← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

سورة المزمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المزمل (٧٣) : آية ٨] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) التبتل: الانقطاع. وهو تفعّل من البتل. وهو القطع. وسميت مريم: البتول. لانقطاعها عن الأزواج، وعن نظراء نساء زمانها. ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا، وقطعت منهن. ومصدر تبتل إليه تبتيلا كالتّعلّم والتفهم. ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف، والتعمل والتكثر والمبالغة. فأتي بالفعل الدال على أحدهما، وبالمصدر الدال على الآخر. فكأنه قيل: بتّل نفسك إلى الله تبتيلا. وتبتل إليه تبتلا. ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثير في القرآن. وهو من حسن الاختصار والإيجاز

стр. 527

سورة المدثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المدثر (٧٤) : آية ٤] وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر.

стр. 528

وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله بإزالتها والبعد عنها. [سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٤٩ الى ٥١] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرّماة ففرت منه. وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئا. فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور. وهذا غاية الذم لهؤلاء. فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم. كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها. وتحت «المستنفرة» معنى أبلغ من النافرة. فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرا

стр. 529

زائدا على الفعل المجرد. كأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء: فالمعنى: أن القسورة استنفرها، وحملها على النفور ببأسه وشدته.

стр. 530

سورة القيامة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القيامة (٧٥) : آية ٣٦] أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) قال الشافعي ﵁: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين.

стр. 531

سورة النبأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٣] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) فالكواعب: جمع كاعب، وهي الناهد. قاله قتادة ومجاهد والمفسرون. وقال الكلبي: هن الفلكات اللواتي تكعب ثديهن. وتفلكت. وأصل اللفظ: من الاستدارة. والمراد: أن ثديهن نواهد، كالرمان، ليست متدلية إلى أسفل ويسمين نواهد وكواعب.

стр. 532

سورة التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وقرأ قارئ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وفي الحاضرين أبو الوفا ابن عقيل. فقال له قائل: يا سيدي، هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية وسيّر الجبال، ودكّ الأرض، وفطّر السماء، ونثر النجوم، وكوّرت الشمس؟ فقال: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه: لحسن التأمل والتذكر. فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خرّبها، لانتقال الساكن منها. فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموا بهم. وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين،

стр. 533

وعبّاد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالّها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث، مدبّر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم. فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عظيم عزته وقدرته، وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته. فتبارك الله رب العالمين.

стр. 534

سورة المطففين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المطففين (٨٣) : آية ١٤] كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) قال: هو الذنب بعد الذنب. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب. وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم. وأصل هذا: أن القلب يصدأ عن المعصية، فإذا زادت غلب عليه الصدأ حتى يصير رانا، ثم يغلب حتى يصير طبقا وقفلا وختما. فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد، والمعافى من عافاه الله. وقال في شفاء العليل. وأما الران: فقد قال الله تعالى: كَلَّا، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا

стр. 535

يَكْسِبُونَ قال أبو عبيدة: غلب عليها. والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت، فيذهب به، ومن هذا الحديث أسيفع جهينة وقول عمر: «فأصبح قدرين به» أي غلب عليه، وأحاط به الرّين. وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع: أن يطبع على القلب. وهو أشد من الرين. والأقفال أشد من الطبع. وهو أن يقفل على القلب. وقال الفراء: كثرت الذنوب والمعاصي منهم، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وقال أبو إسحاق: ران غطّى، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا. أي غشيه. قال: والرين كالغشاء يغشي القلب. ومثله العين. قلت: أخطأ أبو إسحاق. فالغين ألطف شيء وأرقه. قال رسول الله ﷺ : «وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت القلب. وقال مقاتل: غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة، وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه. وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه. وهو الران الذي ذكر الله كَلَّا، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال عبد الله بن مسعود «كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود القلب كله» فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم، فكان سبب الران منهم. وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب

стр. 536

ومسببه، لكن السبب باختيار العبد، والمسبب خارج عن قدرته واختياره. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٢٠] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) أخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم، تحقيقا. لكونه مكتوبا كتابة حقيقية. وخص تعالى كتاب الأبرار: أنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين سادات المؤمنين. ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به، وإشهارا له وإظهارا لمكانتهم بين خواص خلقه، كما يكتب الملوك تواقيع يعظمون بين الأمراء وخواص أهل المملكة، تنويها باسم المكتوب له، وإشهارا بذكره. وهذا نوع من صلاة الله وملائكته على عبده.

стр. 537

سورة الانشقاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الانشقاق (٨٤) : آية ١٩] لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) أي حالا بعد حال. فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى أو مبتلى- إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم يوقف بين يدي الله، ثم يصير الى الجنة أو النار. فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر. قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرنّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى. وقال عطاء: شدة بعد شدة. والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتّى. قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال.

стр. 538

قال ابن الاعرابي: الطبق الحال على اختلافها. وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفة إلى وقت ميلاده. ثم نذكر الطباقات بعد ولادته إلى آخرها.

стр. 539

سورة الطارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ٥ الى ٧] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس ﵄. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ٦: ١٠١ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ؟ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته.

стр. 540

ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره.

стр. 541

سورة والشمس وضحاها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الشمس (٩١) : الآيات ٩ الى ١٠] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) المعنى: قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله، وأظهرها، وقد خاب وخسر من أخفاها، وحقرها وصغرها بمعصية الله. وأصل التدسية: الإخفاء. ومنه قوله تعالى: ١٦: ٤٩ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ فالعاصي يدسّ نفسه بالمعصية، ويخفي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق. فالطاعة والبر: تكبر النفس وتعزها وتعليها، حتى تصير أشرف شيء وأكبره، وأزكاه وأعلاه، ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى. وبهذا الذل لله حصل لها العز والشرف والنمو، فما صغّر النفس مثل ومعصيته الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله.

стр. 542

سورة الضحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الضحى (٩٣) : آية ١١] وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) في هذا التحديث قولان. أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا. قال مقاتل: يعني أشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة. والتحدث بنعمة الله شكر.. كما في حديث جابر مرفوعا «من صنع إليه معروف فليجز به، فإن لم يجد ما يجزي به فليثن عليه. فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط، كان كلابس ثوبي زور» . فذكر أقسام الخلق الثلاثة. شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها، والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها. فهو متحل بما لم يفعله.

стр. 543

وفي أثر آخر مرفوع «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» . والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد: هي النبوة. وقال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله. وقال الكلبي: هو القرآن، امره أن يقرأه على الناس. والصواب: أنه يعم النوعين، إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدث بها. وإظهارها من شكرها.

стр. 544

سورة التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو،

стр. 545

ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ ، وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟» . ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه ﵎، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه

стр. 546

وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته- أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ٦: ٢٧ وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ. وقوله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه اندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت ﵁ في أهل بدر: سرنا، وساروا إلى بدر، لحتفهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

стр. 547

قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ٧٨: ٤، ٥ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي ﵁ قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة

стр. 548

عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟» . وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١» . وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة- يعني من النعيم- أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟» . وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون» .

стр. 549

وقوله ﷺ : «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما ان يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح- وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد- «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢» » . وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني» . وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم،

стр. 550

وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ٤٣: ١٧ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ؟. وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت- الحديث» وهو في صحيح مسلم . وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم.

стр. 551

وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم» . فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ٢:

стр. 552

١٨٣ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ١٧: ١١ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ١٧: ٦٧ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ١٠٠: ٦ إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ٣٣: ٧٣ وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ٢٢: ٦٦ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر

стр. 553

يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب ﵎ أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ١٩: ٧١ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن

стр. 554

العزة للكاثر كما قيل: ولست بالأكثر منهم غنى ... وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج ﵃ في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر ﵄. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا» .

стр. 555

فصل ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟. فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. فصل وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار.

стр. 556

سورة الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ٣ الى ٦] وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ ،

стр. 557

وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله قل أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؟ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ؟ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ؟ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؟ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ؟ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ؟ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده- وهو الطيب- فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من» ، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي

стр. 558

تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن» . ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» . فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟. وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟. وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجيء: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟. [سورة الكافرون (١٠٩) : آية ٦] لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) وفائدة تاسعة، وهي: أن في قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ معنى زائد على النفي المتقدم، فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده، وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور؟. وفائدة عاشرة، وهي: تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا التقسيم والاختصاص، وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة.

стр. 559

وفائدة حادية عشرة، وهي: أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الأخبار: أحدهما: براءته من معبودهم، وبراءتهم من معبوده، وهذا لازم أبدا. الثاني: إخباره بأن له دينه ولهم دينهم. فهل هذا متاركة وسكوت عنهم، فيدخله النسخ بالسيف، أو التخصيص ببعض الكفار، أم الآية باقية على عمومها وحكمها، غير منسوخة ولا مخصوصة؟. فهذه عشر مسائل في هذه السورة. فقد ذكرنا منها مسألة واحدة، وهي وقوع «ما» فيها بدل «من» . فلنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله، مستعينين بحوله وقوته، متبرئين إليه من الخطأ، فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له، وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه. فأما المسألة الثانية، وهي: فائدة تكرار الأفعال. فقيل فيها وجوه: أحدها: أن قوله: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ نفى للحال والمستقبل، وقوله: أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ مقابله، أي لا تفعلون ذلك. وقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي، ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال «ما عبدتم» فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ مقابله، أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائما. وعلى هذا فلا تكرار أصلا. وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه، وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها. فلنقتصر عليه ولا نتعداه إلى غيره. فإن الوجوه

стр. 560

التي قيلت في مواضعها، فعليك بها. وأما المسألة الثالثة، وهي: تكرير الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم. ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله لنبيه عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده الحق واحد في الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلا، ولا يبغي عنه حولا، بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم. فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا، وغدا غيره. فقال: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ يعني الآن وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي الآن أيضا. ثم قال: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت «ما» هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا. فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط، وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها وهي موصولة. فما أبعد الشرط منها؟. قلنا: لم نقل: إنها نفسها شرط، ولكن فيها رائحة منه، وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته. فإذا قلت لرجل مّا- تخالفه في كل ما يفعل-: أنا لا أفعل ما تفعل. ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك، وأن روح هذا الكلام: مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله؟. وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟ كيف تجد معنى الشرطية فيه؟ حتى وقع الفعل بعد «من» بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل، وأن المعنى: من كان في المهد صبيا

стр. 561

كيف نكلمه؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين: أن «كان» نبيا. بمعنى «يكون» لكنهم لم يأتوا إليه من بابه، بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل، وعزب فهم غيرهم عن هذا، للطفه ودقته. فقالوا: «كان» زائدة. والوجه ما أخبرتك به، فخذه عفوا، لك غنمه، وعلي غرمه. هل على «من» في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره. فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بخلاف قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لبعد «ما» فيها عن معنى الشرط، تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين. وأما المسألة الرابعة هي: أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل تارة وباسم الفاعل أخرى. فذلك- والله أعلم- لحكمة بديعة وهي: أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت. فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل في الثاني: أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا لي. فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي. وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل. أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، ولم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه. وإن عبدوه في بعض الأحيان، فإن المشرك

стр. 562

يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي اعتزلتم معبوديهم، إلّا الله، فإنكم لم تعتزلوه. وكذا قال المشركون عن معبوديهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فهم كانوا يعبدون معه غيره، فلم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها. فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وأنه عبده المستقيم على عبادته: إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته، وأنه إن عبده وأشرك معه غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له. وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي إحدى سورتي الإخلاص، التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده. فله الحمد والمنة. وأما المسألة الخامسة، وهي: أن النفي في هذه السورة أتى بأداة «لا» دون «لن» فلما تقدم تحقيقه عن قرب أن النفي «بلا» أبلغ منه «بلن» وأنها أدل على دوام النفي وطوله من «لن» وأنها للطول والمد الذي في لفظها طال النفي بها واشتد، وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن «لن» إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال، وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق، فالإتيان «بلا» متعين هنا. والله أعلم. وأما المسألة السادسة، وهي: اشتمال هذه السورة على النفي المحض، فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة، فإنها سورة البراءة من الشرك، كما جاء في وصفها: أنها براءة من الشرك. فمقصودها الأعظم: هو البراءة المطلوبة. وهذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا. فقوله: لا

стр. 563

أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ براءة محضة وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إثبات أن له معبودا يعبده وحده، وأنتم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات، وطابقت قول إبراهيم إمام الحنفاء ٤٣: ٢٧ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وطابقت قول الفئة الموحدة ١٨: ١٦ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فانتظمت حقيقة «لا إله إلا الله» ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في سنة الفجر وسنة المغرب. فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع وَلَمْ يُولَدْ فيكون له أصل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. وسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ مشتملة على هذا التوحيد. فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار. ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة. وهي: تقديم براءته من معبودهم، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله. وأما المسألة الثامنة. وهي: إثباته هنا بلفظ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ دون

стр. 564

يا أيها الذين كفروا فسّره- والله أعلم- إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا له لازما لا يفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون هو أيضا بريئا من الله، فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله، التي هي غاية الكفر، وهو الكفر الثابت اللازم، في غاية المناسبة، فكأنه يقول: كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة لي دائما أبدا، ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار في مقابلة الكفر الثابت المستمر. وهذا واضح. وأما المسألة التاسعة. وهي: ما هي الفائدة في قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم؟. فيقال: في ذلك من الحكمة- والله أعلم- أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه، ولا ينبغي له: أن يعبد معبوديهم، وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم، فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال له: لا تدخل في حدى، ولا أدخل في حدك، لك أرضك، ولي أرضي. فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا، فأصابنا التوحيد والإيمان، فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم الشرك بالله والكفر به، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم فيه، فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه. وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب. رافلة في حللها، فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزفّ إلى ضرير مقعد، فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهي لها، ونسأله إتمام نعمته. وأما المسألة العاشرة. وهي: تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه

стр. 565

ونصيبه، وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم. فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميّز القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي. فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق. والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان. ووجه ثان. وهو: أن مقصود السورة براءته ﷺ من دينهم ومعبودهم، هذا هو لبها ومغزاها، وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني، مكملا لبراءته ومحققا لها، فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة، ثم جاء قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ مطابقا لهذا المعنى، أي لا أشارككم في دينكم، ولا أوافقكم عليه، بل هو دين باطل تختصون أنتم به ولا أشارككم فيه أبدا. فطابق آخر السورة أولها، فتأمل. وأما المسألة الحادية عشرة. وهي: أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه، هل هو إقرار؟ فيكون منسوخا، أولا نسخ في الآية ولا تخصيص؟. فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة، وقد غلط في السورة خلائق وظنوها منسوخة بآية السيف، لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير
следующие страницы →