Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
سواء باعتباره كلّا لا يتجزأ، بحيث ينظر إليه من المبدأ إلى الختام، نظرة يلتقى فيها متشابهه مع محكمه، ومجمله مع مفصله، وقصصه مع أحكامه وآدابه.. أو باعتباره آيات تعرض أحداثا ومواقف، وتحدث عن أدلة وشواهد، وتكشف عن أسرار ومغيبات..
وثالثا: فى ذكر الكتاب، والتزام هذا الذكر بعد تلك الأحرف، تحريض على العلم، ودعوة إلى التعلم، وأن من شأن من يتعامل مع القرآن الكريم أن يكون من أهل العلم، الذي مارس الكتابة، ودرس الكتب..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» (٤٣: العنكبوت) .
ولا شك أن هذه اللفتة من القرآن الكريم، إلى قوم أميين، وأمة أمّية، تحمل فى طياتها دعوة إلى هؤلاء الأميين أن يخرجوا من تلك الأمية، وأن ينزعوا عنهم لباس الجهل والجاهلية، وأن يأخذوا بأسباب الحضارة التي لا تقوم إلا على ركائز العلم والمعرفة! ولعلّ فى عرض هذه الأحرف المتقطعة: ألف..
لام.. راء.. وغيرها من الحروف التي بدأت بها بعض السور- لعل فى هذا أول درس عملىّ يقدمه القرآن، ويفتح به الطريق إلى تعليم الكتابة والقراءة، إذ كانت تلك الأحرف هى أول ما عرف العربىّ الأمىّ من أجزاء الكلمة، وعرف منها أن الكلمات التي ينطق بها ليست مركّبات مصمتة، وإنما هى قوالب، يتشكل من كل مجموعة منها بناء، هو الكلمة، كما يتشكل من الكلمات نظام، يتألف منه الكلام، الذي يتعامل به الناس فى لغة التخاطب، وفى نظم القصيد، أو إنشاء الخطبة.. فكما يتعلم المبتدئ القراءة والكتابة بتعلم الحروف الهجائية التي تبنى منها الكلمات، كذلك يتعلم العرب الأميون من هذه الأحرف المقطعة كيف
стр. 2382
يشكّلون من هذه الأحرف الكلمات التي ينطقونها، ويصورون منها صورا تكتب وتقرأ.
«الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ..
فى وصف الكتاب هنا بأنه مبين، توكيد لوصفه بأنه «حكيم» وبأنه «كتاب أحكمت آياته» . إذ أن الحكمة لا تكون حكمة، والحكيم لا تتم حكمته، حتى تخرج تلك الحكمة على صورة واضحة مشرقة، يرى الناس على وجهها أضواء المعرفة، وإلا كانت حكمة مضمرة، لا ينتفع بها، أشبه باللئالئ فى أصدافها، أو فى أغوار الماء! فالمبين، مبين وحكيم معا.
«إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
ومن بيان القرآن، الذي يكشف عن الحكمة المشتمل عليها، أنه جاء إلى من يخاطبهم باللسان الذي يحسنون التفاهم به، وهو اللسان العربي..
ولو جاءهم بغير هذا اللسان، لما عقلوا منه شيئا، ولما انتفعوا به، ولأفلت من أيديهم كلّ ما اشتمل عليه من حكمة..
وإنه ليس بالحكيم من يخاطب النّاس بالأسلوب الذي لا يفهموته، وباللغة التي لا يحسنون الفهم عنها.. إنه حينئذ لا يجد أذنا تصغى إليه، ولا قلبا ينفتح له، ولا عقلا يتجاوب معه.. إنه يكون فى واد والناس فى واد، إذ يحدثهم بأصوات لا مفهوم لها عندهم.
ولهذا، فقد كان من مقتضيات البلاغة، ومن بلاغة البليغ مراعاة مقتضى الحال، فلكل مقام مقال- كما يقولون، فلا يخاطب الجاهل خطاب العالم، ولا العالم خطاب الجاهل، ولا البدوىّ بمفاهيم الحضرىّ، ولا الحضرىّ بمفاهيم البدوىّ.. وإلا فقدت اللغة قيمتها، وضاعت معالمها، وأصبحت أشبه بالنقد الزائف، الذي ينكره الناس، ولا يتعاملون به.
стр. 2383
وفى الحديث الشريف كما روى البخاري: «كلّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون.. أتريدون أن يكدّب الله ورسوله؟» .
والمراد بمخاطبة الناس يما يعرفون، أي بما تبلغه مدركاتهم، ويقع منها موقع الفهم.. والمراد بتكذيب الله، هو اختلاط الأمر على الناس، حين يتحدث إليهم علماؤهم أحاديث لا يفهمونها على وجهها الصحيح، فيتلقون منهم وجوها من الكلام، فيتصورونها تصورا خاطئا، وإذا كل وجه يبدو لهم منها ينكر وجه صاحبه، فيقع التضارب والاختلاف، وتنشأ من هذا مفاهيم خاطئة، يناقض بعضها بعضها، وكلها تحدث عن الله، فيقع لذلك الشك، والارتياب ثم التكذيب، والكفر!! ومن تمام البيان فى الرسالة الإسلامية أن صرف الله الرسول عن قول الشعر وعن أن يكون شاعرا.. فقال تعالى: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» (٦٩: يس) وذلك أن الشعر يحمل فى أسلوبه مضامين كثيرة، لما يعتمد عليه من تصورات وتخيلات، ولما يقوم عليه نظمه من صور الكنايات والرمز، والإيماء، وغير ذلك، مما تتولد من الصورة الواحدة منه.. صور.. الأمر الذي لا يستقيم مع رسالة سماوية، غايتها إقامة الناس على طريق واحد مستقيم لا عوج فيه، ولا خلاف عليه.. وهذا ما يشير إليه ويؤكده قوله تعالى فى التعقيب على قوله سبحانه: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» ..
إذ يقول جل شأنه: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» أي إن هذا القرآن ذكر، ومن شأن الذكر أن يلقى العقل لقاء صريحا واضحا، حتى يأخذ عنه العبرة والموعظة، صريحة واضحة.. وهذا القرآن هو قرآن مبين.. أي واضح البيان لا لبس فيه ولا خفاء.
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» .
стр. 2384
الضمير «نحن» هو لله .. وفيه استدعاء للرسول، ومداناة له من ربّه، وتكريم لذاته بهذا الحديث الذي يتلقاه من ربه من غير واسطة.. «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ» .. وهذا على خلاف لو جاء النظم هكذا:
«الله يقص عليك» ..
والقصّ تتبع الأثر، والتعرف على صاحبه. وقصّ الأخبار، تتبعها والكشف عنها..
وأحسن القصص، أصدقه حديثا، وأشرفه غاية، وأكرمه مقصدا، وأقومه طريقا..
ولا نذهب مذهب القائلين بأن التفضيل هنا على غير حقيقته، بمعنى أنه ليس هناك مفضل ومفضل عليه، باعتبار أن لا حسن فى قصص غير قصص القرآن، وأن القصص القرآنى هو الحسن، وهو الأحسن.. بل نقول إن التفضيل على حقيقته..
ونقول: إن القصص القرآنى وإن كان الغاية فى الحسن والكمال، فإن ذلك لا يمنع أن يكون فى القصص غير القرآنى، مما ألّفه المؤلفون، وقصّنّه القاصّون، سواء ما كان من نسيج الواقع، أو من شباك الخيال، وسواء ما كان على ألسنة الناس أم على ألسنة البهائم والطير- إن ذلك لا يمنع أن يكون فى هذا القصص ما هو حسن يتأدب به، وتؤخذ منه العبرة والموعظة.. وليس ذلك بالذي ينزل من قدر القصص القرآنى، أو يزحمه فى منزلته العالية التي انفرد بها، بل إن ذلك من شأنه أن يكشف عن جوهر القصص القرآنى، ويبين عن شرفه وعلوّ منزلته، حين يوزن بميزان الحسن، ويوضع فى الكفّة المقابلة للقصص القرآنى، فيرجح القرآن كلّ ما عرف من قصص حسن، والشأن فى هذا، شأن البيان القرآنى كلّه، مع البلاغة العربية وبيانها.. فإن
стр. 2385
اللغة العربية ببيانها المبين، وببلاغتها البالغة غاية الحسن والروعة، هى التي كشفت عن إعجاز القرآن، وألقت بيديها مستسلمة بين يدى بيانه وبلاغته! ..
إن فضل الشيء، وعظم قدره، إنما يتبيّن بالقياس إلى الشيء الذي فضّل عليه.. فالناس ينظرون إلى قيمة الفاضل من خلال نظرتهم إلى قدر المفضول.
ألم تر أن السيف يزرى بقدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا؟
إنه لا يشهد لبطولة البطل إلا من كان يلبس ثوب البطولة، بحيث يرى الناس من مواقفه فى ميادينها أنه بطل مشهود له، فإذا صرعه بطل آخر، كان ذلك شهادة لهذا البطل أنه بطل الميدان، وفارس المعركة..!
- وفى قوله تعالى: «بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ» - إشارة إلى ما اشتمل عليه القرآن الكريم من قصص، وأنه مع نزول القرآن الكريم على النبىّ الكريم، نزل هذا القصص، الذي كان بعضا منه، ومعجزة من إعجازه، ودرسا من دروسه.. فالباء فى قوله تعالى: «بما» تفيد التبعيض.
- وقوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» .. المراد بالغفلة هنا عدم الالتفات إلى الشيء والاهتمام له، إذ لم يكن من النبي قبل نزول القرآن عليه، التفات إلى هذا القصص أو اشتغال به.
قوله تعالى: «إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
«إذ» ظرف متعلق بقوله تعالى «نَقُصُّ عَلَيْكَ» وفى تعلّق الظرف إذ بالفعل «نقص» إشارة إلى أن هذا القصص ليس على شاكلة ما يروى القصّاص من أخبار الماضين، فهم يتبعون آثارها، إذ لم
стр. 2386
يكونوا من شهودها.. أما هذا القصص، فهو من شهود علم الله، ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا.. وإنما سمّى قصصا بالنسبة لمن يتلقونه، بعد أن مضى الزمن به.
- وقوله: «إِنِّي رَأَيْتُ» أي رؤيا فى المنام.. أي أن يوسف- ﵇ رأى فى منامه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر.. رآهم جميعا ساجدين له.
ولم يكشف يعقوب ليوسف- ﵉ عن تأويل هذه الرؤيا، بل أراه منها أنها تنبىء عن خير عظيم يناله، ومنزلة عالية يبلغها.. وذلك فى قوله:
«قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» لقد نهاه عن أن يتحدث بهذه الرؤيا إلى إخوته، فإنها توحى إليهم بأنه سيكون له من إخوته الأحد عشر ما كان من تلك الكواكب فى موقفها منه، ساجدة له، متخاضعة بين يديه.. وذلك من شأنه أن يبعث الحسد والغيرة فى نفوسهم منه، ويفتح للشيطان طريقا للدخول بينه وبينهم، فيغريهم به، ويسلطهم عليه..
أما تأويل هذه الرؤيا، فقد وقع بعد ذلك بزمن بعيد، طويت فى أثنائه أحداث كثيرة، وقعت ليوسف، حتى استقر به المقام فى مصر، وأصبح متصرفا فى شئونها المالية، ثم جاء إليه أبوه، وأمه، وإخوته الأحد عشر، ودخلوا عليه الباب ساجدين.. وفى هذا يقول الله تعالى فى آخر السورة:
«وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» (الآية: ١٠٠) .
وفى الحديث عن الكواكب والشمس والقمر بضمير العقلاء «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» إشارة إلى إحساسه بها وهو يراها فى منامه، إذ كانت تتصرف
стр. 2387
تصرف العقلاء فتسجد له، وتظهر له الولاء والتعظيم، وهذا لا يكون إلا من فعل العقلاء!. إنها تلبس صورة أبويه وإخوته.. فهى بشر فى صورة كواكب! قوله تعالى: «وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .. هو من تمام كلام يعقوب فى تأويل رؤيا يوسف، أي كما بدأ الله بلطفه بك، وتكريمه إياك صغيرا، فإنه سيتولاك برعايته، ويفيض عليك من نعمه كبيرا، فيجتبيك، أي يختارك ويصطفيك للرسالة والنبوّة، «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» أي يكشف لبصيرتك خفايا الأمور وعواقبها فيما تشتمل عليه الأحاديث المتشابهة، وهى التي لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون فى العلم، كالرؤى المناميّة ونحوها.. وقد بينا ذلك فى تفسير الآية الكريمة: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (٧: آل عمران) وقد جاء فى السورة حدثان، كشف فيهما يوسف عن المضمون الذي اختفى وراء الصورة التي جاءا عليها فى الرؤيا المنامية، كما سنرى ذلك بعد، فى رؤيا صاحبيه فى السجن، وفى رؤيا فرعون.
- وفى قوله تعالى: «وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ» إشارة إلى أنه سبحانه سيختاره للنبوة، وهذا هو تمام النعمة، وكما لها لمن أنعم الله عليهم من عباده، وكذلك سيكون إخوته «آل يعقوب» أنبياء، كما كان أبواهم إبراهيم وإسحق نبيّين..!
- «إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» أي بعلمه سبحانه يعلم أولياءه المستحقين لاصطفائه، كما يقول سبحانه: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (١٢٤: الأنعام)
стр. 2388
وبحكمته، تنفذ مشيئته، فيما قضى به علمه.. فيدبّر الأسباب، الموصلة للمقدور الذي قدّره «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ.. إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (١٠٠: يوسف)
الآيات: (٧- ١٤) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ١٤]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤)
التفسير:
قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ» السائلون: هم الذين سألوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، عما وقع بين يوسف وإخوته من أحداث، وهؤلاء السائلون إما أن يكونوا اليهود، أو أهل مكة، بإيعاز من اليهود.. ويجوز أن يكون السائلون هم الذين يطلبون العلم بأخبار الماضين ويبحثون عنها.. فهم يسألون أبدا من يجدون عنده علما بها..
والمعنى: لقد كان فيما وقع من احداث بين يوسف وإخوته آيات لمن
стр. 2389
سألوا عن أخبارهم.. إما سؤال امتحان للنبىّ، وتحدّ له..
وإما سؤل تعلّم واستزادة من معرفة، وها هوذا القرآن قد جاء بالحق لمن يطلب العلم ويرتاد المعرفة.. أما من أراد الامتحان والتحدي فلن تزيده هذه الآيات إلا ضلالا، وإلّا عمى إلى عمى..
والسؤال هنا: كيف يجىء القرآن الكريم بهذا الحكم: «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ» ، ولم يكن قد ذكر شيئا عن يوسف وإخوته؟ أليس من المنطق أن يكون هذا الحكم فى أعقاب القصّة؟
ونعم إنه المنطق.. ولكنه منطق البشر، الذين لا يحكمون على أفعالهم إلا بعد أن ينكشف لهم وجهها، وتأخذ مكانها فى واقع الحياة بينهم.. أما الله ، فعلمه محيط بكل شىء، فما لم يقع منه فى نظرنا، هو واقع فى علم الله، وما سيقع بعد آلاف السنين وملايينها هو واقع فى هذا العلم الشامل الكامل..
فقصّة يوسف قبل أن يعرضها القرآن الكريم، هى واقعة فى علم الله الأزلىّ على الصورة التي ذكرها القرآن، فكان حكمه عليها حكما على أمر واقع!.
وهذه شهادة من شهادات كثيرة، تشهد بأن منزّلّ القرآن هو عالم الغيب والشهادة، وأنه ما كان لبشر أن يجد الشعور الذي يملى عليه هذا الحكم، الذي يسبق الحدث قبل أن يحدّث به، ويستوفى عرضه، ويضبط آثاره فى الناس!.
قوله تعالى: «إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .
«إذ» ظرف، يتعلق بالفعل «كان» فى قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ فِي
стр. 2390
يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ»
أي أن هذا الظرف من حياتهم يحوى آيات وعظات.. وهو ظرف يبدأ من قولهم لأبيهم: «يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ» ثم يستمر إلى أن تنتهى القصّة..
وتبدأ القصة، بهذا الحديث الذي يديرونه بينهم، ويأخذون فيه على أبيهم أنه يؤثر عليهم «يوسف» ويختصّه بالمزيد من عطفه وحبّه، هو وأخوه الشقيق له.. فقد كان يوسف وأخ له من أمّ، وكان الإخوة العشرة الآخرون من أمّ.!
فكيف يستأثر هذان الأخوان بحبّ أبيهم دونهم، وهم عصبة، أي جماعة كبيرة، لها شأنها واعتبارها؟ وكيف يفضّل الأب الاثنين على العشرة؟ إن ذلك أمر غير مستساغ، وتقدير غير سليم! وبخاصة فى بيئة بدويّة تعتز بكثرة العدد، وتأخذ مكانها فى مجتمعنا، بما لها من رجال أكثر مما لها من أموال..
هكذا بدا لهم الأمر خارجا على غير مألوف الحياة عندهم، فكان منهم هذا الموقف، الذي انتهى بهم إلى أن يقولوا فى أبيهم: «إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» أي إنّه قد انحرف برأيه فى أبنائه وفى موقفه منهم، عن سواء السبيل، فضلّ ضلالا مبينا..
«اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ» .
وقد امتدّ بهم هذا الحديث الذي أداروه بينهم، عن يوسف وأخيه، وإيثار أبيهما لهما بحبّه ورعايته، حتى انتهى بهم ذلك إلى القول بقتل يوسف، أو إلقائه فى أرض بعيدة عنهم، والتطويح به فى مجهل من مجاهلها، حتى يغيب عن وجه أبيه، فلا يراه أبدا، وبهذا يخلو لهم وجه أبيهم، أي يخلص لهم وجهه، فلا يلتفت إلى غيرهم، وهذا كناية عن تعلّق أبيهم بهم، حيث لا يصرفه
стр. 2391
صارف عنهم، وقد كان من قبل متجها بكيانه كلّه إلى يوسف وأخيه..
- وفى قولهم: «وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ» إشارة إلى استقرار أمرهم مع أبيهم، وسكون العواصف التي يثيرها بينهم وبينه هذا الإيثار الذي يختصّ به ولديه الصغيرين هذين.
وبهذا ينصلح شأن تلك الأسرة التي تكاد تقوّض أركانها بهذا الوضع القائم فيها.. هكذا فكّروا وقدّروا!! «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ» .
وهذا رأى رآه أحدهم فى هذا الأمر الذي دبّروه، وهو ألّا يقتلوا «يوسف» بل يكتفوا بإبعاده عن أبيهم. وأن يلقوه أرضا، ويطوّحوا به بعيدا عنه.. وذلك بأن يلقوه فى غيابة الجبّ، فيلتقطه بعض المسافرين، الذين يمرّون بهذا الجبّ ليستقوا من مائه، ثم يحملونه معهم إلى البلد الذي هم ذاهبون إليه..
والجبّ: البئر الواسعة الفوّهة القليلة الغور.. والسيارة: الجماعة المسافرون، وسمّوا سيّارة لأن دأبهم السير، والانتقال من مكان إلى مكان.
قوله تعالى: «قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ» استفهام إنكارى، يدل على أنه قد كانت بينهم وبين أبيهم مواقف من قبل هذا الموقف، طلبوا إليه فيها أن يصحبوا معهم يوسف إلى حيث يسرحون بأغنامهم، فأبى عليهم ذلك، متعلّلا بالخوف عليه من أن يصيبه مكروه..
стр. 2392
وفى قولهم: «وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ» تأكيد لإنكارهم على أبيهم هذا الموقف.. فهو لا يأمنهم عليه، حتى لكأنه يتهمهم بتدبير الشرّ له، والعدوان عليه، إذا هم انفردوا به.. وهم ينكرون عليه هذا، ويدفعون عن أنفسهم تلك التهمة بالإنكار على أبيهم أن يكونوا متهمين عنده فى مشاعرهم نحو أخيهم..
وكيف، وهم له ناصحون؟ أي مرشدون، يرعونه، وينصحون له، إذ كان صغيرا، يحتاج إلى من يرشد وينصح؟
«أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» .
وهكذا يجىء طلبهم الذي أرادوه من أبيهم، بعد هذا الإنكار الذي واجهوه به، وبعد هذا العتاب الذي عتبوه عليه- يجىء طلبهم هذا مباشرة، دون أن يدعوا لأبيهم فرصة للرد عليهم وتوضيح الأمر لهم، بتقدير أن الأمر واضح، وأن ليس لأبيهم عذر يعتذر به إليهم، وأنه ليس بمقبول عندهم أي عذر منه فى اتهامهم بأخيهم، وعدم النصح له منهم، وإنه لا يردّ إليهم اعتبارهم، ولا يدفع هذه التهمة عنهم إلا بأن يرسله معهم: «أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً» أي فى غير تردد أو انتظار.. فذلك هو الذي يقطع الشك عندهم فى اتهام أبيهم لهم!! وإلا فهو الاتهام، والشك المريب!! وهذا ما لا يرضونه من أبيهم، ولا يقبلونه لأنفسهم!! - وفى قولهم: «يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» إغراء لأبيهم على هذا الأمر الذي أرادوه عليه، وجذب له إلى تلك المصيدة التي نصبوها له! فهو بإجابتهم إلى هذا الطلب يحقق أمرين: أولا: ردّ اعتبارهم عنده، بدفع الشكوك التي ساورتهم من جهة اتهامه إياهم فى نصحهم لأخيهم، وسلامة قلوبهم له.. وثانيا: إتاحة الفرصة ليوسف، ليأخذ حظه مما يأخذه الصبيان
стр. 2393
أمثاله، من الانطلاق إلى الخلاء، لاهيا، لاعبا.. فى رعاية من يحفظه، ويدفع عنه كل مكروه.
يقال: رتعت الماشية، أي رعت فى مرعى خصيب، والمرتع: المرعى الخصيب..
وقرىء: «يرتعى» من الرّعى.. أي يرعى معنا، ويلعب.
«قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» .
لقد سلّم لهم أبوهم بما طلبوه، ولكنه أظهر لهم بعض مخاوفه، إذا هو أجابهم إلى ما طلبوا.. فهو يحزن لبعد يوسف عنه، ولو ليوم أو بعض يوم..
إذ كان سلوته، وأنسه.. ثم هو يخشى أن يصيبه مكروه إذا هم غفلوا عنه، فيعدو عليه ذئب من تلك الذئاب المتربّصة لصيد تناله من إنسان أو حيوان فى هذه الفلاة التي يرعون فيها!.
وقد أخذ أبناء يعقوب من ردّ أبيهم حجّتهم عليه، فيما فعلوا بيوسف:
فأولا: فى قوله: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» .. كشف لهم أبوهم عن حبّه ليوسف وتعلّقه به، فزاد ذلك من موجدتهم عليه، ومن حسدهم ليوسف، وشدّ عزمهم على ما بيّتوه له من شر! وثانيا: فى قوله: «وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» قد وضع بين أيديهم السلاح الذي يستعملونه فى تنفيذ أمرهم الذي دبّروه، وليكون لهم منه ما يصدّق ظنون أبيهم ومخاوفه فيما ظنّه وتخوّفه.. فكانت قصّة الذئب التي جاءوا أباهم بها، هى من وحي هذه الظنون وتلك المخاوف التي أعلنها أبوهم لهم.
стр. 2394
«قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ» .
إنهم التقطوا من أبيهم كلمة «الذئب» وجعلوها العدوّ المتربص بهم، وأنهم سيأخذون حذرهم منه، وهم عشرة رجال، وإنه لن يستطيع أن ينال شيئا منهم..
وإنهم فى تلك اللحظة ليتمثل لهم الذئب الذي سيقودونه إلى أبيهم متهما بأكل يوسف: «لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ» .. هكذا يقولونها «أَكَلَهُ الذِّئْبُ» ولا يقولون: اقترب منه، أو جرحه! بل يجعلون «يوسف» طعاما مأكولا للذئب قبل أن ينتزعوه من بين يدى أبيهم!! ومن جهة أخرى فإنهم لم يردّوا على قول أبيهم: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» .. فذلك مما لا يحبّون سماعه من أبيهم، ولا يريدون أن يجعلوه حديثا معادا، يتأكد به ما ليوسف فى قلب أبيه من حب خاص، فوق حب الوالد لولده!
الآيات: (١٥- ٢٣) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٥ الى ٢٢]
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
стр. 2395
التفسير:
قوله تعالى: «فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ» .
جواب لمّا محذوف دلّ عليه المعطوف عليه بعده، وهو قوله تعالى:
«وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .
والمعنى: أنهم حين انطلقوا بيوسف بعد أن أخذوه من أبيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يضعوه فى الجبّ، وأن يتركوه لمصيره، كانت عناية الله معه، فحفظه الله من الشرّ الذي دفعوا به إليه.. ثم صحبته عناية الله وحفّت به ألطافه.. وأوحى الله إليه أنه سيلتقى بإخوته يوما، وأنه سيخبرهم بهذا الذي كان منهم دون أن يعرفوه.. وهذا ما تحقق حين ملك يوسف أمر مصر، وجاءه إخوته يمتارون من خيرات مصر، حين حلّ الجدب بأرضهم، كما سيجيئ ذلك فى ختام هذه القصة.
«وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» .
وهكذا الباطل يفضح نفسه، ويخزى أهله..!
стр. 2396
- «وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ» وتلك أول أمارة من أمارات الكذب الذي جاءوا به.. إنهم جاءوا ملففين فى ظلام اللّيل، خوفا من أن يفضحهم ضوء النهار، ويمزّق هذا القناع الزائف المموه بتلك الدموع الكاذبة، التي بلّلوا بها خدودهم.
إن العين إذا التقت بالعين كشفت عن كثير من خفايا النفس، وقرأت ما لا يصرّح به اللسان، ولا تبوح به الكلمات.. ولهذا يجرؤ الإنسان على أن يقول فى الظلام، ما لم يكن يقوله فى النور، حين تلتقى العين بالعين!! إنه يخبط خبط عشواء، ويرمى بالكلام فى غير مبالاة! إن العين هى حاسّة الحياء، وموطن الاستحياء.. ولا ينكشف ذلك لها إلا وهى مبصرة.. ولهذا، فإن أصحاب الحياء يضعون أيديهم على أعينهم، حين يرون ما يستحيا منه، أو ينطقون بكلمة تخدش الحياء..
ثم كان البكاء فضيحة أخرى لهم.. إنّه تباك وليس بكاء.. إنه أصوات ليس فيها حرقة الكبد، وزفرة الصدر الكليم! والاذن قادرة على أن تميز التباكي من البكاء، وتفرق بينهما! وفد عرف يعقوب هذه القصّة الملفقة من أول لقاء ببنيه، ولأول كلمة سمعها منهم! - وفى قولهم: «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» فضيحة ثالثة، تفضح هذا الباطل، وتكشف عن هذا الزور.. إنهم يتهمون أباهم- مقدّما- بأنه لن يقبل شهادتهم تلك، لأنهم هم- فى الواقع- لا يقبلونها فيما بينهم وبين أنفسهم.. ولو أنهم كانوا صادقين حقّا لما وقع فى تصوّرهم هذا، ولما توقعوه قبل أن يقع.. إنهم اتهموا أنفسهم بقولهم: «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» .. اتهموها قبل أن يتهمهم أبوهم.. وهكذا شأن كل متّهم.. إنه يتهم
стр. 2397
نفسه قبل أن يتهمه أحد.. فهو يطوف دائما حول جريمته إن لم يكن بجسده، فبمشاعره، وهمس خواطره.
«وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» .
والدم الذي جاءوا به، هو دليل رابع على أن القصة ملفّقة.. فماذا يحملهم على حمل هذا الدم إلى أبيهم.؟ أليسوا هم أولياء هذا الدم وأهله؟ وهل يجد ولىّ الدم قدرة من نفسه على حمل إصبع، أو عين، أو رأس، من ابنه أو أخيه المقتول، ثم يطوف بها، ويقلبها بين يديه، ويعرضها على الأنظار؟ ذلك مالا يكون، لو أن الذئب كان حقّا هو الذي عدّا على يوسف وأكله! وإذا كان لا بد من مجىء شاهد من هذا القتيل، فإن الدم لا يقوم شاهدا أبدا، إذ ما أيسر أن يحصل الإنسان على الدم الذي يريد.. من إنسان، أو حيوان بل ومن نفسه أيضا.. فليكن الشاهد إذن، رأسه، أو رجله، أو يده.. إذ من غير المعقول أن يأتى الذئب على كل أجزاء ضحيته.. وخاصة إذا كان غلاما فى سن يوسف، الذي قيل إنه كان فى العاشرة أو أكثر من عمره! ويقرر علم الإجرام، أن المجرم، مهما كان ذكيا حذرا، لا بد من أن يترك أثرا يدل عليه، وأن يقع فى تدبيره خلل ما، يكون مفتاحا للكشف عنه! قيل إن القميص الذي جاءوا به ملطخا بالدم، كان سليما لم يمسّه الذئب المزعوم، بظفر أو ناب!! قالوا: ولهذا عجب يعقوب من هذا، وقال متهكما:
«تا الله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا.. أكل ابني ولم يمزّق قميصه!!؟
- وفى قوله تعالى: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» اتهام صريح من يعقوب لبنيه، وأن ذلك الأمر الذي فعلوه إنما هو مما سوّلته لهم أنفسهم، أي زينته لهم، وأغرتهم به.. ولكنه لا يملك شيئا يفعله إزاء هذه المحنة، إلا الصبر:
стр. 2398
«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» .. فذلك هو عزاؤه عن مصابه فى ابنه، وفى بنيه أيضا! «وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» .. أي إنه هو الذي يمدّه بالعون على احتمال ما حملت إليه هذه القصة الملفقة من أنباء تصف هذه الفاجعة، وتصور تلك المأساة.
«وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ» .
وتطوى الأحداث على عجل، وينتقل المشهد فى سرعة خاطفة، إلى حيث يوسف فى الجبّ، يعانى ما يعانى من وحشة، وخوف، وجوع..!
وهنا تلوح «سيّارة» أي جماعة من المسافرين، يمرّون بالجبّ ويحطّون رحالهم على مقربة منه، ليستقوا، ولتستقى دوابّهم، ثم ليتزودوا بما يقدرون على حمله من الماء..
- «وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ» .. هكذا جاءت السيارة كما قدّر أبناء يعقوب..
لأن الجبّ على طريق يصل بين الشام ومصر، ويكثر عليه مرور القوافل المسافرة.. وفى مجيئها تباطؤ وثقل.. إنها على طريق طويل، قد كلّت، وأعياها السير! نجد ذلك فى الفعل «وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ» .. ففى واو العطف، والتقائه بحرف الجيم الممدودة هذا اللقاء المتثاقل المتمطّى، وفى مدّة الجيم، كما يقتضيها الترتيل القرآنى- فى ذلك كلّه، ما يوحى بأن القافلة فى غفلة تامة عن هذا الإنسان الذي فى الجبّ، يعالج سكرات الموت، وهى التي يسوقها القدر إليه، لتنقذه، ولتمسك عليه حياته.. وهنا يبلغ المشهد حدّا بالغا من التأزّم، تبهر معه الأنفاس، وتضطرب القلوب، وتذهب النفوس عن الحاضر الذي تعيش فيه، لتقف وراء هذه القافلة تستحثّها، وتصرخ فيها، لتدرك هذا الذي احتواه الجبّ، واشتمل عليه الهلاك!!
стр. 2399
وحطّت- القافلة- رحالها- بعد لأى- على مقربة من الجب، وجعلت تعالج فى تثاقل أمتعتها، وتسوى رحالها، وتهيىء لها منزلا آمنا تجد فيه الراحة فى ظله..
- «فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» ليرد الماء، وليستقى لهم منه.. والوارد، هو الذي يرد الماء.
- «قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ» .. لقد جاء الدلو الذي أدلاه فى الجبّ بما لم يكن يتوقع أبدا.. جاءه بالغلام الذي كان ملقى فيه..
وفى كلمات قليلة موحية معجزة، تطوى الأحداث طيا، فلا تعرض منها إلا تلك الشواهد التي تقوم منها معالم مضيئة، تتحرك بها أحداث القصة إلى نهايتها..
- «وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً» أي أخفوه فى أمتعتهم، وجعلوه بضاعة من بضاعتهم، يبيعونه فيما يبيعون من بضائع.. هكذا كان حكم من يقع من الآدميين حينئذ، فى يد من يظفرون به فى حرب أو سلم!.
- وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ» .. إشارة إلى أن هذا الذي يعملونه هو ما يقع فى علمه ، وأنه- جل شأنه- غير غافل عما يحدث ليوسف، وفى هذا تطمين لتلك النفوس المشفقة على هذا الغلام، والتي لم تشهد عن بعد ما يكون من صنع الله به..
«وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» ..
شروه: أي باعوه، يقال: شرى الشيء أي باعه، واشتراه: أي أخذه بالثمن الذي ابتاعه به.
والثمن البخس: أي الذي فيه غبن على البائع، حيث باع الذي حقّه أن
стр. 2400
يبذل فيه المال الكثير، بمال قليل.. «دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ» ! ولو عرفوا قدر هذا الجوهر الكريم الذي فى أيديهم لضنّوا به، ولبالغوا فى الثمن الذي يطلبونه فيه، إن كان لا بد لهم من بيعه.. ولكنهم كانوا تجار أمتعة، لا تجار نفوس! ونقدة أموال، لا نقدة رجال!! - وفى قوله تعالى: «وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» تشنيع على جهلهم بأقدار الرجال، وعمى بصيرتهم عن الكشف عن معادن النفوس! ..
«وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..
وها هو ذا يوسف ينتقل من يد إلى يد حتى يقع أخيرا ليد رجل من مصر..
وإذن فيوسف الآن فى مصر.. فهل يستقرّ به المقام فيها، أم تتناقله الأيدى من بلد إلى بلد، ومن مصر إلى مصر؟
تحدّثنا الآية الكريمة من أول الأمر أنه سوف يستقر به المقام فى مصر وأنه سيكون ابنا من أبنائها..
فالرجل الذي اشتراه من مصر، قد ضمّه إليه، واتخذه ابنا له، إذ لم يكن له ولد، ودعا امرأته إلى أن تكرمه، وتتولى تربيته، وتنشئته، على أنه ابنها..
وهكذا يجد يوسف فى مصر أهلا بدل أهله، وأبا وأمّا مكان أبيه وأمه.
وهكذا صنع الله ليوسف.. وليس هذا فحسب، فإنه سيصنع له أكثر وأكثر..
فسيمكن الله له فى الأرض، ويعلمه من تأويل الأحاديث، كما قال له أبوه من
стр. 2401
قبل: «وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» ..
- وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ» أي أن ما يقدّره الله ويقضى به، فإنه لا بد أن ينفذ، إذ هو سبحانه الغالب، لا يغلبه أحد ولا ينازعه مخلوق.. «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» هذه الحقيقة، ولا يقدرون الله حق قدره..
وفى إضافة الأمر إلى الله ، إشارة إلى أن الأمر كله لله سبحانه، وليس له شريك ينازعه الأمر فى أي شىء.. فهو سبحانه، الغالب على كلّ أمر، لا ينازعه منازع، ولا يعترض مشيئته معترض، إذ أنه ليس لأحد معه أمر.. كما يقول سبحانه: «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» ..
(١٢٣: هود) .
والآية الكريمة لم تكشف بعد عن وجه هذا الإنسان الذي ضمّ يوسف إليه، وجعله ابنا له.. إنه من مصر! ..
أمّا من هو فى مصر، وما مكانته فى قومه، فستكشف عنه أحداث القصة فيما بعد.. وفى هذا تشويق للنفوس، وإثارة لحب الاستطلاع فيها، حتى تظل شاخصة إلى هذا الرّجل، باحثة عنه، إلى أن يلقاها هذا اللقاء المثير الذي يطلع عليها به فى دست الحكم، وعلى كرسى الوزارة.. إنه عزيز مصر..
«وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ..
الحكم: الحكمة. وهى لمن آتاها الله، سلطان مبين، يملك به ما لا يملك أصحاب الملك والسلطان..
وقد استطاع يوسف- ﵇ أن يبلغ بتلك الحكمة هذا
стр. 2402
السلطان الذي كان له فى مصر.. فكان- وهو فى السجن- بحكمته، سيدا، تسمع كلمته، ويحتكم إليه فى المعضلات.. وبحكمته نفذ إلى خارج السجن، وأملى شروطه على فرعون مصر!! ثم بحكمته، وضع يده على مقاليد الأمور، فى مصر وتصريف مقاديرها..
والحكمة التي آتاها الله يوسف- ﵇ حكمة مستندة إلى علم، وليست حكمة مودعة فى صدره ينفق منها، بلا حساب أو تقدير.. وإنما هى حكمة قائمة على دراسة، ونظر، أقرب إلى الاكتساب منها إلى الفطرة.
وبهذا يجد لها صدى فى نفسه، وأثرا فى عقله وقلبه..
- وفى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» إشارة إلى أنه- ﵇ كان من العاملين الذين أحسنوا العمل، فكان جزاؤه أن أوتى الحكمة، وحصّل العلم..
[يوسف.. والفتنة المتحدّية]
الآيات: (٢٣- ٢٩) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٩]
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)
فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)
стр. 2403
التفسير:
قوله تعالى: «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ» .. الواو للعطف، وهو عطف حدث على حدث..
والمراودة: المخادعة، والمخاتلة، والتدسس إلى النفس فى أسلوب من التلطف والاحتيال..
وهيت لك: هو صوت استدعاء لهذا الأمر الذي يكون بين الرجل والمرأة، وقد جاء به القرآن الكريم، على هذه الصورة التي لم تعرفها اللغة العربية فى لسانها قبل نزول القرآن.. لأنه يحدث عن حال من شأنه أن يكون سرا بين الرجل والمرأة، ولغة مفهومة لهما، لا يعرفها غيرهما.. وذلك إعجاز من إعجاز القرآن.. ودع عنك ما ذهب إليه الذاهبون من تأويلات وتخريجات لكلمة «هيت» وخذها على أنها حكاية صوت، لا على أنها من لغة التخاطب المتعامل بها فى كل مقام!! .. إنها فى مقامها هذا كلمة استدعاء.. وكفى! - وفى قوله تعالى: «الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها» إشارة إلى أنها ذات سلطان
стр. 2404
عليه، وأنه ربيب نعمتها، ونزيل بيتها.. وأن لها أن تأمر وعليه أن يطيع..
ولكنها جاءته مترفقة، متلطفة.. إذ كان هذا الأمر الذي تدعوه إليه لا يجاء له بأسلوب الأمر والقهر! - وفى قوله تعالى: «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ» إشارة إلى أنها هى التي تولت بنفسها الإعداد لهذا الأمر الذي دعته إليه.. فهى التي راودته عن نفسه بما ألقت إليه من كلمات، وإشارات، وتلميحات.. وهى التي غلقت الأبواب، فكانت تلك دعوة صريحة منها إليه.. ثم هى التي- حين رأت أن ذلك كله لم يدعه إليها، ولم يقرّ به منها- دعته إلى نفسها، وقالت:
«هَيْتَ لَكَ» أي هأنذا لك، فأقبل! وهذا ما لا تفعله الحرّة ذات الجاه والسلطان، إلا إذا كانت قد استبدّت بها الرغبة، ثم لم تجد من الجانب الآخر استجابة منه لها.. عندئذ تخلع عذار حيائها، وتتخلّى عن مكانتها كامرأة تطلب ولا تطلب! .. وفى كل هذا ما يحدّث عن تعفّف يوسف ﵇، وامتلأ كه لداعى الشهوة أمام هذه المغريات، التي تنحلّ لها عزمات الرجال، وتطيش معها أحلام ذوى الحلوم! «قالَ مَعاذَ اللَّهِ.. إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ.. إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» ومع كل هذا الذي ساقته المرأة إلى يوسف- ﵇ من جمالها، وسلطانها، ومن تلطّفها به، واستدعائها له، وعرض نفسها عليه، ومع هذا الشباب المتفجّر فيه، والدماء الحارة المتدفقة فى عروقه- فإنه اعتصم بدينه، واستمسك بمروءته، فلم يقبل هذه الدعوة الآثمة، قائلا: «مَعاذَ اللَّهِ» أي عياذا بالله، ولجأ إليه لدفع هذا المكروه عنّى..
- «إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ» - أي إن هذا الفعل فوق أنه عصيان لله، وتعدّ لحدوده، هو خيانة للمروءة، وإنكار لإحسان هذا السيد الذي رباه،
стр. 2405
وأحسن مثواه.. والمثوى: المأوى الذي يأوى إليه الإنسان..
- «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» .. الضمير فى «إنه» ضمير الشأن.. أي إنه فى أىّ حال وشأن لا يفلح الظالمون، الذين يعتدون على حقوق الناس، فيخونون الأمانة فيما اؤتمنوا عليه، أو يجحدون نعمة من كان له نعمة وفضل عليهم..!
«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ.. كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» .
اختلف المفسرون فى معنى الهمّ الذي همّ به يوسف.. أهو همّ عزيمة، أم همّ رغبة؟ وهل هو همّ فعل، أم همّ ترك؟
وصريح اللفظ أنه- ﵇ همّ بها، كما همّت به.. «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها» هكذا صريح للفظ القرآنى.. فلا وجه إذا للتفرقة بين أمرين متساويين، لفظا ومعنى.. كذلك اختلف المفسّرون فى قوله تعالى: «لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» - اختلفوا فى البرهان.. أهو ملك جاءه من الله؟ أم شىء وجده فى نفسه؟ أم صورة أبيه يعقوب، وقد ظهر عاضّا على إصبعه، محذرا من هذا الخطر الذي هو مقبل عليه.. إلى غير ذلك من عشرات الصور التي صوّر فيها المفسّرون هذا البرهان.!
وهم فى هذا كلّه إنما يريدون أن يدفعوا عن مقام هذا النبي الكريم أن يطوف به طائف من السوء، أو تنحلّ عزيمته أمام أية فتنة، أو تستجيب طبيعته لأى إغراء.. فمقام النبوة هو القمة التي لا ترقى إليها الشبه، ولا يرتفع إلى سمائها هذا الدخان المتصاعد من شهوات النفوس وأهوائها، حين تشبّ فيها نيران الشهوة، ويتّقد لهيب الفتنة؟ ولكن فات هؤلاء الذين ينظرون إلى النبي هذه النظرة- ونحن ننظر إليه كما ينظرون- فاتهم أن النبي بشر
стр. 2406
قبل أن يكون نبيّا.. وأنه حين يلبس ثوب النبوة لا يخلع ثوب البشرية أبدا..
وغاية ما هنالك أنها بشرية فى أعلى مستواها وأشرف منازلها..
وعلى هذا، فإن الذي نطمئن إليه، هو أن هذا البرهان كان شيئا حسيا، أو بمعنى آخر، كان حدثا وقع فى تلك اللحظة الحاسمة، فحال دون وقوع هذا الأمر، وكان صارفا عنه.. والذي لولاه لوقع! وهذا البرهان هو- والله أعلم- إشارة كانت تعلن عن قدوم العزيز إلى أهله.. إذ من المعقول جدا أن يكون للعزيز شارة من الشارات، ينبّه بها زوجه إلى أنه قادم إليها.. وذلك كرسول يتقدمه، أو نفير يعلن عنه.. أو نحو هذا..
شأن أصحاب السلطان، حين يغدون، أو يروحون، بين مجلس الحكم، ومجلسه الخاص فى أهله وولده.
وعلى هذا يكون المراد بربه هنا، هو سيده الذي ربّاه، وهو «العزيز» الذي يقول عنه: «إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ» .. ويكون بذلك، الضمير فى «ربه» عائدا إلى ربه هذا.. وقد جاء على لسان يوسف أكثر من مرّة، الحديث عن السيد بلفظ الرب.. «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» .. «ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» ..
وهذا الحدث الذي كان سببا مباشرا فى الحيلولة دون وقوع المعصية، هو بالنسبة ليوسف ﵇ برهان من ربّه، وآية من آيات فضله عليه، وحراسته له..!
فالأسباب الموصّلة إلى الأعمال الطيبة، أو الحائلة دون السيئة، هى دليل على عناية الله وتوفيقه.. كما أن الأسباب المؤدية إلى الشرّ، أو الصارفة عن الخير، دليل على خذلان الله للعبد، وتخليته وأهواء نفسه ونزغات شيطانه! فللذين التقوا بالأنبياء والرسل، وكانوا من حوارييهم وخلصائهم، إنما
стр. 2407
انتصبت لهم الأسباب المسعدة التي وصلتهم بهم، ومكنت لهم من أن يقبسوا من الهدى الذي بين أيديهم! وكذلك الذين التقوا بالرسل والأنبياء، وكانوا حربا عليهم، وظلاما يحجب ضوء الهدى عن الناس- إنما اجتمعت لهم الأسباب التي وقفت بهم هذا الموقف، وساقتهم إلى هذا البلاء! فالأسباب، ألطاف من ألطاف الله، وآيات من آيات رحمته، يدنيها- سبحانه- من أوليائه، وييسرهم لها.. أو هى مزالق وعثرات يهوى إليها أعداء الله، ويتساقطون فيها.. «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» (٥- ١٠: الليل) ومجىء العزيز، أو ظهور الشّارة الدالة على مجيئه فى تلك اللحظة الحاسمة، هى آية من آيات الله، ورحمة من رحمته، ولطف من ألطافه، وحراسة قائمة على هذا النبي الكريم أن تزلّ قدمه.. وهكذا تحفّ ألطاف الله بعباده المخلصين، وتتداركهم رحمته، فى أمثال هذه الساعات الحرجة.. يقول الله تعالى فى يونس ﵇: «فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (١٤٣- ١٤٤: الصافات) .. فهذا التسبيح الذي ألهمه الله إيّاه، هو اللطف الذي أمدّه الله به، وهو حبل النجاة الذي أرسله إليه وهو فى بطن الحوت.. ويقول سبحانه فى يونس أيضا: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» (٤٨- ٥٠: القلم) وفى هذا يقول ﵎ لمحمد صلوات الله وسلامه عليه: «وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ
стр. 2408
الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً»
(٧٤- ٧٥: الإسراء) ويقول سبحانه عن رسله جميعا: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا» (١١٠: يوسف) فالرسل، والأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- مبتلون بما يبتلى به الناس من فتن، تلحّ عليهم بأهوالها، فيتلقونها بعزماتهم، ويصدّونها بإيمانهم، ويستعصمون منها بكل ما فى طاقاتهم من قوّى، حتى إذا استنفدوا كل ما فى كيانهم من صبر وبلاء، وكادوا يهزمون فى هذا الصراع المحتدم، جاءهم نصر الله، وتوافدت عليهم أمداده وألطافه، فربطت على قلوبهم، وثبتت من أقدامهم، وإذا هم فى مقامهم الرفيع الكريم، وإذا الفتن صرعى بين أيديهم، ملففة فى تراب الخزي والاندحار! وأي فضل لأنبياء الله ورسله على غيرهم من الناس، إذا هم لم يبتلوا هذا البلاء، وإذا هم لم يجاهدوا هذا الجهاد فى مواجهة الفتن ومغالبة الأهواء والشهوات؟
وأي فضل لهم إذا كانت الفتن لا تحوم حولهم، وكانت الأهواء والشهوات تتساقط من نفوسهم من غير جهد وعناء؟ وأي فضل لهم يحمدون عليه، ويستأهلون به هذا المقام العظيم الذي هم فيه، إذا لم تتحرك فيهم دواعى الشهوات، ولم تنازعهم الأهواء؟
إن الثواب- كما يقولون- على قدر المشقة..
وهذا يعنى: أن نصيب أنبياء الله، ورسله، وأوليائه من المعاناة والمشقة أكبر نصيب، وأنه يقدر ما واجهوا من بلاء وفتنة بقدر ما كان لهم من منزلة عند ربهم..
وفى رسول الله- ﷺ المثل الأعلى فيما امتحن به، وفيما تعرض له، من فتن وابتلاء، فى مشاعره، وعواطفه، ونوازعه.. فلقد شهد
стр. 2409
أهله يتمزّقون بين يديه شيعا، ورأى أتباعه وأحبابه يعذّبون بسياط الظلم بين يديه، ويموتون تحت وطأة هذا العذاب، كما رآهم وهم يخرجون مهاجرين، فارّين من وجه هذا البلاء، مخلّفين وراءهم أهلهم وديارهم وأموالهم.. ثم رآهم فى ميدان القتال يخرون صرعى، يفدّونه بأنفسهم، وبودّه لو فدّاهم بنفسه..
وهكذا كانت حياة النبىّ ساعة بساعة، بل ولحظة لحظة، مسيرة شاقّة على درب طويل من الآلام والمحن.. وبهذا استحقّ تلك المنزلة التي استوى بها على هامة الإنسانية كلها، فكان سيد خلق الله، وخاتم رسل الله، وإمام أنبياء الله!! وعلى هذا، فإنّ لنا أن نفهم قوله تعالى: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» على أن امرأة العزيز قد همّت به، وأنه- ﵇ همّ بها وكاد الأمر يقع، لولا أن تداركه رحمة من ربّه، فأقام هذا السبب المادىّ حائلا دون وقوع الفاحشة..
وفى هذا تتجلّى رحمة الله بأوليائه، ورعايته لهم! ومن جهة أخرى، فإن رسل الله- صلوات الله وسلامه عليهم- ليسوا من عالم الملائكة، وإنما هم بشر، تتحرك فى كيانهم نوازع الإنسان وشهواته، وأنّهم يغالبون هذه النوازع، ويمسكون زمام تلك الشهوات، ولكن إلى مدى، هو غاية ما يبلغه احتمال البشر.. حتى إذا كان النبىّ من أنبياء الله أو الرسول من رسله فى مواجهة تجربة كهذه التجربة، التي استنفد فيها- كإنسان وكنبىّ معا- كلّ مالديه من صبر واحتمال، بشرىّ- جاءت أمداد الله، لتمد النبىّ فى هذه المعركة التي لا بد أن يكسبها، ويكتب له النصر فيها، وذلك لحساب النبوّة والرسالة، ولحساب النبىّ كنبىّ والرسول كرسول.. تماما كما جاءت أمداد السّماء لتشارك فى معركة بدر، ولتقوم إلى جانب الجهد الإنسانىّ، فى كسب أول معركة للإسلام، تلك المعركة التي كان لا بد له أن يكسبها!!
стр. 2410
وقد أحسن الإمام البيضاوي، حين قال عن همّ امرأة العزيز بيوسف وهمّه هو بها: «قصدت مخالطته، وقصد مخالطتها.. والهمّ بالشيء: قصده والعزم عليه.. والمراد بهمّه ﵇، ميل الطبع، ومنازعة الشهوة، لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله، من يكفّ نفسه عند قيام هذا الهمّ ومشارفة الهمّ» .
- وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» أي بمثل هذا البرهان نجىء به إليه، لنصرف عنه «السّوء» أي الأذى، الذي تتعرض له فطرته السليمة «والفحشاء» أي المنكر الممثل فى الزّنا. «إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» هو تعليل لما أراد الله بهذا النبىّ الكريم من خير، فصرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباد الله الذي اصطفاهم الله، وجعلهم خالصة له.
«وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ» .
حين رأى يوسف برهان ربّه، وهو الشارة الدلّة على مقدم العزيز إليهما- رأته معه كذلك امرأة العزيز، فأسرعا إلى الباب المغلق دونهما، وأسرع كل منهما طالبا الخروج من المخدع، وقد كان يوسف أسرع منها، فتناولته من خلف بيدها لتسبقه، ولتنجو بنفسها، فعلقت يدها بقميصه فقدّته من دبر، أي قطعته طولا، من الخلف.. وما كاد يفتح الباب حتى كان «العزيز» معهما وجها لوجه.. وكان جوابها حاضرا، إذ كانت تعيش فى هذه المحنة أياما وليالى، وتفكر فيها وتقلّبها على جميع وجوهها واحتمالاتها.. ومن هذه الاحتمالات أن يعلم زوجها بالأمر، أو يضبطها متلبسة به.. فلما وقعت الواقعة، وجدت الجواب الذي أعدته. «قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ» .
стр. 2411
وهكذا تتّهم، وتحكم فى التهمة، فلا تدع لزوجها فرصة للتفكير فيما ينبغى أن يواجه به هذه الموقف.. فها هوذا الحلّ حاضر بين يديه، لا يحتاج منه إلى تفكير! - وفى قولها: «مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً» إشارة إلى أن الأمر لم يجاوز حدّ الرغبة والإرادة.
- وفى قولها «بِأَهْلِكَ» بدلا من قولها «بي» لتضيف نفسها إلى العزيز، فتثير عاطفته نحوها، على حين أنها تغريه بهذا الذي اعتدى على العزيز فى أهله! «قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.. وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها.. إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .
وكان ردّ يوسف على هذا الاتهام الجريء له، قوله: «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي» .. ففى هذه الكلمات القليلة المستغنية بصدقها عن كل قول، دفع يوسف التهمة الظالمة التي رمى بها.. وهكذا شأن أصحاب الحقّ، يجدون فى الكلمة المرسلة على طبيعتها من غير حلف أو توكيد، ما يغنى عن كل قول.. وليس كذلك شأن أصحاب الزور والبهتان.. إنهم يكثرون من الثرثرة واللغو، ويبالغون فى الأيمان الكاذبة الفاجرة، ليداروا هذا الباطل الذي يجرونه على ألسنتهم، وليبعثوا فيه شيئا من الحرارة والحياة! - قوله تعالى: «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها» .. هو جملة حاليّة، جاءت مصدقة لقول يوسف: «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي» .. أي قال هذا القول الذي صدّقه الحال، والذي استدل به العزيز على صدق يوسف وكذبها..
وقد اختلف المفسرون فى هذا الشاهد الذي شهد.. فقالوا إنه طفل،
стр. 2412
أنطقه الله، وقالوا إنه رجل من أهل العلم.. وقالوا، وقالوا! والذي نراه- والله أعلم- أن هذا الشاهد هو العزيز نفسه، وأنه إذ نظر إلى يوسف، فرأى قميصه ممزقا، أدار بينه وبين نفسه حديثا عن هذا القميص:
لم مزّق؟ ومن مزّقه؟ ولم كان ممزقا من خلف لا من أمام؟ وهل لذلك من دلالة؟ .. ثم أسلم نفسه لتفكير عميق، وفى رأسه تدور الأفكار، وتموج الخواطر.. يقلّب الأمر على جميع وجوهه، ويعرضه على كل احتمالاته.. ثم ينتهى به الرأى إلى تلك الحقيقة التي هى فيصل الأمر، ومقطع الرأى: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .. هذا ما أمسك به العزيز من الخواطر الكثيرة، والآراء المتدافعة التي كانت تتوارد عليه.. وقد أمسك أولا بالخاطر الذي يبرىء زوجه، ويدين يوسف، فذلك هو الذي كان يرجوه، ويودّ لو أن هذه الفاجعة قد أقامت له الدليل عليه! «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ..»
وإذ استراح العزيز إلى هذا الرأى، تلّفت إلى يوسف، وأخذه بعينيه، ونظر إلى القميص، فرآه قد قدّ من دبر! «فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ» ..
وهكذا برئت ساحة يوسف- وهو البريء دائما- وأقبل العزيز على المرأة، لا ليدينها فى شخصها، بل ليجعل هذه التهمة قسمة مشاعة فى بنات جنسها جميعا.. «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ» أيتها النساء «إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ» إنّ فيكنّ المكر والدهاء، وسعة الحيلة فى هذا المجال.. وإذن فلا يستغرب منك هذا، بل ولا ينكر منك، فما أنت إلّا واحدة من بنات جنسك!! فلا عليك! «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ» .
- «يوسف» منادى، أي يا يوسف، والمنادى له هو العزيز، يحذّره- وإن
стр. 2413
ظهرت براءته عنده- من أن يحوم حول هذا الحمى! ثم يلتفت إلى المرأة يطلب إليها أن تستغفر لهذا الذنب، وأن تطلب الصفح عن هذه الخطيئة التي كادت تقع فيها..!
وليس من الحتم اللازم أن تكون هذه المرأة مؤمنة بالله، حتى تستغفر لذنبها- كما يقول بذلك المفسرون- بل يجوز- وهو الغالب- أن تكون وثنية، تطلب الصفح والمغفرة من وثنها الذي تعبده، أو من الكاهن الذي يقوم على خدمة هذا الوثن! - وفى قوله تعالى: «إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ» بدلا من قوله: إنك كنت من الخاطئات، ليخفف على نفسها وقع هذه التهمة التي واجهها بها، فلا يجعل تلك الخطيئة مقصورة على بنات جنسها وحدهن، بل يشاركهن الرجال فيها، وهو منهم.. فلا عليها إذن أن تستغفر لذنبها هذا، الذي كان الناس- من نساء ورجال- معرّضين له.. فإذا كنت قد أخطأت فما أكثر الخاطئين قبل الخاطئات! ..
وقد رأينا من قبل كيف أنه لم يواجهها بالتهمة فى شخصها، بل واجهها بها فى بنات جنسها: «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ» ..
وقد اتهم بعض المفسرين «العزيز» بأنه كان ناقصا فى رجولته، ولم يكن له أرب فى النساء، لأنه استقبل فعلة امرأته بهذا الاستخفاف والبرود! ..
وهذا تعليل غير صحيح.. إذ المعروف أن من كان فى رجولتهم شىء من النقص، داروه بتلك الغيرة الزائدة، المجاوزة لكل حدّ! ..
ولعل أقرب تعليل لموقف «العزيز» هذا، هو أنه كان ينظر إلى يوسف نظرته إلى ابنه، وأن ما كان من امرأته لم يكن إلا نزوة طائشة، أعمتها عن أن
стр. 2414
تنظر إلى يوسف نظرة الأم إلى ولدها، وأنها سرعان ما تعود إلى رشدها وتصحح نظرتها إليه..
والذي جعلنا نميل إلى القول بأن الشاهد الذي شهد بإدانة امرأة العزيز، هو العزيز نفسه- الذي جعلنا نميل إلى هذا القول، هو ما يشهد به واقع الحال، وهو أن «العزيز» وهو صاحب هذا المقام فى قومه، ما كان له أن يفضح نفسه وأهله على الملأ، وأن يستدعى من يحتكم إليه، فى أمر شهده هو بنفسه، واطلع عليه من غير أن يدله عليه أحد! وإنه لمن السفاهة والحمق، بل والعجز، أن يعرّض العزيز مكانته، وشرفه وشرف أهله لهذه الفضيحة على الملأ.. فيصبح، وإذا هو وزوجه على ألسنة الناس، يطلقون فيهما قالة السوء، ويولدون من هذا الحدث أحداثا تنمو وتتضخم على الأيام! فكان من الحكمة إذا أن يتدبر «العزيز» أمره بنفسه، وأن يحصر الأمر فى أضيق حدوده، وأن يحسمه هذا الحسم الرشيد، فى غير صخب وضجيج.. فكان حكمه هكذا:
- «يُوسُفُ: أَعْرِضْ عَنْ هذا» ..
- «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ.. إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ» ..
لفتة إلى يوسف، ولفتة إليها..
ثم انتهى الأمر عند هذا الحد.. ولكن إلى حين..!
فلقد دبّر العزيز فى نفسه أمرا.. ولكن بعد أن تنتهى هذه العاصفة.. فتحيّن ليوسف فرصة يدفع به إلى السجن بها.. ولكن من غير أن يكون لامرأته- فى ظاهر الأمر- شأن يتعلق بها فى أمر يوسف وسجنه.. من قريب أو من بعيد! على ما سنرى فى أحداث القصة.. بعد..
стр. 2415
(الآيات: (٣٠- ٣٥) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٥]
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)
التفسير:
العزيز: السيد ذو السلطان والقوة، فهو عزيز بسلطانه وقوته..
شغفها حبّا: أي ملك قلبها، واستبد به.. والشّغاف: وسط القلب.
أعتدت لهن متكأ: أي أعدّت وأحضرت، وشىء عتيد أي حاضر.. والمتكأ:
стр. 2416
ما يتكأ عليه، من وساد ونحوه.. أصب إليهن: أي أميل، والصبوة الميل إلى النساء خاصة، وصبا وصبأ أي مال، ومنه الصابئة، وهم الذين مالوا مع هواهم إلى عبادة غير الله.. والصبا: ريح لطيفة، تهب فى أصائل الأيام القائظة، فتميل إليها النفوس..
قوله تعالى: «وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .
لأول مرة يكشف القرآن الكريم عن شخصية المرأة التي راودت يوسف عن نفسه. فيحدّث عنها بأنها امرأة العزيز، أي السيد الحاكم فى مصر، ومن هذا نعرف أن البيت الذي ضم يوسف إليه واحتواه، هو بيت حاكم مصر..
ولم يكشف القرآن من قبل عن مركز هذه المرأة الاجتماعى، لأن الأحداث كانت تجرى على المستوي المألوف فى حياة الناس، عامّتهم، وخاصتهم على السواء.. فأى بيت كان يمكن أن يضمّ يوسف إليه، وأي امرأة كان من الممكن أن تراوده عن نفسه، سواء كانت امرأة ملك أو سوقة.. إنها امرأة أيّا كان وضعها الاجتماعى! إذ لم يكن ليوسف خيار فى اختيار السيد الذي يملكه!.
أمّا حين يكون للحدث ذكر يراد به الكشف عن وقعه فى المجتمع وأثره فى الناس، فإن الأمر يختلف بالنسبة لمن يتعلق به الحدث، من حيث وضعه الاجتماعى ومكانته فى المجتمع..
فالحدث يكبر أو يصغر، وتتسع دائرته أو تضيق تبعا لمن تعلق به الحدث..! إذ يقتل الرجل من عامة الناس، دون أن يشعر الناس بهذا الحدث أو يلتفتوا إليه، على حين يصاب الحاكم أو السيد من سادة القوم، بخدش أو
стр. 2417
جرح، فيكون ذلك حديث الناس فى الأندية والمحافل، ليوم أو لبضعة أيام، وربما لشهور أو سنين..
فعيون الناس وآذانهم متعلقة بأصحاب السلطان والسيادة فيهم.. يتسمّعون أخبارهم، ويرقبون أحوالهم، ويشتغلون بالحديث عنهم، فى كل ما يتصل بهم من صغير أمورهم وكبيرها.. هكذا الناس فى كل زمان ومكان..
وعلى الرغم من أن حادثة امرأة العزيز كانت فى دائرة ضيقة، لا تتعدى المرأة، ويوسف وزوجها، فإنه سرعان ما نفذت العيون من خدم القصر إلى هذا السر، ووقعت الآذان عليه، فكان همسا على الشفاه، ثم كان حديثا دائرا على الألسنة، أقرب إلى الإشاعة منه إلى الحقيقة.. وذلك لما كان من العزيز فى معالجة هذا الأمر، بحكمة، ولطف، وحذر.
والنساء هن أكثر الناس بحثا عن أسرار البيوت، وأقدرهن على فتح مغالقها وكشفها..
وها هى ذى امرأة العزيز تصبح هى وفعلتها مع يوسف، حديث الطبقة العالية فى نساء المجتمع، ممن هنّ على مداناة وقرب منها.
«وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ.. قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. هكذا يتحرك الخبر، وتتحرك معه التعليقات المناسبة له.. «قَدْ شَغَفَها حُبًّا!!» أي ملأ قلبها حبّا، واستولى عليه.. «إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ! إنها الفضيحة قد أخذت تتحرك بسرعة فى المجتمع، وإنها اليوم حديث نساء الحاشية، وما حولها، وغدا ستكون حديث البلاد كلها.. فلابد إذا من تدبير يمسك هذه الفضيحة، أو يخفف من انطلاقها، وإلّا أفلت الزمام وساءت العاقبة!
стр. 2418
وفى سرعة، وحكمة، أخذت امرأة العزيز تعمل وتعمل! كما أخذ العزيز يفكر ويقدّر..
«فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ..» «فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ. وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ.. ما هذا بَشَراً. إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» لقد أعدت امرأة العزيز وليمة، ودعت إليها هؤلاء النسوة اللاتي تحدّثن عنها بهذا الحديث الذي عرّضن فيه بها، وجرّحنها بقوارص الكلم، وطعنّها بألسنة الاتهام! وكان من تدبيرها أنها هيأت لكل واحدة منهن متّكأ، لتسلم نفسها إليه، مسترخية، وتمسك فى يديها بسكين حادّ مرهف، تعالج به بعض الفاكهة التي بين يديها..
وهكذا أخذ النسوة مجلسهن هذا عند امرأة العزيز، وهن متكئات على المساند اللّينة، يتناولن الفاكهة بعد أن امتلأن بما قدّم لهن من شهىّ الطعام، على مائدة حفلت بكل ما لذّ وطاب منه.. وما كاد يبدأ الفتور عليهن، وهنّ مستسلمات لتلك الإغفاءة اللذيذة، التي تطوف بالمرء بعد غذاء شهىّ، يتجاذبن الأحاديث فى تكسّر وفتور أشبه بأحلام اليقظة- حتى تضرب المرأة ضربتها فتصيب منهن مقتلا! وإذا يوسف، وقد أخذ زينته، إلى ما حباه الله من جمال الصورة، وجلال النبوة، يطلع عليهنّ، وكأنه ملك نزل من السماء، لا يدرين من أين جاء، فيصحون صحوة السكران من خماره، حين يجد نفسه بين يدى ظاهرة من ظواهر الطبيعة المفاجئة المذهلة.. وإذا كيانهنّ كله يصبح عيونا معلّقة بهذه المعجزة التي طلع عليهن القدر بها! واستبدّ بهنّ الذهول، ولم
стр. 2419
يعدن يدرين ماذا يمسكن فى أيديهن.. وفى حركات لا شعوريّة أعملن السكاكين فى أيديهن، فأصابت منهن ما كان من شأنه أن يصيب الفاكهة منها.. فسالت الجروح، ونزفت الدماء!! وعندئذ تنبهن إلى وجودهن..
«وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ.. ما هذا بَشَراً..! إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» !! عندئذ استوثقت امرأة العزيز مما وقع فى قلوبهن من يوسف، فصرّحت يمكنون سرّها، ووجدت أن ذلك ليس مما يعيبها، إذ كان الأمر أكثر مما تحتمله هى أو غيرها من النساء، فى مواجهة هذه المعجزة التي لا قبل للنّاس أن يتحدوها.
«قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ» وهكذا كان انتقام المرأة لنفسها ممن أظهرن الشماتة بها.. لقد أذاقتهن من نفس الكأس التي شربتها، فسكرن سكرتها، ووقعن أسيرات لهذا الجمال الآسر، وعشن معها بهذا الداء، يعالجنه، ويطلبن الشفاء له.. وهكذا أخرست تلك الألسنة التي كانت تذيع قالة السوء فيها، فشغلت كل واحدة منهن بهمومها، وأشجانها، مع هذا الجمال الملائكى القاهر.
أما يوسف- ﵇ فقد تضاعفت محنته، وتكاثرت حوله الفخاخ والشباك المنصوبة لصيده، والكيد له، ولم يكن له إلا ربّه- يطلب العون منه، والحماية والصون ممّا يكاد له.
«قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ» ..
إنه بين يدى كيد يكاد له، وفتنة ملحّة تتبدّى أمام ناظريه، وتجىء إليه بكل مغرياتها.. وهو- بعد- إنسان.. معه قلبه، وشبابه وشهوته
стр. 2420
وإنه- فى دينه ومروءته- ليؤثر السّجن على ما يدعونه إليه من إثم..
ولكن للاحتمال طاقة، وللصبر حدّ، ولن يمسك عليه دينه، ويدفع عنه هذا البلاء الذي لا يحتمل، إلّا عون يعينه الله به، وقوة يضيفها الله إلى قوته.
«وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ» .. فصرف هذا الكيد، وإبعاد تلك الفتنة من طريقه، هو الذي يصرفه عن هذا البلاء، ويعافيه من هذا الشرّ، وذلك برعاية الله له، وصرف السوء عنه.
«فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ.. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..
ولا تسل ما تدبير الله فى هذا، فذلك من قدرة الله، ومن آياته..
«ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ» .. أي ثم بدا للعزيز، مع ما شاهد من الآيات الدالة على عفّة يوسف وبراءته مما رمته امرأته به- بدا له أن يأخذه بشىء من العقاب، وأن يلقى به فى السجن، وذلك بعد أن هدأت نار الفتنة، ونسى الناس أمرها، حتى لا يقال: إن العزيز قد ألقى بيوسف فى السجن عقابا للحدث الذي كان بينه وبين امرأته.
وتعالت حكمة الله..!!
لقد كان هذا السجن هو الصّارف الذي صرف به هذا الكيد الذي يراد بعبد من عباده المخلصين.. فلقد عزله هذا السجن عزلا تامّا عن موطن الفتنة، وباعد بينه وبين آفاقها التي تطلع عليه منها..
ثم كان هذا السّجن الطريق الذي سلك به إلى هذا الملك الذي أراد أن يضعه بين يديه: «وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» .
следующие страницы →