Полный текст (6 903 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
التفسير: وهذا لوط وقومه.. ولكل قوم داؤهم الذي جاء الرسول ليطبّ لهم منه.. وداء هؤلاء القوم هو أنهم يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقد كانوا فى هذا الفعل المنكر أول أناس فعلوه.. فهم أئمة فى هذا الضلال، عليهم وزر هذا الإثم ووزر من عمل به إلى يوم القيامة! والقوم- شأنهم شأن كل معتد أثيم- يستمرئون هذا الضلال، ويقيمون له منطقا يقع من نفوسهم موقع اليقين والاطمئنان، وبهذا عدّوا أنفسهم أصحاب دعوة راشدة، ودعاة فلسفة حكيمة، وأن لوطا ومن معه قوم منحرفون، متجمدون على القديم، لا يتحولون عنه.. ومن هنا سوّل لهم منطقهم هذا أن يؤذنوا لوطا ورهطه بالخروج من بينهم: «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» .
وتجىء الخاتمة، كخاتمة كل صراع بين حق وباطل، وهدى وضلال..
«فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» أي كانت من هؤلاء القوم الذين هلكوا ومضوا.. فالغابر، هو الماضي، إذ كان من شأنه أن تعلوه الغبرة بفعل الزمن.. وقد أصبح هؤلاء القوم فى حكم الغابرين، إذ قضى الله بإهلاكهم وليس لقضائه من مردّ.
وهذا لوط وأهله إلا امرأته قد نجوا، وسلموا من هذا البلاء.
وأما قومه فقد أمطروا مطر السّوء.. مطرا من نوع لم يعرفه أحد..
ولهذا جاء النظم القرآنى: «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» .. هكذا مطرا منكرا على غير مألوف الحياة.. إنه حجارة من سجيل، قلبت المدينة وما فيها ظهرا لبطن، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة هود: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ» فهو، مطر ولكنه من حجارة، وهى حجارة ولكنها
стр. 1577
من سجّيل (أي من صوّان) وهى سجّيل ولكنها منضودة (أي مهيّأة ومعدّة لهم، فى أحجام منتظمة) وهى منضودة، ولكنها مسوّمة (أي معلّمة، يعرف كل حجر منها المكان الذي يقع عليه والأثر الذي يحدثه) .
وقوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» دعوة إلى النظر المتأمل المتفحص، الذي يأخذ العبرة من الأحداث ... ففى هذا الذي حدث لقوم لوط عبرة وعظة.
الآيات: (٨٥- ٨٧) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
التفسير: وهؤلاء قوم شعيب، وداؤهم أنهم يختانون فى الكيل والميزان، فإذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.
وقد جاء شعيب يدعو قومه دعوة الحق، ويقيمهم على طريق العدل فيما بينهم.. وها هو ذا يقول لهم: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ»
стр. 1578
فمن آمن بالله كان من شأنه ألا يظلم، ولا يعتدى، «قد جاءتكم بينة من ربّكم» .. والبينة هى الآية والمعجزة المتحدية، ولم يذكر القرآن الكريم نوع هذه المعجزة، ولكن الذي ينبغى التصديق به أنه كان بين يديه معجزة ما، تحدّى بها القوم، وأراهم قدرة الله منها.. «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ» والبخس هو الغمط، والنقص، والخيانة..
«وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي إن كنتم مؤمنين بالله، ومؤمنين بالحق والعدل الذي يدعو إليه الإيمان..
«وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ» والقعود بكل صراط: هو التصدي لمن يريدون الحق، ويطلبون الهدى، والإبعاد: الوعيد بالشرّ والتهديد به.
«وتبغونها عوجا» أي تريدون أن تكون هذه السبيل- سبيل الله- معوجّة، أي ينحرف الناس عنها إلى سبيل الضلال والغىّ.. فهكذا أهل السوء والضلال، يحرصون دائما على أن يكون الناس جميعا على شاكلتهم، حتى لا يظهر سوؤهم، ولا ينكشف ضلالهم.. وهكذا الشرّ دائما موكّل بالخير، يريد أن يشوّه معالمه، ويفسد طبيعته، ليتوازى معه على كفتى ميزان.
ولكن الله بالغ أمره.. فما كان قائما على الشرّ والفساد، مستنبتا فى منابت الضلال، فلا بقاء له، وما كان قائما على الحق والخير، مغروسا فى مغارس الهدى والنور، فهو شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها.. «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» .
стр. 1579
تم هذا الكتاب، ويليه- إن شاء الله- الكتاب الخامس فى تفسير الجزءين التاسع والعاشر.. وعلى الله قصد السبيل
стр. 1580
[الجزء الخامس]
[تتمة سورة الأعراف]
الآيات: (٨٨- ٩٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٣]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)
التفسير: بلّغ شعيب قومه رسالة ربّه، ونصح لهم، واستقبل إساءاتهم بالحسنى، وسفاهاتهم بالصفح والمغفرة- هكذا الأنبياء والمرسلون، ينظرون إلى من أرسلوا إليهم نظرة الطبيب الحكيم إلى مريض، استبدّ به مرضه، فأفقده صوابه أو أفسد تفكيره ... وإن مهمة الرسل لهى أشقّ من هذا، وأكثر حاجة إلى الرفق والملاطفة، وإلى الحكمة والكياسة فى اتصالهم بأقوامهم، وفى تألّفهم واستئناسهم، حتى يسمعوا لهم، ويقبلوا منهم، إن كان فيهم بقيّة من خير، أو إثارة من عقل ... وفى هذا يقول الله تعالى لنبيّه
стр. 1581
الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (١٢٥: النحل) .
وها هم أولاء سادة القوم، وأصحاب الكلمة فيهم، والسلطان عليهم، يتصدّون لشعيب، ويقفون لدعوته بالمرصاد، إذ كانت هذه الدعوة تنزلهم من النّاس منزلة الآدميين، لا الآلهة المتسلطين، وتغلّ أيديهم عن هذا الكسب الحرام الذي يغتالون به حقوق الضعفاء، ويمتصون به دماء الفقراء ...
وإنه لو قدّر لشعيب أن يمضى بدعوته إلى غايتها، لسدّ على هؤلاء السّادة منافذ البغي والعدوان، ولما بقي لهم في الناس هذا السلطان المبسوط لهم على رقاب العباد.
ولا يكتفى هؤلاء السادة أن يعرضوا عن شعيب وعن دعوته، بل إنهم يجاوزون هذا إلى تهديده ووعيده بأن يخرجوه من بينهم، هو ومن آمن معه، إن لم يرجع عمّا هو فيه، وإن لم يعد إلى حاله الأولى قبل أن يطلع عليهم بتلك الدعوة التي يدعوهم إليها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» ..
إنها لقريتهم! هكذا يقولونها صريحة في غير مواربة.. «قريتنا» بحالها التي هى عليها، وبكل ما كان يموج فيها من ظلم وفساد.. أما شعيب والذين آمنوا معه، فهم شىء غريب، دخل على هذا الكيان الفاسد، وهم دواء مرّ يأبى أن يقبله هذا الجسد العليل..
وينكر شعيب على هؤلاء السفهاء من قومه أن يدعوه إلى تلك الدعوة المنكرة.. إنه يدعوهم إلى الحق والخير، وهم يدعونه إلى الضلال والهلاك،
стр. 1582
وشتّان بين دعوته ودعوتهم.. وإنه إذا لم تكن منهم استجابة له، فلا أقلّ من أن يدعوه وشأنه، وأن يدعوا النّاس وما يختارون لأنفسهم من موقف إزاء دعوته ودعوتهم، وألا يحولوا بينه وبين من يستجيب له منهم، وألا يتسلطوا على الذين آمنوا معه، ويحملوهم على السير معهم في هذا الطريق الذي ارتضوه، وأبوا أن يتحولوا عنه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان شعيب: «أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟» أي أيكون هذا موقفكم منّا، ووعيدكم لنا بالإخراج من القرية، إن كنا مصرّين على موقفنا، متمسّكين بعقيدتنا، كارهين لما تدعوننا إليه من العودة إلى ملّتكم؟ إنّ الدّين لا يكون عن إكراه، وإن العقيدة لا تقوم على التسلط والقهر.. فكيف تكرهوننا إكراها على دين لم نقبله، وعلى عقيدة لم نرضها؟ إنّه لا إكراه فى الدين، وإننا لن نكرهكم على ما ندعوكم إليه، فكيف تكرهوننا على ما تدعوننا إليه؟ ثم تهددوننا بالطرد من قريتنا إن لم نستجب لكم؟ ذلك ظلم مبين، وعدوان آثم.
«قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» .. أي إننا وقد عرفنا الحق، وآمنا به عن فهم واقتناع، فإن الحيدة- بعد هذا- عن طريق الحق، هى افتراء على الله، وكذب صراح في وجه تلك الحقيقة المشرقة..
«وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا» .
إذ كيف يقبل عاقل أن يرد موارد الهلاك بعد أن خلص منها، وسلك مسالك النجاة؟
«وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» .
إنّنا لن نعود أبدا إلى ملتكم بعد أن نجانا الله منها، إلّا أن يكون ذلك عن مشيئة سابقة لله فينا، وعن قدر قدّره علينا، فذلك من شأن الله وحده،
стр. 1583
هو الذي يملك من أنفسنا ما لا نملك، فإذا كان الله قد شاء لنا أن نعود القهقرى إليكم، ونردّ على أعقابنا معكم، فنحن مستسلمون لأمر الله، راضون بحكمه، أما نحن فى ذات أنفسنا، فعلى عزم صادق ألّا نعود فى ملتكم أبدا، إلا أن ينحلّ هذا العزم بيد الله، لأمر أراده الله، وقضاء قضى به.. «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» .. فهو- سبحانه- وحده الذي يعلم مصائر الأمور، ولا يدرى أحد قدره المقدور له، ولا مصيره الذي هو صائر إليه، فذلك علمه عند علام الغيوب.. أما نحن فمطالبون بأن نستقيم على الحق، وأن نفوّض الأمر لمالك الأمر.. «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» .. والفتح هو الحكم، وتلك قضية بين شعيب وقومه، هو يدعوهم إلى الهدى، وهم يدعونه إلى الضلال، وهو يلقاهم بالحسنى، وهم يتهدّدونه بالبغي والعدوان، والله هو الذي يحكم بين الفريقين، ويدين من هو أهل للإدانة، ويأخذه بما يستحق من عقاب.
وقول شعيب: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ» - مع أن فتح الله أو حكمه لا يكون إلا بالحق- هو تقرير للواقع، وإشعار للخصوم بأنهم لا يؤخذون بغير الحق، وأنهم وشعيب على سواء بين يدى من يفصل بينه وبينهم فيما هم مختلفون فيه.
ومع هذا الموقف العادل الذي يقفه شعيب من قومه، وفى موقفه معهم فى ساحة القضاء الذي يقول كلمة الحق بينه وبينهم- فإنهم لم يقبلوا هذا منه، ولم ينتظروا ما ينجلى عنه هذا الموقف، بل جعلوا إلى أنفسهم أمر القضاء فى هذا الخلاف، وأعطوا لأنفسهم كلمة الفصل فيه، وأنهم هم وحدهم أصحاب الحق..
فأدانوا شعيبا، وحكموا عليه بالخروج من القرية هو ومن آمن معه، واستعجلوا إنفاذ هذا الحكم فيه وفيهم..
стр. 1584
«وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» .
هذا هو محتوى الحكم الذي حكموا به. من اتبع شعيبا فهو من الخاسرين، لأن شعيبا على باطل، وهم على حق، وإذن فلن يخلص من أيديهم إلا بأن يخرج من القرية، ويمضى حيث يشاء.. هكذا قدّروا، وهكذا حكموا.
وما أن همّوا بإنفاذ هذا الحكم، حتى جاء الحكم الذي لا يردّ، الحكم الذي حكم به أحكم الحاكمين..
«فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» .
إنه الحكم الذي أدين به من قبل أشباه لهم، كذبوا رسول الله، وعقروا ناقة الله.. إنهم قوم «صالح» ، الذين أخذتهم الرجفة من قبلهم فأصبحوا فى دارهم جاثمين.. والرجفة هى الاضطراب والزلزلة ... فلقد زلزلت بهم الأرض، ودمدم عليهم ربهم بذنبهم، فأصبحوا فى ديارهم جاثمين، أي جثثا هامدة، لاحراك بها..
«الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ» تلك هى عاقبة المكذبين.. لقد أقفرت منهم الديار، حتى كأنهم لم يكونوا من عمّارها يوما.
يقال: غنى بالمكان، أي أقام فيه، وسكن إليه، بما اجتمع له من وسائل تغنيه عن التحول عنه..
ويتلفّت شعيب إلى ما حلّ بقومه، وما صار إليه أمرهم بعد أن أصبحوا جثثا هامدة وأشلاء مبعثرة، فيأسى عليهم، ويحزن لهم، ولكن سرعان ما يدفع عنه مشاعر الأسى والحزن، حين يراجع حسابه مع قومه، وما كان منه ومنهم، فيجد أنهم ليسوا أهلا لدمعة رثاء تدمعها عينه عليهم..
стр. 1585
«يا قَوْمِ ... لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ» ؟.
إنه ليس أرحم من الله بهم، ولقد أرسل الله إليهم غيوث رحمته على يد رسول كريم، فأبوا أن يقبلوها، وتهدّدوا من حملها إليهم، وآذنوه ومن آمن معه بالطرد من القرية، فكان ما أخذهم الله به، هو الجزاء العادل الرحيم..
الآيات: (٩٤- ٩٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)
التفسير: بعد أن عرضت الآيات السابقة بعضا من قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما كان من هؤلاء الأقوام من كفر وضلال، ومن تطاول على رسول الله، وتحدّ وقاح لهم، ثم ما أخذ الله به هؤلاء الأقوام من نكال وبلاء فى الدنيا، وما أعدّ لهم من عذاب شديد فى الآخرة- بعد هذا جاءت آيات الكتاب لتقرر هذا الحكم العام، الذي يجريه الله على الظالمين، الذين يقفون
стр. 1586
فى وجه الحقّ ويتصدّون لدعاة الخير، وهذا الحكم هو الخذلان للظالمين، والتنكيل بهم، حيث لا يردّ عنهم بأس الله ما لهم من جاه وسلطان، وما بين أيديهم من بأس وقوة.
«وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ» .
فتلك هى سنة الله فى الأمم الخالية، قبل بعثة النبي «محمد» خاتم الأنبياء، عليه وعليهم الصّلاة والسلام.
فما كان يبعث نبى إلى قرية من القرى، أو جماعة من الجماعات إلا كذّبوه، وبغوا عليه، وأنكروا مقامه فيهم، وهمّوا بإخراجه من بينهم، أو قتله، إن هو ظلّ على موقفه منهم.. وهنا تجىء الخاتمة، ويقع بهم ما أنذروا به من قبل إن هم أبوا إلا كفرا، وإلا عنادا وإصرارا على الكفر، وما هى إلا عشية أو ضحاها حتى يصبح القوم أثرا بعد عين، «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها» وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ»
(٥: غافر) وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ» تعليل لهذا العقاب الذي أخذهم الله به، من بأساء وضراء ... والبأساء ما يقع على الأموال من ضرّ، والضراء ما يصيب النفوس من بلاء ... والتضرّع: الخضوع، والتذلل والاستسلام.
والسؤال هنا: كيف يتضرّعون، وقد أصبحوا فى الهالكين، بهذا الأخذ المستأصل الذي أخذهم الله به؟
والجواب: أن هؤلاء الذين هلكوا، هم عبرة ومثل لمن بعدهم ... والتضرّع
стр. 1587
واللّجأ إلى الله إنما هو ممن يجىء بعدهم ويخلفهم من ذريتهم.. إذ أن هلاك الهالكين وإن كان عامّا شاملا، إلا أن هناك بقية باقية، من حواشى القوم، المنتشرين هنا وهناك بعيدا عن المجتمع، كما أن هناك أعدادا قليلة من المؤمنين، الذين نجاهم الله من هذا البلاء ... فهؤلاء وهؤلاء هم البقية الباقية من القوم، وهم الذين ينبت منهم وينمو، هذا الجيل الذي يخلفهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» .. أي أن الله قد رفع هذا البلاء الذي نزل بالسّلف، وجعل مكانه نعمة وعافية تلبس الخلف، ليكون فى نعمة الله عليهم، حجة بين يدى الرسول الذي يجيئهم ليدعوهم إلى الله، وليلفتهم إلى فضله عليهم كما قال هود لقومه، وهو يدعوهم إلى الله: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» وكما قال صالح لقومه: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» ..
فهذه النعم التي يلبسها الخلف، بعد النقم التي حلّت بالسلف، هى حجّة بين يدى الرسول، يذكرّ بها قومه، ليذكروا ما كان لله عليهم من فضل، وأنه لم يأخذهم بما جنى آباؤهم..
وقوله تعالى: «حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أن الله قد أمهل هذه البقية الباقية من القوم الهالكين- أمهلهم حتى «عفوا» أي نموا، وكثروا، ومسّتهم العافية.. فالعفو أصله من العافية، التي يتبعها النماء والزيادة، كما جاء في قوله تعالى: «وَيَسْئَلُونَكَ ماذا
стр. 1588
يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ»
ومنه قوله ﷺ «احفوا الشوارب واعفوا اللّحى» أي قصّروا الشوارب، وأطيلوا اللّحى، أي اتركوها حتى تنمو أصول الشعر، وتطول.
وفى قوله تعالى: «وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أنهم أدركوا ورشدوا، وعرفوا ما حلّ بآبائهم من شر وخير.. وفى هذا إشارة أيضا إلى أن الله قد أمهلهم حتى تتابعت أجيم، وكثرت مواليدهم، ونمت أموالهم، وكان لهم بعد الآباء آباء.. وهذا هو السرّ فى تقديم الضّراء على السّرّاء هنا..
فالضراء هى ما أصيب به القوم الهالكون من آبائهم الأولين، والسرّاء هى النعم التي أفاضها الله على آبائهم الأقربين.. فهم فى نظرتهم إلى الوراء يرون على مسيرة الماضي وجهين من وجوه الحياة، تغايرا على موطنهم الذي هم فيه..
يرون آباء لهم كانوا فى نعمة من الله، وعافية من البلاء، فكفروا بأنعم، وعصوا رسله، فأخذهم الله بالبأساء والضرّاء، وآباء خلفوا هؤلاء الآباء فألبسهم الله لباس النعمة والأمن ولم يبلهم بعد حتى يعلم ما عندهم من إيمان أو كفر..
وهؤلاء الآباء، هم وأبناؤهم هؤلاء، لم ينتفعوا بهذه المثلات التي حلّت بآبائهم الأولين، إذ حين ابتلاهم الله، وبعث فيهم رسله، كفروا بنعم الله، ومكروا بها، وأخذوا الطريق الذي أخذه أسلافهم مع رسل الله الذين بعثهم الله فيهم.
وهذه هى سنّة الله فيهم، كما هى فى آبائهم.. الهلاك والدمار للقوم الظالمين.. وفى هذا يقول الله تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ..»
وفي النظم القرآنى إعجاز الحذف، الذي دل عليه ما سبق.. والتقدير:
«حَتَّى (إذا) عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» (أرسلنا إليهم رسولا كما أرسلنا إلى آبائهم رسولا، فكذبوه، وسخروا منه، وتوعدوه) «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .
стр. 1589
وفى قوله تعالى: «وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أن الله أمهلهم حتى كانت لهم فسحة من الوقت ينظرون فيها، ويتأملون فيما بين أيديهم وما خلفهم، ويرون ما حل بآبائهم..
وقد بسطنا القول فى شرح هذه الآية، إذ لم نر أحدا من المفسرين أقامها على وجه نرضاه ونطمئن إليه.
قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» .
هو تعقيب على ما حل بالظالمين من بلاء ونكال.. ثم هو وعيد المشركين من أهل مكة وما حولها من القرى..
فهؤلاء الذين أخذوا بظلمهم، لو أنهم آمنوا بالله، وصدقوا رسله، واتقوا محارم الله، وأقاموا شريعته، لكانوا فى عافية من أمرهم، وفى سعة من رزقهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء التي رمتهم بالصواعق، وبركات من الأرض التي زلزلت بهم، ورجفت، وفغرت أفواهها لابتلاعهم.. أفلا يكون فى هؤلاء القوم عبرة لمعتبر، وذكرى لمن يتذكر؟ وماذا تنتظر أمّ القرى ومن حولها، وقد استغلظ فيها الشرك، وعاث فيها المشركون؟
والسؤال هنا: هل من مقتضى الإيمان والتقوى أن تفتح على المؤمن التقىّ بركات من السماء والأرض؟ أو بمعنى آخر: هل المؤمنون الأتقياء هم أكثر الناس رزقا وأوفرهم مالا؟ وكيف؟ والمشاهد أن الذين يجتمع إلى أيديهم الغنى والجاه والسلطان، هم الذين لا يؤمنون بالله، أو الذين يؤمنون به ولكن لا يتقونه ولا يوقرون حرماته؟
стр. 1590
فما تأويل قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..؟»
والجواب: أن المؤمن بالله، المتقى لحرماته، هو أكثر الناس غنى فى قلبه، وقناعة فى نفسه، ورضى بقدره ... فالقليل فى يد المؤمن التقىّ هو كثير مبارك فيه، يسدّ حاجته، ويجلّى عن نفسه هموم الدنيا، ويقيمه على رضى دائم، واطمئنان متصل، وسلام مقيم مع نفسه، ومع الناس، ومع الوجود كله..
وهذا هو السرّ فى وصف الرزق المنزل من السماء، والنابت من الأرض- بالبركة.. فهو رزق ممسوس بنفحات البركة التي تجعل القليل كثيرا، ينمو على الإنفاق، كما تنمو النبتة المباركة فى الأرض الطيبة.
فالمجتمع المؤمن التقىّ، مجتمع مثالىّ فى حياته، وما يرفّ عليها من أرواح السلام، والأمن، والاستقرار، حيث لا ظلم، ولا بغى، ولا عدوان، وحيث الناس إخوان على طريق الله، وعلى التناصح والتواصي بالحق والخير..
فأى بركة أعظم من تلك البركة وأي حياة أطيب وأكرم من هذه الحياة، التي يجتمع فيها الإنسان إلى الإنسان، بقلب سليم، ونفس مطمئنة، لا يحمل لأحد شرا، ولا يتربص له أحد بسوء؟
وفى هذا يقول الشاعر العربي:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
فحيث كان الإيمان والتّقى، كان الإخاء، والأمن والسلام، والعافية..
قوله تعالى:
«أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .
стр. 1591
إنه نذير للمشركين من أهل مكة ومن حولهم.. إنهم قد أشركوا بالله، وبغوا فى الأرض، ولم يكن لهم نظر ينظرون به إلى ما حل بالبغاة الظالمين..
وها هو ذا رسول الله يدعوهم إلى الله، ويمدّ يده إليهم بالهدى.. وها هم أولاء يكذبونه، ويسخرون منه، ويأتمرون به.. فماذا ينتظرون غير سنّة الأولين؟ ..
وفى هذا يقول الله تعالى عنهم: «وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ» (١٥: ص) .
وعلام يعوّل هؤلاء القوم فى تماديهم فى الضلال، واطمئنانهم إلى ما هم فيه؟ أهناك من يدفع عنهم عذاب الله، ويردّ عنهم بأسه؟ ذلك ضلال إلى ضلال، وعمى بعد عمى، وفتنة مع فتنة..
وكيف يأمنون مكر الله، ومعاجلتهم بالعذاب من حيث لم يحتسبوا؟
«أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .. وأي خسارة أكثر من أن يرى الإنسان نذر الشر والهلاك مقبلة إليه، ثم يخدع نفسه، ويخيّل إليها أن هذه النذر لن تتجه إليه، ولا تنال منه.. ثم يظل هكذا يرتوى من هذا السراب الخادع حتى تقع به الواقعة، وينزل بساحته البلاء.. فلا يجد له مهربا..
ولو أنه تنبه لهذا الخطر المشير إليه، وأخذ حذره منه، واتخذ له طريقا غير هذا المؤدى به إلى مواقع الهلاك والتلف- لو أنه فعل ذلك فلربما سلم ونجا، فإن لم يسلم ولم ينج، كان قد أعذر لنفسه، وأدّى المطلوب منه نحو ذاته..
وفى توقيت العذاب الواقع بهؤلاء الظالمين من أهل القرى.. بالبيات، وهو الليل، وبالضحى، وهو ضحوة النهار وشبابه- فى التوقيت بهذين الوقتين إشارة إلى أن بلاء الله ينزل فى أي وقت.. فى غفلة من الناس وهم نيام، قد استولى عليهم النعاس، ولفّهم الليل بردائه الأسود الكثيف.. أو فى ضحوة
стр. 1592
النهار- عند الضحى- وقد اكتملت أسباب الحياة، واليقظة للناس، وللحياة من حولهم، وعندئذ يشهدون الهلاك عيانا، وهم في أحسن أحوالهم من الاتصال بالحياة، والأخذ بكل قواهم، مما يطلبون ويشتهون منها..
وكلا الضربتين من ضربات النقمة والبلاء، تجىء فى وقت يجعل أثرها مضاعفا، ووقعها مزعجا، بالغ الغاية في الإزعاج.
إن النائم الذي استغرق فى النعاس، لتزعجه الهمسة تطوف به، حتى ليخيل إليه منها أنها صوت رعد قاصف، أو هدير إعصار ثائر.. فكيف إذا كان ذلك بلاء نازلا من السماء يرمى بحجارة من سجيل، أو عذابا فائرا من الأرض يرمى باللهب، ويقذف بالحمم.
وإن الإنسان الذي لبس ثوب النهار، واستروح أنسام الصباح، واستحضر كل وجوده ليتصل بالحياة، وليقيم وجهه على ما يشتهى منها، ويمسك بكلتا يديه على ما يقدر عليه من لهوها وجدّها- إن مثل هذا الإنسان ليكرب أشدّ الكرب أن يعرض له فى تلك الحال ما يقطع عليه حبل اتصاله بالحياة، أو يلفته عن طريقه الذي أخذه معها- فكيف إذا كان ذلك بلاء مدمرا يهلك الحرث والنسل، ويطوى السهل والوعر، ويأتى على كل ما جمع الجامعون، وملك المالكون؟
واستمع مرة أخرى إلى قوله تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .
وانظر إلى أهل القرى، وهم نائمون.. ثم انظر إليهم وقد جاءتهم الضربة القاضية، فإذا هم بين يديها قيام ينظرون، وكأنهم أصحاب القبور، يوم ينفخ فى الصور فيقولون: يا ويلنا.. من بعثنا من مرقدنا؟
стр. 1593
وانظر إلى أهل القرى، وهم فى ضحوة النهار يلعبون.. ثم انظر إليهم وقد جاءهم أمر ربك على حين غفلة، فقطع عليهم ما هم فيه من لهو ولعب، وقلب بين أيديهم مائدة الحياة وما عليها من أدوات اللعب واللهو! وصدق الله العظيم: «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (١٠٢: هود) .
الآيات: (١٠٠- ١٠٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
التفسير: هذه الآيات والآيات التي قبلها هى تعقيب على ما حلّ بالقوم الظالمين، الذين عصوا رسل الله، واسترهبوهم بصور مختلفة من الوعيد.
وهذه التعقيبات هى مما يمكن أن يرد على الخواطر، ويتردد على الألسنة ممن يمرّ من عقلاء الناس بمصارع القوم الظالمين، ويجوس خلال الديار التي عمروها، أو يقصّ عليه خبرها، وتكشف له أنباؤها، ففيها العبرة، وفيها العظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..
وقوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
стр. 1594
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ»
.. إنه يكشف عن وجه من وجوه العظة والاعتبار.. فهؤلاء الذين سكنوا مساكن القوم الظالمين الذين هلكوا، وورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم.. ألم يهد لهم وينكشف لأبصارهم أو بصائرهم أن الله لو شاء لأخذهم بذنوبهم كما أخذ القوم الظالمين قبلهم بذنوبهم؟ ولساق إليهم نذر الدّمار والهلاك كما ساقها إلى الهالكين من قبلهم؟ فما حجتهم على الله حتى يدفع عنهم هذا البلاء الذي هم جديرون بأن يؤخذوا به؟ وما وجه فضلهم على من أهلكوا قبلهم حتى لا يصيروا إلى مثل مصيرهم، وقد فعلوا فعلهم، وأخذوا طريقهم؟
إنه لا لحجة لهم على الله، ولا لفضل ظاهر فيهم، أن عافاهم الله من هذا البلاء، وأن صرف عنهم عذابه، ولكن لمقام رسول الله بينهم، ولفضل الله على نبيه الكريم ألا يعذب قومه وهو فيهم، كما وعده ربّه هذا الوعد الكريم:
«وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (٣٣: الأنفال) وهذه خصيّصة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، من بين رسل الله جميعا، ألّا يرى عذاب السّماء ينزل على قوم هو منهم، أو يصيب بلادا هو فيها..
وفى قوله تعالى: «وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن العذاب الذي سيقع بهؤلاء الظالمين ليس عذابا ظاهرا، ينزل من السماء، أو يخرج من الأرض، ولكنه بلاء خفىّ، يغشى قلوب الظالمين، فيحجب عنها الهدى، فلا تتهدّى إليه، ويصرف عنها الخير، فلا تعرف له وجها..
وفى النظم القرآنى حذف دلّ عليه المقام، والتقدير: «أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» (وأخذناهم بما أخذنا به القوم الظالمين قبلهم من بلاء ونكال، ولكنا لا نفعل بهم هذا، تكريما للنبي الكريم، «وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» كلام الله، ولا ينتفعون به)
стр. 1595
وهذا عقاب خفىّ، لا يراه الرسول، حتى لا يحزن ولا يأسى..
وفى قوله تعالى: «فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن المعجزة التي بين يدى هؤلاء القوم، والتي تكشف لهم الطريق إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به- ليست معجزة منظورة تراها العين، ولكنها معجزة مقروءة تسمعها الأذن، ويعيها القلب.. وتلك المعجزة هى القرآن الكريم، والمستمعون لها هم هؤلاء القوم المشركون، ولكنهم لا يسمعون السمع الذي ينفذ إلى القلب، ويتصل بالعقل..
قوله تعالى:
«تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» .
القرى المشار إليها للنبىّ، هى تلك القرى التي قصّ الله أخبارها من قبل، وما حلّ بأهلها، بعد أن كذّبوا الرّسل..
وهؤلاء مشركوا أمّ القرى ومن حولها، قد سمعوا ما قصّ الله من أنباء القرى التي أهلكها الله حين كذبوا رسل الله، وهاهم أولاء يكذبون النبيّ ويمثّلون معه الموقف نفسه الذي وقفه من سبقهم من أهل القرى التي أهلكها الله- هؤلاء المشركون وتلك حالهم، هم بين أمرين:
إما أن ينتظروا البلاء الذي حلّ بمن سبقهم، وإما أن يؤمنوا بالله، ويستجيبوا للرسول.
أما البلاء، فلن يقع بهم والنبيّ فيهم..
وأما الإيمان، فلن يؤمنوا، لأن الله قد طبع على قلوبهم..
وإذن فليس لهم إلا الخزي فى الدنيا، وعذاب السعير في الآخرة..
стр. 1596
والمراد بهؤلاء القوم هو رءوس الكفر، من مشركى مكة، الذين علم الله أنهم لن يؤمنوا، كما يقول فيهم: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا. (٥٧- ٥٨: الكهف) .
فقوله تعالى: «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ» مراد به هؤلاء العتاة من رءوس المشركين من قريش.. إنهم لا يؤمنون أبدا بهذا الرسول الذي كذّبوا به، وبما أنزل إليه من آيات ربّه، فما ينزل من آيات الله بعد هذا، وما يساق إليهم فيها من عبر وعظات فى قصص الأولين- كل هذا لن يزيدهم إلا نفورا.. «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» ذلك الطبع الذي لا ينفذ منه إلى القلب لمعة من نور الحق أبدا.
وقوله تعالى: «وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» هو وصف كاشف لهؤلاء الرءوس من أهل الشرك فى قريش. وأمّا العهد الذي نقضوه مع الله فهو قولهم الذي حكاه القرآن عنهم: «أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» (١٥٦- ١٥٧: الأنعام) فهم قد عاهدوا أنفسهم أن لو جاءهم كتاب كما جاء أهل الكتاب كتاب، لآمنوا بالله، وكانوا أهدى سبيلا من أهل الكتب السابقة.
وقوله تعالى: «وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» ..: «إن» هنا هى المخففة من إنّ الثقيلة المؤكدة، واللام فى قوله تعالى: «لفاسقين» هى اللام
стр. 1597
المؤكدة، الداخلة على الخبر، والمعنى، وإنّا وجدنا أكثرهم لفاسقين، ينقضون العهد الذي وثقوه مع أنفسهم، وذلك خيانة منهم لوجودهم.
الآيات: (١٠٣- ١١٦) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١٦]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
التفسير:
فى الآيات التي مضت، ذكر فيها قصص الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، وشعيب ﵈، وقد تخللت هذه القصص لمحات وإشارات إلى مشركى
стр. 1598
مكة، تلفتهم إلى مصارع القوم الظالمين، الذين كذبوا رسل الله وأعنتوهم، وأن هؤلاء المشركين من قريش إذا أصروا على ما هم عليه من عناد وشرك، بعد هذا الهدى الذي جاءهم من عند الله، على يد رسول الله- فلن يكونوا بمأمن من هذا المصير المشئوم الذي صار إليه الظالمون من قبلهم.
ولم تذكر الآيات السابقة قصة موسى، مع فرعون، ثم قصته مع قومه بنى إسرائيل..
وهذا ما عرضت له تلك الآيات التي نحن بين يديها الآن..
«ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. أي ثم بعث الله ، من بعد هؤلاء الرسل الذين ذكرتهم الآيات السابقة- بعث موسى بآيات معجزات إلى فرعون وملائه، أي الوجوه البارزة من قومه، من وزرائه وقواده، وأصحاب الرأى والكلمة عنده، فلم ينتفع هو ولا قومه بهذه الآيات، ولم يروا فيها طريقا يصلهم إلى الله ويدعوهم إليه، بل ظلوا على ما هم عليه من ظلم ومن بغى، بل لقد كانت تلك الآيات باعثة لهم على المبالغة فى الظلم والبغي، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«فَظَلَمُوا بِها» أي اتخذوها أداة من أدوات الظلم، وذريعة من ذرائعه، كما سنرى ذلك فى موقف فرعون بعد أن التقى به موسى، وعرض عليه ما بين يديه من معجزات.
وفى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. فى هذا ما يسأل عنه وهو: كيف يجىء الأمر بالنظر إلى ما صارت إليه حال القوم المفسدين، ولم تأت عاقبتهم بعد؟ وماذا ينظر الآن من عاقبة هؤلاء المفسدين؟
والجواب: أن المبادرة إلى هذه الدعوة بالنظر إلى مصير المفسدين، هى لإثارة التطلعات إلى تلك الخاتمة المثيرة التي ستختم بها هذه القصة، وما ينتهى
стр. 1599
إليه الصراع بين الحق والباطل، ففى هذه المبادرة إعداد للنفس، وإثارة لأشواقها، وإخلاء لها من الشواغل، حتى تلتقى بتلك الخاتمة وهى على حال تامة من الوعى واليقظة، فلا تفوتها من مواقع العبرة والعظة فائتة.
ومن جهة أخرى، فإن فى المبادرة بهذا الحكم، على هؤلاء القوم بأنهم مفسدون- إشعارا بأن القضية هنا قضية صراع بين حق وباطل، وبين دعاة إصلاح وأهل فساد، وفى هذا ما يقيم شعور المستمع لهذه القضية على هذا الموقف منها، وهو موقف بين المحقين والمبطلين.
«وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» .
فهذا هو مبدأ القصة.. يلتقى موسى بفرعون لقاء مباشرا ... ثم يبدؤه بهذا الخبر:
«يا فِرْعَوْنُ ... إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..
ويفعل هذا الخبر فعله فى نفس فرعون، ومن حوله.. ثم لا يكاد فرعون يفيق من صدمة هذا الخبر غير المتوقع، حتى يسد عليه موسى منافذ القول بالتكذيب أو الاتهام، فيتبع الخبر بخبر آخر، يؤكده ويوثقه: «حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق» فإن من كان رسولا لربّ العالمين، لا ينبغى له أن يقول غير الحق، إذ الرسول وجه كاشف عن وجه من أرسله.. والله منزه عن كل نقص، فكذلك ينبغى أن يكون الرسول الذي يرسله، على حظ موفور من الكمال البشرى، فلا يكذب، ولا يخون.. فهو أحق الناس وأجدرهم ألا يقول غير الحق..
وتثور فى نفس فرعون تساؤلات، لا يكاد يمسك بواحدة منها حتى يلقاه
стр. 1600
موسى بالجواب لما تفرق أو اجتمع فى خاطره من تلك التساؤلات: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» .
فالأسئلة التي تواردت على خاطر فرعون كثيرة، كان منها وأهمها: ماذا يريد موسى بهذه الدعوى التي يدعيها؟ وما شأن فرعون به وبرسالته؟ ليكن رسولا من عند الله أو من عند غير الله.. فما لفرعون وهذا الذي يقتحم عليه مجلسه، ويلقى إليه بمثل هذه المقولات؟
وجواب موسى على هذه الأسئلة: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» وكان الجواب المنتظر هو: أرسل معى بنى إسرائيل..
فهذه هى رسالة ربه، المطلوب منه أن يبلغها فرعون.. فإن أبى فرعون أن أن يصدقه، عرض عليه من آيات ربه ما يقيم الدليل على صدقه، ويؤكده..
ولكن جبروت فرعون وتسلطه يحدّثان بأنه لن يقبل من موسى قولا، ولن يسلّم له بشىء مما يقول، بل سيجبهه بالزجر، ويتوعده بالعقاب، ويرميه بالكذب.. ولهذا كان من الحكمة- لكى يطفىء بعضا من غضب فرعون وثورته عليه- أن يلقاه أولا بالدليل الذي يسند دعواه، ويدل على صدقه، وأن يدير تفكيره- ولو مؤقتا- إلى تلك للمعجزات التي يحملها موسى بين يديه من ربّه، وأن يثير فيه غريزة حب التطلع إلى هذا المجهول الذي يخفيه موسى عنه..
ولهذا كان ردّ فرعون:
«إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .. ولم يعرض فرعون لما طلبه موسى فى شأن بنى إسرائيل، وإرسالهم معه، بعد إطلاقهم من يده.. وهو المطلب الأول، بل هو كل ما طلب من فرعون فى هذا الموقف. وإنّما كان همّه كله هو الاطلاع على ما عند موسى من آيات!
стр. 1601
ولم يمهل موسى فرعون، بل طلع عليه فجأة بما ملأ عليه وجوده كله، هولا، وفزعا ودهشا!! لقد كان فرعون ينتظر من موسى شيئا من الحوار والجدل، والأخذ والردّ، فيما سيعرضه عليه من معجزات.. كأن يستحضرها أولا، ويتخير لها الزمان والمكان ثانيا.. فما كان مع موسى شىء يتوقع أن تخرج منه معجزة، وإلا فأين أدوات هذه المعجزة؟ وأين أجهزتها ومعداتها والأيدى التي تعمل فيها؟ .. ولكن هكذا كان تدبير الحكيم العليم وتقديره! «فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ» .. هكذا تقع المعجزة، وتكون المفاجأة!! العصا التي يمسكها موسى بيده.. يلقى بها إلى الأرض فإذا هى ثعبان مبين..
يفغر فاه حتى ليكاد يبتلع فرعون ومن حوله! ويد موسى التي أدخلها فى جيبه (أي فى فتحة قميصه على صدره) يخرجها، فإذا هي بيضاء من غير سوء، لم يتغير شىء من خلقها، إلا أنها ترسل ضوءا مشرقا كضوء الكوكب الدرىّ فى فحمة الليل..
لقد ألقى موسى بكل ما معه دفعة واحدة، حتى يضرب فرعون الضربة القاضية، التي لا تدع له فرصة يلتقط فيها أنفاسه.. وواحدة من هاتين الضربتين تكفى لكى يستسلم لها كل جبار عنيد.. ولكن فرعون كان أكثر من جبار عنيد..!
ولا يذكر القرآن هنا ما وقع فى نفس فرعون من فزع، وذعر، بل يدع ذلك لتصورات الناس، يأخذ كل إنسان ما يقدر عليه الخيال من الصور المرعبة المفزعة، لهذا الهول الذي وقع..
وإذ يفيق القوم من هذا الهول العظيم، بعد أن يدعو موسى الثعبان إليه
стр. 1602
فيكون عصا فى يده، ويردّ يده إلى مكانها الذي كانت عليه- إذ ذاك يأخذون فى التفكير لمواجهة هذا التحدّى الذي جاءهم به موسى، ويجدّون فى التماس السبل للوقوف فى وجهه، قبل أن يتصل خبره بالناس، فتكون الفتنة، ويكون البلاء ... كما وقع فى ظنونهم وأوهامهم.
«قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ» .. أي ساحر يقوم سحره على علم ومعرفة، وهو من أجل هذا مصدر خطر عظيم على فرعون وعلى مكانته فى قومه.
«يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ» .. فمثل هذا الإنسان الذي يملك تلك القوة، وهذه البراعة، لا يعجز عن أن يفعل ما هو أكثر مما فعل، وليس ببعيد أن يحيل الناس إلى أحجار ودمى، كما أحال العصا ثعبانا مبينا.. وليس ببعيد أن يطوّح بفرعون، ويلقى به فى مكان خارج ملكه، ويستولى هو على هذا الملك! ويدور بين القوم حديث طويل متصل، تتوارد فيه الآراء، وتكثر وجوه العروض والحلول.. ثم ينتهى فرعون إلى موقف يسأل فيه الملأ:
ماذا عندهم من قول فى موسى، وفى هذا الذي شهدوه منه..؟.
«فَماذا تَأْمُرُونَ» ؟
إن فرعون يريد منهم موقفا حاسما، ورأيا قاطعا، وأمرا نافذا فى هذا الموقف، الذي لا يحتمل غير المواجهة الحازمة الحاسمة..
وفى قول فرعون لقومه: «فَماذا تَأْمُرُونَ» خروج على المألوف بينه وبينهم، فما اعتادوا أن يسمعوا منه غير كلمة واحدة، هى «الأمر» منه، والطاعة والتنفيذ منهم..
أمّا هنا فى هذا الموقف، فهو متخاذل متهالك، قد هزّته الصدمة، وأذلّت
стр. 1603
من كبريائه، فذهل عن نفسه، ونسى أنه «فرعون» الذي يأمر ... ولا يؤمر، ويقول ... ولا يقال له.
إنه هنا فى معرض الهلاك، وفى مواجهة البلاء الذي يتهدّده، ويتهدّد ملكه ...
وإنه هنا ليواجه الضعف الإنسانىّ الذي يتعرّى فيه من كل مظاهر العظمة الكاذبة، والاستعلاء المصطنع، حين يصطدم بواقع الحياة، ويواجه أهوالها وشدائدها ... إنه هنا، هو هذا الإنسان الذليل الضعيف المستكين، الذي يقبل الصدقة من أي يد تمتدّ إليه..!
ويجىء جواب القوم أمرا حاسما.. لقد نسواهم كذلك أنهم فى مجلس فرعون، وبين يدى جبروته وكبريائه، إنهم لا يرون منه الآن إلّا إنسانا مثلهم، قد أدركه الفزع، واستولى عليه الذعر، وأنهم وهو على سواء فى هذا الموقف الأليم.. وهل حين تغرق السفين، ويلقى براكبيها فى لجة البحر، يكون هناك ملك وسوقة؟ وسيد ومسود؟ إنهم جميعا فى يد الهلاك سواء! «قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» .
«أرجه» أي أنظره وأخّر الأمر فيه إلى أن نجمع ما فى المدن من السحرة، أصحاب العلم، والتخصص فى هذا الباب، وبهذا نلقى سحره بسحر مثله، يستند إلى علم ومعرفة.
والحاشرون: هم الذين يتولّون جمع السحرة وحشدهم، وحشرهم إلى ساحة فرعون.. والتعبير بالحشر هنا، يشير إلى أن الأمر عظيم، وأنه لا بد له من حشر الناس إليه، وبعثهم سراعا من كل أفق، ليلقوا موسى، ويقفوا فى وجه هذا الخطر الذي دهمهم به.
стр. 1604
وحشر السحرة على عجل، وأقبلوا من كل أفق، وغصّت بهم ساحة فرعون.. وما كانوا قد رأوا رأى العين ما كان من فعل موسى بعصاه ويده، مع فرعون، وإن كانوا قد سمعوا به، وتصوروه على ما روى لهم..
ومن هنا وقع فى أنفسهم أنه ساحر مثلهم، وأنّه إذا كان على شىء من القوة بالنسبة لهم، فإن فى جمعهم هذا ما يتغلب على كل قوة..
ومن هنا أيضا وقع فى أنفسهم أنهم أصحاب الموقف المنتظر بينهم وبين موسى، فكانت لهم بذلك دالّة على فرعون، وقد أطمعهم فيه، ما وجدوه عليه من ذلّة وانكسار، فجاءوا إليه يسألونه الأجر مقدّما، ويسألونه الجزاء الذي لهم عنده، بعد أن يكون لهم الغلب!! «وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ» !.
ولا يملك فرعون فى هذا الموقف إلا أن يستجيب لهم، ويترضّى مشاعرهم، حتى يبذلوا كل ما يملكون من حول وحيلة.. إنهم الآن لا يعملون إلا بأجر، وقد كانوا من قبل هذا الموقف عبيدا مسخّرين! «قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» .
فليس الأجر وحده، ولا المال وحده، هو الذي سيبذله لهم، إن هم انتصروا على موسى، وأبطلوا كيده، وأفسدوا تدبيره، ولكن لهم إلى هذا المال الوفير الذي سيغدقه عليهم- أن يقرّبهم إليه، ويدنيهم منه، ويجعلهم أعوانه، وأصحاب الكلمة والرأى عنده.
ولا يذكر القرآن هنا اجتماع السحرة بموسى، والاتفاق معه على موقع المعركة وزمانها.. فذلك متروك لتقدير من يتلو هذه القصة، وتصوره لملء هذا الفراغ الذي لا يغيب عن فطنته، فإن لم يسعف الإنسان ذكاؤه هنا،
стр. 1605
وجد القرآن الكريم فى معرض آخر من معارض هذه القصة، يعرض الصورة المثلى التي تملأ هذا الفراغ وتغطيه!.
ومن أجل هذا جاء اللقاء المواجه بين السحرة وموسى هكذا.
«قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ» .
إن المعركة قد بدأت، وإنها الآن فى أول جولة من جولاتها..
ولقد خيّر السحرة موسى، بين أن يبدأ هو الجولة، أو هم الذين يبدءونها.؟
وأجابهم موسى أن يكونوا هم البادئين.. وهذا أدب من أدب الحرب..
أعطوه الفرصة، فأعطاهم هو إياها.. ولقد جاءوا بأدوات كأدوات موسى..
عصىّ وحبال أشبه بالعصىّ، كما جاء هو بعصاه.. فتلك هى أصول منازلة الخصم لخصمه.. أن يحاربه بمثل سلاحه..
وقد أعطاهم موسى الفرصة ليظهروا كل ما عندهم، وكان ذلك عن حكمة وتدبير وتقدير.. فلو بدأ موسى- وقد جعلوا هم الأمر إليه فى اختيار من يأخذ المبادرة- لكان غير عادل معهم، إذ بدءوه بالإحسان.. ولهذا فقد ردّ إليهم إحسانهم بإحسان، وأعطاهم حقّ المبادرة التي كان له أن يأخذها لنفسه.
ثم- من جهة أخرى- إن موسى كان واثقا من تأييد الله له، ومن نصره فى هذا الموقف.. ولو بدأ هو الجولة، وضرب السحرة ضربته، وأوقع بهم الهزيمة من قبل أن يعطوا ما عندهم، لكان فى نصره هذا الذي أحرزه مقال لقائل أن يقول: إنهم لو أظهروا السّحر الذي فى أيديهم أولا، لشلّوا حركة موسى، وضربوه الضربة القاضية.. ولكنه عاجلهم فكانت الضربة له، ولم تكن لهم!! هذا قول يقال، فى مثل تلك الحال، وفيه يجد أصحاب الضلال
стр. 1606
وأهل العناد متعلقا يتعلقون به، ويتخذون منه مثارا للشغب على موسى حين ينتصر بالضربة القاضية..
ويلقى السحرة حبالهم وعصيتهم، ويأنون منها بألوان من السّحر، وضروب من الشعوذة، فيها مهارة وبراعة، أخذت بألباب الناس، وسحرت عقولهم، وألقت الرعب فى قلوبهم..
ويأخذ موسى شىء من هذا الذي يأخذ الناس، من خوف واضطراب، فى مواجهة الغرائب من الأحداث، ويكاد يفلت زمام الموقف من يده..
وهنا تتدخل السماء، ويجىء وعد الله.. وتبدأ الجولة الثانية، وفيها تتبدل الأحوال وتنقلب موازين الأمور.!
الآيات: (١١٧- ١٢٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٢]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
التفسير: ويبدأ موسى الجولة الثانية، بعد أن يتلقى أمر ربّه بأن يلقى عصاه! ويلقى موسى عصاه «فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» أي تبتلع كلّ هذا الافتراء، وتبطل كل هذا الباطل، فإذا هو هباء فى الهباء.
وينجلى غبار المعركة عن حق وقع، وباطل بطل..
وفي التعبير عن ظهور الحق بأنه وقع، إشارة إلى علوّ متنزّله، وأنه جاء من
стр. 1607
السماء، فوقع على الأرض، كما يقع ضوء الشمس على معالم الكون الأرضىّ، فيبدّد الظلام، وينسخ معالمه.. أو كما تقع الصواعق بالرجوم، فتهلك القوم الظالمين..
ورأى السّحرة شيئا لم يكن من واردات السّحر الذي معهم، واستيقنوا أن ما مع موسى ليس من السحر فى شىء، وأنه ليس فى مقدور بشر أن يأتى به..
فهو إذن عمل من أعمال السّماء، وقدر من أقدارها، وضعته إلى يد موسى، ليكون شاهد صدق على أنه رسول من ربّ العالمين..
تلك هى شهادة أهل الخبرة، وأصحاب الكلمة فى هذا الأمر.. وليس لأحد قول بعد الذي قالوه..
«فَغُلِبُوا هُنالِكَ» أي فى ميدان المعركة، وكان غلبهم تسليما وإذعانا، كما يستسلم الأسير لآسره.
«وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» أي رجعوا أذلّاء، يواكبهم الخزي والصّغار، وتصحبهم الذلّة والمهانة.
والضمير هنا يعود إلى فرعون والملأ الذين معه، إذ كان الأمر أمرهم، والمعركة معركتهم.
وفى التعجيل بهذا الحكم، تلخيص لما وقع فى نفوس الناس ساعتئذ.. لقد خسروا المعركة. ما فى ذلك شك.. وإن كان هناك جيوب فى المعركة لم يصفّ حسابها بعد، فإنها لا تؤثر أي أثر فى الحكم الواقع على المعركة، وهو أن الهزيمة قد حلّت بفرعون وملائه «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» .. هذا هو شعار الموكب الذي يسبق القوم إلى المدينة، ليذيع فى أهلها هذا النبأ المثير المخيف، وليبعث فى النّاس المشاعر التي يستقبلون بها هذا الموكب المهزوم.
стр. 1608
وبين يدى موسى يقع السحرة ساجدين. مؤمنين بالله، معلنين ولاءهم له، بعد أن كان ولاؤهم وسجودهم لفرعون الذي كان يقول لهم: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» .
«وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ» .
وهكذا تنجلى المعركة، وقد وقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.. وفى التعبير عن استسلام السحرة بالإلقاء ما يكشف عن القوة القاهرة التي استولت عليهم.
ثم يجىء الحساب الختامى للمعركة، فيمسك فرعون بمخانق السحرة، متهددا متوعدا.. كما سنرى فى الآيات التالية.
الآيات: (١٢٣- ١٢٦) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
التفسير: «قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» ؟
يعجب فرعون أشد العجب، وينكر غاية الإنكار، أن يتصرف أحد من قومه فى أي شىء من شئونه، ولو كان فيما يتصل بكيانه الروحىّ، وبعقيدته التي يعتقدها، وبالدّين الذي يرتضيه- إلا أن يكون ذلك ممّا يأذن به فرعون ويرضاه.. وأما وفرعون لم يرض عن الدّين الذي جاء به موسى، ولم يأذن لأحد
стр. 1609
به، فكيف يجرؤ هؤلاء السحرة على أن يعلنوا إيمانهم بموسى، ومتابعتهم له؟
ذلك عدوان على حق فرعون الذي له فى رقاب العباد! وسرعان ما يأخذ فرعون السحرة بتهمة الخيانة له وللوطن: «إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» .. إذن فالسحرة متّهمون بالتواطؤ مع موسى على إخراج الناس من المدينة، ليشهدوا هذا الذي مع موسى من سحر يتحدّي به سحر الساحرين، ويبطل ما معهم من كيد يكيدون له به، وذلك بما وقع بين السحرة وبينه من اتفاق، حتى تكون الفضيحة مدوّية، يشهدها الناس جميعا، ويتحدث بها القوم كلّهم.. هكذا صاغ فرعون التهمة، ورمى بها فى وجه السحرة..
تم ها هو ذا يقضى قضاءه فيهم.. إنه يخلق التهمة،، ويحكم بالإدانة فيها، ويقدر العقوبة المناسبة لها.
«لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ» .
إنها قتلة شنعاء، يجد فيها فرعون بعض الشفاء، لما فجعه به هؤلاء السحرة، الذين خذلوه فى موقفه من موسى، ثم خانوه فى متابعتهم لموسى، واستسلامهم له.
وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف، لا يقضى على الكائن الحىّ فورا، بل تظل الحياة ممسكة به زمنا يعالج فيه آلام الموت وسكراته، فقطع اليد اليمنى، مع الرجل اليمنى، أو العكس، من شأنه أن يقضى على الإنسان فى الحال، وليس كذلك إذا قطعت اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، فإن الإنسان يظل على الحياة وقتا أطول، حيث يحتفظ الإنسان بنصف
стр. 1610
نصفه العلوي، ونصف نصفه السفلى المخالف له، وبهذا الخلاف تتم الحركة الدموية، ويظل القلب عاملا بشريان واحد من شريانى الحياة.. ولهذا أتبع فرعون هذه العملية الشنيعة بالصّلب، حتى يظل المصلوب قائما على خشبة الصلب زمنا يعالج فيه آلام الموت وسكراته..
ولا يأخذ هذا الوعيد شيئا من إيمان السحرة، ومن انعقاد قلوبهم على ما انعقدت عليه من تسليم لموسى، وإيمان بالإله الذي يدعو إليه، إذ كان إيمانهم قائما على علم، وبعد بلاء وتمحيص.
«قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ. وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا» .
هذا هو عزاء المؤمنين فى ساعة العسرة، وفى مواجهة البلاء وتحدّيه..
إنهم منقلبون إلى الله، راجعون إليه، نازلون فى ضيافته.. فليس يفزعهم الموت، ولا ترهبهم المثلات التي يأخذهم بها الظالمون..
إن حياتهم إذا انتهت بتلك النهاية، فإنها ستبدأ مرحلة جديدة، فى عالم أرحب، وفى رحاب ربّ كريم، عرفوه، وآمنوا به، فلا ينكرهم يوم لقائه، ولا يحجب عنهم فضله ورحمته، بل يلقاهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم..
إن هذا الانتقام الذي يأخذهم به فرعون، لم يكن عن جناية جنوها عليه، وإنما كل ذنبهم أنهم رأوا النور فاهتدوا به، وعرفوا الحق فاتبعوه..
إنهم قد اختاروا لأنفسهم الخير، وليس لأحد سلطان عليهم فى أن ينزع الإيمان من قلوبهم، وإن كان لسلطانه أن ينزع أرواحهم من أجسادهم،
стр. 1611
فذلك شىء لا يلتفتون إليه، بعد أن أخذوا خير ما في هذه الدنيا، وهو الإيمان..
فليكن الموت، وليكن التمثيل والتنكيل بهم، إنهم لصابرون على المحنة، موطنون النفس على البلاء، يرجون من الله أن يمدهم بأمداد من الصبر والعزم:
«رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» .
وإفراغ الصبر: صبّه صبّا عليهم، حتى يمتلىء كيانهم به.. فإن المحنة قاسية، والبلاء شديد، وذلك أمر يحتاج إلى كثير من أمداد الصبر من ربّ العالمين.
الآيات: (١٢٧- ١٢٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
التفسير: وإذ يحذل فرعون في معركة المنطق والعقل، وإذ تفحمه الآيات التي طلع بها عليه موسى، فإنه يلجأ إلى منطق القوة، ويعمد إلى سلاح البغي والعدوان، فيسلطه على خصمه، ويضرب به في غير مبالاة..
стр. 1612
وانظر كيف يعمى البغي أهله عن مواقع الحق، وكيف يزيّن لهم الضلال فيرونه هدى.
«قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» .
موسى إذن هو الذي يفسد في الأرض؟ وهو الذي ما جاء إلا ليخلّص أناسا استذلّهم فرعون، وسامهم سوء العذاب؟ إنه ما جاء ليشارك فرعون في ملكه، ولا لينازعه سلطانه.. وإنما جاء ليستنقذ أناسا من العبودية، ويرفع عنهم يد التسلط والبغي.. فكيف تصح تلك الدعوى التي يدعونها عليه؟
وفي قول الملأ من قوم فرعون: «وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ» تحريض قوى لفرعون على أن يضرب ضربته، وأن يعجّل بها قبل أن يتابع الناس موسى، ويدخلوا في دعوته، ويؤمنوا بالله كما آمن السحرة، فلا يبقى إلا فرعون وتلك المعبودات التي يعبدها..!
وينظر فرعون في هذا القول، وترتسم له الصورة التي يطل بها عليه، لو أنّه ترك موسى وشأنه.. إن فرعون إذا صبر على تلك الحال، فسوف يتخلّى عنه كل شىء، حتى هذ الملأ الذين حوله من أعوان ووزراء.. إنه وحده الذي سيظل على دينه.. هذا إذا لم ترغمه الظروف وتقهره على أن ينقاد لموسى ويصبح من أتباعه!! وتغيم الدنيا في وجه فرعون، ويستبدّ به جنون الكبر والسلطان، فيصدر حكمه على موسى وقومه جميعا:
«قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» ..
إنه استئصال لهؤلاء القوم، وقتل بطيء لهم بقتل أولادهم، وإذلال شديد
стр. 1613
لهم، باستباحة نسائهم، وبهذا تظل يد فرعون عليهم قاهرة متسلطة.. وفي هذا نذير لمن تسوّل له نفسه أن يتابع موسى أو يتصل به.
واستحياء المرأة، هو تعرّضها لما يخدش حياءها أو يجرحه.. وذلك باستدعاء حيائها، حين تواجه بما تنكره الحرّة وتأباه العفيفة.
ويقع البلاء بقوم موسى وتنزل الضربات عليهم من كل وجه، فى أنفسهم، وفي أبنائهم، وفي نسائهم.. ونذكر هنا قول الله سبحانه في الآيات السابقة: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها» أي فظلموا ومعهم هذه الآيات التي جاءهم بها موسى، فكانت تلك الآيات في أيديهم أداة من أدوات الظلم والبغي.
ويدعو موسى قومه إلى الصبر والاحتمال في مواجهة هذه المحنة:
«قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» وتكون العاقبة دائما للمتقين..
ويجزع القوم- قوم موسى- ولا يصبرون على هذا البلاء الذي أخذهم فرعون به ويلقون موسى لائمين ساخطين «قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» ..
ويجيبهم موسى متلطفا مترفقا:
«عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» .
أي اصبروا، فلعل الله يرفع عنكم هذا البلاء، ويهلك عدوكم، ويجعلكم أصحاب جاه وسلطان، ليبلوكم فيما آتاكم، فينظر كيف تعملون وأنتم في لباس الجاه والسلطان.. هل ترعون حق الله، وتؤدّون بعض ما لفضله عليكم من
стр. 1614
حق؟ أم تكفرون بالله، وتفسدون في الأرض كما يفسد كثير من أصحاب الجاه والسلطان؟ ذلك ما تكشف عنه الأيام منكم.. وإنها لتكشف عن أسوأ عباد الله، وأكثرهم بغيا وفسادا، إذا لبستهم نعمة، ووقع ليدهم سلطان!
الآيات: (١٣٠- ١٣٣) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٣]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)
التفسير: ويقيم بنو إسرائيل على ضربات الذل والاستبداد، يرميهم بها فرعون.. وموسى يدعوهم إلى الصبر، حتى يحكم الله بينهم وبين فرعون..
ويتلقى فرعون وآله ضربات السماء، ضربة بعد ضربة، وكل واحدة منها تحمل شارة من شارات السماء، بأنها آية من عند الله، وعقاب واقع بالقوم لهذا الموقف المتحدّى الذي وقفوه من موسى، بعد أن جاءهم بآيات الله.
وأول ضربة نزلت بالقوم كانت بلاء حلّ بأقواتهم، فيما تجىء به الزروع من غلات وثمرات.
стр. 1615
«وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» .
والمراد بالسنين هنا، هو الجدب الذي يجىء من نقصان النيل، وقلة الماء الذي يجىء به، الأمر الذي يترتب عليه جفاف الزرع، وقلة الثمر.. يقال أسنت القوم أي دخلوا في سنة جدباء.
وهذه ضربة ربما لم ينكشف للقوم فيها وجه العبرة سافرا، إذ كثيرا ما كان يفعل النيل شيئا من هذا معهم، وإن كانت فعلاته في تلك المرّة أمرّ وأقسى.
وقد عرفت مصر سبع سنين عجافا كما ذكر القرآن الكريم ذلك في زمن يوسف ﵇، وكان ذلك من قلة ماء النيل في هذه السنين. فإذا فاض النيل في سنة قالوا هذا مما هو من حظنا ورزقنا، وإذا أمسك النيل في سنة أخرى تشاءموا بموسى ومن معه، وعدوّا ذلك من شؤم موسى وجماعته.
«فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ» .
والحسنة هنا هى السنة المعاطاة للخير ووفرة الثمر، والسيئة، هى السنة الجديب التي لا يحيا فيها زرع، ولا يجىء ثمر..
والتطير: هو التشاؤم على عادة العرب من زجر الطير، فكانوا إذا أطلقوا طائرا، فطار إلى اليمين.. تيامنوا به، واستبشروا، وسمّوه «سانحا» فإذا طار إلى اليسار تشاءموا به وسمّوه «بارحا» .
وقوله تعالى: «أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ» إشارة إلى أن ما ينزل بهم من خير أو سر، وما يحل بهم من بلاء أو عافية، هو من عند الله، وأن ليس
следующие страницы →