← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

التفسير: فى الآيات السابقة جاء قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» ليلفت الناس- وهم فى أول لقائهم بهذه الحياة- إلى ما فى الأرض وما عليها من خير كثير، بثّه الله فيها، وأن أول ما ينبغى أن يحصّلوه من هذا الخير، أن يستروا سوآتهم، ليخرجوا من عالم الحيوان، وليكونوا الإنسان الذي جعله الله خليفة له فى الأرض. ثم ليتجملوا بعد هذا، ويتزينوا بما شاءوا، ثم ليستروا كيانهم الداخلى ويجملوه بالتقوى. وفى هذه الآيات يدعو الله النّاس- بعد أن استوفوا حظوظهم من زينة الحياة، وصار إلى أيديهم الكثير منها- يدعوهم إلى ألّا تكون هذه الزينة التي اتخذوها حلى يتحلّون بها فى أوقات لهوهم، أو فى محافلهم وأنديتهم، وحسب، وإنما الذي ينبغى أن يتزينوا له، ويحتفوا بلقائه قبل كل شىء، هو بيت الله الذي يقفون فيه بين يدى الله، يناجونه ويوجهون وجوههم إليه. فهذا الاحتفاء ببيوت الله، وهذا الإعداد والتجمّل للقاء الله فيها، هو مما يقيم فى كيان المؤمن مشاعر التوقير والإجلال لهذا اللقاء، وممّا يهيئ كيان الإنسان الداخلى لمناجاة ربّه، بعد أن تطهّر وتزيّن لهذا اللقاء العظيم.. وقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»

стр. 1542

هو دعوة إلى أن يأخذ الناس حظّهم من طيبات الحياة، وأن يذوقوا من نعم الله التي وضعها بين أيديهم، ولكن فى غير إسراف، بل فى قصد واعتدال، فإن الإسراف يفسد النعمة، ويفقدها طعمها الطيّب، حين يمتلىء الإنسان منها، ويلحّ على جسده بها.. إنها لا تلبث- حينئذ- أن تتحول إلى شىء تزهد فيه النفس، بل وتعافه. وهذا هو بعض الحكمة من النهى عن الإسراف. وقوله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟» هو إغراء بالتنعم بنعم الله، والتجمل بها، وأخذ حاجة النفس منها.. ثم هو إنكار على من يأخذون على أنفسهم أو على الناس الطريق إلى نعم الله، ويزهدونهم فيها، أو يحرمونهم منها.. فلمن إذن هذه النعم؟ والله يقول: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .. ويقول سبحانه هنا فى هذه الآية: «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» أي زينة الله هذه التي أخرج لعباده، وهذه الطيبات من الرزق، هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا، ينعمون بها، ويرون فضل الله عليهم فيها، فيزداد حمدهم له، ويقوى إيمانهم به.. ثم إن هذه النعم سينعمون بها يوم القيامة، تأتيهم من غير أن يبذلوا لها جهدا، خالصة من كل شائبة مما كان يشوبها فى الدنيا.. فلا تزهد فيها نفس من شبع، ولا تملّها عين من نظر.. «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» . وتخصيص المؤمنين بالذكر هنا: «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين يتعرفون على الطيبات من الرزق وينعمون بها، أما غير المؤمنين فلا يفرّقون بين طيب وخبيث،

стр. 1543

إذ لا دين لهم يحجزهم عن الخبيث، ويحول بينهم وبينه، فالطيب والخبيث على سواء عندهم. قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» . هذه هى المحرمات التي حرّمها الله على عباده، وكلها خبائث، تفسد الطيّب إذا دخلت عليه. والفواحش هنا، يراد بها الزّنا خاصّة، وما اتصل به من شهوة الفرج. والإثم: المحرّمات التي حرّمها الله، من مأكولات، والتي توقع مقترفها فى عداد الآثمين.. والبغي بغير الحق: العدوان على حدود الله، والتعدّى على حقوق العباد.. كالقتل، والسرقة، والخيانة للأمانة، وغيرها. وفى وصف البغي «بغير الحق» على أن البغي لا يكون إلا بغير الحقّ أبدا- إشارة إلى هذا الوصف الملازم له، وتذكير به، وأنه عمل مجاف للحق، خارج عليه.. وقوله تعالى: «وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» هو مما نهى الله عنه، بل هو أول المنهيات، لأن الشرك بالله رأس الكبائر، حيث لا يقبل عمل من مشرك.. وأخّر النهى عن الشرك هنا لأن الخطاب فى مواجهة المؤمنين الذين دعوا إلى أخذ زينتهم عند كل مسجد، وإلى عدم التحرّج من أن ينالوا من طيبات ما أخرج الله لعباده من رزق، ثم بيّن الله لهم بعد ذلك ما حرّمه عليهم بعد أن رفع الحظر عن جميع المطعومات، ودعاهم إلى التمتع بها- فكان أول هذه المحرمات الفواحش، وهى شهوة غالبة من الشهوات المتمكنة فى

стр. 1544

الإنسان، والتي كثيرا ما تفسد عليه دينه، ثم الإثم والبغي بغير الحق، وهما آفتان من الآفات المتسلطة على الناس فى الحياة، حيث تدفع أهواء النفس وشهواتها بالناس إلى مقارفة الآثام، وإلى عدوان بعضهم على بعض، لإشباع تلك الشهوات، واسترضاء هذه الأهواء.. ثم الشرك بالله، والمراد هنا هو ليس الشرك الصريح، القائم على عبادة غير الله، والإقرار بألوهية إله أو آلهة غيره، فذلك كفر بالله، لا يعدّ صاحبه فى المؤمنين أبدا، وإنما المراد بالشرك هنا الشرك الخفىّ الذي يتدسّس إلى الإنسان من غير أن يشعر به، وذلك كالاستدلال للناس استذلالا يقرب من العبادة، والنظر إليهم نظرة من يملكون التصرف فى ملك الله، بما صار إلى أيديهم من سلطان أو بسطة فى المال وسعة فى الرزق، وكالاستظلال بظلّ ولىّ أو دعىّ، يدّعى الولاية أو تدّعى له لولاية، حيث يذهل المستظل به، عن إقامة وجهه خالصا لله.. فهذا ونحوه هو من قبيل الشرك بالله، وإن لم يكن شركا صريحا.. ولهذا وصف الشرك هنا بقوله تعالى: «ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» أي هو شرك لا حجة عليه، ولا دليل بين يديه، وإنما هو وهم وضلال.. وكل شرك لا حجة له، ولا دليل عليه، وإنما وصف الشرك هنا هذا الوصف ليلفت المؤمنين إليه، وليحذروا منه، لأنه شرك خفىّ، والمؤمن حريص على أن يتجنب الشرك كلّه، جليّه وخفيّه، فإذا قيل له احذر الشرك الذي لا حجة، له جعل يقلب وجوه الأمور التي بين يديه إذ ربما يكون فيها ما هو من هذا الشرك الخفي، وحاول أن يزن هؤلاء الأشخاص الذين استذل لهم، أو استظل بهم، بميزان الحق والعقل، وهل لهم مع الله ما يملكون به ضرّ أو نفعا، وهنا ينكشف له الأمر، ويرى أن كل شىء لله، وأنه ليس لأى مخلوق- مهما بلغ من جاه أو سلطان- سبيل إلى شىء من ملك الله.. أما المشركون شركا صريحا فإنهم يجعلون لمن أشركوا به سلطانا، لأنهم

стр. 1545

لا يعرفون الله حق معرفته، ولا يقدرونه حق قدره.. وقوله تعالى: «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» هو إلفات إلى مالله من كمال مطلق فى صفاته، وأفعاله، وأن على المؤمن بالله أن يتعرّف إلى الله سبحانه، وأن يعرفه حق معرفته، فإن من شأن هذا التعرف، وتلك المعرفة أن يصلاه بالله، وأن يعزلاه عن مظان الشرك الخفي به، فلا يجعل لمخلوق مكانا مع الله فى قلبه.. وبهذا الإيمان يستغنى بالله، ويستعلى بوجوده عن الاستذلال أو الاستظلال بأى مخلوق، وإن عظم قدرا، وعلا فى الناس شأنا.. والقول على الله بغير علم، هو من قبيل الفهم الخاطئ لله، ومن هما يجىء الالتفات إلى غيره، والاعتماد على سواه. الآيات: (٣٥- ٣٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٩] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)

стр. 1546

التفسير: قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» . تكرار المناداة بقوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ» لاختلاف المنادون من بنى آدم: من بين مؤمن، وكافر، ومشرك، وبين منتبه وغافل، وراغب فى الهوى وزاهد فيه.. فهم أنماط شتى، وطوائف مختلفة، وكأن كل طائفة منهم تنادى نداء خاصا، وإن كان النداء عاما موجها للجميع.. وفى مخاطبة الناس بأبناء آدم تذكير لهم بأصل وجودهم، وأنهم كانوا فى عالم التراب، وأن من هذا التراب جاء هذا الإنسان العاقل، السميع، البصير، وفى هذا ذكرى وموعظة لأولى الألباب. وفى قوله تعالى: «إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ» أصل إمّا: إن، وما، وهما شرطيتان، للتوكيد. وفى قوله تعالى: «يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي» قصّ الآيات: حكايتها كما هى، دون تبديل أو تحريف فيها، ومنه قصّ الأثر وهو تتبعه. وفى هذا إشارة إلى أن الرسل إنّما يبلغون ما أنزل إليهم من ربهم، وأنهم لا يأتون بشىء من عند أنفسهم. والناس فيما يلقاهم به الرسل من آيات الله وكلماته- فريقان: مصدّق ومكذب.. مؤمن وكافر.. فمن صدّق وآمن، وعمل بمقتضى صدقه وإيمانه، فاتّقى الله، واستقام على شريعته، فأنى ما تأمر به، وانتهى عما تنهى عنه، فقد سلم، ونجا، وأمن

стр. 1547

الخوف والحزن، يوم يخاف المكذبون، ويحزنون.. يخافون من عذاب الله الراصد لهم، ويحزنون على ما فاتهم من استجابة لرسل الله، واستقامة على شريعة الله. ومن كذّب وأبى فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.. فقد ظلموا أنفسهم بافترائهم على الله، وقولهم إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» . وقوله تعالى: «أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» .. المراد بالكتاب هنا الكتاب الذي خطّت فيه أعمال الناس وأرزاقهم.. والمعنى أن هؤلاء الظالمين لن يحرمهم الله بسبب ظلمهم ما قدّر لهم فى كتابه من أعمار وأرزاق، فهم سيوفّون ما قدّر لهم فى هذه الدنيا. «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» أي حتى إذا انتهت أعمارهم وجاءتهم رسل الموت من عند الله ليقبضوا أرواحهم: «قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» . أي أنهم إذا حضرهم الموت، انكشف لهم ما كانوا فيه من ضلال، واطلعوا على هذا المصير السيّء، الذي هم صائرون إليه، وهنا يتلفتون إلى من أشركوا بهم فلم يجدوا لهم وجودا معهم: «ضلّوا عنّا» ! .. إنهم يبحثون عنهم فى هذا المزدحم، فلا يرون لهم ظلّا.. لقد تركوهم ليلاقوا مصيرهم المشئوم..! وقوله تعالى: «وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» الشهادة هنا هى استيقانهم بواقع أمرهم، وأنهم كانوا على ضلال وكفر.. وتلك هى الشهادة التي شهدوا بها على أنفسهم، فكان حكما عليهم أدانوا أنفسهم به، قبل أن يدينهم الديّان.

стр. 1548

قوله تعالى: «قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» . إشارة إلى الرحلة الجديدة التي سيأخذ فيها هؤلاء الظالمون طريقهم إلى جهنم.. فمنذ اللحظة التي تنتزع فيها أرواحهم، يدخلون فى عالم جديد، ويأخذون مكانهم بين من سبقهم من الظالمين، من الجنّ والإنس.. وهذه الأمم من ظلمة الجنّ والإنس، يعيش بعضها مع بعض فى شقاق واختلاف، إذ لا تفاهم بينها، لما اشتملت عليه نفوسهم من أمراض خبيثة، تزعج أصحابها، وتزعج من يتصل بها.. «كلّما دخلت أمة لعنت أختها» فهم يتلاعنون، ويتشاتمون، كما يفعل المجرمون، تضمهم جدران السجن.. ثم لا يقف أمر هذه الجماعات عند هذا، بل إنهم حينما تجتمع جموعهم للحساب والجزاء، يتراشقون بالتهم، ويلقى بعضهم على بعض جريمته التي يحملها بين يديه: «حتّى إذا أدركوا فيها جميعا» أي إذا أدرك بعضهم بعضا، ولحق آخرهم بأولهم فى ساحة الحساب والجزاء: «قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» وإضلال الأولين للآخرين هو بسبب متابعة الآخرين للأولين، وجريهم على ما كانوا فيه من ضلال، كما كانوا يقولون فى الدنيا إذا جاءهم الهدى: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» . وفى طلب الآخرين للأولين مضاعفة العذاب لهم، محاولة يائسة لدفع العذاب الواقع بهم هم، وإلقاء ذنوبهم على آبائهم وأجدادهم الذين اقتفوا آثارهم، وكانوا بهذا من أصحاب السعير.. وفى قوله تعالى: «قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ» ردّ على أوهام أولئك الذين تابعوا آباءهم وجروا على آثارهم، فإن لهم ضعفا من العذاب

стр. 1549

كما لآبائهم وأجداهم العذاب المضاعف، لأن كلّا منهم ضلّ وأضلّ.. فالأبناء الذين ضلوا بمتابعة آبائهم، قد ضلّوا، إذ لم يستعملوا عقولهم، كما أنّهم أضلّوا أبناءهم من بعدهم.. وهكذا السابق منهم يضلّ اللاحق، واللاحق يضلّ من بعده. وقوله تعالى: «وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» هو دفع لهذا الاتهام الذي اتهم به اللاحقون السابقين.. وأنه إذا كان السابقون قد ضلّوا فإن اللاحقين قد ضلوا أيضا، ولم يكن لهم من عقولهم ما يحجزهم عن هذا الضلال، فهم إذن جميعا على سواء فى الضلال.. فلم يضاعف العذاب للسابقين ولا يضاعف للاحقين؟ إنهم- سابقهم ولا حقهم- ضالون مجرمون.. ولكلّ ضعف من العذاب. وفى قوله تعالى: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» هو من مقول القول الذي قاله السابقون للاحقين.. وأن هؤلاء اللاحقين إنما يذوقون العذاب بما كسبت أيديهم، ولن يحمل عنهم وزرهم أحد. وهذا الخصام الذي بين أهل النار هو عذاب إلى عذاب، حيث يتبرأ بعضهم من بعضهم، ويتمنّى بعضهم لبعض مضاعفة البلاء والعذاب، وقد كانوا فى دنياهم أصدقاء، وأحباء، وأقارب.. وفى هذا يقول الله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (٦٧: الزخرف) . الآيات: (٤٠- ٤٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)

стр. 1550

التفسير: وإذ يساق أهل النار إلى النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، يكون بين هؤلاء وهؤلاء ما بين الأشقياء والسعداء فى الدنيا، من مشاعر مختلفة، ونظرات متصادمة! وفى هذا ما فيه من الكشف عن حال كل منهما، فيعرف أهل النار ما يجد أهل الجنة من نعيم، فتشتدّ حسرتهم وتتضاعف آلامهم، على حين يطّلع أهل الجنة على ما يلقى أهل النار من شدة وبلاء، فيزداد نعيمهم، ويتضاعف رضوانهم.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» تيئيس لأصحاب النار، وقطع لكل خيط من خيوط الأمل الواهية التي ينسجونها من الأوهام ليخلصوا من هذا البلاء الذي هم فيه.. وإنهم لن يخلصوا أبدا، ولن يخرجوا من النار أبدا.. ولقد سدّت عليهم منافذ السماء، فلا يقبل لهم عمل، ولا يسمع لهم دعاء: «لا تفتح لهم أبواب السماء» وأنهم لن يدخلوا الجنة التي ينظرون إليها وإلى أهلها، وما يلقون فيها من نعيم، وأنه إذا دخل الجمل فى سم الخياط، دخلوا هم الجنة، وهذا تعليق بمستحيل، حسب

стр. 1551

طبيعة الأشياء، فلن يدخل الجمل فى ثقب الإبرة أبدا، ولن يدخلوا هم الجنة أبدا.. «وكذلك نجزى المجرمين» . وقد قرىء «الجمّل» وهو الحبل المجدول، الذي جمع عدّة حبال، فكان حبلا واحدا فى جملته.. والسمّ: الثقب، ومنه سمى السّمّ لأنه ينفذ إلى جسم الإنسان من ثقب تثقبه حمة النحلة أو زنابى العقرب فى جسد اللديغ. وقوله تعالى: «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» . المهاد: الفراش، يمهد ويعدّ للنوم عليه، ومنه: المهد، وهو فراش المولود.. والغواشي: جمع غاشية، وهى ما يغشى الإنسان ويظلله، حتى يكسر عنه حدّة الضوء أو يحجبه، ومنه الغاشية بمعنى الداهية التي تهجم على الإنسان، وقد همه. فهؤلاء الأشقياء الذين ألقوا فى جهنم، سيكون لهم مهاد، كما لأهل الجنة مهاد، ولكن هذا المهاد من النار! وسيكون فوقهم ظلّة تظلهم، كما لأهل الجنة ظلال تظللهم، ولكنها ظلة من لهيب جهنم ودخانها..! وفى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» تعليل لهذا التنكيل بهؤلاء المجرمين، لأنهم فوق أنهم مجرمون، قد جاوزوا حدود الإجرام، وبالغوا فيه، فبجرمهم دخلوا النار، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى فى الآية السابقة «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» وبظلمهم ومجاوزتهم الحدّ فى الجرم نكلّ بهم فى جهنم، وضوعف لهم العذاب «وكذلك نجزى الظالمين» أي نبالغ فى عذابهم كما بالغوا هم فى إجرامهم.

стр. 1552

ومما يضاعف فى عذاب أهل النار، هذا النعيم الذي ينعم به أهل الجنة فى مواجهتهم، فإذا هم أغمضوا أعينهم عن أن ينظروا إلى هذا النعيم، حسدا لأهله، امتلأت أسماعهم بكلمات تناجى أهل الجنة بنعيمهم، وتدعوهم إلى التمتع به كما يشاءون، غير مضيق عليهم فى شىء منه، ولا محظور عليهم منه شىء، فهو ملك خالص لهم، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . فهذا هو شأن أهل الجنة، وما يلقون فيها من تكريم وتنعيم.. إنهم أصحاب الجنة، وملّاكها، لا ينازعهم فيها أحد، شأن المالك فيما يملك.. وإذا كان أصحاب النار فى خصام وشقاق، وفى تراشق بالسب واللعن، فإن أصحاب الجنة فى مودة وسلام، وفى أنس وإخاء.. «ونزعنا ما فى صدورهم من غل» فلا أضغان ولا أحقاد، ولا حسد، ولا بغضة.. وفيم يتحاسدون؟ وعلام يتباغضون؟ والخير يملأ كل ما حولهم، ليس لأحد منهم حاجة فى شىء إلا وجدها بين يديه.. فليس فيهم غنى وفقير، وشقى وسعيد، إذ كلهم أغنياء من فضل الله، سعداء برحمته ورضوانه.. لا يجرى على ألسنتهم إلا الحمد والشكران، لله رب العالمين، الذي هداهم إلى الإيمان، ووفقهم لمرضاة الله، والفوز بهذا النعيم الذي هم فيه. «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ» يشغلهم حمد الله والثناء عليه والتقلب بالنعيم الذي هم فيه، عن النظر إلى ما خلفوا وراءهم فى الدنيا، وما أصابهم فيها من خير أو بلاء.. وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- لا نُكَلِّفُ

стр. 1553

نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ما يكشف عن فضل الله، ورحمته بعباده، وأن ما يكلّفه المؤمنون من أعمال صالحة، من طاعات وعبادات، هو مما تحتمله النفس، ويطيقه كل إنسان.. فلكل إنسان عمل على قدر طافته، وما تسع نفسه، إذا هو آمن وأخلص الإيمان لله.. فقد رفع الله الحرج عن عباده، وأخذهم بلطفه فيما فرض عليهم من تكاليف.. فليس العمل الصالح المطلوب من لنؤمن عملا على إطلاقه، وإنما هو مقدور بقدر كلّ نفس وما تحتمل. فالمريض.. غير المعافى، والأعمى.. غير المبصر، والمقيد.. غير المطلق.. وهكذا.. فقوله تعالى: «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» - اعتراض بين المبتدأ والخبر، وهو بهذه الصفة قيد وارد على الإطلاق المفهوم من قوله تعالى: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» .. فما أوسع رحمة الله، وما أعظم فضله وكرمه!. وفى قوله تعالى: «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» هو نداء من قبل الحقّ ، يدعو به عباده المؤمنين إلى رحاب جناته، ثم يخلى بينهم وبينها، ويجعلها ميراثا لهم، يرثونه بسبب ما قدموا من أعمال صالحة، كما يرث الولد ما خلّف ولده، وما ثمّر له من مال.. فهذه أعمالهم التي عملوها فى دنياهم قد ثمّرت لهم هذا الميراث، وإنه لميراث عظيم.. جنات تجرى من تحتها الأنهار.. وذلك فضل من فضل الله، ورحمة من رحماته، وما تلك الأعمال التي عملها المؤمنون إلا أسباب موصلة إلى مرضاة الله، أما هى فى ذاتها، فلا تعدّ شيئا إلى جانب هذا النعيم المقيم..

стр. 1554

الآيات: (٤٤- ٥١) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٥١] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) التفسير: تعرض هذه الآيات مشهدا من مشاهد المناظرة والمحاورة، بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، كما كان ذلك الشأن بين المؤمنين والكافرين، فى الدنيا.. وفى هذا المشهد نرى: أولا: أصحاب الجنّة ينادون أصحاب النار، ويذكّرونهم بما كانوا يجادلونهم به فى الدنيا.. حيث كان المؤمنون يقولون: إننا نعمل على وعد من ربنا، بأن من آمن وعمل صالحا، فله جزاء الحسنى، وأن من كفر وصدّ عن سبيل الله، فقد حبط عمله، وهو فى الآخرة من الخاسرين.

стр. 1555

وها هم أولاء جميعا- المؤمنون والكافرون- فى يوم الحساب، والجزاء، ولقاء ما وعد الله.. وها هم أولاء المؤمنون قد أنجز الله لهم وعده، وأدخلهم جنته، وها هم أولاء الكافرون، قد أخذهم الله بوعيده، فألقى بهم فى جهنّم.. وفى سؤال أهل الجنة أصحاب النّار هذا السؤال: «قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» خرى لأصحاب النار، وتقريع لهم، وعذاب فوق العذاب الذي هم فيه.. وفى قوله تعالى على لسان أهل الجنة: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» بلفظ الوعد مطلقا من غير ذكر الموعودين- إلفات لأهل النار إلى ما وعد الله المؤمنين به، من رضوان، وليحققوا ما تم فى هذا الموعد.. وإنه لنعيم عظيم، يراه أصحاب النار، ولا يدنون منه.. وفى جواب أصحاب النار بقولهم: «نعم» - يقولونها فى ذلة واستخزاء- فى هذا ما يكشف عن مضاعفة آلامهم وإذلالهم.. وإنهم ليقولون هذه الكلمة فى حشرجة أشبه بحشرجة الموت، من هول ما يلاقون من عذاب. ثم ما يكادون ينطقون بهذا الجواب الذي يشهدون به على أنفسهم ويدينونها بما هم فيه من عذاب، حتى يقرع آذانهم هذا الصوت الذي يملأ الآفاق من حولهم: «أن لعنة الله على الظالمين» .. إنه صوت الوجود كله، يلعن الظالمين ويخزيهم، ويفضح ما كان منهم من كفر بالله، وصدّ عن سبيله: «الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ» لقد كانوا هكذا فى دنياهم، يصدّون أنفسهم ويصدّون الناس عن طريق الحق المستقيم، ويريدونها طريقا معوجّة، قائمة على الضلال، والبغي والعدوان.. إذ كانوا يكفرون بالآخرة، ولا يرجون لقاء الله. ثانيا: بين أهل الجنة وأصحاب النّار حجاب، يعزل كل فريق عن

стр. 1556

الآخر، عزلة، لا ينفذ منها شىء من نعيم الجنة، إلى أصحاب النار، كما لا ينفذ منها شىء من لفح جهنم، إلى أهل الجنة، ولكنهم- مع هذا- بمرأى ومسمع من بعض.. وبين الفريقين سور يشفّ عما وراءه وأمامه.. وعلى هذا السور رجال، ليسوا من أهل الجنة، ولا من أصحاب النار.. إنهم لم يتقرر مصيرهم بعد، إذ لم تكن سيئاتهم بالتي تدفع بهم إلى النار، ولم تكن حسناتهم بالتي تفتح لهم أبواب الجنة، فأوقفوا هكذا «على الأعراف» . والأعراف: ما ارتفع من الأمكنة، ومنه عرف الديك الذي هو أعلى شىء فيه، ومنه المعرفة بالشيء، حيث تكشفه، وتستولى على حقيقته.. وهؤلاء «الرجال» أشبه بالنظّارة الذين يشهدون موقفا بين فريقين متناقضين.. ينظرون إلى هؤلاء نظرة، وإلى هؤلاء نظرة أخرى، فيكون لهم فى ذلك حال من العجب والدهش، ومن المسرّة والغم، ومن الرجاء والخوف.. إنه نوع من العقاب الذي يمسّه لطف الله، وتحفّ به رحمته.. وليس يخفى على هؤلاء «الرجال» من هم أهل الجنة، ومن هم أصحاب النار، فلكلّ من الفريقين سمات ظاهرة تدل عليه، وتكشف عن حاله.. وشتّان بين وجوه يجرى عليها ماء النعيم، وتسفر فيها شموس الأمن والسلامة والرضا، وبين وجوه عليها غبرة ترهقها قترة.. قد كربها الكرب، واستولى عليها البلاء.. ومن هؤلاء الرجال، أو النظارة، تنطلق كلمات الإعجاب بتلك التحية الطيبة إلى أهل الجنة: «سلام عليكم» .. تماما كما يفعل النظارة على مسارح الحياة.. يحيّون الفائزين، ويرجمون المنهزمين!! وإذ يلتفت أهل الجنة إلى هذه الأصوات التي تجيئهم من بعيد، وإذ يرون أنها صادرة من أناس ليسوا من أهل النار، وليسوا كذلك من أهل الجنة-

стр. 1557

إذ ذاك يتساءلون: ما بال هؤلاء القوم؟ وما شأنهم فى هذا الوضع؟ وإذا كانوا قد نجوا من عذاب جهنم، فلم لم يدخلوا الجنة مع من دخلوها؟. وعلى هذه الأسئلة وأشباهها يجىء الجواب من قبل الحق : «لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ» أي لم يدخل هؤلاء الجنة بعد، ولكنهم على طمع من دخولها، وعلى رجاء من رحمة الله بأن يصيروا إليها، ولن يخيّب الله رجاءهم فيه.. ولكن صبرا.. وثالثا: ما يكاد هؤلاء الرجال «النظارة» يرفعون أبصارهم عن أهل الجنة، ويلقون بها إلى أصحاب النّار، ليروا كيف يفعل الزمن بهم، وكيف تستمسك حياتهم وهم فى هذا البلاء- ما يكادون يلقون بهذه النظرة حتى تضطرب قلوبهم فزعا ورعبا، وحتى تنطلق ألسنتهم بهذا الصوت المكروب: «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ! وفى قوله تعالى: «وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ» إشارة إلى أن هذه النظرة التي ألقوا بأبصارهم إليها نحو أصحاب النار، لم تكن إلا عن قهر وقسر، بداعي حبّ الاستطلاع، الكامن فى طبيعة الإنسان.. فهم قد صرفوا أبصارهم صرفا، وحوّلوها بقوة عن مكانها الذي كانت فيه، من النظر إلى أهل الجنة.. رابعا: وإذ يفزع رجال الأعراف- أو النظارة- إلى الله سبحانه، ألّا يجعلهم مع هؤلاء القوم الظالمين من أصحاب النار- إذ ذاك يذكرون أهل الجنة وما هم فيه من نعيم، وكيف كان استهزاء هؤلاء الظالمين بهم فى الدنيا، وأنهم لم يكونوا أهلا لكرامة الله، إذ لو كانوا أهلا لتلك الكرامة لما وضعهم بهذا الوضع الذليل من الحاجة والفقر والضعف.. هكذا كان المشركون والكافرون يلقون المؤمنين بمثل هذه المقولات- وعندئذ يسأل هؤلاء «النظارة» أصحاب النار فى سخرية واستهزاء، مشيرين لهم إلى أهل الجنة:

стр. 1558

«أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟» انظروا كيف أورثهم الله جنات النعيم، وكيف ألقى بكم فى أفواه جهنم؟ «ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ» . وخامسا: وفى كلب البلاء، وكظمة العذاب، يتلفت أصحاب النار إلى هؤلاء النظارة الذين يرشقونهم بسهام الاستهزاء والسخرية، ويفتحون عليهم هذه الأبواب المغلقة، من ذلك الماضي الأسود الذي كانوا فيه على طريق الشرك والضلال- وتحدثهم أنفسهم أن ينتقموا من هؤلاء الذين يهزءون بهم ويسخرون، وأن يجذبوهم إليهم ليكونوا معهم فى هذا البلاء، وليذوقوا ما يذوقون من عذاب السعير!! وما يكاد هذا الإحساس يجتمع فى كيانهم، ويتحول إلى رغبة متحركة تسعى إلى الغاية التي يريدونها، حتى يفجؤهم هذا الصوت السماوي المنطلق إلى هؤلاء النظارة، يحملهم فى سرعة خاطفة إلى الجنة، وقد فتحت لهم أبوابها، ومدت إليهم يد الرحمة من تلقائها، وإذا هم وقد أخلوا هذا المكان الذي كانوا فيه، وإذا هم فى جنات النعيم: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» .. وإذن فكل الناس فى الجنة، إلا هؤلاء الظلمة.. حتى هؤلاء النظارة الذين كانوا على مشارف جهنم.. قد نجوا من هذا العذاب، وصاروا إلى جنات النعيم.. أما هم فباقون فى هذه الوحشة القاتلة، ومع هذا اليأس المطبق، ومع هذا العذاب الأليم.. وهكذا تتغاير صور العذاب، وتتنوع وجوهه وأشكاله.. كلما تجرع منه الظالمون كأسا، وكادوا يستمرئون مرارتها، سقوا كأسا أخرى غيرها، أمرّ مرارة وأشنع طعما.. وهكذا يتقلبون فى العذاب، على حين كما يتقلب أهل الجنة فى ألوان النعيم..

стр. 1559

وسادسا: إذ يخلو الموقف إلا من أصحاب النار فى النار، وأهل الجنة فى الجنة، وإذ يصير أصحاب النار إلى هذا اليأس القاتل، بعد أن يخلى رجال الأعراف مواقفهم التي كانوا فيها- إذ ذاك لا يجد أصحاب النار إلا أهل الجنة، يشخصون إليهم بأبصارهم ويمدّون إليهم أيديهم، طالبين النجدة والغوث: «وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» ! .. هكذا تبدلت بهم الحال، وقد كانوا من قبل فى دنياهم بأنفون أن ينظروا إلى الناس إلا من آفاق عالية، حتى لكأنهم آلهة، والناس عبيد أذلاء لهم.. وها هم أولاء اليوم، يمدون أيديهم فى ذلة وانكسار إلى هؤلاء الذين كانوا عبيدا أو أشبه بالعبيد لهم، يطلبون شيئا من تلك الموائد الحافلة التي بين أيديهم.. «أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله!» ويجيئهم الجواب مفحما مخرسا موئسا.. «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ..» ولا يكاد هذا الجواب يبلغ أسماعهم، ويملأ قلوبهم يأسا، وهما وكمدا.. حتى يصادق على هذا الجواب من عند الله، فتجىء كلمات الله مكملة لهذا الحكم، مصدقة عليه، شارحة لأسبابه: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» .. وهكذا يدل الستار على هذا المشهد العظيم من مشاهد القيامة.. لقد انتهى الحساب وفضّت المحاكمة، ووقع الجزاء.. وصار أصحاب النار إلى دارهم التي أعدت لهم، يلقون فيها الويل والبلاء، وصار أهل الجنة إلى دارهم ينعمون فيها، بما أعد الله لهم من نعيم ورضوان مقيم.. والمشاهد لهذه المشاهد من خارج، يرى فى كلمات الله التي صورتها، ما لا يراه على مسرح الحياة، ولو أتيح لهذه المشاهد من أبرع المخرجين من يخرجها ويتخير لها كل ما فى الحياة من إمكانيات.. فى الممثلين وأدوات التمثيل!

стр. 1560

الآيات: (٥٢- ٥٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) التفسير: وفى الانتقال من مشاهد القيامة إلى الحياة الدنيا، يقوم طريق يصل بين هذين العالمين.. عالم الحياة، وعالم ما بعد هذه الحياة.. وعلى امتداد هذا الطريق، وفى نهايته، يرى المشركون مصائرا لجبابرة والمتجبرين، وكيف تزلوا منازل الهون والعذاب.. يستغيثون فلا يغاثون، ويستجدون فلا يجود عليهم أحد ولو بقطرة ماء.. لقد سمع المشركون آيات الله تلك التي صورت لهم مشاهد القيامة، وشهدوا منها تلك المشاهد التي تنخلع لها القلوب، مما نزل بأمثالهم من المعاندين والمتجبرين، وأنهم إذا كانوا اليوم مجرد نظارة ومشاهدين، فإنهم فى غد على موعد مع هذا المكان الذي أطبق على أمثالهم، ولن يفلتوهم منه أبدا.. وإذ يخرج المشركون من بين يدى آيات الله، التي صورت تلك المشاهد، وإذ لا تزال صور هذه المشاهد تملك عليهم مشاعرهم، وتستولى على أفكارهم- وإذ هم فى تلك الحال يلقاهم قوله تعالى: «وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فماذا هم فاعلون بهذا الكتاب، الذي أنزله الله عليهم مفصلا مبينا، على علم.. من لدن حكيم عليم؟ فلم يكن بيانه وتفصيله من عمل بشر.. هكذا تنطق آياته، وتتحدث وتتحدّى كلماته.. فيه هدى ورحمة لقوم يتقبلون

стр. 1561

الحقّ، وينتفعون بالخير الذي يساق إليهم.. أما من أعرض وتولى، فقد حرم حظّه من الحق والخير.. فما موقف هؤلاء المشركين مع هذا الكتاب المعين؟ قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» .. الاستفهام هنا إنكارى، ينكر على أهل الشرك والضلال توفّقهم فى الاستجابة لهذا الكتاب، والإيمان به، والعمل بما فيه.. فماذا ينظرون؟ أو ماذا ينتظرون؟ أينتظرون تأويل هذا الكتاب، ووقوع ما أخبر به من وعد ووعيد؟ إن تأويله- أي ما تؤول إليه أخباره- لا تكون إلا يوم القيامة.. فهل إذا جاء هذا اليوم، ووقع بهم الوعيد الذي أوعدهم الله به، أينفعهم إيمان أو يقبل منهم عمل؟ وكلّا.. فإن الله يقول: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (١٥٨: الأنعام) .. إنّهم فى هذا اليوم لا يملكون إلا أن يردّدوا الأمانىّ الباطلة: «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟» .. وكلّا.. فلا شفعاء، ولا رجعة إلى الحياة مرة أخرى. لقد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وطوى الكتاب على ما عمل العاملون من خير أو شرّ.. وهؤلاء المشركون لم يسجّل لهم فى كتابهم إلا الشرّ، وإذن فهم: «قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» .. لقد ذهبت مفترياتهم أدراج الرّياح، إذ كانت كلها من واردات الخيال والأوهام..

стр. 1562

الآيات: (٥٤- ٥٨) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٨] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) التفسير: ويترك المشركون فى موقفهم مع أنفسهم، من هذا النداء الكريم الذي يدعوهم به الله سبحانه إلى كتابه، وإلى الإيمان به، قبل أن تنقضى آجالهم ويختم على أعمالهم، ويأتيهم تأويل ما فى الكتاب من وعيد، وعذاب شديد- يتركون هكذا ليتدبروا أمرهم وليأخذوا الطريق الذي يشاءون.. ثم إن لهم بعد هذا أن يستمعوا إلى آيات الله، وما يتنزل فيها من هدى ونور، يهدى إلى الله، ويكشف الطريق إليه، بما يتجلّى فيها من سلطان الله، وقدرته، وحكمته، ورحمته.. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» فهذه بعض مظاهر قدرة القدير، وحكمة الحكيم.. «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» .. وقد أشرنا من قبل إلى هذه الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وقلنا إنها ليست بيانا للزمن الذي عملت فيه القدرة هذا الخلق للسموات والأرض-

стр. 1563

كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسّرين- فذلك فهم خاطئ لقدرة الله، التي تحكم الزمن ولا يحكمها.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» . فهذه الأيام الستة، هى المدة التي ينضح فيها خلق السموات والأرض، وهى الوعاء الحاوي لخلق السموات والأرض، وتسويتهما على الصورة التي أرادها الله وذلك كما يتخلّق الجنين فى بطن أمّه، ويتم خلقه فى تسعة أشهر.. وهكذا الشأن فى كل مخلوق.. له وعاء زمنى يتخلق فيه، وأجل محدود ينتهى إليه.. وقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» .. اختلف المفسرون فى العرش وفى صفته، وفى وظيفته.. كما اختلفوا فى الاستواء.. ما هو؟ وكيف يتصور؟ أما العرش، فقد ذكر فى القرآن أكثر من مرة.. مثل قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (٧: هود) . فالعرش هنا موجود قبل خلق السموات والأرض، فكيف يجىء فى الآية السابقة معطوفا على خلق السموات والأرض بحرف العطف «ثم» ؟. جاء ذكر العرش فى قوله تعالى: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (٨٦: المؤمنون) وفى قوله سبحانه: «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ» (٧٥: الزمر) وفى قوله تعالى: «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» (١٥: ١٦- البروج) . فالعرش إذن كون من هذه الأكوان التي خلقها الله سبحانه، كما خلق السموات والأرض وغيرهما.. إنه مربوب لربّ الأرباب. ولكن ما صفة هذا العرش؟ وما وظيفته؟. جاء فى قوله تعالى عن عرش ملكة سبأ: «قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي

стр. 1564

بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» (٣٨: النمل) وجاء فى قوله سبحانه: «فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ» (٤٢: النمل) . فالعرش هنا هو مقصورة الملكة، أو مجلس الملك، حيث تتخذ منه الملكة مجلسا تتولّى فيه إدارة ملكها، هى وأعوانها.. فهل العرش الذي خلقه الله هو شىء من هذا القبيل، على بعد بعيد، فيما هو لله، وفيما هو لعباد الله؟ ليس ببعيد أن يكون لهذا الوجود فلك يدور فيه، وأن يكون لهذا الفلك مركز، وأن يكون العرش هو مركز هذا الوجود، وهى جميعها من خلق الله، وفى يد القدرة القادرة.. بقي معنى استواء الله على العرش.. وهذا أمر يتعلق بذات الله، فكما لا يمكن تصور ذاته، لا يمكن تصور أفعاله.. وقد سئل الإمام مالك رضى عنه- عن معنى الاستواء، فقال قولته المشهورة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة» .. قوله تعالى: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» أي يجلّل الليل بالنهار، أي يجعله جلالا له، وساترا، وغطاء، حيث يحجب ظلامه نور النهار.. ومنه قوله تعالى: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» أي يلبسكم النعاس، وكذلك قوله سبحانه: «وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» أي دخلوا فيها، وأخفوا أنفسهم. قوله تعالى: «يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» جملة حالية من اللّيل، أي أن اللّيل يتبع النهار ويقتفى أثره، فينسخ نوره بظلامه. وهكذا النهار والليل فى دورة الفلك، حيث تدور الأرض حول نفسها،

стр. 1565

تحت سلطان الشمس مرة كل يوم، من الغرب إلى الشرق.. وفى تلك الدورة اليومية بتناسخ كل من الليل والنهار، أي ينسخ كل منهما الآخر، وذلك بتحرك الأرض شيئا فشيئا، بحيث يكون دائما نصفها المقابل للشمس نهارا، والنصف الآخر ليلا، ففى كل لحظة، ضوء ينسخ ظلاما، ويلبسه، ويغشيه.. فالظلام الذي يخيم على الأرض شىء أصيل، والضوء الذي يلبسها كائن جديد داخل عليها.. الظلام منسوخ، والضوء ناسخ له. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» (١٢: الإسراء) . وهناك حقيقة علمية مقررة، تتكشف من النظر فى قوله تعالى «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» وذلك بعد أن أصبحت كروية الأرض ودورتها حول الشمس من الغرب إلى الشرق من الحقائق المسلّمة، التي لم تعد موضع بحث أو خلاف.. تلك الحقيقة، هى أن الليل، أي الظلام، كان مستوليا على الأرض كلها، فلما أخذت الأرض مكانها من الشمس مع المجموعة الشمسية، انتسخ نصف الظلام الذي كان يغطى هذه الأرض، أو هذه الكرة، فكان نهارا، وبقي النصف الآخر ليلا.. وفى الحركة التي تتحركها الأرض فى مواجهة الشمس من الغرب إلى الشرق- يتناسخ الليل والنهار، فما يكون ليلا يتحول إلى نهار، وما يكون نهارا يتحول إلى ليل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» (٣٧: يس) . وسلخ النهار من الليل، تعريته منه، كما يتعرى الحيوان من جلده الذي يكسوه.. فالنهار إذ يكسو وجه الأرض بضوئه يكون أشبه بالغشاء الجلدى الذي يكسو الجسد، فإذا انسلخ النهار، انكشف الليل بظلامه الكثيف. وفى الحساب الزمنى بتقدم النهار الليل أبدا، حيث كان الشرق هو مطلع

стр. 1566

الشمس، فحيث تشرق الشمس يكون أبدا وراءها ظلام، أو ليل، هو متخلف زمنا عن النهار.. فالنهار فى الشرق هو ناسخ لليل لذى كان فى الغرب، والليل الذي يستولى على الشرق، هو فى مقابل النهار الذي انسحب منه.. أو بمعنى جغرافى آخر.. أننا إذا فرضنا أن الوقت الآن نهار فى نصف الكرة الشرقي، كان معنى هذا أن وراء هذا النهار ليل هو قائم فى النصف الغربىّ من الأرض، وأنه بحكم دورة الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، سيأخذ كل من النهار والليل مكان صاحبه بعد نصف دورة كاملة من دورة الأرض.. فبين الشرق والغرب فرق زمنى هو مدة نهار كامل، وهذا ما يمكن أن يفهم عليه قوله تعالى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (٤٠: يس) .. فالنهار يسبق الليل أبدا، والعكس لا ينبغى أن يكون، لأن سلطان الشمس قائم على الأرض مسلط عليها، أو بمعنى أصح على النصف المواجه للشمس منها دائما.. وقوله تعالى: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» معطوف على قوله سبحانه: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» أي وخلق الشمس والقمر والنجوم، وهى كائنات مسخرات لأمره، لا سلطان لها، ولا فعل لها من ذاتها.. ومن هنا لا تصح عبادتها، ولا ينبغى أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله، وينشد الرزق منه. فقوله تعالى: «مُسَخَّراتٍ» حال من الشمس والقمر والنجوم. وقوله سبحانه: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» الخلق: خلق الكائنات جميعها، العلوىّ منها والسفلىّ.. «والأمر» التدبير والتسخير وإجراء كل مخلوق على التقدير الذي قدّره الله له.. فالمخلوقات جميعها صنعة الخالق، وحركاتها وسكناتها كلها بتقدير الله،

стр. 1567

وبأمره.. «تبارك» أي علا وتقدّس وتمجّد وعظم.. «الله ربّ العالمين» .. هذا لسان حال الوجود كله، يسبح بحمد الله، ويمجده ويقدسه ويعظمه. قوله سبحانه «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» أي إذا كان هذا الوجود كله هو صنعة الله، وكل حركة وسكون فيه هى بتقدير الله وبتدبيره وأمره، فإنه ينبغى ألا يكون لمخلوق متوجه إلا إلى الله وحده إليه تتجه لوجوه، وله ترفع الأكفّ وتبسط لأيدى.. «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» أي ادعوه فى تذلل وخضوع، وفى همس وخفوت، فهذا أجمع للجوارح، وأدعى إلى سكن النفس وطمأنينة القلب، وليس كذلك.. الصراخ والهتاف، حيث تتوزع المشاعر، وتتفرق الجوارح، ويدخل على الإنسان شعور يبعد الله عنه، وبأنه يملأ هذا الفراغ الذي بينه وبين الله، بهذا الهتاف والصراخ. وقوله تعالى: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» الاعتداء هنا هو الالتفات إلى غير الله، وللجأ إلى وجه غير وجهه.. فذلك عدوان على الله، وما له من حق على العباد فى الولاء له، والطلب منه.. قوله تعالى: «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها» .. الإفساد فى الأرض هو اتخاذ الطرق المعوجة فيها، بعد أن أقامها الله على السلامة والفطرة.. فمن الإفساد العظيم فى الأرض، الشرك بالله، أو الكفر به، أو الانحراف عن شرائعه.. والله يقول: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً» . قوله سبحانه: «وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» أي إذا انتهيتم عما نهاكم الله عنه، وهو الإفساد فى الأرض، فوجهوا وجوهكم إلى الله، وادعوه وأنتم على إشفاق وطمع.. إشفاق من عذابه، وطمع فى مغفرته.. هكذا هو شأن المؤمنين بالله.. حالهم أبدا معه على خوف منه، ورجاء فيه.. فالخوف

стр. 1568

يدفع الإنسان إلى العمل والاجتهاد فى الطاعات.. والرجاء يشدّ عزمه، ويقوّى يقينه، ويثبت خطوه.. يقول بعض الصالحين: «لو أنزل الله كتابا بأنه معذب رجلا واحدا لخفت أن أكونه، أو أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه» .. وهذا أعدل موقف يقفه الإنسان، بين خوفه من ربّه وطمعه فى رحمته. قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» . فى الآية الكريمة عرض لمظهر من مظاهر قدرة الله، وما تحمل هذه القدرة إلى الناس من رحمة.. فهذه الرياح، يرسلها الله رسل رحمة إلى الناس، حيث تحمل السحاب مثقّلا بالماء، فتسوقه إلى الأرض الجديب والبلد الميت، ثم تنزل ما حملت من ماء، فتسيل به الوديان، وتجرى منه العيون، وإذا هذا الجدب، وذلك الموات، حياة تدبّ فى أوصال الكائنات، من جماد، ونبات، وحيوان.. تلك بعض مظاهر القدرة.. القادرة تلبس الجماد ثوب الحياة، وتخرج من الأرض الجديب زروعا ناضرة، وثمارا دانية القطوف، مختلفة الطعوم.. فهل تعجز هذه القدرة عن إحياء الموتى، ونشر الهامدين من القبور؟ ذلك ما لا يقول به عاقل إذا نظر نظرة هناك، ثم نظر نظرة هنا: «كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون» .. ولكن أين من يعقل ويتذكر؟. قوله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» .. وهكذا الناس، يصوبهم الغيث الإلهى من آياته وكلماته بين يدى الرسل، فيكون منهم ما يكون من الأرض الجديب يصوبها المطر، فبعضها طيب كريم، يقبل

стр. 1569

الماء ويتفاعل معه، فيخرج الثمر الطيب، والعطر الزكىّ، وبعضها لا يخرج شيئا، أو ينبت الحسك والشوك والمرار!. والنكد: السيء الرديء، الذي يتأذى الناس منه، طعما أو ريحا.. الآيات: (٥٩- ٦٤) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) التفسير: بعد هذا العرض الذي تتجلى فيه قدرة الله وسلطانه المتمكن فى هذا الوجود، ورحمته المبثوثة فى كل أفق- بعد هذا جاءت آيات الله لتحدّث عن مشاهد من الكفر والضلال والمكر، بآيات الله، ولتقيم منها عبرة وعظة لهؤلاء المشركين الذين كذبوا رسول الله وبهتوه، وأخذوه ومن آمن معه بالبأساء والضراء.. وفى هذا عزاء للنبىّ وللمؤمنين معه، ووعيد للمشركين والضالين أن يحلّ بهم ما حلّ بأقوام سالفين، كذبوا رسل الله، ومدّوا إليهم ألسنتهم وأيديهم بالضر والأذى.. فهذا نوح- ﵇ يدعو قومه إلى الله، ويحذرهم من عذاب

стр. 1570

يوم عظيم، إذا هم لم يستجيبوا له، ويستقيموا على الطريق الذي يدعوهم بآيات الله إليه.. والقوم فى عمى وضلال.. يلقون هذا الدّاعى الكريم بالتكذيب والسفه: «إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. أهكذا يجزى المحسنون على ما يقدمون من إحسان؟ ذلك ظلم مبين، وعدوان آثم على البر والإحسان..! والرسول الكريم حريص على سلامة قومه، ضنين بهم أن تغتالهم الضلالة ويفتك بهم الكفر، فيلقى سوءهم بإحسان، ويدفع الشر بالخير: «يا قوم ليس بي ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربىّ وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون.» ولا تبلغ كلمات الرسول منهم أذنا واعية، ولا تصادف قلبا متفتحا للخير.. إنهم يحسدون نوحا أن يكون الرجل الذي يتولى مكان القيادة والتوجيه، ولو كانت قيادته لهم ستفتح عليهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.. «أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون» فذلك هو الداء المتمكن فيهم، والذي يعزلهم عن نوح، ويقطع بينهم وبينه الطريق إلى اللقاء، ويسد بينهم وبينه منافذ التفاهم والفهم. «فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ» .. فهذا هو الجزاء العادل، لمن انقاد لهواه، وأبى أن يفتح عينيه على هذا النور الذي يملأ الآفاق من حوله.. إن تلك هى جنايته على نفسه، وذلك هو مصيره الذي اختاره وارتضاه.. والملأ: الجماعة من الرجال خاصة. و «عمين» جمع عم، وهو الأعمى، يقال: عمى عمّى فهو أعمى، وعم.. وأصل «عم» عام، صيغة مبالغة من اسم الفاعل، مثل: حاذر وحذر، وهذا يعنى أن العمى الذي عليه القوم، ليس عمى طبيعيا، وإنما هو تعام عن

стр. 1571

الحق، ومبالغة فى هذا التعامي.. فهو عمى البصيرة، وليس عمى البصر. الآيات: (٦٥- ٧٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) التفسير: وهذا رسول آخر من رسل الله الكرام، هو «هود» ﵇، يجىء بعد نوح إلى قومه «عاد» فيدعوهم دعوة نوح إلى الله، ويلقى منهم ما لقى نوح من قومه من تكذيب وتسفيه، ولكنه يمضى معهم- كما مضى نوح مع قومه- ناصحا، متلطفا، يلقى السيئة بالحسنة، والشر بالخير، وهم- مع هذا- لا يزدادون إلا عنادا وإصرارا على ما هم فيه من عمى وضلال.. وتجىء الخاتمة التي لا تختلف أبدا.. نجاة للمؤمنين، وهلاك للمكذبين المعاندين..

стр. 1572

«سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (٦٢: الأحزاب) والسفاهة. خفة الحلم والطيش. والبسطة فى الخلق: الزيادة فى بناء الجسد، وقوته. ذلك نعمة من نعم الله، إذا صادفت عقلا راشدا، وقلبا سليما.. والآلاء: النعم، وهى جمع: إلى، على وزن معى، وألى على وزن قفا.. والرجس: القذر والنجس.. ووقع عليهم: أي حلّ بهم، وأصابهم. والدابر: ظهر الشيء وخلفه.. ودابر القوم: آخرهم.. والمراد أنهم أخذوا عن آخرهم، فلم تبق منهم باقية. والقطع: الاستئصال من الجذر.. وفى قوله تعالى: «وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أنهم لن يكونوا أبدا من المؤمنين، ولو جاءتهم كل آية.. حتى يروا العذاب الأليم. الآيات: (٧٣- ٧٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)

стр. 1573

التفسير: وبعد «هود» جاء «صالح» إلى قومه «ثمود» . وتتكرر الأحداث، ويشهد صالح ما شهد النبيّان الكريمان من قبله، نوح، وهود.. من البهت والتكذيب، والإصرار على الضلال والكفر.. وتجىء الخاتمة المنتظرة.. غضب الله وعذابه للقوم المجرمين، ورحمته وإحسانه للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين.. ولدعوة التي يحملها الأنبياء إلى أقوامهم دائما، هى الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة لأوثان والأصنام: «اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» . تلك هى رأس دعوتهم. ويجىء صالح إلى قومه بآية محسوسة يضعها بين أيديهم: «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» . والناقة التي جاءهم بها صالح- ﵇ هى البينة، وهى الآية، التي تشهد له بأنه رسول الله، وقد اختلف فى أوصاف هذه الناقة، وفى الوجه الذي جاءت منه، فقيل إنهم اقترحوا عليه ناقة تخرج من صخرة أشاروا له إليها، فخرجت منها الناقة. وقيل إنها كانت على شىء عظيم من بسطة الجسم، حتى لقد كانت تشرب الماء الذي كان يشربه القوم كلهم فى يوم.. وقد حملوا هذا

стр. 1574

المعنى على قوله تعالى: «هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» . (١٥٥: الشعراء) . وليست العبرة فى خلق الناقة، ولا فى أوصافها التي كانت عليها، وإنما العبرة فيما ابتلوا به منها.. إنها ناقة الله.. وربما لا يكون فيها شىء يختلف عن جنسها من النياق، ولكن هكذا أضافها الله إليه تكريما وتشريفا، لتكون معلما من معالم الحق، له احترامه، وتوقيره.. والبلوى فيها هو ألا يمسوها بسوء.. فإن هم مسوها بسوء أخذهم العذاب.. وهذا هو وجه التحدي من تلك الآية، وتلك هى المعجزة المتحدية منها. ولم يصبر القوم على هذا البلاء، ولم يدعوا الناقة تأكل فى أرض الله كما تأكل جميع النياق، ولكنهم تحدوا هذه المعجزة، واستعجلوا العذاب الذي يأتيهم من جهتها، فمقروها. وقد أغراهم على ذلك ما أغرى أباهم آدم بالأكل من الشجرة التي نهى عن أكلها.. وإنه لو لم ينه عنها فلربما لم يلتفت إليها ولم يأكل منها.. وكذلك هم، كان نهيهم عن ترك الناقة تأكل فى أرض الله إلفاتا لهم إليها، وابتلاء لهم بعدم الامتثال لما أمروا به فى شأنها.. «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» أي مقلوبين على وجوههم، كما يجثم الطائر على الأرض والرجفة التي أخذتهم هى الزلزلة.. وقد وصفت بالطاغية فى قوله تعالى: «فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ» (٥: الحاقة) ووصفت بالصيحة فى قوله تعالى: «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ» (٦٨: هود) وفى قوله تعالى: «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ» إشارة إلى أن صالحا كان ذا جاه فى قومه، وأن سفاءهم لم يواجهوه مواجهة بالتجريح والتكذيب، بل

стр. 1575

كان ذلك منهم للذين آمنوا من مستضعفيهم.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا» (٦٢: هود) فهو قد كان فى مكانة ظاهرة فى قومه، وفى منزلة عالية من الاحترام والتقدير.. فلما جاءهم يدعوهم إلى الله، تغيّرت نظرتهم إليه، وساءت حاله عندهم.. وذلك لسابق ما أراد الله لهم من فتنة! وفى قوله تعالى: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» - وذلك بعد أن أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين- فى هذا ما يكشف عما كان فى نفس صالح من أسى وحسرة على هلاك قومه، وأن عزاءه عند نفسه أنه أبلغهم رسالة ربه ونصح لهم ولكنهم لم ينتصحوا.. فأخذهم الله بذنبهم: َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» . وفى التعبير بلفظ التولّى الذي يدل على الإعراض- إشارة إلى أنه أعطاهم ظهره، غير آسف عليهم، بعد أن عزّى نفسه هذا العزاء.. ثم مضى فى طريقه مع من آمن به، وترك هؤلاء جثوما هامدين. الآيات: (٨٠- ٨٤) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)

стр. 1576

التفسير: وهذا لوط وقومه.. ولكل قوم داؤهم الذي جاء الرسول ليطبّ لهم منه.. وداء هؤلاء القوم هو أنهم يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقد كانوا فى هذا الفعل المنكر أول أناس فعلوه.. فهم أئمة فى هذا الضلال، عليهم وزر هذا الإثم ووزر من عمل به إلى يوم القيامة! والقوم- شأنهم شأن كل معتد أثيم- يستمرئون هذا الضلال، ويقيمون له منطقا يقع من نفوسهم موقع اليقين والاطمئنان، وبهذا عدّوا أنفسهم أصحاب دعوة راشدة، ودعاة فلسفة حكيمة، وأن لوطا ومن معه قوم منحرفون، متجمدون على القديم، لا يتحولون عنه.. ومن هنا سوّل لهم منطقهم هذا أن يؤذنوا لوطا ورهطه بالخروج من بينهم: «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» . وتجىء الخاتمة، كخاتمة كل صراع بين حق وباطل، وهدى وضلال.. «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» أي كانت من هؤلاء القوم الذين هلكوا ومضوا.. فالغابر، هو الماضي، إذ كان من شأنه أن تعلوه الغبرة بفعل الزمن.. وقد أصبح هؤلاء القوم فى حكم الغابرين، إذ قضى الله بإهلاكهم وليس لقضائه من مردّ. وهذا لوط وأهله إلا امرأته قد نجوا، وسلموا من هذا البلاء. وأما قومه فقد أمطروا مطر السّوء.. مطرا من نوع لم يعرفه أحد.. ولهذا جاء النظم القرآنى: «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» .. هكذا مطرا منكرا على غير مألوف الحياة.. إنه حجارة من سجيل، قلبت المدينة وما فيها ظهرا لبطن، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة هود: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ» فهو، مطر ولكنه من حجارة، وهى حجارة ولكنها

стр. 1577

من سجّيل (أي من صوّان) وهى سجّيل ولكنها منضودة (أي مهيّأة ومعدّة لهم، فى أحجام منتظمة) وهى منضودة، ولكنها مسوّمة (أي معلّمة، يعرف كل حجر منها المكان الذي يقع عليه والأثر الذي يحدثه) . وقوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» دعوة إلى النظر المتأمل المتفحص، الذي يأخذ العبرة من الأحداث ... ففى هذا الذي حدث لقوم لوط عبرة وعظة. الآيات: (٨٥- ٨٧) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) التفسير: وهؤلاء قوم شعيب، وداؤهم أنهم يختانون فى الكيل والميزان، فإذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. وقد جاء شعيب يدعو قومه دعوة الحق، ويقيمهم على طريق العدل فيما بينهم.. وها هو ذا يقول لهم: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ»

стр. 1578

فمن آمن بالله كان من شأنه ألا يظلم، ولا يعتدى، «قد جاءتكم بينة من ربّكم» .. والبينة هى الآية والمعجزة المتحدية، ولم يذكر القرآن الكريم نوع هذه المعجزة، ولكن الذي ينبغى التصديق به أنه كان بين يديه معجزة ما، تحدّى بها القوم، وأراهم قدرة الله منها.. «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ» والبخس هو الغمط، والنقص، والخيانة.. «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي إن كنتم مؤمنين بالله، ومؤمنين بالحق والعدل الذي يدعو إليه الإيمان.. «وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ» والقعود بكل صراط: هو التصدي لمن يريدون الحق، ويطلبون الهدى، والإبعاد: الوعيد بالشرّ والتهديد به. «وتبغونها عوجا» أي تريدون أن تكون هذه السبيل- سبيل الله- معوجّة، أي ينحرف الناس عنها إلى سبيل الضلال والغىّ.. فهكذا أهل السوء والضلال، يحرصون دائما على أن يكون الناس جميعا على شاكلتهم، حتى لا يظهر سوؤهم، ولا ينكشف ضلالهم.. وهكذا الشرّ دائما موكّل بالخير، يريد أن يشوّه معالمه، ويفسد طبيعته، ليتوازى معه على كفتى ميزان. ولكن الله بالغ أمره.. فما كان قائما على الشرّ والفساد، مستنبتا فى منابت الضلال، فلا بقاء له، وما كان قائما على الحق والخير، مغروسا فى مغارس الهدى والنور، فهو شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها.. «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» .

стр. 1579

تم هذا الكتاب، ويليه- إن شاء الله- الكتاب الخامس فى تفسير الجزءين التاسع والعاشر.. وعلى الله قصد السبيل

стр. 1580

[الجزء الخامس] [تتمة سورة الأعراف] الآيات: (٨٨- ٩٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٣] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) التفسير: بلّغ شعيب قومه رسالة ربّه، ونصح لهم، واستقبل إساءاتهم بالحسنى، وسفاهاتهم بالصفح والمغفرة- هكذا الأنبياء والمرسلون، ينظرون إلى من أرسلوا إليهم نظرة الطبيب الحكيم إلى مريض، استبدّ به مرضه، فأفقده صوابه أو أفسد تفكيره ... وإن مهمة الرسل لهى أشقّ من هذا، وأكثر حاجة إلى الرفق والملاطفة، وإلى الحكمة والكياسة فى اتصالهم بأقوامهم، وفى تألّفهم واستئناسهم، حتى يسمعوا لهم، ويقبلوا منهم، إن كان فيهم بقيّة من خير، أو إثارة من عقل ... وفى هذا يقول الله تعالى لنبيّه
следующие страницы →