وقال الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد عن عبد الله أنه سئل عن الماعون فقال:
ما يتعاوره الناس بينهم الفأس والدلو وشبهه.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: كنا مع نبينا ﷺ ونحن نقول منع الماعون منع الدلو وأشباه ذلك (٣).
وقد رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة بإسناده نحوه ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: الماعون العواري القدر والميزان والدلو. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن
стр. 3918
جبير وأبو مالك وغير واحد إنها العارية للأمتعة.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: لم يجيء أهلها بعد: وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: اختلف الناس في ذلك فمنهم من قال يمنعون الزكاة، ومنهم من قال يمنعون الطاعة، ومنهم من قال يمنعون العارية، رواه ابن جرير ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية عن ليث بن أبي سليم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإبرة، رواه ابن أبي حاتم وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث «كل معروف صدقة».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ قال بلسان قريش: المال وروي هاهنا حديثا غريبا عجيبا في إسناده ومتنه فقال: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا، حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النميري. حدثني قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا! قال: «لا تمنعوا الماعون» قالوا:
يا رسول الله وما الماعون؟ قال: «في الحجر وفي الحديدة وفي الماء» قالوا: فأي الحديدة؟ قال: «قدروكم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به» قالوا: وما الحجر؟ قال: «قدروكم الحجارة» غريب جدا ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف والله أعلم.
وقد ذكر ابن الأثير في الصحابة ترجمة علي النميري فقال: روى ابن قانع بسنده إلى عامر بن ربيعة بن قيس النميري عن علي بن فلان النميري، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«المسلم أخو المسلم إذا لقيه حيّاه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه لا يمنع الماعون» قلت:
يا رسول الله ما الماعون؟ قال «الحجر والحديد وأشباه ذلك» والله أعلم.
آخر تفسير سورة الماعون ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الكوثر
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾
стр. 3919
قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال:
أغفى رسول الله إغفاءة، فرفع رأسه متبسما إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها فقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق عن محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك.
وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشخب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر وأن آنيته عدد نجوم السماء، وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق علي بن مسهر ومحمد بن فضيل، كلاهما عن المختار بن فلفل عن أنس، ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، قلنا: ما أضحك يا رسول الله. قال: «لقد أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال «أتدرون ما هو الكوثر؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال: -فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي، فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك» (٢).
وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها.
فأما قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة، وقد رواه الإمام أحمد (٣) من طريق أخرى عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي في تربته فإذا مسك أذفر وإذا حصباؤه اللؤلؤ».
وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال
стр. 3920
رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله » (١) ورواه البخاري في صحيحه ومسلم من حديث شيبان بن عبد الرّحمن عن قتادة عن أنس بن مالك قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» (٢) وهو لفظ البخاري ﵀.
وقال ابن جرير (٣): حدثنا الربيع، أخبرنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله ﷺ مضى به جبريل إلى السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك قال:
«يا جبريل ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك» وقد تقدم حديث الإسراء في سورة سبحان من طريق شريك عن أنس عن النبي ﷺ وهو مخرج في الصحيحين. وقال سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقال الملك-الذي معه-أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك» وكذا رواه سليمان بن طرخان ومعمر وهمام وغيرهم عن قتادة به.
قال ابن جرير (٤): حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا أبو أيوب العباس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن عبد الوهاب ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكوثر فقال: «هو نهر أعطانيه الله تعالى في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر» وقال أبو بكر: يا رسول الله إنها لناعمة قال «آكلها أنعم منها».
وقال أحمد (٥): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن عبد الوهاب عن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكوثر؟ قال: «هو نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر» قال عمر: يا رسول الله إنها لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها يا عمر» رواه ابن جرير من حديث الزهري عن أخيه عبد الله عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكوثر فذكر مثله سواء.
وقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي
стр. 3921
عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم (١)، ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق، ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف، وقال إسرائيل: هو نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء. وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت وترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت، وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن عائشة ﵂ قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه، هذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه والله أعلم قال السهيلي ورواه الدارقطني مرفوعا من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ .
ثم قال البخاري (٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، ورواه أيضا من حديث هشيم عن أبي بسر وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير، وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير.
وهذا التفسير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري، حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة، والقرآن وثواب الآخرة وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل، وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك.
стр. 3922
وقال ابن جرير (١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم أخبرنا عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد عن جرير عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا، وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد (٢): حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل» (٣) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعا، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن جرير (٤): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت».
وقال ابن جرير (٥): حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام بن عثمان عن عبد الرّحمن الأعرج عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده، سأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت: خرج يا نبي الله آنفا عامدا نحوك فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أو لا تدخل يا رسول الله؟ فدخل فقدمت إليه حيسا فأكل منه، فقالت: يا رسول الله ﷺ هنيئا لك ومريئا، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر فقال:
«أجل وعرضه-يعني أرضه-ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ».
حرام بن عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة.
стр. 3923
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن: يعني بذلك نحر البدن ونحوها.
وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وإسماعيل بن أبي خالد وغير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية، وقيل: المراد بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يروى هذا عن علي ولا يصح، وعن الشعبي مثله وعن أبي جعفر الباقر ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل ﴿وَانْحَرْ﴾ أي واستقبل بنحرك القبلة، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم القاضي سنة خمس وخمسين ومائتين، حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال رسول الله ﷺ : يا جبريل ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟» فقال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.
وهكذا رواه الحاكم في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به، وعن عطاء الخراساني:
﴿وَانْحَرْ﴾ أي ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل وأبرز نحرك يعني به الاعتدال، رواه ابن أبي حاتم وكل هذه الأقوال غريبة جدا، والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: «من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقام أبو بردة بن نيار فقال:
يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال:
«شاتك شاة لحم» قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال:
«تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» (١).
стр. 3924
قال أبو جعفر بن جرير (١): والصواب قول من قال إن معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي وعطاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة:
نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق (٢) عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط.
وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش، وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا الصبي المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية فقال: أنتم خير منه، قال فنزلت ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح، وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال بتر محمد الليلة فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شانِئَكَ﴾ يعني عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم، وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا بتر محمد، فأنزل الله ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد. آخر تفسير سورة الكوثر، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الكافرون
وهي مكية
ثبت في صحيح مسلم (٣) عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾
стр. 3925
في ركعتي الطواف، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين، قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
وقال أحمد (٢) أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ أربعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وقال أحمد (٣): حدثنا أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبيري، حدثنا سفيان هو الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ شهرا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٤)، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي أحمد الزبيري، وأخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي إسحاق به، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن، وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل هو ابن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال له: «هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟» قال: أراها زينب، قال ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها قال: «ما فعلت الجارية؟» قال: تركتها عند أمها. قال: «فمجيء ما جاء بك» قال: جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال: «اقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» تفرد به أحمد.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو القطراني حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك». وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد الرّحمن بن زيد أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ حتى يختمها.
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن