← Тафсир

Тафсир · id 23606

التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم

ابن القيم

Полный текст (664 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

زفيان سريعة. وقوس زفيان: سريعة الإرسال للسهم. فيحتمل قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ معنيين. أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة، لأنها لا تنغيص فيها، ولا نفاد لها، أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار. فيكون «الحيوان» مصدرا على هذا. الثاني: أن يكون المعنى: أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع، ولا تبيد، كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا. فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت. الاسم الثامن: الفردوس. قال تعالى: ٢٣: ١١ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقال تعالى: ١٨: ١٠٧، ١٠٨ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا. الاسم التاسع: جنات النعيم. قال تعالى: ٣١: ٨ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ. وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات، لما تضمنته، من الأنواع التي يتنعم بها أهلها: من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور الجميلة، والرائحة الطيبة، والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن. الاسم العاشر: المقام الأمين. قال تعالى: ٤٤: ٥١ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ. الاسم الحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق، وقدم الصدق. قال تعالى: ٥٤: ٥٤، ٥٥ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فسمي جنته: مقعد صدق، لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها،

стр. 492

كما يقال: مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة. وحلاوة صادقة وحملة صادقة. ومنه الكلام الصدق، لحصول مقصوده منه. وموضع هذه اللفظة في كلامهم: الصحة والكمال. ومنه: الصدق في الحديث، والصدق في العمل. والصدّيق: الذي يصدق قوله بالعمل. والصّدق- بفتح الصاد والدال- الصلب من الرماح، ويقال للرجل الشجاع: إنه لذو صدق أي صادق الحملة. وهذا مصداق هذا: أي ما يصدّقه. ومنه الصداقة: لصفاء المودة والمخالّة. ومنه: صدقني القتال: وصدقني المودة. ومنه: قدم صدق. ولسان صدق. ومدخل صدق. ومخرج صدق. وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه. بخلاف الكذب الباطل، الذي لا شيء تحته. وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط. وفسر قوم «قدم صدق» بالجنة، وفسرها آخرون بالأعمال التي تنال بها الجنة. وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله. وفسر بالرسول الذي على يده، وبهدايته نالوا ذلك. والتحقيق: أن الجميع حق. فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدمها لهم على يد رسله، وادخر لهم جزاءها يوم القيامة. ولسان الصدق: وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق. وفي كونه لسان صدق: إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق، ومخرج الصدق: هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله. وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعو من أنفع الدعاء للعبد. فإنه لا يزال داخلا في أمر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك، كان قد أدخل مدخل صدق، وأخرج مخرج صدق، والله المستعان.

стр. 493

سورة الواقعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣٥] إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) أعاد الضمير إلى النساء، ولم يجر لهن ذكر. لأن الفرش دلت عليهن، إذ هي محلهن، وقيل: الفرش في قوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ كناية عن النساء، كما يكنى عنهن بالقوارير والأزر وغيرها، ولكن قوله: «مرفوعة» يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رفعة القدر، وقد تقدم تفسير النبي ﷺ للفرش وارتفاعها. فالصواب: أنها الفرش نفسها، ودلت على النساء لأنها محلهن غالبا. قال قتادة وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقا جديدا. وقال ابن عباس: يريد نساء الآدميات. وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجّز الشّمط. يقول الله: خلقناهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق الأول في الدنيا.

стр. 494

ويؤيد هذا التفسير: حديث أنس المرفوع «هن عجائزكم العمش الرمص» رواه الثوري عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عنه. ويؤيده أيضا ما رواه يحيى الحماني حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن عائشة «أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وعندها عجوز. فقال: من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي، فقال: أما إنه لا يدخل الجنة عجوز، فدخل على العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال النبي ﷺ : إنا أنشأهن إنشاء خلقا آخر، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، وأول من يكسي إبراهيم خليل الله، ثم قرأ النبي ﷺ إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. قال آدم بن أبي إياس. حدثنا شيبان عن الزهري عن جابر الجعفي عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً «يعني الثيبات والأبكار اللاتي كن في الدنيا» . قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة العجز» ، فبكت عجوز، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروها أنها يومئذ ليست بعجوز، إنها يومئذ شابة. إن الله يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً» . وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسعدة بن اليسع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة «أن النبي ﷺ أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، أدع الله أن يدخلني الجنة. فقال النبي ﷺ : إن الجنة لا يدخلها عجوز. فذهب نبي الله ﷺ ، فصلى. ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة. فقال ﷺ : إن ذلك كذلك إن الله تعالى إذا أدخلهن الجنة حوّلهن أبكارا» . وذكر مقاتل قولا آخر، وهو اختيار الزجاج: أنهن الحور العين اللاتي ذكرهن قبل، أنشأهن الله لأوليائه لم يقع عليهن ولادة.

стр. 495

والظاهر: أن المراد أنشأهن الله في الجنة إنشاء. ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قد قال في حق السابقين يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ- إلى قوله- كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فذكر سدرهم، وآنيتهم، وشرابهم، وفاكهتهم وطعامهم، وأزواجهم من الحور العين. ثم ذكر أصحاب الميمنة، وطعامهم، وشرابهم، وفرشهم، ونساءهم. والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهم، خلقن في الجنة. الثاني: أنه سبحانه قال: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً وهذا ظاهر: أنه إنشاء أول لا ثان. لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيده بذلك، كقوله: ٥٣: ٤٧ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وقوله: ٥٦: ٦٢ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى. الثالث: أن الخطاب بقوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً إلى آخره: للذكور والإناث. والنشأة الثانية أيضا عامة للنوعين. قوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء. وتأمل تأكيده بالمصدر. والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة. فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهن بما ذكر من الصفات، بل هن أحق به منهن فالإنشاء واقع على الصنفين. والله اعلم. [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣٧] عُرُباً أَتْراباً (٣٧) وقوله: «عربا» جمع عروب. وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الاعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها، المتحببة إليه. وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعّل قلت: يريد حسن موافقتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع. وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها. وأنشد للبيد: وفي الحدوج عروب غير فاحشة ... ربّا الروادف يعشى دونها البصر

стр. 496

وذكر المفسرون في تفسير العرب: أنهن العواشق، المتحببات، الغنجات، الشّكلات، المتعشقات، الغلمات، المغنوجات. كل ذلك من ألفاظهم. وقال البخاري في صحيحه «عربا» مثقلة، واحدها: عروب، مثل صبور وصبر. تسميها أهل مكة العربة وأهل المدينة: الغنجة. وأهل العراق: الشّكلة. والعرب المتحببات الى أزواجهن» هكذا ذكره في كتاب بدء الخلق. وقال في كتاب التفسير في سورة الواقعة! عربا مثقلة- أي مضمومة الراء- واحدها عروب. مثل صبور وصبر. تسميها أهل مكة: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة. قلت: فجمع سبحانه بين حسن صورتها وحسن عشرتها. وهذا غاية ما يطلب من النساء، وبه تكمل لذة الرجل بهن. وفي قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ إعلام بكمال اللذة بهن. فإن لذة الرجل بالمرأة التي لم يطأها سواه لها فضل على لذته بغيرها. وكذلك هي أيضا. [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٧٤] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) اللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال- مثلا- له حقيقة متميزة متحصلة، فأستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان، مسموع بالأذان. فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم: عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال، مثلا. واللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال: عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان.

стр. 497

وهذا المسمى والمعنى. واللفظ الدال عليه، الذي هو الزاى والياء والدال: هو الاسم. وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى، من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم: عبارة عنه. فقد بان لك أن «الاسم» في أصل الوضع ليس هو المسمى. ولهذا تقول: سميت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حلّيته بهذه الحلية. والحلية غير المحلى، فكذلك الاسم غير المسمى. وقد صرح بذلك سيبويه. وأخطأ نسب إليه غير هذا، وادعى أن مذهبه: اتحادهما. والذي غرّ من ادعي ذحك: قوله: الأفعال أمثلة، أخذت من لفظ أحداث الأسماء. وهذا لا يعارض نصه قبل هذا. فإنه نص على أن الاسم غير المسمى. فقال «الكلم اسم، وفعل، وحرف» فقد صرح بأن الاسم كلمة. فكيف تكون الكلمة هي المسمى. والمسمى شخص؟ ثم قال بعد هذا: تقول سميت زيدا بهذا الاسم، كما تقول: علمته بهذه العلامة. وفي كتابه قريب من ألف موضع: أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى. ومتى ذكر الخفض أو النصب، أو التنوين، أو اللام، أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان، وتصغير وتكبير، وإعراب وبناء- فذلك كله من عوارض الاسم: تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلا. وما قال نحوي قط ولا عربي: إن الاسم هو المسمى. ويقولون: أجل مسمى. ولا يقولون أجل اسم. ويقولون: مسمى هذا الاسم كذا. ولا يقول أحد: اسم هذا الاسم، ويقولون: هذا مسمى بزيد. ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد. ويقولون: باسم الله، ولا يقولون: بمسمى الله. وقال رسول الله ﷺ «لي خمسة أسماء» ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات. وقال: «فتسموا باسمي» ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي. وقال «لله تسعة وتسعون اسما» ولا يصح أن يقال: لله تسعة وتسعون مسمى.

стр. 498

وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى. فبقي هاهنا التسمية. وهي التي اعتبرها من قال: باتحاد الاسم والمسمى. والتسمية: عبارة عن فعل المسمّي ووضعه الاسم للمسمّي، كما أن التحلية: عبارة عن فعل المحلّى، ووضعه الحلية على المحلّى. فهنا ثلاث، حقائق: اسم ومسمى، وتسمية، كحلية، ومحلّى، وتحلية. وعلامة ومعلم، وتعليم. ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمى: بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث ولا بد. فإن قيل: فحلوا لنا شبهة من قال: باتحادهما ليتم الدليل. فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض. فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق. فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة. وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل، ولا صفة. لأن أسماءه صفات. وهذا هو السؤال الأعظم، الذي قاد متكلمي الإثبات الى أن يقولوا: الإسم هو المسمى. فما عندكم في دفعه؟ والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق اللفظة مجملة لمعنيين. صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها. ولا ريب أن الله ﵎ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته: رب واحد، وإله واحد، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه، وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق. فليست صفاته وأسماؤه غيره. وليست هي نفس الإله، وبلاء القوم من لفظة «الغير» فإنها يراد بها معنيين. أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله. وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار. فلا يكون إلا مخلوقا.

стр. 499

ويراد بها: مغايرة الذات إذا خرجت عنها. فإذا قيل: علم الله، وكلام الله غيره: وعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم، والكلام: كان المعنى صحيحا. ولكن الإطلاق باطل. وإذا العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره: كان باطلا لفظا ومعنى. وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وقالوا: كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه. ف «الله» اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال. ومن تلك الصفات: صفة الكلام، كما أن علمه وقدرته وحياته، وسمعه وبصره: غير مخلوقة. وإذا كان القرآن كلامه، وهو صفة من صفاته. فهو متضمن لأسمائه الحسنى. فإذا كان القرآن غير مخلوق، ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال: إن بعض ما تضمنه- وهو أسماؤه- مخلوقة، وهي غيره؟ فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال، وبان أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه. وكلامه غير مخلوق. ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو. وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره. وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته، لا غيره. وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد الله. حجة ثانية لهم: قالوا: قال ﵎: ٥٥: ٧٨ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ و ٧٣: ٨ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ و ٨٧: ١ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. وهذه الحجة عليهم في لا لهم الحقيقة. لأن النبي ﷺ امتثل هذا الأمر، وقال: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم» ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم.

стр. 500

ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا اسم ربي ارحمني. وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى، لا بالاسم. وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به ب «اسم» فقد قيل فيه: إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم قد تعظم ما هو من سببه، ومتعلق به، كما يقال: سلام على الحضرة العالية، والباب السامي، والمجلس الكريم. ونحوه. وهذا جواب غير مرض لوجهين. أحدهما: أن الرسول ﷺ لم يفهم هذا المعنى، وإنما قال «سبحان ربي» فلم يعرج على ما ذكرتموه. الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل، وسائر ما يطلق على المسمى، فيقال: الحمد لاسم الله. ولا إله إلا اسم الله، ونحوه. وهذا مما لم يقله أحد. بل الجواب الصحيح: أن الذكر الحقيقي حله القلب، لأنه ضد النسيان. والتسبيح نوع من الذكر. فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان. والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما. فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك. واذكر ربك بقلبك ولسانك. فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى. حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان: لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم، دون ما سواه. والذكر باللسان: متعلقه اللفظ مع مدلوله. لأن اللفظ لا يراد لنفسه. فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح، دون ما يدل عليه من المعنى. وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى

стр. 501

بعبارة لطيفة وجيزة، فقال: المعنى سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به. وكذا سبح اسم ربك: المعنى: سبح ربك ذاكرا اسمه. وهذه الفائدة تساوي رحلة، ولكن لمن يعرف قدرها. فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته. حجة ثالثة لهم: قالوا: قال تعالى: ١٢: ٤٠ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها وإنما عبدوا مسمياتها. والجواب: أنه كما قلتم: إنهم إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللاتي والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة، لا مسمى لها في الحقيقة. فإنهم سموها آلهة. وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها. وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء، لا حقيقة المسمى. فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها، فيقال له: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه. وكمن سمى التراب خبزا، وأكله. يقال: ما أكلت إلّا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية آلهتهم. فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلّا مجرد الاسم. فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ولم تدخل في قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟. قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل. ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا. فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله. وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، تنبها على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. كما تقول: صلّ مفتتحا، أو ناطقا باسمه، ولهذا السر-

стр. 502

والله أعلم- دخلت اللام في قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السموات والأرض، كما قال تعالى ١٣: ١٥ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وتأمل قوله تعالى: ٧: ٢٠٥ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه. [سورة الواقعة (٥٦) : آية ٧٩] لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) والصحيح في الآية: أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة. منها: أنه وصفه بأنه مكنون، والمكنون المستور عن العيون، وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة. ومنها: أنه قال: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وهم الملائكة ولو أراد المؤمنين المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال تعالى: ٢: ٢٥١ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فالملائكة مطهرون، والمؤمنون والمتوضئون متطهرون. ومنها: أن هذا إخبار، ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه، بالجزم. والأصل في الخبر، أن يكون خبرا صورة ومعنى. ومنها: أن هذا رد على من قال. إن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر تعالى أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين، ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء: ٢٦: ٢١٠- ٢١٢ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وأنما تناله الأرواح

стр. 503

المطهرة، وهم الملائكة. ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس به: ٨٠: ١٢- ١٦مَنْ شاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أنها مثل هذه الآية في سورة عبس. ومنها: أن الآية مكية، في سورة مكية، تتضمن تقرير التوحيد، والنبوة والمعاد، وإثبات الصانع، والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف. ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة، ومن المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب، حقا أو باطلا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية. فهذا المعنى أليق وأجل بالآية بلا شك. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: لكن تدل هذه الآية وإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون، لكرامتها على الله. فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر.

стр. 504

سورة الحديد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٧] ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) «رهبانية» منصوب بابتدعوها على الإشتغال، إما بنفس الفعل المذكور، على قول الكوفيين. وإما بمقدر محذوف، مفسر بهذا المذكور، على قول البصريين. أي وابتدعوا رهبانية. وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه. فالوقف التام عند قوله «ورحمة» ثم يبتدئ «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها» أي لم نشرعها لهم، ولم نكتبها عليهم، بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم. وفي نصب قوله: «إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» ثلاثة أوجه. أحدها: أنه مفعول له، أي لم نكتبها عليها إلا ابتغاء رضوان الله. وهذا فاسد. فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه. كيف وقد أخبر أنهم هم الذين ابتدعوها فهي مبتدعة غير مكتوبة.

стр. 505

وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة الفاعل المذكور معه فيتحد السبب والغاية. نحو: قمت إكراما. فالقائم هو المكرم، وفعل الفاعل المعلل هاهنا: هو الكتابة، وابتغاء رضوان الله: فعلهم لا فعل الله. فلا يصلح أن يكون علة لفعل لاختلاف الفاعل. وقيل: هو بدل من مفعول «كتبناها» أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وهو فاسد أيضا، إذ ليس رضوان الله عين الرهبانية. فيكون بدل الشيء من الشيء، ولا بعضها. فيكون بدل بعض من كل، ولا أحدهما مشتمل على الآخر، فيكون بدل اشتمال. وليس ببدل غلط. فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله. ودل على هذا قوله «ابتدعوها» ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه طلب رضوان الله، ثم ذمهم بترك رعايتها. إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب، لزمه رعايته وإقامته، حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة بإتمامها، وجعلوا التزامها بالشروع، كالتزامها بالنذر، كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وهو إجماع، أو كالإجماع في أحد النسكين. قالوا: والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول. فكما يجب عليه رعاية ما التزمه بالنذر وفاء، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة. والقصد: أن الله ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها. فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده، وأذن بها، وحث عليها؟. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)

стр. 506

في قوله «تمشون به» إعلام بأن تصرفهم، وتقبلهم الذي ينفعهم: إنما هو بالنور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم. ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه. وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزّمانة والانقطاع. فلا مشي لقلوبهم، ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات. وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم. وفي قوله: «تمشون به» نكتة بديعة. وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، كما يمشون بها بين الناس في الدنيا. ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.

стр. 507

سورة المجادلة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢] الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) إن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: أنت عليّ كظهر أمي: هل هو إنشاء أو إخبار؟ فإن قلتم: إنشاء كان باطلا من وجوه. أحدها: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب. والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع. أحدها: في قوله «ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ» فنفي ما أثبتوه. وهذا حقيقة التكذيب. ومن طلق امرأته، لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقته والثاني: في قوله «إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ» والإنشاء لا يكون

стр. 508

منكرا من القول، وإنما يكون المنكر هو الخبر. والثاني: أنه سماه «زورا» والزور: هو الكذب. وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء. الثالث: أن الظهار محرم، وليس جهة تحريمه إلّا كونه كذبا. والدليل على تحريمه: خمسة أشياء. أحدها: وصفه بالمنكر. والثاني وصفه بالزور. والثالث: أنه شرع فيه الكفارة. ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة. والرابع: أن الله قال: ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ والوعظ إنما يكون في غير المباحات. والخامس: قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ والعفو والمغفرة: إنما يكونان عن الذنب. وإن قلتم: هو إخبار، فهو باطل من وجوه. أحدها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة. وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرا لم يوجب التحريم. فإنه إن كان صدقا فظاهر. وإن كان كذبا: فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم. والثاني: أنه لفظ الظهار يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم. وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر. فإنه لا يوجب حكمه بنفسه. فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه: جمع بين النقيضين. والثالث: أن إفادة قوله: أنت علي كظهر أمي: للتحريم، كإفادة قوله: أنت حرة، وأنت طالق. وبعتك ورهنتك، وتزوجتك، ونحوها: لأحكامها. فكيف يقولون: هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟ قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء. ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك. وقال: الصواب أنه إخبار.

стр. 509

وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء. قال: أما قولهم: كان طلاقا في الجاهلية: فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به. فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء، كما زعمتم، أو لكونه كذبا، وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه. وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد. ونحو ذلك. قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت. وهذا حقيقة الإنشاء، لا الإخبار- فلا نسلم أن ثم تحريما البتة- والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة. فإذا قال الشارع: لا تصل حتى تتطهر: ولا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب. سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة محضة، كترتيب حرمان الإرث على القتل. وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب، وإسقاط العدالة به. فهذا ترتيب بالوضع الشرعي، لا بدلالة اللفظ. وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم. ويدل عليه، كصيغ العقود. فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره. فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم. فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء. فإن الأعم لا يستلزم الأخص. فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق، وترتبه على الظهار. قال: وأما قولكم: إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها: فقياس في الأسباب. فلا نقبله. ولو سلمناه نص القرآن يدفعه.

стр. 510

وهذه الاعتراضات عليهم باطلة. وأما قوله: إن كونه طلاقا في الجاهلية فلا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلخ فكلام باطل قطعا. فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار بالكذب ليترتب عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق. ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين. وإنما كانوا منشئين للطلاق به. ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام. حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة وكانت تحت عبادة بن الصامت. فقال لها «أنت علي كظهر أمي. فأتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك. فقال رسول الله ﷺ حرمت عليه. فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي. وأحب الناس إلي. فقال: حرمت عليه. فقالت: أشكو إلى الله فاقتي وحدتي. فقال رسول الله ﷺ : ما أراك إلا قد حرمت عليه. ولم أومر في شأنك بشيء. فجعلت تراجع رسول الله ﷺ . وإذا قال لها: حرمت عليه. هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وأن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها الى السماء، وتقول: اللهم إني أشكوا إليك. وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فلما قضي الوحي. قال رسول الله ﷺ : ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله ﷺ قوله تعالى: ٥٨: ١- ٤ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها. وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما الآيات. فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالطلاق. وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادها عشرة أبطن ونحوه. فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب.

стр. 511

وأما قوله: إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما: فكلام باطل. فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة. فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين. والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام، وبالصيام وبالحيض. وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد. فإن الله أوجب على المصلي أن يصلي صلاة بطهر. فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه، فأستحق الإثم. وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبّهها بمن تحرم عليه. فمنعه الله من قربانها حتى يكفر. فهنا تحريم مستند إلى كفارة. وفي الصلاة لا تجزئ منه بغير طهر. لأنها صلاة غير مشروعة أصلا. وقوله: التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، وقد يكون عقوبة إلخ. جوابه: أنهما غير متنافيين في الظهار، فإنه حرام، وتحرم المرأة به تحريما مؤقتا حتى يكفر. وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء، كجمع الثلاث عند من يوقعها، والطلاق في الحيض، فإنه يحرم ويعقبه التحريم. وقد قلتم: إن طلاق السكران يقع عقوبة له، مع أنه لم يقصد إنشاء سبب تطلق به امرأته اتفاقا. فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها. وقوله: السببية أعم من الإنشاء. جوابه: أن السبب نوعان. فعل وقول، فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء. فإن أردتم بالعموم: أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع. وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل وبالقول. فمسلم. ولا يفيدكم شيئا. وفصل الخطاب: أن قوله: أنت علي كظهر أمي: يتضمن إنشاء

стр. 512

وإخبارا. فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه ولهذا جعله الله منكرا من القول زورا. فهو منكر باعتبار الإنشاء، وزور باعتبار الإخبار. وأما قوله: إن المنكر هو الخبر الكاذب من النّكر. والنكر أعم منه. فالإنكار في الإنشاء والإخبار. فإنه ضد المعروف. فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر. وما لم يكن صدقا من الأخبار فهو زور.

стр. 513

سورة الصف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الصف (٦١) : آية ٥] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وقال عن عباده المؤمنين إنهم سألوه التثبيت على الهدى بقولهم: ٣: ٨ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا. وأصل الزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس، إذا مالت. فإزاغة القلب: إمالته عن الهدى. وزيغه: ميله عن الهدى الى الضلال. والزيغ: يوصف به القلب والبصر، كما قال تعالى: ٣٣: ١٠ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ. قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقا. وهذا تقريب للمعنى: فإن الشخوص غير الزيغ. وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء، فلا يطرف. ومنه: شخص بصر الميت. ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر، فمالت عنه.

стр. 514

وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. وقال الكلبي: مالت أبصارهم إلّا من النظر إليهم. وقال الفراء: زاغت عن كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها، متحيرة تنظر إليه. قلت: القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف، فزاغ البصر عن الوقوع عليه. وهو مقابله.

стр. 515

سورة الجمعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الجمعة (٦٢) : آية ٥] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قاس من حمله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويعمل به، ويدعو إليه. ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقرأه بغير تدبر، ولا تفهم، ولا اتباع له، ولا تحكيم له، ولا عمل بموجبه: كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، فحظه منها: حملها على ظهره ليس إلا. فحظ هذا من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته.

стр. 516

سورة المنافقون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المنافقون (٦٣) : آية ٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) المقصود: أن دوام الذكر لما كان سببا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال، كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد. وكان عدوه حقا هو الصاد له عن ذكر ربه، وعبوديته. ولهذا أمر سبحانه بكثرة ذكره في القرآن. وجعله سببا للفلاح. فقال تعالى: ٦٢: ١٠ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال: ٣٣: ٤١ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وقال: ٣٣: ٣٥ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ وقال: ٦٣: ٩ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وقال: ٢: ١٥٢ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وقال النبي ﷺ «سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا» وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن

стр. 517

النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله» وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء. وقال معاذ بن جبل «ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» . وذكر رسول الله ﷺ تبع لذكره. والمقصود: أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة. فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به. وهو أنواع: ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها. الثاني: تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين. الثالث: ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه. وهو ذكر أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لربهم. ومن أفضل ذكره: ذكره بكلامه. قال تعالى: ٢٠: ١٢٤ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً. وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى فذكره هاهنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله، وقال تعالى: ١٣: ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. ومن ذكره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه. فهذه خمسة أنواع من الذكر.

стр. 518

سورة التحريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة التحريم (٦٦) : آية ٤] إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) إن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف، وتثنيته وجمعه، بحسب أحوال المضاف إليه. فإن أضافوا الواحد المتصل الى مفرد أفردوه. وإن أضافوه الى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه. وإن أضافوه الى اسم مثنى فالأصح في لغتهم جمعه. كقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنما هما قلبان، وكقوله: ٥: ٣٨ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وتقول العرب: اضرب أعناقهما. وهذا أفصح في استعمالهم. [سورة التحريم (٦٦) : آية ١٠] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)

стр. 519

فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكفار. ومثلين للمؤمنين. فيتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين عن لحمة نسب، أو وصلة صهر، أو سبب من أسباب الاتصال. فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الايمان، لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين. قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية الله، وخالف امره، ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال. فلا اتصال فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يغن نوح عن ابنه، ولا إبراهيم عن أبيه، ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من الله شيئا. قال الله تعالى: ٦٠: ٣ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وقال تعالى: ٨٢: ١٩ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وقال تعالى: ٢: ٤٨ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وقال: ٣١: ٣٣ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهذا كله تكذيب لإطماع المشركين الباطلة: أن ما تعلقوا به من دون الله من قرابة، أو صهر، أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة، أو يجيرهم من عذاب الله، أو يشفع لهم عند الله. وهذا أصل ضلال بني آدم، وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الذي بعث الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله، ومحاربة أهله، ومعاداتهم.

стр. 520

فصل [سورة التحريم (٦٦) : آية ١١] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وأما المثلان اللذان للمؤمنين: فأحدهما: امرأة فرعون. ووجه المثل: أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا، إذا فارقه في كفره وعمله. فمعصية الغير لا تضر المؤمن المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض، إذا أضاعوا أمر الله، فتأتي عامة. فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به. وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر. فذكر ثلاثة أصناف النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح. والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر. والمرأة العزب التي لا وصلة بينها وبين أحد. فالأولى: لا تنفعها وصلتها وسببها. والثانية: لا تضرها وصلتها وسببها. والثالثة: لا يضرها عدم الوصلة شيئا. ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي ﷺ وتحذيرهن من التظاهر عليه، وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله، ويردن الدار الآخرة: لم ينفعهن اتصالهن برسول الله ﷺ ، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط اتصالهما بهما. قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة [سورة التحريم (٦٦) : آية ١٢] وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) وفي ضرب المثل للمؤمنين مريم أيضا: اعتبار آخر، وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها، ونسبتهم إياها وابنها الى ما

стр. 521

برأهما الله منه، مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين. فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. وفي هذا أيضا تسلية لعائشة أم المؤمنين، إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك. وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون، إن كانت قبلها. كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما تعمدتاه في حق النبي ﷺ . فتضمن هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسلية وتوطيد النفس لمن أوذي منهن، وكذب عليهن. وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما اسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.

стр. 522

سورة ن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القلم (٦٨) : آية ٤٨] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) قال ابن عباس: نهاه أن يتشبه بصاحب الحوت، حيث لم يصبر صبر أولي العزم. وهاهنا سؤال نافع، وهو أن يقال: العامل في الظرف، وهو قوله «إذ نادى» لا يمكن أن يكون المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه. وقد اثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به. فقال: ٢١: ٨٧، ٨٨ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنادى فِي الظُّلُماتِ، أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ انه قال «دعوة أخي ذي النون، إذ دعي في بطن الحوت: ما دعي بها مكروب إلا فرج الله عنه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» فلا يمكن أن ينهى عن التشبه به في هذه الدعوة، وهي النداء الذي نادى به

стр. 523

ربه. وإنما نهى عن التشبه به في السبب الذي أفضى به إلى هذه المناداة، وهي مغاضبته التي أفضت به الى حبسه في بطن الحوت، وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم. والكظيم والكاظم الذي قد امتلأ غيظا وغضبا، أو هما وحزنا، وكظم عليه فلم يخرجه. فإن قيل: وعلى ذلك فما العامل في الظرف؟ قيل: ما في «صاحب الحوت» من معنى الفعل. فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيد المنهي بقيد أو زمن كان داخلا في حين النهي فإن كان المعنى: لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال، أو هذا الوقت. كان نهيا عن تلك الحالة. قيل: لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت، فنهى أن يشبه به في الحال التي أفضت به إلى صحبته الحوت وألجأته إلى النداء، وهو ضعف العزيمة وعدم الصبر لحكمه تعالى، ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت، فنادى، بل طوى القصة واختصرها، وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر، واكتفى بغايتها وما انتهت إليه. فإن قيل: فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه؟ أي لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما، بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى ربه عليه، قد تلقاه بالرضى والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم. قيل: هذا المعنى، وإن كان صحيحا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده. وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضبا، حتى سجن في بطن الحوت. ويدل عليه قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ثم قال: وَلا

стр. 524

تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ أي في ضعف صبره لحكم ربه. فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي امر بها. فإن قيل: فما منعك أن تصير إلى أنه أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي قدره عليه، ولا تكن كصاحب الحوت، حيث لم يصبر عليه، بل نادى وهو كظيم لكشفه. فلم يصبر على احتماله والسكون تحته. قيل: منع من ذلك: أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من ضر، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. فَنادى فِي الظُّلُماتِ: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ فكيف ينهي عن التشبه به فيما يثني به عليه ويمدحه به؟ وكذلك أثنى على أيوب بقوله: مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وعلى يعقوب بقوله: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وعلى موسى بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي- الحديث» فالشكوى إليه سبحانه لا تنافى الصبر الجميل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة، وجعل الشكوى إليه وحده: هو الصبر. والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه، وتضرعه ودعاؤه. وقد ذم الله سبحانه من لم يتضرع إليه. ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ. والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه.

стр. 525

وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه. والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا. وهذا أكمل الصبر، ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء، حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم، وأصبرهم لحكم الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 526

سورة المزمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المزمل (٧٣) : آية ٨] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) التبتل: الانقطاع. وهو تفعّل من البتل. وهو القطع. وسميت مريم: البتول. لانقطاعها عن الأزواج، وعن نظراء نساء زمانها. ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا، وقطعت منهن. ومصدر تبتل إليه تبتيلا كالتّعلّم والتفهم. ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف، والتعمل والتكثر والمبالغة. فأتي بالفعل الدال على أحدهما، وبالمصدر الدال على الآخر. فكأنه قيل: بتّل نفسك إلى الله تبتيلا. وتبتل إليه تبتلا. ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثير في القرآن. وهو من حسن الاختصار والإيجاز

стр. 527

سورة المدثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المدثر (٧٤) : آية ٤] وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست، ولا من غدرة أتقنّع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر والغادر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت برّ طاهر.

стр. 528

وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطّهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله بإزالتها والبعد عنها. [سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٤٩ الى ٥١] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرّماة ففرت منه. وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئا. فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور. وهذا غاية الذم لهؤلاء. فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم. كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها. وتحت «المستنفرة» معنى أبلغ من النافرة. فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرا

стр. 529

زائدا على الفعل المجرد. كأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء: فالمعنى: أن القسورة استنفرها، وحملها على النفور ببأسه وشدته.

стр. 530

سورة القيامة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القيامة (٧٥) : آية ٣٦] أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) قال الشافعي ﵁: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين.
следующие страницы →