← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وكيف بهنأ لمسلم طعام أو يسوغ له شراب، وهو يرى النبي يخوض غمرات القتال، ثم يضنّ بنفسه عن أن تأخذ مكانها فى المجاهدين، والمستشهدين، أهناك عند المؤمن بالله شىء أعزّ عليه من النبىّ، ونفس أكرم عليه من نفسه؟ والله يقول: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . - وفى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً، يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» . الإشارة هنا بقوله تعالى «ذلك» مشار بها إلى ما تقدم فى صدر الآية من الإنكار على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وأن يؤثروا أنفسهم على نفسه، ويضنّوا بها على معاناة الجهاد، وحمل أعباء القتال، فهذا الإنكار عليهم إنما هو بسبب أنهم سيغبنون أنفسهم، ويحرمونها ما أعدّ الله المجاهدين من أجر عظيم، لكل عمل يعملونه فى سبيل الله، ولكل ضرّ أو أذى يصيبهم وهم على طريق الجهاد.. فلا يصيبهم ظمأ، ولا يمسّهم تعب، ولا تنالهم مخمصة (أي جوع) .. إلا كتبه الله لهم وأجزل لهم المثوبة عليه.. كذلك لا ينالون من عدوّ نيلا، ولا يصيبونه بوهن أو ضعف، إلا كتب لهم به عمل صالح، وعدّ لهم قربة عند الله، يدخلون بها مداخل المحسنين.. و «إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» . قوله تعالى: «وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . هو عطف على ما سبق من الأعمال الصالحة التي تكتب للمجاهدين، وتسجّل فى سجلّ أعمالهم.. فأية نفقة- ولو كانت صغيرة- تكتب لهم،

стр. 2067

وأي خطوة يخطونها، ويقطعون بها واديا أو يجتازون مفازة، يكتبها الله لهم، ويضيفها إلى حسابهم.. وذلك «لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . وفى قوله تعالى: «لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ما يشير إلى أن الله ينزل المجاهد منازل رضوانه، ويستضيفه فى ساحة كرمه، منذ أن يبدأ فى التهيؤ للجهاد إلى أن يعود إلى منزله الذي خرج منه، أو يستشهد فى سبيل الله.. وأن كل خطوة من خطواته وهو على طريق الجهاد، وكل حركة، أو لفتة، أو إشارة منه، هى مما يعدّ عند الله فى باب الإحسان، وذلك للمجاهد خاصة من دون الناس جميعا، حتى إذا آب المجاهد من جهاده كان سجل أعماله كلّه حسنات.. «لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» أما السيئات، فلا سيئات، إذ قد تجاوز الله عنها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» (١٦: الأحقاف) . قوله تعالى: «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هو أن الآيتين السابقتين قد جاء فيهما إنكار على المتخلفين عن رسول الله، وأمر ملزم لهم بالجهاد معه، كما جاء فيهما عرض كاشف لما اختصّ الله به المجاهدين من أجر كريم، وثواب عظيم، لا يناله غيرهم، ولا يبلغه سواهم- وقد كان ذلك داعيا إلى تحريك أشواق المسلمين إلى بلوغ هذه الغابة، واللحاق بأهلها، وذلك لا يكون

стр. 2068

إلا بالانتظام فى ركب المجاهدين، وهذا من شأنه أن يجعل المسلمين جميعا على طريق الجهاد، وفى ميدان القتال، الأمر الذي لو وقع بصفة دائمة لأخلّ بنظام المجتمع، وعطّل كثيرا من جوانب الحياة، وأخلى ميادينها من العاملين فيها.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» أي جميعا. فذلك أمر- كما عرفنا- يدخل الخلل على نظام الحياة فى المجتمع، وعلى المجاهدين أنفسهم، إذا لم يكن من ورائهم من يعمل فيما يهيىء لهم حاجاتهم، من مؤن، وسلاح، وعتاد. ولكن كيف السبيل إلى صرف بعض المسلمين عن وجهتهم إلى القتال، وكلهم يؤثر أن يكون فى هذا الميدان، ابتغاء مرضاة الله؟ لقد كان من تدبير الله أن فتح لهم جبهة جديدة من جهات الجهاد.. إذ يقول الله تعالى: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» .. فهناك نفر كالنفر إلى الجهاد، وهو النّفر إلى التفقه فى الدّين، والتعرف على أحكام الشريعة.. ففى النفر إلى الجهاد يقول الله تعالى. «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا» وفى النفر إلى العلم يقول لله تعالى: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» . فطلب العلم فريضة على كل مسلم كفريضة الجهاد، سواء بسواء.. فإذا كان الجهاد بالسيف فكذلك يكون الجهاد فى ميدان العلم، والتفقه فى الدين. إنه يدفع عن القلوب غشاوات الجهل والضلال، ويمكنّ لدعوة لإسلام أن تأخذ مكانها من العقول والقلوب، فتمكن لها فى أهلها، وتقيمهم منها على مودة وإخاء، فيزكو نيتها الطيب فيهم، وتؤتى مبادئها أكلها المبارك لأيديهم.

стр. 2069

فالتفقّه فى الشريعة، ومطالعة آياتها المعجزة، والوقوف على ما فيها من روائع الحكمة، وأسرار الوجود- هو الذي يقيم فى نفس المسلم إيمانا صحيحا، ومعتقدا سليما متمكنا، يهيىء للمجتمع الإسلامى، الإنسان المؤمن الذي يجاهد فى سبيله، ويستشهد من أجل حمايته، ودفع يد المعتدين عليه.. وليس معنى النّفر هنا شدّ الرحال، وقطع الفيافي والقفار، بل إن معناه شدّ العزائم، وتوقّد الهمم، واستجماع النفوس، وإخلاص النيّات، والتجرد لتلقّى العلم، والصبر على معاناة الدرس والنظر.. ذلك أن تحصيل العلم، وقطف ثمراته، ليس بالأمر الهيّن، الذي يقع لأى يد تمتد إليه، ويستجيب لأى عين تطمح إليه، وتطمع فيه- وإنما هو كالجهاد فى ميدان القتال، حيث لا يكتب النصر للمجاهدين إلا بركوب الأخطار، وملاقاة الأهوال، ومصادمة الموت.. ومن هنا تعادلت كفّة العلماء مع كفة المجاهدين.. كما ورد فى الحديث: «يوزن مداد العلماء بدم الشهداء» ..! وليس النفر محدودا بالنّفر إلى الجهاد فى سبيل الله، ولا بالنفر لطلب العلم، وإنما هو أيضا ينسحب إلى كل ميدان من ميادين العمل والكفاح.. فحيثما كانت مشقة ومعاناة يحملها لإنسان فى صبر وعزم، فى مجال العمل الصالح النافع له ولغيره، فهو نفر إلى الجهاد، وصاحبه فى حساب المجاهدين! وعلى هذا نفهم الآية الكريمة على أنها دعوة للمجتمع الإسلامى أن يملأ كل ميادين العمل فى الحياة، وأن يأخذ كلّ مسلم المكان المناسب له، وأن يعمل فى الميدان الذي يمكن أن يعطى فيه أفضل ما تجود به ملكاته وقدراته، العقلية، أو الجسدية.. وشرط واحد هو الذي ينبغى أن يكون عليه العامل ليكون مجاهدا، هو أن يخلص لعمله، وأن يعطيه كل جهده، وأن يبذل له

стр. 2070

كل حوله وحيلته، فى غير فتور، أو تهاون أو تقصير.. وإلا كان ذلك نفاقا، وكان خيانة، سواء بسواء، كالنفاق مع الله، والخيانة لرسول الله، وللمؤمنين.. ونلمح هذا المعنى الذي ألمعنا إليه هنا فى قوله تعالى: «لِيَتَفَقَّهُوا» .. فالتفقّه ليس مجرّد العلم السطحى، بل هو العلم المتفحص المتمكن، الذي ينفذ إلى أعماق الأشياء، ويقع على الصميم منها.. فهذا هو العلم، أو الفقه، الذي يرفع صاحبه إلى مقام المجاهدين.. وكذلك العمل، إن لم يبلغ به العامل درجة تبلغ حدّ الكمال، للقدرة المتاحة له، وللوسائل التي بين يديه، لم يكن ليتوازن أبدا مع درجة الجهاد فى سبيل الله، ولا مع منزلة التفقه فى دين الله، ولم يكن للعامل أن ينتظم فى سلك المجاهدين، والمتفقهين.. إن العامل الذي يستأهل أن يكون مجاهدا فى سبيل الله حقّا، هو من فقه فى عمله، وعرف أسرار صنعته.. وبغير هذا لن يجىء منه الإحسان فى عمله، والإتقان لصنعته.. والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: «إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» .. وقد أشرنا إلى ما للعلم من أثر فى الإيمان بالله، عند تفسير قوله تعالى «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (لآية: ٩٧) من هذه السورة. الآيات: (١٢٣- ١٢٧) [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)

стр. 2071

التفسير: مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، أنكرت على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد حمل إليهم هذا الإنكار أمرا ملزما بالجهاد مع رسول الله، وهذا لا يكون إلّا فى مجتمع بدين كلّه بالإسلام، حتى يقع الأمر بالجهاد موقعه، ويصادف أهله.. لهذا جاءت تلك الآية داعية إلى قتال الكفار الذين يحيطون بالمسلمين، ويكونون أجساما غريبة فى هذا الجسد الكبير.. وتنقية هذا الجسد الإسلامى من الأجسام الغريبة التي تعيش فيه، وحمايته من الآفات الخبيثة التي تقف على حدوده- أمر ضرورى لسلامة هذا الجسد، ووقايته من عوارض التصدّع والتشقق. وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» - لفت لأنظار المسلمين إلى حماية أنفسهم من خطر العدوّ المساكن لهم، أو الملاصق لمجنمعهم، وذلك لا يكون إلا بأن يدخل هذا العدو فى الإسلام، وبصبح بعضا منه، أو أن يقاتله المسلمون حتى يقتلعوا شوكته، أو يوهنوا قوته، فلا يكون يوما من الأيام

стр. 2072

قادرا على مواجهتهم بالضرّ، أو مبادأتهم بالعدوان، وذلك من شأنه أن يعطى المجتمع الإسلامى أمنا وسلاما واستقرارا فى مواطنه، الأمر الذي يتيح لكل فرد فيه أن يعمل، وأن يحسن العمل فيما هو مهيأ له، وراغب فيه.. - وفى قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» .. تنبيه إلى ما ينبغى أن يكون عليه المسلمون فيما بينهم وبين الكافرين، فلا بغى ولا عدوان، ولا مجاوزة للحدّ المطلوب لحماية الدعوة الإسلامية، ودفع كيد الكائدين لها.. فإذا تحقق ذلك، فليس وراءه شىء يطلبه المسلمون لذات أنفسهم، أو لانتقام شخصى. بل يجب أن تكون تقوى الله هى الدستور الذي يأخذ به المسلمون أنفسهم فى حربهم لعدوهم.. فلا يعرضوا لامرأة، ولا لطفل، ولا لشيخ، بأذى ولا يتبعوا هاربا، ولا يقضوا على جريح، ولا يمثّلوا بقتيل، ولا يقطعوا شجرا ولا زرعا، ولا يحرقوا دورا، ولا يقتلوا حيوانا.. فليس فى هذا كله عدوّ لهم، وإنما عدوهم هو الذي حمل السلاح، وقاتلهم به، فإذا ألقى السلاح، أو عجز عن حمله والقتال به، فشأنه شأن الصبيان والنساء، لا سبيل إلى العدوان عليه. وقوله تعالى: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً.. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» . فى هذا إشارة إلى تلك الأجسام الغريبة الفاسدة التي تعيش فى كيان المجتمع الإسلامى، وأنه إذا كان للمسلمين عدو ظاهر يعرفون وجهه، ويأخذون حذرهم منه، ويعملون على قهره وخضد شوكته.. فإن ذلك ينبغى ألا يشغلهم عن عدوّ خفىّ يندسّ فيهم، بل إن عليهم أن ينتبهوا إلى هذا العدوّ، وأن يرصدوا تحركاته، وأن يضربوه الضربة القاضية، كلمّا أطلّ برأسه من جحره.

стр. 2073

وهذه الأجسام الغريبة الفاسدة التي تعيش فى كيان المجتمع الإسلامى، هى جماعة من المنافقين.. وقوله تعالى: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً» هو علامة مميزة من علامات النفاق، وعرض ظاهر من أعراضه.. فالشّك فى آيات الله، والتشكيك فيما تحمل من هدى، ومن خير، ومن نور- هو كفر يستره نفاق، وهو نفاق يصرّح عن كفر! فإذا قال قائل هذه الكلمة الضالّة: «أيّكم زادته هذه إيمانا» - إذا قالها فيما بينه وبين نفسه، فإلى الله حسابه، وعليه عقابه، أما إذا قالها فبلغت أسماع المسلمين، فذلك كيد يكيد به للإسلام، وحرب خفيّة بالكلمة المضلّلة يطعن بها فى صدورهم.. فهو بهذا محارب يلقاه المسلمون بما يلقون به المحاربين من أعدائهم. وفى قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» ردّ مفحم للمنافقين، وتكذيب فاضح لنفاقهم، وكفرهم بآيات الله، وضلال أبصارهم وبصائرهم عن الهدى والنور الذي تحمله آيات الله بين يديها.. فالذين آمنوا، تزيدهم آيات الله إيمانا مع إيمانهم، بما يطالعون فيها من وجوه جديدة تتجلّى فيها آيات الله، وتشعّ منها ألوان مضيئة كاشفة عن عظمة الخالق، وجلاله، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته.. فكل آية جديدة يلقاها المسلمون، وكل سورة جديدة تطلع عليهم من عند الله، هى خير جديد يضاف إلى ما بين أيديهم من خير، وهو نور جديد يمدّ به ما عندهم من نور.. ولهذا فهم يستبشرون بكل آية تنزل عليهم، لأنها تزودهم بزاد جديد من الإيمان والتقوى، وتسير بهم خطوات واسعة إلى الله، تدنيهم من رحمته، وتقربهم من رضوانه..

стр. 2074

وفى قوله تعالى: «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» . بيان لما يحصّله المنافقون والذين فى قلوبهم مرض، من آيات الله التي تنزل من السماء هدى ورحمة للعالمين، فهى إنما تزيدهم عمى إلى عمى، وضلالا إلى ضلال، وفسادا إلى فساد.. إنهم أشبه بالهوامّ والحشرات التي يجرفها الغيث الهاطل، ويغرقها السيل المندفع، على حين يحيا به كل كائن حىّ، ويهشّ له ويهنأ به كل ذى حياة.. وإنهم لأشبه بالخفافيش يأخذ ضوء الشمس على أبصارها، فتكتحل منه بالعمى، على حين تكتحل الأشياء كلها بهذه الآية المبصرة من آيات الله بالهدى والنور! قوله تعالى: «أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ» هو تقريع وتوبيخ لهؤلاء المنافقين الذين يقفون مواقف الخزي والفضيحة بين يدى آيات الله، مرة أو مرتين كل عام، حيث يفضح القرآن منهم فى كلّ مرة، مخزية من مخزياتهم، ويكشف المسلمون موقفا لئيما من مواقفهم.. ثم لا يأخذون من هذا عبرة أو عظة، ولا يجدون فيما فضح الله من أسرارهم، وما أخرج مما فى صدورهم- آية على علم الله، وعلى وجود الله، فيؤمنوا به، ويتوبوا إليه.. بل إنهم على ما هم عليه، من كفر وضلال: «لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ» . وقوله تعالى: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» . وهذه حال أخرى من أحوال المنافقين مع آيات الله، حين يستمعون إليها مع من يستمع إلى آيات الله من المؤمنين.. إنهم يلقونها بالشكّ والارتياب، حتى لتكاد تفضحهم ألسنتهم بما يدور

стр. 2075

فى رءوسهم، فينظر بعضهم إلى بعض، نظرات متلصصة، تبحث عن مهرب تهرب منه من بين يدى آيات الله، حتى لا ينفضح أمرهم بين يديها.. فإذا وجدوا فرصة مواتية للهرب انسلّوا، وفروا مسرعين: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» .. وفى قوله تعالى: «صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» حكم عليهم من الله بأنه قد صرف قلوبهم عن الحقّ، وختم عليها أن ترى الهدى، وأن تطمئن إليه، لأنهم قوم لا يفقهون شيئا، ولا يفرقون بين نور وظلام، وهدى وضلال.. «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا..» الآيتان: (١٢٨- ١٢٩) [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) التفسير: بهاتين لآيتين تختم سورة التوبة- وهو ختام يلخص فى إيجاز وإعجاز مضمونها كلّه.. فقد كانت هذه السورة معركة متصلة، بين الإسلام، وبين النفاق، والشرك، والكفر.. وذلك فى محيط المجتمع العربىّ، بدوه وحضره. إذ كان هو ميدان الرسالة الإسلامية الأولى، ومنطلق رحلتها فى المجتمع الإنسانى كله، حيث كانت الأمة العربية، هى الأمة التي أرادها الله لحمل هذه الرسالة، وجعل منها الوجه الذي تظهر فيه أمارات هذا الدّين، وتتجلّى آثاره، ووكل إليها دعوة

стр. 2076

الناس جميعا إلى هذا الخير الذي بين يديها، ليطعموا منه كما طعموا، وليهتدوا إلى الله كما اهتدوا.. وفى قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» - إلفات للعرب إلى هذه النعمة الكبرى التي أنعم الله بها عليهم، وهو أنه- سبحانه- قد تخير رسوله إليهم منهم، وجعل مطلع الخير الذي يحمله، فيهم أولا.. وهذا من شأنه أن يجعل منهم القوة التي تظاهر هذا الرسول، وتقف إلى جواره، وتستظل برايته لا أن يكونوا حربا عليه، وعداوة متربصة به.. إنه منهم، وليس غريبا عليهم.. إنه يعرفهم وهم يعرفونه، ويعرفون مولده فيهم، ونسبه القريب منهم.. فكيف يلقونه بالعداوة؟ ثم كيف يحاربونه ويكيدون له، وهو الذي يحمل إليهم الخير الخالص، ويسوق إليهم الهدى والنور؟ إنهم بهذا يظلمون أنفسهم، إذ يحرمونها هذه النعمة، التي ساقها الله إليهم، على تلك اليد الكريمة التي تحيرها الله منهم، وإنهم ليخرجون على سنن العروبة وأخلاق العرب، فى الانتصار لمن كان منهم، والتعصب له، والاستجابة لدعوة الداعي حين يدعوهم.. حتى لقد كان شعارهم، بل دينهم الذي يدينون به: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، وحتى ليقول شاعرهم عنهم: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات على ما قال برهانا فكيف لا يستجيبون للرسول الكريم، وهو منهم، وقد جاءهم بالبرهان المبين والحجة الساطعة الدامغة؟ وفى قوله تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ.. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» إلفات للعرب أيضا إلى ما يحمل الرسول الكريم من مشاعر الحب لقومه، والحدب عليهم، بما لم يعرف إلا فى الآباء للأبناء، وحدبهم عليهم، حتى لقد حمل ذلك الحبّ وهذا الحدب النبىّ الكريم، على أن يبيت مؤرّقا مسهدا موجعا، لخلاف قومه

стр. 2077

عليه، وتفلّتهم من بين يديه، وهو يدعوهم إلى النجاة، وهم يلقون بأنفسهم فى مهاوى الهالكين، وحتى لقد نبه الله سبحانه النبىّ الكريم إلى أن ينظر لنفسه، وأن يتخفف من هذه الحسرات التي تملأ قلبه، وتملك مشاعره، فيقول له سبحانه: «لَعَلَّكَ باخِعٌ «١» نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (٣: الشعراء) ثم يقول له: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» (٨: فاطر) . ومعنى قوله تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» أي شاقّ عليه، ومؤلم له إعناتكم له، وخلافكم عليه.. ومنه قوله تعالى: «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» أي غلبنى وقهرنى.. فالعزة- فى أصلها- الشدة والصلابة، وفى المثل: «من عزّ بزّ» أي من غلب وقهر كان له أن يبزّ الناس، ويستولى على ما فى أيديهم.. فالنبى ﷺ قد اشتد عليه وآلمه، إعنات قومه له، وخلافهم عليه.. والإعنات والعنت: البلاء، والمشقة، التي تضيق بها النفس، ولا تحتملها.. ومنه قوله تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» (٢٥: النساء) . وفى قوله تعالى: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى أن عطف النبي ورحمته بالناس وحدبه عليهم، ليس لقومه وحدهم، وإنما هو نفس رحيمة كريمة تتّسع للناس للمؤمنين جميعا، من كل جنس، ومن كل لون.. فهو رءوف رحيم بكل مؤمن، حريص على هداية كل نفس واستنقاذها من الضلال، والضياع! وفى وصف النبي الكريم بهاتين الصفتين الكريمتين من صفات الله سبحانه:

стр. 2078

«رَؤُفٌ رَحِيمٌ» تكريم للرسول الكريم، ورفع لقدره عند ربه. قوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» - هو عزاء للنبى الكريم فيما لقى ويلقى من قومه، من كيد، وما يكابد من شقاقهم وخلافهم. وهو فيصل الأمر فيما بينه وبينهم.. إنه يدعوهم إلى الله، ويبسط إليهم يده بالخير.. وهذا هو المطلوب منه «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» فإن أجابوا، فقد أخذوا بحظهم من هذا الخير المسوق إليهم، وإن تولوا وأبوا، فالله غنى عنهم، ورسوله لائذ بجناب لا يضام، ومستند إلى حمى لا ينال.. إنه جناب الله، وحمى الله.. وذلك حسبه، وكفايته.. «حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» .

стр. 2079

١٠- سورة يونس نزولها: مكية.. باتفاق. عدد آياتها: مائة آية، وتسع آيات. عدد كلماتها: ألف وأربعمائة وتسع وتسعون كلمة. عدد حروفها: سبعة آلاف وخمسة وستون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ٤) [سورة يونس (١٠) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) التفسير: مناسبة هذه السورة لما قبلها، هى أن سورة التوبة التي سبقتها قد ختمت بقوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ..»

стр. 2080

وفى هذا إلفات للعرب عامة، ولقريش خاصة إلى الحقوق الإنسانية الواجبة عليهم نحو هذا الرسول. المبعوث إليهم من بينهم، ومن ذوى قرابتهم.. وهذه السورة، جاء ابتداؤها منكرا على قريش وعلى العرب تنكّرهم لهذا الرسول، ووقوفهم منه موقف المشاقة والعناد، مع ما بين يديه من آيات ربه، التي تشهد بأنه رسول رب العالمين. فناسب لذلك أن تجىء سورة يونس، بعد سورة التوبة، إذ كانت خاتمة التوبة أشبه بسؤال، وكان بدء يونس أشبه بجواب لهذا السؤال ... أو كانت خاتمة التوبة تقريرا لحكم، وكان بدء يونس تعقيبا على هذا الحكم. قوله تعالى: «الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» . وتبدو واضحة هنا دلالة الحروف: «الر» حيث أشير إليها بأنها آيات الكتاب الحكيم.. بمعنى أن هذا الكتاب الحكيم، وهو القرآن الكريم، قد نظم من مثل هذه الأحرف، فجاء على تلك الصورة من الإحكام والإعجاز.. وعلى هذا، تكون «الر» مبتدأ وجملة «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» خبر هذا المبتدأ. وهنا كلام محذوف يدل عليه سياق النظم الذي سبق هذه الآية فى آخر سورة التوبة، والذي جاء بعدها فى هذه السورة.. وتقدير هذا المحذوف هو: الر تلك هى آيات الكتاب الحكيم، الذي جاء به هذا النبي العربي.. فماذا ينكر الناس من هذا الكتاب الحكيم؟ أو يكون التقدير هكذا: الر هى تلك آيات الكتاب الحكيم، الذي جاء به النبي العربي إلى قومه فردّوه وأنكروه!

стр. 2081

ووصف الكتاب بالحكمة، هو الوصف اللائق به من أوصاف الكمال والجلال.. إذ الحكمة هى مجمع كل صفات الكمال.. وكل صفة من صفات الكمال لا تكون كاملة إلا إذا ازدانت بالحكمة، ووزنت بميزانها.. فلا تستغنى صفة من صفات الكمال عن الحكمة، على حين أن الحكمة مستغنية بنفسها عن كل صفة! ولهذا كان الوصف الملازم للقرآن، أو الغالب عليه هو الوصف بالحكمة. وفى هذا يقول الله تعالى فى صفته: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» . ويقول جل شأنه: «وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» (٤٤: الزخرف) .. ويقول سبحانه: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (١: هود) . قوله تعالى: «أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» . فى هذه الآية إنكار على مشركى العرب خاصة موقفهم من الرسالة الإسلامية، وشغبهم على رسولها، وعجبهم ودهشهم من أن يكون المبعوث إليهم- رسولا- من الله، رجلا منهم.. إنهم لا يتصورون أن يكون إنسان يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، ويولد كما يولدون، ويلد كما يلدون- لا يتصورون أن يكون مثل هذا الإنسان رسولا يوحى إليه من الله، ويتلقّى كلماته.. إنهم- لكى يقع فى تصورهم قيام رسول بين الله والناس- لا يقبلون هذا الرسول ولا يصدقونه، إلا إذا كان فى غير جلد البشر.. كأن يكون ملكا مثلا! وقد حكى القرآن تصوراتهم وأوهامهم تلك فى قوله

стр. 2082

تعالى: «وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» (٧: الفرقان) ولو عقلوا لعرفوا أن الملائكة لا تستقيم لهم مع الناس حياة، بل يكون ظهورهم فى الناس موضع فتنة لهم، تأخذ على ألبابهم، وتستولى على عقولهم، وتقيمهم فى الحياة مقاما مزعجا مضطربا. ولو أنهم كانوا على شىء من النظر والرويّة، لنظروا أولا فى وجه تلك الدعوة التي يدعوهم الرسول إليها، ويريدهم على أن يأخذوا منها لدنياهم وأخراهم جميعا.. إذن لعرفوا أنها دعوة إلى خير خالص، ومسيرة إلى منهل عذب مصفّى.. وإنه ليس أخسر صفقة ولا أضلّ سبيلا من إنسان يدعى إلى خير فيتأبّى عليه، وينبه إلى نار تمتد بلهيبها إليه، فيلقى بنفسه بين ضرامها.. وهذه هى دعوة الرسول إليهم، وتلك هى رسالته فيهم: «أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» .. إنه ينذرهم ذاء يسكن فيهم، ويغتال وجودهم. وهو هذا الشرك الذي هم عليه.. ويبشرهم برضوان الله، ونعيم جناته إذا هم تخلصوا من هذا الداء، وآمنوا بالله، واستقاموا على شريعة الله! .. فماذا ينكر العقلاء من أمر دعوة هذه أوجهها، وتلك وجهتها؟ ثم ما شأنهم وشأن هذا الذي يدعوهم إلى هذا الخير؟ وماذا يعنيهم منه إن كان بشرا أو غير بشر؟ إنهم لو عقلوا لكان همهم الأول هو الأخذ بحظهم من هذا الخير المحمول إليهم.. ولكن أنّى للعمى أن يبصروا، وأنى للصمّ أن يسمعوا؟ - وفى قوله تعالى: «قَدَمَ صِدْقٍ» مجاز مرسل، يراد به مكان صدق ومنزلة صدق.. إذ كانت القدم هى العاملة الساعية إلى كل غاية يريد الإنسان بلوغها..

стр. 2083

وإضافة القدم إلى الصدق، إشارة إلى الطريق الذي تسلكه هذه القدم، حتى تصل بصاحبها إلى جناب الله، وتنزل بساح رضوانه، ونعيمه، وهى طريق الحق، والصدق، وإلا كان مسعاها على الضلال، وإلى الضلال والبلاء. والله يقول: «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ» ؟ وقوله تعالى: «قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» هو جواب عن سؤال يقتضيه هذا المقام، وينطق به لسان الحال، وهو: ماذا كان موقف الناس من تلك الدعوة التي جاءهم الرسول بها؟ والجواب الذي ينطق به الواقع هنا فى هذا الوقت هو: لقد استجاب له قليلون، وبهته وكدّبه كثيرون. ولكن القرآن الكريم جاء بالجواب الذي يكشف عن المجرمين، ويمسك بهم وهم متلبسون بجريمتهم: «قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» .. لقد ضلّوا، وعموا.. فما أبعد ما بين دعوة الرسول ومعطياتها، وبين السّحر وشعوذته!! وفى وصف السحر بأنه سحر مبين شهادة عليهم بأن القرآن على مستوى فوق مستوى ما يعرفون من كلام، وأنه من واردات السحر المبين العظيم، الذي لا يحسنونه!! وماذا عليهم لو قالوا إن هذا القرآن من عند الله، ومن واردات السماء، إذ كان عندهم فوق مستوى البشر؟ وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» ..

стр. 2084

هو ردّ مفحم مخرس على قولهم: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» . إن الصميم من الدعوة التي يدعوهم الرسول إليها، هو الإيمان بالله واتخاذه ربّا متفردا بالربوبية وحده، لا شريك له.. إنه خالقهم، وخالق كل شىء. خلق السموات والأرض فى ستة أيام، وقام بجلاله وسلطانه على هذا الوجود الذي انفرد بخلقه، وانفرد بسلطانه عليه! فهكذا شأن كل مالك فيما ملك.. وهكذا شأن كل سلطان فيما تحت يده، أنه متسلط عليه، متصرف فيه كيف يشاء، وإلا فما استحق هذا الوصف. والله سبحانه، هو الذي يدبّر أمر الملك الذي تحت سلطانه، ويقدّر أقواته وأرزاقه، ويمسك وجوده، ويحفظ نظامه.. وليس لأحد شفاعة عنده فى أحد إلا بإذنه، فضلا وكرما منه، لمن أراد له الفضل والكرامة من عباده.. وأيّا ما كان لهذا المخلوق الذي أذن له بالشفاعة- من منزلة عند الله، فهو عبد من عباده، خاضع لمشيئته، مقرّ بعبوديته، خاشع لجلاله وعظمته!. فما أضلّ هؤلاء الذين يتخذون من خلقه آلهة يعبدونها من دونه.. إنّهم يسقطون من عل، إذ يتخذون من المخلوقات آلهة لهم، ويدعون الخالق الذي خلقهم، وخلق ما يعبدون.. «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» (٢٦- ٢٩: الأنبياء)

стр. 2085

- وقوله تعالى: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» إشارة إلى الإله الحق، الذي ينبغى أن توجّه إليه الوجوه، وتسجد له الجباه. - وفى قوله تعالى: «أَفَلا تَذَكَّرُونَ» تسفيه لهؤلاء الضالين، وتسخيف لأحلامهم، التي تركب الضلال، وتتنكب طريق الحق، وبين يديها صبح مشرق مبين. قوله تعالى: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» . هو استعراض لبعض قدرة الله، وفيه وعيد للكافرين، وأنهم ليسوا كما ظنّوا وقالوا: «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» (٣٧: المؤمنون) لقد كذّبتهم أنفسهم، وغرّهم بالله الغرور.. «أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (٤- ٦: المطففين) «ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ» (٥١- ٥٦: الواقعة) . فالبعث أمر حكم الله به، حكما لا مردّ له.. «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» .. - وفى قوله تعالى: «إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» إشارة إلى إمكانية إعادة الخلق بعد موتهم، فإن ذلك لا يعجز من خلق الخلق ابتداء، وجاء بهم على

стр. 2086

غير مثال سابق.. فإعادة الشيء إلى أصله بعد فساده، وانحلاله أهون- فى تقديرنا نحن البشر- من إنشائه ابتداء على غير مثال سبق.. والله يقول: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ» (١٠٤: الأنبياء) .. ويقول سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (٢٧: الروم) .. وفى قوله تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» بيان للحكمة التي من أجلها كان بعث النّاس، ورجعتهم إلى الله بعد موتهم.. وهى أن يوفّى النّاس أجورهم، وينالوا جزاء أعمالهم.. إذ الحياة الدنيا دار ابتلاء وعمل، والحياة الآخرة دار حساب وجزاء.. الدنيا مزرعة الزارعين، والآخرة حصاد الحاصدين.. ومن هنا كان من مقتضى حكمة الخالق أن يعيد النّاس بعد موتهم، ليوفّيهم جزاء أعمالهم فى الدنيا.. «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ» أي بالحق والعدل، «وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ» أي من سائل حارّ كما يقول الله تعالى «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ» (٤٣- ٤٦: الدخان) . «وَعَذابٌ أَلِيمٌ» أي ومع هذا الشراب من الحميم عذاب أليم، وبهذا يحتويهم العذاب من الداخل والخارج، فى بطونهم، وفى أجسادهم.. «بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» وذلك بسبب كفرهم بالله، وصدّهم عن سبيله.. والسؤال هنا:

стр. 2087

لم جاء قوله تعالى «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ» مقيّدا الجزاء بأنه جزاء بالقسط، ولم يرد هذا القيد فى جزاء الكافرين؟ وهل يجازى أحد إلا بالقسط والعدل؟ والله يقول: «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ» (٤٧: الأنبياء) . فما جواب هذا؟ نقول- والله أعلم-: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قد كان لهم من أعمالهم الصالحة ما يقيم ميزانهم، ويجعل لهم حسابا على كفّتى الميزان، كفّة الحسنات، وكفّة السيئات.. فما كان لهم من حسنات رأوه فى كفّة الحسنات، وما كان لهم منهم سيئات، رأوه فى كفّة السيئات.. لم تضع مثقال ذرة من أعمالهم، هنا، أو هناك.. فحسابهم قائم على القسط، والحق، والعدل.. وكذلك جزاؤهم.. إنه قائم على القسط، والحق، والعدل.. وليس ذلك الجزاء القائم على القسط بالذي يحجز فضل الله عنهم، أو يحول بين رحمته وبينهم.. فإن من تمام العدل أنّه أخذ المسيء بإساءته، أن يزاد للمحسن فى إحسانه، لشرف الإحسان فى ذاته، ولقدر العمل الصالح فى نفسه. فيشرف- لذلك- بالإحسان أهله، ويكرم بالعمل الصالح ذووه.. وفى هذا يقول الحقّ جلّ وعلا: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» (٢٦: يونس) . أما الكافرون فلا شىء لهم فى الآخرة يقام لهم ميزان به، إذ كانت كلّ أعمالهم ضلالا فى ضلال، لأن أي عمل- مع الكفر- وإن كان فى باب الصالحات، هو باطل لا وزن له، إذ لم يزكّه الإيمان.. فهو أشبه بالحيوان الطيب لحمه، الحلال أكله، يموت حتف أنفه، أو خنقا، أو غرقا..

стр. 2088

فيصبح خبيثا حراما! والله يقول: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (١٨: إبراهيم) .. ويقول سبحانه: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» (٣٩: النور) .. فأى ميزان يقام لهؤلاء الضّالّين الكافرين، وليس لهم فى كفّة الصالحات شىء يوزن؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً» (١٠٣- ١٠٦: الكهف) [الجزاء الدنيوىّ.. وجزاء الآخرة] وسؤال آخر يعرض هنا، وهو: لم كان الموت ثم البعث حتى يقع الجزاء؟ وهلّا كان الجزاء معجّلا فى هذه الدنيا حتى يكون أثره ظاهرا فى هذه الحياة، تتمثل فيه العبرة والعظة، ويقع به النفع لمن اعتبر واتعظ؟ ثمّ ما وقع هذا الجزاء المؤجّل، على هذا الإنسان الذي مات وصار رميما وترابا.. ثم يبعث بعد هذا الزمن الطويل الذي لا يعلم مداه إلا الله؟ والجواب على هذا السؤال أو تلك الأسئلة، نوجزه فيما يلى: فأولا: لا شكّ أن هناك جزاء معجلا لكل عمل يعمله الإنسان، من

стр. 2089

حسن أو سيىء، فكل عمل يحمل فى كيانه الجزاء الذي يستحقه صاحبه، على أية صورة من الصور.. وليس من الحتم اللازم، بل ولا من المطلوب المستحبّ أن يكون الجزاء من جنس العمل، كمّا ونوعا وكيفا.. فقد يكون العمل ماديّا وجزاؤه روحيّا نفسيّا.. وقد يكون من نوع ما، ويكون جزاؤه مماثلا له ولكن من نوع آخر، ثم قد يكون كمّا من نوع معيّن، فيقع جزاؤه موزعا فى أنواع متعددة من الجزاء.. وفى الحياة الدنيا شواهد كثيرة لهذا.. فى جانب الأعمال الصالحة، وفى جانب الأعمال السيئة، على السواء.. ونضرب لهذا مثلا لكل جانب من هذين الجانبين: رجل من عباد الله الصالحين، أقام نفسه على طريق الحق، والخير.. يؤدى حقوق الله، وحقوق العباد.. فيصلى، ويصوم، ويزكى، ويقول كلمة الحق ولو أصابه منها ضرّ وأذى، ولا يطفف الكيل، ولا يخسر الميزان.. هكذا سيرته وشأنه فى الحياة، وتلك سيرته مع الناس.. ثم يرى مع ذلك فى حال من ضنك العيش، وضيق الرزق، ثم قد يكون إلى ذلك مبتلى بآفة فى جسمه، أو علّة فى ولده.! لا شك أن ظاهر الحال ينبىء هنا عن أن هذا الإنسان شقى، وأنه لم يجن من صلاحه وتقواه إلّا هذا البلاء الذي هو فيه! فأين هو الجزاء الحسن للعمل الحسن؟ وأين هى ثمرة الإحسان التي يجنيها من زرع الإحسان؟ والجواب، الذي ينطق به لسان الحال، أنه لم يجن من إحسانه غير الشوك والحسك، الذي أدمى يديه، ونزف دمه!

стр. 2090

ولكن الحقيقة كامنة وراء هذا الظاهر الذي تقف على حدوده الأبصار الكليلة، والبصائر المغلقة.. فلو ذهب ذاهب يفتش عن هذا الإنسان، لوجد باطن أمره على خلاف ظاهره.. وأنه وإن بدا فى مرأى العين فقيرا، فهو فى واقعة غنىّ، وأنه إن حسب فى عداد الناس شقيّا فهو عند نفسه سعيد، وأنه إن عدّ فى منازل الرجال قزما قميئا، فهو طوال عملاق، لا يقاس به أطول الرجال، وأنه إن بدا ضعيفا هزيلا، فهو قوى جبّار، يضع قدميه فوق رءوس الأقوياء والجبارين.. فهذا الإنسان الذي لا تأخذه العيون، ولا تقف عنده الأنظار- هو قلب ينبض بالرضا، ونفس تتنفس السعادة، وروح تستروح الغبطة.. يجد برد العافية يمس كل مشاعره ووجداناته، وأنسام النعيم تعطر الحياة من حوله، فيخطر فيها متراقصا كما يتراقص الفراش على أزهار الرّبا! وإن هذا الإنسان الذي لا نشبع بطنه من لقمة العيش.. هو قائم على مائدة حافلة بالطيبات من المثل الكريمة الفاضلة، يتخير منها ما يطيب له، لغذاء عواطفه ومشاعره.. وهذا الإنسان الضعيف الهزيل، الذي لا يكاد تحمله قدماه.. هو نسر يضرب بجناحيه فوق هذا العالم الترابي، محلقا فى سماوات لا حدود لها، حتى ليكاد يطاول النجوم فى أفلاكها.. أتريد لهذا شاهدا يشهد لما نقول؟ اقرأ سير الأبطال- أبطال الإنسانية الحقيقيين- الذين كانت دنياهم جنة من جنات الله على هذه الأرض.. فعرفوا طعم السعادة، ورضعوا أخلاف النعيم،

стр. 2091

لا فى هذه القصور الشامخة، وما تكتظّ به من أثاث ورياش، وما يموج فيها من جوار وغلمان، وما تحفل به من موائد ومطاعم، وما يساق إليها من ذهب وفضة.. ولكن فى بيوت متواضعة، تسكنها نفوس عمرتها السكينة، وتعمرها قلوب عمرها الحق والعدل والخير.. أعرفت شيئا من سيرة عمر بن الخطاب؟ وأعرفت كيف كان طعامه لقيمات جافة من خبز الشعير وإدامه قطرات من الزيت أو الخل، لا يجتمعان معا.. وهو خليفة المسلمين، ووارث ملك القياصرة، وعرش الأكاسرة؟ وأ رأيت كيف كان لباسه من المرقع الخشن، وبين يديه ما شاء من دمقس وحرير، مما جلب من صنعة الشام، والعراق، ومصر، واليمن؟ ثم أشهدت خليفة المسلمين وهو قائم فى الشمس يهنأ إبل الصدقة، ويعالج جر باها؟ لا تنظر فى هذا إلى عظمة عمر، ولا إلى زهده، وعفته، ولا إلى خوفه من ربه وخشيته ليوم لقائه، وانظر إلى عمر، وإلى السعادة الغامرة التي تملأ جوانحه، وتفيض على الناس من حوله.. إن عمر وهو يردّ شربة الماء البارد فى يوم صائف، ويرفعها عن شفتيه حين وجد نفسه تهشّ لها، وترقص طربا لاستقبالها- إنه ليجد السعادة مضاعفة حين غلب هواه، وحطّم شهوته، وقهر سلطانها.. إنه الآن ملك غير مملوك، وسيد غير مسود، وقادر غير عاجز، ومتسلط غير متسلط عليه، وحاكم غير محكوم.. وشتان بين عمر لو شرب هذا الماء، وبين عمر هذا الذي أبى على نفسه أن تشربه! هذه لغة لا يعرف مدلول ألفاظها إلّا من عانى مثل هذه التجربة وعاشها،

стр. 2092

ووقف من نفسه ولو مرة واحدة، إزاء شهوة غالبة، أو هوى قاهر، فاستعلى على شهوته، وأمسك بزمام هواه.. ذلك هو الذي يدرك معنى السعادة التي كان يعيش فيها عمر ومن أخذ مأخذ عمر، وسار على طريقه.. فى القناعة، والتعفف، والاستقامة.. من كلمة حكيمة لسقراط يقولها لأحد معاصريه: «يبدو أنك تظنّ أن السعادة فى الترف والإسراف.. أما أنا فأرى أنك إذا لم تكن فى حاجة إلى شىء لكنت شبيها بالآلهة، وأنك كلما أقللت من حاجتك قدر استطاعتك كنت أقرب ما تكون إلى الآلهة» . هذه هى السعادة الحقيقية الكاملة فعلا. السعادة التي يحصل عليها المرء بالاستعلاء على شهواته، والاستغناء عن الكثير من الضرورات التي تقيّد خطوه، وتثقل كاهله.. والناس على منازلهم من القدرة على امتلاك ناصية شهواتهم، والتحكّم فى زمام أهوائهم، فهم بين قادر متمكن، وواقف بين القدرة والعجز، وعاجز مستسلم.. وكلما كان الإنسان أقدر على قهر شهواته وردع أهوائه كلما علا وارتفع، وحلّق فوق هذا المستوي الذي يتقلب فيه الناس.. ولهذا تجد التفسير الصحيح لتلك المواقف الرائعة المذهلة، التي كان يقفها أناس لا حول لهم ولا طول، فى وجوه الجبابرة والمتسلطين من أصحاب الجاه والسلطان. فإذا هذا الجبار المتسلط، يسقط بجاهه وسلطانه، ويهوى بجبروته وسطوته بين يدى هذا الإنسان الذي ليس بين يديه شىء من جاه أو سلطان، وإنما سلطانه وقوته فيما انطوت عليه جوانحه من استقامة وصلاح.. وليس لهذه القوة الروحية، وتلك العظمة النفسية، طبقة معينة من الناس،

стр. 2093

ولا صفة خاصة مميزة لهم، وإنما هى لمن يطلبها، ويؤدّى من ذات نفسه الثمن المطلوب لها.. فهى تلبس الصعلوك، كما تلبس الأمير، وتكون فى الحاكم كما تكون فى المحكوم. فهذا أعرابىّ من أجلاف البادية، يقف للحجاج طاغية زمانه، فيخرسه، ويذلّ كبرياءه، ويحطّم جبروته. سأله الحجاج عن أخيه محمد بن يوسف الثقفي، قائلا: كيف تركته؟. قال الأعرابى: تركته بضّا سمينا؟ قال الحجاج: لست عن هذا أسألك! قال الأعرابى: تركته ظلوما غشوما! قال الحجاج: أو ما علمت أنه أخى؟ قال الأعرابى: أتراه بك أعزّ منى بالله؟ هذه هى القوة التي لا تتخلّى عن صاحبها أبدا، ولا تخذله فى موقف من المواقف. إنها تختلط بدمه، وتسرى فى مشاعره وتسكن فى وجدانه.. وهى مصدر سعادة ورضا، يغتذى منها صاحبها أكثر وأهنأ مما يغتذى صاحب السلطان من سلطانه. والمشاهد فى الحياة دائما هو أن أصحاب الجاه والسلطان، وأهل الجبروت والقهر، إذا استبان لهم وجه إنسان تعلوه ملامح الصلاح والتقوى، تخاضعوا بين يديه، وتخاشعوا له، وسعوا إلى مرضاته، ولم يستنكفوا أن يكونوا من ورائه، خدما يخدمونه، ويتبعون إشارته!!

стр. 2094

وقد استشفّ بعض الصالحين هذه الظاهرة، ووقع على السرّ الكامن فيها.. حين نظر فوجد أن الأطفال يتحكمون فى الكبار، حيث ينزل الكبار إلى مستواهم، يلاعبونهم، ويلاطفونهم، ويجدون السعادة والرضا فى خدمتهم والسهر على راحتهم.. وقد علّل ذلك بأن الطفولة أقرب عهدا بالله، وأطهر نفسا، وأصفى روحا. فهى فى صفائها وطهارتها أقرب ما تكون إلى الملائكة، ومن هنا سخّر الله الكبار لخدمة الصغار.. والأخيار الصالحون أقرب ما يكونون إلى الأطفال، فى براءتهم وطهرهم.. ومن هنا كان سلطانهم على الناس، ومكانتهم فيهم أشبه بسلطان الطفولة القاهر على الآباء وغير الآباء.. إنهم أقرب إلى الله من كل عباد الله.. ومن كان من الله أقرب، سخّر له من كان من الله أبعد، ومن كان فى طاعة الله، كان الناس فى طاعته! كان أبو عبد الله التونسى فى مدينة تلمسان، مشهورا بين الناس بالصلاح والتقوى، فمرّ به يحيى بن يقان حاكم تلمسان فى خدمه وحشمه، فقيل له: هذا أبو عبد الله التونسىّ، فمسك لجام فرسه، وسلم على الشيخ، فردّ ﵇، وكان على الملك ثياب من فاخر الحرير، فقال يا شيخ: هذه الثياب التي أنا لابسها أتجوز لى الصلاة فيها؟ فضحك الشيخ، فقال الحاكم: ممّ تضحك؟ قال: من سخف عقلك، وجهلك بنفسك وحالك، مالك تشبيه عندى إلا بالكلب، يتمرغ فى دم الجيفة وأكلها وقذارتها، فإذا جاء يبول يرفع رجليه، حتى لا يصيبه البول! «وأنت وعاء ملىء حراما، وتسأل عن الثياب، ومظالم العباد فى عنقك؟ قالوا: فبكى الحاكم، ونزل عن فرسه، وخرج عن سلطانه من حينه، ولزم

стр. 2095

الشيخ، فمسكه الشيخ ثلاثة أيام، ثم جاء بحبل، فقال له: قد فرغت أيام الضيافة فقم، فاحتطب.. فكان يأتى بالحطب على رأسه، ويدخل به السوق، والناس ينظرون إليه ويبكون..» . أفليس هذا جزاء الخير والإحسان فى الدنيا؟ أو ليس هذا السلطان المتمكن الذي يعطاه أهل الصلاح والتقوى فى هذه الدنيا، جزاء طيّبا مسعدا لهم؟ ثم أليس هذا دليلا على أن كل عمل طيّب صالح يعطى ثمرته، عاجلة طيبة، بقدر ما فيه من طيب وصلاح؟ وعلى عكس هذا الأعمال الرديئة الخبيثة.. إنها تحمل فى كيانها الجزاء الرديء الخبيث لأهلها، على قدر ما فيها من رداءة وخبث، مكيالا بمكيال!! ولا نسوق لهذا الأمثال والشواهد، فشاهد الأعمال الصالحة، وما يعود منها على أهلها من خير، يعكس الصورة المقابلة للأعمال الرديئة الخبيثة، ويعطى الحكم الواقع عليها، وهى أنها شرّ وبلاء ونقمة على أصحابها فى الدنيا. على قدر ما فيها من رداءة وخبث، سواء بسواء، وصاعا بصاع! أما لماذا الجزاء الأخروى، إذا كان الناس- أخيارا وأشرارا- قد وفّوا جزاء أعمالهم فى الدنيا، وجوزوا عليها بالخير خيرا، وبالشرّ شرا؟ ونقول: إن الإنسان- وهكذا شاء الله له- ليس مخلوقا لهذه الدنيا وحدها، وليست حياته كحياة الحيوان تنتهى على هذه الأرض بنهاية عمره فيها. وإنما الإنسان فى منزلة هى عند الله أكرم وأشرف مما على هذه الأرض من كائنات.. إنه خليفة الله على هذه الأرض، فإذا أدّى مدة خلافته فيها، انتقل إلى عالم آخر غير هذا العالم، ونزل دارا أخرى غير تلك الدار.. هى أخلد وأبقى..

стр. 2096

وليس الموت الذي ينزل بالناس إلا وقفة على طريق الحياة الأبدية، واستعدادا لدخول عالم جديد، غير العالم الذي كانوا فيه. إنه أشبه شىء بالمسافر ينتقل من منطقة جبلية ثلجية إلى منطقة حارة قائظة.. إنه لا بد أن يقف على مشارف على هذه المنطقة الجديدة، فيتخفّف من ملابسه الثقيلة، وما كان معه من أدوات التدفئة..! وبمعنى آخر.. ليس هناك بالنسبة للإنسان موت بالمعنى الذي يقع على النفوس من كلمة «موت» ، كما تموت الدواب والطيور والحشرات.. وإنما هى حياة على أتم ما تكون الحياة، وإن اختلف لونها وطعمها، كما تختلف طعوم الحياة وألوانها عند الإنسان، حين ينتقل نقلة بعيدة من قارة إلى قارة مثلا، على بعد فى التشبيه، واختلاف فى التمثيل.. واستمع إلى قول الرسول الكريم، وتلخيصه فى هذه الكلمات الرائعة المعجزة لقصة الحياة، والموت، أو قل- بمعنى أصح- قصة الحياة، وما بعد الحياة.. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «النّاس نيام.. فإذا ماتوا انتبهوا» ! فليست هذه الحياة التي يحياها الإنسان فى هذه الدنيا إلا أحلاما وأضغاث أحلام بالقياس إلى الموت، وما بعد الموت.. هناك يجد الناس وجودهم، وتلبسهم الحياة الحقيقية الكاملة.. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم فى كثير من آياته، فى معرض عرضه للدنيا والآخرة. فيقول : «وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (٦٤: العنكبوت)

стр. 2097

ويقول جلّ وعلا: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» (٢٠: الحديد) ويقول سبحانه: «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى» (١٧: الأعلى) ويقول ﵎: «وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» (٣٠: النحل) ويقول سبحانه: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ» (٢٦: الرعد) وإذن، فهناك حياة آخرة! وإذا كانت هناك حياة آخرة، فمن الطبيعي أن ينتقل إليها الإنسان بما حصّل فى حياته الأولى، وما جمع من خير أو شر، وما عمل من حسن أو قبيح.. فانتقال الإنسان من هذه الدنيا، لا يقطعه عما كان له فيها من عمل.. بل إن عمله كلّه سيصحبه إلى عالمه الجديد، كمن ينتقل من بيت إلى بيت، ومن بلد إلى بلد، نقلة إقامة واستقرار.. إنه يحمل كل ما فى داره الأولى إلى داره الثانية.. غاية ما هناك من فرق، هو أنه لا يتكلف لذلك جهدا ولا مشقة، بل سيجد كل ما عمل قد سبقه إلى هناك! إلى داره الجديدة، وإلى عالمه الجديد! وأرانا بهذا قد أجبنا على سؤال سألناه آنفا، وهو: ما وقع هذا الجزاء المؤجل، على الإنسان الذي مات وصار رميما وترابا ثم يبعث بعد هذا الزمن الطويل الذي لا يعلم إلا الله مداه؟ لقد عرفنا أن ليس هناك فترة انقطاع بالموت فى حياة الإنسان الممتدة من

стр. 2098

الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.. بل إن الموت فى واقعه هو حياة للإنسان، هو صحوة من نوم، وانتباه من غفلة، وانتقال من دار إلى دار، ومن عالم إلى عالم.! وقد أنكر كثير من الناس هذا الموت المسلّط على الإنسان، وعدّه عقوبة صارمة تنزل بالناس، فتسوّى بين الأخيار والأشرار. فيقول أحد شعراء هذا المذهب: إن يك الموت قصاصا ... أي ذنب للطّهاره وإذا كان ثوابا.... ... أىّ فضل للدّعاره وإذا كان وما فيه ... جزاء أو خساره فلم الأسماء: إثم وصلاح؟ لست أدرى! ونقول: ليس الموت فى ذاته قصاصا أو ثوابا.. وإنما هو موقف تتحول به أحوال الناس، على حسب ما لهم عند الله من ثواب أو عقاب، بما كان لهم فى الحياة الأولى من أعمال، تلائم العالم الجديد الذي نقلوا إليه، أو لا تلائمه.. فإن كانت مما يتلاءم مع العالم العلوي الذي نقلوا إليه نعموا بها، وسعدوا، وإن كانت مما لا تتفق وطبيعة هذا العالم شقوا بها، وابتلوا بالحياة معها.. فلكل عالم جوّه الذي تطيب فيه مغارسه، وتروج فيه عملته.. وهذا العالم العلوى لا تقبل فيه إلا الأعمال الطيبة الصالحة، ولا ينعم فيه إلا الطيبون الصالحون..

стр. 2099

أما الخبيث المرذل، فهو مردود على أهله، يطعمون من خبثه، ويتقلبون على شوكه! فالأعمال التي يعملها الناس فى حياتهم الدنيا، هى زادهم الذي يطعمون منه فى الآخرة، فإذا كان ما عملوه صالحا، وجدوا الحياة الطيّبة معه، حيث يتلاءم مع الدار الجديدة التي نقلوا إليها، والتي لا يقبل فيها إلا ما كان طيبا.. أما الرديء الخبيث فهو ردّ على أهله، وبلاء على أصحابه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» (٣٤- ٣٥: التوبة) .. فهذا الذهب الذي اكتنزه المكتنزون، وبخلوا به، فلم ينفقوا منه فى سبيل الله- هذا الذهب، قد تحوّل إلى أداة من أدوات العذاب لأهله.. إنّه عملهم السيّء، قد انتظرهم هناك! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (١٠: النساء) .. فهو نفس الشيء.. عمل سيىء حصّلوه فى الدنيا.. فانتظرهم هناك.. فى الآخرة.. إن العاقل- وبصرف النظر عن الدّين- يغرس فى مغارس كثيرة قد لا تعطيه أي ثمر فى حياته، وإنما يجنيه أبناؤه من بعده.. وهو مع هذا لا يضنّ على هذا الغرس بمال أو جهد.. وإن العاقل الرشيد ليرى أن دنياه هذه لا يمكن أن تتسع لمغارسه، وأنه لا بد من حياة وراء هذه الحياة يغرس لها ليجنى هناك بيديه ثمر ما غرس.

стр. 2100

وقد جعلت شريعة الإسلام للناس أن يحيوا حياتين معا.. الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، وأن يعملوا لهما جميعا، بلا إفراط ولا تفريط، فلا تطغى الدنيا على الآخرة، ولا تجور الآخرة على الدنيا، فكان مطلبهم من الله قولهم: «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ» (٢٠١: البقرة) .. فهذا هو عنوان الشريعة الإسلامية، وهذا هو منهج المؤمنين بها.. يعملون للدنيا، ويعملون للآخرة: «فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (١٣٤: النساء) . يقول الراغب الأصفهانى: «لم ينكر أمر المعاد والنشأة الأخرى إلّا جماعة من الطبيعيين، أهملوا أفكارهم، وجهلوا أقدارهم، وشغلهم عن التفكير فى مبدئهم ومنشئهم شغفهم بما زيّن لهم من حبّ الشهوات. «وأما من كان سويّا ولم يمش مكبّا على وجهه، وتأمل أجزاء العالم علم أن أفضلها ذوات الأرواح، وأفضل ذوات الأرواح ذوات الإرادة والاختيار، وأفضل ذوى الإرادة والاختيار الناظر فى العواقب، وهو الإنسان.. فيعلم أن النظر فى العواقب من خاصية الإنسان، وأن لم يجعل الله تعالى هذه الخاصية له، إلا لأمر جعله له فى العقبى، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا» . ثم يقول الراغب: «فلو لم يكن للإنسان غاية ينتهى إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهمّا وحزنا، ولا يكون بعدها حال مغبوطة- لكان أخسّ البهائم أحسن حالا من الإنسان!»

стр. 2101

وربما سأل بعض الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فقالوا: ماذا لو وقع الجزاء بين الناس فى الدنيا؟ فالله قادر على أن يسوّى حساب الناس فى هذه الحياة، ويوفّى كل عامل جزاء عمله.. المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة؟ ونحن نسأل: على أىّ وجه يسوّى هذا الحساب؟ .. أهكذا مثلا؟: الفقير ينال نصيبه من الغنى؟ والمريض يلبس ثوب العافية؟ والمقتول يعود إلى الحياة ويقتل قاتله؟ والمظلوم ينتقم ممن ظلمه؟ وهكذا.. أليس كذلك تكون تسوية الحساب؟ وأليس على هذا الوجه أو قريب منه يقع الجزاء ويكون القصاص؟ فأى حياة إذن تكون هذه الحياة؟ إنها ليست الحياة التي يصلح فيها شأن الناس، ويتحرك فيها وجودهم! إن الناس فى حياة كهذه الحياة يبدون وكأنهم لعب.. بلا إرادة، ولا تفكير.. كلهم على سمت واحد.. لا فرق بين إنسان وإنسان.. فلا غنىّ ولا فقير، ولا صحيح ولا مريض، ولا جميل ولا دميم، ولا قوى ولا ضعيف! إنه لكى يكون الحساب هنا عادلا، يجب أن يكونوا كائنا واحدا.. أشبه برقم عددىّ يتكرر.. أما وهم أكوان.. كل منهم عالم قائم بذاته، له وجوده، وله مشاعره، وله سعيه- فإن التسوية بينهم فى الحياة، هى

стр. 2102

اليد المخرّبة، التي تفسد هذا الجهاز الذي يدفع بعجلة الحياة الإنسانية، ويحركها فى كل اتجاه!. وانظر ماذا يكون الحال، لو وجد المحسن جزاء إحسانه حاضرا «فوريّا» ؟ إنه- والحال كذلك- يتحول من محسن، يقدر الإحسان، ويحترم الخلق الفاضل، ويعشق الخير- يتحول إلى تاجر، يبيع الإحسان بالدراهم والدنانير!! إنه- والأمر كذلك- لا يرى الخير خيرا، ولا الفضيلة فضيلة، وإنما يراها سلعا تباع وتشترى.. وبهذا يتحول الإنسان من إنسان إلى حيوان لا وجدان له، ولا ضمير معه! وكذلك المسيء، الذي يرتكب المنكرات.. من قتل، وسرقة، واعتداء على الناس، واستباحة دمائهم وأموالهم.. إنه لو وجد عقابه عاجلا «فوريّا» لما أقدم على شىء من هذا، لأنه يعلم أن عين السماء تراه، وأن يدها لا تقصر عنه، وأنه لو كان عقابها معجلا، لبادره العقاب بمجرد أن يفرغ من جرمه، وقبل أن يبرح مسرح جريمته! أفترى إنسانا يقدم على قتل إنسان وعين رجل الشرطة إليه، والبندقية مصوبة نحوه؟ أترى إنسانا يسرق إنسانا وهو يرى الشرطىّ يمد يده ليقبض عليه؟ إن ذلك لا يكون أبدا.. وهذا معناه ألا تقع أية جريمة فى الحياة.. فلا بغى ولا عدوان، ولا إثم ولا منكر! وإذن.. فلا قصاص! ثم ما الحياة الإنسانية، وما طعمها، إذا هى خلت من الشرور؟ إنها لن

стр. 2103

تكون حينئذ حياة الناس، ولا دنيا البشر.. بل هى حياة الملائكة، أو عالم الجهاد.. وليس الناس ملائكة ولا جمادا.. وإنما هم بشر.. فيهم المحسن والمسيء، ومنهم الطيب وفيهم الخبيث.. والإنسان ذاته يحسن ويسىء، وبطيب ويخبث.. وليس فى الناس الطيب الخالص، ولا الخبيث المحض، وإنما الناس هذا وذاك، والإنسان من هذا ومن ذاك! وقد يبدو لسائل أن يسأل: إنك تقول: إن مجازاة المحسن على إحسانه بالأسلوب «الفورىّ» فى الدنيا يجعل منه تاجرا يتجر بالفضائل، ويجعل من تلك الفضائل سلعا.. وفى ذلك إزراء بالفضائل وإنزال من قدرها.. أفلا يكون هذا المعنى قائما مع الجزاء المؤجل ذاته؟ وما الفرق بين أن يلقى المحسن جزاء إحسانه اليوم، أو غدا، أو بعد غد؟ أليس الذي يلقاه فى الدنيا، أو الذي يلقاه فى الآخرة من جزاء على إحسانه، هو ثمن لهذا الإحسان؟ إنه هنا فى الدنيا، يلقى الحسنة بالحسنة والخير بالخير.. ولكنه هناك فى الآخرة، يلقى الحسنة بعشر أمثالها، وبأكثر من عشر أمثالها، ويلقى الخير مضاعفا أضعافا كثيرة.. فأى الجزاءين يكون فيه الإنسان تاجرا يتجر فى الفضائل ويتعامل بها فى جشع ونهم؟ أذلك الذي يباع فيه الشيء بمثله، أو ذاك الذي يباع فيه بعشرات أمثاله؟ ونقول: إن هذا التقدير قائم على حساب غير دقيق.. ذلك أن الجزاء الفورىّ، هو مناولة يد بيد، ليس فيه مخاطرة كالتى تكون فى بيع العاجل بالآجل.. وكون الآجل أضعافا مضاعفة للعاجل لا يرفع عنه خطر المخاطرة، وخاصة ذلك الأجل الطويل، الذي يمتدّ أزمانا لا يعرف المرء مداها، والذي

стр. 2104

تقع للمرء فيه أحداث مذهلة لا يمكن التتبؤ بعواقبها.. وخاصة أنه حساب يقتضى المرء عنه حسابه بعد الموت، وبعد البعث من الموت!! إن الإيمان وحده الذي يكفل للجزاء الآجل قيمته، ويجعل له وجودا يتعامل الإنسان على حسابه.. وبغير هذا الإيمان لا يمكن أن يقبل عاقل بيع درهم عاجل بقناطير مقنطرة آجلة، لأنه لا محصّل لها بعد هذا الأجل الطويل وبعد هذه الأحداث العجيبة، إلا إذا كان هناك إيمان وثيق بالبعث وبالجزاء!! وانظر فى المعاملات المالية، أيام اضطرابات السلام، وتوقعات الحرب.. إن عمليات البيوع المؤجلة كلها تتوقف، وليس هناك من تعامل بين الناس إلا بالسلعة الحاضرة والثمن المقبوض، يدا بيد، حيث يفقد الناس الثقة فيما ستلده الأيام، إذا وقعت الحرب! وقليل جدا هم أولئك الذين يتعاملون فى هذه الحال بالبيع المؤجل، وإن بلغت الأرباح فى هذه البيوع عشرات الأضعاف.. إن هؤلاء قلة مغامرون بمعنى الكلمة.. لكنهم على أية حال لا يتعاملون إلا فى أضيق الحدود، وبأقل جزء من أموالهم.. وليس كذلك المؤمنون الذين يعملون ليوم الجزاء.. إنهم يتعاملون وهم على ثقة بأنهم يعقدون مع الله صفقة رابحة، مؤكدة النتائج، محققة الوقوع.. «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ.. وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .. وهم لا يتعاملون فى أضيق الحدود، ولا بالقليل مما فى أيديهم، بل يتعاملون بلا حد ولا قيد، حتى لقد يخرج الواحد منهم عن ماله كله، وحتى لقد يبيع نفسه، ويقدمها قربانا لله، وبالاستشهاد فى سبيل الله!

стр. 2105

والجزاء المؤجل- ثوابا أو عقابا- إنما يتعامل به العقلاء الذين يحكمهم عقلهم، أكثر مما تتحكم فيهم شهواتهم.. فالطفل يعطيك كل ما معه حتى ملابسه، فى سبيل قطعة من الحلوى، لأن قطعة الحلوى هذه، صالحة لأن تؤكل فى الحال..! والصبىّ.. غير الطفل.. إنه لا تستبد به شهوة الحلوى الحاضرة كل هذا الاستبداد.. فهو يساوم وينازع فيما يأخذ ويعطى! وهكذا، كلما درج الإنسان فى مدارج الرشد، رجع إلى عقله، وأطال النظر والتقدير فيما يعود عليه من ربح أوفر، فى العاجل أو فى الآجل! فإذا جاء الناس إلى مجال العمل لما بعد الموت.. كثر المتردّدون، وقل العاملون.. وإنك لو أتيح لك أن تتفحص أمر هؤلاء وهؤلاء، لوجدت أن أولئك الذين آثروا العاجل على الآجل، هم دون من آثروا الآجل على العاجل- ووجدتهم دونهم عقلا وتقديرا للأمور.. إنهم ما زالوا فى دور الطفولة، وإن كانوا فى صورة الرجال! إن عقول الماديين لم تستسغ تأجيل الحساب والجزاء إلى حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، بل جعلته حسابا موصولا بهذه الحياة الدنيا.. فكان مذهب التناسخ «تناسخ الأرواح» الذي يؤمن فيه أصحابه بأن الروح تنتقل من جسد إلى جسد، فتنال جزاءها فيه.. فإن كانت خيّرة حلّت فى جسد تجد فيه راحة ونعيما، وإن كانت آثمة حلت فى جسد تلقى فيه بلاء ونكالا.. والقائلون بالتناسخ، ينكرون أن تكون هناك حياة آخرة، يلقى فيها الإنسان جزاء.. ولكن لا بد من جزاء حتى يعتدل ميزان العدل، ويطمئن
следующие страницы →