التفسير:
هكذا تختم قصص هذا الصراع، بقصة موسى مع فرعون.. ولا تذكر تفاصيل هذه القصة، بل تجىء فى هذا العرض الموجز، المعجز، الذي يجمع- على إيجازه- كلّ مضمون القصة، ويكشف عن الملامح البارزة فيها، أما من أراد التفاصيل. ففى غير موضع من القرآن الكريم يجد ذكرا لهذه القصة، وفى كل موضع، يقع على مضمون القصة كاملا، ثم يجد بين يديه حدثا من أحداثها التي تتشكل منها.. وهكذا يلتقى قارئ القرآن آخر الأمر بقصة موسى وفرعون كاملة، فى مجريات أحداثها، ومواقف أشخاصها.. وإن التقى بها أكثر من مرة فى معارض مختلفة الشكل، متفقة المضمون..
كما سنبين ذلك فى مبحث «التكرار فى القصص القرآنى» ..
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ» ..
стр. 2347
والآيات التي أرسل بها موسى هنا، هى الآيات المادية، التي أراها لفرعون، معجزات متحدية، تشهد له أنه رسول من ربّ العالمين، وهى تسع آيات، كما قال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً» (١٠١- ١٠٢: الإسراء) والآيات التسع هى: العصا، ويده التي كان يدخلها فى جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ.. فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ» (٣١- ٢٢: القصص) ..
ثم خمس الآيات التي ذكرها الله تعالى فى قوله: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ.. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ» (١٣٣:
الأعراف) ..
أما الآيتان الأخريان، فهما: أخذهم بالسنين المجدبة، والنقص فى الثمرات، كما يقول : «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» (١٣٠: الأعراف) ..
أما السلطان المبين، فهو ما كان لموسى بهذه الآيات، من قوة قاهرة على فرعون، إذ أعجزه بها، وأخزاه، ثم ساقه قدره، فكان من المغرقين! ..
- وفى قوله تعالى: «فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ»
стр. 2348
إشارة إلى ما كان من فرعون وملائه عند لقاء تلك المعجزات، وأنهم كفروا بها، واتبعوا فرعون فى خلافه على موسى.. ولم يكن اتّباعهم فرعون ليدنيهم من خير، أو يمكن لهم من هدى.. فما دعاهم فرعون إلا إلى ضلال، وما ساقهم إلا إلى هلاك.. إنه أمر بالفحشاء، ودعوة إلى بلاء! ..
«يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» .. إنه إمامهم فى الآخرة، كما كان إمامهم فى الدنيا.. وهو إمام ضال، لا يتبعه إلا ضالون.. وهكذا من يلقى رمامه إلى غيره، من غير نظر إليه، أو تدبّر فى أمره.. «وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ» أي بئس هذا المورد الذي ورده القوم.. إنه النار وكفى بالواردين إليها ضياعا، وبلاء! وفى التعبير عن ورودهم النار- بالفعل الماضي، مع أنهم لم يردوها بعد، إشارة إلى أن ورودهم إياها أمر محقق، وأن أعمالهم التي تلبسوا بها فى هذه الدنيا، من كفر وضلال، هى المركب الذي يسير بهم إلى النار.. فهم- والأمر كذلك- سائرون إلى النار، موقوفون عليها، لا مورد لهم سواها.
«وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» .. الإشارة هنا إلى الدنيا، ولم تذكر، استخفافا بها، وامتهانا لها، لا من حيث أنها دنيا، بل لأنها دنياهم هم التي لم يحسنوا العمل فيها، ولم يخرجوا منها بزاد طيب يتزودون به ليوم القيامة.. وإلا فهى دار طيبة لمن أحسن العمل، وغرس فى مغارس الخير والإحسان..
واللعنة التي أتبعتهم فى هذه الدنيا، هى ما يرميهم به الناس بعدهم، من لعنات،
стр. 2349
حيث تذكر سيرتهم، فلا يرى فيها الناس إلّا عوجا، وزيغا، وفسادا فى الأرض.. وكذلك شأنهم فى الآخرة، حيث يراهم المؤمنون، وقد وردوا هذا المورد الوبيل، وباعوا آخرتهم بهذا الثمن البخس الذي باعوها به فى دنياهم، من متاع زائل، وسلطان زائف! فيرمون باللّعنات.. «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» ..
«بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ» .. الرفد: العطاء بعد العطاء، ويستعمل فى مواضع الخير، والإحسان.. وقد استعمل هنا فى العذاب والبلاء، ليدلّ على أن ما يرفدون به، هو اللعنة، وأنها هى الإحسان الذي يمكن أن يحسن به إليهم، إذ لا عطاء لهم إلا من هذا المورد الذي وردوه، وليس فيه ما يعطى إلا النكال والسوء! «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ» الإشارة هنا إلى هذا القصص الذي قصه الله فى هذه الآيات، الكريمة.. والخطاب للنبى صلوات الله وسلامه عليه، والقرى: هى قرى أولئك الأقوام الذين أهلكهم الله، وصبّ عليهم نقمته، بعد أن ساق إليهم رحمته على يد رسله فردّوها، وآذوا المرسلين إليهم بها..
«مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ» أي من هذه القرى ما هو «قائم» أي باق لم تضع كل معالمه بعد، ومنها ما هو «حصيد» قد اندثر، وذهبت معالمه.. وقد شبهّت القرى بالزرع، لما فيها من حياة، ولما تتعرّض له هذه الحياة من صور التبدّل والتحول.. فتخضرّ، وتورق، وتزهر، وتثمر.. ثم تنضج، وتحصد..
وهكذا تلبس القرى من صور الحياة ما يلبس الزرع من تلك الصور!
стр. 2350
«وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» أي أن أهل هذه القرى، الذين أهلكهم الله، لم يكن إهلاكهم بظلم من الله لهم، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم، بحجزها عن الخير، وسوقها إلى هذا البلاء الذي أخذهم الله به..
«فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» .. أي أن آلهتهم، لم تردّ عنهم بأس الله إذ جاءهم، ولم تمدّ إليهم يدا تستنقذهم من هذا البلاء الذي هم فيه.
«وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ» أي أن هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله لم تزدهم إلا خسرانا إلى خسران، وعذابا إلى عذاب، وحسرة إلى حسرة، وذلك حين ينادونهم فلا يسمعون لهم، ويستصرخونهم، فلا يخفّون إليهم..
وهنا يرون أنهم كانوا مخدوعين بهم، وأن تلك الآلهة هى التي خدعتهم وأضلتهم.. حتى إذا جدّ الجدّ تبرءوا منهم، وضلّوا عنهم.. وهذا ما يشير إليه فى قوله: «وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا.. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» (١٦٧: البقرة) .. والتتبيب، والتباب: الخسران، والبلاء.
«وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» أي مثل هذا الأخذ بالهلاك والعذاب، يأخذ الله القرى الظالمة.. وفى هذا تهديد للمشركين من قريش، وتلويح لهم ولقريتهم، بهذا المصير الذي صارت إليه القرى الظالمة وأهلها..
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ.. ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» .. الإشارة هنا إلى هذه الأحداث التي مرت بتلك
стр. 2351
القرى الظالمة، وما حلّ بها وبأهلها من سوء.. ففى هذا عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، أي آمن بالله، وباليوم الآخر، وعمل لنفسه من أجل هذا اليوم، حتى لا يقع تحت طائلة العذاب الذي أعده الله للظالمين، المكذبين بالله، وبهذا اليوم.. وهو يوم يجتمع له الناس جميعا، بعد أن يبعثهم الله من قبورهم، وهو يوم مشهود، يشهده الناس جميعا، ويرون ما يقع فيه من أهوال، وهو يوم عظيم.. للأحداث العظيمة التي تقع فيه.
«وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ» .. أي إن هذا اليوم آت لا ريب فيه، وإن تأخيره إنما هو لاستيفاء الأجل الذي قدّره الله لهذا اليوم.
«يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ» أي يوم يأتى هذا اليوم، ويعرض فيه الناس على ربّهم، لا تملك نفس من أمرها شيئا، فلا تنطق بكلمة حتى يؤذن لها من الله سبحانه.. وذلك لهول الموقف، الذي تخمد فيه الأنفاس، وتخرس الألسنة.. وهم بين شقىّ وسعيد.. شقى بما حمل على ظهره من أوزار، وما قدم بين يديه من سيئات.. وسعيد بما جاء به إلى ربّه من عمل صالح يزكّيّه إيمان بالله، وبهذا اليوم الذي هو فيه.
«فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ» .. وتلك هى حال من أحوال الذين غلبت عليهم شقوتهم، وأدانهم الدّيان فى هذا اليوم المشهود.. وذلك هو بعض ما يكون لهم فى هذا اليوم، وما يشهده أهل الموقف منهم.. «لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ» ..
وفى تقديم «الزفير» وهو دفع النفس إلى الخارج، على «الشهيق» الذي هو أخذ النّفس إلى داخل الجوف.. وذلك على خلاف ما تتنفس الكائنات الحية، حيث تأخذ الهواء شهيقا، ثم تدفع به إلى الخارج زفيرا.. فى هذا
стр. 2352
ما يكشف عن تلك الحال السيئة التي يعانيها هؤلاء الذين شقوا.. إنهم لا يتنفّسون كما يتنفّس النّاس، فيأخذون الهواء شهيقا، ويتنفسون أنفاس الحياة منه، ثم يلقونه زفيرا، بعد أن يأخذ الجسم حاجته منه.. كلا، وإنما همّهم كلّه هو أن يلقوا بهذا الهواء الذي تغلى به صدورهم، فهم فى «زفير» متصل متقطع.. وأما الشهيق فهو نار تلظّى، لا يكاد أحدهم يأخذ جرعة منه حتى يردّها زفيرا.. ثم يعيدها شهيقا.. وهكذا: يتنفّسون نارا، من داخل صدورهم، ومن خارجها على السواء..
«خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ.. إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» أي أنهم يظلّون فى هذا العذاب أبدا، لا يتحولون عنه، «ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» .. والسماوات باقية، والأرض باقية.. فحياتهم فى النّار مرتبطة ببقاء السماوات والأرض.. فهل عندهم من حيلة ليبدّلوا هذا النظام القائم؟ فليحاولوا إذن.. ولينطحوا هذا الصخر.. إن كان فيهم بقية من قدرة على أن يحرّكوا رؤسهم! «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» لا يملك أحد معه شيئا، ولا يستطيع أحد أن ينقض من حكمه شيئا..!
«وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ..
العطاء غير المجذوذ: أي غير الناقص.. أي عطاء كاملا، ونعمة سابغة، لا يدخل عليها ما يكدر صفوها، أو يذهب بشىء من لذاذاتها التي وجدوها فى أنفسهم لها..
وهنا سؤال.. وهو: ماذا يراد بقوله تعالى: «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» ؟ وهل هو استثناء داخل على تأييد الخلود فى النار أو فى الجنة، الذي يفهم من قوله تعالى:
стр. 2353
«خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» ؟ وكيف والله يقول فى أصحاب الجنة: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (٢١- ٢٢: التوبة) ؟ ويقول سبحانه فى أصحاب النار: «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (٦٤- ٦٥: الأحزاب) ؟
ما تأويل هذا؟ وقد جاء الخلود مؤكدا بالتأبيد، لأصحاب النار فى النار، ولأصحاب الجنة فى الجنة؟
والجواب- والله أعلم- أنه لما كان قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» يشعر بأن هذا الخلود، هو خلود قائم على حال واحدة، لا تتحول فيه بأهل الجنة أو النار الأحوال، ولما كان مثل هذا الخلود المطّرد على وجه واحد، هو شبيه بالعدم، لا يجد فيه المنعّم طعم النعيم، ولا يذوق منه المعذّب آلام العذاب، بعد أن يدوم ويتّصل على هذه الصورة المطردة- لما كان ذلك مما يمكن أن يفهم من قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» - فقد جاء قوله سبحانه: «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» استثناء من مفهوم الخلود المطّرد، الذي يقع تحت مشيئة الله، فتجرى عليه أحكام التبديل، والتحويل، الذي هو سنّة الله فى خلقه، كما يقول الحقّ جلّ وعلا: «يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (٢٩: الرحمن) .
وعلى هذا، فإن خلود أهل الجنة فى الجنة، وخلود أهل النار فى النّار ليس على صورة واحدة، لا تتغير أبدا، ولا تنتهى أبدا.. إذ لو كان ذلك لكان معناه المشاركة لله سبحانه فى دوامه الأبدى، المنزّه عن التحول والتبدّل..
ولكن خلود أهل الجنة وأهل النار، إنما هو خلود يصحبه تنقّل من حال
стр. 2354
إلى حال، على مدى الأزمان الطويلة، فتلبس أهل الجنة أحوال وصور، كما تلبس أهل النار أحوال وصور.. فى رحلة طويلة على سفينة الكون السابحة فى رحاب هذا الوجود..!
ومن يدرى.. فلعله يكون لأهل الجنة وأهل النار انتقال من دار إلى دار، ومن عالم إلى عالم.. هكذا فى دورات وأطوار «مادامت السموات والأرض» أي مادام هذا النظام السماوي والأرضى قائما، وهو نظام واقع تحت حكم التبدل والتحول، كما يقول سبحانه «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ» (٤٨: إبراهيم) كما أنه واقع تحت حكم الزوال والفناء، كما يقول جل شأنه: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» (٨٨: القصص) .
الآيات: (١٠٩- ١١٥) [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٩ الى ١١٥]
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
стр. 2355
التفسير:
بعد هذا العرض الذي حشرت فيه الآيات القرآنية الكريمة الناس إلى ربهم، وساقتهم إلى موقف الحساب والجزاء بين يديه، وسيق أهل النار إلى النار، وعذابها وبلائها، وزفّ أهل الجنة إلى الجنة، وطيباتها ونعيمها- عادت الآيات لتلقى النبىّ الكريم، بما وجد فى مشاعره من تلك المشاهد التي شهدها ليوم القيامة، وهو أنّ للظالمين يوما عبوسا قمطريرا، وأن العاقبة للمتقين.. فيقول له الحقّ ﵎:
«فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ.. ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ» ..
والمرية: الشكّ والارتياب.. وما بالنبيّ الكريم شكّ ولا ارتياب، فى أنّ ما يعبده قومه هو الضلال المودي بأهله، والمورد لهم موارد الهلاك والبلاء..
ولكن هذا النهى، هو تأكيد لما فى قلب النبىّ من إيمان بربّه، وتثبيت له على الطريق الذي هو قائم عليه، وإن لقى فيه مالقى من ضرّ وأذى! وفى الإشارة إلى المشركين من قريش بقوله تعالى: «هؤلاء» دون ذكرهم، هو تهوين لشأنهم، واستخفاف بقدرهم، إذ كانوا على هذا السخف والضلال، وإذ كانوا بحيث يعطون مقودهم لأحجار ينحتونها بأيديهم، ثم يقيمونها آلهة وأربابا عليهم! والآباء المذكورون فى قوله تعالى: «ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ» ..
стр. 2356
قد يراد بهم آباؤهم الأبعدون، من قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب مدين- الذين تحدثت عنهم الآيات السابقة، وكشفت عن كفرهم وضلالهم.. وقد يراد بهم آباؤهم الأولون، من قريش! فالناس هم الناس، والأجيال اللاحقة غرس الأجيال السابقة.
وعلى أىّ فالنّسب متصل إلى أن تضمه تلك الدائرة الكبرى التي تضم هؤلاء الآباء، قريبهم، وبعيدهم، جميعا، وتجمعهم على طريق واحد، هو طريق الكفر والضلال.
- وفى قوله تعالى: «وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، وأنهم سيوفّون نصيبهم من العذاب، كاملا لا ينقص منه شىء..
قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» .
الكتاب هنا، هو التوراة.. وهو الذي نزل على موسى، كما نزل القرآن على محمد- ﵉ وقد اختلف بنو إسرائيل فى كتابهم هذا، وتغايرت أنظارهم عليه، وكثر جدلهم فيه، فكانوا فرقا وأشياعا، يكفّر بعضهم بعضا.. وإلى هذا يشير الله فى قوله: «وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» (١٩: آل عمران) ويقول سبحانه: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» (٢١٣:
البقرة) .
- وفى قوله تعالى: «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» ..
стр. 2357
الكلمة هى كلمة الله بأن يؤخرهم إلى أجل مسمّى، وألّا يعجل لهم العذاب فى الدنيا، وهذا ما يسير إليه قوله تعالى: «وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» (١٤: الشورى) فلولا هذه الكلمة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» وأخذ الله الظالمين منهم بما أخذ به الظالمين من الأمم السّالفة قبلهم، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمّى، يلقون عنده جزاء الظالمين.
- وفى قوله تعالى: «وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» .. الضمير فى:
«إنهم» يعود إلى أهل الكتاب المعاصرين للنبىّ، وهم الذين أوتوا الكتاب من بعد آبائهم الذين اختلفوا فيه، وقد أشار إليهم قوله تعالى: «وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» فآباؤهم قد اختلفوا فى كتابهم هذا، وتفرقوا شيعا وأحزابا، وأبناؤهم الذين أورثوا هذا الكتاب من بعدهم، فى ريب منه وفى شك فيه، إذ أورثهم هذا الخلاف الذي وقع بين آبائهم فى الكتاب- حيرة، وقلقا، واضطرابا، حيث يجدون لكل أمر جاءهم به الكتاب أكثر من وجه من وجوه الرأى، وأكثر من مذهب من مذاهب الخلاف، فتتفرق بهم السبل، وتزيغ الأبصار، وتضل العقول.. فلا يكون لهم من نظرهم فى الكتاب إلا الارتياب والشك.
«وإن كلّا لمّا ليوفّينهم ربّك أعمالهم إنه بما يعملون خبير» .. أي وإن كلّا من الآباء الذين اختلفوا فى الكتاب، والأبناء الذين ورثوا هذا الكتاب وارتابوا فيه- إن كلّا من هؤلاء وأولئك ليوفينهم ربك أعمالهم، ويجزى كلّا ما هو أهل له.. «إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» .. يزن عمل كل واحد بميزان العليم الخبير، ويجازيه عليه جزاء القادر القاهر.
стр. 2358
ووصف الله هنا بأنه «خبير» ، لأن هذه الصفة هى المناسبة للمقام، إذ كان الخلاف الذي كان بين الآباء فى الكتاب، والريب الذي فى صدور أبنائهم منه، لا يكشفه، ولا يعلم الحق من الباطل فيه، إلا عليم خبير.
- وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ» تحذير لأصحاب القرآن الكريم من أن يختلفوا فيه، فيضلّوا كما ضل اليهود قبلهم، ثم لا يقف الأمر عند هذا، بل يورّثون أبناءهم من بعدهم الشّك والريب فى القرآن، كما ورّث اليهود أبناءهم من بعدهم الشكوك والرّيب. فى التوراة، الأمر الذي أو هى صلتهم بها، وجرّأهم على التلاعب بأحكامها، وتبديل كلماتها وتحريف نصوصها.. فكانوا كما وصفهم الله سبحانه بقوله: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (٤٦:
النساء) .. وهذه هى صفات من لا يثق فيما بين يديه من الأمر الذي يشغل به..
وقد وصفهم الله سبحانه كذلك فى موضع آخر بقوله: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (١٥٥: النساء) .. إنه إيمان لا ينزل من القلب مكان الاطمئنان، واليقين، وإنما هو إيمان سطحى.. له ظاهر وباطن، أشبه بظاهر المنافق وباطنه! «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .
فهذا هو الذي ينبغى أن يكون عليه النبىّ والمؤمنون معه إزاء القرآن الكريم.. وهو الاستقامة على وجه واحد فيه، والوقوف به عند مفاهيمه التي تنطق بها كلماته، دون الالتواء بها، والجدل العقيم فيها.. حتى لا يقع فيه
стр. 2359
خلاف، ولا يختلف فيه المسلمون، مثل هذا الاختلاف الذي أفسد على اليهود دينهم..
والأمر للنبىّ الكريم هنا، هو توكيد لهذا الأمر بالنسبة إلى المؤمنين..
فالنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- مستقيم استقامة مطلقة كما أمر الله مع الكتاب الذي أنزله الله عليه، فإذا جاءه الأمر بعد هذا بالاستقامة، فإنما ليرى المؤمنين أن أمر الاستقامة مع القرآن الكريم، يحتاج إلى احتراس شديد، ورقابة دائمة، حتى يحتفظ المؤمن بهذا الوضع المستقيم، مع كتاب الله. وإلا انحرف وضلّ.. وأن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- مع ما هو عليه من استقامة مع كتاب ربّه، فإنه قد نبّه إلى هذا، وأمر به، فكيف بغيره من المؤمنين؟
- وفى قوله تعالى: «وَلا تَطْغَوْا» تأكيد للأمر بالاستقامة على كتاب الله، كما أمر الله.. والطغيان هو مجاوزة حدّ الاعتدال فى أي أمر من الأمور، والخروج به عن الوضع السليم الذي ينبغى أن يوضع فيه.
والمراد بالطغيان هنا، الطغيان فى الاختلاف فى كتاب الله، ومجاوزة الحدّ فيه، وهذا يعنى أن الاختلاف فى ذاته أمر لا حرج منه، بل إنه أمر لا بدّ منه، إذ كان من شأن النّاس أن ينظروا إلى الأمور بعقولهم، ويزنوها بمدركاتهم..
وبعيد أن تتلاقى عقولهم وأن تتعادل موازينهم، على حد سواء.. فكان الاختلاف بينهم أمرا لا يمكن اجتنابه، بل لا يمكن أن تقوم حياتهم بغيره.
ولكن الذي لا يحمد من أمر هذا الاختلاف، هو أن يكون عن هوّى جامح، لا يراد منه البحث عن الحقيقة، بل غايته المراء والإعنات، وذلك هو طغيان، وعدوان على الحقيقة، وتضييع لها..
- وفى قوله تعالى: «إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» إشارة مضيئة مشرقة، إلى أن الاختلاف ينبغى أن يكون عن نظر باحث، وبصيرة نافذة، ابتغاء التعرف
стр. 2360
على الحق.. وبهذا يكون اختلاف وجهات النظر بين المختلفين، أضواء مسلطة من كل جهة، على الطريق الموصل إلى الحق، والكاشف عنه..
قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» .
- «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» أي لا تميلوا إليهم، ولا تتبعوا سبيلهم، ولا تأمنوا جانبهم.
وهو نهى عام عن موالاة الظالمين، ومناصرتهم، واتباع سبيلهم.. ومن الذين ظلموا، أولئك الذين يتأولون كتاب الله حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم، فيضلّون ويضلون غيرهم..
قوله تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» .
طرفا النهار: أوله، وآخره.. وهما الصبح، والمساء.
وزلفّا من الليل. الزّلف: جمع زلفى، مثل قربى وقرب.. لفظا ومعنى، ومنه قوله تعالى: «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ» أي أدنيت إليهم، وقرّبت لهم بحيث ينالونها..
والمراد بالزلف من الليل، أوقات قريبة من الليل.. أي ما يقرب من طرفى النهار، وفيها صلاة الصبح التي هى مدانية لأول النهار، وفيها صلاتا المغرب والعشاء، وهما مدانيتان لآخر النهار.
- وفى قوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» إشارة إلى أن فى إقامة الصّلاة حسنات يكتسبها المرء منها، فتذهب بالسيئات التي تقع منه.. وفى التعبير عن الصلاة بالحسنات، إشارة إلى أن الصلاة إذا أديت على وجهها كانت حسنات خالصة..
стр. 2361
- وفى قوله تعالى: «ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» .. الإشارة إلى ما حدّثت به الآيات السابقة، من الاستقامة مع كتاب الله كما أمر الله، واجتناب الظالمين، وعدم الركون إليهم، وإقامة الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل- فهذه كلها عظات، بالغات، ينتفع بها الذاكرون، أي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..
- وفى قوله تعالى: «وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» إشارة إلى أن التزام الطاعات، واجتناب المنهيات أمر يحتاج إلى معاناة وصبر، وأنّها تكاليف لا يقدر على الوفاء بها إلا من وطّن نفسه على الصّبر.. وفى هذا يقول الحقّ ﵎ فى شأن الصّلاة: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» (١٣٢: طه) وبهذا يستحق الإنسان الجزاء الحسن على ما احتمل من مشقة.. فالله سبحانه لا يضيع أجر العاملين، الذين يعملون فى مواطن الخير والإحسان!
الآيات: (١١٦- ١١٩) [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٩]
فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
стр. 2362
التفسير:
قوله تعالى: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآيات السابقة جاءت آمرة بمعروف، وناهية عن منكر، ومنبّهة إلى أن فيما أمرت به ونهت عنه، ذكرى لمن يعقل، ولا يغفل عن مواقع العبرة والعظة.
ولما كان فى طبيعة الناس الغفلة عن مواقع الخير، وهم لهذا يحتاجون دائما إلى من يقوم فيهم مذكّرا لهم، آمرا بالخير، ناهيا عن المنكر- فقد جاء قوله تعالى: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ»
- ناعيا على الأمم السالفة التي أهلكها الله سبحانه بظلمها وضلالها، أنها لم يكن فيها دعاة خير، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقفون بجوار أنبيائهم، يشدون أزرهم، ويشيعون فى الناس دعوتهم، ويسدون على السفهاء نوافذ العدوان على الأنبياء وأتباع الأنبياء.
- وفى قوله تعالى: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ» إنكار لما كان عليه أهل القرون الماضية، من فقدان أهل الخير بينهم، ودعاة الإصلاح فيهم.. وتحريض للمسلمين ألا يكونوا كهؤلاء الأقوام، بل يقوم من بينهم دعاة هدى وإصلاح، كما يقول الله : «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (١٠٤: آل عمران) ، وبهذا تقوى جبهة المؤمنين، ويشتد ركن الإيمان، وينفتح للناس الطريق إلى الهدى، والنجاة من عذاب الله.
- وقوله تعالى «أُولُوا بَقِيَّةٍ» أي أصحاب دين وإيمان، يعملون لما يبقى لهم عند الله فى الآخرة، ومنه قوله تعالى: «بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ» أي ما يبقى لكم
стр. 2363
عند الله.. فأصحاب البقية، هم العقلاء الراشدون، الذين لا تلهيهم دنياهم عن آخرتهم..
وقوله تعالى: «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ» هو استثناء من النفي الواقع على أهل القرون الغابرة.. فقد كان فيهم جماعات قليلة استجابوا لدعوة الله، وآمنوا به، ودعوا إلى الله، كما كان من الرجل الصالح من قوم فرعون.. أما كثرتهم فكانت تموج فى غيّها وضلالها، فلم يكن لأصحاب الدعوات فيهم من يسمع أو يجيب، إذ كانت تضيع أصواتهم وسط هذه الأمواج الهادرة من الغى والضلال.. وقد نجى الله سبحانه هؤلاء القلة المؤمنين، من هذا البلاء الذي أخذ به أقوامهم، الذين قاموا على ما هم فيه من ضلال..
قوله تعالى: «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ» ..
إشارة إلى أن أهل المنكر قد غلبوا على أهل الخير والصلاح فيهم، فلم يلتفتوا إليهم، ولم ينتفعوا بنصحهم، فمضوا على ما هم فيه من ضلال، وغرقوا فيه من إلى أذقانهم، وأترفوا فيه، أي جعلوه نعيمهم فى الدنيا، وحظهم منها..
- «وَكانُوا مُجْرِمِينَ» أي كانوا أهل إجرام وفجور، وبغى وعدوان.. ولذلك أهلكهم الله.. ولو استقاموا على طريق الحق، ما نزل بهم ما نزل من نقم الله عليهم.. كما يقول سبحانه بعد ذلك:
«وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ» .. أي أن الله سبحانه، إنما أهلك القرى التي أهلكها بسبب ما كان من أهلها من ظلم وكفر وضلال.. وقد جرت سنة الله ألّا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما يقول سبحانه: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (٥٣: الأنفال) .
стр. 2364
قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ..
أي أن ما حلّ بالظالمين من هلاك هو قدر من قدر الله الواقع بهم، وأنه- سبحانه- لو شاء لهداهم إلى الحقّ، ولعافاهم من هذا البلاء.. «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً» أي على حال واحدة من الإيمان، أو الكفر، ومن الهدى، أو الضلال.. فليس ذلك بعزيز على الله.. ولكنه- سبحانه- خالف بينهم، فجعلهم مؤمنين وكافرين، ومهتدين وضالين. كما يقول سبحانه:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن) ..
- وفى قوله تعالى: «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» إشارة إلى أن هذا الاختلاف فى الناس أمر لازم اقتضته حكمة الله، وجعلته سنّة قائمة فيهم..
فكما اختلفوا فى صورهم وأشكالهم، وفى ألسنتهم وألوانهم، وفى أممهم وأوطانهم، وفى وجوه أعمالهم وأرزاقهم- اختلفوا كذلك فى معتقدهم فى الله، فمنهم الكافرون، ومنهم المؤمنون، ومنهم أصحاب النار، وأصحاب الجنة، «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» ممن ألف بين قلوبهم من المؤمنين، فكانوا كيانا واحدا، فى اتساق خطوهم على طريق الخير والهدى.. فكانوا كيانا واحدا، وجسدا واحدا تنتظمه مشاعر واحدة.. وقليل ما هم..
- وفى قوله تعالى: «وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» توكيد لهذا الحكم الذي حكم الله به على العباد.. وأنهم هكذا خلقوا مختلفين..
- «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» أي وجبت كلمة ربك- وحقت، وجاءت على تمامها وكمالها، لا استثناء فيها، وهى
стр. 2365
أن يملأ جهنم من الجنة والناس.. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا مفرّ من أن يكون لجهنم أهلها من الناس، ولها يعملون، وليصيروا إليها.. وبغير هذا لا يتحقق لكلمة الله التمام.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا..
الناس.. وهذا الاختلاف فى حظوظ الحياة الاختلاف بين الناس، أمر لازم لانتظام حياتهم.. فلو كانوا على حال سواء فى كل شىء، لما كانوا إلا كتلة متضخمة اللحم، ليس فيها عين تنظر، أو أذن تسمع، أو أنف يشم، أو يد تبطش، أو رجل تمشى، أو رأس يفكر..
إلى غير ذلك من الأجهزة العاملة فى كيان الإنسان.. والتي بها صار الإنسان إنسانا، بل بها صار الكائن الحىّ.. ذا حياة عاملة.. معطية وآخذة..
وهكذا الناس.. هم هذا الإنسان فى صورة مكبرة.. بعضهم يأخذ مكان الرأس، وبعضهم يأخذ مكان العين، أو الأنف، أو الأذن، أو اليد، أو الرجل وبهذا يقوم الجسد الاجتماعى بوظائفه العاملة فى الحياة حيث تأخذ كل جماعة فيه مكانها المناسب فى هذا الجسد، كما تأخذ أعضاء الجسد فى الإنسان مكانها فيه.. سواء بسواء! والسؤال هنا هو:
لماذا يكون بعض الناس رأسا، وبعضهم قدما، أو إصبعا، أو عينا؟
ونقول: إن تلك هى مشيئة الخالق فى خلقه.. فكما خلق سبحانه الإنسان ووضع أعضاءه فيه بهذا النظام وعلى تلك الصورة- كذلك جعل الله سبحانه المجتمع الإنسانى موزعا فى الوجود على هذا النظام.. بعضهم رأس، وبعضهم ذنب، وبعضهم قلب، وبعضهم عقل، وبعضهم أبيض، وبعضهم أسود..
стр. 2366
وهكذا.. ليملئوا كل فراغ على الأرض، ويسلكوا كل سبيل فيها.. فيكون منهم الزارع والصانع، والتاجر، وراكب البحر، وساكن الفلاة، وصاحب القصر، وصاحب الكوخ! تلك هى مشيئة الله فى عباده، وإرادته النافذة فيهم، وحكمته المقدّرة لكل شىء قدره! يقول الجاحظ فى تعليل هذا الاختلاف بين الناس، وتباين حظوظهم فى هذه الدنيا: «اعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم! «ولم يحبّ أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم! «لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب المختلفة، وكانوا مخيّرين فى الأمور المتفقة والمختلفة، لجاز أن يختاروا بأجمعهم الملك والسياسة، وفى هذا ذهاب العيش، وبطلان المصلحة، والبوار والتّواء «١» ..
ثم يقول الجاحظ:
«ولو لم يكونوا- أي الناس- مسخرين بالأسباب، مرتهنين بالعلل، لرغبوا عن الحجامة أجمعين، وعن البيطرة، والقصابة والدباغة «٢» ولكن كل صنف من الناس مزيّن عندهم ما هم فيه، وممهل عليهم..
«فالحائك إذا رأى تقصيرا من صاحبه أو سوء خدمة، أو خرقا، قال
стр. 2367
له- على سبيل الذم: يا حجام! والحجام لو رأى تقصيرا من صاحبه، قال له:
يا حائك!! ثم يقول:
«ولولا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سبيلا للاتفاق والائتلاف، لما جعل واحدا قصيرا، وآخر طويلا، وواحدا حسنا، والآخر قبيحا، وواحدا غنيا وآخر فقيرا، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا، وواحدا ذكيا وآخر غبيا..
ولكن خالف بينهم ليختبرهم، وبالاختيار يطيعون، وبالطاعة يسعدون..
«ففرق بينهم ليجمعهم، وأحب أن يجمعهم على الطاعة ليجمعهم على المثوبة، فسبحانه وتعالى، ما أحسن ما أبلى وأولى، وأحكم ما صنع، وأتقن ما دبر! ثم يمضى الجاحظ فيقول:
«لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة، ولو رغبوا أجمعهم عن كدّ البناء لبقينا بالعراء، ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطل أصل المعاش.. فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من غير دعاء.
ثم يقول:
«ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم، لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها ومن البلاد إلا أعدلها، ومن الأمصار إلا أوسطها.. ولو كان ذلك لتناحروا على طلب الواسط «١» ، وتشاجروا على البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم صلح!
стр. 2368
فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة! «وكيف لا يكون ذلك كذلك، وأنت لو حركت ساكنى الآجام إلى الفيافي، وساكنى السهل إلى الجبال، وساكنى الجبال إلى البحار، وساكنى الوبر إلى المدر، لأذاب قلوبهم الهمّ، ولأتى عليهم فرط النزاع! «ولولا اختلاف الأسباب، لتنازعوا بلدة واحدة، واسما واحدا وكنية واحدة! «فقد صاروا- كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة- إلى الأسماء القبيحة، والألقاب السمجة.. والأسماء مبذولة، والصناعات مباحة، والمتاجر مطلقة، ووجوه الطرق مخلاة! «ولكنها مطلقة فى الظاهر، مقسمة فى الباطن، وإن كانوا لا يشعرون بالذي دبره الحكيم العليم من ذلك.
«فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمى ابنه محمدا، وحبب إلى آخر أن يسمى ابنه شيطانا، وحبب إلى آخر أن يسميه عبد الله، وحبب إلى آخر أن يسميه حمارا.
«لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم فى اختلاف الأسماء، لجاز أن يجتمعوا على شىء واحد. وكان فى ذلك بطلان العلامات، وفساد المعاملات! ثم يختم الجاحظ هذه القضية بقوله:
«وأنت إذا رأيت ألوانهم، وشمائلهم، واختلاف صورهم، وسمعت لغاتهم ونغمهم، علمت أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة، على حسب أمورهم الظاهرة (أي أنها مختلفة فى صورها وأشكالها كاختلاف أحوالهم الظاهرة) .
وقد حرصنا أن ننقل كلمات الجاحظ فى هذه القضية، لأن الجاحظ لم
стр. 2369
ينظر إلى هذه القضية من خلال العقيدة الدينية، ولم يقمها على مقررات النصوص القرآنية، بل نظر إليها نظرا قائما على واقع الحياة، وما ينطق به هذا الواقع الذي هو التطبيق العملي لما قررته الشريعة، ونطقت به كلمات الله..
فالاختلاف بين الناس على هذا الوجه الذي يشمل ماديات حيلتهم ومعنوياتها جميعا، هو سنة الله فى خلقه، وحكمه الواقع عليهم، بحيث لا انفكاك لهم منه أبدا.!
- فقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» .. هو القانون السماوي الذي يحكم أوضاع الناس فى هذه الدنيا.. حيث لا تستقيم حياتهم، ولا ينتظم أمرهم إلا بهذا الاختلاف الواقع بينهم، والذي لو ارتفع من دنياهم لجمدوا فى أماكنهم، كما يجمد الدم فى جسد فارقته الحياة، وفى هذا يقول الرسول الكريم: «الناس بخير ما تباينوا (أي اختلفوا) ، فإذا تساووا هلكوا» .
والاختلاف الذي تشير إليه الآية الكريمة، ويحدّث به الرسول الكريم ليس بالاختلاف الذي يفرق بين الناس، ويعزل بعضهم عن بعض ويضع بعضهم فى مكان السادة، على حين يضع بعضهم الآخر فى منزلة العبيد.. كلا، إنما هو اختلاف فى المنازع والمشارب، وفى الملكات والحظوظ، كما يختلف الإخوة الأشقاء، فى منازعهم ومشاربهم، وفى ملكاتهم، وحظوظهم من الحياة.. بحيث لا يجعل هذا الاختلاف بينهم ميزة لأحدهم على الآخر، فى الحقوق والواجبات، المنوطة بالإنسان، من حيث هو إنسان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» .. فهذا الاختلاف بين الناس، الذي جعلهم شعوبا وقبائل، هو سبب التعارف بينهم، وهو الذي يعطى كل
стр. 2370
أمة أو شعب أو قبيلة، السّمة التي تعرف بها، وتكون معلما من المعالم الدالة عليها.. تماما كالاختلاف بين الأفراد، الذي به يعرف لكل فرد ذاتيته وشخصيته، بحيث لا يكون الناس جميعا على وجه واحد، لا يختلف فيه إنسان عن إنسان.
وقول الرسول الكريم: «الناس سواسية كأسنان المشط» مكمل لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «الناس بخير ما تباينوا» .. فهم على سواء فى المعنى الإنسانى الذي يجمعهم، وهم فى الوقت نفسه أفراد متمايزون، لكل فرد وجوده الخاص، وذاتيته المشخّصة له، وعالمه المتفرّد به..
وعلى هذا المفهوم للإنسان، قامت أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها..
فهى تتعامل مع الإنسان باعتبارين.. باعتبار أنه فرد له ذاتيته وله عالمه الخاص الذي يعيش فيه، وباعتبار أنه عضو فى مجتمع، أشبه بالعضو فى الجسد..
وهذا النظر الذي تنظر به الشريعة الإسلامية إلى الإنسان، وتعامله به على أساسه، هو الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، حيث كانت له حياة يعيش بها فى الناس، وحيث كانت له ذاتية يعرف بها بينهم.
فالحياة تتعامل مع الإنسان بوجهيه معا.. وجهه الشخصي الفردى، ووجهه العضوى الاجتماعى.. فتستقبله الحياة فردا.. تعطيه وتأخذ منه، وتستقبله فى مجتمعه الأسرى، والقبلىّ، والشعبي، والأممى، والإنسانى عامة.. فتعطيه، وتأخذ منه أيضا.!
والحياة، فى كلتا الحالين، ترى الإنسان بكل مشخصاته، لم يفتقد شيئا من عناصر وجوده الذاتي، ولو ألقى به فى محيط العالم الإنسانى كله.. تراه مرة كما يبدو من خلال عين «المصورة» إذا كان بمفرده فى مجال هذه العين، وتراه مرة أخرى كما يبدو من خلال هذه العين، وقد وقع فى مجالها ملايين البشر!
стр. 2371
وكذلك شأن الإنسان مع الحياة ومع الناس.. إنه يرى نفسه من خلال نظرتين.. نظرة لا يرى منها إلا نفسه هو، ووجوده هو، ونظرة يرى منها نفسه، عضوا- كبيرا أو صغيرا- فى المجتمع..
فتعاليم الإسلام تعترف اعترافا كاملا واضحا بذاتية الإنسان وبفرديته، وتفسح لهذا الجانب من الإنسان مكانا بارزا فى تشريعاتها وأحكامها.. فالإنسان فى نظر الإسلام- من هذه الجهة- عالم صغير، له فلكه الذي يدور فيه، وله مشاعره التي يحيا بها، وعواطفه التي يعيش فيها، وضميره الذي يحتكم إليه.
ومن جهة أخرى، فإن الشريعة الإسلامية، لا تقف بالإنسان عند هذا الشأن من شئونه، بل تلقاه عضوا فى المجتمع الإنسانى كله، من أضيق حدوده، فى مجتمع الأسرة، إلى غاية مداه، فى الإنسانية جميعها، بل إنها تتجاوز هذا إلى المجتمع الحيواني، بل إلى الوجود كله.. فهى تدعو الإنسان إلى أن يكون نغما منسجما مع هذا اللحن الخالد، الذي يشترك فيه الكون كله، معبّرا به عن جلال الخالق العظيم وقدرته، وعلمه، وحكمته.. وإنه لمن الشقاء الذي ليس بعده شقاء، أن يكون الإنسان صوتا [نشازا] فى هذا اللّحن الكونى الرائع..
إنه سينفصل حينئذ عن الوجود.. ثم لا يكون له وجود! وأرانا قد بعدنا عن موضوعنا الذي تحدثت عنه الآية الكريمة: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» .. ولكن عذرنا فى هذا، هو أن قضية الاختلاف بين الناس، ليست قضية ذات وجه واحد، قائم على هذا الاختلاف الظاهر بين الأفراد، بل هى قضية- كما قلنا- ذات وجهين: وجه ظاهر يقوم عليه هذا الاختلاف الذي تشهده الحياة بين الناس والناس، ووجه خفّى، تضيع فى ثناياه وجوه هذا الاختلاف، فيبدو الناس جميعا كيانا واحدا، وجسدا واحدا.. الأمر الذي
стр. 2372
ينقض حكم هذا الظاهر المشاهد، ويوقع بعض الناس فى حيرة، وبلبلة حينما يقصرون نظرهم على هذا الاختلاف القائم بين الناس والناس، ولا يرون ما وراءه من تلاحم، وتجاوب، وائتلاف: فيخيّل إليهم أن الوجود الإنسانى وجود يحكمه الاضطراب، ويسوده القلق، ويستولى عليه الفساد، بسبب هذا الاختلاف، الذي يبدو وكأنه لا يجتمع معه شمل، ولا يستقر به حال! ومن واقع هذه النظرة إلى ظاهر الحياة الإنسانية، وما يطفو على سطحها من اختلاف بين الناس- حاول الكثير من الفلاسفة والمصلحين أن يعالجوا هذا الاختلاف بين الناس، وأن يعملوا على صوغهم صياغة جديدة، تجعل من مجموعهم إنسانا واحدا، مكررا.. فإن لم يكن ذلك فلا أقلّ من أن يقسّموا إلى مجموعات، كل مجموعة منها تحوى أعدادا من الناس، على هيئة واحدة، لا خلاف بين إنسان وإنسان فيها..
ومن أجل هذا، وقع فى تفكير بعض الفلاسفة ما عرف بالمدن الفاضلة، التي صوّر فيها الناس على هيئة جسد بشرى.. تمثل فيه كل جماعة من الناس، عضوا من أعضائه.. فهناك من يمثلون الرأس، وهناك من يمثلون الأيدى، أو الأرجل، وهكذا.. كما نرى ذلك فى مدينة أفلاطون فى الغرب، ومدينة الفارابي فى الشرق! وإلى جانب هذه المدن الفاضلة التي ارتسمت فى أذهان الفلاسفة، ولم يقدّر لها أن تخرج إلى عالم الواقع- إلى جانب هذا قامت محاولات كثيرة، ودعوات متعددة فى القديم والحديث، يراد بها المساواة بين الناس، مساواة مطلقة، وخاصة فيما يتصل بالملكيّة الخاصة، فكانت تلك الدعوات التي ظهرت فى المجتمعات البشرية والتي تحمل إلى الناس فوضى الإباحة المطلقة لكل شىء فى المال، والنساء، والزرع، والضرع، وكل ما يكون للناس فيه حاجة..
стр. 2373
وطبيعى أن هذه الدعوة قد أغرّت عامة الناس على الاندفاع وراءها فى هوس مجنون إذ فتحت أمامهم أبوابا فسيحة يدخلون منها إلى ما يشتهون..
وينالون من قريب كل ما يحبون.. ولكن سرعان ما اصطدم الناس بالواقع، بعد أن صحوا من هذا الحلم الجميل، وأفاقوا من تلك الهلوسة المحمومة.
فلم يروا بين أيديهم إلا سرابا خادعا يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا..
ذلك أن الناس فى ظل هذه الدعوة، تستولى عليهم مشاعر الأثرة والأنانية، التي تحملهم على أن يأخذوا دون أن يعطوا، وأن يحصدوا من غير أن يزرعوا.. وهذا من شأنه أن يحيل الخصب جدبا، والعامر خرابا.. ثم ينتهى الأمر أخيرا إلى استبداد الأقوياء بالضعفاء، استبدادا دونه ما يجرى فى الغابة بين عالم الحيوان! يأكل قويّهم ضعيفهم فى غير شفقة أو مرحمة، ثم تجىء الخاتمة المفجعة، فإذا كلهم مأكول بيد الضياع والفناء.. وحسبنا أن نذكر هنا ما كان من دعوة «مزدك» ودعوة «بابك الخرّمى» .. فقد كانتا أشبه بإعصار عات لفّ الناس فى كيانه، وحملهم على جناحه، ثم ألقى بهم من حالق.. فكانوا فى الهالكين! الاختلاف إذن بين الناس، ووضع كل إنسان موضعه فى الحياة، حسب استعداده، هو الذي يمكّن للمجتمع الإنسانى أن يحيا حياة خصبة، تملأ هذه الدنيا خيرا يسعد به الناس جميعا، ويتساقون كئوسهم فيما بينهم..
وغاية ما هو مطلوب هنا- كى تطيب للناس حياتهم، وينتظم خطوهم فى موكب الحضارة والمدنية- هو أن تقوى بينهم مشاعر الأخوة الإنسانية، وتؤلّف بين قلوبهم عواطف التراحم، والتوادّ، حتى يتخففوا من دواعى الأثرة والأنانية.. وهذا ما جاءت له الشرائع السماوية، وما قامت من أجله
стр. 2374
القوانين الوضعية، وعملت له دعوات القادة والمصلحين فى كل زمان، وفى كل مجتمع صالح رشيد.
ونستمع إلى قوله تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (٣٢: الزخرف) .
نستمع إلى كلمات ربّ العالمين هذه فنجد فى قوله تعالى: «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا» ما يكشف عن هذا السرّ العظيم الذي تحدّث به بعض أسرار هذه الآية الكريمة.. فالناس بحكم هذا الاختلاف القائم بينهم، وبحسب استعدادهم الفطري، وحكم ظروفهم وأحوالهم- هم جميعا مسخّرون.. أي يخدم بعضهم بعضا، ليس فيهم خادم ومخدوم.. بل كلّهم يخدم ويخدم، ويستوى فى هذا العالم والجاهل، والزارع، والصانع، والقوىّ والضعيف، والحاكم والمحكوم.. إنهم جميعا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا تكون آلة عاملة، ذات قوة محركة، إلا إذا عمل كل جزء من أجزائها.. أيّا كان وضعه فيها، وأيّا كانت قيمته الذاتية بين أجزائها.. بل أنهم أشبه بالجسد الإنسانى فى تجاوب أعضائه جميعا فى العمل على كل ما من شأنه أن يحفظ عليه حياته، ويوفر له أمنه وسعادته.
لقد عرف الناس هذه الحقيقة منذ كان لهم وجود اجتماعي، بل إن هذا الوجود الاجتماعى نفسه إنما دعتهم إليه حاجة بعضهم إلى بعض، وخدمة بعضهم لبعض.. وهذا ما يشير إليه قول الشاعر العربي.
الناس للناس من بدو ومن حضر ... بعض لبعض- وإن لم يشعروا- خدم
стр. 2375
فلولا حاجة الناس بعضهم إلى بعض لما اجتمع بعضهم إلى بعض:
ونرتّل قول الحق جلّ وعلا: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» - فنجد أن هذا الاختلاف بين الناس، هو حكم لازم لا انفكاك لهم منه، إلّا أن يخرجوا عن طبيعتهم البشرية، ويتحولوا إلى عالم الحيوان.. هبوطا، أو عالم الملائكة.. صعودا..
أما وهم فى عالم البشر فلن يكونوا إلا هذا الكون الذي هم فيه.. لكل إنسان مكانه فى الجسد الاجتماعى، كما لكل عضو موضعه من جسد الكائن الحىّ.
- وفى قوله تعالى: «وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» تأكيد لهذا المعنى، وتقرير له..
إذ كان هذا الاختلاف بينهم ليس أمرا طارئا عليهم، وإنما هو سنّة الخالق فيهم، حكمته التي اقتضت أن تخالف بينهم، ليكون فى هذا الاختلاف نظام حياتهم، وانتظام معيشتهم!
الآيات: (١٢٠- ١٢٣) [سورة هود (١١) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٣]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
стр. 2376
التفسير:
قوله تعالى: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ» الخطاب للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أي وكلّ هذا الذي نقصّ عليك من أنباء الرسل وأقوامهم، إنما لتجد منه ما يثّبت فؤادك، ويمدّك باليقين والعزم، حيث تجد إخوانك الرسل وقد استقبلهم أقوامهم بالسّفه، ورموهم بالأذى.. فإذا أنت أوذيت من قومك فقد أوذى الرسل قبلك من أقوامهم! «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» (٣٤: الأنعام) ..
قوله تعالى: «وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ» .. الإشارة «هذه» إلى أنباء الرسل، أي وجاءك فى هذه الأنباء «الحقّ» ، أي الحق من أخبارها، فهى الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: «وموعظة وذكرى للمؤمنين» أي وفيما جاءك من تلك الأنباء موعظة وذكرى للمؤمنين، الذين يصدّقونك، ويؤمنون بما نزل عليك.. فهم الذين يجدون العبرة والموعظة فى هذا القصص.
أما الذين لا يؤمنون فإنهم يمرّون عليها وهم عنها معرضون..
قوله تعالى: «وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» .
العطف هنا على المفهوم من قوله تعالى: «وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» أي إن المؤمنين سيجدون فى هذه الأنباء التي جاء بها القرآن عن الرسل وأقوامهم- ما يزيدهم إيمانا إلى إيمان، فقل للذين آمنوا استقيموا على طريقكم، وأبشروا بالرحمة والرضوان من ربكم، وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ما بدا لكم أن تعملوه وأنتم على ما أنتم عليه من كفر وضلال.
стр. 2377
إنّا عاملون على ما نحن عليه من إيمان.. وانتظروا ثمرة ما تعملون، إنا منتظرون ثمرة ما نعمل.. وسترون ما يطلع عليكم من أعمالكم من بلاء ووبال..
قوله تعالى: «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» .
بهذه الآية الكريمة تختم السورة، جاعلة لله وحده غيب ما فى السموات والأرض.. إذ قد استأثر- سبحانه- بعلم كل ما هو غائب عنّا..
ومناسبة هذا الختام للسورة، هى أنها اشتملت على كثير من أنباء الغيب التي ذكرت فى قصص الأنبياء.. نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب.. ﵈.. وهى أنباء إن يكن عند أهل الكتاب بعض منها، إلا أن كثيرا مما جاء به القرآن الكريم لم يكن عندهم به علم، والذي كان لهم به علم، هو خليط من الصدق والكذب، ومزيج من الواقع والخيال..
أما الذي جاء به القرآن فهو الحقّ المطلق، والصدق المصفّى..
ثم إن هذا القصص كان غيبا بالنسبة للعرب، والذي كان عندهم منه هو أوهام وظنون تلقوها من أهل الكتاب شبه أحاج بعيدة عن الحق، وفى هذا يقول الله تعالى: فى هذه السورة: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» (الآية ٤٩: هود) .
- قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» أي إن مصائر الأمور كلها راجعة إليه سبحانه.. فهو- سبحانه- الذي يرسل الأمور، فتجرى فى قدرها المقدور لها، ثم تستقرّ آخر الأمر عند الغاية التي أرادها الله لها.. فهو سبحانه
стр. 2378
الذي يجريها، وهو سبحانه، الذي يرسيها.. «فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» وإذ كان ذلك هو الله رب العالمين، فهو المستحق وحده لأن يعبد، وأن يعتمد عليه، وأن يعلم المرء زمامه إليه «فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» .. فالعبادة هى الزاد الذي يتزود به الإنسان فى طريقه إلى ربّه.. فإذا عبده العابد، وأخلص له العبادة، قويت صلته به، واطمأن قلبه إليه، فتوكل عليه، وأسلم إليه أمره..
- «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» .. إنه رقيب على كل شىء، عالم بكل شىء، لا تخفى على الله خافية فى الأرض ولا فى السماء.. فهو- سبحانه- يحصى علينا أعمالنا، حسنها، وسيئها، ويحاسبنا عليها، ويجزينا بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا. «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (٣١: النجم) وهكذا تبدأ السورة بتوجيه الخطاب إلى النبىّ الكريم، وإلفاته إلى الكتاب، الذي نزل إليه من ربّه: «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ» ثم هى تنتهى بخطاب النبىّ أيضا.. ودعوته إلى عبادة ربّه، الذي أنزل عليه هذا الكتاب، والتوكل عليه.. إذ هو أعرف الناس بربّه، وأولاهم بعبادته والتوكل عليه..
وهو سبحانه رقيب على كل شىء، عالم بكل شىء- يرى المحسنين والمسيئين- ويجزى كلّا بما كسب.. «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»
стр. 2379
١٢- سورة يوسف
نزولها: نزلت بمكة، فهى مكية- باتفاق.
عدد آياتها: مائة وإحدى عشرة آية.. بلا خلاف عدد كلماتها: ألف وسبعمائة وست وسبعون كلمة.
عدد حروفها: سبعة آلاف ومائة وستة وستون حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٦) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
стр. 2380
التفسير:
«الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ..
بدأت هذه السورة بما بدأت به السورتان- يونس، وهود- قبلها، وكما بدأت به السورتان- إبراهيم والحجر بعدها.. لقد بدأت خمستها بهذه الأحرف الثلاثة: (ألف.. لام.. راء) .. هكذا:
«الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» .. (يونس) «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» .. (هود) «الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» .. (يوسف) «الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» (إبراهيم) «الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ» .. (الحجر) ويلاحظ:
أولا: ذكر الكتاب، أو آيات الكتاب بعد هذه الأحرف.. وهذا يشير إلى ما بين هذه الأحرف وهذا الكتاب، وآيات الكتاب، من صلات..
وقد أشرنا إلى هذا فى أول سورة «هود» وقلنا: إن هذه الأحرف تشير إلى متشابه القرآن، وأن أوائل السور التي من هذا القبيل هى الآيات المتشابهات التي أشار إليها قوله تعالى: «مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» وأن غيرها من آيات القرآن محكم ومفصل..
وثانيا: أنه إذا ذكر «الكتاب» لم يشر إليه، وأنه إذا ذكرت «آيات الكتاب» أشير إليها بحرف الإشارة «تلك» :
وهذا يشير إلى أن القرآن الكريم نسج واحد، وأنّه معجزة متحدّية،
стр. 2381
سواء باعتباره كلّا لا يتجزأ، بحيث ينظر إليه من المبدأ إلى الختام، نظرة يلتقى فيها متشابهه مع محكمه، ومجمله مع مفصله، وقصصه مع أحكامه وآدابه.. أو باعتباره آيات تعرض أحداثا ومواقف، وتحدث عن أدلة وشواهد، وتكشف عن أسرار ومغيبات..
وثالثا: فى ذكر الكتاب، والتزام هذا الذكر بعد تلك الأحرف، تحريض على العلم، ودعوة إلى التعلم، وأن من شأن من يتعامل مع القرآن الكريم أن يكون من أهل العلم، الذي مارس الكتابة، ودرس الكتب..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» (٤٣: العنكبوت) .
ولا شك أن هذه اللفتة من القرآن الكريم، إلى قوم أميين، وأمة أمّية، تحمل فى طياتها دعوة إلى هؤلاء الأميين أن يخرجوا من تلك الأمية، وأن ينزعوا عنهم لباس الجهل والجاهلية، وأن يأخذوا بأسباب الحضارة التي لا تقوم إلا على ركائز العلم والمعرفة! ولعلّ فى عرض هذه الأحرف المتقطعة: ألف..
لام.. راء.. وغيرها من الحروف التي بدأت بها بعض السور- لعل فى هذا أول درس عملىّ يقدمه القرآن، ويفتح به الطريق إلى تعليم الكتابة والقراءة، إذ كانت تلك الأحرف هى أول ما عرف العربىّ الأمىّ من أجزاء الكلمة، وعرف منها أن الكلمات التي ينطق بها ليست مركّبات مصمتة، وإنما هى قوالب، يتشكل من كل مجموعة منها بناء، هو الكلمة، كما يتشكل من الكلمات نظام، يتألف منه الكلام، الذي يتعامل به الناس فى لغة التخاطب، وفى نظم القصيد، أو إنشاء الخطبة.. فكما يتعلم المبتدئ القراءة والكتابة بتعلم الحروف الهجائية التي تبنى منها الكلمات، كذلك يتعلم العرب الأميون من هذه الأحرف المقطعة كيف
стр. 2382
يشكّلون من هذه الأحرف الكلمات التي ينطقونها، ويصورون منها صورا تكتب وتقرأ.
«الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ..
فى وصف الكتاب هنا بأنه مبين، توكيد لوصفه بأنه «حكيم» وبأنه «كتاب أحكمت آياته» . إذ أن الحكمة لا تكون حكمة، والحكيم لا تتم حكمته، حتى تخرج تلك الحكمة على صورة واضحة مشرقة، يرى الناس على وجهها أضواء المعرفة، وإلا كانت حكمة مضمرة، لا ينتفع بها، أشبه باللئالئ فى أصدافها، أو فى أغوار الماء! فالمبين، مبين وحكيم معا.
«إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
ومن بيان القرآن، الذي يكشف عن الحكمة المشتمل عليها، أنه جاء إلى من يخاطبهم باللسان الذي يحسنون التفاهم به، وهو اللسان العربي..
ولو جاءهم بغير هذا اللسان، لما عقلوا منه شيئا، ولما انتفعوا به، ولأفلت من أيديهم كلّ ما اشتمل عليه من حكمة..
وإنه ليس بالحكيم من يخاطب النّاس بالأسلوب الذي لا يفهموته، وباللغة التي لا يحسنون الفهم عنها.. إنه حينئذ لا يجد أذنا تصغى إليه، ولا قلبا ينفتح له، ولا عقلا يتجاوب معه.. إنه يكون فى واد والناس فى واد، إذ يحدثهم بأصوات لا مفهوم لها عندهم.
ولهذا، فقد كان من مقتضيات البلاغة، ومن بلاغة البليغ مراعاة مقتضى الحال، فلكل مقام مقال- كما يقولون، فلا يخاطب الجاهل خطاب العالم، ولا العالم خطاب الجاهل، ولا البدوىّ بمفاهيم الحضرىّ، ولا الحضرىّ بمفاهيم البدوىّ.. وإلا فقدت اللغة قيمتها، وضاعت معالمها، وأصبحت أشبه بالنقد الزائف، الذي ينكره الناس، ولا يتعاملون به.
стр. 2383
وفى الحديث الشريف كما روى البخاري: «كلّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون.. أتريدون أن يكدّب الله ورسوله؟» .
والمراد بمخاطبة الناس يما يعرفون، أي بما تبلغه مدركاتهم، ويقع منها موقع الفهم.. والمراد بتكذيب الله، هو اختلاط الأمر على الناس، حين يتحدث إليهم علماؤهم أحاديث لا يفهمونها على وجهها الصحيح، فيتلقون منهم وجوها من الكلام، فيتصورونها تصورا خاطئا، وإذا كل وجه يبدو لهم منها ينكر وجه صاحبه، فيقع التضارب والاختلاف، وتنشأ من هذا مفاهيم خاطئة، يناقض بعضها بعضها، وكلها تحدث عن الله، فيقع لذلك الشك، والارتياب ثم التكذيب، والكفر!! ومن تمام البيان فى الرسالة الإسلامية أن صرف الله الرسول عن قول الشعر وعن أن يكون شاعرا.. فقال تعالى: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» (٦٩: يس) وذلك أن الشعر يحمل فى أسلوبه مضامين كثيرة، لما يعتمد عليه من تصورات وتخيلات، ولما يقوم عليه نظمه من صور الكنايات والرمز، والإيماء، وغير ذلك، مما تتولد من الصورة الواحدة منه.. صور.. الأمر الذي لا يستقيم مع رسالة سماوية، غايتها إقامة الناس على طريق واحد مستقيم لا عوج فيه، ولا خلاف عليه.. وهذا ما يشير إليه ويؤكده قوله تعالى فى التعقيب على قوله سبحانه: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» ..
إذ يقول جل شأنه: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» أي إن هذا القرآن ذكر، ومن شأن الذكر أن يلقى العقل لقاء صريحا واضحا، حتى يأخذ عنه العبرة والموعظة، صريحة واضحة.. وهذا القرآن هو قرآن مبين.. أي واضح البيان لا لبس فيه ولا خفاء.
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» .
стр. 2384
الضمير «نحن» هو لله .. وفيه استدعاء للرسول، ومداناة له من ربّه، وتكريم لذاته بهذا الحديث الذي يتلقاه من ربه من غير واسطة.. «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ» .. وهذا على خلاف لو جاء النظم هكذا:
«الله يقص عليك» ..
والقصّ تتبع الأثر، والتعرف على صاحبه. وقصّ الأخبار، تتبعها والكشف عنها..
وأحسن القصص، أصدقه حديثا، وأشرفه غاية، وأكرمه مقصدا، وأقومه طريقا..
ولا نذهب مذهب القائلين بأن التفضيل هنا على غير حقيقته، بمعنى أنه ليس هناك مفضل ومفضل عليه، باعتبار أن لا حسن فى قصص غير قصص القرآن، وأن القصص القرآنى هو الحسن، وهو الأحسن.. بل نقول إن التفضيل على حقيقته..
ونقول: إن القصص القرآنى وإن كان الغاية فى الحسن والكمال، فإن ذلك لا يمنع أن يكون فى القصص غير القرآنى، مما ألّفه المؤلفون، وقصّنّه القاصّون، سواء ما كان من نسيج الواقع، أو من شباك الخيال، وسواء ما كان على ألسنة الناس أم على ألسنة البهائم والطير- إن ذلك لا يمنع أن يكون فى هذا القصص ما هو حسن يتأدب به، وتؤخذ منه العبرة والموعظة.. وليس ذلك بالذي ينزل من قدر القصص القرآنى، أو يزحمه فى منزلته العالية التي انفرد بها، بل إن ذلك من شأنه أن يكشف عن جوهر القصص القرآنى، ويبين عن شرفه وعلوّ منزلته، حين يوزن بميزان الحسن، ويوضع فى الكفّة المقابلة للقصص القرآنى، فيرجح القرآن كلّ ما عرف من قصص حسن، والشأن فى هذا، شأن البيان القرآنى كلّه، مع البلاغة العربية وبيانها.. فإن
стр. 2385
اللغة العربية ببيانها المبين، وببلاغتها البالغة غاية الحسن والروعة، هى التي كشفت عن إعجاز القرآن، وألقت بيديها مستسلمة بين يدى بيانه وبلاغته! ..
إن فضل الشيء، وعظم قدره، إنما يتبيّن بالقياس إلى الشيء الذي فضّل عليه.. فالناس ينظرون إلى قيمة الفاضل من خلال نظرتهم إلى قدر المفضول.
ألم تر أن السيف يزرى بقدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا؟
إنه لا يشهد لبطولة البطل إلا من كان يلبس ثوب البطولة، بحيث يرى الناس من مواقفه فى ميادينها أنه بطل مشهود له، فإذا صرعه بطل آخر، كان ذلك شهادة لهذا البطل أنه بطل الميدان، وفارس المعركة..!
- وفى قوله تعالى: «بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ» - إشارة إلى ما اشتمل عليه القرآن الكريم من قصص، وأنه مع نزول القرآن الكريم على النبىّ الكريم، نزل هذا القصص، الذي كان بعضا منه، ومعجزة من إعجازه، ودرسا من دروسه.. فالباء فى قوله تعالى: «بما» تفيد التبعيض.
- وقوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» .. المراد بالغفلة هنا عدم الالتفات إلى الشيء والاهتمام له، إذ لم يكن من النبي قبل نزول القرآن عليه، التفات إلى هذا القصص أو اشتغال به.
قوله تعالى: «إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
«إذ» ظرف متعلق بقوله تعالى «نَقُصُّ عَلَيْكَ» وفى تعلّق الظرف إذ بالفعل «نقص» إشارة إلى أن هذا القصص ليس على شاكلة ما يروى القصّاص من أخبار الماضين، فهم يتبعون آثارها، إذ لم