Полный текст (664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حبسناهم عن الاتفاق. قال أبو إسحاق: إنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان، أي لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق. فقال أبو علي: هذا مثل قولهم: طوقتك كذا وقلدتك. ومنه: قلده السلطان كذا، أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق.
قلت: ومن هذا قولهم: قلدت فلانا حكم كذا وكذا. كأنك جعلته طوقا في عنقه. وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ٧: ١٥٧ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها. قال الحسن: هي الشدائد التي كانت في العبادة. كقطع أثر البول والنجاسة، وقتل النفس في التوبة. وقطع الأعضاء الخاطئة. وتتبع العروق من اللحم. وقال ابن قتيبة: هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد ﷺ وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع، كما يفيض الغل اليد.
وقوله: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ قالت طائفة: الضمير يعود إلى الأيدي، وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها. قالوا: لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد. ولذلك سمي جامعة. وعلى هذا فالمعنى: فأيديهم، أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم. وهذا قول الفراء والزجاج.
وقالت طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال. وهذا هو الظاهر. وقوله:
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ أي واصلة وملزوزة إليها، فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن.
وقوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال الفراء والزجاج: المقمح: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه. ومعنى الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر. يقال: أقمح البعير رأسه، وقمح. وقال الأصمعي: بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. قال الأزهري: لما غلت أيديهم إلى
стр. 422
أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها انتهى.
فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والايمان.
قيل: أحسن وجه وأبينه. فإن الغل إذا كان في العنق واليد. مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش. فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن منع الرأس من تصويبه. وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه، لا تستطيع له حركة، ثم أكد هذا المعنى والحبس قوله:
[سورة يس (٣٦) : آية ٩]
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
قال ابن عباس: منعهم عن الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى. فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الايمان، عقوبة لهم، ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال يوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم، وضمت أيديهم إليها وجعلوا بين السدين، لا يستطيعون النفوذ من بينها، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا.
وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقة له أتم مطابقة، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما بين هذا وبين التصرف. والله المستعان.
стр. 423
سورة الصافات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٨]
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)
قول الله تعالى:
قال تعالى عن نوح: ٣٧: ٧٨- ٨٠ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
وقال عن إبراهيم خليله: ٣٧: ١٠٨، ١٠٩ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ.
وقال في موسي وهارون: ٣٧: ١١٩، ١٢٠ وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ.
وقال: ٣٧: ١٣٠ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ.
فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين: هو السلام عليهم المذكور.
وقد قال جماعة من المفسرين، منهم: مجتهد وغيره «وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ» الثناء الحسن، ولسان الصدق للأنبياء كلهم. وهذا قول قتادة أيضا. ولا ينبغي أن يحكى هذا قولان للمفسرين، كما يفعله من ليس عناية
стр. 424
بحكاية الأقوال، بل هما قول واحد.
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٩]
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
فمن قال: إن المتروك هو السلام عليهم في الأخرى نفسه، فلا ريب أن قوله «سَلامٌ عَلى نُوحٍ» جملة في موضع نصب بتركنا. والمعنى: أن العالمين يسلمون على نوح ومن بعده من الأنبياء.
ومن فسره بلسان الصدق والثناء الحسن. نظر إلى لازم السلام وموجبه، وهو الثناء عليهم، وما جعل لهم من لسان الصدق الذي لأجله إذا ذكروا سلم عليهم.
وقد زعمت طائفة، منهم: ابن عطية وغيره. أن من قال: تركنا عليه ثناء لها حسنا ولسان صدق. كان: «سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ» جملة ابتدائية، لا محل من الإعراب. وهو سلام من الله سلم به عليه.
قالوا: فهذا السلام من الله أمنة لنوح في العالمين أن يذكره أحد بشر:
قاله الطبراني.
وقد يقوي هذا القول: أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الأخرى وأن المسلم عليه في العالمين، وبأن ابن عباس ﵄ قال: أبقى الله عليه ثناء حسنا. وهذا القول ضعيف لوجوه.
أحدها: أنه يلزم منه حذف المفعول لتركنا، ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير، فإن المعنى يؤول إلى: أنا تركنا عليه في الآخرين أمرا لا ذكر له في اللفظ. لأن السلام عند هذا القائل منقطع بما قبله، لا تعلق له بالفعل.
الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفا كما ذكره لذكروه في موضع واحد، ليدل على المراد منه عند حذفه. ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن. وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح: أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر، لدلالة فصيح: أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر، لدلالة
стр. 425
المذكور على المحذوف. وأكثر ما تجده مذكورا وحذفه قليل. وإما أن يحذف حذفا مطردا ولم يذكره في موضع واحد، ولا في اللفظ ما يدل عليه.
فهذا لا يقع في القرآن.
الثالث: أن في قراءة ابن مسعود، وتركنا عليه في الآخرين. سلاما فالنصب وهذا يدل على أن المتروك هو السلام نفسه.
الرابع: أنه لو كان السلام منقطعا مما قبله لأخل ذلك بفصاحة الكلام وجزالته، ولما حسن الوقوف على ما قبله.
وتأمل هذا بحال السامع إذا سمع قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ كيف يجد قلبه متشوفا متطلعا إلى تمام الكلام واجتناء الفائدة منه، ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتمت، ليظهر عندها، بل يبقى طالبا لتمامها وهو المتروك. فالوقف على «الآخرين» ليس بوقف تام.
فإن قيل: فيجوز حذف المحذوف من هذا الباب، لأن «ترك» هنا في معنى «أعطى» لأنه أعطاه ثناء حسنا أبقاه عليه في الأخرى ويجوز في باب «أعطى» ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما: وقد وقع ذلك في القرآن. كقوله: ١٠٨: ١ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فذكرهما. وقال:
٩٢: ٥ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى فحذفهما. وقال لسوف: ٩٨: ٥ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فحذف الثاني، واقتصر على الأول. وقال: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ فحذف الأول. واقتصر على الثاني.
قيل: فعل الإعطاء فعل مدح، لفظه دليل على أن المفعول المعطي قد ناله عطاء المعطى والإعطاء إحسان ونفع وبر، فجاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما بحسب الغرض المطلوب من الفعل.
فإن كان المقصود إيجاد ماهية الإعطاء المخرجة للعبد من البخل والشح والمنع، المنافي للإحسان ذكر الفعل مجردا. كما قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ
стр. 426
أَعْطى وَاتَّقى
ولم يذكر ما أعطى، ولا من أعطى. وتقول فلان يعطي ويتصدق ويهب ويحسن،
وقال النبي ﷺ «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت»
لما كان المقصود بهذا تفرّد الرب سبحانه بالإعطاء والمنع لم يكن لذكر المعطى ولا لحظ المعطى معنى، بل المقصود: أن حقيقة الإعطاء والمنع إليك لا إلى غيرك، بل أنت المتفرد بها، لا يشركك فيها أحد، فذكر المفعولين هنا يخلّ بتمام المعنى وبلاغته.
وإذا كان المقصود ذكرهما ذكرا معا كقوله تعالى: ١٠٨: ١ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فإن المقصود إخباره لرسوله ﷺ بما خصه به وأعطاه إياه من الكوثر. ولا يتم هذا إلا بذكر المفعولين. وكذا قوله تعالى: ٧٦: ٨ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً.
وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه. كقوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ المقصود به: أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم، ولا يهملونه.
فذكره لأنه هو المقصود.
وقوله ان أهل النار: ٧٤: ٤٣، ٤٤ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للاطعام أنهم بخلوا عنه. ومنعوه حقه من الإطعام، وقست قلوبهم عنه كان ذكره هو المقصود، دون ذكر المطعوم.
وتدبر هذه الطريقة في القرآن، وذكره للأهم المقصود، وحذفه لغيره، يطلعك على باب من أبواب إعجازه وكمال فصاحته.
وأما فعل الترك: فلا يشعر بشيء من هذا، ولا يمدح به. فلو قلت:
فلان يترك لم يكن مفيدا فائدة أصلا، بخلاف قولك: يطعم، ويعطي، ويهب، ونحوه، بل لا بد أن تذكر ما يترك. ولهذا لا يقال: فلان يأكل، ويقال: مطعم ومطعم. ومن أسمائه سبحانه المعطى.
فقياس «ترك» على «أعطى» من أفسد القياس.
стр. 427
وسَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ جملة محكية. قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين من الأمم. هذه الكلمة- وهي سَلامٌ عَلى نُوحٍ- يعني يسلمون عليه تسليما. ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت: سورة أنزلناها.
الخامس: أنه قال: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين، ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام العالمين عليه، كلهم يسلم عليه، ويثني عليه، ويدعو له. فذكره بالسلام عليه فيهم.
وأما سلام الله سبحانه عليه. فليس مقيدا بهم، ولهذا لا يشرع أن يسأل الله تعالى مثل ذلك: فلا يقال: السلام على رسول الله في العالمين، ولا: اللهم سلم على رسولك في العالمين، ولو كان هذا هو سلام الله لشرع أن يطلب من الله على الوجه الذي سلم به.
وأما قولهم: إن الله سلم عليه في العالمين. وترك عليه في الآخرين.
فالله أبقى على أنبيائه ورسله سلاما وثناء حسنا فيمن تأخر بعدهم، جزاء على صبرهم وتبليغهم رسالات ربهم، واحتمالهم للأذى من أممهم في الله. وأخبر أن هذا المتروك على نوح هو عام في العالمين، وأن هذه التحية ثابتة فيهم جميعا، لا يخلون منها. فأدامها عليه في الملائكة والثقلين طبقا بعد طبق، وعالما بعد عالم مجازاة لنوح ﵇ بصبره، وقيامه بحق ربه، وبأنه أول رسول أرسله إلى أهل الأرض. وكل المرسلين بعده بعثوا بدينه، كما قال تعالى: ٤٢: ١٣ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية.
وقولهم: إن هذا قول ابن عباس، فقد تقدم. أن ابن عباس وغيره:
إنما أرادوا بذلك أن السلام عليهم من الثناء الحسن ولسان الصدق. فذكروا بمعنى السلام عليه وفائدته. والله سبحانه أعلم.
стр. 428
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٣٠]
سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠)
فهذه الآية فيها قراءتان.
إحداهما: إلياسين بوزن إسماعيل. وفيه وجهان.
أحدهما: أنه اسم ثان للنبي إلياس والياسين. كميكال وميكائيل.
والوجه الثاني: أنه جمع وفيه وجهان.
أحدهما: أنه جمع إلياس. وأصله إلياسين. بياءين. كعبرانيين.
خففت إحدى الياءين. فقيل: إلياسين. والمراد: أتباعه، كما حكي سيبويه: الأشعرون مثله الأعجمون والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء.
والقراءة الثانية سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ وفيه أوجه.
أحدها: أن «ياسين» اسم لأبيه، فأضيف إليه الآل، كما يقال: آل إبراهيم.
والثاني: أن «آل ياسين» هو إلياس نفسه. فيكون «آل» مضافة إلى «ياسين» والمراد بالآل: ياسين نفسه: كما ذكر الأولون.
والثالث: أنه على حذف ياء النسب، فيقال: ياسين وأصله:
ياسيين، كما تقدم. وآلهم أتباعهم على دينهم.
والرابع: أن «ياسين» هو القرآن، وآله هم أهل القرآن.
والخامس: أنه النبي ﷺ ، وآله أقاربه وأتباعه. كما سيأتي وهذه الأقوال كلها ضعيفة.
والذي حمل قائليها عليها: استشكالهم إضافة آل إلى «ياسين» واسمه «الياس» و «الياسين» ورووها في المصحف مفصولة. وقد قرأها بعض القراء «آلياسين» فقال طائفة منهم: له أسماء ياسين، والياسين. وإلياس.
стр. 429
وقالت طائفة: ياسين: اسم لغيره.
ثم اختلفوا: فقال الكلبي «ياسين» محمد ﷺ .
وقالت طائفة: هو القرآن. وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه.
والصواب- والله أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة «آل ياسين» كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع المحذوف. وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها، فحذفوا منها ما لا لبس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال. ولهذا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني. ولا يحذفونها من ليتني. ولما كانت اللام في «لعل» شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين. ومرة: إلياس. ومرة: ياسين، وربما قالوا:
يأس.
ويكون على إحدى القراءتين: قد وقع السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى: على آله.
стр. 430
سورة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة ص (٣٨) : آية ٥٠]
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠)
تأمل قوله، كيف تجد تحته معنى بديعا؟ وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي. وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها. كما قال تعالى: ١٠٤: ٨ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي مطبقة مغلقة. ومنه سمي الباب وصيدا. وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها. كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.
قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة. فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم. ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وأيضا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف
стр. 431
والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت.
وأيضا فيه إشارة إلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا.
وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه الجملة. فقال الكوفيون: التقدير مفتحة لهم أبوابها. والعرب تعاقب بين الألف واللام والاضافة، فيقولون: مررت برجل حسن العين، أي عينه. ومنه قوله تعالى: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى أي مأواه. وقال بعض البصريين: التقدير مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به.
قال: وهذا التقدير في العربية أجود من أن يجعل الألف واللام بدلا من الهاء والألف. لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء. لأن الهاء والألف اسم، والألف واللام دخلتا للتعريف. فلا يبدل حرف من اسم، ولا ينوب عنه.
قالوا: وأيضا لو كانت الألف واللام بدلا من الضمير لوجب أن يكون في «مفتحة» ضمير الجنات، ويكون المعنى: مفتحة هي، ثم أبدل منها الأبواب ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب، لكون «مفتحة» قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن يرفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد.
فلما ارتفع «الأبواب» دل على أن «مفتحة» حال من ضمير، و «الأبواب» مرتفعة يه. وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن الوجه. ولو رفعت الوجه ونونت «حسنا» لم يجز. فالألف واللام إذا للتعريف ليس إلا، فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو «جنات عدن» ولا ضمير في اللفظ. فهو محذوف، تقديره: الأبواب منها.
وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين. فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه. وإجماع العرب على قولهم: حسن الوجه، وحسن وجهه: شاهد بذلك. وقد قالوا: إن التنوين
стр. 432
بدل من الألف واللام، بمعنى أنهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون بدلا من التنوين والتنوين بدلا من الاضافة بمعنى التعاقب والتوارد. ولا يريدون بقولهم: هذا بدل من هذا: أن معنى البدل معنى المبدل منه، بل قد يكون في كل منهما معنى لا يكون في الآخر.
فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في «الأبواب» أغنت عن الضمير أو قيل: أبوابها، وهذا صحيح. فإن المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمر يجعلها له، لا مستقلة. فلما كان الضمير عائدا على الموصوف نفي توهم الاستقلال وكذلك لام التعريف فإن كلا من الضمير واللام يعين صاحبه، هذا يعين مفسره وهذا يعين ما دخل عليه. وقد قالوا في زيد نعم الرجل: أن الألف واللام أغنت عن الضمير. والله أعلم.
وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابا اعترض عليه فيه. فقال «جنات عدن» معرفة لقوله: ١٩: ٦١ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وانتصابها على أنها عطف بيان لَحُسْنَ مَآبٍ و «مفتحة» حال، والعامل فيها ما في «المتقين» من معنى الفعل. وفي «مفتحة» ضمير الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل. وهو من بدل الاشتمال. هذا إعرابه.
فاعترض عليه بأن «جنات عدن» ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأما قوله «التي وعد الرحمن عباده» فبدل لا صفة. وبأن جنات عدن لا يسهل أن يكون عطف بيان لحسن مآب، على قوله. لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به. فإن القائل قائلان. أحدهما: أنه لا يكون إلا في المعارف، كقول البصريين. والثاني: أنه يكون في المعارف والنكرات، بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي.
وقوله: إن في «مفتحة» ضمير الجنات. فالظاهر خلافه. فإن الأبواب ترتفع به ولا ضمير فيه.
стр. 433
وقوله: إن «الأبواب» بدل اشتمال. فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره: أنه لا بد فيه من الضمير. وإن نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظا به. وأن يكون مقدرا. وهاهنا لم يلفظ به. فلا بد من تقدير، أي الأبواب منها. فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها:
كان فيه تكثير للاضمار وتقليله أولى.
[سورة ص (٣٨) : آية ٧٥]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥)
إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردا، ومثنى، ومجموعا.
فالمفرد: كقوله: ٦٨: ١ بِيَدِهِ الْمُلْكُ والمثنى كقوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ والمجموع كقوله: عَمِلَتْ أَيْدِينا.
فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعلى بالباء إليهما، وقال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعدّ الفعل بالباء.
فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل «خلقت بيدي» من المجاز ما يحتمله عَمِلَتْ أَيْدِينا فإن كل أحد يفهم من قوله: عَمِلَتْ أَيْدِينا ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وأما قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟
وسرّ الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه. كقوله: بِما قَدَّمَتْ يَداكَ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده.
стр. 434
ولهذا قال عبد الله بن عمر «إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده» فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة.
وقد أخبر النبي ﷺ أن «أهل الموقف يأتونه يوم القيامة، فيقولون:
يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده»
وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له
«اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك الألواح بيده»
وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده»
وهو من أصح الأحاديث. وكذلك
الحديث المشهور «أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون، وينكحون، ويركبون، فأجعل لهم الدنيا ولنا الأخرى، فقال الله تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان» .
وهذا التخصيص إنما فهم من قوله «خلقت بيديّ» فلو كان مثل قوله:
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن قوله: ٣٨: ٧٥ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله:
٣٦: ٧١ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً خطأ محضا.
стр. 435
سورة الزمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٢٩]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)
هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد. فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون، مختلفون متشاحّون.
والرجل الشّكس: الضيق الخلق. فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتّى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه. فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه فهل يستوي هذان العبدان؟
وهذا من أبلغ الأمثال. فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين الْحَمْدُ لِلَّهِ. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
стр. 436
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٢]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)
احتج المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ونحو ذلك من الآيات.
فأجاب الأكثرون: بأنه عام مخصوص، يختص محل النزاع، كسائر الصفات: من العلم والنحو. قال ابن عقيل في الإرشاد: ووقع نحو لي هذا أن القرآن لا تتناوله هذه الأخبار، ولا تصلح لتناوله، قال: لأن به حصل عقد الإعلام بكون الله خالقا لكل شيء، وما حصل به عقد الأعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت الخبر. قال: ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كذبا. لا يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به.
قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله في قصة مريم:
١٩: ٢٦ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها. فقولها «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» به يحصل إخبارها بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلا تحت الخبر، وإلا كان قولها مخالفا لنذرها.
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٧٣]
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣)
عقّب دخولها على الطيب بحرف الفاء، الذين يؤذن بأنه سبب للدخول، أي بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها- فإنها دار الطبيين لا يدخلها إلا طيب.
وقال في حادي الأرواح:
стр. 437
قال لأهل الجنة: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بالواو.
وقال في صفة النار: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها بغير واو.
فقالت طائفة: هذه واو الثمانية. دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية، وأبواب النار سبعة، فلم تدخلها الواو. وهذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية. وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين.
وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة. والجواب الفعل الذي بعدها، كما هو في الآية الثانية. وهذا أيضا ضعيف. فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليق بأسفه الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة.
وقالت طائفة ثالثة: الجواب محذوف.
وقوله: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها عطف على قوله: جاؤُها وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد والزجاج وغيرهم.
قال المبرد: وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم.
وقال أبو الفتح ابن جنّي: وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أن الجواب محذوف للعلم به.
بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل النار؟
فيقال: هذا أبلغ في الموضعين. فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها، وأبوابها مغلقة، حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم، فيفجؤهم العذاب بغتة فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة. فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط: أن يكون عقيبه. والنار دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها، ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من
стр. 438
الدخول. وأما الجنة فإنها دار الله، ودار كرامته، ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتتحها ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم. فيقول «أنا لها» فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا حربه فيدعه ربه ساجدا ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها، فيشفعه، ويفتحها تعظيما لخاطرها، وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وأن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة، التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة، حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله، وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم. وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدّر بخلاف ذلك، لئلا ينوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء. فجنة الله عالية غالية، وبين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلّا به. فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار؟ فليعد عنها إلى ما أولى به. وقد خلق له وهيئ له.
وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا: من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم، كل زمرة على حدة، كمشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت إجماعهم على الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا، ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدار الأخرى: النار يساقون إليها زمرا يلعن بعضهم بعضا، ويتأذى بعضهم ببعض. وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة. من أن يساقوا واحدا واحدا.
فلا تهمل وتدبر قوله: زُمَراً وقول خزنة الجنة لأهلها «سَلامٌ
стр. 439
عَلَيْكُمْ»
فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم قالوا لهم «طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» أي سلامتكم ودخولكم الجنة بطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين، فبشروهم بالسلامة والطيب، والدخول والخلود.
أما أهل النار فإنهم حين انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن، فتحت لهم أبوابها وقفوا عليها، وزيدوا على ما هم عليه: توبيخ خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟» فاعترفوا وقالوا «بلى» فبشروهم بدخول النار والخلود فيها، وأنها بئس المثوى والمآب لهم.
وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها «ادخلوها» وقول خزنة النار لأهلها «ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ» تجد تحته سرا لطيفا، ومعنى بديعا، لا يخفى على المتأمل. وهو أنه لما كانت النار دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرا، وأعظمه غما، يستقبل الداخل فيها من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغم والخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب. فقيل «ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ» صغارا لهم، وإذلالا وخزيا. ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم العذاب على مجرد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن وراءها الخلود في النار.
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٧٥]
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
وأمام الجنة: فهي دار الكرامة، والمنزل الذي أعده الله لأوليائه، فبشّروا من أول وهلة بالدخول إلى الأرائك والمنازل والخلود فيها.
٣٩: ٧٥ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
فحذف فاعل القول، لأنه غير معين، بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم به، فيحمده السموات وأهل الأرض: الأبرار،
стр. 440
والفجار، والإنس والجن، حتى أهل النار.
قال الحسن: وغيره: لقد دخلوا النار، وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا لهم عليه سبيلا.
وهذا- والله أعلم- هو السر الذي الذي حذف لأجله الفاعل في قوله:
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها وفي قوله: ٦٦: ١٢ وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ كأن الكون كله نطق بذلك، وقال لهم ذلك، والله أعلم بالصواب.
стр. 441
سورة غافر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة غافر (٤٠) : آية ٣٧]
أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)
قرأ أهل الكوفة «وصد» على البناء للمفعول، حملا على «زين» وقرأه الباقون «وصد» بفتح الصاد، ويحتمل معنيين.
أحدهما: أعرض، فيكون لازما.
والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان.
وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: ١٠: ٨٨، ٨٩ وَقالَ مُوسى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما.
فهذا الشد على القلب: هو الصد والمنع، ولهذا قال ابن عباس:
стр. 442
يريد منعها، والمعنى قسّها واطبع عليها، حتى لا تلين، ولا تنشرح للايمان.
وهذا مطابق لما في التوراة: إن الله سبحانه قال لموسى: اذهب إلى فرعون، فإني سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى أظهر آياتي وعجائبي بمصر.
وهذا الشد والتقسية، من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، فإنه جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم، كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا، فهو حسن منه، وأقبح شيء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع لهما والمقضي المقدر يكون من العبد ظلما وجورا وسفها، وهو فعل جاهل ظالم سفيه.
стр. 443
سورة حم السجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٦]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)
لا ريب أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم، لأن النحس أصابهم فيها، وإن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين، فهي نحس على المكذبين، سعد للمؤمنين.
وهذا كيوم القيامة، فإنه عسير على الكافرين، يوم نحس لهم، يسير على المؤمنين، يوم سعد لهم.
قال مجاهد: أيام نحسات مشائيم، وقال الضحاك: معناه شديد، أي شديد البرد، حتى كان البرد هذابا لهم.
وقال أبو على: وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد:
كأن سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا
وقال ابن عباس: نحسات متتابعات. وكذلك قوله: ٥٤: ١٩ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ.
стр. 444
وكان اليوم نحسا عليهم لإرسال العذاب عليهم فيه، أي لا يقلع فيه، أي لا يقلع عنهم، كما تقلع مصائب الدنيا التي تأتي وتذهب، بل هذا النحس دائم على هؤلاء المكذبين للرسل.
و «مستمر» صفة للنحس، لا لليوم، ومن ظن أنه صفة لليوم، وأنه كان يوم أربعاء آخر شهر، وأن هذا اليوم نحس أبدا. فقد غلط وأخطأ فهم القرآن، فإن اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه، فكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم، وكم له فيه من بلايا ونقم على أعدائه، كما يقع ذلك في غيره من الأيام، فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال، وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال: إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل.
واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة، كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين.
وقال تعالى: ٤١: ٣٣ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وقال تعالى: ٨٢: ١٠٨ قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ، أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وسواء كان المعنى: أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، أو كان الوقف عند قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ثم يبتدئ: عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي فالقولان متلازمان. فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله. فمن دعا إلى الله تعالى. فهو على سبيل رسوله ﷺ ، وهو على بصيرة، وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله، ولا هو على بصيرة، ولا هو من أتباعه. فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم. والناس تبع لهم. والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه وضمن له حفظه وعضمته من الناس.
وهؤلاء المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه، وتبليغهم له، وقد أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه ولو آية، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثا.
стр. 445
وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو. لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس. وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم. جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه.
وهم كما قال عمر بن الخطاب في خطبته التي ذكرها ابن وضاح في كتاب الحوادث والبدع له، إذ قال:
«الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بكتاب الله أهل العمى، كم من قتيل لا بليس قد أحيوه. وضال قد هدوه، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم. يغلبونهم في سالف الدهر، وإلى يومنا هذا. فما نسيهم ربك. وما كان ربك نسيا، جعل قصصهم هدى، وأخبر عن حسن مقالتهم، فلا تقصر عنهم، فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة» .
وقال عبد الله بن مسعود «إن لله عند كل بدعة كيد بها للإسلام وليا من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلاماتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله» .
ويكفي في هذا
قول النبي ﷺ لعلي ولمعاذ أيضا «لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النعم»
وقوله ﷺ «من أحيي شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين. وضم بين إصبعيه»
وقوله «من دعا إلى الهدى فأتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة» .
فمتى يدرك العامل هذا الفضل العظيم. والحظ الجسيم بشيء من علمه. وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
стр. 446
سورة الشورى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشورى (٤٢) : آية ١١]
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
معناها: أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة، قال الكلبي: يكثرها لكم ويكثر نسلكم في هذا التزويج، ولولا هذا التزويج لم يكثر النسل.
والمعنى: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر: من جعله لكم وللأنعام أزواجا، فإن سبب خلقتنا وخلق الحيوان بالأزواج.
والضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الجعل.
ومعنى «الذرء» الخلق، وهو هاهنا الخلق الكثير، فهو خلق وتكثير.
فقيل «في» بمعنى الباء، أي يكثركم بذلك. وهذا قول الكوفيين.
والصحيح: أنها على بابها، والفعل متضمن معنى ينشئكم، وهو يتعدى بفي كما قال تعالى: ٥٦: ٦١ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
.
стр. 447
[سورة الشورى (٤٢) : آية ٤٩]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩)
قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام، اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه وكفى بالعبد تعرضا لمقته:
أن يتسخط ما وهبه.
وبدأ سبحانه بذكر الإناث. فقيل: خيرا لهن لأجل استقبال الوالدين لمكانهما.
وقيل- وهو أحسن- إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء، لا لما يشاء الأبوان. فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان.
وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات، حتى كأن الغرض بيان أن هذا النوع المؤخر الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر.
وتأمل كيف نكّر سبحانه الإناث، وعرف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير للذكور بالتعريف. فإن التعريف تنزيه. كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم.
[سورة الشورى (٤٢) : آية ٥٠]
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)
ثم لما ذكر الصنفين معا قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير. والله أعلم بما أراد من ذلك.
والمقصود: أن التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية الذين ذمهم الله سبحانه في قوله: ١٦: ٥٨ وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ، أَمْ يَدُسُّهُ فِي
стр. 448
التُّرابِ؟ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
وقال تعالى: ٤٣: ١٧ وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ.
ومن هاهنا عبّر بعض المعبرين لرجل قال له: رأيت كأن وجهي أسود.
فقال له: ألك امرأة حامل؟ قال: نعم. قال تلد لك أنثى؟
[سورة الشورى (٤٢) : آية ٥٢]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)
قد قيل: إن الضمير في «جعلناه» عائدا إلى الأمر. وقيل: إلى الكتاب. وقيل: إلى الإيمان.
والصواب: أنه عائد إلى «الروح» أي جعلنا الذي أوحيناه إليك نورا، فسماه روحا لما يحصل به من الحياة الطيبة، والعلم والقوة. وجعله نورا لما يحصل به من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان. فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة.
فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميت مظلم، كما أن من فارق بدنه روح الحياة فهو هالك مضمحل.
فلهذا يضرب المثلين المائي والناري لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة.
стр. 449
سورة الدخان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الدخان (٤٤) : آية ٥١]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١)
المقام: موضع الإقامة. و «الأمين» الآمن من كل سوء وآفة ومكروه. وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها. فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص. وأهله آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد، والبلد الأمين الذي قد أمن أهله فيه مما يخاف منه سواهم.
وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله: ٤٤: ٥١ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ وفي قوله تعالى: ٤٤: ٥٥ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ فجمع لهم بين أمن المكان. وأمن الطعام. فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها. فلا يخافون ذلك، وأمن الموت، فلا يخافون فيها موتا.
٤٤: ٥٢- ٥٦ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ. كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ. يَدْعُونَ فِيها
стр. 450
بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ. لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
. جمع لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة بمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم لجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها ومضرتها وغائلتها، وختام ذلك: أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا.
[سورة الدخان (٤٤) : آية ٥٤]
كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)
«والحور» جمع حوراء. وهي المرأة الشابة الحسناء، الجميلة، البيضاء شديدة سواد العين. وقال زيد بن أسلم: الحوراء التي يحار فيها الطرف. و «عين» حسان الأعين. وقال مجاهد: الحوراء التي يحار فيها الطرف، من رقة الجلد، وصفاء اللون. وقال الحسن: الحوراء شديدة بياض العين، شديدة سواد العين.
واختلف في اشتقاق هذه اللفظة. فقال ابن عباس: الحور في كلام العرب: البيض. وكذلك قال قتادة: والحور البيض. وقال مقاتل: الحور البيض الوجوه وقال مجاهد: الحور العين: التي يحار فيهن الطرف، باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون، وهذا من الاتفاق. وليست اللفظة مشتقة من الحيرة. وأصل الحور: البياض، والتحوير التبييض. والصحيح:
أن الحور مأخوذ من الحور في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها. فهو يتضمن الأمرين. وفي الصحاح للجوهري «الحور» شدة بياض العين في شدة سوادها، وامرأة حوراء بينة الحور. وقال أبو عمرو:
الحور: أن تسود العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. وليس في بني آدم حور وإنما قيل للنساء: حور العين. لأنهن شبهن بالظباء والبقر. وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين؟
قلت: خالف أبو عمرو أهل اللغة في اشتقاق اللفظة، ورد الحور
стр. 451
إلى السواد، والناس غيره إنما ردوه إلى البياض، وإلى بياض في سواد.
والحور في العين معنى يلتئم من حسن البياض والسواد وتناسبهما، واكتساب كل واحد منهما الحسن من الآخر. ويقال عين حوراء، إذا اشتد بياض أبيضها وسواد أسودها. ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد.
«والعين» جمع عيناء. وهي العظيمة العين من النساء، ورجل أعين:
إذا كان ضخم العين. وامرأة عيناء. والجمع عين. والصحيح: أن العين هن اللاتي جمعت أعينهن صفات الحسن والملاحة. قال مقاتل: العين حسان الأعين. ومن محاسن المرأة: اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب.
٤٤: ٥٤ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا، كما يزوج النعل بالنعل. جعلناهم اثنين اثنين. وقال يونس: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. قال: والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول: تزوجتها. قال ابن نصر: هذا والتنزيل يدل على ما قاله يونس.
وذلك قوله تعالى: ٣٣: ٣٧ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها. وقال ابن سلام: تميم تقول: تزوجت امرأة. وتزوجت بها. وحكاه الكسائي أيضا. قال الأزهري: تقول العرب:
زوجته امرأة، وتزوجت امرأة وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة.
قوله تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي قرناهم، وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة. قال الواحدي: وقول أبي عبيدة في هذا أحسن، لأنه جعله من التزويج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجا. لا بمعنى عقد النكاح. ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردا فزوجته بآخر، كما يقال: شققته بآخر. وإنما تمنع الباء عند من يمنعها إذا كان بمعنى عقد التزويج.
стр. 452
قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معا. فلفظ التزويج يدل على النكاح. كما قال مجاهد: أنكحناهم الحور. ولفظ الباء تدل على الاقتران والضم. وهذا أبلغ من حذفها والله أعلم.
стр. 453
سورة الجاثية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٣]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)
الغشاوة: هي الغطاء. وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب. فإن ما في القلب من الخير والشر يظهر على العين، فالعين مرآة القلب، تظهر ما فيه. وأنت إذا بغضت رجلا بغضا شديدا أبغضت كلامه ومجالسته، فتجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته. فذلك أثر البغض والإعراض عنه.
وغلطت الغشاوة على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول ﷺ ، وعما جاء به من الهدى ومن الحق. وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحتها كالغمامة، ولما غشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك الغشي غشاوة على أعينهم، فلا تبصر مواقع الهدى.
стр. 454
سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٥]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)
قال الزجاج من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين. وقال ابن عباس في رواية عطاء: سن الأشد ثلاث وثلاثون سنة. وروي عنه أيضا ثلاثون. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال مقاتل ثماني عشرة.
وقد أحكم الأزهري تفسير اللفظة، فقال بلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال إلى أربعين سنة، قال: فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ وبين الأربعين.
ومعنى اللفظة من الشدة، وهي القوة والجلادة، والشديد الرجل القوي. فالأشد القوي.
قال الفراء واحدها شد في القياس، ولم أسمع لها بواحد.
وقال أبو الهيثم: واحدها شدة كالنعمة وأنعم.
وقال بعض أهل اللغة: واحدها شد- بضم الشين-.
وقال آخرون منهم هو اسم مفرد وليس لجمع حكاه ابن الأنباري.
стр. 455
سورة محمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة محمد (٤٧) : آية ٢٤]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)
قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال.
وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب. وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج، الذي قد ضرب عليه قفل. فإنه إن ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه. وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان ولا القرآن.
وتأمل تنكير القلوب وتعريف الأقفال بالإضافة إلى ضمير القلوب. فإن تنكير القلوب يتضمن إرادة قلوب هؤلاء من هم بهذه الصفة. ولو قال: أم على القلوب أقفالها. لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة.
وفي قوله «أقفالها» بالتعريف نوع تأكيد. فإنه لو قال: أقفال. لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم. فلما أضافها إلى ضمير القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة العقل للباب، فكأنه أراد أقفالها المختصة بها، التي لا تكون لغيرها والله أعلم.
стр. 456
سورة الحجرات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)
نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق- بعد الوقعة- مصدّقا. وكان بينه وبينهم عداوة في الجهلية. فلما سمع به القوم تلقوه، تعظيما لأمر رسول الله ﷺ .
فحدثه الشيطان: أنهم يريدون قتله، فهابهم، ورجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ ، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله، فبدا لنا، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا. وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتهمهم رسول الله ﷺ ، وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له «أنظر، فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ
стр. 457
منهم زكاة أموالهم. وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار» ففعل ذلك خالد، ووافاهم، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير. فرجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر. فنزلت ٤٩: ٦ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.
والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر، إذا كان له شأن. «والتبيّن» طلب بيان حقيقته، والإحاطة بها علما.
وهاهنا فائدة لطيفة. وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه وشهادته جملة. وإنما أمر بالتبين. فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر.
فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته. وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه من جهات أخر. فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة، ولا سيما من فسقه من جهة الكذب: فإن كثر منه وتكرر، بحيث يغلب كذبه على صدقه. فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته.
وإن ندر منه مرة أو مرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵏.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
стр. 458
وهذا من أحسن القياس التمثيلي. فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه.
ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت.
ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن مجلس ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن: كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه.
ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه، متفكها بغيبته وذمه، متحليا بذلك شبّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه.
ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به: شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه.
فتأمل هذا التشبيه والتمثيل، وحسن موقعه، ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا، ووصفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في أولها: أن يحب أحدهم ذلك، فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟.
فأحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه. وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشد شيء نفرة عنه.
فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة: أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه. وبالله التوفيق.
стр. 459
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٣]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
قالوا: الحس شاهد: أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث، ومني الأب عاقد له كالأنفحة.
ونازعهم الجمهور، وقالوا: إنه يتكون من مني الرجل والأنثى، ثم لهم قولان.
أحدهما: أن يكون من مني الذكر أعضاؤه، وأجزاؤه، ومن مني الأنثى صورته.
والثاني: أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين، وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا. وهذا هو الصواب، لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم. والله أعلم.
وقد دل على هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى والأصل: هو الذكر. فمنه البذر، ومنه السقي. والأنثى وعاء ومستودع لولده. تربيه في بطنها، كما تربيه في حجرها. ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا. وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكوّن وصار ولدا في بطنها، وغذته بلبانها مع الجزء الذي فيه منها. وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته. وكان أشرفهما دينا أولى به، تغليبا لدين الله وشرعه.
стр. 460
سورة ق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٧]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)
إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته. وألق سمعك.
واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه، منه إليه. فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله ﷺ . قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه. وأدله على المراد.
فقوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى» إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا. وهذا هو المؤثر وقوله: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» فهذا هو المحل القابل. والمراد به:
القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ٣٦: ٦٩، ٧٠ إِنْ هُوَ
следующие страницы →