فى الحياة، أثرا من آثار الجنون الذي يرمونه به..؟ «إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» بعثه الله بالحق بشيرا ونذيرا..
ولو أنهم فاءوا إلى عقولهم، وتصفحوا صحف هذا الوجود، لرأوا أن ما يدعوهم إليه «محمد» من الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة الأوثان، هو الذي يلتقى مع العقول السليمة، ويتجاوب مع معطياتها التي تقع لها من النظر فى ملكوت السموات والأرض.
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» أىّ شىء، ولو كان نواة، أو ورقة أو شجرة.. ففى كل ذرة من ذرات هذا الوجود، كون عظيم، يشهد لقدرة الخالق، وعلمه وحكمته.
«وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ» هو معطوف على قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَنْظُرُوا» والمعنى، أو لم ينظر فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، فيروا وجه الحق ويبادروا إلى الإيمان بالله قبل فوات الأوان، فما يدريهم أية ساعة تنقضى فيها آجالهم؟ ومن يدرى فلعل أحدهم لا يبيت ليلته؟ فكيف يلقى الله وهو على تلك الحال المنكرة التي ليس وراءها إلا جهنم وبئس المصير؟
وماذا ينتظر هؤلاء الضالون من مطالع الهدى، وشواهد الإيمان وآياته؟
أحديث أبلغ من حديث الله إليهم، أو بيان أوضح من هذا البيان الذي تحمله آياته وكلماته؟ «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟»
الآيات: (١٨٦- ١٨٨) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٦ الى ١٨٨]
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
стр. 1682
التفسير: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ» ..
فمن يهدى من أضلّ الله وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟.
تلك مشيئة نافذة لله، لا معقّب عليها، وقضاء مبرم لا مردّ له.
«وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» أي يخلى بينهم وبين أنفسهم، يتخبطون فى ظلمات الشرك والضلال..
والعمه: التحيّر، والضرب فى الأرض على غير هدى.
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها» ؟ أي يسألونك عن الساعة..
متى تجىء؟ والتعبير عن مجيئها بمرساها، إشارة إلى أنها غائب ينتظر مجيئه، حيث لا يدرى أحد متى تطلع، وتبلغ الغاية التي تصل إليها، وتلقى مراسيها عندها.
ومن سفاهة السائلين أن يسألوا عن الساعة، ولم يعملوا لها، ولم يستعدوا للقائها.. فما سؤالهم عنها- والأمر كذلك- إلا من قبيل الجدل السفيه! ما عندهم للساعة حتى يسألوا عن ميقاتها، ويستعجلوا يومها؟
стр. 1683
«قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ» .. إن أمرها عند الله، لا يكشفها، ولا يظهرها لوقتها الذي تظهر فيه، إلا ربّ العالمين..
فهى عند الله، سبحانه، فى مستودعات الغيب الذي لا يملك مفاتحه إلا هو وحده.
«ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» أي عظم وقعها على السموات والأرض.
أي أنها يوم تجىء تثقل على السموات والأرض، فكيف تحتملون أنتم مجيئها يوم تجىء؟ فلم تستعجلونها يومها؟ ولم تلحّون فى البحث عن ميقاتها؟
وثقل الساعة على السموات والأرض يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ» وقوله سبحانه: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» .
ففى هذا اليوم تتغيّر معالم الوجود السماوي والأرضى، لما يقع فيه من أهوال، فكيف يستعجلون هذا الهول، وينادون به أن يطلع عليهم؟ ..
ألا ما أشد جهلهم وغباءهم.. أما المؤمنون، فإنهم- مع إيمانهم بالله واستعدادهم للقائه- مشفقون من لقاء هذا اليوم العظيم، كما يقول :
«يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ» (١٨: الشورى) .
«لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» .
البغتة: الفجاءة، أي على غفلة.. أي أن الساعة لا تجىء على حسب موعد معلوم للناس، وإنما تقع فجأة وعلى حين غفلة.. إنها هؤل عظيم، يطلع على غير انتظار من هؤلاء المشركين، الذين يسألون عنها سؤال تهكم واستخفاف.. وفى هذا ما يضاعف بلاءها عليهم.
стр. 1684
«يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها» .
كأنك حفى عنها: أي كثير الطلب لها، والسؤال عن وقتها.
وهذا يعنى أن النبي ﷺ لم يكن من شأنه أن يتطلع إلى معرفة وقتها المعلوم، وإن كان من دأبه أبدا ذكرها، والإعداد لها.. وفى هذا إنكار على هؤلاء الذين يسألون عن الساعة، ومتى يجىء يومها.. وكان الأولى لهم أن يعملوا لهذا اليوم، ويستعدوا للقاء الله فيه..
«قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» وهذا توكيد لما تقرر من قبل بأن علم الساعة مما استأثر الله به وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، ولا يرضون بالتسليم بها، بل يسألون ويلحفون فى السؤال عنها، ولو أنهم عقلوا ما سألوا.
وفى التعبير هنا بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» على حين كان النظم القرآنى فى هذه الآية نفسها: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» .. مراعاة لاختلاف المقامين.. حيث كان التعبير بلفظ: «عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» ردّا مباشرا على سؤال السائلين للنبيّ عن ميقات الساعة، وحيث كانوا يحسبون أن ذلك مما يعلمه النبىّ، فجاء الرد عليهم بإضافة العلم إلى ربّ محمد، لا إلى محمد.
أما الرد عليهم بقوله تعالى: «عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» فذلك بعد أن جاءهم العلم بأن علم الساعة ليس مما يطلع عليه «محمد» بل هو مما استأثر به ربّ محمد، وإذن فليعلموا بعد هذا أن الله ربّ العالمين، هو ربّ محمد، وربّ كل مخلوق..
«قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» .
стр. 1685
ومن الجهل الذي يستولى على العقول، فيضلّها عن سواء السبيل، أن يرى بعض الناس أن النبىّ إذ كان على صلة بالسّماء، قادر على أن يشارك الله فى سلطانه، وأن يكون بيده ما بيد الله أو بعض ما فى يد الله من قدرة وعلم وسلطان..
ولهذا كان من مقترحات مشركى قريش على النبيّ، أنهم لن يؤمنوا له حتى يأتيهم بما اقترحوا عليه، مما ذكره الله على لسانهم فى قوله:
«وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» (٩٠- ٩٣: الإسراء) .
ومن واردات هذا الجهل ذلك السؤال الذي يلحّ به السائلون على النبيّ عن يوم القيامة، ظنّا منهم أن النبىّ غير بشر، وأنه يملك من قوى الغيب ما يجعله عالما بكل شىء، قادرا على كل شىء..
ولو كان النبىّ ممن يعمل لحسابه وممن يطلب المجد والسلطان لنفسه فى الناس- لحمد لهؤلاء الظانين به هذه الظنون رأيهم فيه، ونظرتهم إليه، بل لعمل على الترويج لهذه الظنون، وإذاعتها فى الناس، ليكبر فى أعينهم، ويعظم مقامه فيهم..
ولكنّ النبىّ لا يعمل إلا للحق، ولا يتعامل مع الناس إلا بالحق، ولهذا جاء قوله تعالى: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» ليؤذّن به النبي فى الناس، وليريهم أنه بشر مثلهم، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فالنفع والضرّ بيد الله وحده.
стр. 1686
وهذا لا يكون إلا من إنسان قام أمره على الصدق كلّه، فلا يقول إلا ما يوحى إليه من ربّه، ولو كان ذلك مما يشقّ عليه، ويزيد فيما بينه وبين قومه من شقاق.
وفى عطف الضر على النفع إشارة إلى أن النبىّ لا يملك لنفسه أي شىء، ولو كان من السّلبيات.. بمعنى أنه لو صح منه العزم على أن يضرّ نفسه ما استطاع أن يصل إلى شىء من ذلك، إلا ما شاء الله له..
وهذا أبلغ فى وصف الإنسان- ولو كان نبيّا- بالعجز، وقصور يده عن أن يبلغ أي شىء إلا ما قدر الله له، ولو كان ذلك الشيء مما يحسب الإنسان أنه ملك خاص له، لا ينازعه فيه أحد، مما لا تنزع إليه النفوس ولا ترغب فيه، كطلب ما يضرّ من الأمور، وهو شيء مقدور عليه بأيسر جهد، بل بلا جهد أصلا.. وحسب من يريد إتلاف نفسه أو إلحاق ضرر بها ألا يتحرك أية حركة، فيجد الشرّ يهجم عليه من كل جهة!! «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» .
وهذا مثل واضح، شاهد لا يدفع، على أن النبىّ لا يعلم الغيب، إذ لو كان عنده من علم الغيب شيء لعرف عواقب الأمور قبل أن تجىء، ولما اتجه إلى أمر تسوء عاقبته، ولكان كل متجهه دائما إلى ما تحمد عاقبته، وتعظم ثمرته.
فمثلا، لو كان يعلم النبىّ من أمر الغيب شيئا لما عرض نفسه على ثقيف قبل الهجرة، ولما تعرض لهذه المواجهة المنكرة التي واجهوه بها، ولجنّب نفسه هذا الأذى الذي أصابه فى جسده وفى مشاعره جميعا! ولو كان يعلم الغيب لما أذن المنافقين الذين جاءوا إليه بأعذار كاذبة للتخلف عن غزوة تبوك.
«إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. فتلك هى مهمة الرسول، أن يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه، منذرا ومبشرا.
стр. 1687
وفى قوله تعالى: «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» إشارة إلى أن رسالة الرسول إنما تؤثّر أثرها، وتعطى ثمرتها لمن كان على استعداد للتعامل معها والإيمان بها، والانتفاع بالخير الذي تحمله بين يديها.. فكأنّ الرسول- والأمر كذلك- رسول إلى هذا الصنف من الناس، الذين يسمعون، فيعقلون، فيؤمنون.. أما من سواهم من أهل السفاهة والضلال، فليس هو منهم فى شىء، إذ كانت بضاعته كاسدة عندهم، لا يأخذون منها شيئا.. كالأعمى.. ضوء الشمس عنده كظلمة الليل..
فآية الشمس عنده آية غير عاملة..!
الآيات: (١٨٩- ١٩٨) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٨]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
стр. 1688
التفسير: هنا قضية، تعرضها تلك الآيات، وتقيم الحجة لها وتدحض مفتريات المفترين عليها، وتخرس ألسنة المتمارين فيها..
وهذه القضية، هى قضية الألوهية، وتفرّد الله بها، أمّا ما سواه، فهو من باطل المبطلين، ومفتريات المفترين.
فالله- هو الخالق المصور لكلّ مخلوق فى السموات أو فى الأرض.. والإنسان هو من بعض ما خلق الله.. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها» ..
فلينظر الإنسان مم خلق؟ ولينظر كيف كان خلقه، وعلى أية صورة صوّر؟
فهذا العالم البشرى كله، مخلوق من نفس واحدة! والمراد بالنفس الواحدة، الجرثومة أو السلالة التي تكاثر منها هذا النسل، وتوالد، كما تتكاثر وتتوالد حبّات السنبلة من حبّة واحدة، ثم تكون من تلك الحبّات سنابل، ومن تلك السنابلة حبات، ومن الحبات سنابل..
وهكذا..
وفى قوله تعالى: «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» إشارة إلى أنّ التزاوج الذي تمّ بين الجرثومة الأولى وأنثاها كان عن توافق بينهما، وتجانس فى الصفات، حتى يكون ذلك داعية إلى اجتماعهما وتآلفهما: «وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها» أي ليجتمع إليها، وليطمئن لها، ويستقر معها..
وقد أشرنا من قبل فى قصة آدم وخلقه «١» أن حواء التي قيل إنها خلقت
стр. 1689
من ضلعه، ولم تكن إلّا مرحلة من مراحل التطور فى خلق آدم، وأن عملية التكاثر فى تلك المرحلة كانت بانقسام الكائن الحىّ على نفسه، كما هو الشأن فى بعض المخلوقات الدنيا من الديدان.
«فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ» .
أي فلما اتصل بها زوجها، اتصال الرجل بالمرأة علقت منه بالجنين الذي ولدته بعد أن تم حمله فى بطنها..
وفى التعبير عن اتصال الرجل بالمرأة بقوله تعالى: «فَلَمَّا تَغَشَّاها» أدب من أدب القرآن، وإشارة لطيفة إلى ما يكون بين الزوجين، إذ يغشى الرجل المرأة، أي يكون لها غشاء ساترا، رقيقا، أشبه بالثوب يلبسه الإنسان، أو أشبه بالليل إذ يغشى النهار، ويدخل عليه، فيستر ما فيه من كائنات، ويحجب الأعين عنها.
وفى قوله تعالى: حملت «حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ» إشارة إلى أول مراحل الحمل، وأنه يمرّ خفيفا لا نكاد تشعر به.
«فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» أي أنه كلما مرّ الزمن بالجنين فى بطن أمه، نما وكبر، وصار ذا أثر واضح فى حياتها، يتغير به تركيبها الجسدى، فتكبر بطنها، ويثقل خطوها، وهنا يذكر كل من المرأة والرجل أن لهما ولدا محجبا فى ستر الغيب، ستتمخض عنه الأيام، فيضرعان إلى الله أن يكون هذا الولد نبتة صالحة لهما فى هذه الحياة، يجدان فيه قرة العين، وثلج الفؤاد.. وقد قطعا على أنفسهما عهدا أن يحمدا الله ويشكرا له على تلك النعمة.
«فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
стр. 1690
وفى هذا إشارة إلى ما يقع بين المشركين بالله، الذين لا يقدرون الله حق قدره، فيضيفون أولادهم إلى غير الله، ويستمدون لهم أمداد الصحة، والسلامة من غير الله، بما يقدمون من قرابين وصلوات إلى من يتمسحون بهم من أصنام وأشباه أصنام! «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي تنزه الله وعلا وتمجد عن أن يكون له شركاء، يعملون معه، ويشاركون فى تدبير ملكه.
«أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» ؟.
فى هذا إنكار على المشركين أن يسوّوا بين الله وبين هذه المخلوقات، أو المصنوعات، ويتخذونها أربابا لهم.
وكيف تسوغ لهم عقولهم أن يشركوا مع الله مخلوقا يخلق ولا يخلق؟
وكيف يرجون نصرا ممن لا يملك أن يدفع عن نفسه ضرّا، أو يجلب لها خيرا؟
ذلك هو الضلال البعيد! وكيف يتعبدون لمن لا يهتدى بنفسه إلى الهدى، ولا يستمع لداع يدعوه إليه.. وسواء إذا دعى إلى الهدى أم لم يدع، فإنه حجر صلد لا يسمع، ولا يجيب: «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ» ؟.
وفى قوله تعالى: «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ» تشنيع على هؤلاء المشركين، وتسفيه لعقولهم، إذ يجعلون ولاءهم لهذه الدّمى، التي إذا دعاها عابدوها إلى الهدى لا تتبعهم.. وهذا يعنى أن تلك الآلهة قائمة على ضلال، وأنها إذا دعيت إلى الهدى لا تستجيب، لأنها لا تستطيع أن تتحول عن وضعها الذي هى فيه، إلا إذا امتدت إليها يدمن يحولها عن مكانها.
стр. 1691
وانظر إلى آلهة ضالة يتعبد لها قوم ضالون، ثم يراد لهؤلاء الضالين أن يكونوا دعاة هدى لآلهتهم التي يعبدون؟.
إنها أوضاع مقلوبة.. يصبح فيها العابدون قادة وهداة للعابدين.. فبئس العابد والمعبود!.
«إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
فهؤلاء الذين يعبدهم المشركون من دون الله- جمادا كانوا أم شياطين أم ملائكة- هم خلق مثلهم، مخلوقون لله، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يكون منهم لغيرهم نفع أو ضرّ؟.
وها هو ذا الواقع يكشف عن هذه الحقيقة ويقررها.. فليدع المشركون آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ثم لينظروا ماذا يبلغ هذا الدعاء منهم؟
هل يسمعون؟ وإذا سمعوا.. هل يعقلون؟ وإذا عقلوا.. هل يقدرون على تحقيق المطلوب منهم؟ وكيف وهم لا يستطيعون لأنفسهم جلب خير، أو دفع ضر؟.
وفى قوله تعالى: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» هو تسفيه لعقول هؤلاء المشركين، الذين ركبهم الضلال، واستولى عليهم العمى، فاتخذوا هذه الدّمى آلهة لهم من دون الله.. إنهم يفترون الكذب، على أنفسهم، وعلى الله..
فهم المتهمون بهذا الضلال لا آلهتهم التي عبدوها.. ولهذا جاء قوله تعالى:
«إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» مخاطبا المشركين ولم يجىء مخاطبا آلهتهم التي أشركوا بها.. ولو كان ذلك لجاء النظم القرآنى.. هكذا: «إن كانوا صادقين» .
«أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟.
стр. 1692
ومن عجب أن هذه الآلهة المعبودة من دون الله، أهون الكائنات شأنا، وأقلها غناء، وأضعفها أثرا..
إنها جماد صامت، ليس فيها حياة، ولا تملك فى وجودها جارحة تعمل، كما تعمل جوارح الكائنات الحية.. فليس لهم أيد يدفعون بها الأذى، ولا أرجل ينتقلون بها من حرور إلى ظل، أو من ظل إلى حرور.. وليس لهم أعين يرون بها ما يرى الكائن الحىّ من الوجود الذي يعيش فيه، ولا آذان يسمعون بها من يدعوهم، أو يلقى إليهم ثناء أو سبابا! فكيف يلقى الإنسان بوجوده بين يدى هذه الجمادات؟ وكيف يعطيها ولاءه وطاعته، وخضوعه؟ أليس ذلك غاية ما يمكن من بلادة الطبع، وسخافة العقل وصغار النفس؟
وقد يجد الإنسان فى مجال الوهم والجهل ما يبرر به عبوديته لكائن أقوى منه وأكثر قوة وسلطانا، ولكن عبوديته لجماد صامت، لا يتسع له عذر أبدا، فى أي باب من أبواب الوهم والجهل!.
وقوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» هو تحد من الرسول صلوات الله وسلامه عليه- لهذه الآلهة، وما يدّعى لها عابدوها من آثار عاملة فى الحياة.. فليدع هؤلاء المشركون آلهتهم تلك، وليوجهوها إلى النبىّ- ﷺ لترمى بكل كيدها إليه، ولتدفع بكل ما لديها من ألوان الضرّ نحوه، وذلك فى غير انتظار، أو مهل..
ولسوف تكشف هذه التجربة عما يخزى هؤلاء المشركين ويفضح آلهتهم التي يعبدون.
«إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» .
فإذا كان هؤلاء المشركون لا يزالون مصرين على ولائهم لهذه الأحجار وتلك الدمى، بعد أن افتضح أمرها، وظهر عجزها- فإن رسول الله يجعل
стр. 1693
ولاءه كله لله الذي نزل عليه هذا الكتاب الكريم الذي بين يديه، والله يتولى من يتولاه، وينصر من يستنصر به ويلوذ بحماه، «وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» أي ينصرهم ويوفقهم للهدى، ويقويهم على مقاومة الشيطان ودفع كيده!.
«وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» .
فهذه هى آلهتكم التي تدعون من دون الله، لا يستطيعون لكم نصرا، لأنهم أعجز من أن ينصروا أنفسهم، فكيف يكون منهم نصر لغيرهم؟
وشتان بين من يدعو الله، ويطلب نصره وعونه، وبين من يدعو هذه الأحجار وتلك الدمىّ.
«وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا» .
فهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تعقل شيئا، ولا تفرق بين خير وشر فإذا دعاها داع إلى ما فيه خير لم تسمع، ولم تعقل، ولم تعرف ما هو هذا الخير الذي تدعى إليه..
إنها صورة مطابقة لهؤلاء الذين يعبدونهم، فكما لا تعقل هذه المعبودات خيرا، كذلك هؤلاء الذين يعبدونها، لا يعقلون شيئا، فإن دعوا إلى الهدى لا يسمعوه، ولا يستجيبون له، فهم والأصنام سواء بسواء..
«وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» .
قد يكون المشار إليهم بضمير الجمع هنا هم أولئك المشركون، أو تلك الأصنام التي يعبدونها، أو هم هؤلاء وأولئك جميعا.. فالمشركون وما يشركون بهم سواء فى أنهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون..
стр. 1694
أما الأصنام فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا أبدا.. إذ كانت جمادا لا حياة فيه، ولا شعور له.
وأما المشركون، وإن كانت لهم آذان تسمع، وعيون تبصر، وعقول تعقل، فإنهم لا يسمعون إلا أصواتا، ولا يبصرون إلا صورا، ولا يعقلون إلا أوهاما، ومن هنا كانت حواسهم تلك، معطلة، أو شبه معطلة، لا يفيد أصحابها منها شيئا.
الآيات: (١٩٩- ٢٠٦) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٩ الى ٢٠٦]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
التفسير: بهذه الآيات تختم سورة الأعراف، كما بدأت، فتلتقى بالنبيّ الكريم لقاء مباشرا، بعد أن كان مفتتحها ذلك الخطاب الموجه إلى النبىّ بأن يلقى قومه، ويواجههم بآيات ربّه، وبالكتاب الذي نزّله عليه، وإن كان فى ذلك
стр. 1695
القطيعة بينه وبين أهله، إذ لا مهادنة فى الحقّ، ولا حساب لصلات القرابة والصداقة فيه.. «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» .. هكذا بدأت السورة.. وبهذا تختتم..
وفيما بين هذين اللقاءين، فى مفتتح السورة ومختتمها، عرضت السورة الإنسان فى معارض الحياة كلها.. كيف خلق الإنسان، وكيف كان تحدّى الشيطان فيه لله، واعتراضه على هذا التكريم الذي كرّم الله الإنسان به، ثم كيف كان عصيان آدم لربّه، وخروجه عن طاعته، ثم ما كان من آدم من ندم وتوبة، وكيف عاد الله بفضله عليه، وقبل توبته، ثم حذّره من الشيطان، وتربصه به، لإغوائه هو وذريته، ودفعهما إلى عصيان الله، والخروج عن طاعته.. ثم جاءت الآيات بعد ذلك لتعرض على أنظار أبناء آدم مشاهد القيامة، وما يلقى الطائعون من نعيم، وما يؤخذ به العاصون من نكال وعذاب، وكيف يستجدى أهل النار أصحاب الجنة، ويمدّون إليهم أيديهم فى لهفة وذلة أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله.. ثم تجىء الآيات بعد هذا فتعرض صورا من مواقف الإنسان مع دعوات الهدى التي يحملها رسل الله إليه، فيلقاها معرضا مستكبرا، ثم كيف كان أخذ الله للظالمين الضالين، الذين عصوا رسل الله وأعنتوهم، ومدّوا ألسنتهم وأيديهم إليهم بالضر والأذى.. ثم تجىء الآيات بعد فضح هذا الشرك الذي هم فيه، وتريهم رأى العين ما عليه آلهتهم التي يعبدونها من ضعف ظاهر، لا تملك معه، أن تتحول من حال إلى حال، ولا أن تنجو بنفسها من أي أذى ترمى به.. وفى هذا العرض ينكشف ضلال المشركين وسفاهة أحلامهم، إذ يعطون وجودهم وولاءهم لهذه الدّمى الصماء..
بعد هذا كله، تجىء خاتمة السورة داعية النبىّ إلى النهج الذي يأخذه فى دعوته إلى الله، بعد أن كان متجه الدعوة إليه فى مفتتح السورة أن ينهض
стр. 1696
للدعوة، وليلقى الناس بما أنزل إليه من ربّه- فجاءت الخاتمة هنا لترسم له الطريق الذي يلتزمه فى دعوته..
وهذا الفاصل الممتدّ بين مفتتح السورة وخاتمتها، والذي كان بطبيعة الحال فاصلا بين مادّة الدعوة، وبين المنهج الذي تقوم عليه- هذا الفاصل لم يكن جملة اعتراضية بين مادة الدعوة ومنهجها، وإنما هو- فى الواقع- منهج تطبيقى للدعوة، رأى فيه النبىّ، كما رأى فيه قوم النبىّ، صورا متعددة من الصدام بين الحق والباطل، وكيف كانت مصارع المبطلين، وعاقبة الظالمين. وهذا مما يعين النبىّ على الأخذ بهذا المنهج الذي رسمه الله للدعوة التي أقامه عليها.
وقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» .
هو المنهج الذي يسلكه النبىّ مع الناس فى أداء رسالته إليهم، من تبعه منهم ومن عصاه على السواء، وهذا المنهج ذو أصول ثلاثة، يقوم عليها:
أولها: المياسرة والرفق، فى أخذ المؤمنين، بأحكام الشريعة، فلا إعنات، ولا إرهاق فى شريعة الله، التي جاءت رحمة لعباده، واستنقاذا لهم من الهلاك.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ» أي تقبل من الناس ما تسمح به أنفسهم، ويتسع له جهدهم، مما لا يشق عليهم من أمر أو نهى..
وهذا من شأنه أن يوثق العلاقة بين المؤمنين وبين دين الله الذي دخلوا فيه، حيث يجدون منه وجها سمحا مشرقا، يلقاهم بالصفح الجميل إذا هم أذنبوا، ويفتح لهم باب الرضا والقبول، إذا هم شردوا وضلوا، ثم تابوا، وأنابوا إلى الله من قريب..
وهكذا جاءت شريعة الإسلام، رفيقة بالناس، رحيمة بهم.. ليس فيها ما يعنتهم، أو ينكّل بهم، لأنها لم تجىء إليهم نكالا وانتقاما، وإنما جاءت
стр. 1697
إليهم رحمة وإحسانا.. وفى هذا يقول الله تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (١: إبراهيم) ويقول سبحانه: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (١٠٧: الأنبياء) ويقول جلّ شأنه: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (٢: الجمعة) .. فالرسالة التي بين يدى رسول الله، هى رسالة خير ورحمة، فلا يكون منها للناس جميعا إلا الخير والرحمة، حتى لأولئك المشركين الذين تصدوا للرسالة وأعنتوا صاحبها، حيث لم يأخذهم الله بما أخذ به الأمم السابقة الذين تحدّوا رسل الله، وكفروا بهم، وبما يدعونهم إليه.
وثانيهما: ألا يخرج بالناس عن مألوف الحياة، وطبيعة البشر، وهذا يعنى أن أحكام الشريعة ليست غريبة على الناس، وإنما هى من صميم البناء السليم للحياة الإنسانية، وأنه لو ترك الناس وما تدعوهم إليه فطرتهم السليمة لكان ما تعارفوا عليه، وأخذوا أنفسهم به، هو والشريعة على سواء..
فالشريعة السماوية- فى حقيقتها- ليست شيئا زائدا على الحياة الإنسانية السليمة، وإنما هى تنظيم لها، وضبط لحدودها، وجمع لأصولها التي عرفها الناس فى الحياة.. عن تجربة، وممارسة واختبار..
إن الناس بفطرتهم، يعرفون ما يضرّهم وما ينفعهم، ويفرقون بين ما هو شر وما هو خير.. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: «الحلال بيّن والحرام بيّن» .. ولكن ليس كل من عرف الشرّ توقّاه، وحرس نفسه منه، وليس كل من عرف الخير أقبل عليه، وأخذ نفسه به، إذ ما أكثر تلك الأهواء التي تتحكم فى الناس، وتغلبهم على ما يدعوهم إليه العقل، وتناديهم به الحكمة.
стр. 1698
ولقد جاءت الشرائع- كما جاءت القوانين الوضعية- لترسم للناس الحدود، وتوضح المعالم، بين الخير والشر، والحق والباطل، ولترصد العقاب الرادع لمن استخفّ بهذه الحدود وعبث بتلك المعالم.
فقوله تعالى: «وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» هو كشف عن وجه من وجوه تلك الشريعة السمحاء، وأنها شريعة إنسانية فى صميمها، تحترم الوجود الإنسانى، وتلتقى بالناس وتتعاطف معهم، فيكون حسابهم عندها قائما على طبيعتهم، وما ركّب فيهم من غرائز، وما استقرّ فيهم من عواطف ومشاعر.
فالمعروف، هو ما تتعرف إليه النفوس الطيبة، وتتفتح له الفطر، السليمة، فيقع منها موقع الرضا والقبول، ويصبح من المعروف لها، والمألوف عندها..
وفرق كبير بين ما يتعارف عليه الناس من أهواء، وبدع، ومنكرات، وبين ما يتعارفون عليه من حق، وبر، وخير..
فما كان من واردات الأهواء والبدع والضلال، فإنه وإن فشا فى الناس، وغلب على عامّتهم، هو قلق فى مكانه، غريب فى موضعه، حتى عند أهله المتعاملين به، والمتعاطفين معه.. ذلك أن من يركب الشرّ يعلم أنه على غير الطريق السوىّ، وأنه قائم على منكر، يتطلع إلى اليوم الذي يقهر فيه أهواء نفسه، ودواعى نزواته، ليأخذ طريقه مع الحق والخير، والإحسان..
ومن هنا، كان «الإجماع» فى الشريعة الإسلامية أصلا من أصول الشريعة، ومادة من مواد التشريع لهذه الأمة التي اصطفاها الله سبحانه، لتكون محمل الرسالة الخاتمة لرسالات السماء، إذ كانت كما أرادها الله، «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .. وهذا ما يشير إليه قول الرسول الكريم:
«لا تجتمع أمتى على ضلالة» .
стр. 1699
وليس الإجماع فى صميمه إلا ما رضيه أهل الحلّ والعقد من عقلاء الأمة، وأهل الرأى والنظر فيها، وذلك فيما جدّ من أمور لم يكن للشريعة رأى فيه.
وهذا من الإسلام، اعتراف بالجماعة الإنسانية، وبحقّها فى المشاركة فى وضع دستور حياتها، الذي رسمت لها الشريعة حدوده..
وفرق كبير بين اعتراف الشريعة الإسلامية بالإجماع، وبين ما تعترف به الديانات الأخرى من سيادة الرئيس الديني لها وحقه فى التشريع.. حيث يقوم الإجماع فى الشريعة الإسلامية على الشورى، التي تعطى كل إنسان حقّه فى إبداء رأيه، وفى قبول ما يقبل، ورفض ما يرفض، على حين تقوم سيادة الرئيس الديني على الاستبداد بالرأى وحده، دون أن يكون لأحد معه حق المراجعة أو المعارضة!! وثالثهما: قوله تعالى: «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» .
وهو من تمام هذا الأدب الربّاني، الذي أدّب الله سبحانه به نبيه ﷺ ، وجعله ملاك أمره فى سياسة الناس، وفى وصل المجتمع الإنسانىّ برسالة الإسلام..
فالإعراض عن السفهاء والجاهلين، تأديب حكيم لهم، وقطع لحبال الملاحاة واللّجاج معهم، وفلّ لأسلحتهم التي لا تحسن العمل إلا فى ميدان السفاهة والجهل.. إذ أنه ليس أرضى لنفوس السفهاء، ولا أهنأ لقلوبهم من أن يجدوا من يمدّ لهم فى حبال السفاهة والجهل، حين يلقى سفاهتهم بسفاهة وجهلهم بجهل.. إنها حينئذ فرصتهم التي تظهر فيها ملكاتهم، وتشحذ بها أسلحتهم، فى هذا الميدان، الذي يصولون فيه ويجولون.
ثم إن فى إعراض النبىّ عن السفهاء والجاهلين- فوق أنه حماية له، وحراسة لمقامه الكريم من أن يصيبه رذاذ من هذا الشر المتطاير- إطلاقا للنبى بكل قوته للعمل فى آفاق أكرم وأولى بهذا الخير الذي فى يديه، حيث
стр. 1700
يكون لقاؤه كاملا مع أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..
ولهذا عاتب الله- سبحانه- نبيّه الكريم، هذا العتاب الرقيق الجميل، حين أعطى وجهه لهؤلاء الجاهلين المتطاولين من رءوس القوم، طمعا فى هداهم، على حين صرف وجهه عن ابن أم مكتوم- الأعمى- وقد جاء يسأل النبي، ويستزيد من العلم بأحكام دينه، فقال تعالى معاتبا النبىّ هذا العتاب الموصول باللطف والرحمة والإحسان: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا.. إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ.» .
قوله تعالى: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» النزغ: أدنى المسّ، والإلمام بالشيء دون الوصول إلى صميمه..
والمراد بالنزغ الذي يكون من الشيطان للنبىّ، هو أن يدخل على النبىّ فى صفائه وإشراقه، بشىء من ضبابه ودخانه، وهنا يتنبه النبىّ لما وقع فى سمائه الصافية المشرقة، فيعلم أن ذلك من كيد الشيطان، فيستعيذ بالله منه، وإذا الله معيذ له، صارف عنه كيد الشيطان: «إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» .
قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» .
والمؤمنون هم الذين أخذوا بهذه السبيل التي أخذها النبىّ عند لمّة الشيطان به..
فهم «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ» وكاد يستولى على حالهم التي هم فيها مع الله، تذكّروا العداوة التي بينهم وبين هذا الشيطان، وذكروا ما بينهم وبين الله، وعندئذ تنجلى هذه الغمّة عنهم، وينصرف هذا السحاب المتراكم الذي
стр. 1701
لفّهم الشيطان به، وإذا نور الهدى يطل عليهم من بين هذا السحاب، وإذا حرارة الإيمان تتحرك فى صدورهم، فتبدّد غواشى هذه السحب، وإذا سماؤهم مشرقة بنور الله.. وإذا هم مبصرون طريقهم إلى الحق والخير..
وفى التعبير بالنزغ فى مقام النبىّ، وبالمسّ وبالطائف فى جانب المتقين، إشارة إلى أن ما يكيد به الشيطان للنبىّ هو شىء عارض، لا يكاد يجاوز اللحظة العابرة، واللمسة المذعورة.. أما ما يكيد به الشيطان للمؤمنين فهو مس يكاد يحتويهم، ويطوف بهم، ويشتمل عليهم.. وذلك لأن النبي الكريم فى مقامه العالي، من التقوى، ومن اليقظة، هو فى حصن حصين، بحيث لا يكاد يجد الشيطان منفذا، وإن وجده فهو أضيق من سمّ الخياط.. وهكذا المؤمنون وما فى قلوبهم من تقوى، فكلما كان رصيد المؤمن من التقوى عظيما، كلما أثر الشيطان فيه ضعيفا، لأن التقوى هى الحصن الذي يحتمى فيه المؤمن من أن يطوف الشيطان به، وكلما كان هذا الحصن متين الأركان، متماسك البنيان كلما ضاقت منافذ الشيطان وسدّت دون كيده الأبواب! قوله تعالى: «وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ» .
فهم أكثر المفسرين هذه الآية على أن الإخوان هنا هم إخوان الشياطين، من المشركين وأهل الضلال، وأن الشياطين يمدونهم بالغيّ والضلال، فلا يقصرون، ولا يرجعون عن غيهم وضلالهم، بل يزدادون ضلالا إلى ضلال، وغيا إلى غىّ.
والفهم الذي أطمئن إليه فى هذه الآية، هو أن المراد بإخوانهم، هم إخوان المؤمنين، من المنحرفين، وأصحاب الأهواء والبدع، ومن المشركين والضالين..
وأن هؤلاء جميعا هم شياطين مسلطون على المؤمنين، يحاولون جاهدين أن يمدوهم بالغي والضلال، والمؤمنون- مع هذا- فى إعراض عنهم، ولكنهم- مع
стр. 1702
هذا- دائبون على هذا الكيد للمؤمنين.. لا يقصرون، ولا ينتهون..
وتسمية هؤلاء الغواة من المشركين والضالين إخوانا للمؤمنين، هو لما بينهم من صلات القرابة والنسب..
ومن جهة أخرى فإن هؤلاء المشركين الضالين، كان من شأنهم- لو عقلوا- أن يكونوا إخوانا لهؤلاء المؤمنين، أخوّة إيمان وتقوى، بعد أن كانوا إخوانا لهم، نسبا وقرابة، ولكن فرّق بينهم هذا الضلال الذي هم فيه..
وقوله تعالى: «وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
هو عطف على قوله تعالى: «وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ» ..
أي أن هؤلاء المشركين إذا لم تأتهم بآية مما يقترحون عليك من آيات، قالوا لك: هلا اجتبيتها، أي اخترتها أنت بنفسك من بين تلك الآيات التي كانت تتنزل على الرسل السابقين، كناقة صالح، وعصا موسى، ويده، ومعجزات عيسى فى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؟ فهذه الآيات وأمثالها هى التي نطلب إليك أن تأتينا بواحدة منها أو مثلها، ونحن لا نشق عليك بأن نطلب إليك آية بعينها، بل نترك ذلك لك، لتتخير الآية التي تقدر عليها!! وليس ذلك منهم عن صدق وجدّ، وإنما هو استهزاء، وسخرية، وتحدّ وقاح للنبىّ، وإظهاره بمظهر المغلوب على أمره فى تحدبهم له..
وقد أمر الله نبيّه الكريم أن يلقاهم بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ» أي أننى لست إلا رسولا من الله إليكم، أبلغكم ما أرسلت به، وأنه ليس ممّا لى أن آتى لكم بما لم ينزّله علىّ ربّى، ويأذن لى به..
«إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ» .. فلو أنكم أيها المشركون قدرتم الله حقّ قدره
стр. 1703
لما جعلتم إلى عبد من عباد الله- ولو كان رسولا من رسله- أن يكون له شأن مع الله، وأن يأتى بآيات ومعجزات لم يضعها الله سبحانه فى يده، ولم يأذن له بها..
ثم ما لكم- أيها المشركون الضّالون- تطلبون الآيات، وتقترحون منها ما تمليه عليكم أهواؤكم؟ وهذا كتاب الله، وتلك آياته بين أيديكم لو أنها وجدت منكم آذانا صاغية، وقلوبا واعية، لاستغنيتم بها عما تطلبون من آيات ماديّة تلمسونها بأيديكم، فتبهر عقولكم بأفعالها القاهرة المعجزة؟
وفى كل آية من آيات الكتاب الكريم معجزة قاهرة متحدية، تخشع لجلالها القلوب، وتعنو لروعتها الوجوه، ولكن لا ينكشف منها هذا الجلال، ولا تتبيّن منها تلك الروعة إلا لأصحاب البصائر السليمة، التي تتهدّى إلى الحق، وتتّبع آثاره، وتستجيب لدعوته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فالبصائر: جمع بصيرة، والبصيرة بمعنى باصرة، أي أنها عيون مبصرة لمن ينظر بها إلى هذا الوجود، ويتخذها دليله وهاديه فى الحياة.. إنه لن يضلّ معها، ولن يجد فى صحبتها غير الهدى والرحمة.. هذا لمن يؤمنون بها، ويصحبونها على وفاق، لا لمن يمكرون بآيات الله، ويتخذونها لهوا ولعبا.
وقوله تعالى: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» هو إشارة إلى ما ينبغى أن تكون عليه صحبة آيات الله، لمن يبغى الخير منها، ويطلب الهدى عندها.. إنها لا تعطيه من خيرها، ولا تمدّه من أضوائها، إلا إذا أعطاها حقّها من الاحترام والتوقير، فإذا استمع إليها، وهو يتلوها على نفسه، أو يتلوها عليه غيره، وأنصت لها، وأخلى حواسّه وجوارحه وكيانه كلّه من أي شاغل يشغله عنها- عندئذ يؤذن له
стр. 1704
أن يفيد منها، وينتفع من الخير المخبوء فى كيانها، وفى هذا ما يدنيه من ربّه، ويقرّبه من رحمته.
وقوله سبحانه: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» .. هو خطاب للنبىّ الكريم، ينضوى تحته المؤمنون جميعا..
ومطلوب هذا الخطاب، هو ذكر الله، وشغل القلب به، فى صمت وخشوع، وفى ضراعة لكبرياء الله، وخوف ورهب لسطوته وجبروته.
وهذا هو ذكر القلب، حيث تسكن كل جارحة، وحيث يكون الإنسان كله مشاعر خاشعة، تلين بها الجلود، وتفيض منها العيون، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ. مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» (٢٣: الزمر) .
وهناك ذكر باللسان، هو فى درجة بعد هذه الدرجة، ومنزلة دون تلك المنزلة، التي هى من شأن القلب وحده..
وليس الذكر باللسان مجرد أصوات تردّد بكلمات الله وآياته، فإن مثل هذا الذكر لا محصّل له، ولا ثمرة وراءه.. وإنما يكون ذكر اللسان موردا من موارد الخير، وطريقا قاصدا إلى الحق والهدى، حين يستملى من قلب خاشع، ويتلقّى من مشاعر مجتمعة ساكنة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» .. فهو معطوف على قوله تعالى: «فِي نَفْسِكَ» أي اذكر ربّك فى نفسك تضرّعا وخيفة ودون الجهر من القول» ..
بمعنى: واذكر ربّك بلسانك كما ذكرته بقلبك، ولكن بصوت خفيض ضارع تناجى فيه ربّك، فى غير ضوضاء أو جلبة، وفى هذا استجماع للقلب،
стр. 1705
واستحضار لما عرب من سوانحه وخواطره، فكما فى ذكر الله بالقلب دون اللسان إتاحة الفرصة للقلب أن يصغى إلى نداءاته المنبعثة من داخله، كذلك فى ذكر الله باللسان هو إيقاظ للقلب بتلك الكلمات الرقيقة الهامسة التي تربت عليه فى رفق وتناد به فى عطف ولين.
والغدوّ: جمع غدوة، وهى أول النهار، والآصال: جمع أصائل، والأصائل: جمع أصيل، وهو الساعة الأخيرة من النهار.
والمراد بالغدو والآصال، ليس هو قصر ذكر الله فى هذين الوقتين، وإنما المراد هو شغل القلب واللسان بذكر الله، ذكرا دائما متجددا، بحيث يخلى الإنسان نفسه من الشواغل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليكون بينه وبين الله تلك اللقاءات المسعدة، التي يجدّد فيها إيمانه، ويقوّى بها صلته بخالقه.. ولهذا جاءت خاتمة الآية بهذا الأمر الكريم: «وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» .
وأما السر فى اختيار هذين الوقتين، فلأنهما أصلح الأوقات وأنسبها لذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته.
ففى أول النهار يتزود الإنسان بهذا الزاد الطيب، الذي يغذّى به مشاعره وأحاسيسه، ويشحن به عواطفه ونوازعه.. ثم يخرج إلى الحياة، ومعه هذا الرصيد العظيم من أمداد الله، ورحماته، فيواجه الحياة بقلب سليم، وعزم موثق، ولسان عفّ، ويد نقية.. فيكون من هذا كله فى حراسة أمينة يقظة، فلا يزلّ ولا ينحرف!.
فإذا كان آخر النهار، كان له إلى نفسه عودة ومراجعة، فيعرضها على الله، ويصلح ما وقع لها من خلل أثناء رحلتها مع الحياة طوال اليوم.. وبهذا يظل المؤمن المتصل بالله هذا الاتصال- يظل على الصحة والسلامة أبدا، فيقطع العمر،
стр. 1706
معافى فى دينه، سعيدا فى دنياه، طامعا فى رضى الله ورضوانه، يوم يقوم الناس لربّ العالمين..
وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ» .
هو بيان للصورة المثلى لعبادة الله، والتي ينبغى أن ينشدها المؤمن، ويعمل لها، ويستعين الله على بلوغها..
والصورة هنا هى لملائكة الرحمن الذين هم أقرب خلق الله إلى الله..
فهم مع هذا القرب، وفى تلك المنزلة التي هم فيها، لا يفترون عن عبادة الله، بل هم على عبادة دائمة، وذكر متصل، بين تسبيح، وسجود.
وفى قوله تعالى: «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» إشارة إلى أن هذه المنزلة التي لهم عند الله، لم تدخل عليهم بشىء من الكبر والإدلال على الله، حيث لا متطلع لهم إلى منزلة غير تلك المنزلة، بل إن ذلك كان داعية لهم إلى دوام العبادة، ومواصلة التسبيح، حمدا لله على ما هم فيه، وشكرا له على ما أنعم به عليهم، واستدامة لتلك النعمة.
وإذا كان هذا هو شأن هؤلاء العباد المكرمين، فأولى بمن هم دونهم درجة، أو درجات أن يجتهدوا فى العبادة، وأن يسعوا السعى الحثيث إلى الله، بالذكر والتسبيح، حيث لا يزال أمامهم مدى فسيح يسعون فيه إلى الله، لينالوا عنده درجات فوق درجات..
هذا، ويصح أن يكون المراد بالذين عند ربك، هم الذين اصطفاهم واختارهم من بين الناس، وهم المؤمنون الذين عرفوا الله حق معرفته، فأخلصوا له دينهم،
стр. 1707
وأسلموا له وجودهم، فعبدوه فى ولاء وخشوع، لا يسبحون غيره ولا يسجدون سواه..
ومعنى أنهم عند الله، أي من أهل ودّه، ورضاه.. كما يقول سبحانه:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا..» .
وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه- مخالفين فى ذلك ما أجمع عليه المفسرون- هو المناسب لسياق النظم القرآنى، حيث كانت الآية السابقة على هذه الآية دعوة إلى ذكر الله، على تلك الصورة التي تؤهل الذاكر لأن يكون من أهل الله، ومن عباده المكرمين.. وهى قوله تعالى:
«وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» .. فهذا الذكر هو الذي يقرب الإنسان من ربه، ويرفعه إلى هذا المقام الكريم، وإنه لن يرتفع إلى هذا المقام إلا من ذكر الله هذا الذكر، فلا يستكبر عن عبادة الله، ولا يولّى وجهه إلى غيره فى تسبيح أو سجود..
ثم إن هذا المعنى يناسب مطلع السورة التي جاءت تالية لسورة الأعراف وقد جاء فى هذا المطلع قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» . (٢- ٤: الأنفال)
стр. 1708
٨- سورة الأنفال
نزولها: نزلت بالمدينة فى أعقاب غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة، وتسمى سورة «بدر» .
عدد آياتها: سبع وسبعون آية.
عدد كلماتها: ألف ومائة وخمس وتسعون كلمة.
عدد حروفها: خمسة آلاف ومئتان وثمانون حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٤) [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
التفسير: كانت غزوة بدر أول موقف وقفه المسلمون إزاء الغنائم التي وقعت لأيديهم من يد أعدائهم فى ميدان القتال.. ولهذا اضطربت مشاعر المسلمين فيها، واختلفت أنظارهم عليها.. فمن قائل إنها لمن جمع الغنائم وحازها ليده، ومن قائل إنها لمن قائل والتحم بالعدو.. ومن قائل- إنها لمن شهد القتال، قاتل أو لم يقاتل، حاز غنيمة أو لم يحزها.. ومن قائل إنها للجماعة الإسلامية التي
стр. 1709
كانت تضمها المدينة.. وهكذا توزعت مشاعر المسلمين وعواطفهم، فى مواجهة هذا الطارق الغريب، الذي أطلّ عليهم بوجهه، لأول مرة..
ولو ترك هذا الموقف للمسلمين يقضون فيه برأيهم، ويلتقون فيه على رأى، لما كان فى هذا ما يحسم الموقف، ويجمع هذا العواطف المشتتة، وتلك النوازع المختلفة.. فإن أي رأى يلتقى عنده المسلمون، لم يرض نفرا منهم أيّا كان عدده..
وتلك لا شك ثلمة فى بناء الجماعة التي لا تزال على أول الطريق، فى استكمال كيانها، ودعم بنائها، بل هو صدع فى هذا البناء، تزيده الأيام عمقا واتساعا، إن لم يكن فى الحساب توقّيه قبل أن يقع.. حتى يحفظ هذا الجسد سليما معافى من أيّة آفة، تندس إليه، وتنفث سمومها فيه.
ولهذا جاءت كلمة الفصل من السماء، حتى لا يكون لقائل قول، ولو كان الرسول الكريم نفسه، والذي لو قال كلمة هنا لتلقاها المسلمون بالقبول والرضا، ولسكن عندها كل خاطر، ولماتت بعدها كل نازعة أو وسواس، لما للرسول فى نفوس المسلمين من حب وطاعة، وولاء.. إذ كانوا على يقين، بأنه- صلوات الله وسلامه عليه- لا يقضى إلا بالحق، ولا يقول إلا بما أراه الله:
«وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» .
ومع هذا، فإن حكمة الحكيم العليم اقتضت أن تكون كلمة الله هى القضاء الفصل فيما اختلف فيه المسلمون، حتى يعودوا من هذه المعركة، وقد خلت نفوسهم من أي همّ من هموم الدنيا، وحتى يكونوا جندا خالصا لدين الله، لا يجاهدون إلا فى سبيل الله، وفى إعلاء كلمة الله، دون التفات إلى شىء من هذه الدنيا، وما يقع لأيديهم من مغانم الحرب.. فتلك المغانم- وإن كثرت- لا حساب لها فى هذا الوجه الكريم الذي يتجه إليه المجاهدون فى سبيل الله..
ومن أجل هذا، كان حكم الله قاضيا على المجاهدين بألّا شأن لهم بهذه الغنائم،
стр. 1710
وأن أمرها إلى الله، ثم إلى رسول الله يضعها حيث يشاء، ويتصرف فيها كما يرى..
تلك هى كلمة الله، وهذا هو قضاؤه..
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ.. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» .
وانظر كيف كانت الحكمة فى هذا الحكم، وهذا التدبير الحكيم..
لقد كان ذلك أول الإسلام، ومع أول تجربة يقع للمسلمين فيها خير مادىّ، بعد أن احتملوا ما احتملوا من أذى وضر فى أموالهم وأنفسهم..
ولو كان الذي حدث فى بدر جاريا مع موقع النظر الإنسانى، لكان أول ما يتبادر إلى العقل هو التمكين للمسلمين الذين قاتلوا، أن يحوزوا هذه الغنائم، ليكون منها بعض العزاء لما ذهب منهم، سواء أكانوا مهاجرين أو أنصارا.. حيث هاجر المهاجرون تاركين وراءهم الديار والأموال، وحيث شاطرهم الأنصار ديارهم وأموالهم..!
ولكن تدبير الله يعلو هذا التدبير، وحكمته تقضى بغير ما يقضى به هذا النظر البشرى المحدود..
فلو أن المسلمين شغلوا أنفسهم من أول خطوهم بهذه الغنائم، لكان فى ذلك جور على الدعوة التي دعاهم الله إليها، وندبهم لها، ولكان حسابهم معها قائما على الريح والخسارة فى جانب الدنيا، أكثر منه فى جانب الدين..!
ولهذا، جاء أمر الله قاطعا على المسلمين هذا الطريق، آخذا على أيديهم أن تمتدّ إلى تلك الغنائم، التي جعلها الله سبحانه له، ثم وضعها بين يدى رسوله..
إنهم مجاهدون فى سبيل الله وحسب، باعوا أنفسهم لله، ورصدوها للجهاد فى سبيله..
стр. 1711
أما الغنائم فأمرها خارج عن هذا العهد الذي عاهدوا الله عليه..
فإذا جاء بعد هذا قضاء من عند الله فى شأن ما يقع للمجاهدين من غنائم.
وإذا جعل الله للمقاتلين نصيبا مفروضا فيها، فذلك فضل من الله، ومنّة منه على عباده، وبهذا يظل المجاهدون على هذا الشعور الأول الذي أقامهم الله عليه، وهو أن تلك الغنائم هى لله ولرسوله، وأن ما فرض لهم بعد ذلك هو استثناء من الحكم الأصلىّ، جاء برّا بهم، ورحمة لهم..
ومن أجل هذا، فإنه بعد أن انتهت معركة بدر، ومغانمها، وعاش المسلمون مع تلك التجربة زمنا كافيا، اطمأنوا فيه إلى ما تقرر من ألّا شىء لهم فيما يغنمون- جاء حكم الله بعد هذا مقررا لهم نصيبا مفروضا فيما يغنمون، وفى هذا يقول الله تعالى فى هذه السورة: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» .
وقوله تعالى: «قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .
فقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» هو تعقيب على هذا الحكم الذي تلقاه المسلمون من الله فى شأن غنائم بدر.. وفى دعوتهم إلى تقوى الله تذكير لهم بالله الذي استجابوا لدينه، ودخلوا فيه، وقاتلوا فى سبيله، فإذا ذكروا هذا، فاءوا إلى السّلامة والعافية، وأقاموا وجوههم على الوجه الذي استقبلوا به الإسلام من أول يوم..
موطنين الأنفس على احتمال الضرّ، والصبر على المكاره، ولم يقع فى نفوسهم
стр. 1712
شىء من هذه المشاعر، التي وقعت لهم بين يدى تلك الغنائم، قبل أن يتلقوا حكم الله فيها..
ومن هنا جاء أمر الله إليهم بعد ذلك بقوله: «وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» أي حيث أخليتم أنفسكم من هذا المتاع الذي كان سببا فى التنازع والاختلاف بينكم، فعودوا إلى ما كنتم عليه، إخوانا مجاهدين فى سبيل الله، لا تبتغون بذلك إلا رضا الله ورضوانه.. ثم جاء قوله تعالى بعد هذا: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أمرا بالطاعة المطلقة، والتسليم الخالص لله، ولرسوله..
فذلك هو شأن المؤمنين، إذ لا إيمان بغير طاعة وتسليم..!
قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
هو كشف للصورة الكريمة للمؤمنين، يعرضها الله سبحانه، لأولئك الذين دعاهم الله إلى طاعته وطاعة رسوله، فى شأن هذه الغنائم ليدخلوا فى عداد المؤمنين، بما استقبلوا به أمر الله سبحانه من طاعة ورضى.
فالمؤمن حقا، هو الذي يخشى الله ويتّقيه، فإذا ذكر الله، أو ذكّر به امتلأ قلبه خشية ووجلا- أي خوفا- من جلاله وسطوته، وإذا تلى آيات الله أو تليت عليه، خشع لها، وأشرق قلبه بنورها، فازداد بذلك إيمانا على إيمان، ثم انتهى به ذلك إلى أن يكون عبدا ربّانيا، يسلم أمره كله لمن بيده الأمر كلّه..
وقوله تعالى: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» .. هو
стр. 1713
استكمال لتلك الصورة الكريمة للمؤمن.. فلا يكتمل إيمان المؤمن حتى يقيم الصلاة على وجهها، ويؤديها فى خشوعها وخضوعها، ولا يكمل إيمانه حتى يكون- مع إقامة الصلاة- من المنفقين مما رزقه الله، فى وجوه البرّ والإحسان..
فإذا فعل المؤمن ذلك، فأطاع الله ورسوله، وذكر الله خاشعا متضرعا، وتلا آياته وجلا خائفا، وأقام الصلاة، وأنفق مما رزقه الله فى سبيل الله- إذا فعل ذلك كان من المؤمنين حقّا.. أي كان مؤمنا ظاهرا وباطنا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» .
فالمؤمن إيمانا كاملا، ظاهرا وباطنا، هو فى مقام كريم عند ربه، يحفّه بمغفرته ورحمته، ويفيض عليه من إحسانه وفضله..
ويلاحظ هنا أن هذا العرض للمؤمنين، وما ينبغى أن يكون عليه إيمانهم بالله، هو- وإن كان مطلوبا لكل مؤمن بالله، فى جميع الأحوال والأزمان- هو من المطلوبات التي استدعتها تلك الحال التي كان عليها المؤمنون بعد معركة بدر، فى مواجهة الغنائم التي وقعت لأيديهم فى هذه المعركة.
فلقد أثارت تلك الغنائم غبارا كثيرا فى آفاق المسلمين، فكان من تدبير الله لهم، وصنيعه بهم، أن أجلى هذا الغبار من سمائهم، وعرض عليهم تلك الصورة الكريمة للمؤمنين، وأراهم- سبحانه- أنه يدعوهم إليه، ويرسم لهم الصورة التي ينبغى أن يكونوا عليها، وهم يستجيبون له، ويقبلون عليه..
стр. 1714
الآيات: (٥- ٨) [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٨]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)
التفسير: قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ» - هو طرف من طرفى تشبيه، وقد تقدم المشبّه، والكاف هنا داخلة على المشبه به..
والصورة التي قام عليها التشبيه هنا، هى تشبيه حال بحال..
فالحال التي كان عليها المؤمنون، من اضطراب واختلاف، عند ما وقعت لأيديهم غنائم بدر، هى كالحال التي كانوا عليها حين خرجوا مع النبىّ لملاقاة قريش، وقد وعدهم الله إحدى الطائفتين: إما العير التي كان يقودها أبو سفيان وفيها أموال قريش وتجارتها المقبلة من الشام، وإما النفير، وهو الجيش الذي قاده أبو جهل لينقذ به العير من يد النبىّ وأصحابه، وليثأر لكرامة قريش، حيث كان التصدّي لقوافل تجارتها، امتهانا لها، وتحديّا لمكانتها العرب.. كما كانت تفكر وتقدّر! وقد خرج المؤمنون- من مهاجرين وأنصار- مع النبي على نية
стр. 1715
للعير، وقطع الطريق على قريش فى تجارتها مع الشام، انتقاما لما فعلته مع المهاجرين، حين أخرجتهم من ديارهم وأموالهم.
وكان خروج المسلمين على وجه المبادرة والاستعجال، حتى لا يفوتهم أبو سفيان والعير التي معه، ولهذا كان الذين خرجوا لهذا الوجه نحو ثلاث مئة، ليس فيهم إلا فارس واحد، وقيل فارسان، أما الباقون فكانوا رجّالة، لا يحمل أحدهم معه غير سيف أو رمح.
وقد استطاع أبو سفيان أن ينجو بالعير، ويفلت من يد المسلمين، حين أخذ طريقا غير الطريق الذي اعتادت القوافل أن تسلكه بين مكة والشام..
وتلفّت المسلمون فإذا هم وجه لوجه مع قريش التي جاءت لتستنقذ عيرها، ولتنتقم لكرامتها ممن تصدّوا لها..
وكانت قريش فى أكثر من ألف مقاتل، بينهم أكثر من مائة فارس، والمسلمون- كما علمت- نحو ثلاث مئة ليس فيهم إلا فارس، أو فارسان!.
ونظر المسلمون فإذا هم بين أمرين: إما الحرب، وهى تعنى بالنسبة لهم الفناء، والاستئصال.. وإما الفرار، وما معه من خزى وعار.. ولكن إلى أين يفرون؟ إلى المدينة؟ وهل يبعد على قريش أن تدخلها عليهم، وتهلك الحرث والنسل؟ وفى المدينة عدو يتربص بهم هم اليهود الذين يفتحون لقريش حصونهم، ويمدونهم بالعتاد والسلاح!؟
وإذ كان الموقف على هذين الاحتمالين، اللذين لا بد من أحدهما، فقد رأى النبىّ أن يستشير أصحابه، ويسألهم الرأى فيما يأخذون من أي هذين الأمرين..
стр. 1716
فجمع- صلوات الله وسلامه عليه- أصحابه إليه، وقال:
«أيها الناس أشيروا علىّ!» .
وصمت الجميع.. لا يدرون ما يقولون.. وإن كان مع كل واحد منهم قولا يقوله..
إنهم خرجوا على غير أهبة واستعداد، ولم يكن الوقت الذي خرجوا فيه مسعفا للكثير منهم أن يخرج معهم..
لقد كان الموقف حرجا، اضطربت فيه القلوب، واختلطت معه المشاعر، وغامت فيه الرؤية الكاشفة حتى لم يعد أحد يدرى أين موقفه، وأين مجتمع رأيه! .. تماما كما كان ذلك بعد أن وقعت غنائم بدر لأيديهم..!
وعاد النبيّ الكريم يسأل أصحابه: «أيها الناس أشيروا علىّ» .. وكانت عين الرسول صلوات الله وسلامه عليه تتطلع إلى الأنصار.. إذ كانوا هم كثرة الناس، وأصحاب البلد الذي يواجه الخطر، ويتلقى الضربة القاضية، كما أنهم حين بايعوا النبي قبل الهجرة، كانت بيعتهم أن يمنعوه فى بلادهم مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم. ولم يكن فى البيعة أن يقاتلوا معه مهاجمين.
وجاءت كلمة الأنصار، فقال سعد بن معاذ:
«لكأنك تعنينا يا رسول الله؟ قال: «أجل» ، فقال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع الطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد ... »
стр. 1717
فاستبشر رسول الله بهذا القول الذي جاء على لسان الأنصار، ونطق به رجلها..
وبهذا كان الحسم لهذا الموقف المائج المضطرب.. تماما كما كان حكم الله فيما حكم به في شأن الغنائم التي وقعت للمسلمين بعد هذه المعركة.. حيث سكنت النفوس، واجتمع الرأى الشتيت.
ومن هنا صح أن يقع التشبيه بين الحالين: حال المسلمين فى مواجهة العدو بعد أن دارت رءوسهم، واضطربت قلوبهم.. وحالهم فى الغنائم، بعد أن اختلفت آراؤهم فيها، واضطربت مشاعرهم حيالها..
وانظر كيف أمسكت كلمات الله، بكل خالجة كانت تختلج فى نفوس القوم هنا، وهناك.. فى مواجهة العدو، ثم فى مواجهة الغنائم..
ففى مواجهة العدو..
لم يكن المسلمون يتوقعون أن تقع حرب، أو يدور قتال بينهم وبين المشركين.. لقد خرجوا يطلبون العير، ويأخذون ما يقع لأيديهم مما تحمل من أموال ومتاع.. فكان أن جاء الأمر على غير ما قدّروا، فأفلتت من أيديهم العير، وفاتهم ما منّوا أنفسهم به منها.. فواجهوا المعركة، والتحموا فى القتال..
وفى مواجهة الغنائم والأنفال:
كان المقاتلون يقدّرون أن ما وقع لأيديهم منها، هو خالص لهم، وأنه لن يخرج شىء منها إلى غيرهم.. فكان أن جاء الأمر على غير هذا التقدير الذي قدّروا، وخرجت الغنائم كلها من أيديهم، حيث وضعها الله سبحانه، فى يد الرسول صلوات الله وسلامه عليه..
стр. 1718
وهكذا يصنع الله للإسلام، فيقيم وجه أنصاره على أمره وحده، لا يلتفتون معه إلى شىء آخر غيره.. فمن كان على نيّة الإيمان بالله والجهاد فى سبيله، فهذه هى سبيله: أن يصرف وجهه عن الدنيا، وأن يوطّن نفسه على الجهاد خالصا لله، لا يبغى به إلّا وجه الله، ولا يطلب إلا مثوبته ورضوانه..
ففى قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ» إلفات للمسلمين الذين كسبوا المعركة، وحازوا ما كان مع قريش من سلاح، ومتاع ثم صرفهم الله عن هذا السلاح والمتاع- إلفات لهم إلى تلك الحال التي كانوا عليها، بعد أن صرف الله عنهم العير، وجعلهم وجها لوجه مع العدوّ فى ميدان القتال..
فهذه من تلك، سواء بسواء..
والبيت الذي خرج منه النبىّ هنا، هو المدينة.. فهى بيته- صلوات الله وسلامه عليه- الذي يأوى إليه، ويقرّ فيه.
وخروجه- صلوات الله وسلامه عليه- بالحق، أي للحقّ، ومن أجل الدفاع عن قضيّة الحق.. وليست قضية الحق هى هذا المتاع الذي كانت تحمله العير، ولا هذه الأنفال التي خلصت لأيدى المسلمين، وإنما قضية الحق هى إعلاء كلمة الله، وإزاحة العقبات التي تقف فى وجه الدعوة إلى الله، بمحاربة أولئك الذين يحاربون الله، ويصدّون الناس عن سبيله.
والحقّ دائما ثقيل الوطأة على الناس، إلّا من رزقهم الله الإيمان الوثيق، والعزم القوىّ، وأمدّهم بأمداد لا تنفد من الصبر على المكاره، والقدرة على احتمال الشدائد.. إذ الحق- فى حقيقته- مغالبة لأهواء النفس، وتصدّ لنزعاتها، وإيثار للآخرة على الدنيا، وذلك من شأنه أن يجعل الإنسان فى حرب متصلة مع نفسه، حتى إذا أقامها على الحق، وأسلم زمامها له، كان عليه
стр. 1719
أن يواجه النّاس، وأن يجاهد فى سبيل الحقّ الذي عرفه، وآمن به، فيكون حربا على المنكر، بقلبه، ولسانه، ويده..
ومن هنا كان الصبر قرين الحقّ فى كل دعوة يدعو إليها الإسلام، فى مجال الخير، والإحسان، وفى كل ما من شأنه أن يقيم الإنسان، والإنسانية، على صراط مستقيم..
ففى الدعوة إلى الصفح والمغفرة ودفع السيئة بالحسنة، يكون الصبر هو عدّة من يمتثلون هذه الدعوة، ويقدرون على الوفاء بها، إذ يقول الله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» ثم يقرن- سبحانه- تلك الدعوة بقوله تعالى: «وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (٢٤- ٢٥: السجدة) .
وفى تنبيه الإنسان إلى الخطر الذي يتهدّده من تسلّط أهوائه، ووسوسة شيطانه، حيث يقول سبحانه: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» لا يستثنى- أحدا من الصيرورة إلى هذا المصير «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» (سورة العصر) .
وفى قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» - فى هذا إشارة إلى ما وقع فى نفوس فريق من المؤمنين- لا كل المؤمنين- من مشاعر الكراهية، حين عدل بهم عن وجهتهم التي اتجهوا إليها لاقتناص العير، والاستيلاء على ما تحمل من مال ومتاع، إلى حيث يلقون قريشا وجيشها الجرار فى ميدان القتال.. ولهذا كان منهم هذا الجدال الذي تعللوا به للنكوص عن لقاء العدوّ، فقال قائلهم: ما خرجنا للقتال، ولا أخذنا أهبتنا له، ولاصحبنا إخوانما الذين خلفناهم وراءنا إليه!
стр. 1720
والسؤال هنا: كيف يجادلون فى الحق بعد ما تبين لهم؟ وكيف يكونون مؤمنين مع هذا؟ وهل من شأن المؤمن أن يجادل فى الحق إذا عرف وجهه، واستبان له طريقه؟
والجواب:
أن الحقّ- وهو قتال المشركين- كان أمره ظاهرا لهم، بعد أن أفلتت منهم العير، إذ كان الله- سبحانه- قد وعدهم على لسان نبيّه الكريم بأنّهم سيظفرون بإحدى الطائفتين، إما العير، وإما النفير.. فلما أفلتت منهم العير، لم يبق إلا النفير والحرب.. فهذا حق مستيقن لهم، لاخفاء فيه.
ولكن يقوم إلى هذا الحق، تلك الرغبة القوية التي كانت مستولية على المؤمنين من قبل، وهى الاستيلاء على العير، وذلك شأن النفس دائما حين يكون خيارها بين أمرين، أحدهما محبوب، والآخر مكروه.. فإنها حينئذ لا تلتفت إلى غير المحبوب، حتى ليصبح المكروه عندها كأنه غير مفترض أصلا، فتنساه، أو تتناساه.. فإذا فاجأها هذا المكروه الذي أخرجته من حسابها وتقديرها، كان وقعه شديدا عليها، حتى لكأنه حدث طارئ لم تكن تتوقعه.. ومن هنا يكون إنكارها أو تنكرها له.
ولهذا جاء قوله تعالى: «كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» - جاء كاشفا عن تلك الحال التي استولت على بعض المؤمنين، الذين وجدوا أمر القتال ثقيلا باهظا، حيث تمثلت لهم مصارعهم، وشهدوا الموت عيانا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد هذه الآية:
«وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» .