← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والذوق المباح: ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان. وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم، فالشم الواجب: كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام، كالشم الذي يعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة؟ وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه؟ أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به، وما لا يملك؟ ومن هذا شم المقوّم وربّ الخبرة عند الحكم بالتقويم، والعبيد ونحو ذلك. وأما الشم الحرام: فالتعمد لشم الطيب في الإحرام، وشم الطيب المغصوب والمسروق، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات للافتتان بما وراءه. وأما الشم المستحب: فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس، ويبسط النفس للعلم والعمل. ومن هذا: هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك. ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «من عرض عليه ريحان فلا يرده. فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» . «١» والمكروه: كشم الظّلمة، وأصحاب الشبهات، ونحو ذلك. والمباح: ما لا منع فيه من الله ولا تبعة، ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له بالشرع. وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس. فاللمس الواجب: كلمس الزوجة حين يجب جماعها، والأمة الواجب إعفافها. والحرام: لمس ما لا يحل من الأجنبيات. والمستحب: إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله.

стр. 107

والمكروه: لمس الزوجة في الإحرام للذة، وكذلك في الاعتكاف. وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه. ومن هذا لمس بدن الميت- لغير غاسله- لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما له، ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميص في أحد القولين، ولمس فخذ الرجل، إذا قلنا: هو عورة. والمباح: ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية. وهذه المراتب أيضا مرتّبة على البطش باليد والمشي بالرجل. وأمثلها لا تخفى. فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهل عياله: واجب. وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح: وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء النسك. والمشهور عدم وجوبه. ومن البطش الواجب: إعانة المضطر ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم الله، ونهب المال المغصوب، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك، وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنّرد، أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة كالشطرنج، أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره، أو دونه عند بعضهم. ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا، إلا مقرونا بردها ونقضها، وكتابة الزور والظلم، والحكم الجائر، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم، ولا سيما إن كسبت عليه مالا: ٢: ٩ ٧٩ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وكذلك كتابة

стр. 108

المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا، فالإثم موضوع عنه. وأما المكروه: فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة في كتابته، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة. والمستحب: كتابة كل ما فيه منفعة في الدين، أو مصلحة لمسلم، والإحسان بيده بأن يعين صانعا، أو يصنع لأخرق، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي، أو يحمل له على دابته، أو يمسكها حتى يحمل عليها، أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه ونحو ذلك، ومنه: لمس الركن بيده في الطواف، وفي تقبيلها بعد اللمس قولان. والمباح: ما لا مضرة فيه ولا ثواب. وأما المشي الواجب: فالمشي إلى الجمعات والجماعات، في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا، مذكورة في غير هذا الموضع. والمشي حول البيت للطواف الواجب، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه، والمشي إلى صلة رحمه، وبر والديه، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر. والحرام: المشي إلى معصية الله، وهو من رجل الشيطان. قال تعالى: ١٧: ٦٤ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قال مقاتل «١» :

стр. 109

استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس. وكذلك تعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا: فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد والحج الواجب. ومستحبه: في الركوب المستحب من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وفي الوقوف بعرفة نزاع: هل الركوب فيه أفضل، أم على الأرض؟ والتحقيق: أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة: من تعليم للمناسك، واقتداء به، وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة. وحرامه: الركوب في معصية الله . ومكروهه: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركه خير من فعله. ومباحه: الركوب لما لم يتضمن فوت أجر، ولا تحصيل وزر. فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والإستواء على ظهر الدابة.

стр. 110

سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة البقرة (٢) : آية ٧] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) «الختم» قال الأزهري: أصله التغطية، وختم البذر في الأرض، إذا غطاه. قال أبو إسحاق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه، فلا يدخله شيء، كما قال تعالى: ٤٧: ٢٤ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها كذلك قوله: ٢: ٩٤ و ١٦: ١٠٨ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم بصير سجيّة وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق. وأما المرض: [سورة البقرة (٢) : آية ١٠] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وقال ٣٣: ٣٢ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقال: ٧٤: ٣١ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا. ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله. فإن صحته أن يكون

стр. 111

عارفا بالحق محبا له، مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه. فمرض المنافقين: مرض شك وريب، ومرض العصاة غي وشهوة. وقد سمى الله سبحانه كلّا منهما مرضا. قال ابن الأنباري: أصل المرض في اللغة: الفساد، مرض فلان: فسد جسمه، وتغيرت حاله. ومرضت بالمرض: تغيرت وفسدت، قالت ليلى الأخيلية: إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها وقال آخر: ألم تر أنّ الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين، والبلاد اقشعرت والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد، وضعف، ونقصان، وظلمة. ومنه مرض الرجل في الأمر، إذا ضعف فيه. ولم يبالغ، وعين مريضة النظر: أي فاترة ضعيفة. وريح مريضة: إذا هبّ هبوبها، كما قال: راحت لأربعك الرياح مريضة أي لينة ضعيفة، حتى لا يعفى أثرها. وقال ابن الإعرابي: أصل المرض النقصان. ومنه: بدن مريض، أي ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص الدين، ومرض في حاجتي: إذا نقصت حركته. وقال الأزهري، عن المنذري عن بعض أصحابه: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها. قال: والمرض الظلمة، وأنشد: وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء لها شمس ولا قمر هذا أصله في اللغة.

стр. 112

ثم الشك، والجهل، والحيرة، والضلال، وإرادة الغي، وشهوة الفجور في القلب: تعود إلى هذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض، فيعاقبه الله بزيادة المرض، لإيثاره أسبابه وتعاطيه لها. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧ الى ١٨] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) شبه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارا لتضيء لهم، وينتفعوا بها فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم وما يضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين. فهم كقوم سفّر ضلوا عن الطريق، فأقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت عنهم تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث. فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب، مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه ويعقله بقلبه. وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها. وقيل: لما لم ينتفعوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزّلوا منزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل. والقولان متلازمان. وقال في صفتهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ لأنهم قد رأوا في ضوء النار، وأبصروا الهدى، فلما أطفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. وقال : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل: ذهب نورهم. وفيه سر بديع، وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، و ٢: ١٥٣ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ و ١٦: ١٢٨ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.

стр. 113

فذهاب الله بذلك النور هو انقطاع المعية التي خصّ بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله: ٩: ٤٠ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ولا من ٢٦: ٦٣ كَلَّا، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. وتأمل قوله تعالى: أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ كيف جعل ضوءها خارجا عنه منفصلا؟ ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة، لا ملابسة ومخالطة. وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية. فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها. فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به، حجة من الله تعالى قائمة. وحكمة بالغة، تعرّف بها إلى أولي الألباب من عباده. وتأمل قوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل بنارهم. ليطابق أول الآية. فإن النار فيها إشراق وإحراق. فذهب بما فيها من الإشراق- وهو النور- وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النارية وتأمل كيف قال: «بنورهم» ولم يقل بضوئهم، مع قوله: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ لأن الضوء هو زيادة في النور. فلو قال: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط، دون الأصل. فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته. وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات، الذين لا نور لهم. وأيضا فإن الله تعالى سمّى كتابه نورا، ورسوله نورا، ودينه نورا، ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ كيف طابق بين هذه

стр. 114

التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها، بدلا عن النور الذي هو الهدى والنور، فبذلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيا لها من تجارة ما أخسرها! وصفقة ما أشد غبنها!. وتأمل كيف قال الله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فوحده، ثم قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ فجمعها. فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، ولا بالأهواء والبدع، وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ ، من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل. فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد الله سبحانه الحق ويجمع الباطل، كقوله تعالى: ٢: ٢٥٧ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ وقال تعالى: ٦: ١٥٣ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ فجمع سبيل الباطل، ووحد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله تعالى: ٥: ١٦ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد، وصراطه المستقيم. فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. وقد صح النبي ﷺ أنه: «خط خطا مستقيما، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: ٥: ٦٤ كُلَّما أَوْقَدُوا

стр. 115

ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويكون قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ مطابقا لقوله تعالى «أَطْفَأَهَا اللَّهُ» ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه: هو تركهم في الظلمات والحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا، بل هم صم بكم عمي. وهذا التقدير- وإن كان حقا- ففي كونه مرادا بالآية نظر. فإن السياق إنما قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا، ويأباه قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وموقد نار الحرب لا نور له. ويأباه قوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر. قال الحسن: هو المنافق، أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر. ولهذا قال: فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حق الكفار: ٢: ١٧١ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فسلب العقل عن الكفار، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين، لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان. فصل [سورة البقرة (٢) : آية ١٩] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) فشبه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ من النور والحياة بنصيب مستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها. فذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرا تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف طريقا، وبنصيب أصحاب الصيّب، وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علو إلى سفل. فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب. لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وشبه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد

стр. 116

وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد، والشجر والدواب، فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب. فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق، ولوازم ذلك: من برد شديد وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام، وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق، إلا من صفت بصيرته. فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق، والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته. لم يقدم عليه، لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون، وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء حال الضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه. والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبلغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علما وعملا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود. وقال الزمخشري: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبيه الكفر بالظلمة وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع من البلايا

стр. 117

والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوي صيب. والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا. قال: والصحيح الذي عليه علماء أهل البيان لا يتخطونه: أن المثلين جميعا من جهة التمثيلات المتركبة، دون المفرقة، لا يتكلف لواحد واحد شيء بقدر شبهه فيه. وهذا القول الفحل، والمذهب الجزل، بيانه: أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض، لم يأخذ بحجزة ذاك. فتشبهها بنظائره، كما جاء في القرآن حيث شبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها. كقوله تعالى: ٦٢: ٥ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً الغرض: تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة. وتساوي الحالين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال ولا يشعر من ذلك إلا بما يزيده من الكد والتعب، وكقوله تعالى: ١٨: ٤٥ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة هذا النبات. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالافراد غير منوبة بعضها ببعض، وتصييرها شيئا واحدا فلا كذلك، لما وصف من وقوع المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، فشبه حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل. وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة، مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. قال: فإن قلت أي المثلين أبلغ؟. قلت: الثاني. لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر، وفظاعته. وكذلك أفرادهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ.

стр. 118

فصل وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة. منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه. فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق، لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم. كان ما معه من النور كالمستعار. ومنها: أن ضياء النار يحتاج دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة الحيوان. فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح، يقوم بها ويدوم بدوامها. فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها. ومنها: أن الظلمة نوعان، ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور. وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه. فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار، الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط. ومنها: أن في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا. ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، وبقوا في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور. فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر. فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه. فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عند ما يقسم النور. ومن هاهنا يعلم السر في قوله تعالى: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ولم يقل أذهب الله نورهم.

стр. 119

فإن أردت زيادة بيان وإيضاح، فتأمل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقد سئل عن الورود؟ فقال: «نجيء نحن القيامة على تل فوق الناس: قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا ﵎ بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى ويضحك قال: فينطلق بهم، فيتبعونه، ويعطي كل إنسان منهم- منافق أو مؤمن- نورا ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله تعالى. ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون. فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون. ثم الذين يلونهم. كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك. ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء . وذكر باقي الحديث» . فتأمل قوله: «فينطلق فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نور: المنافق والمؤمن» ثم تأمل قوله تعالى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وتأمل حالهم إذ أطفئت أنوارهم، فبقوا في الظلمة، وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم . وتأمل قوله ﷺ في حديث الشفاعة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده» والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل. وتأمل قوله تعالى: ٦٨: ٤٢ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه» وهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية.

стр. 120

وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه تعالى بعد هذا. وذلك يفتح لك بابا من أسرار التوحيد، وفهم القرآن، ومعاملة الله سبحانه تعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده، ولم يشركوا به شيئا، هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها، فانطلق بها واتبعته إلى النار. وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه. فسبحان الله رب العالمين. قرت عيون أهل التوحيد في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم. ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة، التي هي الضلال والحيرة التي سدها الهدى. والمثل الثاني: متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن. فلا أمن ولا هدى: ٦: ٨٢ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ. قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء ورأى ما حوله، فاتقى ما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمته خائفا متحيرا. كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم، وناكحوا المؤمنين ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم. فذلك نورهم. فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. قال مجاهد: إضاءة النور لهم: إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى المشركين والضلالة. وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور: بأنها في الدنيا، وفسرت بأنها في البرزخ وفسرت بيوم القيامة. والصواب: أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة، فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم، جزاء وفاقا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فإن المعاد يعود إلى العبد فيه ما كان حاصلا منه في الدنيا. ولهذا يسمى يوم الجزاء ١٧: ٧٢ وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ١٩: ٧٦ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ومن كان

стр. 121

مستوحشا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد. ومن قرت عينه به في هذه الحياة الدنيا قرت عينه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. ويعود عليه عمله بعينه، فينعم ظاهرا وباطنا، فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة، وقرة العين والنعيم، وقوة القلب واستبشار وحياته وانشراحه- ما هو من أفضل النعيم، وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس، وفرح القلب وسروره وانشراحه، واستبشاره؟. هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه، وتلذ عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه، وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا وكان مزيده متبوعها والابتهاج بها، والالتذاذ هناك على حسب مزيده من الأعمال ومتبوعه فيها في هذه الدار. وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا وجزاء ولذة ونعيما يخصه، لا يشبه أثر الآخر وجزاءه. لهذا تنوعت لذات أهل الجنة، وآلام أهل النار، وتنوع ما فيها من الطيبات والعقوبات. فليست لذة كل من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من إنما سهمه ونصيبه في نوع واحد منها ولا ألم من ضرب في كل مساخط الله بنصيب كألم من ضرب بسهم واحد في مساخطه. وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يستمتع به العبد من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما يقابله من الأعمال في الدنيا، فقد رأى قنوا من حشف معلقا في المسجد للصدقة. فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم

стр. 122

القيامة» فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله، فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها. وهذا الباب يفتح لك أبوابا عظيمة من فهم المعاد، وتفاوت الناس في أحواله، وما يجري فيه من الأمور. قوله تعالى ذكره: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. قال: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ولم يقل: بنارهم فإن النار فيها الإحراق والإشراق. فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإشراق، وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا مؤصدة تطلع على الأفئدة. فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد. فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار: ٦: ٣٩ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ وقال تعالى: ٢: ١٧١ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ. شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار، وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء ورأوا النور

стр. 123

عيانا. ولهذا قال تعالى في حقهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إليه. لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا له، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي. فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا. وإلى الإيمان وحقائقه مناديا، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا، وإلى طريق الرشاد هاديا. لقد اسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية. ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها. وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها. وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل، فلم تصغ بعد إلى الملام. ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأسر الهوى والشهوة. وما لجرح بميت إيلام. وأما الصم والوقر ففي قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وقوله: ٤٧: ٢٣ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وقوله: ٧: ١٧٩ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ وقوله تعالى: ٤١: ٤٤ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ. قال ابن عباس: في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى. أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون. أولئك ينادون من مكان بعيد، مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء. وقال مجاهد: بعيد من قلوبهم. وقال الفراء: تقول للرجل الذي لا

стр. 124

يفهم كذلك: أنت تنادى من مكان بعيد، قال: وجاء في التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. انتهى. والمعنى: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم. وأما البكم فقال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ والبكم جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق. والبكم نوعان. بكم القلب وبكم اللسان، كما أن النطق نطقان: نطق القلب ونطق اللسان. وأشدهما: بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن. فوصفهم الله سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم. والعلم يدخل من ثلاثة أبواب: من سمعه، وبصره، وقلبه. وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم. ونظيره قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها وقد جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: ٤٦: ٢٦ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً. فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ، إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره. وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق. ٢: ١٩ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. الصيب: المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات

стр. 125

والحيوان. فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل لهم به من الحياة التي لا خطر لها. فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلاث، التي حذر الله بها من خالف أمره. وأخبر أنه منزلها على من كذب رسول الله ﷺ ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء والصبر على الأمر، أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي على خلاف أهوائها، فهي كالظلمات والرعد والبرق. ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق. بل يستأنس بذلك ويفرح به، لما يرجو من ورائه من الحياة والخصب. وأما المنافق فإنه قد عمي قلبه، ولم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر، ووعدا عظيما وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه. فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعظم نوره. فهو خائف أن يختطف بصره. لأن بصره أضعف من أن يثبت معه. فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف. فإن أضاء له ما بين يديه مشي في ضوئه. وإن فقد الضوء قام متحيرا، لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات، وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك. فالوحشة لازمة له. والرعب والفزع لا يفارقانه، وأما من أنس بالصيب، وعلم ما يحصل به من الخير والحياة والنفع، وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، فإنه يستأنس بذلك، ولا يستوحش منه، ولا يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب. فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل ﷺ من عند رب العالمين ﵎ على قلب رسول الله ﷺ ، ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء،

стр. 126

حكمة بالغة، وأسبابا منتظمة، نظمها العليم الحكيم. فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط. لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب مما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون العارفون. فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش في نحر الظهيرة، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد. وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سماع الرعد. فإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر قيلها وقالها. فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثّرين لسوادهم. ولعموم البلية بهم وضرر القلوب بكلامهم- هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أستارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل يقول: ومنهم، ومنهم، ومنهم «١» . حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) فتأمل جلالة المبشّر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها

стр. 127

من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه. و «الأزواج» جمع زوج. والمرأة زوج للرجل، وهو زوجها. هذا هو الأفصح، وهو لغة قريش. وبها نزل القرآن كقوله: ٢: ٣٥ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ومن العرب من يقول: زوجة، وهو نادر، لا يكادون يقولونه. وأما «المطهرة» فإن جرى صفة على الواحد، فيجري صفة على جمع التكثير إجراء له مجرى جماعة، كقوله تعالى: ٦١: ١٢٥ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً وقولهم: قوى ظاهرة، ونظائره. و «المطهرة» من طهرت من الحيض والبول والنفائس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من القذرة وقال: «من الحيض والغائط والنخامة والبصاق» وقال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس «مطهرة: لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنجسن» وقال ابن عباس أيضا «مطهرة من القذر والأذى، لا يبلن، ولا يتغوطن، ولا يمذين، ولا يمنين، ولا يحضن، ولا يبصقن، ولا يتنخمن، ولا يلدن» وقال قتادة: «مطهرة من الإثم والأذى، طهرهن الله سبحانه من كل بول وغائط وقذر ومأثم» وقال عبد الرحمن بن زيد: «المطهرة: التي لا يحيض، وأزواج الدنيا لسن بمطهرات، ألا تراهن يدمين، ويتركن الصلاة والصيام؟ قال: وكذلك خلقت حواء، حتى عصت، فلما عصت قال الله لها: إني خَلَقْتُكَ، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.

стр. 128

[سورة البقرة (٢) : آية ٣٠] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد. فأبى واستكبر وكان من الكافرين. فصل وأما الأزواج فجمع زوج. وقد يقال الزوجة. والأول أفصح. وبها جاء القرآن. قال تعالى لآدم: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وقال تعالى في حق زكريا: ٢١: ٩٠ وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ. ومن الثاني: قول ابن عباس في عائشة ﵂: «إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة» . وقال الفرزدق: وإن الذي يبغي ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشّرى يستبينها وقد جمع على زوجات. وهذا إنما هو جمع زوجة، وإلا فجمع زوج أزواج قال تعالى: ٣٦: ٥٦ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ وقال تعالى: ٤٣: ٧ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردا وجمعا. كما تقدم وقال تعالى: ٣٣: ٦ النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وقال تعالى: ٣٣: ٢٨ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ والإخبار عن أهل الشرك لفظ «المرأة» قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ- إلى قوله- وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها وقال تعالى في فرعون: ٦٦: ١٠ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ فلما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا لها. وقال تعالى: ٦٦: ١١ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ فلما

стр. 129

كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم «المرأة» وقال في حق آدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وقال للنبي ﷺ ٣٣: ٥٠ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وقال في حق المؤمنين: ٢: ٢٥ وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ. قالت طائفة، منهم السهيلي وغيره: إنما لم يقل في حق هؤلاء «الأزواج» . لأنهن لسن بأزواج لرجالهن في الآخرة. ولأن التزويج حلية شرعية، وهو من أمر الدين، فجرد الكافرة منه، كما جرد منه امرأة نوح وامرأة لوط. ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: ١٩: ٥ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ٥١: ٢٩ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ. وأجاب: بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع، لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة. فذكر المرأة أولى به. لأن الصفة- التي هي الأنوثة- هي المقتضية للحمل والوضع، لا من حيث كانت زوجا. قلت: ولو قيل: إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ «الأزواج» أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه: لكان أولى. فإن «الزوجين» هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان، والمتساويان. ومنه قوله تعالى: ٣٧: ٢٢ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ قال عمر بن الخطاب ﵁: «أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم» وقاله الإمام أحمد أيضا، ومنه قوله تعالى: ٨١: ٧ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب. قال عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الآية «الصالح مع الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار» وقاله الحسن وقتادة والأكثرون وقيل: زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين. وهو راجع إلى القول الأول. وقال تعالى: ٦: ١٤٣ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ثم

стр. 130

فسرها بقوله: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد. ومنه قولهم «زوجا خف، وزوجا حمام» ونحوه. ولا ريب ان الله سبحانه قطع المشابهة والمشاكلة بين الكفار والمؤمنين قال تعالى: ٥٩: ٢٠ لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وقال تعالى: في حق مؤمن أهل الكتاب وكافرهم ٣: ١١٣ لَيْسُوا سَواءً، مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ- الآية وقطع سبحانه المقارنة بينهما في أحكام الدنيا، فلا يتوارثان ولا يتناكحان، ولا يتولى أحدهما صاحبه. فكما انقطعت الصلة بينهما في المعنى انقطعت في الإسم. فأضاف فيهما «المرأة» بلفظ الأنوثة المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة. فتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه. ولهذا وقع على المسلمة امرأة الكافر، وعلى الكافرة امرأة المؤمن: لفظ «المرأة» دون لفظ «الزوجة» تحقيقا لهذا المعنى، والله أعلم. وهذا أولى من قول من قال: إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته، ولم يقل لها «زوجته» لأن أنكحة الكفار لا يثيب لها حكم الصحة، بخلاف أنكحة أهل الإسلام. فإن هذا باطل بإطلاق اسم «المرأة» على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك النكاح. وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ «الزوجة» دون «المرأة» كما في قوله تعالى: ٤: ١٢ وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب. فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين. [سورة البقرة (٢) : آية ٣٦] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)

стр. 131

قد ظن الزمخشري أن قوله: اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً خطاب لآدم وحواء خاصة، وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما. قال: والدليل عليه قوله تعالى: ٧٠: ١٢٣ قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال: ويدل على ذلك قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، ومعنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا. وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية. فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما، كما قال تعالى: ٣٥: ٦ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان، وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو. وأما آدم وزوجه فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها له ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة «١» . فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الشيطان والإنسان. وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس، وهم ثلاثة، فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور، مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه؟ مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه. فلم يصنع الزمخشري شيئا. وأما قوله تعالى في سورة طه: ٢٠: ١٢٣ قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عدوا، فالضمير في قوله اهْبِطا مِنْها إما أن يرجع إلى آدم وزوجته، وإما أن يرجع إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له.

стр. 132

وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإهباط، وهما آدم وإبليس، فالأمر ظاهر. وأما الأول- وهو رجوعه إلى آدم وزوجه- فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه، وبين إبليس. ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني، دون الأول. ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا. كما قال تعالى: ٢٠: ١١٧ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ وقال لذريته: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع، دون التثنية وأما الإهباط: فتارة يذكر بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية. وتارة بلفظ الإفراد، كقوله في سورة الأعراف: قالَ اهْبِطُوا وكذلك في سورة ص، وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع، فهو لآدم وزوجه وإبليس، إذ مدار القصة عليهم. وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس، إذ هما أبوا الثقلين، وأصلا الذرية. فذكر حالهما ومآل أمرهما، ليكون عظة وعبرة لأولادهما. وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله: اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً لآدم وإبليس: أن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم، دون زوجه. فقال: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى. قالَ: اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم وإبليس الذي زين له المعصية. ودخلت الزوجة تبعا. فإن المقصود إخبار الله تعالى الثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر، فذكر أبويهما

стр. 133

أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنسان فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة. فعلم أن حكم الزوجة كذلك، وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم. وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريدها إلى ذكر أبي الإنس وأمهم، فتأمله. وبالجملة. فقوله: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ظاهر في الجمع، فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله: اهْبِطا من غير موجب. [سورة البقرة (٢) : آية ٨٨] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) قد اختلف في معنى قولهم «قُلُوبُنا غُلْفٌ» . فقالت طائفة: المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم. فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به؟ أو لا تحتاج إليك؟ وعلى هذا فيكون «غلف» جمع غلاف. والصحيح: قول أكثر المفسرين: إن المعنى قلوبنا لا تفقهه، ولا تفهم ما تقول. وعلى هذا فهو جمع أغلف، كأحمر وحمر. قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أغلف، كما يقال: سيف أغلف، وقوس أغلف، ورجل أغلف، غير مختون. وقال ابن عباس وقتادة: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول. هذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن. كقولهم: ٤١: ٥ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ وقوله تعالى: ١٨: ١٠٢ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ونظائر ذلك. وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة. وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول

стр. 134

القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم. والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا. فإن قيل: فالإضراب: «بل» على هذا القول الذي قويتموه، ما معناه؟. أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها. قيل: وجه الإضراب في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وفي الآية الأخرى: ٤: ١٥٤ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة. والمعنى: لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. [سورة البقرة (٢) : آية ٩٤] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) هذه الآية فيها للناس كلام معروف. قالوا: إنها معجزة للنبي ﷺ ، أعجز بها اليهود، ودعاهم إلى تمني الموت، وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا. وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ ، إذ لا

стр. 135

يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بإخبار عالم الغيب، ولن ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا. وقالت طائفة: لما ادعت اليهود أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس. وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته. كذبهم الله في دعواهم. وقال: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت، لتصلوا إلى الجنة دار النعيم. فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه. ثم أخبر سبحانه أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه. فقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وقالت طائفة، منهم محمد بن إسحاق «١» وغيره: هذه من جنس آية المباهلة. وأنهم لما عاندوا، ودفعوا الهدى عيانا، وكتموا الحق دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه. وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري، والتمني: سؤال ودعاء، فتمنوا الموت: أي سلوه، وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري. وعلى هذا: فليس المراد تمنوه لأنفسكم خاصة، كما قاله أصحاب القولين الأولين بل ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجة، وبرهان الصدق، وأسلم من أن يعارضوا بقولهم: فتمنوه

стр. 136

أنتم أيضا إن كنتم محقين في دعواكم: أنكم أهل الجنة، لتقدموا على ثواب الله وكرامته، وكانوا أحرص شيء على معارضته. فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله. وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لفقره وبلائه. وشدة حاله، ويدعو به، وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة فإن هذا لا يكون أبدا، ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي ﷺ البتة. وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه، وكفرهم به حسدا وبغيا، فلا يتمنونه أبدا، لعلمهم أنهم هم الكاذبون. وهذا القول الذي نختاره. والله أعلم بما أراد من كتابه. [سورة البقرة (٢) : آية ١٣٧] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) والجواب من أوجه: الأول: أن المراد به التبكيت، والمعنى: حصلوا دينا آخر مثله، وهو لا يمكن. الثاني: أن كلمة «مثل» صلة. الثالث: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ولا تحريف. فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا. الرابع: أن المراد إن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين. روى ابن جرير أن ابن عباس قال: قولوا آمنا بالله فإن آمنوا بالذي آمنتم به. قال عبد الجبار: ولا يجوز ترك القراءة المتواترة. [سورة البقرة (٢) : آية ١٦٥] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)

стр. 137

أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ندّ في المحبة، لا في الخلق والربوبية. فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند. بخلاف ند المحبة. فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم. ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وفي تقدير الآية قولان: أحدهما: والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله. والثاني: والذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين الأنداد لله. فإن محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها. والمحبة الخالصة أشد من المحبة المشركة. والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ فإن فيها قولان. أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله. فيكون قد أثبت لهم محبة لله، ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادا. والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم، كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول، ويقول: إنما ذموا بأن شرّكوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله، كمحبة المؤمنين له. وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم، وهم في النار: أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم، وهي محضرة معهم في العذاب: ٢٦: ٩٧، ٩٨ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ

стр. 138

الْعالَمِينَ ومعلوم أنهم لم يسوهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم. هذا حال قلب المؤمن: توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه، لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة. ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته، ونسيانه سببا لزوال محبته أو ضعفه. وكان الله سبحانه هو المستحق من عباده نهاية الحب مع نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله لعبده: هو أن يشرك به في الحب والتعظيم، فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه قال تعالى: ٢: ١٦٥ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى، وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء. وقال أهل النار في النار: ٢٦: ٩٧، ٩٨ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ومن المعلوم: أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأليه والعبادة، وإلا فلم يقل أحد قط: إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله، وفي خلق السموات والأرض، وفي خلق عابده أيضا. وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة. وأيضا من هؤلاء وأسوأ حالا من سوّى كل شيء بالله سبحانه في الوجود، وجعله وجود كل موجود، كامل أو ناقص، فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوّى بينه وبين الأصنام في الحب، مع اعتقاد تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذات والأوصاف والأفعال، فكيف بمن سوّى الله بالموجودات في جميع ذلك، بل كيف بمن جعل ربه كل هذه الموجودات؟ وزعم أن من عبد حجرا أو شجرا، أو حيوانا فما عبد غير الله في كل معبود. [سورة البقرة (٢) : آية ١٧١] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)

стр. 139

تضمن هذا المثل: ناعقا، أي مصوتا بالغنم وغيرها، ومنعوقا به. وهو الدواب. فقيل: الناعق العابد، وهو الداعي للصنم، والصنم: هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه. هذا قول طائفة. منهم عبد الرحمن بن زيد «١» وغيره. واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول، وقالوا قوله: إِلَّا دُعاءً وَنِداءً لا يساعد عليه. لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء. وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة. أحدها: أن «إلّا» زائدة. والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء. قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر: حراجيج ما تنفك إلا مناخة أي ما تنفك مناخة. وهذا جواب فاسد. فإن «إلا» لا تزاد في الكلام المثبت. الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو. الجواب الثالث: أن المعنى: أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذلك المشرك ليس من دعائه وعبادته وليه الميت إلا العناء. وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي أكثر من الصوت. فإن الراعي هو داعي الكفار، والكفار هم البهائم المنعوق بها.

стр. 140

قال سيبويه: المعنى: ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به. وعلى قوله: فيكون المعنى: مثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها. ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق. فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار- في عدم فقههم وانتفاعهم- بالغنم التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد، الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة البهائم التي ينعق بها ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. [سورة البقرة (٢) : آية ١٧٩] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) في ضمن هذا الخطاب: ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه البنية الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل، فلأيّة حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته العقول؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ. وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كفّ عن القتل وارتدع، وآثر حب حياته ونفسه. فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله. ومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم

стр. 141

قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيّه وقبيلته. وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله. ففي ذلك حياة عشيرته وحيّه وأقاربه. ولم تكن الحياة في القصاص من حيث إنه قتل، بل من حيث كونه قصاصا، يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين. وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة الفصاحة، والمعنى العظيم. فصدر الآية بقوله: «ولكم» المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم، عائدة إليكم، فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم، فمنفعته ومصلحته لكم، إلا لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه. ثم عقبه بقوله «في القصاص» إيذانا بأن الحية الحاصلة إنما هي في العدل، وهو أن يفعل به كما فعل بالمقتول. و «القصاص» في اللغة: المماثلة، وحقيقته راجعة إلى الإتباع، ومنه قوله تعالى: ٢٨: ١١ وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ أي اتبعي أثره. ومنه قوله: ١٨: ٦٤ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي يقصان الأثر ويتبعانه. ومنه: قص الحديث واقتصاصه، لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر، فسمى جزاء الجاني قصاصا. لأنه يتبع أثره، فيفعل به كما فعل، وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل بالجاني كما فعل، فيقتل بمثل ما قتل به، لتحقيق معنى القصاص. [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) روى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال: هو الولد. وقاله الحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والضحاك.

стр. 142

وأرفع ما فيه: ما رواه محمد بن حر عن أبيه حدثني عمي عن أبيه حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: «هو الولد» وقال ابن زيد: هو الجماع. وقال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. وعن ابن عباس رواية أخرى: قال: ليلة القدر. والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. ومما كتب الله لهم: ليلة القدر، فأمروا أن يبتغوها. لكن يبقى أن يقال: فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم؟ فيقال: فيه إرشاد إلى أن يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر. فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطركم من نسائكم ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم بها. والله أعلم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٦] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) في هذه الآية عدة حكم وأسرار، ومصالح للعبد. فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه. لم يأمن أن

стр. 143

توافيه المضرة من جانب المسرّة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب. فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد- أوجب ذلك للعبد أمورا-. منها: أنه لا أنفع له من امتثال أمر ربه، وإن شق عليه في الابتداء. لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات. ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه، فهو خير لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب المنهي، وإن هويته نفسه، ومالت إليه. وأن عواقبه كلها آلام وأحزان، وشرور ومصائب. وخاصة العاقل تحمّل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة، والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيّس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مباديها. فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة. فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل. فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه عنه ما فيه من السم. ويرى الأوامر كدواء مرّ المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه مرارة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول، ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم، تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق، لما يؤمل عند الغاية من حسن العاقبة. فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك. وإذا قوى يقينه هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة-. ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجو من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم. فلعل مضرته وهلاكه فيه. وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئا، بل يسأله حسن الإختيار له، وأن يرضيه بما يختاره. فلا أنفع له من ذلك. ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له

стр. 144

بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه. وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الإختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى. ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم عنده غير ملطوف به فيه، مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به. فيصير بين عطفه ولطفه. فعطفه يقيه ما يحذره. ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه: تحيله في رده. فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميت. فإن السبع لا يرضى أن يأكل الجيف. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) قول الله تعالى: ٢: ٢٢٦، ٢٢٧ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. حتم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته. إذا رجع إليه. والجزاء من جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع، ومعنى يقصد، عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه.

стр. 145

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لما ذكر سبحانه التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرّض في قلبه رغبة فيها ومحبة لها، وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع الجناح عن التعريض، وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة، ونفي مواعدتهن سرا. فقيل: هو النكاح. والمعنى: لا تصرحوا لهن بالتزويج، إلا أن تعرّضوا تعريضا. وهو القول المعروف. وقيل: هو أن يتزوجها في عدتها سرا. فإذا انقضت العدة أظهر العقد. ويدل هذا على قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وهو انقضاء العدة. ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بالنهي عن المواعدة سرا، وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة. فلو كان معنى مواعدة السر: هو إسرار العقد. كان تكرارا. ثم عقب ذلك بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ أن تتعدوا ما حدّ لكم. فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون. ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ولولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء فما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار. فإنه هو الغفور الحليم.
следующие страницы →