Полный текст (6 903 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
العمل فى يوم السبت.. وهذه كلّها قيود وأغلال قيدهم الله بها، وغلّ أهواءهم الجامحة عن الحركة.. وهذا فى شأن اليهود، أما النصارى- وهم يهود أصلا- فقد كان فى شرع المسيح لهم ما هو أقسى من هذا قسوة وأشدّ تنكيلا، ويكفى ما جاء فى وصاة المسيح لهم فى قوله: «من لطمك على خدّك الأيمن، فحوّل له خدّك الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا» (٥: إنجيل متى) !
رسالة الإسلام ونسخها للرسالات السابقة
فالنبى الأمّىّ هو الذي جاء رحمة عامة شاملة للناس جميعا، قد جعل الله محامل دعوته عامة إلى جميع الأمم والشعوب ... ومن هنا كان مبعثه إيذانا برفع هذه القيود التي قيّد الله بها أولئك الذين جعل سبحانه من شريعته لهم، هذا التأديب الشرعىّ، الذي لا يرفع عنهم ثقله أبدا، إلا إذا ظهر النبي الأمّى، وإلا إذا اتبعوا هذا النبىّ الأمى، وعندئذ فقط يسقط عنهم هذا الحمل الذي وضعه الله على ظهورهم، ويرفع هذا العهد الذي أخذه الله عليهم، وتوعّدهم بالعذاب الأليم إن هم نقضوه، قبل ظهور هذا النبي الأمى، والإيمان بهذا النبىّ الأمّىّ، والأخذ بشريعته.. «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .. ومعنى عزّروه:
منعوه من أعدائه، وكانوا سندا له ووقاية، والمراد بالنور الذي أنزل معه، القرآن الكريم.. وهو نور وهدى لمن طلبه، وفتح عينه وقلبه له.
وهذه الآية تقرر فى صراحة صريحة أن رسالة الإسلام رسالة عامة شاملة، وأن اليهود والنّصارى لن تكتب لهم رحمة الله، ولن يكونوا من المؤمنين، إلا إذا تابعوا النبىّ الأمىّ، واستجابوا لدعوته، ودخلوا فى دين الله، وهو الإسلام.
стр. 1647
ويتقرر هذا الحكم من وجهين:
أولهما: ما نصّ عليه القرآن فى هذه الآية، وما أسمعه الله تعالى موسى، وهو يطلب إلى الله أن يكتب له ولقومه فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة..
فإن الله ما استجاب هذه الدعوة على إطلاقها، بل استجابها للمتقين الذين يؤمنون بآيات الله التي نزلت على موسى، وعلى من جاء إلى بنى إسرائيل بعده من أنبياء، وخاصة عيسى ﵇، حتى إذا جاء النبي الأمىّ- محمد صلوات الله وسلامه عليه- لم يكتب لأتباع التوراة والإنجيل حسنة فى الدنيا ولا فى الآخرة حتى يؤمنوا به.. وهذا هو بعض السرّ فى وصل قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» بقوله سبحانه بعد هذا: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... » فالذين يتبعون الرسول النبي الأمى، بدل من قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» .. ومعنى هذا أن حكم كتابة الحسنة مشروط بشرطين: يتحقق أحدهما فى عهد موسى، ومن جاء بعده من أنبياء بنى إسرائيل، إلى عيسى. والشرط هو تقوى الله والإيمان بآياته التي يحملها رسله.: وهذا الشرط وحده يكفى لتقرير الحكم إلى أن يبعث النبي الأمى، فإذا بعث هذا النبىّ، أضيف إلى هذا الشرط الشرط الآخر، وهو الإيمان بهذا النبي الأمى، الذي لا يتحقق الشرط الأول، وهو التقوى والإيمان بآيات الله إلا بالإيمان به، وبالكتاب الذي معه! وثانيهما. أن هذين الشرطين قد حملتهما التوراة، التي هى شريعة أتباع موسى وأتباع عيسى معا، وأن الإيمان بعد ظهور محمد لا يتم إلا إذا تحقق الشرطان معا، وإلا إذا آمن اليهود والنصارى بما فى كتابيهما اللذين
стр. 1648
دعواهم إلى الإيمان بهذا النبي، فإذا لم يؤمنوا به، فقد كفروا بالكتاب الذي فى أيديهم، وبهذا لم يكونوا من المؤمنين..
وفى قوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» توكيد لعموم رسالة النبيّ الأمىّ، وأنه مبعوث للناس جميعا، ولهذا أمر الله نبيه الكريم أن يؤذّن فى الناس، بما أمره الله أن يؤذن به فيهم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» .
وهذا القول ليس من قول النبىّ الذي حكاه القرآن عنه، وإنما هو مما أمره الله به، فقال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً..»
ثم أتبع هذه الدعوة بعرض بعض ما لله الذي يدعو إلى الإيمان به، من صفات:
«الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ» .. فالله سبحانه له ملك السموات والأرض، لا شريك له فى ملكه، ولا إله معه- بيده الحياة والموت، «فَآمِنُوا بِاللَّهِ» الذي هذا ملكه، وذلك سلطانه، «وَرَسُولِهِ» الذي يحمل رسالته إلى الناس جميعا.. «النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» فهذا الرسول، من صفاته أنه نبىّ أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وأنه يؤمن بالله، ويؤمن بكلمات الله التي نزلت عليه، وعلى رسل الله من قبله.. «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» فإن فى الإيمان بالله ورسوله، وفى اتباع هذا النبىّ والاستجابة له- الهداية والرشاد، ولن يكون لمخالفه والمتأبّى عليه، والمحادّ له، رجاء فى هدى أو مطمع فى نجاة.
وقوله تعالى: «وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» هو تحريض لليهود على متابعة النبي والاستجابة له، والانتصار لدعوته، وذلك أن
стр. 1649
هؤلاء القوم، وإن كانوا كما عرفتهم الحياة، وكما سيكشف القرآن الذي سينزل فيهم بعد هذا، كثيرا من وجوه بغيهم وضلالهم- فإن فيهم قلة قليلة تحتفظ فى كيانها بمعالم الإنسانية السليمة، قد عرفت الحق واستقامت عليه، وحكمت به حكما عادلا بعيدا عن الهوى..
والمراد بهؤلاء، هم بعض علماء اليهود والنصارى وأحبارهم ورهبانهم، وقد دخل كثير منهم فى الإسلام وأصبحوا فى عداد المسلمين..
وإذا عرفنا أن هذه السورة مكية، وأن النبي صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن قد واجه اليهود بعد، ولم يكن بينه وبينهم لقاء مباشر بدعوته- إذا عرفنا هذا أدركنا سرّ هذه الإشارات البعيدة التي كان يشير بها القرآن إلى اليهود، حيث كانت هذه الإشارات إرصاصا بالمواجهة الصريحة التي ستكون بين النبي واليهود، بعد أن يهاجر النبي إلى المدينة، ويلتقى باليهود، ويقع بينه وبينهم هذا الصراع العنيف الذي عرضه القرآن الكريم، والذي انتهى بإجلاء اليهود من المدينة، فى عهد النبي، ثم بإجلائهم من الجزيرة العربية كلها فى خلافة عمر بن الخطاب.. رضى الله عنه، وأرضاه.
الآيات: (١٦٠- ١٦٢) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
стр. 1650
التفسير: الأسباط: جمع سبط، وهو الحفيد، والمراد بالأسباط هنا هم الذرية التي ولدت لأبناء يعقوب الاثني عشر، الذين دخلوا مصر فى عهد أخيهم يوسف، والذين كان منهم بنو إسرائيل الذين أخرجهم موسى من مصر..
ويظهر من هذا أن القوم لم ينزعوا عنهم عصبية البداوة، التي دخلوا بها مصر، بل ظلت متحكمة فيهم طوال تلك الأجيال التي عاشوها بين المصريين، فاحتفظ كلّ ولد من أبناء يعقوب الاثني عشر بنسب ذريته إليه من بعده، فكما كانوا اثنى عشر ولدا، صاروا فيما بعد اثنتي عشرة قبيلة! وفى قوله تعالى: «وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً» إشارة إلى أن الله ابتلاهم بهذا التمزق فى عواطف المودة والإخاء بينهم، فقطّع أوصال هذه الأخوّة، التي كان من شأنها أن تجمع بعضهم إلى بعض، وأن تجعل منهم كيانا واحدا، خاصة وهم فى دار غرية، وليس هذا فحسب، بل هم فى وجه محنة قاسية بما رماهم به فرعون من بلاء..
وفى قوله تعالى: «أَسْباطاً أُمَماً» إشارتان:
الأولى: أن أعدادهم المقطعة إلى اثنتي عشرة قطعة، كانت أعدادا كثيرة، وأن كل قطعة منها هى أمة، فى كثرة عددها.. أولا، وفى تمايزها عن غيرها..
стр. 1651
ثانيا. ولهذا كان الملاحظ فى العدد هو الأمة لأ الأسباط، لذلك أنّث العدد بجزئيه، كأنه قال: «وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً» .. فأمة هى التمييز لهذا العدد لا الأسباط، وقد جاء التمييز جمعا ولم يجىء مفردا كما هو الشأن فى تمييز الأعداد المركبة، للدلالة على أن الأمة الواحدة من هؤلاء القوم هى أمم، فى مختلف مشارب أفرادها، وتنازع أهوائهم.. فكل جماعة فى داخل هذه الأمة هى أمة، فى اتجاه أهوائها، واختلاف مشاربها.
ثانيا: أن ذكر الأسباط، يشير إلى أن هذا التقطيع لتلك الجماعة قام على أسلوب خاص، وهو أن كل قطعة ترجع فى أصلها إلى أبيها الأول من أبناء يعقوب..
وقوله تعالى: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» .
استسقاه قومه: طلبوا السّقيا منه، حيث كانوا فى الصحراء، ولا ماء هناك.. وقد ثارت ثائرتهم فى وجه موسى، وكادوا يكونون عليه لبدا، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه الحجر، فيخرج منه الماء الذي يشربون منه..
وقد ضرب موسى بعصاه الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عينا، بعدد أسباطهم، أو أممهم.
والانبجاس: تدفق الماء من محبسه فى رفق ولين.. ثم كان التدفق الهادر بعد أن أخذ الماء مجراه، وقد جاء قوله تعالى: «فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً» (٦٠: البقرة) - جاء بالوصف الذي يضبط هذه الصورة كلها..
وقوله تعالى: «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» إشارة إلى أن كل جماعة من تلك الجماعات الاثنتى عشرة قد علمت المشرب الذي لها من تلك العيون التي
стр. 1652
انبجست، فلا تشرب جماعة إلا من المشرب الذي هو لها.. وهكذا يظل القوم فى عزلة مادية، إلى جانب تلك العزلة النفسية التي اشتملت عليهم.
وفى قوله: تعالى «وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى.. كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» .. عرض لنعم الله عليهم، وإلفات لهم إليها، حتى يوجّهوا وجوههم إلى الله وحده، ويستقيموا على صراط مستقيم.
وقوله تعالى: «وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» كشف لمساوىء هؤلاء القوم، وما فيهم من ضلال وعناد ومكر بآيات الله.. فإنهم لم يرعوا هذه النعم المرسلة عليهم من السماء، ولم يلتفتوا إلى تلك الألطاف التي تحفّهم من كل جانب، وتطلع عليهم من كل أفق، بل كفروا بالله، وعاثوا فى الأرض فسادا.. وهم بهذا إنما يظلمون أنفسهم، ويوردونها مورد الهلاك والضياع، حين يعرضونها لسخط الله ونقمته، ولن يضرّ الله شىء من هذه المآثم التي يغرقون فيها، ويغرقون فيها أنفسهم، بل إن فى هذا البلاء العظيم الذي يشتمل عليهم.
وقوله تعالى: «وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» هو بيان لوجه من وجوه بنى إسرائيل المنكرة، التي كانوا يتعاملون بها مع الله، حيث يلبسهم النعمة، فتزيدهم بالله كفرا وضلالا..
ولقد دعاهم الله سبحانه أن يدخلوا القرية، وأن يسكنوها، حتى ينتقلوا من الصحراء الجديب، إلى حياة الاستقرار والسّكن، وأن ينعموا بما تخرج أرضها من جنات وزروع.. وأوصاهم الله حين يدخلون هذه القرية أن يكونوا على حال خاصة، هى أن يدخلوا بابها ساجدين لله، قائلين «حطّة» أي مغفرة
стр. 1653
لذنوبنا، وتكفير لسيئاتنا.. ولكنّهم حين دخلوا القرية أبوا إلا أن يغيّروا ويبدلوا فى هذا الأمر الذي أمرهم الله به، ولم يدخلوها على تلك الصورة التي رسمها الله لهم، ولم يكن ذلك بالذي يعنتهم أو يثقل عليهم، ولكن هكذا الطباع اللئيمة، والنفوس المريضة، لا تقبل الخير ولو كان الهواء الذي تتنفسه وتعيش عليه.. إنها طباع أطفال، تأبى إلّا الخلاف والشرود.
وفى قوله تعالى: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» وصف فاضح مخز لهؤلاء القوم، فقد دمغهم الله بالظلم، وأدخلهم مداخل الظالمين، ولهذا جاء النظم القرآنى مصرحا بهم هكذا: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» ولم يقل:
«فبدلوا» .. وقد أخذهم الله بظلمهم، وعجّل لهم العذاب، بأن أنزل عليهم رجزا من السماء، أي لعنة ومقتا، «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» بدلا- مما كان ينزل عليهم من المنّ والسلوى، وما كان يظللهم من غمام.
فالسماء التي كانت تتنزل منها الرحمة عليهم، هى السماء التي تصبّ عليهم البلاء والنقم.. والمراد بالسماء هنا الإشارة إلى متنزل الأقدار التي تنزل بالناس، من خير وشر، وأنها من مصدر عال متمكن، يشرف على الوجود كله، ويمسك به.
و «الْقَرْيَةَ» التي أمر بنو إسرائيل بالسّكن فيها لم يذكر القرآن اسمها، ولم يبيّن صفتها، ومع هذا، فقد كانت معروفة لبنى إسرائيل، مشارا لهم إليها هكذا: «هذِهِ الْقَرْيَةَ» .. وقد تكلف المفسرون البحث عنها، واختلفوا فيها.. ونحن نحترم سكوت القرآن عنها، وحسبها أنها قرية يسكن الناس فيها، ويجدون مطالب الحياة ميسرة فى أرضها، إذ لا متعلّق لاسم هذه القرية، ولا لصفتها فيما أمر به بنو إسرائيل عند دخولها.. وغاية ما يمكن أن يقال فى
стр. 1654
تحديد مكان القرية- لا اسمها- هو أنها فى الأرض المقدسة من فلسطين، حيث أشار الله سبحانه إلى هذا بقوله تعالى فى سورة المائدة على لسان موسى: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» (الآية: ٢١) .
الآيات: (١٦٣- ١٦٧) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٧]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)
التفسير: لم تكن قصة موسى وبني إسرائيل هنا حديثا مباشرا لليهود الذين عاصروا البعثة النبوية، إذ كانت الدعوة لا تزال فى مواجهة قريش، لم تحدد مكانها من اليهود بعد، ولم تنتقل إلى مطلعها الجديد فى المدينة التي سيهاجر إليها الرسول، ويواجه فيها اليهود مواجهة مباشرة.
ومع هذا، فإن الدّعوة الإسلامية- وهى فى مكة- كانت تشير إلى أهل الكتاب، وإلى اليهود خاصة، إشارات تنبىء عن أن للرسالة الإسلامية شأنا
стр. 1655
معهم، وأن عليهم أن يهيئوا أنفسهم لها منذ اليوم، وأن ينظروا فيها، ويحدّدوا موقفهم منها.. وهذا من أنباء الغيب التي حملها القرآن، وأخبر بها قبل أن تقع.
وإذ انتهت قصة موسى وقومه، وإذ تكشف الآيات القرآنية عن القوم وعما فى قلوبهم من مرض، وما فى طباعهم من لؤم ومكر- فقد ناسب ذلك أن تأتى آيات أخرى تكشف عن طبيعة القوم، وتعرض صورا من كفرهم بنعم الله، ومكرهم بآياته، وفى هذا نذير لمشركى مكة إن هم جروا على سنّة هؤلاء القوم مع رسل الله، وإن هم أخذوا عنهم ما يلقون به إليهم من زيف القول، يكيدون به للرسول الكريم.
وقوله تعالى: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ» .. هو سؤال إلى اليهود لم يلقهم به النبي لقاء مباشرا، وإنما نقل إليهم من كفار قريش الذين كانوا يتعاملون مع اليهود فى التّصدّي للنبىّ، وفى نصب المزالق والعثرات له.. إذ كان اليهود يلتقطون أخبار النبىّ وما ينزل عليه من قرآن، أولا بأول، فيجدون القرآن يحدّث عنهم، ويفضح تاريخهم الأسود مع أنبيائهم دون أن يلتفت إليهم النبىّ الكريم، وأن يلقاهم بوجهه.. وهذا مما يثير القلق والاضطراب فى نفوسهم، ويجعلهم والقرآن وجها لوجه، من غير أن يكون للرسول موقف معهم، يمكنهم من أن ينالوا منه منالا..!!
والقرية التي كانت حاضرة البحر، هى إحدى القرى التي كانت لبنى إسرائيل، على شاطىء بحيرة طبرية، أو شاطىء البحر المتوسط.. وكونها حاضرة البحر، أي قائمة عليه، وبمحضر منه، أي ليست بعيدة عنه، بل هى مشرفة عليه.
«إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ» ..
стр. 1656
وذلك أنهم كانوا قد ابتلوا بيوم السبت، فلا يعملون فيه عملا، وإلا وقعوا تحت لعنة الله..
وفى هذا تقول التوراة: «اذكر يوم السبت لتقدّسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للربّ إلهك، لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك لأن فى ستة أيام صنع الربّ السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح فى اليوم السابع لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه» [سفر الخروج..
الإصحاح العشرون] .
وقد مكر أصحاب هذه القرية بهذا اليوم، فكانوا يحتالون على العمل فيه، وخاصة فيما يتصل بصيد السمك الذي كان العمل الغالب عليهم..
ولهذا فقد ابتلاهم الله فى هذا اليوم بابتلاء آخر، وهو أن الحيتان كانت لا تظهر فى شاطىء البحر طوال أيام الأسبوع إلا يوم يسبتون، أي يوم السبت.
فإذا كان يوم السبت جاءت الحيتان من كل صوب، تتراقص أمام أعينهم، حتى لتكاد تلقى بنفسها إلى اليابسة.. وفى ذلك ابتلاء لهم أىّ ابتلاء.. فإما أن يصبروا على حكم الله فيهم، فلا يمدّوا أيديهم إليها، وإما أن يأخذوا منها ما يشاءون، وفى هذا هلاكهم، فلا تبقى منهم باقية..
وقد وقف القوم موقفا وسطا، خيّل إليهم فيه أنهم يخدعون الله، وأن الله سينخدع لهم، فجعلوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة بالليل ليقع فيها السمك نهار السبت، حتى إذا كان آخر النهار، ومضى يوم السبت، أخرجوا شباكهم وقد امتلأت صيدا! ولهذا فقد صيّر الله- سبحانه- السبت لعنة عليهم، فحرّم عليهم فيه أي عمل،
стр. 1657
ومن خرج منهم عن هذا الأمر فقد حلّ قتله، كما تقول التوراة، فى الإصحاح الخامس والثلاثين من سفر الخروج.
«ستة أيام يعمل عمل، وأما اليوم السابع ففيه يكون لكم سبت عطلة مقدس للربّ، كل من يعمل فيه عملا يقتل، لا تشعلوا نارا فى جميع مساكنكم يوم السبت» .
وهكذا كان الأمر إليهم أولا أن يقدسوا يوم السبت، وألا يباشروا فيه عملا من أعمال الدنيا.. فلما خرجوا عن هذا الأمر أوجب الله عليهم القتل إذا عملوا أي عمل فى هذا اليوم.. وهكذا انقلبت تلك النعمة شرّا ووبالا عليهم. فوقعوا منها تحت هذا الإصر الذي لا يحتمل!! وقوله تعالى: «يَوْمَ سَبْتِهِمْ» أي يوم يدخلون فى السبت، وقوله:
«وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ» أي يوم لا يكون السّبت، وذلك بقية أيام الأسبوع.
وأصل «السبت» السكون، وعدم الحركة.
وقوله تعالى: «شُرَّعاً» أي شارعة ظاهرة، ومنه شراع السفينة..
سمّى بذلك لظهوره، ومنه الشّرع، والشريعة، لظهورهما، ووضوح أمرهما..
وقوله تعالى: «كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» الإشارة هنا إلى ما ابتلاهم الله به من يوم السبت، ثم ما ابتلاهم به فى يوم السبت نفسه، بما يتعرض لهم فيه من حيتان، لا تظهر لهم إلا فى هذا اليوم.. وذلك الابتلاء إنما هو بسبب فسقهم، وخروجهم على أحكام الله، واحتيالهم على التفلّت منها.
قوله تعالى: «وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» .
لم يكن أهل القرية كلّهم على سواء فى الخروج على يوم السبت،
стр. 1658
والاحتيال على التخلص من هذه البلوى التي ابتلاهم الله بها.. فهناك أمّة منهم، أي جماعة أرادت أن تنصح للقوم وتدعوهم إلى الصبر على حكم الله فيهم، فقامت جماعة أخرى تحاجّ تلك الجماعة، وتدعوها إلى أن تترك القوم وشأنهم، ليلقوا المصير الذي أعدّه الله لهم، وقالوا: «لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ» فى الدنيا «أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً» في الآخرة؟ وقد ردّت عليهم الجماعة التي أرادت أن تنصح وترشد بقولها: «مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» أي إنما ننصح لهم لئلا يكون لهم على الله حجة، ولعلّ فى هذا النصح ما يذكرهم بالله، وبانتقامه من المعتدين، فيفيئوا إلى الرشد والهدى..
وانظر كيف يمكر القوم بعضهم ببعض؟ وكيف يضنّ بعضهم على بعض حتى بالكلمة التي تنبّه إلى الخطر، وتوجّه إلى السلامة؟
إن هذا الجدل الذي ذكره القرآن هنا، إنما هو بين أهل العلم والرأى فيهم، فقد انقسم هؤلاء إلى فريقين: فريق يريد أن ينصح ويرشد، وفريق يعترض هذا العمل، ويقول بعدم جدواه، وأن يترك القوم لمصيرهم المشئوم! «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» .
وقد مضى الناصحون فى طريقهم ينصحون ويدعون إلى التزام أمر الله فى حرمة السبت، ولكن القوم ظلّوا على ما هم فيه من بغى وعدوان.
أما الذين نصحوا، وكانوا ينهون عن السوء فقد نجاهم الله، وأما الذين ظلموا واعتدوا فأخذهم الله بعذاب بئيس، أي قاهر مذلّ.. بما كانوا يفسقون..
«فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» .
العتوّ: مجاوزة الحدّ فى البغي والعدوان، والخروج عن حدود الله فى غير تحرّج.
فقد بغى القوم أولا، فاعتدوا على حرمات الله، فى خوف وحذر.. فأخذهم
стр. 1659
الله بالعذاب البئيس، أي المذلّ، المهين.. فى الدنيا، ورصد لهم هذا العذاب ليوم القيامة..
ثم لما استمرأ القوم هذا البغي، وصاروا يأتونه فى غير تحرّج أو تأثم- أخذهم الله بعذاب عاجل فى هذه الدنيا، مع هذا العذاب الذي أعدّه لهم فى الآخرة: «قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» .. فقد ردهم الله إلى عالم الحيوان، ومسخهم فى طبائع القردة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «خاسِئِينَ» أي مطرودين إلى الوراء، مزجورين من هذا الموقف الإنسانى الذي كانوا فيه، إلى حيث ينزلون إلى عالم القردة.. تقول: خسأت الكلب، أي زجرته، فرجع إلى الوراء..
وفى قوله تعالى: «قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً» أمر بخلق جديد لهؤلاء القوم، «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» .
فالقوم لم يلبسوا خلقة القردة، وإنما لبسوا أخلاقها وطباعها..
وفى ردّة القوم إلى طبائع القردة إشارة إلى النسب الذي بين الإنسان وبين القردة فى سلسلة التطور، وأن القردة درجة نازله فى الخلق المتطور للإنسان..
وهكذا يعود القوم إلى الوراء ملايين السنين، ويكون بينهم وبين عالم الناس هذا الحاجز الزمنى الطويل.. فهم خلق فى طبائع القردة، وفى أجسام الآدميين.. وهكذا يعيشون فى الناس، يمثلون حركات القردة وإشاراتها، حتى ليخيّل لمن يراهم أنهم كائنات مدركة عاقلة، وما هم فى الواقع إلا قرود تمثل أفعال الآدميين.
قوله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ» .
стр. 1660
«تَأَذَّنَ رَبُّكَ» أي قضى وحكم.. والواو واو القسم، تأكيدا لهذا الحكم الذي أوقعه الله عليهم..
«لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ» جواب القسم، أي أن الله حكم حكما قاطعا بأن يبعث عليهم من عباده، ويسلط عليهم من خلقه، من يأخذهم بالعذاب الأليم، والهوان والذلة، وذلك فى أجيالهم المتعاقبة.. إلى يوم القيامة!! وهنا سؤال:
هذا عقاب استحقه القوم بأفعالهم.. فما بال أبنائهم من بعدهم، جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة؟.
والجواب: أن الله سبحانه قد ردّ هؤلاء القوم إلى عالم القردة، ونكسّهم فى الخلق، فهم- بهذا- خلق آخر غير خلق الإنسان السّوىّ- فما تناسل منهم لا يكون إلا على هذا الخلق إلى يوم القيامة..
فإذا ذهبت تسأل: ما ذنب هذه الذّرية التي نتجت من هؤلاء القوم؟
فاسأل: ما ذنب القردة أن تكون قردة؟ وما ذنب ذريتها أن تجىء على صورتها؟.
إن هذا من ذاك.. سواء بسوء..!!
فالله- سبحانه- يخلق ما يشاء: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .
وانظر إلى «اليهود» فى مسرح الحياة.. إنهم لم ينزع عنهم أبدا هذ الثوب الذي ألبسهم الله إياه، ثوب القردة.. إنهم بين الناس عالم آخر، فى طباعه، وفى تدبير شئون حياته.. إنهم لعبة فى يد الناس، يحركونهم
стр. 1661
لكل مأرب يبغونه.. للتسلية حينا، وللعضّ أحيانا، وللسّرقة والخطف فى أكثر الأحيان..!
«إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» فهو- سبحانه- سريع العقاب لمن حادّه، وحاربه، ونقض عهوده، واستباح حرماته، وهو- سبحانه- غفور رحيم لمن أذنب، ثم تاب، ولمن عصى، ثم أناب.
الآيات: (١٦٨- ١٧١) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٨ الى ١٧١]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
التفسير: من عقاب الله- سبحانه- لليهود الذين مسخهم قردة، إذ قال لهم:
«كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» فكانوا- أن قطّعهم فى الأرض أمما، حيث لا يحتويهم مكان واحد، ولا يشتمل عليهم وطن واحد، كبقية الأمم والشعوب، وإنما هم مبعثرون فى الأرض، شأن القرود التي يجدها الناس حيث كانوا، فى شرق الأرض وغربها..!
стр. 1662
وهذا التقطيع هو حكم من أحكام الله فيهم.
«مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ» أي منهم من كان فى هذا الخلق الجديد- خلق القردة- مستقيما مع خلقته تلك، أو منحرفا عنها، كما هو الشأن فى كل صنف من أصناف الخلق.. فيه السليم، وفيه المنحرف الشرس..
«وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ» أي ومنهم من ليس صالحا حتى فى مسلاخه الجديد، الذي لبسه.. مسلاخ القردة! «وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» .
أي أن الله قد ابتلاهم بالخير والشرّ، وأذاقهم الحلو والمرّ، ليروا العافية بعد البلاء، والبلاء بعد العافية، لعلّهم يذكرون الله، ويرجعون إليه.
«فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ» .
خلف: أي جاء من بعد السّلف خلف.
و «الخلف» السيء من الخلف، والرذل الرديء من الذريّة.
والكتاب الذي ورثه هؤلاء الخلف، هو التوراة، ومعنى ميراثهم له أخذهم به، وجعله شريعة لهم، كما هو شريعة لآبائهم..
«يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا» .
أي أنهم يأخذون الخبيث الحرام من متاع هذه الحياة الدنيا، متأوّلين ذلك بأن الله سيغفر لهم ما وقعوا فيه من حرام، وقد زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فجعلوا لهم إلى الله نسبا، إذ قالوا ما قال القرآن على لسانهم: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» (٢٠: المائدة) .
وبهذا النسب الذي ادّعوه- كذبا وبهتانا- استباحوا كل حرام، وركبوا كل منكر، والله يقول فيهم: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا
стр. 1663
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ»
(٢٤: آل عمران) .
والعرض: المتاع الزائل.. و «الْأَدْنى» الخسيس من المتاع.. والإشارة إلى هذا المتاع الذي أخذوه.
«وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ» أي أنهم يستمرئون الخبيث، ويجعلونه الطعام الدائم لهم، والحياة التي يحيون عليها..
فهم يدخلون إلى الحرام أولا بهذا الشعور الخبيث، وهو أنهم لا يتناولون منه إلا هذا القليل، وفى تلك المرّة.. ثم إذا هم- مع الزمن- قد جعلوا هذا الخبيث أصلا، لا يستسيغون غيره..
«أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» ..
فالميثاق الذي أخذه الله على أتباع شريعته هو أأن يحفظوها، وألا يبدّلوا وجهها، ويحرفوا كلماتها..
وقد حرّف هؤلاء القوم كلمات الله، وبدلوا شريعته، فاستحلّوا ما حرّم الله، وقالوا: «سَيُغْفَرُ لَنا» .
«وَدَرَسُوا ما فِيهِ» أي درسوا ما فى هذا الكتاب، وعرفوا ما جاء فيه من حرام وحلال.
«وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» حرمات الله.. ولكن القوم لا يتقون الله، ولا يعملون للدار الآخرة حسابا..
«أَفَلا تَعْقِلُونَ» انتقال من الغيبة إلى الخطاب والمواجهة، ليلتفت هؤلاء الغافلون إلى ما هم فيه من ضلال وعمى.
«وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» .
стр. 1664
فهذا حكم الله فيمن يرعون عهده، ويحفظون شريعته، ويتمسّكون بكتابه.. إنهم محسنون، والله لا يضيع أجر المحسنين، فقد عملوا وأحسنوا، وعند الله حسن الجزاء لمن عمل وأحسن..
وقد سمّى الله سبحانه الجزاء أجرا، فضلا منه وكرما، حتى لكأن العامل فى مجال الخير، وهو يعمل لنفسه، إنما يعمل لله، وعن هذا العمل يستحق الأجر من ربّه.. فسبحانه من ربّ كريم.
«وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ» .
وهذا من نعم الله التي يبتلى بها عباده، وقد ابتلى الله هؤلاء القوم بأن جعل لهم من الجبل وقاية من الشمس، والمطر، والعواصف، وغيرها، فهو سكن لم يعملوا له، ولم يجهدوا أنفسهم فيه، بل أقامه الله لهم.. لقد نتقه الله فوقهم، أي شقّه، ورفعه.
ومن قدرة الله أن رفع هذا الجبل فوقهم كأنه سقف، ولكن بغير عمد، حتى لقد ظنّوا أنه واقع بهم..
وفى قوله تعالى: «واقِعٌ بِهِمْ» إشارة إلى شعور الخوف الذي كان مستوليا عليهم أول الأمر من هذا الجبل الذي قام فوقهم، وأنه إذا وقع لم يقع عليهم وحسب، بل إنه سيحملهم معه، ويهوى بهم إلى الأرض..
«خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..
وهذه دعوة من الله إلى هؤلاء القوم، حين نتق الله بهم الجبل، ووضعهم أمام هذه الآية المتحدية.. فليؤمنوا بالله، وليأخذوا هذا الكتاب الذي فى أيديهم بقوة، أي يمسكوا به، ويشدّوا أيديهم عليه، وألا يخرجوا عنه، ويترخّصوا فى أحكامه، ففى هذا داعية لهم إلى أن يكونوا من المتقين..
وإلى هنا تنتهى الآيات التي عرضت قصة موسى، وقومه.. وهى- فيما
стр. 1665
نقدّر- أول ما ذكر القرآن عن بنى إسرائيل، فى سوره المكيّة..
ثم جاءت بعد ذلك موارد أخرى لهذه القصة فى كثير من السّور المدنية، تحدّث عن موسى، وفرعون، وعن السحرة وإيمانهم، وعن فرعون وغرقه، وعن نجاة بنى إسرائيل من يد فرعون، وما كان منهم من مكر بآيات الله، وكفر به.. وهذا ما دعا كثيرا من الذين يشنئون الإسلام، أولا يعرفون اللغة العربية وأسرارها، إلى الطعن فى كتاب الله، وإلى اعتبار هذا التكرار قصورا فى الأداء، وعجزا فى البيان.
ومن أجل هذا، كان علينا أن نقف وقفة، مع التكرار فى القصص القرآنى عامة، ومع قصة موسى خاصة.. وسنرى وجها مشرقا من وجوه المعجزة الكبرى لآيات الله، التي سجد أهل الفصاحة والبيان بين يدى إعجازها المبين.
ونرجو أن نحقق هذا فى موضع آخر.. إن شاء الله.
الآيات: (١٧٢- ١٧٤) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
التفسير: فى الناس فطرة تدعوهم إلى الإيمان بالله، حيث يتهدّون بهذه الفطرة إلى التعرّف على الله، وإفراده بالألوهية، ولكن هذه الفطرة تتعرض
стр. 1666
لآفات كثيرة، فيصيبها الفساد والعطب، فتتعطل منها القوى المدركة لآلاء الله، القادرة على الاتصال به، فيكون الضلال والتّيه فى عوالم الشرك والكفر..
وفى الحديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصرانه، ويمجّسانه» فقد خلق الله عباده حنفاء، ولكن شياطين الإنس والجنّ دخلوا عليهم بالغواية والضلال، فأغووهم وأضلوهم.. وهذا ما أحبّ أن أفهم عليه قول الله تعالى عن إبليس لعنه الله «.. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ..»
(١١٧- ١١٩: النساء» .. ففى قول إبليس- لعنه الله- «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» إشارة إلى أن من دعوته إلى من يستمعون إليه، ويستجيبون له- أن يغيروا فطرتهم التي فطرهم الله عليها، وأن يدخلوا عليها من الأباطيل والضلالات ما يفسدها.
وفى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» - فى هذا إشارة إلى أن الله- قد أخذ أي أخرج من أبناء آدم، أي من ظهورهم ذريتهم، وأنه- سبحانه- أشهدهم على أنفسهم، وهم فى عالم الأرواح- حيث تشعر كل روح بذاتها ووجودها- أليس الله هو ربكم وخالقكم؟ فشهدوا جميعا وقالوا: بلى أنت ربّنا وخالقنا.
والله ، يخاطب عالم الخلق جميعا، من حىّ وغير حىّ..
«ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (١١: فصلت) .
стр. 1667
فليس بعجيب أن يكون بيننا وبين الله- سبحانه- هذا الموقف الذي شهدته أرواحنا، ولم تشهده أجسادنا.. كما شهدته المخلوقات جميعا، من حىّ وغير حىّ.
وهذه الشهادة إقرار سابق بولائنا جميعا لله، وإيماننا بوحدانيته.
وإن من شأن هذا الإقرار أن يقيم وجوهنا إلى الله، بعد أن نلبس هذه الأجساد التي نعيش فيها.. فهذا الإقرار رصيد من الإيمان نستقبل به الحياة، ونتلاقى به على طريق الإيمان مع دعوة العقل الذي أوجده الله فينا، ومع دعوة الرسل الذين أرسلهم الله إلينا..
ولهذا جاء قوله تعالى: «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» أي ليقطع عليكم العذر أن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن الإيمان بالله والتعرف عليه غافلين، فذلك عذر غير مقبول.. إذ كيف تغفلون وفيكم داع يدعوكم إلى الإيمان بالله، وهى تلك الفطرة التي أشهدها الله عليكم..
«أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» .
وهذا العذر أيضا غير مقبول منكم، فلا يحمل عنكم تبعة شرككم بالله شرك آبائكم من قبلكم، إذ كنتم ومعكم فطرتكم، وكنتم ومعكم عقولكم، ثم كنتم ومعكم دعوة الرسل الذين يدعونكم إلى الله! فإذا أهلككم الله فإنما يهلككم بأفعالكم لا بأفعال آبائكم.
«وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» .
أي بمثل هذا التفصيل، وذلك البيان المبين، يفصّل الله الآيات، ويبينها للناس، ويكشف لهم عن ذخائر الإيمان المطموسة فى كيانهم، والتي أهملوها،
стр. 1668
وغفلوا عنها، وذلك لعلّهم يرجعون إلى أنفسهم، ويحسنون الانتفاع بتلك القوى التي أودعها الله فيهم، فيكون لهم إلى الله عودة من قريب، إذا هم خرجوا عن جادّة الطريق، وحادوا عن الصراط المستقيم.
الآيات: (١٧٥- ١٧٩) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٩]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
التفسير: فى هذه الآيات: أمور يسأل عنها:
فأولا: من هو هذا الذي آتاه الله آياته؟ وما هى تلك الآيات؟ وكيف كان انسلاخه منها؟
وثانيا: ماذا يتلو الرسول من أخبار هذا الإنسان؟
وثالثا: على من يتلو الرسول هذه الأخبار؟
стр. 1669
والجواب- والله أعلم-: أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يعرف هذا الإنسان، ويعرف إشارة القرآن إليه، كما كانت قريش تعرفه، وكما كان هو يعرف نفسه، وأنه المقصود بهذا الحديث.. ومعنى هذا أنه من كفار قريش ومن رءوسهم البارزة، التي كانت تقف فى وجه الدعوة الإسلامية، وتكيد للنبىّ، وتؤذيه فى نفسه، وفى أصحابه.
وأقرب رجل يدعى هنا ليكون بهذا المكان الذي يطلع منه على الناس، فيرون فيه ما يقصّه الرسول عليهم من حاله تلك التي رسمها القرآن الكريم له- أقرب رجل يدعى هنا، هو «الوليد بن المغيرة» الذي انتدبته قريش ليلقى محمدا، وليكون سفيرها عنده، وليقول له كلمتها إليه، وليبلغه وعدها له بالملك والمال، وما أحبّ مما يطلب من جاه، ومال وسلطان..
فإن لم يستجب «محمد» لهذا، فليسمع وعيدها، ونصبها الحرب له، ولأهله الأدنين، ولكل من اتصل به.
وقد جاء «الوليد» إلى النبىّ، وعرض عليه ما عرض من وعود، فرفضها، لأنه- صلوات الله وسلامه عليه- ما بعثه الله ملكا على الناس، وإنما بعثه هدى ورحمة للعالمين، لا يسألهم أجرا عمّا يقدم إليهم من هدى ونور.. ثم عرض على النبىّ وعيده، وما تتهدّده به قريش من ضرّ وبلاء، فما وجد عند النبىّ إلا ثباتا على موقفه، وإلا رضى وصبرا على ما يلقى فى سبيل رسالة ربّه.. حتى يحكم الله بينه وبين قومه، وهو خير الحاكمين..
ثم دعاه النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يسمع منه، كما سمع هو منه..
ثم تلا عليه الآيات الأولى من سورة «فصلت» .
فلما سمع «الوليد» ما سمع من كلمات الله استخزى، ثم خنع، ثم خشع وضرع.. وركبته حال لا يدرى معها ماذا يقول فى هذا الكلام الذي
стр. 1670
لم يقع لأذنه كلام مثله، فى جلاله، وبهائه، وامتلاكه زمام المشاعر، واستيلائه على مجامع القلوب.
وقام الوليد متخاذلا، منكسرا ... لم يقل شيئا..
ومضى يجرّ شخصه جرّا إلى القوم، الذين كانوا ينظرون إليه من بعيد، ويرقبون ما يقع بينه وبين «محمد» ..
وما كادوا يلمحونه، وقد اقترب منهم، حتى رأوا منه إنسانا غير هذا الذي خرج من بينهم آنفا.. لقد خرج متعاليا شامخا.. ثم ها هو ذا يعود إليهم حطام رجل، أو شبح إنسان.. وهنا يقول قائلهم: «لقد جاءكم الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به!» .
وأقبل الوليد على القوم، وكلهم أذن له، وعين على شفتيه، انتظارا لما يقول!.
وجلس «الوليد» فى مكانه الذي أفسحه له القوم، وهو شارد، مذهول، لا يدرى من هو؟ ولا أين هو؟ ولا مع من هو؟ حتى دعاه داعيهم أن يأتيهم بما عنده من خبر محمد، وماذا وقع بينهما من حديث..
وهمهم «الوليد» ولم ينطق، والأصوات من حوله تهتف به: ما شأنك؟
وماذا عندك؟ ..
وصحا «الوليد» ودار بعينيه يتفرس وجوه القوم، وكأنه يراهم لأول مرة، وإذا وجوه منكرة، تطل من شخوص أعماها الجهل، واستولى عليها الضلال، وركبها الشيطان.. وود «الوليد» لو أن به قوّة.. إذن للطم هذه الوجوه المنكرة، وحطّم تلك الرءوس الفارغة.. ولكن أنّى له القوّة، وقد تهدّم بناؤه المشمخرّ، وهربت عزيمته المتوثبة؟.
ولم يكن بد أن يتكلم «الوليد» ليزيح عن نفسه هذا الهمّ الذي يعالجه،
стр. 1671
ولينفث عن صدره هذه المشاعر المضطربة، فقال: «وماذا أقول؟ والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّى، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا.. وو الله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى» .
وصعق القوم لما سمعوا.. وهالهم أن ينفرط عقدهم، ويتبدّد جمعهم، إذا خرج الوليد من بينهم، ولم يأخذ مكانه فى المعركة التي نصبوها لمحمد ودعوته..
وقد رأوا أن يلاينوا «الوليد» ويلاطفوه، حتى لا يمضى فى طريق غير طريقهم، بعد أن سحره محمد بقرآنه، كما يقولون! فمن قائل لقد سحرك محمد! ومن قائل: لقد أخطأنا إذ جعلناه ينفرد بك، وينفث سمومه فيك! ومن قائل.. ومن قائل ... والوليد صامت واجم لا ينطق بكلمة ...
وخشى القوم أن ينفضّ مجلسهم على تلك الحال، وأن يسمع الناس ما حدث، وأن تتناقل القبائل ما قال الوليد فى محمد.. وفى ذلك بلاء لا تحتمله قريش، ولا تصبر عليه ... فأبوا أن ينحلّ مجلس القوم حتى يقول الوليد فى محمد قولا ترضاه قريش، ويشيع أمره فى الناس، إذ يكون قوله الذي يقوله هنا فى محمد، قد جاء عن احتكاك به، واختبار له! فقال الوليد: تزعمون أن محمدا «مجنون» فهل رأيتموه يحمق؟ وتقولون إنه كاهن.. فهل رأيتموه قط يتكّهن؟ وتزعمون أنه شاعر.. فهل رأيتموه يتعاطى الشعر؟ وتزعمون أنه كذاب.. فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟
فقالوا فى كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر؟ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن سحرة بابل!!.
стр. 1672
ورضيت قريش بما أخذت من الوليد، ومضى الوليد محموما إلى بيته، محمولا على رجلين لا تكاد ان تمسكان به.. ويغلق عليه بابه، ويخلو بنفسه ليلا طويلا مسهّدا، لا تغمض له عين..
وما تكاد تطلع الشمس، وتأخذ مسيرتها إلى الضحى، حتى يجىء إلى الوليد من بطرق على بابه فى طرقات صارخة، كأنها النذير العريان..
ويدخل الطارق، ويلقاه الوليد مستنبئا.. فيقول له: اجلس أسمعك:
ويجلس الوليد، فيسمع: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا.. إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» (١١- ٣٠: سورة المدّثّر) - ما هذا؟ يا هذا؟
يقولها الوليد مبهور الأنفاس، مختنق الصوت، ينتفض انتفاض الغصن تحت وابل منهمر! - إنه الذي يتحدث به محمد، ويتصايح به أصحابه، ويتغنّى به الصبيان فى طرقات مكة وشعابها.. من قرآن محمد! - أوقد فعلها محمد؟ أو أنا الذي من بين قريش كلّها الذي يجعلنى محمد هزأة وسخرية على الملأ؟ والله لأفعلنّ به ولأفعلنّ!! ويظل هكذا يهذى
стр. 1673
هذيان المحموم، ترتعد فرائصه، وتختلج قدماه، ثم ينعقد لسانه، وتسكن حركته، فلا يلقى قريشا ولا قريشا تلقاه فى مجلس بعدها أبدا..!
وقد ذكرنا هذه القصة، لنقول: إنّ الوليد بن المغيرة هو المشار إليه فى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ» .
وهذا القول لم نجد أحدا من المفسّرين قال به، أو أشار إليه.. بل لقد تضاربت بهم مذاهب القول، فمن قائل: إنه «بلعم بن باعوراء» من الكنعانيين، وقيل إنه من بنى إسرائيل، ومن قائل إنه: «أمية بن الصلت» ، ومن قائل: إنه «النعمان بن صيفى الراهب» .. ولا نرى قولا من هذه الأقوال يعطى مفهوما للآية من قريب أو بعيد..
ولولا أننا استشعرنا أن القرآن لا يقول مخاطبا النبي: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا» إلا إذا كانت هناك قصة يتلوها النبىّ عليهم فى شأن هذا الرجل، فإن لم تكن هناك قصة يذكرها القرآن عن هذا الرجل فى هذا الموقف فلا بد أن تكون هناك قصة مذكورة مشهورة فى موضع آخر، يعلمها القوم عن يقين، ولا يحتاج الأمر إلى ذكرها مرة أخرى- لولا أننا استشعرنا هذا لما كان لنا قول نقوله فى رجل هذه القصة.
ثم إذا نظرنا فى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» وفى قوله تعالى عن الوليد بن المغيرة: «إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً» ثم ذكرنا مع هذا ما كان للآيات التي تلاها الرسول الكريم عليه، وأثرها فيه، واستيلاءها على كيانه، ثم نكوصه عنها بعد ذلك، وانسلاخه منها بعد أن لبسها-
стр. 1674
- إذا نحن ذكرنا ذلك، رأينا أن هذا الرجل هو ذلك الإنسان عينه، بلحمه ودمه، وبكل مشخصاته، فى جميع أحواله..
ومعنى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» أي اتل عليهم ما نقص عليك من خبر هذا الإنسان الذي أسمعناه آياتنا، فعرف وجه الحق فيها، واطلع على علو متنزلها، وأنها من الله ربّ العالمين.. فآمن بها، وسجد بين يديها، ولكن التوفيق لم يكن رفيقه، إذ سرعان ما نكص على عقبيه، وأسلم نفسه لشياطين قومه، فاستجاب لما دعوه إليه، وانسلخ من آيات الله بعد أن كانت مستولية عليه.. «فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ» أي جرى وراءه، يوسوس له بالضلال، ويزيّن له الباطل، ويغويه بالكفر.. «فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ» .
«وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها» أي ما أراد الله له الخير، وما شاء سبحانه أنه يتمّ نعمته عليه، لأن طبعه نكد، وقلبه سقيم.. «ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه» .. أي لصق بالأرض، ونزل منزل الحشرات والهوام فيها، ولم يرد أن يسمو بنفسه، ويرتفع بوجوده ويعلو بإنسانيته.. ولو أنه فعل لأعانه الله على ذلك، وسدّد خطاه، وأمسك به على الطريق المستقيم، الذي وضع قدمه عليه.
فمطلوب من الإنسان أن تكون له إرادة عاملة، تلتقى مع إرادة الله..
فإن أراد خيرا، وعمل له، وتمسك به، أراد له الخير، وأعانه عليه، ووفقه له..
«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.. وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» (١١: الرعد) .
«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» .. ذلك هو مثل أهل الزيغ والضلال.. لا يجىء منهم إلا ما هو شر وضلال.. إنهم على تلك الحال دائما.. لو لم يدعهم أحد إلى الضلال لدعواهم أنفسهم إليه.. فحالهم
стр. 1675
كحال الكلب: يلهث دائما، ويدلق لسانه فى كل حال.. سواء أترك لشأنه فلم يعرض له أحد بسوء، أو طارده أحد وأجهده.. إنه كهذا.. يلهث دائما..
فى سكونه واستقراره، أو فى جريه وجهده..
والتشبيه للإنسان الضالّ بالكلب، تشبيه يصيب كبد الحقيقة منه.. ظاهرا وباطنا.. فهو كلب فى خسار سعيه، وضياع جهده، حيث يرى فى صورة الكلب يلهث دائما كأنه موكّل بعمل مثمر.. ولكنه يلهث، ولا عمل، ويعمل ولا ثمرة لعمل..!
«ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» أي ذلك المثل، هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، حيث كل ما يعملون إلى تباب وضياع..
والقوم هنا، هم قريش، وخاصة أصحاب الكلمة فيها، كالوليد بن المغيرة، ومن على شاكلته منهم.. ثم من كان على طريق هؤلاء القوم المكذبين بآيات الله..
«فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» ففى هذا القصص عبرة لمن تفكر واعتبر.
وإذ تقرع آذان قريش هذه الآيات، وإذ يشوقهم نبأ هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين- وإذ هم على تلك الحال، تتنزل آيات القرآن الكريم بنبإ هذا الإنسان، وإذا هو الوليد بن المغيرة، فيسمعهم الرسول الكريم قول الله تعالى فيه: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً.. الآيات» .
والفاصل الزمنى بين قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» وبين قوله سبحانه: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً.. الآيات» -
стр. 1676
هذا الفاصل- طال أو قصر- هو إثارة لأشواق القوم إلى هذه القصة التي لم تقصّ بعد، وتعليق لنفوسهم بها، حتى تطلع عليهم بهذا الإنسان العجيب الذي مثله كمثل الكلب.. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث..
فمن هو هذا الإنسان يا ترى؟ إنه لا شك واحد من زعماء قريش، الذين نصبوا لرسول الله، وكادوا له.. قد يكون أبا لهب، أو أبا جهل، أو أبا سفيان أو الوليد بن عتبة، أو الوليد بن المغيرة.. وهكذا إلى من تضم هذه الجماعة من رءوس ورؤساء..!
فإذا كانت حادثة الوليد بن المغيرة، وإذا كان القرآن الذي نزل فيه..
عرفت قريش من رجلها الذي علقت به حبالة محمد، وربطته مربط الكلب على رءوس الأشهاد.. فتهدأ نفوس، وتثور نفوس.. على أن الجميع يجدون شيئا من الرضا إذ لم يصبهم هذا الذي أصاب الوليد بن المغيرة، وجعله حديثا مخزيا يجرى على كل لسان.. وهكذا تأكل قريش بعضها بعضا، كما تأكل الذئاب ذئبها الجريح! «ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ» .
ذلك تعقيب على هذه القصة، وربط لرءوس القوم كلّهم إلى هذا الكلب المربوط.. فكلهم مكذّب بآيات الله، وكلهم هذا الرجل العنيد المكابر المشئوم! «وساء» فعل ذم، عكس نعم، والقوم: هو اللفظ المخصوص بالذم.
«مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .
وفى نسبة الهداية إلى الله تشنيع على القوم الضالين، وكبت لهم، بطردهم من هذا المقام الكريم، وأنهم ليسوا أهلا لأن يهديهم الله، بل هم أهل لهذا الضلال الذي أغرقهم الله فيه.
стр. 1677
«وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» .
الذّرء: الخلق، والزرع.
والمعنى أن الله قد خلق لجهنم خلقا كثيرا من الجنّ والإنس، جعلهم أهلا لها، ووقودا لجحيمها.. هكذا اقتضت إرادته، وشاءت مشيئته.. يخلق ما يشاء لما يشاء..
وفى الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: أدرك رسول الله ﷺ جنازة صبىّ من صبيان الأنصار، فقلت: يا رسول الله: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة!! فقال رسول الله ﷺ :
«وما يدريك؟ إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم» ! وهؤلاء الذين خلقهم الله للنار:
«لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها» ..
فهم فى صورة الناس، ولكنهم ليسوا مثل الناس.. إذ جعل الله لهم قلوبا لا تعقل، وأعينا لا تبصر، وآذانا لا تسمع.. فإن عقلت منهم القلوب عقلت الشرّ والضلال، وإن أبصرت منهم الأعين فإنها لا تبصر مواقع النور والهدى، وإن سمعت الآذان فإنها لا تسمع كلمات الحق والهدى «أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ» .. لها قلوب، ولها أعين، ولها آذان.. ولكنها لا تكون بهذه الأدوات كائنا بشريا، سوىّ الخلق، سليم الفطرة.. «بَلْ هُمْ أَضَلُّ» من هذه الأنعام، إذ الأنعام تستعمل هذه الأدوات فيما يصلح أمرها، ويحقق ذاتها، ويحفظ وجودها، وهؤلاء لا يستعملون هذه الأجهزة إلا فيما يضرهم،
стр. 1678
ويفسد وجودهم «أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» الذين يسوقهم ضلالهم إلى الهلاك، وهم غير ملتفتين إلى هذا البلاء الذي هم صائرون إليه..
الآيات: (١٨٠- ١٨٥) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٥]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
التفسير: يلحدون فى أسمائه: أي يحرفونها، ويميلون بها عن الوجه الذي يليق بجلال الله وكماله، ومنه الملحد، وهو الزائغ عن طريق الحق والهدى..
والله متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص، ولعباد الله أن يدعوا الله ويتعبّدوا له بكل اسم يفرد الله بالكمال، والعبودية.. فهو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور..
إلى غير ذلك من الأسماء التي ينفرد بها سبحانه عن المخلوقين.. فكل ما يدعو به العبد ربّه من أسمائه الحسنى، هو ولاء، وعبادة وتسبيح.. والله يقول: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» (١١٠: الإسراء) .
стр. 1679
وقد وقف بعض العلماء بأسماء الله عند ما ذكره القرآن الكريم منها، وهذا لا شك أولى من الخروج عن هذه الأسماء، فهى كثيرة.. أحصاها المحصون تسعة وتسعين اسما.. فلا ضرورة للعدول عنها إلى غيرها لمن يعرف اللغة العربية، أما من لم يحسن العربية، فما يكون فى لغته مقابلا لهذه الأسماء محققا لمعانيها، فهو من الأسماء التي يصحّ أن يدعى الله بها، ويتعبّد بذكرها.
«وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ» .. أي دعوهم وما سوّلت لهم أنفسهم من الزيغ والانحراف حتى فى أسماء الله الذي يؤمنون به.. «سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» وسمّى قولهم عملا، لأنه ليس مجرد قول، بل هو فى حقيقته عبادة، ولكنه فى عمل هؤلاء المنحرفين عبادة غير مقبولة، لا يعود منها على صاحبها إلا الإثم والخسران..
«وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» .
فى هذه الآية إشارة إلى أن أهل الحق والعدل، لا يخلو منهم زمان.. وأنهم شهادة قائمة على أهل الزيغ والضلال.. وهم وإن كانوا قلّة فى الناس إلى جانب الكثرة الكثيرة من أهل الضلال، فإنهم مجتمع الله فى هذه الأرض، وورثة أنبيائه على رسالة الإيمان، والحق، والعدل.
وقوله تعالى: «وَبِهِ يَعْدِلُونَ» أي وبالحق يحكمون بين الناس، ويقيمون موازين العدل فيهم، كما أنهم يهدونهم بأنوار الحق، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور.. بل إنهم قبل هذا يعدلون بالحقّ، ويحكمون به فى نظرتهم إلى الوجود، وفى تعرفهم على الخالق وإيمانهم به.
«وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» الاستدراج إلى الشيء: هو الإغراء به، وتيسير السبل إليه، حتى يقع فيه من استدرج إليه.. واستدراج الله لهؤلاء الذين كذبوا
стр. 1680
بآيات الله هو تزيين هذا المنكر لهم، وتيسير سبلهم إليه، كما يقول : «وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» .
وهم فى هذا الطريق الذي ركبوه لا يدرون أنهم على شفا جرف هار، فقد أعماهم الضلال عن أن يروا وجه الحق أبدا، كما يقول سبحانه: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً»
(٨: سورة فاطر) .. إنهم بما زيّن لهم الشيطان، يرون الخير شرّا، والشّرّ خيرا، والحق باطلا، والباطل حقا.
قوله تعالى:
«وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» .
الإملاء: إرخاء الزمن، وامتداده.. والمراد به إمهالهم، وعدم تعجيل العقاب لهم، والملاوة: الفترة من الزمن.
أي أن الله ، إنما يملى لهؤلاء الضّالين، ويمدّ لهم فى أسباب الكفر والضلال، ليزدادوا كفرا وضلالا.. «إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أي تدبيرى، وتقديرى للأمور، محكم، لا ينقض أبدا.. وفى هذا تهديد للمشركين، الذين ركبوا رءوسهم، ووقفوا هذا الموقف العنادىّ اللئيم من آيات الله، ورسول الله.
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ» الخطاب لمشركى قريش، وفى الآية التي قبل هذه الآية نذير لهم ووعيد..
أما فى هذه الآية فهو تسفيه لأحلام القوم، وفضح لمنطقهم السقيم..
فهم إذ يعجزون عن مواجهة الحق الذي فى يد «محمد» لا يجدون غير الكلمات الحمقى يرمونه بها، فيقولون فيما يقولون عنه: «إنه شاعر..
وإنه لمجنون» ! فهل عقلوا هذا القول الذي يقولونه؟ وهل رأوا فى محمد، وفى تصرفاته
стр. 1681
فى الحياة، أثرا من آثار الجنون الذي يرمونه به..؟ «إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» بعثه الله بالحق بشيرا ونذيرا..
ولو أنهم فاءوا إلى عقولهم، وتصفحوا صحف هذا الوجود، لرأوا أن ما يدعوهم إليه «محمد» من الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة الأوثان، هو الذي يلتقى مع العقول السليمة، ويتجاوب مع معطياتها التي تقع لها من النظر فى ملكوت السموات والأرض.
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» أىّ شىء، ولو كان نواة، أو ورقة أو شجرة.. ففى كل ذرة من ذرات هذا الوجود، كون عظيم، يشهد لقدرة الخالق، وعلمه وحكمته.
«وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ» هو معطوف على قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَنْظُرُوا» والمعنى، أو لم ينظر فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، فيروا وجه الحق ويبادروا إلى الإيمان بالله قبل فوات الأوان، فما يدريهم أية ساعة تنقضى فيها آجالهم؟ ومن يدرى فلعل أحدهم لا يبيت ليلته؟ فكيف يلقى الله وهو على تلك الحال المنكرة التي ليس وراءها إلا جهنم وبئس المصير؟
وماذا ينتظر هؤلاء الضالون من مطالع الهدى، وشواهد الإيمان وآياته؟
أحديث أبلغ من حديث الله إليهم، أو بيان أوضح من هذا البيان الذي تحمله آياته وكلماته؟ «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟»
الآيات: (١٨٦- ١٨٨) [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٦ الى ١٨٨]
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
стр. 1682
التفسير: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ» ..
فمن يهدى من أضلّ الله وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟.
تلك مشيئة نافذة لله، لا معقّب عليها، وقضاء مبرم لا مردّ له.
«وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» أي يخلى بينهم وبين أنفسهم، يتخبطون فى ظلمات الشرك والضلال..
والعمه: التحيّر، والضرب فى الأرض على غير هدى.
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها» ؟ أي يسألونك عن الساعة..
متى تجىء؟ والتعبير عن مجيئها بمرساها، إشارة إلى أنها غائب ينتظر مجيئه، حيث لا يدرى أحد متى تطلع، وتبلغ الغاية التي تصل إليها، وتلقى مراسيها عندها.
ومن سفاهة السائلين أن يسألوا عن الساعة، ولم يعملوا لها، ولم يستعدوا للقائها.. فما سؤالهم عنها- والأمر كذلك- إلا من قبيل الجدل السفيه! ما عندهم للساعة حتى يسألوا عن ميقاتها، ويستعجلوا يومها؟
стр. 1683
«قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ» .. إن أمرها عند الله، لا يكشفها، ولا يظهرها لوقتها الذي تظهر فيه، إلا ربّ العالمين..
فهى عند الله، سبحانه، فى مستودعات الغيب الذي لا يملك مفاتحه إلا هو وحده.
«ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» أي عظم وقعها على السموات والأرض.
أي أنها يوم تجىء تثقل على السموات والأرض، فكيف تحتملون أنتم مجيئها يوم تجىء؟ فلم تستعجلونها يومها؟ ولم تلحّون فى البحث عن ميقاتها؟
وثقل الساعة على السموات والأرض يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ» وقوله سبحانه: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» .
ففى هذا اليوم تتغيّر معالم الوجود السماوي والأرضى، لما يقع فيه من أهوال، فكيف يستعجلون هذا الهول، وينادون به أن يطلع عليهم؟ ..
ألا ما أشد جهلهم وغباءهم.. أما المؤمنون، فإنهم- مع إيمانهم بالله واستعدادهم للقائه- مشفقون من لقاء هذا اليوم العظيم، كما يقول :
«يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ» (١٨: الشورى) .
«لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» .
البغتة: الفجاءة، أي على غفلة.. أي أن الساعة لا تجىء على حسب موعد معلوم للناس، وإنما تقع فجأة وعلى حين غفلة.. إنها هؤل عظيم، يطلع على غير انتظار من هؤلاء المشركين، الذين يسألون عنها سؤال تهكم واستخفاف.. وفى هذا ما يضاعف بلاءها عليهم.
стр. 1684
«يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها» .
كأنك حفى عنها: أي كثير الطلب لها، والسؤال عن وقتها.
وهذا يعنى أن النبي ﷺ لم يكن من شأنه أن يتطلع إلى معرفة وقتها المعلوم، وإن كان من دأبه أبدا ذكرها، والإعداد لها.. وفى هذا إنكار على هؤلاء الذين يسألون عن الساعة، ومتى يجىء يومها.. وكان الأولى لهم أن يعملوا لهذا اليوم، ويستعدوا للقاء الله فيه..
«قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» وهذا توكيد لما تقرر من قبل بأن علم الساعة مما استأثر الله به وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، ولا يرضون بالتسليم بها، بل يسألون ويلحفون فى السؤال عنها، ولو أنهم عقلوا ما سألوا.
وفى التعبير هنا بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» على حين كان النظم القرآنى فى هذه الآية نفسها: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» .. مراعاة لاختلاف المقامين.. حيث كان التعبير بلفظ: «عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» ردّا مباشرا على سؤال السائلين للنبيّ عن ميقات الساعة، وحيث كانوا يحسبون أن ذلك مما يعلمه النبىّ، فجاء الرد عليهم بإضافة العلم إلى ربّ محمد، لا إلى محمد.
أما الرد عليهم بقوله تعالى: «عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» فذلك بعد أن جاءهم العلم بأن علم الساعة ليس مما يطلع عليه «محمد» بل هو مما استأثر به ربّ محمد، وإذن فليعلموا بعد هذا أن الله ربّ العالمين، هو ربّ محمد، وربّ كل مخلوق..
«قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» .
стр. 1685
ومن الجهل الذي يستولى على العقول، فيضلّها عن سواء السبيل، أن يرى بعض الناس أن النبىّ إذ كان على صلة بالسّماء، قادر على أن يشارك الله فى سلطانه، وأن يكون بيده ما بيد الله أو بعض ما فى يد الله من قدرة وعلم وسلطان..
ولهذا كان من مقترحات مشركى قريش على النبيّ، أنهم لن يؤمنوا له حتى يأتيهم بما اقترحوا عليه، مما ذكره الله على لسانهم فى قوله:
«وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» (٩٠- ٩٣: الإسراء) .
ومن واردات هذا الجهل ذلك السؤال الذي يلحّ به السائلون على النبيّ عن يوم القيامة، ظنّا منهم أن النبىّ غير بشر، وأنه يملك من قوى الغيب ما يجعله عالما بكل شىء، قادرا على كل شىء..
ولو كان النبىّ ممن يعمل لحسابه وممن يطلب المجد والسلطان لنفسه فى الناس- لحمد لهؤلاء الظانين به هذه الظنون رأيهم فيه، ونظرتهم إليه، بل لعمل على الترويج لهذه الظنون، وإذاعتها فى الناس، ليكبر فى أعينهم، ويعظم مقامه فيهم..
ولكنّ النبىّ لا يعمل إلا للحق، ولا يتعامل مع الناس إلا بالحق، ولهذا جاء قوله تعالى: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» ليؤذّن به النبي فى الناس، وليريهم أنه بشر مثلهم، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فالنفع والضرّ بيد الله وحده.
следующие страницы →