← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه. وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية. ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر «كلم» وهو «تكليم» رفعا لما توهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام، أو إشارة، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم. فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل. ولكن ما تحققه بالمصدر، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، كالإرادة يقال: فلان أراد إرادة، يريدون حقيقة إرادة. ويقال: أراد الجدار، ولا يقال: إرادة. لأنه مجاز غير حقيقة. هذا كلامه. وقال تعالى: ٧: ١٤٣ وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون. وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر، لا في الأول، وفيه أعطى الألواح. وكان عن مواعدة من الله له. والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة. وفيه قال الله له: ٧: ١٤٤ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي أي بتكلمي لك بإجماع السلف. وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه. فالنداء من بعد والنجاء من قرب. تقول العرب: إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال له أبوه آدم في محاجته «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده» . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه. وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة، على اختلاف الرواية. قال «وذلك بتفضيله بكلام الله» ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن هذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى. ولا كان يسمى «كليم الرحمن» وقال تعالى: ٤٢: ٥١ وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ

стр. 37

رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ففرق بين تكليم الوحي، والتكليم بإرسال الرسول، والتكليم من وراء حجاب. فصل المرتبة الثانية: مرتبة الوحي المختص بالأنبياء. قال الله تعالى: ٤: ١٦٣ إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وقال: ٤٢: ٥١ وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ- الآية فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم وجعله في آية النساء قسيما للتكليم، وذلك باعتبارين: فإنه قسيم التكليم الخاص الذي بلا واسطة، وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة، والوحي في اللغة: هو الإعلام السريع الخفي، ويقال في فعله: وحى، وأوحى- قال رؤية ... وحى لها فاستقرت وهو أقسام، كما سنذكره. فصل المرتبة الثالثة: إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري. فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه. فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء، لا تكون لغيرهم، ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا، يراه عيانا ويخاطبه، وقد يراه على صورته التي خلق عليها، وقد يدخل فيه الملك، ويوحي إليه ما يوحيه، ثم يفصم عنه، أي يقلع. والثلاثة حصلت لنبينا ﷺ . فصل المرتبة الرابعة: مرتبة التحديث. وهذه دون مرتبة الوحي الخاص، وتكون دون مرتبة الصديقين، كما كانت لعمر بن الخطاب ﵁، كما قال النبي ﷺ : «إنه كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في هذه

стр. 38

الأمة فعمر بن الخطاب» . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ﵀ يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة بإن الشرطية، مع أنها أفضل الأمم لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم، ولا صاحب كشف ولا منام فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها. والمحدّث هو الذي يحدّث في سره وقلبه بالشيء، فيكون كما يحدث به. قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث. لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه قد سلم قلبه كله وسره وظاهره وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه. قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول. فإن وافقه قبله، وإلا رده، فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث. قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: حدثني قلبي عن ربي: فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عن من؟ عن شيطانه، أو عن ربه؟ فإذا قال: حدثني قلبي عن ربي كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به، وذلك كذب، قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوّه به يوما من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك. بل كتب كاتبه يوما «هذا ما أرى الله أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب. فقال: لا. امحه واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب. فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر، والله ورسوله منه بريء» وقال في الكلالة «أقول فيها برأيي. فإن يكن صوابا فمن الله. وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان» فهذا قول المحدث بشهادة الرسول وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح، والسماعي: مجاهر بالقحة والفرية. يقول: حدثني قلبي عن ربي، فانظر إلى ما

стр. 39

بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين. وأعط كل ذي حق حقه، ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا. فصل المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام. قال الله تعالى: ٢١: ٧٨، ٧٩ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ. فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً فذكر هذين النبيين الكريمين: فأثنى عليهما بالعلم والحكم. وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة، وقال علي بن أبي طالب، وقد سئل: «هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة. وكان فيها العقل، وهو الديات وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر» وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري «١» ﵄: «والفهم فيما أدلى إليك» فالفهم نعمة من الله على عبده، ونور يقذفه الله في قلبه. يعرف به، ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره، مع استوائهما في حفظه. وفهم أصل معناه. فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه تفاوتت مراتب العلماء، حتى عدّ ألف بواحد، فانظر إلى فهم ابن عباس وقد

стр. 40

سأله عمر: ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وما خص به ابن عباس من فهمه منها: أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه، وإعلامه بحضور أجله، وموافقة عمر له على ذلك، وخفائه عن غيرهما من الصحابة وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا، وأين تجد هذه السورة الإعلام بأجله، لولا الفهم الخاص؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس، فيحتاج مع النص إلى غيره. ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه، وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها. فصل المرتبة السادسة: مرتبة البيان العام. وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه. بحيث يصير مشهودا للقلب، كشهود العين للمرئيات وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه، التي لا يعذب أحدا ولا يضله، إلا بعد وصوله إليها. قال الله تعالى ٩: ١١٥ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ فهذا الإضلال عقوبة منه لهم، حين بين لهم فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا. فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه أحدا قط إلا من بعد هذا البيان. وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع، كقوله: ٦١: ٥ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ٤: ١٥٥ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فالأول: كفر عناد، والثاني: كفر طبع، وقوله: ٦: ١١٠ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه. بأن قلّب

стр. 41

أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا به. فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه موضع عظيم. قال تعالى: ٤١: ١٧ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فهذا هدى بعد البيان والدلالة وهو شرط لا موجب. فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده، لم يحصل به كمال الاهتداء وهو هدى التوفيق والإلهام وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرئية. وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله، وصدق ما أخبرت به عنه، ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكر في آياته المشهودة عليهم، ويحضهم على التفكر في هذه وهذه. وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم، وبعد ذلك يضل الله من يشاء. قال الله تعالى: ١٤: ٤ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالرسل تبين والله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته. فصل المرتبة السابعة: البيان الخاص، وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة، وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية البتة. قال تعالى في هذه المرتبة: ١٦: ٣٧ إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وقال: ٢٨: ٥٦ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فالبيان الأول شرط. وهذا موجب. فصل المرتبة الثامنة: مرتبة الإسماع. قال الله تعالى: ٨: ٢٣ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ

стр. 42

فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ قال تعالى: ٣٥: ٢٢ وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ. وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ فإن ذلك حاصل لهم، وبه قامت الحجة عليهم، لكن ذاك إسماع الآذان، وهذا إسماع القلوب. فإن الكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما. فسماع لفظه حظ الأذن، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب. فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب. وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله ٢١: ٢: ٣ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه، أو تمكنه منها، وأما مقصود السماع وثمرته، والمطلوب منه: فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه: ٤٧: ١٦ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام: أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن. ومرتبة الإفهام أعم، فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه، ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر، وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه متعلقاته وإشاراته، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب. ويترتب على هذا السماع سماع القبول. فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة. فصل المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام. قال تعالى: ٩١: ٧، ٨ وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وقال النبي ﷺ لحصين بن الخزاعي

стр. 43

لمّا أسلم «قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» . «١» وقد جعل صاحب المنازل والإلهام هو مقام المحدثين. قال: وهو فوق مقام الفراسة لأن الفراسة ربما وقعت نادرة. واستصعبت على صاحبها وقتا أو استعصت عليه، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد. قلت: التحديث أخص من الإلهام: فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم فكل مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان، فأما التحديث: فالنبي ﷺ قال فيه: «إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر» يعني من المحدثين. فالتحديث إلهام خاص. وهو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين، كقوله تعالى: ٢٨: ٧ وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وقوله: ٥: ١١١ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي وإما من غير المكلفين كقوله تعالى: ١٦: ٦٩ وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ فهذا كله وحي إلهام. وأما جعله فوق مقام الفراسة فقد احتج عليه بأن الفراسة: ربما وقعت نادرة كما تقدم. والنادر لا حكم له وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم تطاوعه، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد، يعني في مقام القرب والحضور. والتحقيق في هذا: أن كل واحد من الفراسة والإلهام ينقسم إلى عام وخاص كل واحد منهما فوق عام الآخر، وعام كل واحد قد يقع كثيرا، وخاصة قد يقع نادرا، ولكن الفرق الصحيح: أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل، وأما الإلهام فموهبة مجردة، لا تنال بكسب البتة. [ثم ذكر فصولا أربعة تكلم فيها عن درجات الإلهام الثلاثة. ثم قال] .

стр. 44

فصل المرتبة العاشرة: من مراتب الهداية. الرؤيا الصادقة: وهي من أجزاء النبوة كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» . وقد قيل في سبب هذا سبب التخصيص المذكور: إن أول أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة، وذلك نصف سنة. ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة، من حين بعث إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه، فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك جزء من ستة وأربعين جزءا. وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة «أنها جزء من سبعين جزءا» . [ثم ذكر كلاما في الرؤيا، ثم قال] . فصل في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين: شفاء القلوب، وشفاء الأبدان فأما اشتمالها على شفاء القلوب: فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال. فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم. وفساد القصد. ويترتب عليها داءان قاتلان، وهما الضلال والغضب، فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب ينتجه فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم: تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان سؤال هذه الهداية: أفرض دعاء على كل عبد،

стр. 45

وأوجبه عليه كل يوم وليلة. في كل صلاة، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه. والتحقق ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ علما ومعرفة وعملا وحالا: يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد، فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدا، وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبة غير الله وعبوديته، من المشركين ومتبعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءها، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رئاستهم بأي طريق كان من حق أو باطل. فإذا جاء الحق معارضا في طريق رئاستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل. فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرا لهم وكان لهم صالوا وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به: ٢٤: ٤٨: ٤٩: ٥٠ وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَمِ ارْتابُوا؟ أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ؟ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. والمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم، وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها، واضمحلت وفنيت حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم أعظم الناس ندامة وتحسرا، إذا حق الحق وبطل الباطل، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم، وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة. وهذا يظهر كثيرا في الدنيا، ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله، ويشتد ظهوره وتحققه في البرزخ، وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء، إذا حققت الحقائق. وفاز المحقون وخسر المبطلون، وعلموا

стр. 46

أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغروين، فيا له هناك من علم لا ينفع عالمه، ويقين لا ينجى مستيقنه. وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى، ولمن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه، وهي من أعظم القواطع عنه. فحاله أيضا كحال هذا، وكلاهما فاسد القصد، ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء: [١] عبودية الله لا غيره. [٢] بأمره وشرعه. [٣] لا بالهوى. [٤] ولا بآراء الرجال وأوضاعهم، ورسومهم، وأفكارهم. [٥] بالاستعانة على عبوديته به. [٦] لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره. فهذه هي أجزاء إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التام، وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها أو إثنين أو أكثر. ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولا بد: وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ ودواء الكبر ب إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ تدفع الرياء وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ تدفع الكبرياء. فإذا عوفي من مرض الرياء ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ ومن مرض الكبر والعجب

стр. 47

ب إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ومن مرض الضلال والجهل ب اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل «١» في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين. وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، كما سنبينه. فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت الله وكلامه، وفهمت عنه فهما خاصا، اختصها به، من معاني هذه السورة. وسنبين إن شاء الله تعالى تضمنها للرد على جميع أهل البدع بأوضح البيان وأحسن الطرق. [ثم ذكر فصل ين في الرقية بالفاتحة وتأثيرها مستشهدا بحديث أبي سعيد وببعض تحليلات نفسية، وبتجاربه. ثم قال] . فصل في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين عن أهل الملل والنحل، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة. وهذا يعلم بطريقين، مجمل ومفصل: أما المجمل: فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق،

стр. 48

وإيثاره، وتقديمه على غيره، ومحبته والانقياد له، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه بحسب الإمكان. والحق: هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وما جاء به علما وعملا في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وفي حقائق الإيمان، التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى. وكل ذلك مسلم إلى رسول الله ﷺ ، دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم، فكل علم أو عمل أو حقيقة، أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته، وعليه السكة المحمدية، بحيث يكون من ضرب المدينة، فهو من الصراط المستقيم، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال فما ثمّ خروج عن هذه الطرق الثلاث: طريق الرسول ﷺ وما جاء به، وطريق أهل الغضب، وهي طريق من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال، وهي طريق من أضله الله عنه. ولهذا قال عبد الله بن عباس وجابر ابن عبد الله ﵃: «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: هو الإسلام» وقال عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵄: «هو القرآن» وفيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره، وقال سهل بن عبد الله: «طريق السنة والجماعة» . وقال بكر بن عبد الله المزني «١» : «طريق رسول الله ﷺ » . ولا ريب أنه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه، وإيثاره على غيره. فهو الصراط المستقيم. وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له. بهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل، وهو من صراط الأمتين: الأمة الغضبية، وأمة أهل الضلال.

стр. 49

فصل وأما المفصل: فمعرفة المذاهب الباطلة، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها. فنقول: الناس قسمان: مقر بالحق تعالى، وجاحد له، فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين وتأمل حال العالم كله علويه وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده، لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية، والفطر الصحيحة: أظهر من العكس. فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه، إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان، كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما. فأما الاستدلال بالصنعة فكثير، وأما الاستدلال بالصانع فله شأن. وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم: ١٤: ١٠ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ؟ أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية- قدس الله روحه- يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى الدليل ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار،

стр. 50

ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد: القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله، وهو حقيقة وجود هذا العالم، فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ومملوك، ولا راحم ومرحوم، ولا عابد ومعبود، ولا مستعين ومستعان به، ولا هاد ولا مهدي ولا منعم ولا منعم عليه، ولا غضبان ومغضوب عليه، بل الرب هو نفس العبد وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والراحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس المعبود. وإنما التغاير أمر اعتباري بحسب مظاهر الذات وتجلياتها. فتظهر تارة في صورة معبود، كما ظهرت في صورة فرعون، وفي صورة عبد، كما ظهرت في صورة العبيد، وفي صورة هاد، كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء، والكل من عين واحد، بل هو العين الواحدة، فحقيقة العابد ووجوده، أو إنّيته هي حقيقة المعبود ووجوده وإنيته والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم.. فصل والمقرّون بالرب : أنه صانع العالم نوعان: نوع ينفي مباينته لخلقه، ويقولون: لا مباين ولا محايث، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه. فتضمنت الفاتحة للرد على هؤلاء من وجهين: أحدهما: إثبات ربوبيته تعالى للعالم. فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات، كما باينهم بالربوبية، وبالصفات والأفعال، فمن

стр. 51

لم يثبت ربا مباينا للعالم، فما أثبت ربا، فإنه إذا نفى المباينة لزمه أحد أمرين، لزوما لا انفكاك له عنه البتة: إما أن يكون هو نفس هذا العالم، وحينئذ يصح قوله. فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه، ومن هاهنا دخل أهل الوحدة، وكانوا معطلة أولا، واتحادية ثانيا. وإما أن يقول: ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا، ولا داخلا ولا خارجا، كما قالته الدهرية المعطلة للصانع. وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين: إثبات رب مغاير للعالم مع نفي مباينته للعالم، وإثبات خالق قائم بنفسه، لا في العالم ولا خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا يمنته ولا يسرته: فقول له خبئ، والعقول لا تتصوره حتى تصدق به. فإذا استحال في العقل تصوره. فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر. وهو منطبق على العدم المحض، والنفي الصّرف، وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين، فضع هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل، ثم ضعها على الذات العلية القائمة بنفسها، التي لم تحل في العالم، ولا حلّ العالم فيها، ثم انظر أي المعلومين أولى به، واستيقظ لنفسك، وقم لله قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر، متجرد عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية والعصبية، صادقا في طلب الهداية من الله، فالله أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه. وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر من إثبات رب قائم بنفسه، مباين لخلقه، بل هذا نفس ترجمتها. فصل ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان: أهل توحيد، وأهل إشراك. وأهل الإشراك نوعان: أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته، كالمجوس ومن

стр. 52

ضاهاهم من القدرية، فإنهم يثبتون مع الله خالقا آخر، وإن لم يقولوا: إنه مكافئ له، والقدرية المجوسية تثبت مع الله خالقين للأفعال، ليست أفعالهم مقدورة لله، ولا مخلوقة لهم، وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها، ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين لها، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين. فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال. وحقيقة قول القدرية المجوسية: أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان، ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه؟ مع أن في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه، إذ هو المعين عليها والموفق لها، وهو الذي شاءها منهم، كما قال في غير موضع من كتابه وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فهو محمود على أن شاءها لهم، وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته، فهو المحمود عليها في الحقيقة. وعندهم: أنهم هم المحمودون عليها، ولهم الحمد على فعلها، وليس لله حمد على نفس فاعليتها عندهم، ولا على ثوابه وجزائه عليها. أما الأول: فلأن فاعليتها بهم لا به، وأما الثاني: فلأن الجزاء مستحق عليه استحقاق الأجرة على المستأجر، فهو محض حقهم، الذي عاوضوه «١» عليه. وفي قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رد ظاهر عليهم. إذا استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته، فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده، إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده، بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ولا مشيئته.

стр. 53

وفي قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أيضا رد عليهم فإن الهداية المطلقة التامة هي المستلزمة لحصول الاهتداء. ولولا أنها بيده تعالى دونهم لما سألوه إياها، وهي المتضمنة للإرشاد والبيان، والتوفيق والإقدار، وجعلهم مهتدين. وليس مطلوبهم مجرد البيان والدلالة، كما ظنته القدرية. لأن هذا القدر وحده لا يوجب الهدى، ولا ينجي من الردى، وهو حاصل لغيرهم من الكفار، الذين استحبوا العمى على الهدى، واشتروا الضلالة بالهدى. فصل النوع الثاني: أهل الإشراك به في إلهيته، وهم المقرون بأنه وحده رب كل شيء، ومليكه وخالقه، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين، ورب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وهم مع هذا يعبدون غيره، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم، وهم الذين اتخذوا من دون الله أندادا، فهؤلاء لم يوفوا «إياك نعبد» حقه، وإن كان لهم نصيب من «نعبدك» . لكن ليس لهم نصيب من «إياك نعبد» المتضمن معنى: لا نعبد إلا إياك، حبا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما، ف «إياك نعبد» تحقيق لتوحيد لهذا التوحيد، وإبطال للشرك في الإلهية، كما أن «إياك نستعين» تحقيق لتوحيد الربوبية، وإبطال للشرك به فيها، وكذلك قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فإنهم أهل التوحيد، وهم أهل تحقيق إياك نعبد وإياك نستعين» وأهل الإشراك: هم أهل الغضب والضلال. فصل في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه: أحدهما: من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فإن إثبات الحمد الكامل له يقضي

стр. 54

ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق، وغايته: أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون محمودا بكل وجه، وبكل اعتبار، بجميع أنواع الحمد: إلا من استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها. وكذلك في إثبات صفة الرحمة له: ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من الحياة، والإرادة والقدرة، والسمع والبصر، وغيرها. وكذلك صفة الربوبية: تستلزم جميع صفات الفعل، وصفة الإلهية تستلزم جميع أوصاف الكمال: ذاتا وأفعالا، كما تقدم بيانه. فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما، ملكا معبودا، مستعانا، هاديا منعما، يرضى ويغضب، مع نفي قيام الصفات به: جمع بين النقيضين. وهو من أمحل المحال. وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين: أحدهما: أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني: من لوازم رحمته وربوبيته. وهكذا سائر الصفات الخبرية الوجه الثاني: أن السمع ورد بها ثناء على الله ومدحا له، وتعرفا منه إلى عباده بها. فجحدها وتحريفها عما دلت عليه، وأريد بها: مناقض لما جاءت له، فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال، وأن تستدل بالعقل كما تقدم. فصل في تضمنها الرد على الجبرية. وذلك على وجوه: أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه. فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده

стр. 55

على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم، بل هو بمنزلة ألوانهم، وطولهم وقصرهم، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم. فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة، وهو المعاقب لهم عليها. فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء، وينفيه أعظم النفي، فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة. فهي أفعالهم لا أفعاله. وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات الوجه الثاني: إثبات رحمته ورحمانيته تنفي ذلك. إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قط: أن يكون رحمانا رحيما، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه، ولا هو من فعله، بل يكلفه ما لا يطيقه، ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه، وهل هذا إلا ضد الرحمة. ونقض لها وإبطال؟ وهل يصح في معقول أحد: اجتماع ذلك، والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة؟. الوجه الثالث: إثبات العبادة والاستعانة لهم، ونسبتها إليهم بقولهم: «نعبد ونستعين» وهي نسبة حقيقية لا مجازية، والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقة: هو العابد المستعين. والله المعبود المستعان به. فصل في بيان تضمنها للرد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة. وبيان أنه سبحانه فاعل مختار. وذلك من وجوه: أحدها: من إثبات حمده، إذ كيف يحمده على ما ليس مختارا لوجوده، ولا هو بمشيئته وفعله؟ وهل يصح حمد الماء على آثاره وموجباته؟

стр. 56

أو النار والحديد وغيرها في عقل أو فطرة؟ وإنما يحمد الفاعل المختار بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة، هذا الذي ليس في العقول والفطر سواه. فخلافه خارج عن الفطرة والعقل، وهو لا ينكر خروجه عن الشرائع والنبوات بل يتبجح بذلك، ويعده فخرا. الثاني: إثبات ربوبيته تعالى: يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته، وليس يصح في عقل ولا فطرة ربوبية الشمس لضوئها، والماء لتبريده، والنبات الحاصل به، ولا ربوبية شيء أبدا لما لا قدرة له عليه البتة، وهل هذا إلا تصريح بجحد الربوبية؟. فالقوم كنوا للأغمار، وصرحوا لأولي الأفهام. الثالث: إثبات ملكه. وحصول ملك لمن اختار له، ولا فعل ولا مشيئة غير معقول، بل كل مملوك له مشيئة واختيار وفعل أتم من هذا الملك وأكمل: ١٦: ١٧ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. الرابع: من كونه مستعانا، فإن الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محال. الخامس: من كونه مسئولا أن يهدي عباده، فسؤال من لا اختيار له محال. وكذلك من كونه منعما فصل في بيان تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات وذلك من وجوه: أحدها: كمال حمده، وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئا من العالم وأحواله وتفاصيله، ولا عدد الأفلاك، ولا عدد النجوم، ولا من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدعوه ممن لا يدعوه.

стр. 57

الثاني: أن هذا مستحيل أن يكون إلها، وأن يكون ربا، فلا بد للإله المعبود والرب المدبر أن يعلم عابده، ويعلم حاله. الثالث: من إثبات رحمته. فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم. الرابع: إثبات ملكه. فإن ملكا لا يعرف أحدا من رعيته البتة. ولا شيئا من أحوال مملكته البتة. ليس بملك بوجه من الوجوه. الخامس: كونه مستعانا. السادس: كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه. السابع: كونه هاديا. الثامن كونه منعما. التاسع كونه غضبانا على من خالفه. العاشر: كونه مجازيا، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين، فنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله. فصل في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات. وذلك من وجوه: أحدها: إثبات حمده التام. فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزّه نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه. وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة، وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق عظمته، ولا قدره حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده. فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه «أشهد أن محمدا رسول الله» كما يستنبط منه «أشهد ألا إله إلا الله» وعلم قطعا أن

стр. 58

تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات الشركاء والأنداد. الثاني: إلهيته، وكونه إلها. فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله. الثالث: كونه ربا. فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم. وجزاء محسنهم بإحسانه، ومسيئهم بإساءته. هذا حقيقة الربوبية. وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. الرابع: كونه رحمانا رحيما. فإن كمال رحمته: أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه، ويباعدهم منه، ويثيبهم على طاعته، ويجزيهم بالحسنى، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. فكنت رحمته مقتضية لها. الخامس: ملكه. فإن الملك يقتضي التصرف بالقول، كما أن الملك يقضي التصرف بالفعل، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله، والله له الملك وله الملك، فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل. وتصرفه بقوله نوعان: تصرف بكلماته الكونية، وتصرف بكلماته الدينية، وكمال الملك بهما، فإرسال الرسل: موجب كمال ملكه وسلطانه، وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس وعقولهم. فكل ملك لا تكون له رسل يبثها في أقطار مملكته فليس بملك. وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه. فإنهم رسل الله في خلقه وأمره. السادس: ثبوت يوم الدين. وهو يوم الجزاء، الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة،

стр. 59

وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي. السابع: كونه معبودا. فإنه لا يعبد إلّا بما يحبه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله. فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا. الثامن: كونه هاديا إلى الصراط المستقيم. وهو معرفة الحق والعمل به، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب. فإن الخط المستقيم: هو أقرب خط موصل بين نقطتين، وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل. فتوقفه على الرسل ضروري، أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس. التاسع: كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم. فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم، وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته، وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه. العاشر: انقسام خلقه إلى منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين، فإن هذا الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق، والعمل به: إلى عالم به عامل بموجبه، وهم أهل النعمة، وعالم به معاند له، وهم أهل الغضب. وجاهل به، وهم الضالون. وهذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل. فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة. فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة. وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع. فالرسالة ضرورية. وقد تبين لك بهذه الطريق، والتي قبلها: بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني، وقيامة الأبدان، وعرفت اقتضاءها ضرورة ثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهى. وهو الحق الذي خلقت به وله السموات والأرض والدنيا والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيه نفي لهما.

стр. 60

فصل إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم. فإن حقيقة الرسالة: تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثمّ كلام فماذا يبلغ الرسل؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلما، أو يكون القرآن كلامه. فقد أنكر رسالة محمد ﷺ ، بل ورسالة جميع الرسل، التي حقيقتها، تبليغ كلام الله ﵎. ولهذا قال منكرو رسالته ﷺ عن القرآن: ٧٤: ٢٤، ٢٥ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ وإنما عنوا القرآن المسموع الذي بلغوه وأنذروا به. فمن قال: إن الله لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فصل في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه: أحدها: إثبات حمده. فإنه يقتضي ثبوت أفعاله، لا سيما وعامة مواد الحمد في القرآن، أو كلها، إنما هي على الأفعال، وكذلك هو هاهنا. فإنه حمد نفسه على ربوبيته المتضمنة لأفعاله الاختيارية، ومن المستحيل: مقارنة الفعل لفاعله. هذا ممتنع في كل عقل سليم، وفطرة مستقيمة. فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة. وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة، ولا يكون متعلقها قديما البتة. الثاني: إثبات ربوبيته للعالمين. وتقريره: ما ذكرناه، والعالم كل ما

стр. 61

سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب، والمربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديما، وهو مربوب أبدا، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات، فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم. الثالث: إثبات توحيده، فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية، والقدر من خصائص الربوبية، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة، كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره. فصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها. ووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه. ومغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه. وضالون، وهم الذين جهلوه فأخطأوه. فكل من كان أعرف للحق، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم. ولا ريب أن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم: هم أولى بهذه الصفة من الرافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض. ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما، فرأينا أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الكفر، وقلبوها بلاد إسلام، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم. ورأينا

стр. 62

الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان، فإنه قطّ ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جرّوا على الإسلام وأهله من بلية؟ وهل عاثت سيوف المشركين عبّاد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرّائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة. فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال، إن كنتم تعلمون؟ ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، وهو كما فسروه. فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم، وحكم لهم بالضلال، وقال أبو العالية «١» - رفيع الرياحي- والحسن البصري «٢» ، وهما من أجل التابعين: الصراط المستقيم: رسول الله ﷺ وصاحباه، وقال أبو العالية أيضا في قوله

стр. 63

«صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» هم آل رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، وهذا حق: فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة. ولا خلاف بينهم، وموالاة بعضهم بعضا، وثناؤهم عليهما، ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما، معلومة عند الأمة. خاصها وعامها. وقال زيد بن أسلم «١» : الذين أنعم الله عليهم هم رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر. ولا ريب أن المنعم عليهم: هم أتباعه، والمغضوب عليهم: هم الخارجون عن أتباعه، وأتبع الأمة لهم وأطوعهم: أصحابه وأهل بيته. وأتباع الصحابة له: السمع والبصر، أبو بكر وعمر، وأشد الأمة مخالفة لهما هم الرافضة، فخلافهم لهما معلوم عند جميع فرق الأمة، ولهذا يبغضون السنة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها، فهم أعداء سنته ﷺ وأهل بيته. وأتباعه من بنيهم أكمل ميراث؟ بل هم ورثته حقا. فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريق أهل الغضب والضلال: طريق الرافضة. وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج. فإن معاداتهم الصحابة معروفة. فصل وسر الخلق الأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب: انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد. حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب

стр. 64

وأربعة كتب: جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن. وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين: فنصفها له تعالى وهو «إياك نعبد» ونصفهما لعبده وهو «إياك نستعين» وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه. والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع. والعرب تقول: طريق معبد أي مذلّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابدا له، حتى تكون محبا خاضعا، ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكرون لكونه محبوبا لهم، بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم: منكرين لكونه إلها، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم، فهذا غاية توحيدهم. وهو توحيد الربوبية، الذي اعترف به مشركو العرب، ولم يخرجوا به من الشرك، كما قال تعالى: ٤٣: ٨٧ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى: ٣٩: ٣٨ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ٢٣: ٨٤- ٨٩ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها؟. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه. والاستعانة: تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به، لاستغنائه عنه. وقد يعتمد عليه، مع ثقته به لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه. فيحتاج إلى اعتماده عليه. مع أنه غير واثق به. والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة، والاعتماد، وهو حقيقة

стр. 65

«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» وهذان الأصلان- وهما التوكل والعبادة- قد ذكر في القرآن في عدة مواضع، قرن بينهما فيها، هذا أحدها. الثاني: [قوله تعالى في حكاية عن شعيب] «١» : ١١: ٨٨ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. الثالث: قوله تعالى: ١١: ١٢٣: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ. الرابع: قوله تعالى حكاية عن المؤمنين ٦٠: ٤ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. الخامس: قوله تعالى: ٧٣: ٨ و ٩ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. السادس: قوله تعالى: ٣: ١٣ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأن «إياك نعبد» متعلق بألوهيته واسمه «الله» و «إياك نستعين» متعلق بربوبيته واسمه الرب. فقدم «إياك نعبد» على «إياك نستعين» كما تقدم اسم الله على الرب في أول السورة، ولأن «إياك نعبد» قسم الرب. فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به، و «إياك نستعين» قسم العبد، فكان مع الشطر الذي له، وهو «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» إلى آخر السورة.

стр. 66

ولأن العبادة المطلقة: تتضمن الاستعانة، من غير عكس. فكل عابد لله عبودية تامة: مستعين به، ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته. فكانت العبادة أكمل وأتم. ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة. وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه: أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يجب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك. فإذا التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقّها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة. وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه، ولأن «إياك نعبد» له. و «إياك نستعين» به، وما له مقدم على ما به. لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه. وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تتعلق بمشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته. والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار، والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته: طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أهل مشيئة، والمؤمنون أهل محبته. ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا. وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم «إياك نعبد» على «إياك نستعين» . وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه: أدبهم مع الله بتقديم اسمه على فعلهم وفيه الاهتمام وشدة العناية به، وفيه الإيذان بالاختصاص المسمى بالحصر. فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك،

стр. 67

والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها، واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما، وسيبويه نص على الاهتمام، ولم ينف غيره. ولأنه يقبح من القائل: أن يعتق عشرة أعبد مثلا، ثم يقول لأحدهم: إياك أعتقت، ومن سمعه أنكر ذلك عليه، وقال: وغيره أيضا أعتقت. ولولا فهم الاختصاص لما قبح هذا الكلام، ولا حسن إنكاره. وتأمل قوله تعالى: ٢: ٤٠ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٢: ٤١ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ كيف تجده في قوة: لا ترهبوا غيري، ولا تتقوا سواي؟ وكذلك «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» هو في قوة: لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك، وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص من هذا السياق، ولا عبرة بجدل من قلّ فهمه، وفتح عليه باب الشك والتشكيك، فهؤلاء هم آفة العلوم، وبلية الأذهان والفهوم، مع أن في ضمير «إياك» من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك قصدت، وأحببت» من الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: قصدتك وأحببتك. وإياك أعني: فيه معنى نفسك وذاتك وحقيقتك أعني. ومن هاهنا قال من قال من النحاة: إن «إيّا» اسم ظاهر، مضاف إلى الضمير المتصل، ولم يردّ بردّ شاف. ولولا أنّا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا مذاهب النحاة فيها، ونصرنا الراجح، ولعل أن نعطف على ذلك بعون الله. وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلا: إياك أحب، وإياك أخاف. كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته، والاهتمام بذكره ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف.

стр. 68

فصل إذا عرف هذا: فالناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام. أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الربّ ﵎ الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبّه معاذ بن جبل «١» . فقال «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» «٢» . فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه. فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . ومقابل هؤلاء: القسم الثاني: وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا عبادة ولا استعانة بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه، فإنه سبحانه يسأله من في السموات والأرض: يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمدّ هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه: عدوه إبليس ومع هذا فسأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونا

стр. 69

له على مرضاته: كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونا على طاعته، كان مبعدا له عن مرضاته، قاطعا له عنه ولا بد. وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة كل سائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه: فيظن بجهله أن الله لا يحبه ولا يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا: حمله على الأقدار. وعتابه الباطن لها. كما قيل: وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا فو الله لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه، وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي؟ والأمر ليس إليّ، والعاقل خصم نفسه والجاهل خصم أقدار ربه، فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته وعاقبته مغيبة عنك، وإذا لم تجد من سؤاله بدا، فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة، وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة، ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة بل استخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها، ولا اهتداء له إلى تفاصيلها. ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك، وانفرط عليه أمره. وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال: تسأله أن يجعله عونا على طاعته وبلاغا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعا لك عنه، ولا مبعدا عن مرضاته. ولا تظن أن عطاءه كلّ ما أعطى لكرامة عبده عليه ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه، ولكن عطاءه

стр. 70

ومنعه ابتلاء وامتحان، يمتحن بهما عباده. قال الله تعالى: ٨٩: ٢٥ و ١٦ فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، كَلَّا أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته: فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته عليّ ولكنه ابتلاء مني وامتحان له: أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إياه، وأخول فيه غيره؟ وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه، وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من هوانه عليّ، ولكنه ابتلاء وامتحان مني له: أيصبر؟ فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق، أم يتسخط؟ فيكون حظه السخط. فرد الله سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام، وأن الفقر إهانة، فقال: لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه عليّ. فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتّر على المؤمن لا لإهانته، إنما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغني الحميد. فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . فصل القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة. وهؤلاء نوعان. أحدها: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل. فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل. فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة: فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفق

стр. 71

هؤلاء لا بتوفيق زائد، أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر، أوجب لهم الكفر، فعباد هؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه: فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول. فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من «إياك نستعين» ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم. ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه، وكان مأمورا بإزالته، لأزاله. فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة؟. قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، وتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه مليّ به، ولا يكون إلا بمشيئته، شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليّان بهما. فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبس همّه على إنزال ما ينويه بهما. فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بد. قال الله تعالى: ٦٥: ٣ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ

стр. 72

عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي كافيه. والحسب: الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة، وإن لم يكن من أهل التقوى فهو: القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضرر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به فقضيت له، وأسعف بها، ولكن لا عاقبة له، سواء كانت أموالا أو رئاسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا، من كشف وتأثير وقوة وتمكين. فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم الإسلام، فضلا عن الولاية والقرب من الله. فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر. فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين. فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم معرفة بالله ودينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه، فالحال من الدنيا. فهو كالملك والمال، إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته، وتنفيذ أوامره، ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على صاحبه ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة. فصل إذا عرف هذا: فلا يكون العبد متحققا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين. أحدهما: متابعة الرسول ﷺ . والثاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق «إياك نعبد» . والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام: أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة. وهم أهل «إياك نعبد» حقيقة، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم

стр. 73

لله، وبغضهم لله. فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده. لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربا من ذمهم. بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فالعمل لأجل هؤلاء، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم، لا يكون من عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم. ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم، وكذلك أعمالهم كلها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه. وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله. قال الله تعالى ٦٧: ٢ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا، قال الفضيل بن عياض «١» : هو أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا على: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا. لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله تعالى ١٨: ١١٠ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

стр. 74

وفي قوله ٤: ١٢٥ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا. وفي الصحيح عن النبي ﷺ «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا. فإن الله تعالى إنما بعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء. فصل الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقا لشرع، ولا هو خالصا للمعبود، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله. وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله . ولهم أوفر نصيب من قوله ٣: ١٨٨ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص. وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات، والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم. فهم أهل الغضب والضلال. الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره، واعتقده قربة إلى الله فهذا حاله، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة. وأمثال ذلك.

стр. 75

الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر، لكنها لغير الله. كطاعة المرائين، وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة، ويحج ليقال، ويقرأ القرآن ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير خالصة فلا تقبل ٩٨: ٥ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر، والإخلاص له في العبادة. وهم أهل «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» . فصل ثم أهل مقام «إياك نعبد» لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصص أربعة طرق. فهم في ذلك أربعة أصناف. الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها. قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبد. قالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثا لا أصل له «أفضل الأعمال أحمزها» أي أصعبها وأشقها، وهؤلاء: هم أهل المجاهدات والجور على النفوس. قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهانة، والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان، وطرح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. ثم هؤلاء قسمان: فعوامهم: ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه. ودعوا الناس
следующие страницы →