← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الحجرات (٤٩) : آية ٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق- بعد الوقعة- مصدّقا. وكان بينه وبينهم عداوة في الجهلية. فلما سمع به القوم تلقوه، تعظيما لأمر رسول الله ﷺ . فحدثه الشيطان: أنهم يريدون قتله، فهابهم، ورجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ ، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله، فبدا لنا، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا. وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتهمهم رسول الله ﷺ ، وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له «أنظر، فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ

стр. 457

منهم زكاة أموالهم. وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار» ففعل ذلك خالد، ووافاهم، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير. فرجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر. فنزلت ٤٩: ٦ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر، إذا كان له شأن. «والتبيّن» طلب بيان حقيقته، والإحاطة بها علما. وهاهنا فائدة لطيفة. وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه وشهادته جملة. وإنما أمر بالتبين. فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر. فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته. وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه من جهات أخر. فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة، ولا سيما من فسقه من جهة الكذب: فإن كثر منه وتكرر، بحيث يغلب كذبه على صدقه. فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته. وإن ندر منه مرة أو مرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵏. [سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)

стр. 458

وهذا من أحسن القياس التمثيلي. فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه. ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت. ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن مجلس ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن: كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه. ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه، متفكها بغيبته وذمه، متحليا بذلك شبّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه. ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به: شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه. فتأمل هذا التشبيه والتمثيل، وحسن موقعه، ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا، ووصفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في أولها: أن يحب أحدهم ذلك، فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟. فأحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه. وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشد شيء نفرة عنه. فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة: أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه. وبالله التوفيق.

стр. 459

[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالوا: الحس شاهد: أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث، ومني الأب عاقد له كالأنفحة. ونازعهم الجمهور، وقالوا: إنه يتكون من مني الرجل والأنثى، ثم لهم قولان. أحدهما: أن يكون من مني الذكر أعضاؤه، وأجزاؤه، ومن مني الأنثى صورته. والثاني: أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين، وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا. وهذا هو الصواب، لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم. والله أعلم. وقد دل على هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى والأصل: هو الذكر. فمنه البذر، ومنه السقي. والأنثى وعاء ومستودع لولده. تربيه في بطنها، كما تربيه في حجرها. ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا. وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكوّن وصار ولدا في بطنها، وغذته بلبانها مع الجزء الذي فيه منها. وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته. وكان أشرفهما دينا أولى به، تغليبا لدين الله وشرعه.

стр. 460

سورة ق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة ق (٥٠) : آية ٣٧] إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته. وألق سمعك. واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه، منه إليه. فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله ﷺ . قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه. وأدله على المراد. فقوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى» إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا. وهذا هو المؤثر وقوله: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» فهذا هو المحل القابل. والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ٣٦: ٦٩، ٧٠ إِنْ هُوَ

стр. 461

إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ. لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا أي حي القلب. وقوله: «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» أي وجه سمعه، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. وهذا هو شرط التأثير بالكلام. وقوله: «وَهُوَ شَهِيدٌ» أي شاهد القلب حاضر، غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثر. وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله. فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفي المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر: حصل الأثر، وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر. فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه. فما وجه دخول أداة «أو» في قوله «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» والموضع موضع واو الجمع، لا موضع «أو» التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو. فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه، تام الفطرة. فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه على صحة القرآن، وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن. فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة. وهذا وصف الذين قيل فيهم: ٣٤: ٦ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وقال في حقهم: ٢٤: ٣٥ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ.

стр. 462

فهذا نور الفطرة على نور الوحي. وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي. فصاحب القلب الحي بين قلبه وبين معاني القرآن أتم الاتصال، فيجدها كأنها قد كتبت فيه. فهو يقرؤها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد، واعي القلب، كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل. ولم تبلغ حياة قلبه لتأمله والتفكر فيه، وتعقل معانيه، فيعلم حينئذ أنه الحق. فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به. والثاني: حال من علم صدق الخبر وتيقنه. وقال: يكفيني خبره، فهو في مقام الإيمان، والأول في مقام الإحسان. هذا قد وصل إلى علم اليقين، وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين. وذلك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام. فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة. فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب، كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار. وفي الدنيا بالبصائر. فهو عين يقين في المرتبتين.

стр. 463

سورة الذاريات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٤] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة. أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. وهذا على أحد القولين: أنه بإكرام لا إبراهيم لهم. والثاني: أنهم المكرمون عند الله. ولا تنافي بين القولين: فالآية تدل على معنيين. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٥] إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) الثاني: قوله تعالى: «إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ» فلم يذكر استئذانهم. ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم. فصار منزله مضيفة مطروقا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل إليه دخوله. وهذا غاية ما يكون من الكرم. الثالث: قوله «سلام» بالرفع. وهم سلموا عليه بالنصب. والسلام

стр. 464

بالرفع أكمل. فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد. فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم. فإن قولهم «سلاما» يدل على: سلمنا سلاما وقوله: «سلام» أي سلام عليكم. الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: «قوم منكرون» فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم مكرمون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام. الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال: «منكرون» ولم يقل: إني أكرمكم. وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٦] فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) السادس: أنه راغ إلى أهله ليحييهم بنزلهم. والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث يكاد لا يشعر به. وهذا من كرم رب المنزل المضيّف: أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي. فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه. السابع: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة. فدل على أن ذلك كان معدا عندهم مهيئا للضيفان. ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه، أو يستقرضه. الثامن: قوله: «فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» يدل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه. وهذا أبلغ في إكرام الضيف. التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة منه. وهذا من تمام كرمه ﷺ .

стр. 465

العاشر: أنه سمين لا هزيل. فمعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يتخذ للاقتناء والتربية، فآثر به ضيفانه. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٧] فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) الحادي عشر: أنه قربه إليهم بنفسه، ولم يأمر خادمه بذلك. الثاني عشر: أنه قربه إليهم، ولم يقربهم إليه. وهذا أبلغ في الكرامة. أن تجلس الضيف ثم تقرب الطعام إليه، وتحمله إلى حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه. الثالث عشر: أنه قال: «ألا تأكلون؟» وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مدوا أيديكم ونحوها. وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه. ولهذا يقولون: بسم الله: أو ألا تتصدق؟ أو ألا تجبر؟ ونحو ذلك. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم «ألا تأكلون؟» ولهذا أوجس منهم خيفة، أي أحسها وأضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم. وهو: الوجه الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم، ولم يظهر لهم الخوف منهم. فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: «لا تخف» وبشروه بالغلام الحليم. فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم. وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا. فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما، وعلى سائر النبيين.

стр. 466

سورة الطور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الطور (٥٢) : آية ٢١] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) روي قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ ٥٢: ٢١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ قال: «ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين» وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- قال شريك: أظنه حكاه عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، أو عملك. فيقول. يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق بهم، ثم تلا ابن عباس وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ إلى آخر الآية.

стр. 467

وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية، هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان؟ على ثلاثة أقوال. واختلافهم مبني على أن قوله: «بإيمان» حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين. فقالت طائفة: المعنى والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به ألحقناهم بهم في الدرجات. قالوا: ويدل على هذا قراءة من قرأ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ فجعل الفعل في الاتباع لهم. قالوا: وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار، كما قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وقال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وقال: وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟ وهذا قول لكبار العقلاء. قالوا: ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه «إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه» فهذا يدل على أنهم دخوا بأعمالهم، ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم. فبلّغهم إياها، وإن تقاصر عملهم عنها. قالوا: وأيضا فالإيمان هو القول والعمل والنية. وهذا إنما يمكن من الكبار، وعلى هذا فيكون المعنى: أن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه، إذ هذا حقيقة التبعية، وإن كانوا دونه في الإيمان، رفعهم الله إلى درجته إقرارا لعينه، وتكميلا لنعيمه. وهذا كما أن زوجات النبي ﷺ معه في الدرجة تبعا، وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن. وقالت طائفة أخرى: الذرية هاهنا الصغار. والمعنى: والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء. والذرية تتبع الآباء. وإن كانوا صغارا في الإيمان وأحكامه من الميراث، والدية والصلاة عليهم، والدفن في قبور المسلمين، وغير ذلك، إلّا فيما كان من أحكام البالغين. ويكون قوله: «بإيمان» على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين، أي وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء.

стр. 468

قالوا: يدل على صحة هذا القول: أن البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب، فإنهم مستقلون بأنفسهم، ليسوا تابعين للآباء في شيء من أحكام الدنيا، ولا أحكام الثواب والعقاب، لاستقلالهم بأنفسهم. ولو كان المراد بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم، ولكان أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم، وهلم جرا إلى يوم القيامة. فيكون الآخرون في درجة السابقين. قالوا: ويدل عليه أيضا: أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة. كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان. ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا، بل إيمان استقلال. قالوا: ويدل عليه أن الله سبحانه جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال. في حق المستقلين. وأما الأتباع فإن الله سبحانه يرفعهم إلى درجة أهليهم. وإن لم يكن لهم أعمال. كما تقدم. وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم، وإن لم يكن لهم عمل، بخلاف المكلفين البالغين. فإنهم يرفعون إلى حيث بلغت بهم أعمالهم. وقالت فرقة، منهم الواحدي: الوجه أن تحمل الذرية على الصغار والكبار. لأن الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه، والصغير يتبع الأب بإيمان الأب. قالوا: والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير، والإبن والأب، كما قال تعالى: ٣٦: ٤١ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي آباءهم. والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي. فمن وقوعه على التبعي قوله: ٤: ٩٢ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فلو أعتق صغيرا جاز.

стр. 469

قالوا: وأقوال السلف تدل على هذا. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن الله يرفع ذرية المؤمنين في درجتهم. وإن كانوا دونهم في العمل، لتقرّ بهم عيونهم. ثم قرأ هذه الآية. وقال ابن مسعود في هذه الآية: الرجل يكون له القدم، ويكون له الذرية، فيدخل الجنة، فيرفعون إليه، لتقرّ بهم عينه، وإن لم يبلغوا ذلك. وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له، كما كان يحب أن يجتمعوا في الدنيا. وقال الشعبي أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة. وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء. وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وقال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا. قال: ويدل على صحة هذا القول: أن القراءتين كالآيتين، فمن قرأ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ فهذا في حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم، كما قال تعالى: ٩: ١٠٠ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ومن قرأ ٥٢: ٢١ وأتبعناهم ذرياتهم فهذا في حق الصغار الذين أتبعهم الله إياهم في الإيمان حكما. فدلت القراءتان على النوعين. قلت: واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر، لئلا يلزم استواء المتأخرين والسابقين في الدرجات. ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته. والله أعلم.

стр. 470

سورة النجم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النجم (٥٣) : آية ٨] ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) كأن الشيخ «١» فهم من الآية: أن الذي دنا فتدلى، فكان من محمد ﷺ قاب قوسين أو أدني- هو الله . وهذا، وإن كان قد قاله جماعة من المفسرين- فالصحيح: أن ذلك هو جبريل ﵇. فهو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: ٥٣: ١٣، ١٤ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى هكذا فسره النبي ﷺ في الحديث الصحيح. قالت عائشة ﵂: «سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية؟ فقال: ذاك جبريل، لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين» . ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه. أحدها: أنه قال: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى» وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير فقال: ٨١: ١٩، ٢٠ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ.

стр. 471

الثاني: أنه قال: «ذو مرة» أي حسن الخلق، وهو الكريم في سورة التكوير. الثالث: أنه قال: «فاستوى وهو بالأفق الأعلى» وهو ناحية السماء العليا. وهذا استواء جبريل بالأفق. وأما استواء الرب ﷻ فعلى عرشه. الرابع: أنه قال: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» فهذا دنو جبريل وتدليه إلى الأرض، حيث كان رسول الله ﷺ . وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله ﷺ فوق السموات. فهناك دنا الجبار ﷻ منه وتدلى. فالدنو والتدلي في الحديث غير الدنو والتدلي في الآية. وإن اتفقا في اللفظ. الخامس: أنه قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى والمرئي عند السدرة هو جبرئيل قطعا. وبهذا فسره النبي ﷺ فقال لعائشة «ذاك جبريل» . السادس: أن مفسر الضمير في قوله: «ولقد رآه» وقوله: «ثم دنا فتدلى» وقوله: «فاستوى» وقوله: «وهو بالأفق الأعلى» واحدة. فلا يجوز أن يخالف بين المفسر والمفسّر من غير دليل. السابع: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين: الملكي، والبشري. ونزّه البشري عن الضلال والغواية، والملكي عن أن يكون شيطانا قبيحا ضعيفا، بل هو قوي كريم حسن الخلق. وهذا نظير المذكور في سورة التكوير سواء. الثامن: أنه أخبر هناك: انه رآه بالأفق المبين، وهاهنا: أنه رآه بالأفق الأعلى. وهو واحد وصف بصفتين، فهو مبين وأعلى. فإن الشيء كلما علا بان وظهر.

стр. 472

التاسع: أنه قال: «ذو مرّة» والمرة: الخلق الحسن المحكم. فأخبر عن حسن خلق الذي علم النبي ﷺ ، ثم ساق الخبر كله عنه نسقا واحدا العاشر: أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل على أن رسول الله ﷺ رأى ربه سبحانه مرتين: مرة بالأفق، ومرة عند السدرة. ومعلوم أن الأمر لو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ لأبي ذر وقد سأله: هل رأيت ربك- قال: «نور، أنّى أراه؟» فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين، ثم يقول رسول الله ﷺ : «أنى أراه» وهذا أبلغ من قوله: «لم أره» لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط. وهذا يتضمن النفي وطرقا من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟ الحادي عشر: أنه لم يتقدم للرب ﷻ ذكر يعود الضمير عليه في قوله: «ثم دنا فتدلى» والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له، وإنما هو لعبده. الثاني عشر: أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر، ويترك عوده إلى المذكور، مع كونه أولى به؟ الثالث عشر: أنه قد تقدم ذكر «صاحبكم» وأعاد عليه الضمائر التي تليق به. ثم ذكر بعده شديد القوى. ذا المرة. وأعاد عليه الضمائر التي تليق به. والخبر كله عن هذين المفسّرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري. الرابع عشر: أنه سبحانه أخبر أن هذا الذي دنا فتدلّى: كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء، بل هو تحتها، وقد دنا من الأرض، فتدلى من رسول رب العالمين ﷺ ، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك: كان من فوق العرش، لا إلى الأرض.

стр. 473

الخامس عشر: أنهم لم يماروه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها. وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياه. ولو أخبرهم برؤية الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليهم أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات. السادس عشر: أنه سبحانه قرر صحة ما رآه. وأن مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ولو كان المرئي هو الرب والمماراة على ذلك منهم: لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج. والله أعلم. [سورة النجم (٥٣) : آية ١٢] أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) والمأوى مفعل عن أوى يأوي، إذا انضم إلى المكان وصار إليه، واستقر به وقال عطاء عن ابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: هي الجنة تأوي إليها أرواح الشهداء. وقال كعب: جنة المأوى جنة فيها طير خضر، ترتع فيها أرواح الشهداء وقالت عائشة ﵂ وزرّ بن حبيش: هي جنة من الجنان. والصحيح: أنه اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: ٧٩: ٤٠، ٤١ وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى وقال في النار: ٧٩: ٣٩ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى وقال: وَمَأْواكُمُ النَّارُ. [سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)

стр. 474

اللمم: طرف من الجنون. ورجل ملموم. أي به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا من الجن لمّة. وهو المس، والشيء القليل. قاله الجوهري. قلت: وأصل اللفظة من المقاربة. ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. وهي الصغائر. قال ابن عباس ﵄: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي عنه «إن العين تزني، وزناها النظر، واليد تزني، وزناها البطش والرجل تزني، وزناها المشي، والفم يزني وزناه القبل» . ومنه. ألمّ بكذا. أي قاربه ودنا منه. وغلام ملمّ، أي قارب البلوغ وفي الحديث «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» أي يقرب من ذلك قول الله تعالى: ٥٣: ٥٩- ٦١ أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ. قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير، يقال: اسمدي لنا، أي غنّي لنا. وقال أبو زبيد: وكأن العزيف فيها غناء ... للنّدامى من شارب مسمود قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غنّي له. وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا. فنزلت هذه الآية. وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء. قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به. وأنشد:

стр. 475

رمي الحدنان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد: المتكبر والسامد: القائم. وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون. وقال الضحاك أشرن بطرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. وقال غيره: لاهون غافلون معرضون. فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.

стр. 476

سورة الرحمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٢٦] كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) لم يقل «فيها» لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين. [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٤] مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) وقال تعالى: ٥٦: ٣٤ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ. فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق. وهذا يدل على أمرين. أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها. لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة ابن مريم عن ابن مسعود في قوله: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ قال: هذه البطائن قد أخبرتم بها. فكيف بالظهائر؟

стр. 477

الثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار- إن كانت محفوظة- فالمراد: ارتفاع محلها، كما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قيل: ومعناه: أن الارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها. قلت: رشدين بن سعد عنده مناكير. قال الدارقطني: ليس بالقوى. وقال أحمد: لا يبالي عمن يروي. وليس به بأس في الرقاق. وقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال يحي بن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال الجوزجاني: عنده مناكير. لا ريب أنه كان سيء الحفظ. فلا يعتمد على ما ينفرد به. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن درّاج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض» . وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ. فالله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داوود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير عن كعب في قوله : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال «مسيرة أربعين سنة» وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الفرش المرفوعة؟ فقال: لو طرح فراش من أعلاها

стр. 478

لهوى إلى قرارها مائة خريف» . وفي رفع هذا الحديث نظر. فقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا اسحق بن إسماعيل حدثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن القاسم عن أبي أمامة في قوله : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها بعد أربعين خريفا» . [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٦] فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) وصفهن سبحانه بقصر في ثلاثة مواضع. أحدها: هذا. والثاني: قوله تعالى في الصافات: ٣٧: ٤٨ وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ. والثالث: قوله تعالى في ص: ٣٨: ٥٢ وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ. وأجمع المفسرون كلهم على أن المعنى: أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يطمحن إلى غيرهم. وقيل: قصرن طرف أزواجهن عليهن. فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن. وهذا صحيح من جهة المعنى. وأما من جهة اللفظ: فقاصرات صفة مضافة إلى الفاعل لحسان الوجوه. وأصله قاصر طرفهن، أي ليس بطامح متعد. قال آدم: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: قاصِراتُ الطَّرْفِ قال: يقول قاصرات الطرف على أزواجهن، فلا يبغين

стр. 479

غير أزواجهن. وقال آدم: حدثنا المبارك بن فضالة «١» عن الحسن قال: قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم. والله ما هن متبرجات، ولا متطلعات. وقال منصور عن مجاهد: قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم. وفي تفسير سعيد عن قتادة قال: قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم. وأما «الأتراب» فجمع ترب، وهو لدة الإنسان. قال أبو عبيدة، وأبو إسحاق: أقران، أسنانهن واحدة. قال ابن عباس. وسائر المفسرين: مستويات على سن واحدة، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة. وقال مجاهد «أتراب» أمثال. وقال أبو إسحاق: هن في غاية الشباب والحسن، وسمي ندّ الإنسان وقرنه: تربة. لأنه مسّ تراب الأرض معه في وقت واحد. والمعنى من الأخبار باستواء أسنانهن: أنهن ليس فيهن عجائز، قد فات حسنهن، ولا ولائد لا يطقن الوطء، بخلاف الذكور، فإن فيهم الولدان، وهم الخدم. وقد اختلف في مفسر الضمير في قوله: «فيهن» . فقالت طائفة: مفسره الجنتان، وما حوتاه من القصور والغرف والخيام.

стр. 480

وقالت طائفة: مفسره الفرش المذكورة في قوله: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ و «في» هنا بمعنى «على» . وقوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسّه. وقال يونس: تقول العرب: هذا جمل ما طمثه حبل قط، أي ما مسه. وقال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية. والطمث هو الدم. وفيه لغات. طمث: يطمث، ويطمث. قال الليث: طمثت الجارية، إذا افترعتها، والطامث في لغتهم هي الحائض. وقال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث، إذا أدميت بالافتضاض. وطمثت عليّ- فعلت- تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض، فهي طامث. وقال في قول الفرزدق: خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام أي لم يمسسن. قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن. هذه ألفاظهم. وهم مختلفون في هؤلاء. فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها. وبعضهم يقول: يعني نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا. كما وصفن. قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا، لم يمسسن منذ أنشئن خلقا. وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة. وقال عطاء، عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارا. وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان. قلت: ظاهر القرآن. أن هؤلاء النسوة لسن من نساء الدنيا وإنما هن من الحور العين. وأما نساء الدنيا فنساء الإنس قد طمثهن الإنس، ونساء الجن قد طمثهن الجن. والآية تدل على ذلك.

стр. 481

قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى. ويدل على أنهن الحور اللاتي خلقن في الجنة: أنه سبحانه جعلهن مما أعده الله في الجنة لأهلها، من الفواكه والثمار والأنهار والملابس وغيرها. ويدل عليه أيضا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ثم قال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قال الامام أحمد: والحور العين لا يمتن عند النفخ في الصور، لأنهن خلقهن للبقاء. وفي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن كافرهم في النار. وبوب عليه البخاري في صحيحه فقال «باب ثواب الجن وعقابهم» ونص عليه غير واحد من السلف. قال ضمرة بن حبيب- وقد سئل: هل للجن ثواب؟ فقال: نعم. وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للانس، والجنيات للجن. وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسمّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه. والضمير في قوله: «قبلهم» للمعنيين بقوله «متكئين» وهم أزواج هؤلاء النسوة. [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٨] كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) وقوله: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ، قال الحسن وعامة المفسرين: أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، ويدل عليه ما قاله عبد الله «إن المرأة من نساء أهل الجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير، فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بأن الله يقول: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ألا وإن الياقوت حجر، لو جعلت فيه سلكا ثم استصفيته لنظرت إلى السلك من وراء الحجر» .

стр. 482

[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٠] فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فالخيرات: جمع خيرة، وهي مخففة، من خيّرة كسيّدة ولينة، و «حسان» جمع حسنة. فهن خيرات الصفات والأخلاق والشيم، حسان الوجوه. قال وكيع: حدثنا سفيان عن جابر عن القاسم عن أبي برزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله قال: «لكل مسلم خيّرة، ولكل خيّرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة، لم تكن قبل ذلك. لا ترحات ولا ذفرات، ولا بخرات ولا طماحات» . [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٢] حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) المقصورات: المحبوسات. قال أبو عبيدة: خدرن في الخيام. وكذلك قال مقاتل في الخيام. وفيه معنى آخر. هو أن يكون المراد أنهن محبوسات على أزواجهن لا يرين غيرهم، وهم في الخيام. وهذا معنى قول من قال: قصرن على أزواجهن، فلا يرين غيرهم، ولا يطمحن إلى من سواهم، وذكره الفراء. قلت: وهذا معنى «قاصرات الطرف» لكن أولئك قاصرات بأنفسهن، وهؤلاء مقصورات، وقوله: «في الخيام» على هذا القول: صفة لحور. أي هن في الخيام. وليس معمول لمقصورات، وكأن أرباب هذا القول فسروه بأن يكن محبوسات في الخيام لا يفارقنها إلى الغرف والبساتين. وأصحاب القول الأول: يجيبون عن هذا: بأن الله سبحانه وصفهن بصفات النساء المخدرات المصونات. وذلك أجمل في الوصف. ولا يلزم من ذلك أنهن لا يفارقن الخيام إلى الغرف والبساتين، كما أن نساء الملوك

стр. 483

ومن دونهن من النساء المخدرات المصونات يمنعن أن يخرجن في سفر وغيره إلى متنزه وبستان ونحوه فوصفهن اللازم لهن: هو القصر في البيت، وإن كان يعرض لهن مع الخدم الخروج إلى البساتين ونحوها. وأما مجاهد فقال: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ. وقد تقدم وصف النسوة الأول. بكونهن قاصرات الطرف، وهؤلاء بكونهن مقصورات. والوصفان لكلا النوعين، فإنهما صفتا كمال. فتلك الصفة قصر الطرف عن طموحه إلى غير الأزواج، وهذه الصفة قصرهن عن التبرج والبروز والظهور للرجال. [سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٦] مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) وقال تعالى: ٨٨: ١٣- ١٥ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ. وذكر هشام عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: الرفرف رياض الجنة. والعبقري: عتاق الزرابي. وذكر إسماعيل بن عليّة عن أبي رجاء عن الحسن. في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ قال: هي البسط. قال: وأهل المدينة يقولون: هي البسط. وأما النمارق. فقال الواحدي: هي الوسائد في قول الجميع، واحدتها: نمرقة. بضم النون. وحكى الفراء نمرقة بكسرها، وأنشد أبو عبيدة: إذا ما بساط اللهو مدّ وقربت ... للذاته أنماطه ونمارقه وقال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض. وقال مقاتل: هي الوسائد مصفوفة على الطنافس. والزرابي بمعنى البسط، والطنافس.

стр. 484

واحدتها: زربية. في قول جميع أهل اللغة والتعبير، و «مبثوثة» مبسوطة ومنشورة. فصل وأما «الرفرف» فقال الليث: هو ضرب من الثياب خضر تبسط. الواحد رفرفة. وقال أبو عبيدة: الرفارف: البسط وأنشد لابن مقبل: وإنا لنزّالون تغشى نعالنا ... سواقط من أصناف ريط ورفرف وقال أبو إسحاق، قالوا، الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس. وقالوا: فضول المحابس للفرش. وقال المبرد: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره. قال الواحدي: وكأن الأقرب هذا. لأن العرب تسمى كسر الخباء والخرقة التي تخلط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي ﷺ «فرفع الرفرف، فرأينا وجهه كأنه ورقة» . قال ابن الاعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط. فشبه ما فضل من المحابس عما تحته بطرف الفسطاط، فسمي رفرفا. قلت: أصل هذه الكلمة من الطرف أو الجانب، فمنه الرفرف في الحائط، ومنه الرفرف، وهو كسر الخباء، وجوانب الدرع، وما تدلى منها، الواحدة رفرفة. ومنه: رفرف الطير إذا حرك جناحه حول الشيء، يريد أن يقع عليه. والرفرف: ثياب خضر يتخذ منها المحابس. الواحدة رفرفة، وكل ما فضل من شيء فثني وعطف: فهو رفرف، وفي حديث ابن مسعود في قول الله : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال: «رأى رفرفا أخضر سدّ الأفق» وهو في الصحيحين.

стр. 485

فصل وأما «العبقري» فقال أبو عبيدة: كل شيء من البسط عبقري. قال: ويرون أنها أرض توشّى البسط فيها، وقال الليث: عبقر: موضع بالبادية كثير الجن، يقال: كأنه جن عبقر. قال أبو عبيدة، في حديث النبي ﷺ ، حين ذكر عمر «فلم أر عبقريا يفري فريه» وإنما أصل هذا، فيما يقال: أنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن، فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير: تخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعملوا وقال أبو الحسن الواحدي: وهذا القول هو الصحيح في العبقري. وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، أو شبهته بهم. ومنه قول لبيد: جن الردى رواسيا أقدامها وقال آخر يصف امرأة: جنية، ولها جن يعلمها ... رمى القلوب بقوس ما لها وتر وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون كل أمر عجيب ولما كان «عبقر» معروفا بسكناهم نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليه، يريدون بذلك أنه من عملهم وصنعهم، هذا هو الأصل، ثم صار العبقري نعتا لكل ما بولغ في صفته. ويشهد لما ذكرنا: بيت زهير، فإنه نسب الجن إلى عبقر. ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله في صفة عمر «عبقريا» وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري الرشيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر، فلو كانت «عبقر» مخصوصة

стр. 486

بالوشي، لما نسب إليها غير الموشّى وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة، كما ذكرنا. كما نسب إليها كل شيء ما بولغ في وصفه، قال ابن عباس: وعبقري، يريد البسط والطنافس، وقال الكلبي: هي الطنافس المجمّلة، وقال قتادة: هي عتاق الزرابي، وقال مجاهد: الديباج الغليظ. وعبقري، جمع، واحده عبقرية، ولها وصف بالجمع فتأمل كيف وصف الله الفرش بأنها مرفوعة، والزرابي بأنها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فرفع الفرش دال على سمكها ولينها. وبث الزرابي دال على كثرتها، وأنها في كل موضع، لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره، ووصف المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما، ليست مخبأة تصف في وقت دون وقت. وللجنة عدة أسماء، باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات. فهي مترادفة من هذا الوجه، وتختلف باعتبار الصفات. فهي متباينة من هذا الوجه. وهكذا أسماء الرب ، وأسماء الرب ، وأسماء كتابه. وأسماء رسله. وأسماء اليوم الآخر. وأسماء النار. فالاسم الأول: «الجنة» وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة، والبهجة والسرور، وقرة الأعين. وأصل اشتقاق هذه اللفظة: من التسر والتغطية. ومنه الجنين، لاستتاره في البطن، والجان لاستتاره عن العيون، والمجنّ لستره ووقايته الوجه. والمجنون لاستتار عقله وتواريه عنه. والجان، وهي الحية الصغيرة الرقيقة. ومنه قول الشاعر: فدقّت وجلت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنت أي لو غطي وستر عن العيون لفعل بها ذلك. ومنه سمي البستان جنة.

стр. 487

لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه. ولا يستحق هذا الاسم إلا الموضع الكثير الأشجار المختلفة الأنواع. والجنة- بالضم- ما يستجن به، من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يستترون بها من إنكار المؤمنين عليهم. ومنه الجنة- بالكسر- وهم الجن، كما قال تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ. وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة. واحتجوا بقوله تعالى: ٣٧: ١٥٨ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قالوا: وهذا النسب قولهم: الملائكة بنات الله. ورجحوا هذا القول بوجهين. أحدهما: أن النسب الذي جعلوه إنما زعموا أنه بين الملائكة وبينه لا بين الجن وبينه. الثاني: قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي قد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا القول محضرون للعذاب. والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وعلى هذا ففي الآية قولان. أحدهما: قول مجاهد: قال: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله. فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن. وقال الكلبي: قالوا تزوج من الجن، فخرج من بينهما الملائكة. وقال قتادة، قالوا: صاهر الجن. والقول الثاني: هو قول الحسن. قال: أشركوا الشياطين في عبادة الله. فهو النسب الذي جعلوه. والصحيح قول مجاهد وغيره. وما احتج به أصحاب القول الأول ليس بمستلزم لصحة قولهم. فإنهم لما قالوا: الملائكة بنات الله، وهم من الجن، عقدوا بينه وبين الجنة نسبا

стр. 488

بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن. وأما قوله: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ فالضمير يرجع إلى الجنة، أي قد علمت الجنة أنهم محضرون الحساب. قاله مجاهد، أي لو كان بينه وبينهم نسب لم يحضروا الحساب، كما قال تعالى: ٥: ١٨ وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ فجعل سبحانه عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة. وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله. الإسم الثاني: دار السلام، وقد سماها الله تعالى بهذا الإسم في قوله: ٦: ١٢٧ لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله: ١٠: ٢٥ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وهي أحق بهذا الإسم. فإنها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه. وهي دار الله. واسمه «السلام» الذي سلمها وسلم أهلها، وتحيتهم فيها سلام وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم، كما قال تعالى: ٣٦: ٥٧، ٥٨ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ. سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وحديث جابر في سلام الرب تعالى على أهل الجنة. وكلامهم كله فيها سلام، أي لا لغو فيها، ولا فحش ولا باطل، كما قال تعالى: ١٩: ٦٢ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً. وأما قوله تعالى: ٥٦: ٩٠، ٩١ وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى، وما وردوه. وقالوا أقوالا لا يخفي بعدها عن المقصود. وإنما معنى الآية- والله أعلم- فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين، أي فسلام لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا وأنكادها، ومن النار وعذابها، فبشر بالسلامة عند ارتحاله

стр. 489

من الدنيا وقدومه على الله، كما يبشر الملك روحه عند أخذها، بقوله: «أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان» . وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة. الإسم الثالث: دار الخلد. وسميت بذلك. لأن أهلها، لا يظعنون عنها أبدا كما قال تعالى: ١١: ١٠٨ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ وقال: ٣٨: ٥٤ إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ وقال: ١٣: ٣٥ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها وقال: ١٥: ٤٨ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ. الإسم الرابع: دار المقامة. قال تعالى حكاية عن أهلها ٣٥: ٣٤ وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ. لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدا، لا يموتون ولا يتحولون منها أبدا. قال الفراء والزجاج: المقامة: مثل الإقامة. يقال: أقمت بالمكان إقامة، ومقامة، ومقاما. الإسم الخامس: جنة المأوى. قال تعالى: ٥٣: ١٥ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. الإسم السادس: جنات عدن. فقيل: هي اسم لجنة من الجنان: والصحيح أنه اسم لجملة الجنان، وكلها جنات عدن. قال تعالى: ١٩: ٦١ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وقال تعالى ٣٥: ٣٣ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً. وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وقال تعالى: ٩: ٧٢ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن. فإنه من الإقامة والدوام. يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به. وعدنت البلد: توطنته. وعدنت الإبل بمكان كذا: لزمته فلم تبرح منه. وقال الجوهري: ومنه جنات عدن، أي

стр. 490

إقامة. ومنه سمي المعدن- بكسر الدال- لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء. ومركز كل شيء: معدنه. والعادن: الناقة المقيمة في المرعى. الإسم السابع: دار الحيوان. قال تعالى: ٢٩: ٦٤ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ والمراد: الجنة عند أهل التفسير. قالوا: وإن الآخرة. يعني الجنة، لهي الحيوان. لهي دار الحياة التي لا موت فيها. وقال الكلبي: هي حياة لا موت فيها. وقال الزجاج: هي دار الحياة الدائمة وأهل اللغة: على أن «الحيوان» بمعنى الحياة. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: الحياة الحيوان. وقال أبو عبيدة: الحياة، والحيوان، والحي- بكسر الحاء- قال أبو علي: يعني أنها مصادر. فالحياة: فعلة. كالجلبة، والحيوان: كالنّزوان والغليان، والحيّ: كالعي، قال العجاج: كنا بها إذا الحياة حيّ أي إذا الحياة حياة. وأما أبو زيد: فخالفهم، وقال: الحيوان: لما فيه روح. والموتان الموت: مما لا روح فيه. والصواب: أن الحيوان يقع على ضربين. أحدهما: كما حكاه أبو عبيدة. والثاني: وصف، كما حكاه أبو زيد. وعلى قول أبي زيد: الحيوان مثل الحي، خلاف الميت. ورجح القول الأول: بأن الفعلان: بابه المصادر، كالنزوان، والغليان، بخلاف الصفات. فإن بابها: فعلان، كسكران وغضبان. وأجاب من رجح القول الثاني: بأن فعلان قد جاء في الصفات أيضا. قالوا: رجل ضميان للسريع الخفيف، وزفيان. قال في الصحاح: ناقة

стр. 491

زفيان سريعة. وقوس زفيان: سريعة الإرسال للسهم. فيحتمل قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ معنيين. أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة، لأنها لا تنغيص فيها، ولا نفاد لها، أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار. فيكون «الحيوان» مصدرا على هذا. الثاني: أن يكون المعنى: أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع، ولا تبيد، كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا. فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت. الاسم الثامن: الفردوس. قال تعالى: ٢٣: ١١ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقال تعالى: ١٨: ١٠٧، ١٠٨ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا. الاسم التاسع: جنات النعيم. قال تعالى: ٣١: ٨ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ. وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات، لما تضمنته، من الأنواع التي يتنعم بها أهلها: من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور الجميلة، والرائحة الطيبة، والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن. الاسم العاشر: المقام الأمين. قال تعالى: ٤٤: ٥١ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ. الاسم الحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق، وقدم الصدق. قال تعالى: ٥٤: ٥٤، ٥٥ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فسمي جنته: مقعد صدق، لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها،

стр. 492

كما يقال: مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة. وحلاوة صادقة وحملة صادقة. ومنه الكلام الصدق، لحصول مقصوده منه. وموضع هذه اللفظة في كلامهم: الصحة والكمال. ومنه: الصدق في الحديث، والصدق في العمل. والصدّيق: الذي يصدق قوله بالعمل. والصّدق- بفتح الصاد والدال- الصلب من الرماح، ويقال للرجل الشجاع: إنه لذو صدق أي صادق الحملة. وهذا مصداق هذا: أي ما يصدّقه. ومنه الصداقة: لصفاء المودة والمخالّة. ومنه: صدقني القتال: وصدقني المودة. ومنه: قدم صدق. ولسان صدق. ومدخل صدق. ومخرج صدق. وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه. بخلاف الكذب الباطل، الذي لا شيء تحته. وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط. وفسر قوم «قدم صدق» بالجنة، وفسرها آخرون بالأعمال التي تنال بها الجنة. وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله. وفسر بالرسول الذي على يده، وبهدايته نالوا ذلك. والتحقيق: أن الجميع حق. فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدمها لهم على يد رسله، وادخر لهم جزاءها يوم القيامة. ولسان الصدق: وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق. وفي كونه لسان صدق: إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق، ومخرج الصدق: هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله. وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعو من أنفع الدعاء للعبد. فإنه لا يزال داخلا في أمر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك، كان قد أدخل مدخل صدق، وأخرج مخرج صدق، والله المستعان.

стр. 493

سورة الواقعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣٥] إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) أعاد الضمير إلى النساء، ولم يجر لهن ذكر. لأن الفرش دلت عليهن، إذ هي محلهن، وقيل: الفرش في قوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ كناية عن النساء، كما يكنى عنهن بالقوارير والأزر وغيرها، ولكن قوله: «مرفوعة» يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رفعة القدر، وقد تقدم تفسير النبي ﷺ للفرش وارتفاعها. فالصواب: أنها الفرش نفسها، ودلت على النساء لأنها محلهن غالبا. قال قتادة وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقا جديدا. وقال ابن عباس: يريد نساء الآدميات. وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجّز الشّمط. يقول الله: خلقناهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق الأول في الدنيا.

стр. 494

ويؤيد هذا التفسير: حديث أنس المرفوع «هن عجائزكم العمش الرمص» رواه الثوري عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عنه. ويؤيده أيضا ما رواه يحيى الحماني حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن عائشة «أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وعندها عجوز. فقال: من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي، فقال: أما إنه لا يدخل الجنة عجوز، فدخل على العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال النبي ﷺ : إنا أنشأهن إنشاء خلقا آخر، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، وأول من يكسي إبراهيم خليل الله، ثم قرأ النبي ﷺ إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. قال آدم بن أبي إياس. حدثنا شيبان عن الزهري عن جابر الجعفي عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً «يعني الثيبات والأبكار اللاتي كن في الدنيا» . قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة العجز» ، فبكت عجوز، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروها أنها يومئذ ليست بعجوز، إنها يومئذ شابة. إن الله يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً» . وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسعدة بن اليسع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة «أن النبي ﷺ أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، أدع الله أن يدخلني الجنة. فقال النبي ﷺ : إن الجنة لا يدخلها عجوز. فذهب نبي الله ﷺ ، فصلى. ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة. فقال ﷺ : إن ذلك كذلك إن الله تعالى إذا أدخلهن الجنة حوّلهن أبكارا» . وذكر مقاتل قولا آخر، وهو اختيار الزجاج: أنهن الحور العين اللاتي ذكرهن قبل، أنشأهن الله لأوليائه لم يقع عليهن ولادة.

стр. 495

والظاهر: أن المراد أنشأهن الله في الجنة إنشاء. ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قد قال في حق السابقين يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ- إلى قوله- كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فذكر سدرهم، وآنيتهم، وشرابهم، وفاكهتهم وطعامهم، وأزواجهم من الحور العين. ثم ذكر أصحاب الميمنة، وطعامهم، وشرابهم، وفرشهم، ونساءهم. والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهم، خلقن في الجنة. الثاني: أنه سبحانه قال: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً وهذا ظاهر: أنه إنشاء أول لا ثان. لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيده بذلك، كقوله: ٥٣: ٤٧ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وقوله: ٥٦: ٦٢ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى. الثالث: أن الخطاب بقوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً إلى آخره: للذكور والإناث. والنشأة الثانية أيضا عامة للنوعين. قوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء. وتأمل تأكيده بالمصدر. والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة. فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهن بما ذكر من الصفات، بل هن أحق به منهن فالإنشاء واقع على الصنفين. والله اعلم. [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣٧] عُرُباً أَتْراباً (٣٧) وقوله: «عربا» جمع عروب. وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الاعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها، المتحببة إليه. وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعّل قلت: يريد حسن موافقتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع. وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها. وأنشد للبيد: وفي الحدوج عروب غير فاحشة ... ربّا الروادف يعشى دونها البصر
следующие страницы →