Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
وربما سأل بعض الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فقالوا: ماذا لو وقع الجزاء بين الناس فى الدنيا؟ فالله قادر على أن يسوّى حساب الناس فى هذه الحياة، ويوفّى كل عامل جزاء عمله.. المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة؟
ونحن نسأل: على أىّ وجه يسوّى هذا الحساب؟ .. أهكذا مثلا؟:
الفقير ينال نصيبه من الغنى؟
والمريض يلبس ثوب العافية؟
والمقتول يعود إلى الحياة ويقتل قاتله؟
والمظلوم ينتقم ممن ظلمه؟
وهكذا..
أليس كذلك تكون تسوية الحساب؟ وأليس على هذا الوجه أو قريب منه يقع الجزاء ويكون القصاص؟
فأى حياة إذن تكون هذه الحياة؟ إنها ليست الحياة التي يصلح فيها شأن الناس، ويتحرك فيها وجودهم! إن الناس فى حياة كهذه الحياة يبدون وكأنهم لعب.. بلا إرادة، ولا تفكير.. كلهم على سمت واحد.. لا فرق بين إنسان وإنسان..
فلا غنىّ ولا فقير، ولا صحيح ولا مريض، ولا جميل ولا دميم، ولا قوى ولا ضعيف! إنه لكى يكون الحساب هنا عادلا، يجب أن يكونوا كائنا واحدا..
أشبه برقم عددىّ يتكرر.. أما وهم أكوان.. كل منهم عالم قائم بذاته، له وجوده، وله مشاعره، وله سعيه- فإن التسوية بينهم فى الحياة، هى
стр. 2102
اليد المخرّبة، التي تفسد هذا الجهاز الذي يدفع بعجلة الحياة الإنسانية، ويحركها فى كل اتجاه!.
وانظر ماذا يكون الحال، لو وجد المحسن جزاء إحسانه حاضرا «فوريّا» ؟
إنه- والحال كذلك- يتحول من محسن، يقدر الإحسان، ويحترم الخلق الفاضل، ويعشق الخير- يتحول إلى تاجر، يبيع الإحسان بالدراهم والدنانير!! إنه- والأمر كذلك- لا يرى الخير خيرا، ولا الفضيلة فضيلة، وإنما يراها سلعا تباع وتشترى.. وبهذا يتحول الإنسان من إنسان إلى حيوان لا وجدان له، ولا ضمير معه! وكذلك المسيء، الذي يرتكب المنكرات.. من قتل، وسرقة، واعتداء على الناس، واستباحة دمائهم وأموالهم.. إنه لو وجد عقابه عاجلا «فوريّا» لما أقدم على شىء من هذا، لأنه يعلم أن عين السماء تراه، وأن يدها لا تقصر عنه، وأنه لو كان عقابها معجلا، لبادره العقاب بمجرد أن يفرغ من جرمه، وقبل أن يبرح مسرح جريمته! أفترى إنسانا يقدم على قتل إنسان وعين رجل الشرطة إليه، والبندقية مصوبة نحوه؟ أترى إنسانا يسرق إنسانا وهو يرى الشرطىّ يمد يده ليقبض عليه؟ إن ذلك لا يكون أبدا..
وهذا معناه ألا تقع أية جريمة فى الحياة.. فلا بغى ولا عدوان، ولا إثم ولا منكر! وإذن.. فلا قصاص! ثم ما الحياة الإنسانية، وما طعمها، إذا هى خلت من الشرور؟ إنها لن
стр. 2103
تكون حينئذ حياة الناس، ولا دنيا البشر.. بل هى حياة الملائكة، أو عالم الجهاد.. وليس الناس ملائكة ولا جمادا.. وإنما هم بشر.. فيهم المحسن والمسيء، ومنهم الطيب وفيهم الخبيث.. والإنسان ذاته يحسن ويسىء، وبطيب ويخبث.. وليس فى الناس الطيب الخالص، ولا الخبيث المحض، وإنما الناس هذا وذاك، والإنسان من هذا ومن ذاك! وقد يبدو لسائل أن يسأل: إنك تقول: إن مجازاة المحسن على إحسانه بالأسلوب «الفورىّ» فى الدنيا يجعل منه تاجرا يتجر بالفضائل، ويجعل من تلك الفضائل سلعا.. وفى ذلك إزراء بالفضائل وإنزال من قدرها..
أفلا يكون هذا المعنى قائما مع الجزاء المؤجل ذاته؟ وما الفرق بين أن يلقى المحسن جزاء إحسانه اليوم، أو غدا، أو بعد غد؟
أليس الذي يلقاه فى الدنيا، أو الذي يلقاه فى الآخرة من جزاء على إحسانه، هو ثمن لهذا الإحسان؟
إنه هنا فى الدنيا، يلقى الحسنة بالحسنة والخير بالخير.. ولكنه هناك فى الآخرة، يلقى الحسنة بعشر أمثالها، وبأكثر من عشر أمثالها، ويلقى الخير مضاعفا أضعافا كثيرة.. فأى الجزاءين يكون فيه الإنسان تاجرا يتجر فى الفضائل ويتعامل بها فى جشع ونهم؟ أذلك الذي يباع فيه الشيء بمثله، أو ذاك الذي يباع فيه بعشرات أمثاله؟
ونقول: إن هذا التقدير قائم على حساب غير دقيق.. ذلك أن الجزاء الفورىّ، هو مناولة يد بيد، ليس فيه مخاطرة كالتى تكون فى بيع العاجل بالآجل.. وكون الآجل أضعافا مضاعفة للعاجل لا يرفع عنه خطر المخاطرة، وخاصة ذلك الأجل الطويل، الذي يمتدّ أزمانا لا يعرف المرء مداها، والذي
стр. 2104
تقع للمرء فيه أحداث مذهلة لا يمكن التتبؤ بعواقبها.. وخاصة أنه حساب يقتضى المرء عنه حسابه بعد الموت، وبعد البعث من الموت!! إن الإيمان وحده الذي يكفل للجزاء الآجل قيمته، ويجعل له وجودا يتعامل الإنسان على حسابه.. وبغير هذا الإيمان لا يمكن أن يقبل عاقل بيع درهم عاجل بقناطير مقنطرة آجلة، لأنه لا محصّل لها بعد هذا الأجل الطويل وبعد هذه الأحداث العجيبة، إلا إذا كان هناك إيمان وثيق بالبعث وبالجزاء!! وانظر فى المعاملات المالية، أيام اضطرابات السلام، وتوقعات الحرب..
إن عمليات البيوع المؤجلة كلها تتوقف، وليس هناك من تعامل بين الناس إلا بالسلعة الحاضرة والثمن المقبوض، يدا بيد، حيث يفقد الناس الثقة فيما ستلده الأيام، إذا وقعت الحرب! وقليل جدا هم أولئك الذين يتعاملون فى هذه الحال بالبيع المؤجل، وإن بلغت الأرباح فى هذه البيوع عشرات الأضعاف.. إن هؤلاء قلة مغامرون بمعنى الكلمة.. لكنهم على أية حال لا يتعاملون إلا فى أضيق الحدود، وبأقل جزء من أموالهم..
وليس كذلك المؤمنون الذين يعملون ليوم الجزاء.. إنهم يتعاملون وهم على ثقة بأنهم يعقدون مع الله صفقة رابحة، مؤكدة النتائج، محققة الوقوع..
«فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ.. وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .. وهم لا يتعاملون فى أضيق الحدود، ولا بالقليل مما فى أيديهم، بل يتعاملون بلا حد ولا قيد، حتى لقد يخرج الواحد منهم عن ماله كله، وحتى لقد يبيع نفسه، ويقدمها قربانا لله، وبالاستشهاد فى سبيل الله!
стр. 2105
والجزاء المؤجل- ثوابا أو عقابا- إنما يتعامل به العقلاء الذين يحكمهم عقلهم، أكثر مما تتحكم فيهم شهواتهم..
فالطفل يعطيك كل ما معه حتى ملابسه، فى سبيل قطعة من الحلوى، لأن قطعة الحلوى هذه، صالحة لأن تؤكل فى الحال..!
والصبىّ.. غير الطفل.. إنه لا تستبد به شهوة الحلوى الحاضرة كل هذا الاستبداد.. فهو يساوم وينازع فيما يأخذ ويعطى! وهكذا، كلما درج الإنسان فى مدارج الرشد، رجع إلى عقله، وأطال النظر والتقدير فيما يعود عليه من ربح أوفر، فى العاجل أو فى الآجل! فإذا جاء الناس إلى مجال العمل لما بعد الموت.. كثر المتردّدون، وقل العاملون..
وإنك لو أتيح لك أن تتفحص أمر هؤلاء وهؤلاء، لوجدت أن أولئك الذين آثروا العاجل على الآجل، هم دون من آثروا الآجل على العاجل- ووجدتهم دونهم عقلا وتقديرا للأمور.. إنهم ما زالوا فى دور الطفولة، وإن كانوا فى صورة الرجال! إن عقول الماديين لم تستسغ تأجيل الحساب والجزاء إلى حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، بل جعلته حسابا موصولا بهذه الحياة الدنيا.. فكان مذهب التناسخ «تناسخ الأرواح» الذي يؤمن فيه أصحابه بأن الروح تنتقل من جسد إلى جسد، فتنال جزاءها فيه.. فإن كانت خيّرة حلّت فى جسد تجد فيه راحة ونعيما، وإن كانت آثمة حلت فى جسد تلقى فيه بلاء ونكالا..
والقائلون بالتناسخ، ينكرون أن تكون هناك حياة آخرة، يلقى فيها الإنسان جزاء.. ولكن لا بد من جزاء حتى يعتدل ميزان العدل، ويطمئن
стр. 2106
المحسنون إلى إحسانهم، ويخشى المسيئون جرائر سيئاتهم- وإذن فليكن هذا الجزاء على تلك الصورة التي صورها القائلون بالتناسخ، فجعلوا الجزاء واقعا فى هذه الدنيا، وعلى المسرح الأرضى بمشهد ومرأى من الناس! والقائلون بالتناسخ يقولون: إن النفس باقية خالدة.. وإن الأبدان التي تحلّ فيها النّفس، واحدا بعد واحد، شبيهة بالأعوام أو الأيام فى حياة الفرد الواحد! وهم يقولون: إن الحياة لا يمكن فهمها إلا على افتراض أن كل مرحلة من مراحل وجود النفس، تعانى العذاب وتتمتع بالثواب، جزاء وفاقا لما وقع منها فى حياة ماضية.. من رذيلة أو فضيلة.. إذ يستحيل على فاعل فعل صغير أو كبير.. خيّرا أو شرّ يرا.. أن يمضى بغير أثر.. إن كل شىء لا بد أن يظهر له أثر ذات يوم! وأنت ترى أن القول بالتناسخ لثواب المحسن وعقاب المسيء هو تصور خاطئ لملء هذا الفراغ الذي يجده الناس حين يقفون على حدود هذه الدنيا، ولا يلتفتون إلى حياة آخرة بعدها.. إنهم فى مجال هذه النظرة المحدودة، يرون أن أعمالا صالحة كثيرة ذهبت، ولم يجز عليها أصحابها الجزاء المناسب، وأن أعمالا سيئة منكرة قد وقعت، ولم يلق مرتكبوها ما يستحقون من عقاب- فكان القول بالتناسخ هو مما ترضّى به عقولهم، أولئك الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء.. فهو ضرب من ضروب الخداع للنفس.. إذ لا أثر له فى محيط الواقع، ولا دليل عليه بين أيدى الناس، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان! فالروح التي تلبس هذا الذي يقول التناسخ.. هل يجد فى كيانه إحساسا ما بأنها كانت يوما فى كائن آخر غيره؟ فكيف يصحّ عنده أن تنتقل بعد موته إلى كائن آخر من إنسان أو حيوان؟ ذلك ما لا يقع فى
стр. 2107
إحساس أي إنسان.. فكيف يتم إذن هذا التناسخ؟ وعلى أي أساس يقوم علم به، وتستند عقيدة إليه؟
هذا وقد استعجل بعض المؤمنين بيوم الآخرة، وبالجزاء فى هذا اليوم استعجلوا هذا العذاب، فلم يصبروا على هذا الموعد الذي هم على رجاء لقائه بعد الموت، وخاصة فيما يصيبهم من ظلم، وما يقع عليهم من بغى.. ولهذا قالوا يرجعة بعض من ماتوا إلى هذه الدنيا مرة أخرى، قبل البعث العام، وذلك ليلقوا على أيدى من أساءوا إليهم الجزاء الذي يستحقونه..
والشيعة الإمامية متمسكون بهذا الرأى، بل إنه دعامة من دعائم عقيدتهم، لأنهم على توقع هذه «الرجعة» ينتظرون إمامهم الغائب:
«أبو القاسم محمد بن الحسن» وهو «المهدى» عندهم، كما أنه الإمام الثاني عشر من أئمتهم.
على أن طائفة من الإمامية- وهى تدين بالرجعة- تتأول الرجعة، بأنها رجوع الدولة والأمر والنهى إلى آل البيت، وليست رجوع أعيان الأشخاص، وبعث الموتى من قبورهم قبل يوم البعث! وعلى أىّ، فإن القول بالتناسخ، أو القول بالرجعة، هو توكيد لضرورة البعث، وأن البعث أمر لا بد منه، ليسوّى فيه حساب المحسنين والمسيئين بعد هذه الدنيا.. وقد فرض العقل الإنسانىّ التناسخ فرضا، واعتسفه اعتسافا، وتقبّله، وآمن به، وليس بين يديه شاهد يشهد له، أو دليل يدلّ عليه..
وما ذلك إلا لأنه رأى الحياة الدنيا، لا تضع موازين العدل بين الناس، ولا تأخذ للمظلوم حقّه من ظالمه..
стр. 2108
فإذا جاءت كتب الله، ورسل الله، تحدّث عن البعث، وتؤكد وقوعه، لتجزى كل نفس بما كسبت- كان ذلك أمرا لا ينبغى لعاقل أن يشك فيه، إذ كان مما يطلبه العقل، ويقيم له من تصوراته وخيالاته مفهوما يستريح له، ويرضى به!
(الآيات: (٥- ١٠) [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥ الى ١٠]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)
التفسير: قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» هو عرض لبعض مظاهر قدرة الله سبحانه، والتي ذكرت الآيات السابقة بعضا منها..
стр. 2109
فالشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالّة على قدرته، وعلمه، وحكمته..
وآثارهما فى عالمنا الأرضى واضحة مشهودة.. عليهما تقوم حياة كل كائن فى هذا الكوكب الأرضى، وينتظم نظامه.. ولو أنهما أخذا من الأرض موضعا غير موضعهما، لاختلّ نظام هذا الكوكب، وفسد أمره، وتحول إلى صورة أخرى غير صورته تلك.. لا يدرى أحد ماهيتها التي تكون عليها..
- وفى قوله تعالى: «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» إشارتان:
أولاهما: أن الجعل غير الخلق.. إذ هو تدبير بعد تدبير الخلق.. فالخلق إيجاد لما هو غير موجود، والجعل تقدير وتنظيم لهذا المخلوق الذي خلق، وإقامته على الوجه الذي يحقق الحكمة من خلقه..
والخلق بالإضافة إلى الله- سبحانه- خلق متلبس بالحكمة، قائم على التقدير.. فليس هناك انفصال بين خلق الله، وبين الحكمة والتقدير لما خلق..
ولكن التعبير «بالجعل» الذي يكشف عن حكمة الخالق المودعة فى المخلوق، هو إلفات لأنظارنا إلى ما فى هذا المخلوق من آثار رحمة الله وحكمته.. ومن جهة أخرى، فإن التعبير بالجعل لا يكشف عن الحكمة من خلق المخلوق إلا من الجانب الذي يتّصل بنا، ويؤثر فى وجودنا.. ففيما كشف عنه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ» .. عرض مقصور على ما يتصل بنا من خلق الشمس والقمر، أمّا مالهما من شأن أو شئون تتصل بالعوالم الأخرى، وبالكون ونظامه، فذلك ما ليس لنا علم به، وإن وقع لنا به علم، فهو علم يزيد فى معارفنا، ولا يتصل اتصالا مباشرا بمقومات حياتنا القائمة على ما تعطينا الشمس من ضوئها، والقمر من نوره.
стр. 2110
وثانية هاتين الإشارتين: ما فى اختلاف التعبير عن ضوء الشمس «بالضياء» ونور القمر «بالنور» هكذا: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» .
وذلك أن الضوء نور ذاتىّ، ينبعث من جسم مشعّ له، بفعل الحرارة النّاريّة المتوقّدة فى هذا الجسد.. ومن هنا كان الضوء مشتملا على حرارة، دائما.. فلا ضوء إلّا عن حرارة متوقدة، ولا حرارة إلا ومعها ضوء..
وهذا هو السرّ فى ندائه ﷺ لجماعة كانت توقد نارا بقوله لهم:
«يا أهل الضوء» .. ولم يقل لهم: «يا أهل النّار» تحاشيا لهذه الكلمة التي ربما انصرفت إلى نار جهنم فمسّهم منها وعيد، أو وقع لهم منها تطيّر وتشاؤم..
فعليك صلوات الله وسلامه يا رسول الله.. ما أعظم خلقك، وما أروع أدبك.. وكيف لا يعظم خلقك وقد سوّاك ربّك فى أحسن تقويم، وحلّاك بكل كمال وجمال، فقال سبحانه فيك: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» وقلت أنت فى مقام التحدّث بنعمة الله وقد رأيت ما خلع الله عليك من كمال وجمال: «أدّبنى ربّى فأحسن تأديبى» ذاكرا فضل ربك، شاكرا نعماءه؟.
والضوء والنار.. بمعنى واحد..
وضوء الشمس.. ضوء ذاتى، صادر من جسم نارى ملتهب..
أما نور القمر فهو غير ذاتىّ، لأنه صادر من جسم بارد معتم، وقع عليه ضوء الشمس، فانعكس منه على الأرض، هذا النور، الذي لا يحمل شيئا من حرارة الضوء..
والضوء يحمل مع النّور حرارة.. والنور، نور خالص، لا حرارة فيه..
الضوء متوهّج، متّقد، متماوج، مضطرب.. والنور لطيف، هادىء،
стр. 2111
رقيق وديع.. وهذا هو بعض السرّ فى التعبير بالنور عن لطف الله، وسريان حكمته، فى هذا الوجود، وإلباس رحمة الله إياه، فى قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» .. فهو لطف ورحمة وحكمة، لا يخالطه شىء- مما يصحب الضوء، من حرارة، وتوقّد، واضطراب!! - وفى قوله تعالى: «وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ» إشارة إلى القمر، واختلاف منازله ومطالعه، على مدى أيام الشهر القمري..
- وفى قوله تعالى: «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ» إلفات إلى بعض ما لهذا النظام الشمسىّ والقمري من أثر، فى ضبط الزمن، وحسابه، وتقدير أيامه، ولياليه، وشهوره، وسنيه..
وليس يبطل هذا الأثر أبدا بما وقع لأيدينا من مقاييس وموازين للزمن، إذ كل هذه الموازين وتلك المقاييس مرتبط بالشمس- خاصة- ومتصل بتعاقب الليل والنهار بين يديها، وبتقلب الفصول على مدار السنة حولها.. ولو تغيّر هذا النظام لاختلّ كل ميزان، وكل مقياس للزمن..
وفى قوله سبحانه: «ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ» .. إشارة إلى أن هذا الخلق الذي خلقه الله، لم يخلق عبثا، وإنما هو خلق قائم على حكمة وتقدير.. وفى هذا يقول : «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ» (١٦: الأنبياء) ويقول سبحانه: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» (١١٥: المؤمنون) فهذا الوجود الذي أبدعه الله على غير مثال سبق، هو- من غير شك- المرآة التي تتجلّى فيها قدرة الله، وعلمه وحكمته..
وهو- من غير شكّ أيضا- منزّل عند الله تعالى فى مقام الحبّ
стр. 2112
والإعزاز، إذ كان من آثار قدرته، وعلمه، وحكمته.. فإن ما تبدع يد الحكمة والعلم والقدرة لا يكون هملا، ولا يذهب مذهب الضّياع..
هكذا شأن كل ذى صنعة مع ما صنع.. هو ضنين به، حريص عليه..
فكيف بالصّانع الأعظم، وكيف بأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين..
الله رب العالمين..؟
فهذا الحقّ الذي خلقت به السموات والأرض، هو الذي يمسك بهذا الوجود، ويسرى فى عوالمه، ويشتمل على كل ذرّة من ذرّاته..
فبالحق خلق كل مخلوق، وبالحق قام كل موجود..
- وفى قوله تعالى: «يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» إشارة إلى أن العلم هو المفتاح الذي يفتح مغالق هذا الكون، ويكشف معالم الوجود، وأسراره.. وأن من لم يحصّل العلم والمعرفة، فلن يكون له حظّ من النظر إلى هذا السكون، ولن يمسك بسرّ من أسراره، ولن يتعرف على آية من آياته..
وقوله تعالى: «إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ» يشير إلى أن التقوى لا تقوم فى كيان إنسان إلا ومعها العلم.
ذلك أنه إذا نظر الناظر إلى هذا الوجود بعين العالم، وبأجهزة العلم، رأى فى اختلاف الليل والنّهار، وفى تعاقبهما لمحة مشرقة من لمحات حكمة الله، وقدرته وعلمه.. ففى هذا الاختلاف بين اللّيل والنهار ضمان وثيق لكفالة الحياة للكائنات على هذا الكوكب الأرضى.. فما كانت لتطيب الحياة أبدا، بل ولا تقوم الحياة بحال، للمخلوقات- وخاصة الإنسان- لو أن الزمن كان نهارا دائما، أو ليلا مستمرّا.. وفى هذا يقول الحق :
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
стр. 2113
مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»
(٧١- ٧٣: القصص) وليست هذه هى معطيات النظر فى اختلاف الليل والنهار، بل هى معطياته فى كل نظرة ينظر بها إلى كل ما خلق الله فى السموات والأرض.. من الهباءة والذّرة، إلى الشموس والكواكب.. ففى كل ما خلق الله، لمسات من حكمته، وأقباس من علمه، ونفحات من رحمته، وآثار من قدرته..
والنّظر المتفحّص الذكىّ، هو الذي يكشف عن وجود الله، ويحدّث عن جلاله، وعظمته، وتفرّده بالخلق والأمر.. ومن هنا ينبعث الإيمان بالله، ويقوم الولاء له، وتتحقق التقوى للمتقين من عباده.. إن فى ذلك «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ» .. فلا تقوى لمن لا يعرف الله، ولا يعرف الله، من لا علم له بما أبدع الخالق وصوّر، وبما فى هذا الإبداع والتصوير من علم العليم وحكمة الحكيم، وقدرة القدير.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» .. فعلى قدر ما يعلم الإنسان من صفات الخالق بقدر ما يكون إيمانه به، وخشيته له، واتقاؤه لمحارمه! قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» هو وعيد لأولئك الّذين لا يتدبّرون فى ملكوت الله، ولا يتفكرون فى خلق السموات والأرض- فلقد أهملوا استعمال ملكاتهم التي أودعها الله
стр. 2114
سبحانه وتعالى فيهم، وشغلوا بأنفسهم، وألهتهم الحياة الدنيا عن أن يرفعوا أبصارهم إلى أبعد مما تصل إليه أيديهم، من مطلوب شهواتهم البهيمية، ولذاتهم الجسدية، فغفلوا عن آيات الله، وعموا عن النظر إلى ملكوت الله، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها.. وإنه ليس لهؤلاء اللاهين الغافلين إلا النار، لأنهم لم يكسبوا فى حياتهم الدنيا إلّا ما هو من النّار وإلى النار..
- وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ» بالعطف على قوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» إشارة إلى أن هذا الذي أوقع هؤلاء الضالين فيما هم فيه، من عدم توقعهم للقاء الله، والحياة الآخرة، حتى رضوا بالحياة الدنيا، وأعطوها كل وجودهم، واطمأنوا إلى السّكن إليها- إنما كان ذلك لأنهم غفلوا عن النظر فى آيات الله، والتفكر فى ملكوت السّموات والأرض.. ولو أنهم نظروا وتدبروا لكانوا على غير ما هم عليه، ولآمنوا بالله، ولأيقنوا بلقائه، ولعملوا لهذا اللقاء، واستعدّوا له، فذلك هو شأن «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» (١٩١: آل عمران) وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» هو عرض للوجه المقابل للذين عموا عن النظر فى ملكوت السموات، والأرض، فلم يؤمنوا بالله، ولم يرجوا لقاءه.. وهو وجه الذين آمنوا بالله،
стр. 2115
إذ أكرمهم الله ..، فهداهم بالإيمان إلى الأعمال الصالحة وإلى تقوى الله، والإعداد ليوم لقائه. فكان أن جزاهم ربّهم بما عملوا، جنات تجرى من تحتها الأنهار، ينعمون فيها بما يفضل الله عليهم به، من رزق كريم..
فيسبّحون بجلال الله وعظمته، وما شهدوا من روعة ملكه، ويحمدون له أن وفقهم إلى الإيمان، وهداهم إلى العمل الصالح الذي أرضاه، فرضى عنهم وأدخلهم جناته، وأذاقهم هذا النعيم الذي يتقلبون فيه..
هكذا يعيشون ألسنة تسبح الله، وتحمد له، ويتبادلون السّلام والمودة والمسرّة فيما بينهم: «إخوانا على سرر متقابلين» .. وكما استفتحوا مجالسهم بحمد الله وتنزيهه، يختمونها بالتنزيه والحمد لله ربّ العالمين..
الآيات: (١١- ١٤) [سورة يونس (١٠) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)
التفسير: قوله تعالى: «وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ»
стр. 2116
الطغيان: مجاوزة الحدّ فى الشر، وبلوغ الغاية فى العدوان والبغي.. ومنه الطاغية، والطاغوت..
ويعمهون: من العمه، والعمه: ما يصيب البصيرة من عمى فلا تهتدى إلى طريق الحق والخير أبدا..
والآية الكريمة تشير إلى موقف المشركين من النبىّ الكريم، وأنهم فى إمعانهم فى تكذيبه وتحدّيه، كانوا يسألون الله أن ينزل عليهم مهلكات من السماء، إن لم يكن ما جاءهم به محمد هو الحق من عند الله، وذلك ليكون مقطع الفصل فيما بينهم وبينه.. فإن يكن ما يقوله الحقّ أهلكهم الله، وأخذهم بدعائهم، وإن لم يكن حقّا لم يصبهم شىء، وافتضح أمره فيهم.. هكذا سوّلت للمشركين أنفسهم، وهكذا أعماهم ضلالهم، حتى طلبوا لأنفسهم البلاء، وتمنّوا العذاب.. ولو كانوا على شىء من العقل والحكمة لكان لهم فى مجال التمنيات ما هو أسلم وأحسن، ولقالوا مثلا: اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فاهدنا إليه.. ولكنها الجهالة والعمى والضلال.. «ومن يضلل الله فلا هادى له» .
قوله تعالى:
«وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ» .. المراد بالناس هنا مشركو قريش، الذين طلبوا إلى الله أن يعجل لهم العذاب، كما يقول الله عنهم فى آية أخرى: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» (٥٣- ٥٤: العنكبوت) والله لا يأخذهم بالعذاب، والنبىّ ﷺ فيهم،
стр. 2117
إكراما له، وشفاعة له فيهم.. وفى هذا يقول : «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» (٣٣: الأنفال) .
- وفى قوله تعالى: «اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ» إشارة إلى أن الله يعجّل لهم الخير، ولا يعجّل لهم العذاب، بل يؤخره عنهم لتتاح لهم الفرصة لمراجعة أنفسهم، والاستقامة على طريق الإيمان.. فمن آمن منهم فقد أمن من العذاب فى الدنيا والآخرة، ومن استمسك بكفره وضلاله، فله خزى فى الدنيا وله فى الآخرة عذاب عظيم.. والتقدير. ولو يعجّل الله للناس الشرّ كما يعجل لهم ما يعجّل من خير، لهلكوا، ولأخذهم البلاء، دون أن تتاح لهم فرصة لمراجعة أنفسهم، وتصحيح لوضعهم المقلوب، الذي اتخذوه من دعوة الحق التي يدعون إليها.
- وفى قوله تعالى: «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ» إشارة إلى أن الله لو عجّل لهم الشرّ الذي يتمنونه لأهلكهم جميعا فى لحظة خاطفة.. ولكنه سبحانه يؤخرهم لأجل معدود، ولا يأخذهم بعاجل ما يستحقون من عقاب، إكراما للنبىّ الكريم، ولمقامه فيهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا» (٥٨: الكهف) .
- وفى قوله سبحانه: «فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ..»
إشارة إلى المحذوف، الذي دل عليه العطف بالفاء.. والتقدير.. ولو يعجّل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير، لقضى إليهم أجلهم.. ولكنا نمدّ لهم، فنذر الذين لا يرجون لقاءنا منهم فى طغيانهم يتخبطون، فى بحر متلاطم الأمواج.
وهذه الآية غير مقيدة بأسباب نزولها، بل هى مطلقة، حيث يقع تحت حكمها الناس جميعا.. فقد كان من رحمة الله بالنّاس أن أمهلهم، فلم يعجّل لهم
стр. 2118
العقاب الذي يستحقونه بما فعلت أيديهم.. وذلك أنه- سبحانه- لو آخذ كل إنسان بذنبه عاجلا لقضى إليه أجله بعد كلّ ذنب يقع منه، ولكان الناس جميعا فى معرض الهلاك، إذ لا يسلم إنسان من أن يواقع معصية، أو يرتكب ذنبا.. وهذا من شأنه ألّا يدع لإنسان فرصة ليكفّر عن خطيئته، ويستغفر لذنبه، ويرجع إلى ربّه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ.. وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً» (٤٥: فاطر) .
وإذن فهذه نعمة من نعم الله على الناس، ورحمة من الله بهم أن لم يعجّل لهم الشّرّ، وهو أخذهم بذنوبهم من غير إمهال.. وهذا من شأنه أن يكون داعية لأن يعيد الإنسان النظر إلى نفسه، وأن يصلح ما أفسد، وأن يتصالح مع ربّه فيما ارتكب من إثم، فتلك فرصة ينبغى ألا يفوته انتهازها، وهو فى عافية من أمره، وفى فسحة من أجله.
والتعبير عن التعجيل بالعقوبة، وتنفيذ حكم الله فى المذنب بإهلاكه- والتعبير عن هذا بالشرّ، إنما هو بالإضافة إلى الإنسان الذي يقع عليه هذا الحكم، فهو شر بالنسبة له، إذ يحول بينه وبين أن يجد الفرصة التي يصحح فيها موقفه، ويرجع إلى ربه.
قوله تعالى: «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» فى هذه الآية يكشف الله عن ضلال الإنسان، وكفره بنعم الله، وجحوده لأفضاله عليه، وإحسانه إليه.
стр. 2119
فالإنسان- مطلق الإنسان- هو كما وصفه الله سبحانه، فى قوله عزّ من قائل: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» (١٩- ٢٣: المعارج) وقوله سبحانه: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» (٦- ٧: العلق) فالإنسان فى كيانه، هو واه ضعيف.. لأنه خلق من ضعف، كما يقول سبحانه: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً» (٥٤: الروم) .. وكما يقول جلّ شأنه: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (٢٨: النساء) .. ولكنه حين تلبسه القوة، ينسى ضعفه، ويستولى عليه الغرور، ويستبدّ به العجب والخيلاء، فإذا هو مارد جبار، وسفيه أحمق، وطائس نزق.. يحارب ربّه، ويكفر بخالقه، ويستعبد الناس، أو يتعبّد هو للناس، ولا يتعبد لربّ العالمين! - وفى قوله تعالى: «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً» .. نجد التعبير بالمسّ هنا مفصحا عن مدى ضعف هذا الإنسان وخوره..
وأن مجرّد مسّ الشرّ له، يكر به ويزعجه، ويفسد عليه حياته.. وإذا هو صاخ إلى الله، ضارع بين يديه.. يدعو فى كل حال يكون عليه: لجنبه، أو قاعدا، أو قائما.. فهو من لهفته وانحلال عزيمته، يدعو بكل لسان، ويستصرخ بكل جارحة..
- وفى قوله تعالى: «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ» .. نجد أن هذا الإنسان الصارخ الضارع المستسلم المستكين، حين يرفع الله عنه البلوى، ويكشف ما به من ضر، يمكر بفضل الله عليه، وينسى رحمته به..
стр. 2120
ويمضى فيما كان فيه من كفر وضلال.. كأن ضرّا لم يكن قد مسّه، وكأن حالا من الذّلة والاستكانة لم تكن قد لبسته، وكأن رحمة السماء لم تمدّ يدها إليه وتستنقذه من الهلاك المطبق عليه!! هكذا الإنسان، كما وصفه خالقه فى قوله تعالى: «وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً» (٨٣: الإسراء) وفى قوله سبحانه: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (٣٤: إبراهيم) - وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .. تهديد ووعيد لأهل الكفر والضلال، الذين لا يرعوون عن كفرهم، ولا ينزعون عن ضلالهم، ولا يستمعون لدعوة خير، ولا يستجيبون لرائد هدى، ورسول رحمة، لا يتعظون بما يحلّ بهم من غير، وما يلبسهم من نعم! لقد استمرءوا هذا الضلال الذي هم فيه واستحبوا العمى على الهدى: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» .
وقوله تعالى: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»
هو تهديد أيضا ووعيد للكافرين والضالين، الذين وقفوا من الدعوة النبوية هذا الموقف المتصدّى لها، أو الحائد عنها..
فلقد أخذ الله المكذبين الضالين من الأمم قبلهم بالبأساء والضرّاء حين عتوا عن رسل ربّهم، وكذّبوا بهم.. وذلك هو الجزاء الذي يجزى به الظالمون.. لا جزاء لهم غير أن يؤخذوا بنقم الله ويلقوا فى جهنّم خالدين فيها..
وها أنتم أولاء، أيها المشركون، قد خلفتم هؤلاء الأقوام، وورثتم ديارهم،
стр. 2121
وسكنتم فى مساكنهم.. وقد جاءكم رسول كريم من عند الله، وقد عرفتم عاقبة الظالمين المكذبين برسل الله.. فماذا يكون منكم مع رسولكم هذا؟ إن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية.. إنه يرى ما تعملون، وسيجازيكم على أعمالكم ويأخذكم بها.. وقوله تعالى: «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» جملة حالية تكشف عن واقع القوم الذين ظلموا، وأنهم قد ظلموا وكفروا فى حال كان رسل الله فيها بينهم، يدعونهم إلى الإيمان، ويدلّونهم على الهدى.
وقوله تعالى: «وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» جملة حالية كذلك، وصاحب الحال هو ضمير الذين ظلموا فى قوله تعالى: «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» .. وهذه الحال تكشف عما فى قلوب الضالين من زيغ وضلال، وأنهم ما كانوا ليؤمنوا قبل مجىء الرسل إليهم بالبينات أو بعد مجيئهم.. ولكن الله سبحانه أرسل رسله إليهم، ليقيم الحجة عليهم، وليقع بهم عذابه، بعد أن تأتيهم آياته على يد رسله، كما يقول سبحانه: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (١٥: الإسراء) .
الآيات: (١٥- ١٩) [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٥ الى ١٩]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
стр. 2122
التفسير:
قوله تعالى: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية التي قبلها لفتت المشركين إلى وضعهم الذي هم فيه، وأنهم خلائف قوم قد ظلموا، فأخذهم الله بظلمهم، وأهلكهم بذنوبهم، وأن هؤلاء المشركين، هم الآن فى وجه امتحان امتحنت به الأمم قبلهم، وهو أنه قد جاءهم رسول بآيات الله، كما جاءت الرسل من قبله إلى الأمم السابقة بآيات الله إلى أقوامهم.. فماذا سيكون من هؤلاء المشركين مع رسول الله المبعوث إليهم، ومع آيات الله التي بين يديه؟ أيكفرون به كما كفر من كان قبلهم، ويتعرضون لنقمة الله كما تعرض السابقون؟ أم يؤمنون بالله، ويتبعون الرسول، فتسلم لهم دنياهم وأخراهم جميعا..؟
هذا ما ستكشف عنه الأيام منهم.. إنهم فى مواجهة تجربة وامتحان، فليأخذ العاقل منهم حذره، وليطلب النجاة والخلاص لنفسه.
وفى هذه الآية ينكشف وجه المشركين، ويظهر موقفهم من رسول الله، وهم يأخذون الطريق المعاند له، المتأبى عليه..
فناسب أن تجىء هذه الآية بعد الآية التي سبقتها.. لما بينهما من التلاحم والاتصال..
стр. 2123
وفى قوله تعالى: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» ..
أولا: وصف الآيات بأنها بينات، يدلّ على أن من عنده أدنى نظر يستطيع أن يبصر وجه الحق فى هذه الآيات البينة المشرقة، وأن يهتدى بها، ولا يجادل فيها، أو يقف موقف الشك والعناد منها..
وثانيا: أن هذا القول المنكر الذي قيل للنبىّ فيه: «ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» لم يقله إلا الذين لا يرجون لقاء الله، ولا يؤمنون بالبعث..
فهم بهذا لا يبالون بأى حديث يحدثهم به عن الآخرة، ويخرج بهم عما هم فيه من استمتاع بحياتهم الدنيا، واستفراغ كل جهدهم فيها..
وثالثا: قولهم: «ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» يكشف عن ضيقهم بالقرآن، وما يحدّث به عن آلهتهم، وبما يسفّه فيه من أحلامهم، ويفضح من ضلالاتهم.. فهم يريدون قرآنا يبقى على معتقداتهم، ويزكّى عاداتهم، ويحتفظ للسادة منهم بأوضاعهم.. فإن لم يكن من الممكن أن يأتى الرسول بقرآن غير هذا القرآن، فليبدل من أوضاعه، وليغير من وجهه، وليقمه على الوجه الذي يرضيهم، ويلتقى مع أهوائهم.. وهنا يلتقون مع النبي، يستجيبون له! وفى قوله تعالى: «قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي.. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.. إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» .
أولا: أن مسألة إتيان النبىّ بقرآن غير هذا القرآن، أمر غير ممكن، بل مستحيل عليه استحالة مطلقة.. لأنّ القرآن كلام الله، منزل عليه وحيا من ربه.. فليس له- والأمر كذلك- سلطان يملك به عند الله أن ينزل عليه قرآنا غير هذا القرآن..
وفى هذا ردّ ضمنى على المشركين بأن القرآن من عند الله، وليس من عند
стр. 2124
محمد، إذ لو كان من عند محمد، لكان إلى يده تغييره أو تبديله.
وثانيا: مسألة التبديل، والتغيير فى القرآن، وإن كانت أمرا ممكنا فى ذاته، إذ لا يتأتّى القرآن على من يجرؤ على التبديل والتحريف فيه- وإن كان الله : قد حرسه من التبديل، وحفظه من التحريف، كما يقول ﵎: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» - نقول: إن مسألة التبديل فى القرآن، وإن كانت ممكنة فى ذاتها، فإن «محمدا» لن يفعل ذلك من تلقاء نفسه، فذلك خيانة لله فى الأمانة التي ائتمنه عليها، وعصيان له فيما أمره به فى قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» .. وليس وراء العصيان لله، والخيانة لأمانته إلا العتاب الأليم والعذاب العظيم.. كما يقول سبحانه: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» (٤٤- ٤٧ الحاقة) .
وثالثا: أن الرسول، وهو من هو عند ربه، حبّا وقربا، يخاف عذاب الله، ويخشى عقابه إن هو عصاه، وخرج عن أمره، وغيّر وبدل فى كلماته..
فما لهؤلاء المشركين لا يخشون الله، ولا يخافونه، وقد عصوه هذا العصيان الحادّ بالشرك به، وبتكذيب رسوله، والآيات التي أنزلها على رسوله؟ ألا يخافون بأس الله؟ ألا يخشون عقابه؟ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» (٩٩: الأعراف) .
قوله تعالى: «قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ.. أَفَلا تَعْقِلُونَ» .
فى هذه الآية تنبيه للمشركين، وإلفات لهم، إلى ما هم فيه من عمّى وضلال.
فلو أنهم عقلوا شيئا، لعرفوا أن «محمدا» قد عاش فيهم أربعين سنة غير قارئ
стр. 2125
ولا كاتب، ولا متحدث إليهم بأى حديث مما يحدثهم به الآن من كلام الله الذي أوحى به إليه، بعد هذا العمر الطويل، الذي عاش فيه مع نفسه، منقطعا إلى ربه! ولكن هكذا شاء الله لمحمد أن يكون مستقبل وحيه، ومتلّقى كلماته، ومبلّغ آياته..
ولو شاء الله غير هذا لكان، فلم يكن محمدا رسولا، ولا مبلغ رسالة، ولا مسمعا الناس هذا الذي سمعوه منه من آيات الله.
فمن نظر فى حال محمد قبل الرسالة وبعدها، ومن طالع وجوه هذه الآيات السماوية التي نزلت عليه، لم يقم عنده أدنى شك فى أن محمدا هو رسول الله، وأن ما يحدّث به عن الله هو من عند الله، ومن كلمات الله.. ذلك مع صرف النظر جانبا عما فى آيات الله نفسها من دلائل الإعجاز، التي تشهد بأنها ليست من قول بشر، وأنها من كلام رب العالمين.
قوله تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ» .
فتراء الكذب على الله، هو اختلاق القول عليه، وتقوّل الأحاديث عنه، بإيرادها ابتداء، أو بالتبديل والتحريف فيها..
فأظلم الظالمين من يجرؤ على ركوب هذا المركب المهلك فيتقول على الله، ويفترى الأحاديث عليه..
وأظلم الظالمين من يرى آيات الله، ويستمع إليها.. ثم يكذب بها، ويصم أذنيه عنها، ويغلق عقله وقلبه دونها..
стр. 2126
فهذه وتلك من الجرائم التي تورد مرتكبيها موارد الهلاك والبوار: «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ» .
قوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ.. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنها تكشف عن افتراء المشركين على الله وتكذيبهم بآياته. الأمر الذي عدّه الله جريمة عظمى، توعد مجرمها بالخزي والخسران..
فقد عبد هؤلاء المشركون آلهة اتخذوها لهم من دون الله، وقالوا عنها:
«هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» وقالوا.. «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» ..
وهذا افتراء على الله.. وقد كذبهم الله وفضحهم بقوله: «قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؟» أي أتتحدثون إلى الله بما لا يعلم الله له هذا الشأن الذي تتحدثون به عنه، لا فى السموات، ولا فى الأرض؟ إنه شىء لا وجود له.. وإذا كان لا وجود له فى علم الله، فهو غير موجود أصلا، ولا يوجد أبدا.. إنها أوهام وضلالات، لا توجد إلا فى عقولكم، وهى محض افتراء واختلاق.. تنزّه الله عن أن يكون له شريك، أو شفيع من خلقه، فضلا عن أن يكون هذا الشريك أو الشفيع من واردات الوهم والاختلاق!.
وفى قوله تعالى: «ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ» إزراء بهؤلاء المشركين، وتسخيف لأحلامهم، إذ أعطوا ولاءهم وعبوديتهم ما لا يملك لهم ضرّا ولا نفعا.. وليس أخسر صفقة ولا أضلّ سعيا، ولا أحمق عقلا، ممن يتعامل مع مالا يدفع عنه ضرّا، ولا يجلب له نفعا، فإن العاقل لا يأخذ وجهة إلى عمل،
стр. 2127
ولا يبذل له جهدا، إلا وهو على رجاء من أن يدفع من وراء ذلك شرّا، أو يحصّل خيرا. وإلا فهو عابث لاه، يضيّع عمره ويستهلك جهده، ويهلك نفسه!.
وتقديم دفع الضرّ على جلب النفع أمر طبيعى، مركوز فى الفطرة الإنسانية، حيث يعمل الإنسان أولا على تأمين نفسه، وحراستها مما يعرّضها للهلاك، فإذا ضمن الإنسان الإبقاء على وجوده كان له أن يطلب ما يحفظ عليه هذا الوجود.. وهو جلب المنافع.. وفى مقررات الشريعة: «دفع المضارّ مقدم على جلب المصالح» .
قوله تعالى: «وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، وعطفها عليها، أنها تكشف عن جناية هؤلاء المشركين على الإنسانية، وأنهم هم الدّاء الذي تسلط على الإنسانية قديما وحديثا، فأدخل على كيانها هذا الفساد، الذي يتمثل من وجودهم فى الجسد الإنسانى..
فالناس- فى أصلهم- فطرة سليمة، مستعدة للتهدّى إلى الإيمان بالله، والاستقامة على الخير والحق.. كما يقول الرسول الكريم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجّسانه» .
وكما تعرض العلل للجسم السليم كذلك تعرض الآفات والعلل للمجتمع الإنسانى، فيظهر فيه المنحرفون الذي يخرجون عن سواء الفطرة، وسرعان ما يسرى هذا الدواء، وتنتشر عدواه فى المجتمع..
ومن هنا يكون الناس على أشكال مختلفة، وأنماطا شتّى.. كل يركب طريقا، ويأخذ اتجاها..
стр. 2128
ومن هنا أيضا يختلف الناس، وتختلف بهم الموارد والمشارب.. وإذا كلّ جماعة على مورد، وكل أمة على مشرب.. «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ.. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ.. وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» (١١٨- ١١٩: هود) .
وقد كان جديرا بهؤلاء الضالين أن ينظروا إلى أنفسهم، وإلى موقفهم المنحرف الذي خرجوا به على الفطرة الإنسانية، فركبوا طريق الكفر والضلال، وكان من شأنهم أن يكونوا مع الناس أمة واحدة مؤمنة بالله..
وفى قوله تعالى: «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» إشارة إلى ما سبق أن قضى به الله من إمهال الظالمين، والعاصين، وأهل الكفر والضلال، وإنظارهم إلى يوم البعث، والجزاء- وأنه لولا ذلك القضاء الذي قضى به الله ، لأخذ على يد كل ضالّ ومنحرف، فى هذه الحياة الدنيا، ولأوقع الجزاء عاجلا منجزا، فلا يبقى فى الناس ضال أو مفسد..
فالمراد بالكلمة التي سبقت من الله سبحانه، هى حكمه وقضاؤه، بأن يؤخّر الناس ليوم الدّين، وأن يوفّى الناس جزاء أعمالهم، فيكون منهم أهل النار، كما يقول سبحانه: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١١٩: هود) .
الآيات: (٢٠- ٢٣) [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٠ الى ٢٣]
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
стр. 2129
التفسير:
قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» هو عطف على الآية قبل السابقة، وهى قوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ» (آية: ١٨) .. أما الآية (١٩) وهى قوله تعالى:
«وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا» فهى معترضة بين الآيتين، لتكشف عن واقع هؤلاء المشركين، ولتبيّن لهم أنهم أخذوا طريقا منحرفا عن الطريق العام الذي كان من شأنهم أن يستقيموا عليه، لأنه فى الأصل، هو طريق الإنسانية كلّها.. ومن ضلالات هؤلاء المشركين أنهم يعمون عن آيات الله، ويعشون فى ضوء صبحها المشرق الوضيء، فلا يرون فيها مقنعا لهم بأنها من عند الله، وأن الرسول الذي يتلوها عليهم هو رسول الله.. فيقولون للرسول- صلوات الله وسلامه عليه: «ائت بقرآن غير هذا أو بدله..» !
وإذ يؤبسهم الرسول من إجابة مقترحهم هذا بقوله الذي أمره الله سبحانه أن يلقاهم به: «قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» - تجرى الأحاديث فيما بينهم
стр. 2130
فى تساؤل جهول عقيم: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» ؟ .. وهم يريدون بتلك الآية آية حسيّة كتلك الآيات التي جاء بها موسى وعيسى ﵉..
كما ذكر القرآن ذلك عنهم فى قوله تعالى: «فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ» (٢٥: الأنبياء) .. ولو أنهم عقلوا لعرفوا أن الله سبحانه قد رفع قدرهم، وأعلى فى الناس منزلتهم، إذ جاءهم بمعجزة تخاطب عقولهم، وتتعامل مع مدركاتهم، ولم يأتهم بمعجزة تجبه حواسّهم، وتستولى على عقولهم، وتشلّ حركة تفكيرهم.. إن الله سبحانه قد ندبهم للتعامل مع هذه المعجزة العقلية، يدركون إعجازها ببصائرهم لا بأبصارهم، ويتناولون قطافها بمدركانهم لا بأيديهم، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا أطفالا لا رجالا.. وقد أنكر الله عليهم هذا الموقف، الذي وقفوه من القرآن الكريم، ورأوا أنّه غير مقنع لهم، كدليل سماوى.. فقال : «وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(٥٠- ٥١: العنكبوت) .
والقوم لم يكونوا على غير علم بما فى آيات القرآن الكريم، وما فيها من إعجاز متحدّ لقدرة الإنس والجن.. فهم أقدر النّاس على نقد الكلام، والتعرّف تعرفا دقيقا على الفرق بين حرّ جواهره وزيفها، وجيّدها ورديئها..
ولقد بهرهم القرآن الكريم، فأخذوا به، وسجدوا- على كفرهم- لجلاله، وسطوته، وقالوا فيه: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» .. ولكنهم كانوا على عناد وكبر واستعلاء.. يأبون أن ينقادوا لبشر منهم، وأن يعطوا ولاءهم له..!
كما يقول الله تعالى على لسانهم. «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ» (٢٤- ٢٥: القمر) .
стр. 2131
فهذه المقترحات التي يقترحونها على النبىّ إن هى إلا تعلّات يتعلّلون بها لأنفسهم، ويرضّونها بهذه العلل، حتى لا تنزع بهم إلى الاستسلام لهذه القوة القاهرة التي تطلّ عليهم من عل، فى كلمات الله، وآيات الله.. وقد كشف الله عن هذا الشعور المتسلط عليهم، والذي يسوقهم إلى ركوب هذه الشاقّة، والتعلل بهذه العلل، فقال تعالى: «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (١٤- ١٥: الحجر) .
وفى قوله تعالى: «فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ» ردّ، وجبه لهؤلاء المشركين فيما يقترحونه على النبىّ من آيات ماديّة محسوسة، كأن يطلعهم على ما يأكلون، وما يدّخرون، وما يقدّرون لهم فى تجاراتهم وأعمالهم، من ربح أو خسارة، ونحو هذا.. فذلك ليس لبشر أن يعلمه، وإنما هو مما استأثر لله بعلمه.. لا يشاركه فيه أحد من خلقه.. وقد أمر الله سبحانه النبىّ أن يعلن فى الناس أنه لا يعلم من الغيب شيئا، فقال كما أمره الله سبحانه أن يقول:
«وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (١٨٨: الأعراف) .
وفى قوله تعالى: «فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، الذين أمسكوا بأنفسهم، على هذا المرعى الوبيل من الضلال والشرك، عنادا، وجماحا.. فلينتظروا، والنبىّ منتظر معهم، وسيرون وسيرى من تسكون له عاقبة الدار.. «قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» (١٣٥: الأنعام) .
قوله تعالى: «وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ»
стр. 2132
الذّوق، والتذوّق: الإحساس بطعم الشيء ومداقه، حلوا، كان أو مرّا..
والرحمة: النعمة، والخير..
والضرّاء: الضّرّ، والسوء، والشرّ..
والمسّ: لمس الشيء لمسا رقيقا..
والآية الكريمة تحدّث عن كفر «النّاس» بنعم الله، وجحودهم لأفضاله.. وأنهم إذا مسّهم الضرّ جزعوا، واستكانوا، وضعفوا.. وإن أصابهم الخير، وجرى عليهم النعيم.. طغوا، وبغوا ولبسوا جلود الأفاعى والنمور.
وفى الآية تعريض بالمشركين، وبمكرهم بآيات الله التي جاءهم بها رسول الله، هدى ورحمة، ليستنقذهم بها من ضلالهم، وليخرجهم بها من عمى الجاهلية، وسفهها، وليضفى عليهم الأمن والسلام بعد أن مزّقتهم الحروب، وعصفت بهم ريح البغي والعدوان.. وفى هذا يقول الله تعالى مذكّرا إياهم بما ساق إليهم من رحماته ونعمه، بهذه الرسالة الكريمة المباركة، وبهذا الرسول الكريم المبارك.. يقول ﵎: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» (١٠٣: آل عمران) .
- وفى قوله تعالى: «إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا» إشارة إلى موقف المشركين من آيات الله، والمكر بها، والتعلل بالعلل الصبيانية علمها..
- وفى قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ» نذير شديد للمشركين، وأنهم إذا مكروا بآيات الله، فلن يفلتوا من عقاب الله.. إنهم يعلنون على الله حربا هم فيها المخذولون الخاسرون.. إنهم يبيّتون الشر، ويدبرون له، والله سبحانه بعلمه وقدرته مطلع على ما يبيّتون، مفسد ما يدبرون.
стр. 2133
قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .
فى هاتين الآيتين، مظهر من مظاهر مكر الماكرين بآيات الله، وكفرهم بنعمه السابغة عليهم..
فما أكثر ما يركب الناس البحر فى ريح رخاء، تصحبهم فيه السكينة والبهجة، ثم على حين غرّة يموج بهم البحر ويضطرب، وتزمجر حولهم العواصف، وتصرخ بهم الريح فى جنون مخيف.. وإذا الهلع والفزع، وإذا الكرب الكارب، والهذيان المحموم، يشتمل على من فى جوف السفين، الذي يبدو وكأنه دودة على ظهر هذا الكون العظيم!.
ولا ملجأ من هذا الموت الفاغر فاه، ولا عاصم من هذا الهلاك المطلّ من كل مكان، إلا اللّجأ إلى الله، والاستصراخ له، والاستنجاد به.. فتتعالى صيحات الصائحين، واستغاثات المستغيثين، وضراعات المتضرعين.. فى غير اقتصاد أو انقطاع..
وتجىء رحمة الله فى إبّانها.. فتهدأ العاصفة، ويخفت صوت الريح..
وإذا البحر قد عاد ساكنا هادئا، وإذا السفين على ظهر حنون ودود، يهدهده كما تهدهد الأم رضيعها، حتى يبلغ السفين بأصحابه شاطىء الأمن
стр. 2134
والسّلامة، ويأخذ كل واحد من الركب وجهته، ثم لا يعود يذكر لله شيئا ممّا صنع به.. وإذا هو فى ضلاله القديم.. مشرك بالله، كافر بنعمائه! - وفى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» إشارة إلى تلك النّعم التي سخّرها الله للناس، فى انتقالهم من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، على مراكب البر والبحر.. فى اختلاف أشكالها وأنواعها.
- وفى قوله تعالى: «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ» عرض لحالة من أحوال السفر التي تعرض أحيانا لراكب البحر.. وقد ذكرها القرآن الكريم هنا، ليكشف بها عن حال من أحوال الذين يكفرون بآيات الله، ويجحدون ما يسوق إليهم من نعم..
وقد جاء النظم القرآنى فى قوله تعالى: «وَجَرَيْنَ بِهِمْ» بنون النسوة التي هى للعقلاء، مستعملا إياها للفلك، وهى غير عاقلة، وكان المتوقع أن يجىء التعبير هكذا: «وجرت بهم» .. وفى هذا ما يشير إلى أن الفلك، وهى تجرى فى ريح طيبة، وعلى ظهر بحر ساكن ساج، قد كان لها سلطان على هذا البحر، تغدو وتروح عليه كيف تشاء، وتتصرف كما تريد.. حتى لكأنها ذات عقل مدبّر، وإرادة نافذة.
وفى النظم القرآنى أيضا: «وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» ولم يجىء النظم هكذا: «وجرين بهم فى ريح طيبة» .. وذلك ليدل على أن الريح هى التي تحرك الفلك وتدفعها، فالباء هنا باء الاستعانة، التي تدخل على الأداة التي يستعان بها على العمل، كما يقال: كتبت بالقلم، وانتقلت بالقطار.. وهذا ما لا يفيده حرف الجرّ «فى» .. الذي يجعل الريح ظرفا يحتوى السفينة من جميع جهاتها، ولا يدفع بها إلى جهة ما..
стр. 2135
- وفى قوله تعالى: «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» ..
اختلف النظم، فى قوله سبحانه: «وَجَرَيْنَ بِهِمْ» فجاء على غير ما يقتضيه السياق.. وجىء بضمير الغائب، بدلا من ضمير الحضور.. هكذا:
«وجرين بكم» ..
فما سرّ هذا؟
تتحدث الآية الكريمة عن نعمة عامة شاملة من نعم الله، وهى تسيير الفلك فى البحر، كما يقول تعالى: «وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ» (٦٥: الحج) وكما يقول جل شأنه: «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» (١٢- ١٣:
الزخرف) .
وهذه النعمة، لا يكفر بها الناس جميعا، وإنما يجحدها ويكفر بها من لا يؤمن بالله.. وهم الذين ذكرهم القرآن الكريم بضمير الغائب، بعد أن جاء التّذكير بالنعمة موجّها إلى الناس جميعا- ومنهم هؤلاء الكافرون- فى مواجهة وحضور.. وبهذا عزل الكافرون عن المجتمع الإنسانى، وأبعدوا من مقام الحضور، وحسبوا غائبين، لا وجود لهم.
- وفى قوله تعالى: «إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» .
أولا: «إذا» الفجائية هنا، تنبىء عن أن هؤلاء الكافرين، لم يمسكوا بتلك المشاعر المتجهة إلى الله، والضارعة إليه، حين مسّهم الضر فى البحر، إلا ريثما تلقى بهم الفلك إلى البرّ، حتى إذا مسّت أقدامهم اليابسة انفصلوا عن تلك المشاعر، وتخفّفوا منها، ورجعوا مسرعين إلى ما كانوا فيه من كفر وضلال وعناد.
стр. 2136
وثانيا: وصف البغي بأنه بغى بغير الحق، مع أن البغي لا يكون إلا عدوانا على الحق، وخروجا عليه.. فكيف يلحقه هذا الوصف، الذي يفهم منه أن هناك بغيا بحق، وبغيا بغير حق؟
ذكرنا جوابا عن مثل هذا، عند تفسير قوله تعالى: «وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» (١٨١: آل عمران) .
والجواب هنا، هو أن وصف بغيهم بأنه بغى بغير الحق، فيه تغليظ لهذا البغي، وإلقاء مزيد من القبح على وجهه القبيح..
فالبغى فى ذاته جريمة منكرة شنعاء..
ولكنّه من أهل البغي، شىء لا يكاد ينكر عليهم، ولا يستغرب منهم.
وإذن فهو محتاج إلى أن يكون أكثر من بغى حتى ينكر عليهم، ويذمّ منهم..
فهذا البغي منهم هنا.. هو بغى على وصف خاصّ.. بغى بغير حقّ حتى عند أهل البغي أنفسهم، وهذا يعنى أنه بغى شنيع غليظ، بين صور البغي كلها.
وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» نداء للناس جميعا، وإعلان لهم كلهم- برّهم وفاجرهم- بأن البغي والعدوان، والخروج على حدود الله، هو بغى وعدوان واقع عليهم، وآخذ بنواصيهم..
كما يقول : «مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» (٤٤: الروم) وفى قوله تعالى: «مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا» .. قرئ «متاع» بالنصب والرفع.. وعلى النصب- وهى القراءة المشهورة- يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف، تقديره، تتمتعون متاع الحياة الدنيا، وتكون الجملة حالا من ضمير المخاطبين فى قوله تعالى: «إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» .. وعلى قراءة الرفع يكون خبرا لقوله تعالى: «بَغْيُكُمْ» و «عَلى أَنْفُسِكُمْ» متعلق بالمبتدأ..
стр. 2137
- وفى قوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
تهديد ووعيد لهؤلاء الباغين، وما يلقون من عذاب أليم، يوم يرجعون إلى الله، ويوفّون جزاء ما كانوا يعملون من منكرات.
الآيات: (٢٤- ٣٠) [سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٤ الى ٣٠]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
стр. 2138
«الإنسان.. وما ينزل من السماء» التفسير:
قوله تعالى: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ..»
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنها تكشف عن وجه هذه الحياة الدنيا، التي ذكرت الآية السابقة تعلق الناس بمتاعها، وركوبهم مراكب البغي والطغيان فى سبيل المتاع بها.
وقد صورت الآية الكريمة هنا الحياة الدنيا فى ألوانها، وزخارفها، التي تغرى الناس بها، وتفتنهم فيها- بما نزل من السماء، فخالط نبات الأرض، فأخرج حبّا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبّا، ولبست الأرض من ذلك كله حلة زاهية مختلفة الأصباغ والألوان، وبدت كأنها العروس فى ليل عرسها.. ثم إذا إعصار مجنون ملتهب، يمس هذه الجنّات المعجبة، وتلك الزروع المونقة، ويضربها بجناحيه، فإذا هى حصيد تذروه الرياح، وبباب قفر يضلّ به القطا.
- وفى قوله تعالى: «وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها» إشارة إلى تمكن أصحابها من جنى ثمارها، وتناول قطوفها.. إذ أصبحت ناضجة الثمار، دانية القطوف، آمنة من تعرضها للآفات التي تفسد الزهر، وتغتال الثمر.. فإذا اجتاحتها آفة وهى على تلك الحال من الجمال والنضارة، كان ذلك أوجع وأفجع لأهلها.. كما يقول الشاعر:
إن الفجيعة فى الرياض نواضرا ... لأجلّ منها فى الرياض ذوابلا
- وفى قوله تعالى: «أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ» .. «الحصيد» ما حصد من الزروع بعد نضجه.. و «تغن»
стр. 2139
بمعنى تكون، أو توجد، على حال من الاستقرار والثبات.. يقال غنى بالمكان، أي أقام فيه واستقرّ.
وفى إسناد الاستقرار إلى الأرض، مع أن الاستقرار إنما هو لأهلها، إشارة إلى أنها بما لبسها من حياة، وما نبض فى عروقها وشرايينها من دماء هذه الحياة، وما تزينت به من حلل وحلى. قد أصبحت كائنا حيّا، مستغنيا بما اجتمع له من هذا المتاع والزخرف..
وفى تشبيه الحياة الدنيا، وما يلبس الناس فيها من ألوان الحياة والسلطان، وما يقع لأيديهم منها من مال ومتاع- فى تشبيه هذه الحياة بالماء الذي ينزل من السماء، فيختلط بنبات الأرض، ويلبس هذه المظاهر التي يشكلها من هذا النبات، ويصيرها جنّات وزروعا، وزهرا، وفاكهة وحبّا..
- فى هذا التشبيه إعجاز من إعجاز القرآن، وآية من الآيات الدالة على علوّ متنزّله..
فالإنسان عنصر من عناصر هذه الحياة، ومادة من موادها.. إنه ماء من هذا الماء.. هكذا هو فى أصله ومادة تكوينه.. يقول ﵎: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» (٢٠: المرسلات) .
ويقول سبحانه: «خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً» (٥٤: الفرقان) .. ويقول جل شأنه: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ» (٥- ٦: الطارق) .
هذا الإنسان الذي هو ابن الماء.. يخالط الحياة، ويتحرك فى أحشاء الوجود، وسرعان ما يصبح هذا الكائن، أو هذا الكون الذي يمشى على الأرض، وكأنه جنة قد أخذت زخرفها وازينت.. بملأ الأرض تيها وعجبا، ويمشى عليها مختالا فخورا، يكاد يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا..
وهذا الماء الذي ينزل من السماء، ويختلط به نبات الأرض، وقد عرفت
стр. 2140
شأنه، وما يصنع من هذا النبات.. أليس هو هو الإنسان ابن الماء والطين؟ ثم أليس هذا الإنسان الذي هو محصول هذا الماء، ومنبت ذلك الطين، يصير حصيدا هشيما، كما يصير النبات ابن الماء والطين حصيدا هشيما؟
إن التطابق بين الصورتين على هذا التصوير المعجز، هو آية من آيات الله.. ليس فى مقدور بشر أن يمسك بخيط من خيوط نسجه المحكم الرائع! وهل هذا كل ما هنالك من هذا الإعجاز فى هذه الصورة؟ ومعاذ الله أن ينفد إعجاز كلامه، أو ينقطع جنى ثمره، على مدى الأزمان، وعلى كثرة الواردين والطاعمين.
انظر فى قوله تعالى: «فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ» ..
وأكاد أدعك لتكشف عن سرّ هذا النظم، الذي جعل اختلاط نبات الأرض بالماء، ولم يجعل اختلاط الماء بالنبات.. هكذا: «فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ» ، على ما يقتضيه مفهوم النظر الإنسانىّ لهذه الظاهرة..
فالماء هو الذي يختلط بنبات الأرض، ويسرى فى كيانه، فيبعث فيه الحياة، ويخرجه من عالم الموات.. هكذا نرى، وهكذا نقدّر! ولكنّ عين المقدرة ترى مالا نرى، وتعلم مالا نعلم! فإن كنت تنكر هذه القدرة، أو تشك فى هذا العلم، فهات قدرتك، واستحضر علمك، وقل لى ماذا ترى هناك؟ وماذا تعلم مما بين الماء والنبات؟ ..
أيهما المختلط وأيهما المختلط به؟ وأيهما الفاعل وأيهما المفعول به؟
ودع عنك ما أنت فيه من نظر، وعلم..
وانظر فى كلمات الله تلك، وخذ العلم الحق منها.
ولن أدعك كما قلت لك.. بل سأنظر معك، وأتلقى العلم فى صحبتك!
следующие страницы →