← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هؤلاء لا بتوفيق زائد، أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر، أوجب لهم الكفر، فعباد هؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه: فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول. فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من «إياك نستعين» ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم. ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه، وكان مأمورا بإزالته، لأزاله. فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة؟. قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، وتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه مليّ به، ولا يكون إلا بمشيئته، شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليّان بهما. فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبس همّه على إنزال ما ينويه بهما. فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بد. قال الله تعالى: ٦٥: ٣ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ

стр. 72

عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي كافيه. والحسب: الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة، وإن لم يكن من أهل التقوى فهو: القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضرر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به فقضيت له، وأسعف بها، ولكن لا عاقبة له، سواء كانت أموالا أو رئاسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا، من كشف وتأثير وقوة وتمكين. فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم الإسلام، فضلا عن الولاية والقرب من الله. فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر. فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين. فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم معرفة بالله ودينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه، فالحال من الدنيا. فهو كالملك والمال، إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته، وتنفيذ أوامره، ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على صاحبه ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة. فصل إذا عرف هذا: فلا يكون العبد متحققا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين. أحدهما: متابعة الرسول ﷺ . والثاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق «إياك نعبد» . والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام: أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة. وهم أهل «إياك نعبد» حقيقة، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم

стр. 73

لله، وبغضهم لله. فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده. لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربا من ذمهم. بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فالعمل لأجل هؤلاء، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم، لا يكون من عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم. ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم، وكذلك أعمالهم كلها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه. وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله. قال الله تعالى ٦٧: ٢ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا، قال الفضيل بن عياض «١» : هو أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا على: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا. لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله تعالى ١٨: ١١٠ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

стр. 74

وفي قوله ٤: ١٢٥ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا. وفي الصحيح عن النبي ﷺ «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا. فإن الله تعالى إنما بعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء. فصل الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقا لشرع، ولا هو خالصا للمعبود، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله. وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله . ولهم أوفر نصيب من قوله ٣: ١٨٨ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص. وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات، والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم. فهم أهل الغضب والضلال. الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره، واعتقده قربة إلى الله فهذا حاله، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة. وأمثال ذلك.

стр. 75

الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر، لكنها لغير الله. كطاعة المرائين، وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة، ويحج ليقال، ويقرأ القرآن ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير خالصة فلا تقبل ٩٨: ٥ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر، والإخلاص له في العبادة. وهم أهل «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . فصل ثم أهل مقام «إياك نعبد» لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصص أربعة طرق. فهم في ذلك أربعة أصناف. الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها. قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبد. قالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثا لا أصل له «أفضل الأعمال أحمزها» أي أصعبها وأشقها، وهؤلاء: هم أهل المجاهدات والجور على النفوس. قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهانة، والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان، وطرح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. ثم هؤلاء قسمان: فعوامهم: ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه. ودعوا الناس

стр. 76

إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله، وجمع المهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته. فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على الله، ودوام ذكره بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له. ثم هؤلاء قسمان: فالعارفون المتبعون منهم: إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعيتهم. والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة جمعية القلب على الله. فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفت إليه. وربما يقول قائلهم: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد؟ ثم هؤلاء أيضا قسمان: منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته، ومنهم من يقوم بها، ويترك السنن والنوافل، وتعلم العلم النافع لجمعيته. وسأل هؤلاء شيخا عارفا فقال: إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على الله، فإن قمت وخرجت تفرقت، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي، فما الأفضل في حقي؟. فقال: إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم، وأجب داعي الله، ثم عد إلى موضعك. وهذا لأن الجمعية على الله: حظ الروح والقلب، وإجابة الداعي: حق الرب، ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل «إياك نعبد» . الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح

стр. 77

الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل. فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي ﷺ «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» رواه أبو يعلي. واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر؟. قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد: كفضل القمر على سائر الكواكب. قالوا: وقد قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» وهذا التفضيل للنفع المتعدي، واحتجوا بقوله ﷺ «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من أتبعه، من غير أن ينتقض من أجورهم شيء» «١» واحتجوا بقوله ﷺ «إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير» وبقوله ﷺ «إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر والنملة في حجرها» . واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نسب إليه. واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب، ولهذا أنكر النبي ﷺ على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد، وترك مخالطة الناس، ورأي هؤلاء التفرق في أمر الله ونفع عباده والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك. الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب

стр. 78

في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر «١» : الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب، وتعلم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بعد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن أو المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.

стр. 79

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد. فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم. فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشر، فهي أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من عزلتهم. فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال. والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق. والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد. فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقض وترك عبادته. فهو يعبد الله على وجه واحد. وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت. فمدار تعبده عليها. فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في

стр. 80

السير حتى ينتهي سيره: فإن رأيت العلماء رأيته معهم. وإن رأيت العباد، رأيته معهم. وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم. وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم. وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه، وما فيه لذتها وراحتها من العبادات. بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين حقا، القائم بهما صدقا. ملبسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى ووجده خاليا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حر مجرد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الأمر أنّى توجهت ركائبه «١» ، ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق، ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها. وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس. بل إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فواها له. ما أغربه بين الناس، وما أشدّ وحشته منهم، وما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه!! والله المستعان. وعليه التكلان. فصل ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة. وهم في ذلك أربعة أصناف.

стр. 81

الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة، وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: إنه لم يخلق ما خلقه لعلة، ولا لغاية هي المقصود به، ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها، ولا فيها قوى ولا طبائع، فليست النار سببا للإحراق، ولا الماء سببا للإدواء والتبريد، وإخراج النبات، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك، وحصول الإحراق والري ليس بهما، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا، لا بسببه ولا بقوة قامت به، وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه، ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه. ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى (بمفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها، وهو كتاب بديع في معناه. وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى (بسفر الهجرتين وطريق السعادتين) . وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها، ولا يتنعمون بها، وليست قرة أعينهم، وليست الأوامر سرور قلوبهم، وغذاء أرواحهم وحياتهم، ولهذا يسمونها تكاليف. أي قد كلفوا بها، ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا، وقال: إني إنما أفعله بكلفة، لم يعده أحد محبا له، ولهذا أنكر هؤلاء- أو كثير منهم- محبة العبد لربه. وقالوا: إنما يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به، لا أنه يحب ذاته. فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه. وحقيقة العبودية: هي كمال المحبة، فأنكروا حقيقة العبودية ولبّها. وحقيقة الإلهية: كونه مألوها محبوبا بغاية الحب، المقرون

стр. 82

بغاية الذل والخضوع، والإجلال والتعظيم، فأنكروا كونه محبوبا. وذلك إنكار لإلهيته، وشيخ هؤلاء: هو الجعد بن درهم الذي ضحّى به خالد بن القسري في يوم أضحى، وقال: إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، وإنما كان إنكاره: لكونه تعالى محبوبا محبا، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه، التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق، فكلهم أخلّاء لله عندهم. وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة الله من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين، وروضة قلوب العارفين) وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية، وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة، كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة، ولا لعينه إلا بالنور الباصر، ولا لأذنه إلا بالسمع، وأن الأمر فوق ذلك وأعظم. فصل الصنف الثاني: القدرية النفاة، الذين يثبتون نوعا من الحكمة. والتعليل لا يقوم بالرب، ولا يرجع إليه، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير. قالوا: ولهذا يجعلها الله تعالى عوضا كقوله ٧: ٤٣ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ وقوله ﷺ ، فيما يحكي عن ربه «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها» وقوله تعالى: ٣٩: ١٠ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ قالوا: وقد سماه الله سبحانه جزاء وأجرا وثوابا. لأنه يثوب إلى العامل من عمله، أي يرجع إليه منه. قالوا: ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء، ولا أجرا ولا ثوابا معنى.

стр. 83

قالوا: ويدل عليه الوزن. فلولا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها لها، وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى. وقد قال تعالى: ٧: ٨، ٩ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ. وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل. وبينهما أعظم التباين. فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في طاعته، وينعم من أفنى عمره في معصيته. وكرهما بالنسبة إليه سواء، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم عملا منه، وأكثر وأفضل درجات. والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة، من غير تعليل ولا سبب، ولا حكمة تقتضي هذا بالثواب، وهذا بالعقاب. والقدرية أوجبت عليه رعاية الأصلح. وجعلت كله بمحض الأعمال وثمنا لها، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله تنغيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن. فقاتلهم الله ما أجهلهم بالله وأغرّهم به، جعلوا تفضله وإحسانه إلى العبد على العبد، حتى قالوا: إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل. فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة. ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة. والطائفتان جائرتان، منحرفتان عن الصراط المستقيم، الذي فطر الله عليه عباده، وجاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. وهو أن الأعمال: أسباب موصلة إلى أثواب والعقاب. مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنّه، وصدقته على عبده، إن أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحبّبها إليه، وزينها في قلبه وكرّه إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه، ولا هي على قدرة،

стр. 84

بل غايتها- إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه-: أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقع بشكرها. فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ولهذا نفي النبي ﷺ دخول الجنة بالعمل، كما قال «لن يدخل الجنة أحدا منكم الجنة بعمله» وفي لفظ لن يدخل أحدا الجنة منكم الجنة بعمله» وفي لفظ «لن ينجي أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل، كما في قوله: ١٦: ٣٢ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولا تنافي بينهما. إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها: ردا على القدرية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة. وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله، وأغلظهم عنه حجابا. وحقّ لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة، ويكفي في جهلهم بالله: أنهم لم يعلموا: أن أهل سماواته وأرضه في منته، وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة: اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة. وأعظمهم منه منزلة، وأقربهم إليه: أعرفهم بهذه المنة، وأعظمهم إقرارا بها، وذكرا لها، وشكرا عليها، ومحبة له لأجلها، فهل ينقلب أحد قط إلا في منته؟ ٤٩: ١٧ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. واحتمال منة المخلوق: إنما نقصا لأنه نظيره. فإذا منّ عليه استعلى عليه، ورأى الممنون عليه نفسه دونه، هذا مع أنه ليس في كل مخلوق، فلرسول الله ﷺ المنة على أمته، وكان أصحابه يقولون: «الله ورسوله أمنّ» ولا نقص في منة الوالد على ولده، ولا عار عليه في احتمالها، وكذلك السيد

стр. 85

على عبده، فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم، ومحض صدقته عليهم: بلا عوض منهم البتة؟ وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده. فهو المنان عليهم. بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها، وأعانهم عليها، وكملها لهم، وقبلها منهم على ما فيها؟ وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فهذه باء السببية، ردا على القدرية والجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال والجزاء، ولا هي أسباب له، وإنما غايتها أن تكون أمارات. قالوا: وليست أيضا مطردة، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر. فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة. فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء: كما هي مبطلة لقول أولئك، وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين، وتبين لمن له قلب ولب: مقدار قول أهل السنة. وهم الفرقة الوسط. المثبتون لعموم مشيئة الله، وقدرته، وخلقه العباد وأعمالهم، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها، وانعقادها بها شرعا وقدرا، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا. وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق، وارتكبت لأجله نوعا من الباطل، بل أنواعا، وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ٢: ٢١٣ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و ٦٢: ٤ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. فصل الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة: رياضة النفوس، واستعدادها لفيض العلوم عليها. وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية والبهيمية، فلو عطلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم،

стр. 86

والعبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها، وتنقلها إلى مشابهة العقول المجردة، فتصير عالمة قابلة لا تناقش صور العلوم والمعارف فيها، وهذا يقوله طائفتان. أحدهما: من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة، القائلين بقدم العالم، وعدم الشقاق الأفلاك، وعدم الفاعل المختار. الطائفة الثانية: من تفلسفت: من صوفية الإسلام. وتقرب إلى الفلاسفة. فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس وتجردها، ومفارقتها العالم الحسي، ونزول الواردات والمعارف عليها. ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى، فإذا حصل لها بقي مخيرا في حفظ أوراده، أو الاشتغال بالوارد عنها، ومنهم من يوجب القيام بالأوراد والوظائف. وعدم الإخلال بها، وهم صنفان أيضا. أحدهما: من يوجبونه حفظا للقانون، وضبطا للناموس. والآخرون: الذين يوجبونه حفظا للوارد، وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها له إلى حالتها الأولى من البهيمية. فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك. وغاية مفارقتهم بحكم العبادة وما شرعت لأجله، ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة، على سبيل الجمع، أو على سبيل البدل. فصل وأما الصنف الرابع وهم الطائفة: المحمدية الإبراهيمية: أتباع الخليلين، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه، وأهل البصائر في عبادته، ومراده بها.

стр. 87

فالطوائف الثلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة، والقواعد الفاسدة، ما عندهم وراء ذلك شيء، قد فرحوا بما عندهم من المحال، وقنعوا بما ألفوه من الخيال، ولو علموا أن وراءه، ما هو أجل منه وأعظم، لما ارتضوا بدونه، ولكن عقولهم قصرت عنه، ولم يهتدوا إليه بنور النبوة، ولم يشعروا به ليجتهدوا في طلبه، ورأوا أن ما معهم خير من الجهل، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده. فتركّب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه، وهذه بلية الطوائف. والمعافي من عافاه الله. فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها: إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلها، بل هو الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطل الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباطه المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود. فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له معرفة حكمة هي الغاية المقصودة بالخلق، ولها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها: نسبة لله إلى ما لا يليق به، ويتعالى عنه من خلق السموات والأرض بالحق، ولم يخلقهما باطلا. ولم يخلق الإنسان عبثا ولم يتركه سدى مهملا، قال تعالى: ٢٣: ١١٥ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ؟ أي لغير شيء ولا حكمة، ولا لعبادتي ومجازاتي لكم، وقد صرح تعالى بهذا في قوله ٥١: ٥٦ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فالعبادة: هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها. قال الله تعالى: ٧٥: ٣٦

стр. 88

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً؟ أي مهملا. قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمران. فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهي والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما. وقال تعالى: ٣: ١٩١ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ. فَقِنا عَذابَ النَّارِ وقال ١٥: ٨٥ وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وقال ٤٥: ٢٢ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن: أمره ونهيه، وثوابه وعقابه. فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا، وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنه لا علة له، ولا حكمة مقصودة هي غايته؟ أو إن ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكّد عليهم الثواب بالمنة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية. وارتياضها بمخالفة العوائد؟. فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال، وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته. فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته. مع الخضوع له والانقياد لأمره. فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله. فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحبه.

стр. 89

وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها. فهي إنما تتحقق باتباع أمره، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها، وشاهدا لمن ادعاها، فقال تعالى: ٣: ٣١ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول ﷺ : هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية، حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما. فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة، ولا يهديه الله. قال الله تعالى: ٩: ٢٤ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. فكل من قدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه. أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله. فذلك المقدّم عنده أحب من الله ورسوله، لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو

стр. 90

طاعته أو مرضاته ظنا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول. فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقى أقواله كذلك، فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك. وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول، وعرف أن غير من اتبعه هو أولى به مطلقا، أو في بعض الأمور. ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به، فهذا الذي يخاف عليه. وهو داخل تحت الوعيد. فإن استحل عقوبة من خالفه وأذله، ولم يوافقه على اتباع شيخه. فهو من الظلمة المعتدين. وقد جعل الله لكل شيء قدرا. فصل وبنى «إياك نعبد» على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان، والقلب، وعمل القلب والجوارح. فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب «إياك نعبد» حقا هم أصحابها. فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذبّ عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة. وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة

стр. 91

والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك. فإياك نعبد: التزام لأحكام هذه الأربعة، وإقرار بها، و «إياك نستعين» طلب للاعانة عليها والتوفيق لها، و «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله بهما فصل وجميع الرسل إنما دعوا إلى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته، من أولهم إلى آخرهم. فقال نوح لقومه ٧: ٥٩ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكذلك قال هود وصالح وشعيب ٧: ٦٥، ٧٣، ٨٥ وإبراهيم. قال الله تعالى: ١٦: ٣٦ وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال ٢١: ٢٥ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال تعالى: ٢٣: ٥١، ٥٢ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ. فصل والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه. فقال: ٤: ١٧٢نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً وقال ٤٠: ٦٠ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وهذا يبين أن الوقف التام في قوله ٢١: ١٩ وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هاهنا، ثم يبتدئ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ فهما جملتان تامتان مستقلتان: أي إن له من في السموات ومن في الأرض عبيدا وملكا. ثم

стр. 92

استأنف جملة أخرى فقال وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون، فيعيون وينقطعون، يقال حسر واستحسر، إذا تعب وأعيا، بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم، فالأول: وصف لعبيد ربوبيته. والثاني: وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى: ٢٥: ٦٣- ٧٧ وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إلى آخر السورة. وقال ٧٦: ٦ عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً وقال ٣٨: ١٧ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وقال ٣٨: ٤١ وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ وقال ٣٨: ٤٥ وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وقال عن سليمان ٣٨: ٣٠ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وقال عن المسيح ٤٣: ٥٩ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى، ووصف أكرم خلقه عليه، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته. فقال تعالى: ٢: ٢٣ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقال ﵎: ٢٥: ١ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وقال ١٨: ١ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله، وقال ٧٢: ١٩ وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه. وقال ١٧: ١ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد. فقولوا عبد الله ورسوله» وفي الحديث «أنا عبد آكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد» وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال «قرأت في التوراة صفة محمد ﷺ : محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل. ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر» .

стр. 93

وجعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال تعالى: ٣٩: ١٧، ١٨ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى: ٤٣: ٦٨، ٦٩ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به. فقال ١٥: ٤٢ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وقال ١٦: ٩٩، ١٠٠ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ. وجعل النبي ﷺ إحسان العبودية على مراتب الدين، وهو الإحسان. فقال في حديث جبريل- وقد سأله عن الإحسان-: «أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «١» . فصل في لزوم «إياك نعبد» لكل عبد إلى الموت قال الله تعالى لرسوله ١٥: ٩٩ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وقال أهل النار ٧٤: ٤٦، ٤٧ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ واليقين هاهنا: هو الموت بإجماع أهل التفسير. وفي الصحيح، في قصة موت عثمان بن مظعون ﵁: أن النبي ﷺ قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» أي الموت وما فيه. فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان «من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله ﷺ ؟» ويلتمسان منه الجواب. وعليه عبودية أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون

стр. 94

السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد فهو زنديق، كافر بالله ورسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ ، بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم. والواجب على أولى العزم: أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم: أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته. فصل في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان: عامة، وخاصة. فالعبودية العامة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله، برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالى: ١٩: ٨٨- ٩٣ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. وقال تعالى: ٢٥: ١٧ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ فسماهم عباده مع ضلالهم، لكن تسمية مقيدة بالإشارة، وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقال تعالى: ٣٩: ٤٦ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ

стр. 95

الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وقال ٤٠: ٣١ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ٤٠: ٤٨ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة. وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر. قال تعالى: ٤٣: ٦٨ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وقال ٣٩: ١٧، ١٨ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وقال ٢٥: ٦٣، ٦٤ وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وقال تعالى عن إبليس ١٥: ٤٠ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فقال تعالى: ١٥: ٤٠: ٤١ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ. فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته: هم عبيد إلهيته. ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء. وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية: فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: إما منكرا. كقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً والثاني: معرفا باللام كقوله ٤٠: ٣١ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ٤٠: ٤٨ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ. الثالث: مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ. الرابع: أن يذكروا في عموم عباده. فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر. كقوله ٣٩: ٤٦ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم. كقوله ٣٩: ٥٣ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه،

стр. 96

واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة. وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة: لأن أصل معنى اللفظة: الذل والخضوع. يقال: «طريق معبد» إذا كان مذللا بوطء الأقدام، وفلان عبّده الحب إذا ذلله، لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا، وانقيادا لأمره ونهيه، وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما. ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة: انقسام القنوت إلى خاص وعام، والسجود كذلك. قال تعالى في القنوت الخاص ٣٩: ٩ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ وقال في حق مريم ٦٦: ١٢ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وهو كثير في القرآن. وقال في القنوت العام ٢: ١١٦ وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي خاضعون أذلاء. وقال في السجود الخاص ٤٠: ٦٠ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وقال ١٩: ٥٨ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا وهو كثير في القرآن. وقال في السجود العام ١٣: ١٥ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله ٢٢: ١٨ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل ١٦: ٢٤٩ وهو سجود الذل والقهر والخضوع. فكل أحد خاضع لربوبيته، ذليل لعزته. مقهور تحت سلطانه تعالى.

стр. 97

فصل في مراتب «إياك نعبد» علما وعملا للعبودية مراتب، بحسب العلم والعمل. فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينه. فأما العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان. إحداهما: دينه الأمر الشرعي. وهو الصراط المستقيم الموصل إليه. والثانية: دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله. وأما مراتبها العلمية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين. فأما مرتبة أصحاب اليمين: فأداء الواجبات، وترك المحرمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات. وأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات والمندوبات، وترك المحرمات والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره. وخاصتهم: قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم مباح متساو الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها إطاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله.

стр. 98

فصل ورحى العبودية على خمس عشرة قاعدة. من كملها كمل مراتب العبودية وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان، والجوارح. فواجب القلب: منه متفق على وجوبه، ومختلف فيه. فالمتفق على وجوبه: كالإخلاص، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص، فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره. ونية العبادة لها مرتبتان. إحداهما: تمييز العبادة عن العادة. والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثلاثة واجبة. وكذلك الصدق. والفرق بينه وبين الإخلاص: أن للعبد مطلوبا وطلبا، فالإخلاص: توحيد مطلوبه. والصدق: توحيد طلبه. فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسما. والصدق: أن لا يكون الطلب منقسما: فالصدق بذل الجهد، والإخلاص: إفراد المطلوب واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة. وكذلك النصح في العبودية. ومدار الدين عليه، وهو بذل الجهد في

стр. 99

إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضى له. وأصل هذا واجب وكماله مرتبة المقربين. وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان، واجب مستحق. وهو مرتبة أصحاب اليمين، وكمال مستحب. وهو مرتبة المقربين. وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة، قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآن، أو بضعا وتسعين، وله طرفان أيضا: واجب مستحق، وكمال مستحب. [ثم ذكر القسم الواجب المختلف فيه- إلى أن قال] . والمقصود: أن يكون ملك الأعضاء- وهو القلب- قائما بعبوديته لله هو ورعيته وأما المحرمات التي عليه: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاق، وهي نوعان: كفر ومعصية. فالكفر كالشك، والنفاق والشرك، وتوابعها. والمعصية نوعان: كبائر وصغائر. فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا، وشرب الخمر، وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها، والتوبة منها، وإلا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن. وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترك القيام بها.

стр. 100

فوظيفة «إياك نعبد» على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد. وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها. وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه، وقد تكون كبائر بحسب قوتها وغلظها وخفتها ودقتها. ومن الصغائر أيضا: شهوة المحرمات وتمنيها، وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر، بحسب تفاوت درجات المشتهي، فشهوة الكفر والشرك: كفر، وشهوة البدعة: فسق، وشهوة الكبائر: معصية، فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب. وإن تركها عجزا عن بذله مقدورة في تحصيلها: استحق عقوبة الفاعل، لتنزله منزلته في أحكام الثواب والعقاب، وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع، ولهذا قال النبي ﷺ : «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» «١» فنزله منزلة القاتل، لحرصه في الإثم دون الحكم، وله نظائر كثيرة في الثواب والقلب. وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه. فصل وأما عبوديات اللسان الخمس: فواجبها: النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن. وهو ما يتوقف صحة صلاته عليه، وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله، كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود، وأمر بقول: «ربنا ولك الحمد» بعد الاعتدال الواجبة بالتشهد، وأمر بالتكبير. ومن واجبه: رد السلام. وفي ابتدائه قولان. ومن واجبه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وأداء

стр. 101

الشهادة المتعينة، وصدق الحديث. وأما مستحبه: فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النافع، وتوابع ذلك. وأما محرمة فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها، وكالقذف وسب المسلم، وأذاه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور، والقول على الله بلا علم، وهو أشدها تحريما. ومكروهه: التكلم بما تركه خير من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه. وقد اختلف السلف. هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين؟ على قولين. ذكرهما ابن المنذر وغيره. أحدهما: أنه لا يخلو كل ما يتكلم به: إما أن يكون له أو عليه. وليس في حقه شيء لا له ولا عليه. واحتجوا بالحديث المشهور، وهو «كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه» «١» . واحتجوا بأنه يكتب عليه كلامه كله. ولا يكتب إلا بالخير والشر. وقالت طائفة: بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات الجوارح. قالوا: لأنّ كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي. وهذا شأن المباح. والتحقيق: أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين، بل إما راجحة وإما مرجوحة. لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح، وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فإنما نحن بك، فإن

стр. 102

استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. وأكثر ما يكبّ الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم، وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي الله ورسوله أولا، فإن كان كذلك فهو الراجح، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة، وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة. فتأمله. فإن قيل: فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين. فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل. قيل: حركته بها عند الحاجة إليها راجحة، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده. فتكون عليه لا له. فإن قيل: فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان الوسيلة إليه كذلك، إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم. قيل: لا يلزم ذلك. فقد يكون الشيء مباحا، بل واجبا، ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة: هو واجب، مع أن وسيلته، وهو النذر مكروه منهي عنه، وكذلك الحلف المكروه مرجوح، مع وجوب الوفاء به أو الكفارة، وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه. ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة، وهذا كثير جدا. فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها، وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه. فصل وأما المعبودات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا: إذ الحواس خمسة. وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع: وجوب الإنصات، والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه، من

стр. 103

استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء. ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة. من ردّه، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره، ولا يجب أن يطلعك عليه، ما لم يكن متضمنا لحق الله يجب القيام به، أو لأذى مسلم يتعين نصحه، وتحذيره منه. وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن، إذا لم تدع إليه حاجة، من شهادة، أو معاملة، أو استفتاء، أو محاكمة، أو مداواة ونحوها. وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو، كالعود والطنبور واليراع ونحوها. ولا يجب عليه سدّ أذنه إذا سمع الصوت، وهو لا يريد استماعه، إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات، فحينئذ يجب تجنب سماعها وجوب سد الذرائع. ونظير هذا المحرم: لا يجوز له تعمد شم الطيب، وإذا حملت الريح رائحته وألقتها في مشامّه لم يجب عليه سد أنفه، ونظير هذا: نظرة الفجأة لا تحرم على الناظر، وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها. وأما السمع المستحب: فكاستماع المستحب من العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، واستماع كل ما يحبه الله، وليس بفرض. والمكروه: عكسه، وهو استماع كل ما يكرهه ولا يعاقب عليه، والمباح ظاهر. وأما النظر الواجب: فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها، والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي

стр. 104

يأكلها وينفقها ويستمتع بها، والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها. ونحو ذلك. والنظر الحرام: النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا، وبغيرها إلّا لحاجة، كنظر الخاطب، والمستام والمعامل، والشاهد، والحاكم، والطبيب، ذي المحرم. والمستحب: النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين، الوالدين، والنظر في آيات الله المشهودة، ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته. والمكروه: فضول النظر الذي لا مصلحة فيه. فإن له فضولا كما للسان فضولا، وكم قاد فضولها إلى فضول عزّ التخلص منها، وأعيي دواؤها. وقال بعض السلف: كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام. والمباح: النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة. ومن النظر الحرام: النظر إلى العورات. وهي قسمان. عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب. ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء، وذهبت هدرا، بنص رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته. وإن ضعفه بعض الفقهاء، لكونه لم يبلغه النص، أو تأوله، وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح لأجله، كعورة له هناك ينظرها. أو ريبة هو مأمور أو مأذون له في اطلاعها. وأما الذوق الواجب: فتناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه، وخوف الموت، فإن تركه حتى مات، مات عاصيا قاتلا لنفسه. قال الإمام

стр. 105

أحمد وطاوس «١» : من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار. ومن هذا: تناول الدواء إذا تيقن به من الهلاك، على أصح القولين. وإن ظن الشفاء به، فهل هو مستحب مباح، أو الأفضل تركه؟ فيه نزاع معروف بين السلف والخلف. والذوق الحرام: كذوق الخمر والسموم القاتلة. والذوق الممنوع منه للصوم الواجب. وأما المكروه: فكذوق المشتبهات، والأكل فوق الحاجة، وذوق طعام الفجاءة، وهو الطعام الذي تفجأ آكله، ولم يرد أن يدعوك إليه، وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها، وفي السنن: أن رسول الله ﷺ : «نهى عن طعام المتبارين» وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس. والذوق المستحب: أكل ما يعينك على طاعة الله ، مما أذن الله فيه. والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل، فينال منه غرضه. والأكل من طعام صاحب الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب. وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها، للأمر به عن الشارع.

стр. 106

والذوق المباح: ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان. وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم، فالشم الواجب: كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام، كالشم الذي يعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة؟ وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه؟ أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به، وما لا يملك؟ ومن هذا شم المقوّم وربّ الخبرة عند الحكم بالتقويم، والعبيد ونحو ذلك. وأما الشم الحرام: فالتعمد لشم الطيب في الإحرام، وشم الطيب المغصوب والمسروق، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات للافتتان بما وراءه. وأما الشم المستحب: فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس، ويبسط النفس للعلم والعمل. ومن هذا: هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك. ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «من عرض عليه ريحان فلا يرده. فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» . «١» والمكروه: كشم الظّلمة، وأصحاب الشبهات، ونحو ذلك. والمباح: ما لا منع فيه من الله ولا تبعة، ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له بالشرع. وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس. فاللمس الواجب: كلمس الزوجة حين يجب جماعها، والأمة الواجب إعفافها. والحرام: لمس ما لا يحل من الأجنبيات. والمستحب: إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله.

стр. 107

والمكروه: لمس الزوجة في الإحرام للذة، وكذلك في الاعتكاف. وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه. ومن هذا لمس بدن الميت- لغير غاسله- لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما له، ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميص في أحد القولين، ولمس فخذ الرجل، إذا قلنا: هو عورة. والمباح: ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية. وهذه المراتب أيضا مرتّبة على البطش باليد والمشي بالرجل. وأمثلها لا تخفى. فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهل عياله: واجب. وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح: وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء النسك. والمشهور عدم وجوبه. ومن البطش الواجب: إعانة المضطر ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم الله، ونهب المال المغصوب، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك، وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنّرد، أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة كالشطرنج، أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره، أو دونه عند بعضهم. ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا، إلا مقرونا بردها ونقضها، وكتابة الزور والظلم، والحكم الجائر، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم، ولا سيما إن كسبت عليه مالا: ٢: ٩ ٧٩ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وكذلك كتابة

стр. 108

المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا، فالإثم موضوع عنه. وأما المكروه: فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة في كتابته، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة. والمستحب: كتابة كل ما فيه منفعة في الدين، أو مصلحة لمسلم، والإحسان بيده بأن يعين صانعا، أو يصنع لأخرق، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي، أو يحمل له على دابته، أو يمسكها حتى يحمل عليها، أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه ونحو ذلك، ومنه: لمس الركن بيده في الطواف، وفي تقبيلها بعد اللمس قولان. والمباح: ما لا مضرة فيه ولا ثواب. وأما المشي الواجب: فالمشي إلى الجمعات والجماعات، في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا، مذكورة في غير هذا الموضع. والمشي حول البيت للطواف الواجب، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه، والمشي إلى صلة رحمه، وبر والديه، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر. والحرام: المشي إلى معصية الله، وهو من رجل الشيطان. قال تعالى: ١٧: ٦٤ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قال مقاتل «١» :

стр. 109

استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس. وكذلك تعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا: فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد والحج الواجب. ومستحبه: في الركوب المستحب من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وفي الوقوف بعرفة نزاع: هل الركوب فيه أفضل، أم على الأرض؟ والتحقيق: أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة: من تعليم للمناسك، واقتداء به، وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة. وحرامه: الركوب في معصية الله . ومكروهه: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركه خير من فعله. ومباحه: الركوب لما لم يتضمن فوت أجر، ولا تحصيل وزر. فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والإستواء على ظهر الدابة.

стр. 110

سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة البقرة (٢) : آية ٧] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) «الختم» قال الأزهري: أصله التغطية، وختم البذر في الأرض، إذا غطاه. قال أبو إسحاق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه، فلا يدخله شيء، كما قال تعالى: ٤٧: ٢٤ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها كذلك قوله: ٢: ٩٤ و ١٦: ١٠٨ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم بصير سجيّة وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق. وأما المرض: [سورة البقرة (٢) : آية ١٠] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وقال ٣٣: ٣٢ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقال: ٧٤: ٣١ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا. ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله. فإن صحته أن يكون
следующие страницы →